A PHP Error was encountered

Severity: Warning

Message: file(): http:// wrapper is disabled in the server configuration by allow_url_fopen=0

Filename: views/template.php

Line Number: 35

A PHP Error was encountered

Severity: Warning

Message: file(http://static.vipeople.com/menu/index.php): failed to open stream: no suitable wrapper could be found

Filename: views/template.php

Line Number: 35

A PHP Error was encountered

Severity: Warning

Message: implode(): Invalid arguments passed

Filename: views/template.php

Line Number: 35

لا يا قلب

الكاتب: قصتي مشاهدات: 1296 التصنيف: روايات أحلام

-لم اسمع منه صوتاً طوال بعد الظهر.
وبينما هي تتكلم صدر صراخ مرتفع عبر الردهة وبضحكة عالية ركضت لورا إلى غرفة نومها وحملت ابن شقيقتها المنتحب من مهده.
وتوقف بكاءه فجأة , وحدقت بها عينان بنيتان لطفل في الشهر السادس من عمره.
_انظروا إلى كل هذه الدموع....!
ومسحت بأصبعها برقة قطرات دمع تعلقت بأهدابه الطويلة الجميلة.
وتبسم الطفل فوراً, وحظنته لورا إلى صدرها وحملته إلى المطبخ وهي تقول:
-سيدي جوليو يصرخ ليحصل على طعامه
فقالت ليندا :
-أعطني اياه وانا اطعمه.
وأخذت الطفل بين ذراعيها وتابعت:
-اذهبي واسترخي في مغطس ساخن,ولاتخرجي منه قبل موعد العشاء.
حاولت لورا عدم إظهار ارتياحها واعطتها الطفل وذهبت لتنفض عنها الأعياء.
فثمانية ساعات من العمل المضني تحت الأنوار الحارة في استديو للتصوير جعلتها تشعر بالتعب.
كيف تستطيع النساء تدبير أمر منزل وزوج وعائلة, بينما هي يرهقها الآن طفل واحد.
وقالت لها ليندا فيما بعد :
_أنت لست معتادة على الروتين المنزلي حتى , وقد أصبحت مسؤولة عن طفل أيضاً . . .
-لم يكن الأمر مفاجئاً لقد عملت قبل تسعة أشهر...
-ولكن لم تكوني تعرفين أن شقيقتك ماري ستموت وتترك لك أمر رعاية طفلها.. لاتستطيعين الأستمرار هكذا..
ومرت غيمة من الألم على وجه لورا . قد يكون عليها مواجهة الانهيار لو استمرت بمحاولة التوفيق بين عملها المرهق والطفل.
ولم يكن هذا الأنهيار بعيداً عنها. ولكنها كانت تخفي ارهاقها جيداً, وكانت روحها المرحة تعمي معظم الناس عن نحول خديها والبقع الزرقاء تحت عينيها الخضراوين.
حتى التعب لم يكن باستطاعته أن يخفي جمال لورا ولا لمعان شعرها الأحمر. عندما تكون تربطه للخلف.ولكن عندما تكون مرتاحة, تتركه ينسدل بكامل جماله على كتفيها المستديرين.
وقالت لها ليندا:
- عليك إما ان تحضري من يعتني بجوليو , او أن تخففي من ضغط العمل. فليس بإمكانك المتابعه هكذا. سأعود أنا إلى عملي بعد اسبوعين. ولن أستطيع مساعدتك حتى لو كانت لدي الرغبة.
-أعلم هذا. ولكنني أكره فكرة ترك الطفل مع شخص غريب .مساعدة الأمهات أمر جيد
عندما تكون الأم موجودة للمراقبة .وانا لا أستطيع التخفيف من ضغط عملي لأنني بحاجة للمال..
-وماذا ستفعلين إذاً ؟
-ربما . . لشهر أو شهرين, ولكنه سيبدأ بالزحف بعدها , ولن يمكنك إبقاءه في المهد.
- سأدبر أمري عندما نصل إلى هذا.
- خذي نصيحتي وأجبري عائلة ماسيني أن تدفع مصاريف الرعاية0
- لا أريد أية علاقة بهم. عندما أفكر بما فعلوه مع ماري. . .
وغلبها التأثر فتوقفت عن الكلام. وتذكرت كيف بدأت علاقة شقيقتها بجوليانو وكيف انتهت بهما إلى مأساة.
وقالت لها ليندا:
-لو أن ماري تزوجت جوليانو! لكان للطفل وضعه قوي على الأقل.
-وكانوا سيأخذونه مني أيضاً. ولن أتركه يُربى بين يدي هذه العصبة من الارستقراطيين المتعجرفين!
-لا تستطيعين لومهم لأنهم لم يستقبلوا ماري بذراعين مفتوحين.
- لم يرحبوا بها على الإطلاق. لأنها كانت تعمل كعارضة أزياء, حتى أنهم رفضوا رؤيتها.
وجوليانو لم يستطع إجبارهم على هذا.
-أمر لايصدق كيف أن بعض الناس لديهم هذه النظره الضيقة في هذه الايام.
هل كان والدا جوليانو كبيرين في السن؟
- والده توفي منذ سنوات . والدته وشقيقه, وخاصه شقيقه, من يدير العائله الآن.
***********************

- لا أعلم لماذا أطاعهم جوليانو. . .
- عائلة ماسيني من الصقليين , والطاعة أول شي يتعلمه الأولاد عندهم. ولهذا وقع في غرام ماري،لقد كانت دافئة ومرحة, وأحبا بعضهما كثيراً وعندما علم جوليانو أن ماري تنتظر طفلاً,قرر أن يتحدى عائلته ويتزوجها. .
- و أنه لم يقتل. . لفد كان الحظ السىء ينتظرها.
-الحظ السئ كان لي عندما ماتت. لم اكن اصدق أن النساء يمتن أثناء الولادة هذه الأيام
كان شيئاً يقرأ عنه المرء , ولايحدث فعلاً في القرن العشرين
- هل تعتقدين أن لصدمة مقتل جوليانو علاقة بموتها؟
-لا أعلم بعد مقتله أصبحت غير مبالية, كان من الممكن أن تكون الصدمة أخف لو أنه كان في أنجلتراولكنه قتل في استراليا على بعد آلاف الاميال عنها, ثم سمعت النبأ من الراديو!
وأظن هذا أفظع جزء من المأساة, ولعلمها أن ليس لديها موقف قانوني. . .
- ولماذا لم تتصل بعائلته لتخبرهم أنها حامل؟
- كانت خائفة أن ينتزعوا الطفل منها.
-لم يكن بمقدروهم فعل هذا.
- لو كانت حية أجل . . لكن الآن انت تعرفين القانون الايطالي..وبموت ماري,لن يكون أمام عائلة ماسني أية مشكلة في انتزاع جوليو مني. .
- الكثير من الناس يعتقدون أنه ولدك. كلاكما اختفى عن الانظار لستة أشهر
وأعتقد الناس أن ماري ترعاك, بدل أن يكون العكس.
- هذا أفضل لي. . لن يكون جدال حول طفل من هو !
في الأسابيع التي تلت, نفّذت لورا قرارها بأخذ ابن شقيقتها معها الى العمل .وماعدا التعب الجسدي في حمله معها.
استطاعت تدبير أمورها, ولكن بمرور الوقت أصبح يرفض البقاء في مهده. وأراد أن يحبو متجولًا على الارض,وهذا كان مستحيلاً عندما تكون تعمل في الاستديو , والمكان مليء بخطوط الكهرباء كما كان مستحيلاً أن تلعب معه أو تحمله. في إحدى المرات, وهي تصور عرضاً للأزياء كانت تحمل الطفل في حجرها بين اللقطات , والموسيقى صاخبة, وتحاول ان تهدئه. وأخذت تصيح: "اطفئوا الموسيقى عندما تنتهي اللقطة , إنها تدفعني للجنون".
الكاميرا في يد, وباليد الأخرى ازاحت عن وجهها خصلة شعر. واستدارات بقلق بعيداً عن الأضواء. وصرخت ثانية:" اطفئوا الموسيقى" ثم توقفت, وقد شاهدت رجلاً يقف قرب أحد أعمدة الإضاءه. كان منظره لافتاً للنظر,ليس بسبب طوله فقط بل للوقار الذي كان يبدو عليه والذي بدا لافتاً في الحركة والضوضاء المحيطان به.إنه ليس محرراً لمجلة ما وأنزلت يدها الى جانبها.
ربما يكون ممثل شركة إعلانات, او شخص ما له علاقة بشركة الأزياء التي تعمل على تصوير منتجاتها .
وركضت بضع خطوات نحو ابن شقيقتها الذي كان لا يزال يصرخ. وحملته بين ذراعيها.
وأعطته عناقاً غير متلهف كثيراً لعلمها أنه لا يشكو شيئاً سوى انه غاضب. وقال الرجل:
-آنسه ستيورات؟
وهدهدت الطفل بين ذراعيها والتفتت لتنظر اليه متسائلة :
- هل تريدني أنا؟.
وهز رأسه بالإيجاب وبدأ يتكلم, ولكن بسبب صوت الموسيقى لم تستطع سماعه.
واقفل فمه ونظر بضيق إلى الغرفة من حوله, وكأنه لا يعلم من أين يأتي الصوت.
وصرخت لور ا:
- اطفئوا آلة التسجيل. وعلى الفور .
توقفت الموسيقى وساد صمت مطبق على الغرفة ولكن سرعان ما بدأت أصوات كؤوس الشراب والحديث.
فقالت لورا:
- هل أردت التحدث معي؟
وتقدمت نحو الرجل,فقال لها:
-آنسه ستيورات.
ثم نظر ثانية من حوله دون محاولة إخفاء تكدره. .

**********************
-أليس هناك مكان هادئ نستطيع الذهاب إليه؟.
- هذا أهدأ مكان,ولكن نستطيع الوقوف في الطرف الآخر من الغرفة.
وانتظر إلى أن سارت أمامه ,ووصلا إلى آخر الغرفة حيث عدة أعمدة لتعليق الثياب واتكأت عليها معيدة توازن ابن اختها الذي تحمله على وسطها , والذي أحست أنه أصبح ثقيلاً. ثم نظرت إلى الغريب ,حتى دون لكنته الغريبة الجذابة لم تكن لتخطئ بأنه ليس انجليزياً ,فله شعر أسود ناعم كثيف ،حاجباه عريضان مستقيمان فوق عينين جميلتين داكنتين وغير عاديتين، ولكنهما لم تكونا سوداوين بل بنيتين دافئتين مع بعض اللون الذهبي فيهما .
ملامحه كانت نافرة، أنف كبير, فم مكتنز ،شفته السفلى سميكة, ذقن مربع بطابع عميق في الوسط. ولكن هذا لم يثر اهتمامها كثيراً , نظرة النفور التي تسائلت ماذا فعلت لتستحقها. وقالت بنفاذ صبر:
-حسناًَ , قل ماتريد ، سأبدأ اللقطات بعد دقائق.
- اللقطات؟
وأشارت إلى الكاميرا المعلقة حول عنقها , وتبع ابن اختها حركتها, ومد يده إلى الكاميرا ,
فقالت:
- لا. . كلا لن تفعل
وأدارت الكاميرا لتصبح وراء ظهرها , وفتح جوليو فمه باكياً ,وقال الرجل :
- أرجوك أن تلاطفيه حتى يسكت!
- أسكته أنت. . .
ودفعت بالطفل إليه, ومد يديه الضخمتين ليلتقطه ولكن فم الطفل انفتح بشكل أوسع وتعالى صراخه, ونظر الرجل إليه وصرخ بغضب ( اصمــت) وحدق الطفل به , وعيناه البنيتان الواسعتان مليئتان بالدهشة لنبرة صوته. وحضرت لورا نفسها للغضب القادم , ولم تنتظر كثيراً فقد أخذ الطفل نفساً عميقاً , وأخرج صوتاً ارتجت له الجدران , وجفل الرجل, ولم تتمالك نفسها من الضحك . سيعلمه هذا كيف يتحدث إلى الطفل وكأنه يتحدث إليها!
ومدت يديها وأخذت الطفل منه , وألقت وجهه على وجهها وهي تهدهده ليصمت.
وعندما عاد جوليو إلى الابتسام ثانية, رفعت رأسها لترى أن الرجل كان لايزال يراقبها.
وقالت له:
- لايفيد الصراخ على الأطفال. . فهم لايحبون هذا.
- لا أستطيع الحكم على مايفضله الأطفال.
- إذاً عليك أن لا تقول للناس كيف يتدبرون امرهم معهم.
- انا آسف .
فابتسمت له , وقالت:
- أنا واثقة أنك لم تأتِ إلى هنا للحديث عن الطفل .... اذاً...
- ولكنني أتيت لأ تحدث عنه .أنا هنا لهذا السبب بالضبط.
وأصابتها الحيرة " أنت هنا بسبب جوليو؟"
- الأفضل ان أقدّم نفسي. لقد أعتقدت أنك تعرفتِ علي.
. - وهل أعرفك؟
- لقد تعرّفت عليك ولو أن لون شعرك مختلف , في صورك كنتِ شقراء الشعر.
- ولكن هذا وصف شــ . . .لا يمكن أن تكون . . أنت لست . .
- روبرتو ماسيني . .شقيق جوليانو . .وعم هذا الطفل. ..


---------------------




2- لعبة لورا

لم تعد لورا تذكر تماماً ماقالته بعد ذلك, كل الذي ما تذكره أن الرجل أوضح لها رغبته في مقابلتها لوحدهاوأنها قد اقترحت عليه آخر الأمر أن يزورها في شقتها عند السابعه مساء.
قبل السابعة بلحظات سمعت دقاً على الباب يعلن عن وصوله , وأسرعت عبر الردهة لتفتح الباب .
وعبرروبرتو ماسيني عتبة المنزل , وبدا لها أضخم , وأخشن , وأكثر سمرة مما تتذكره. كان واضحاً أنه في طريقه لتناول العشاء , لانه كان يرتدي بذلة سوداء من الصوف الممتاز مع قميص أبيض وربطة عنق حمراء ضيقة . . لم يكن يشبه شقيقه , لأن جوليانو كان إيطالي الطراز في حبه للألوان , وكان يرتدي الثياب الفاتحة اللون والربطات المشجرة كالحديقة. هذا الرجل لا يشبه جوليانو في كثير من الوجوه بعيداًعن الثياب .
ولم تجروء على اظهار تخوفها , لأن ذلك سيضعفها , ولديها إحساس مسبق بأنها ستحتاج إلى
كل مالديها من قوة.
ولكنها أولاً يجب أن تعرف لماذا هو هنا . وعندها فقط ستكشف أنها خالة جوليو وليست والدته . مع انها تعجبت لظنه أنها ماري , فعلى الرغم من أنهما توأمان فقد كانت تعرف أنهما مختلفتان.
*************************
وفكرت:
(ياإلهي أنا أفكر وكأنما ماري لاتزال حية , ولكنها ميتة ولاشيء سيعيدها إلي سوى الطفل.
الطفل طفلي أنا. . أنه لي. . )
وخفضت عينيها وأشارت إلى الرجل بالجلوس. وفعل هذا بكثير من الأناقة , على كرسي عالي الظهر ,وكأنه يشير إلى مزاجه غير مرتاح . كان أطول من شقيقه , في الواقع أطول من أي إيطالي تعرفه .
وبشرته سمراء , ولم يكن له جسد أخيه النحيل أيضاً فهو أضخم وكأنه ملاكم . وهذا ما أدهشها أكثر، لأنها كانت تظن بأنه استقراطي نحيل , وليس له هذه البنية الضخمه مثل (البولدوغ) وأسنان تشابه اسنانه, وسألها وقد لاحظ ابتسامتها:
-ماذا يدفعك للابتسام؟
- لاشيء . . . هل تتناول شيئاً؟
- لا . . شكراً . . لقد أتيت إلى هنا للتحدث إليك.
- ألن تمانع لو شربت القهوة بينما تتحدث أنت؟
وهز كتفيه إشارة لعدم اكتراثه وصبت لنفسها كوباً من القهوة.
- أرجوك . . قل ما أتيت لتقوله . . فقد كان يومي طويلاً وأنا تعبة.
- ويومي لم يكن سهلاً ايضاً. فقد كانت رحلتي غير مريحة من روما وأتيت رأساً إلى شقتك لأكتشف أنك لست هنا.
- لا تستطيع لومي لهذا , فأنا لم أكن أعرف أنك قادم.
- من حسن حظي أنني التقيت حارس البناية وعرفت أين أنتِ.لولا ذلك لكنت أضعت معظم اليوم بانتظارأن تنهي عملك.
-يجب عليّ أن أكسب رزقي سيد ماسيني.
- وهل تقترحين عليّ أن أحجز موعداً للتصوير معك في سبيل أن أحظى باهتمامك؟
- لاتكن سخيفاً!
- والتصوير هذا , أهو مهنة جديدة لكِ؟
- عفواً ؟ . .
كانت تلعب لاكتساب الوقت, ليست واثقة بعد هل تخبره بأن ماري ماتت أم لا.
- لقد كنت أعرف أنكِ عارضة أزياء، فلماذا تعملين الآن بالتصوير؟ ليس السبب لأنك فقدت جمال شكلك.
- أجد التصوير مثير للأهتمام أكثر . ولكن أرجوك قل لماذا أنت هنا؟
ووقف, وتجول ببطء في الغرفة. وبدت الغرفة أصغر حجماً أمام حجمه الضخم, ومن الواضح أنه وجد حجمها مقيداً لتحركه, لأنه بعد بضع خطوات عاد إلى مقعده وجلس.
- لقد وصلت أغراض أخي إلى روما في الأسبوع الماضي , اشياءه الشخصية , الرسائل التي كتبها ,ورسالة كان قد أنهى نصفها عندما قتل . ونويت أن أحرقها كلها . ولا أعلم مادفعني لقراءة بعضها .. .ولكن هذا مافعلت . . ولهذا أنا هنا.
- وما السبب؟
- السبب هو الطفل , ومن غيره؟ لم أكن أعلم أنكِ كنتِ تتوقعين طفلاً إلى أن قرأت بعض رسائلك إلى جوليانو قبل مقتله . وهذه بدورها شرحت لي آخر رسالة لي , كان قد كتب نصفها عندما تلقى مكالمة ليخرج الى اختبار القيادة فقتل . قد وضعها ليرسلها لي . . . وكنت سأحضر الى هنا لو أنني تسلمتها .
- وفي الذي كنت ستستلمها سيكون قد مات.
- هذا صحيح.
- لابد أنها كانت رسالة هامة جداًَ لتدفعك للمجيء إلى هنا.
-أجل. . .كانت رسالة خاصة جداً لقد قال أنه قد صمم على أن يتزوجك حتى ولوأدى ذلك الى نفور عائلته منه
- ومع ذلك لم أفهم سبب وجودك هنا ، فلو أنك كنت تحاربه في حياته, فما الذي يدفعك لأن تكون إنسانياً بعد مماته؟
- لم أحضر إلى هنا إلا بسبب أن أخي كان يخطط لجعلك زوجته , وأمام الله,كنت زوجته.. .
- كنت تعلم أن جوليانو واقع في الحب قبل أن يُقتل بوقت طويل . . فلماذا انتظرت إلى أن يموت لتصدقه؟
*********************

- لأنك لست المرأة الاولى التي أُغرم بها . كان غير مستقر في علاقاته, وعندما أخبرنا عنك , لن نصدق بأنها ستكون أكثر ثباتاً من العلاقات الأخرى.
وارتشفت لورا بعضاً من قهوتها, هي أيضاً لم تكن واثقة من دوام هذه العلاقة وغالباً ماكانت تعارض علاقتهما في الأشهر الستة الأولى . ولكنها بعد ذلك , وبعد أن ازداد حبهما بمرور الوقت بدل أن يتلاشى, صدّقت ما قاله بأنه قد وجد في ماري المرأة التي حلم بها . رسالته الاخيره قبل يوم من وفاته , بعد أن علم بأمر الطفل هي التي جعلت ماري تصبر خلال الستة أشهر التي تلت حملها.
- لا زلت غير متأكدة من سبب وجودك هنا .
- أنا هنا بسبب طفل جوليانو . وهذا يذكرني . . ماهو؟
- إنه طفل . .
- اعلم هذا , هل هو ذكر أم أنثى ؟
- انظر بنفسك . . أعلم أنك تفضل ..هل هذا بدل تصديق كلامي!
ونظر إليها نظرة جعلتها تحمّر خجلاً, وتندم لخشونتها.
- إنه صبي . . وكأنما سمعهما الطفل فبدأ بالبكاء .
فسألها الرجل:
- ألم ينم بعد ؟
- كان يجب أن ينام . . ولكنه قلق في هذه الأيام.
- نظراً لطراز معيشته , لست مندهشاً.
- إنه يتمتع بخروجه معي ولقاء الناس.
- لقد بدا عليه التمتع كثيراً بعد ظهر هذا اليوم ! اعتقد أن الاطفال يعبرون عن سرورهم بالاحمرار والبكاء,كما يفعل الآن. . .
- إن اسنانه تبرز , لذا فهو متألم.
- ألا تستطيعين فعل شيء لمنعه من البكاء؟
قال هذا بغضب جعلها تندفع إلى غرفتها وتحمل ابن شقيقتها بين ذراعيها .
وكان لايزال يبكي عندما دخلت به إلى غرفة الجلوس وسارت رأساً نحو الرجل , وناولته الطفل .
هذه المرة كان مستعداً وحمله بشهية جعلتها تتساءل عما إذا كان لديه أطفال هو الآخر. ولم يكن جوليانو قد ذكر هذا , ولم يكن قد نفى كذلك. وشعر جوليو أن ذراعين غريبتين تحلانه , فأخذ يبكي بصوت أعلى , فرفعه روبرتو ماسيني عالياً فوق رأسه , وهزه ملاعباً وعلى الفور ضحك الصبي ,وأملت لورا أن لا يختار هذه اللحظه ليستفرغ.
فقالت بعجلة:
-لن أفعل هذا لو كنت مكانك , فلم يمض عليه وقت طويل منذ تناوله العشاء.
وأنزله الرجل فوراً إلى مستوى وجهه , وحدّقت لورا بالوجهين: إلى أنف الطفل وأنف الرجل , الى الفكين , الى العينين المتماثلتين: بنيتان كبيرتان , وخطوط ذهبيه في عمقهما وفوقهما رموش طويلة معكوفة , وضاقت عينا الرجل وهما تنظران إلى عيني الطفل , وافّتر الفم الكبير المكتنز عن ابتسامة, وسأل بنعومة:
-ما اسمه؟
- جوليو .
. - كان يجب أن يكون جوليانو . انه يشبه أبيه . لدينا صور لأخي في نفس العمر, وهما متماثلا تماماً.
- وهذا ما يجب أن يوقف شكك بأبوته.
- لم يكن هناك أي تساؤل من هذا النوع أبداً آنسة ستيورات فالشك ليس من أخلاقنا, شكنا كان في استمرار حب جوليانو لك. مرة أخرى أمامها الآن فرصة لتخبره بأنه يشير إلى شقيقتها , ولكنها مرة أخرى تراجعت مصممة على معرفة لماذا أتى الى هنا.
- ماذا تريد؟
- الطفل . . أريد أن آخذه إلى ايطاليا وأربيه كابن .
- انا قادرة تماماً على العناية بمستقبل جوليو بنفسي. .
- ربما تكونين قادرة . ولكن شأن الطفل من خصوصياتي , إنه واحد من عائلة ماسيني ويجب أن يِربى بصورة لائقة. .
- وإذا لم أسمح لك ؟
*****************

- لا تستطيعين منعي . .فعلى الرغم من ولادة الطفل هنا , إلا انه يأخذ جنسية والده!.
- لم يكن والده ! أم أنك نسيت أن جوليانو قِتل قبل عودته إلى هنا ليتزوجني؟
وضاقت عينا الرجل , كما تضيق عينا القط المتربص بصيده.
- يهمني أن أرى وثيقة ولادة الطفل . . هل سجّلت اسم الوالد على أنه مجهول؟
- وشحب وجه لورا , كان عليها ان تدرك بأنه سيخمن أن اسم جوليانو على وثيقة الولادة,
وقال الرجل:
- أرأيت؟ لقد سجلت قانونياً أن جوليو هو ابن أبيه . وستجدين المحكمة البريطانية ستؤيد بأن أربيه حسب جنسيته.
- إنه نصف انكليزي . . ولن أدعك تأخذه مني . سأقاومك بقدر ما أستطيع. .
- ستكون حماقة أن تفعلي , على كل , مانوع الحياة التي تستطيعين توفيرها للولد؟
- أستطيع أن أوفر له الحب, وهذا أكثر مما تستطيع أن تفعله!
وبرزت الأسنان البيضاء بطريقة لايمكن وصفها إلا بالزمجرة:
- اؤكد لك أن جوليو لن ينقصه الحب في منزلي . لقد أعددنا له جناحاً خاصاً له و . . .
- وهل كنت واثقاً أنك ستأخذه معك؟
- إذا لم آخذه هذه المرة فسيكون هذا في المرة القادمة.
- لا ......إنه لي!
-وانتزعت الطفل من بين يديه وألصقته بصدرها, وجعلته هذه الحركة المفاجئة يبكي إلا أنها ربتت على ظهره بيدين مرتجفتين.فسكت:
-لن أدعك تأخذه . . إنه لي . . هو كل ما أملك . .إنه هو رباطي الوحيد مع. .
كانت على وشك أن تقول إنه رباطها الوحيد مع شقيقتها التوأم ,ولكنها لم تجروء على فضح امرها. لو عرف روبرتو ماسيني أنها ليست سوى خالة جوليو فلن يتردد بأخذه منها الليلة, وهذا يجب أن يكون لأن الروابط بينها وبين ماري كانت فريدة من نوعها لتوأمين متماثلين . . - سأفعل المستحيل للاحتفاظ به . ولو كلفني هذا كل قرش أملكه.
- كل الظروف ضدك آنسة ستيورات. . كوني متعقلة واستسلمي . . ولن نمنعك عن الطفل .
- وماذا يعني هذا لأم ؟ أريد أن يربى جوليو معي . ليحصل على حب امرأه تهتم بأمره .. وليس ليحصل على حب امرأه يِِدفع لها راتب لهذا !
- لن يحتاج الطفل إلى حب أنثوي , فلديه حب جدته , وعندما أتزوج أنا
, سيحظى بحب زوجتي . . وكما آمل ..حب الأطفال الآخرين الذين سينظر اليهم كأشقاء وشقيقات.
بأي سهولة يستطيع هذا الرجل أن يقلل من مستوى منطقه البارد؟
ولكنها لم تستطع أن تنسى العواطف, وفكرّت بالكفاح المرير خلال الثمانية أشهر التي مرت والتي تطلبت كل قواها للعناية بابن أختها , هذا إذا لم تذكر الستة أشهر الأخيرة من عمر أختها , عندما فقدت الرغبة في الحياة, لو أن عائلة جوليو تقدمت لها في تلك الأثناء, بحبهم وتفهمهم , لكان حزن ماري قد خف , وكان من الممكن أن تكون حية الآن . ولكنها كانت تعتقد أنهم يكرهونها ,وهذا ما أضاف حملاً على عقدة الذنب التي تملكتها لموته.
ورفعت لورا رأسها لتلمس رأس الطفل , بشعره الحريري المسترسل, المماثل للون شعر أبيه , ونعومة شعر أمه . أن تترك ابن شقيقتها ليربى كواحد من عائلة ماسيني , ستكون بمثابة خيانة لذكرى شقيقتها. ولكن كيف لها أن تحارب مثل هذه القوة والثراء ؟ ونظرت إلى الرجل الذي أمامها , وهي ترى التعبير المترفع في وجهه . إنه رجل متفاخر , وهذا ماهو واضح عند النظر إليه, وراء هذا الفخر لا بد أن له نقطة ضعف . وبالتأكيد تستطيع أن تهاجمه من هذه النقطة !
ولكن لتفعل هذا يجب أن تثبت اعتقاده بأنها والدة جوليو. وهكذا ودون تفكير, اندفعت للقول:
- إذا أخذتني للقضاء لتحصل على جوليو سأبيع قصة حبي لجوليانو لإحدى الصحف وستنشر هذه بالخط العريض ( موديل فنانة تِحرم من رعاية طفلها). . وأستطيع من الآن رؤية هذه العناوين!
وقفز الرجل واقفاً على قدميه واهتز الكرسي من خلفه.
- لن تفعلي من أجل ذكرى شقيقي ؟
- سأفعل أي شيء لأحتفظ بطفلي !
************************

وحدّق بها الرجل غاضباً كالعاصفة .وشحن الصمت بينهما بالمشاعر , وعلمت أن كلمة واحدة قد تفجر الموقف . ولهذا فقد انتظرت بهدوء , وأعطته الوقت ليقرر كيفية التعاطي مع الوضع الذي يهدد بالانفجار بين يديه, بشكل أفضل , كم كان يظن بصورة أكيدة أنه يسيطر على كل شيء . . وكم استطاعت بذكاء أن تقلب الطاولة في وجهه . ولكن ذكاءها ألزمها بأن تعيش في أكذوبة . ومع ذلك فلو استطاعت إقناع روبرتو ماسيني بأنها لا تمزح في تهديدها فقد يعود إلى ايطاليا ويتركها بسلام.
-انت امرأة ذكية آنسة ستيورات . . أكثر مما تشير إليه رسائلك .
- لم أكن أعلم أنك قرأتها كلها!
-لم أقرأها كلها, ولكن مايكفي لأعرف أنك في الحقيقة شخص مختلف تماماً. .
-أنا لا أريد تشويه اسم جوليانو. . ولكنني سأفعل أي شيء حتى لا أسمح لك بأخذ جوليو مني . .
- لن أسمح له أبداً أن يِربى هنا..
- عندها سا . .
- دعيني أنهي كلامي .ولن أسمح لك بتشويه اسم جوليانو كما تهددين . .
ولهذا السبب, أنا مستعد للتوصل إلى اتفاق معك.
-وماهو الاتفاق؟
- بأن يِربى الطفل في منزل أبيه , وأن يكون المنزل منزلك أيضاً. . طوال المدة التي ترغبين بها. وإذا قررت العودة إلى انكلترا , سأتأكد من حصولك على المال الكافي لتعيشي هنا وكأنك أرملة أخي الشرعية . ولكن حتى تقرري هذا . . اعتبري قصر بلازا وكأنه منزلك.
كان هذا عرضاً لم تتنبأ به ابداً , ومع ذلك فهو يبدو الحل المثالي. كانت تعلم أن هناك العديد من العوائق أمامه وتابع قوله:
- لن أتوقع منك رداً الآن . . ولكنني أقترح أن نجتمع غداً لبحث الأمر.
- وإذا رفضت؟
- لو أنك أحببت أخي كما تشير رسائلك فلن تعارضي أن يِربى ابنه بطريقة كان سيتمناها . . سأعود الى هنا في نفس الوقت غداً مساءً. . وأقترح أن نخرج للعشاء معاً حيث نستطيع الحديث دون أن يقاطعنا الطفل.
- هذا إذا استطعت الحصول على من يبقى معه.
- أنا واثق أنك تستطيغين تدبير هذا.
وبعد أن أغلقت الباب وراءه انهارت على الكرسي الذي كان يشغله , كم هو رجل فظيع و عنيد! وأحست بالقبضة الصغيرة على عنقها , فضمت جوليو إليها قائلة (هيا إلى الفراش أيها الولد).
بعد ذلك , ذهبت إلى المطبخ لتعدّ بعض الطعام , وهي تفكر بالوضع ،لو أنها ماري , لخاطرت ودخلت المحكمة وقاتلت من أجل ابنها . ولكن أنها خالة الصبي فإن وضعها يائس . فليس هناك محكمة ستحكم بأن يربى الصبي بين يدي خالة عزباء عاملة بينما بالإمكان أن ترعاه عائلته الثرية المعروفة.
وأخذت تضرب البيض لتخفقه , وكأنها تضرب على رأس روبرتو ماسيني, ودلقت الخليط في المقلاة.فأخذ يغلي كما يغلي غضبها. لم يكن أمامها أي خيار . .
لذا لاشيء يدعو للتفكير . . يجب أن تقبل العرض . .أرضيت . . أم لم ترضى
---------------------------


3- وجه لوجه



وصلت ليندا إلى الشقة قبل ساعتين من موعد لقاء روبرتو ماسيني, وبينما كانت لورا تطلي أظافرها وتسرح شعرها أخبرت صديقتها بكل ماحدث.
لم تكن تشعر بالسرور وهي تدخل الفندق مع مضيفها بعد ساعتين من حديثها مع ليندا . وقال لها دون أن يبتسم:
-سنتناول شيئاً من الشراب قبل العشاء على طاولتنا , فالمقهى يغص بالناس.
وقادها نحو المطعم إللا طاولة منزوية عند طرف غرفة الطعام . ولم تكن قد دخلت ذلك المكان من قبل , وتطلعت من حولها باهتمام معجبة بالفخامة والديكور الجميل من حولها.
وتناول لائحة الطعان , وأشار إليها أن تفعل مثله , لم تكن تتوقع أن تتناول طعام العشاء مع شخص يحييها وكأنها حشرة انسلت من تحت حجر , بدل أن تتناول العشاء هذا مع شخص يرغب فعلاً أن يكون معها.
ورتبت أطراف ثوبها وأخرجت قدميها قليلاً من الحذاء . لقد تعمدت أن تلبس حذاء عالي الكعب كثيراً كي لاتبدو قصيرة أمامه, ومع ذلك بدا متفوقاً عليها ليس بسبب طوله , بل بسبب عرض كتفيه وصدره .
وبداوكأنه تمثال لمايكل انجلو كما يبدو عادة كثيف البنية بعضلات ضخمة ورأس كبير وقوي , وشعر كثيف . ومن الواضح أنه رجل لايمكن التلاعب معه . ولا عجب أن جوليانو كان دائماً يتجنب غضبه !
**************************

وقال روبرتو بعد أن طلب الطعام:
- حسناً آنسة ستيورات. . ماهو قرارك؟ ستحاربيني أم نتفق؟
- لم تعرض علي اتفاقاً سيد ماسيني . . لقد وضعتني أمام خيارين غير سعيدين . .وقد قررت الخيار الذي لا يشوه سمعة جوليانو. .
- أنا سعيد لقرارك الحكيم هذا . .ولن تندمي عليه . وأنا واثق من هذا .
- أتصور أنك واثق من كل شيء تفعله.
- لولا وثوقي من صحة احكامي لما كنت في مركزي كما انا الآن. رئيس شركة "ماسيني موتورز" ليس بالمركز العادي لارستقراطي مثلك.
- إذاً أنت تعرفين أن لدّي عمل . هل تعارضين الألقاب من حيث المبدأ أم كنت مجرد فظة حتى لا تستعملي لقبي. . .؟
- لقد كنت فظة. .
وبدا عليه الأجفال . ثم ضحك بصوت غير متوقع , ونظر إليهما الناس عند الطاولة المجاورة وابتسموا.
- آه . . قد فهمت . . يجب عليّ أن أكون منتبهاً لصراحتك الزائدة آنسة ستيورات.
- لا أرى أن بمقدورك احترام آراء أي كان
- بالنسبة للقاء واحد فقد توصلت إلى العديد من الاستنتاجات عني.
- لاتنسى أنني أعرفك عبر أخيك.
وعلى الفور غادرت الأبتسامة وجهه وحل مكانها تعبير لم تستطع معرفة كنهه , أهو حنان أم الألم.
_ أنا واثق أن جوليانو كان يتكلم عني باستمرار , لم نكن نشاهد بعضنا كثيراً ولكن هناك ترابط كبير بيننا. لم نكن نختلف سوى بخصوص النساء في حياته . . كان هناك العديد منهن.
- لم يخبئ جوليانو ماضيه عني.
- ليس أكثر مما خبئت ماضيك عنه.
وعضّت على شفتيها, غير متأكدة مما يعنيه , ولكنها تذكرن صراحة شقيقتها وقالت:
-في مهنتي أجتمع بالعديد من الرجال . ومعظمهم يحاول التودد. ولكن تتعلم المرأه عندها كيف توقفهم عند حدهم.
- ليس كلهم .. كما أذكر.
- لم يعني أحد منهم لي شيئاً إلى أن ألتقيت بجوليانو . ولكنني أفضّل عدم الحديث عنه . إذا لم تمانع . . فهذا يؤلمني.
- آسف . . ولكن اعذريني إذا وجدت صعوبة بتصديق واقعية علاقتكما.
- لا حق لك بأن تقول هذا!
- لقد خرجت مع رجل آخر ثلاث أشهر من معرفتك بأخي.
والتقطت لورا أنفاسها , لقد نسيت تماماً هذه الواقعة في حياة شقيقتها التوأم . فكل ماتذكره الآن هوالستة أشهر الأخيره من حملها وحياتها. وحاولت أن تتذكر ماذا قالت لها ماري عن هذه الحادثة , لتستطيع رد تلك النظرة الساخرة التي كان يرمقها بها هذا الرجل الغريب.
- لم أكن أعلم . . كم كان جوليانو جاداً بعلاقته معي . . لذا. .
- وفري حججك ..إنها كلها من الماضي. .
ومن تعبير كبت النفس والاحتقار الذي بدا على وجهه علمت بأن ماقاله غير حقيقي..
وسألها روبرتو فجأه:
- بماذا تفكرين؟
- أفكر بالطفل , أنه يمسك أذنه دائماً عندما يرضع إبهامه.
- حقاً؟
***********************

وأدركت سخافة قولها وابتسمت معتذرة. .
وقِدم لهما الطعام , وقطع روبرتو اللحم قبل أن يتناولها بالشوكة لوحدها.
وقال شارحاً:
- إنها عادة أكتسبتها من أميركا . . لقد عشت وعملت لخمس سنوات هناك عندما كان أبي على قيد الحياة.
- منذ متى توفي ؟
- منذ ثمان سنوات . . ألم يقل لك جوليانو؟
وهزت رأسها , وتمنت أنها تتذكر أكثر كل ما أخبرتها ماري عن جوليانو.
- لم نتكلم معاً عن عائلته.
- ولكنك تعرفين كل شيء عنه وعن عائلته.
كان معنى كلماته واضحاً فقالت بغضب:
- لم آخذ من شقيقك مالاً ابداً . ولا قرش واحد . وليس هذا بسبب أنه لم يعرض عليّ.
- أعرف هذا فشقيقي كان كريماً . . ولكن لماذا لم تقبلي شيئاً منه؟
- كان لدي عملي الخاص , وأكسب أكثر من احتياجي. .
- إلى أن حملت وتوقفت عن العمل وعندها توفي أخي ولم يعد يساعدك. من المؤسف أنك لم تكتبي لي آنسة ستيورات.
-أستطيع أن أتصور ردك!
- صحيح ولكن كنت عوضت عليك حالماً وصلت أغراض جوليانو. رسالته غير المكتملة لي كانت الأقرب لشرح مشاعره نحوك, وهذا ماجعلني أدرك كم كنا بعيدين عن بعضنا آخر سنة من عمره..منذ أن التقى بك في الواقع.
- تعني منذ أن رفضت التصديق بأن حبنا حقيقي.
- أجل .. لقد أخطأت بأن لم أقابلك عندما توسل إليّ لأفعل. . .
- ومارأيك بي بعد أن قابلتني؟
- إنك تختلفين عما توقعت . . مثلاً شعرك أحمر بدل أن يكون أشقر.
- لقد صبغته . .
- من أشقر إلى أحمر أم العكس؟
- أترك لك التخمين.
- ولكنني لست في وضع يسمح لي بمعرفة إذا كنت على حق أم لا.
وعلمت لورا أنه يختبرها . هل يظن أنها فتاة طائشة قد تحول عواطفها من شقيق إلى الآخر؟ثم تابع كلامه:
- أنت مختلفة بطرق أخرى أيضاً, فطباعك ليست كما وصفها جوليانو.
هذه ثاني مره يقول أنها مختلفة فسألته أن يشرح لها مايعني.
- لقد قال جوليانو إنك حرجة ولطيفة وإنه لم يتشاجر معك قط..
-وتذكرت ماقاله جوليانو مرة عن أمه الارستقراطية , فقالت:
- على عكسكك أنت وأمك.
- اخشى أن يكون هذا كلام الطفل جوليانو . لقد ولد في حياتهما المتأخرة وكانا يميلان إلى حمايته كثيراً.
- لقد استخدم كلمة "مسيطر" للإشارة إليك خاصة , وإليهما.
- إذا لم يكن أحد يوافق أخي حول شيء كان يقول عنه انه يحاول السيطرة عليه. ولهذا وقع في حبك .كان رائعاً منك مامثلتيه عليه.
- اية تمثيلية؟
- أن تكوني لطيفة ومسالمة. أنتِ أذكى من أن تحاولي تمثل هذا عليّ. . لكنت كشفتك على الفور.
- أنا واثقة أنه لايوجد أحد يستطيع خداعك .
- الرجل تخدعه المرأه عندما يكون واقعاً في حبها,أتساءل فيما لو كنت قادرة على الاستمرار بخداع أخي؟
***************************

- أتشير إلى أنه كان سيتوقف عن حبي؟
- أنت شديدة الملاحظة آنسة ستيورات.
- وأنت مهين!
_أبداً . . دون شك أنت لست من النوع السهل الانقياد.
- لقد عاملني جوليانو بشكل يختلف عن معاملتك لي . . فأنا أرد بحدة عندما أكون غاضبة.
- لم ألاحظ أنك غضبت مني.
- لقد هددتني بأخذ طفلي , ألا تظن أن هذا يكفي لإغضاب امرأه؟
- أتمنى أن تأتي معي الى ايطاليا آنسة ستيورات. سأسافر يوم الأحد.
- لن أتمكن من السفر في هذه المدة القصيرة. . يجب أن أرتب أموري : الشقة , وعملي. .
- الشقة مؤجرة. . أما بالنسبة لعملك , أعطهم إنذاراً بترك العمل.
- أنا لا أعمل لحساب أحد أيها الكونت, فأنا مصورة حرة.
- هذا سهل اذاً.
- لا أستطيع أن ختفي هكذا عن وجه الأرض!
- روما مازالت على وجه الأرض.
- ومع ذلك لا أستطيع السفر دون إعلام زبائني . . سيغضبون مني إذا فعلت هذا.
- وهل يهمك؟ اذا اضطررت إلى مغادرة روما, فلن تحتاجي للقلق حول الأمور المالية.
- لم أرك روما, طالما جوليو هناك.
- أفضل لو أننا اسميناه جوليانو . وهذا يذكرني, يجب أن أتذكر بأن لا أدعوك بالآنسة ستيورات. . من الآن وصاعدا أنت السنيورة ماسيني.
- أنا لست السنيورة ماسيني..لا اريد ان اكذب
- لايمكنك العيش في منزلي مع أمي وأن تقابلي أصدقائنا بينما يشار إليك بالآنسة ستيورات..سيكون أقل إيلاماً لها تقديمك على أنك كنتها.
- من المؤسف أن والدتك لم تفكر بهذا وجوليانو حيّ.
- المرارة حول الماضي لا تحل المواقف الراهنة. . ماذا تريدين أن تشربي الآن.
- القهوة فقط.
فهز كتفيه , وانتقى طبقاً مليئاً بالحلوى, فعلقت قائلة:
- يبدو أنك تحب الحلوى.
- هذا يتناسب مع شخصيتي , الا تظنين ذلك.
- كنت أفضل لشخصيتك عصير الليمون المثلج.
- وصمت للحظات قصيرة:
- أي أنني حامض ، ولاذع , وبارد.. لقد أبديت رأيك بشكل جيد آنسة ستيورات.
وللمرة الثانية تلك الليلة ضحك عالياً , ولكنه أوقف ضحكته واعتذر.
- سامحيني لضحكي, ولكنك لا تشبهين ماوصفه أخي . لقد وصفك انك رقيقة مثل جولييت.
- انا أماثل جولييت بكوني عاشقة حالمة , لقد كانت رقيقة ولكنها قامت بمجهود كبير بالنسبة لفتاة ايطالية في الثالة عشر من عمرها لتتحدى التقاليد وتحب روميو .
وامتدت شفة الرجل السفلى الى الأمام.
- لم أنظر الى جولييت على هذا الضوء من قبل.
- ربما أستطيع أن أجعلك تغير رأيك في أشياء أخرى ياكونت.
- يجب أن تناديني روبرتو.. وهذا متوقع منك.
-وهل تفعل دوماً ماهو متوقع منك؟
-إذا لم أفعل.. فلن أعترف أبداً بالأمر! دعينا نتكلم عن موعد سفرك . أنا مقدر لصعوبة سفرك معي يوم الأحد, ولكنني لا أرى سبباً لعدم سفرك خلال أسبوع. . لنقل الأحد القادم؟
- وهل يجب أن يكون بهذه السرعة؟
- لا سبب لتأخير.
-حسناً. . بعد أسبوع.
- شكراً لك أنا سعيد جداً لقرارك.
- لاتعتمد عليّ كثيراً
- لم أكن ابداً بالغباء الكافي لأعتمد على امرأه. .

******************
- من الأفضل أن تتخلي عنها كلها, وتضعي نفسك بين يديّ واحد من مصممي أزياءنا في روما. والدتي ستكون سعيدة لإرشادك.
- وهل سأتلقى دروساً في كيفية التصرف.
- لا أرغب في أن أكون فظاً معك يالورا. تعليقاتي أقصد بها تسهيل أمر اقامت معنا.. سيكون من الأسهل لك أن تعتادي على طريقة حياتنا.
-يبدو أنها حياة محافظة.
- إذا لم تعجبك بإمكانك العودة إلى انكلترا.
- ستحب عودتي.. أليس كذلك؟ ولكنني لن أعود .. لن أترك ولدي.
- أرجوك لا تغضبي.
واستقبلهما, تمثالين لأسدين, عند مدخل "بلازا ماسيني" وفِتح باب القصر, وأقبل خادمين للقائهما, أحدهما حمل مهد الطفل, والآخر حمل الحقائب. ودخلت الردهة الداخلية ببطء , كانت كبيرة جداً لدرجة أن بالامكان استخدامها كقاعة رقص. وبدا كل شيء فيها وكأنه مصنوع من رخام! الجدران, السقف, الأرض, الطاولات,ومقاعد مكسوة بالكنافا, والعديد من الجرار الأثرية, بعضها ملئ بالزهور. وبدا المكان وكأنه متحف أكثر من منزل خاص, وتمنت أن لا يكون باقي المنزل هكذا.
- والدتي ترتاح الآن.. أقترح عليك أن تذهبي إلى غرفتك وتستعدي للقائها بعد ساعة
- أرغب بتناول الشاي؟
- إذا رغبت في الشاي اقرعي جرس الخدم واطلبيه , أنت تعلمين أن شرب الشاي ليس من عاداتنا.
ونظر إليها نظرة بدون معنى وقادها بصمت إلى فوق. وتبعته ووراءهما الخادمين يحملان المهد والحقائب.
ووصلا الطابق الاول, واستدارا يميناً نحو ممر طويل, ثم يميناً ايضاً الى ما بدا لها جناح صغير مخصص لها.
وتوقف روبرتو وفتح الباب ووجدت لورا نفسها في جناح اطفال رائع الديكور وتقدم نحو نهاية الغرفة وفتح غرفة النوم, لتجدها بنفس الروعة ومليئة بالسجاد , وفيها سرير طفل وسرير عادي صغير. إضافة إلى طاولة وكرسي صغيرين . وراء هذه الغرفة, يقع الحمام, وفيه مغطس واسع.
- إذا رغبتي في تغيير أي شيء فلك مطلق الحرية.
- لا ارغب في تغيير شيء هنا . من الواضح أنك تكبدت المشقة والمال لتحضيرها . هل غرفتي قريبة؟
- إنها في الجناح المقابل.
- ولكنني أريد أن أسمع الطفل إذا بكى!
- لا لزوم لذلك ... فسيكون معه مربية.
وفتح الباب ودخلت امرأة في اواسط الاربعين من عمرها , وحيتها بانكليزية ضعيفة , ثم توجهت نحو المهد وحملت جوليو وضمته الى صدرها , وتحدثت مع روبرتو بالايطالية, وتمنت لورا لو أنها تعرف اللغة وكأنما استشف افكارها فقال:
- تقول روزا إن الولد صورة من أبيه في نفس العمر.
- وهل كانت تعرف جوليانو.
-لا تقولي إنه لم يتكلم أبداً عن روزا؟ احياناً كنت أعتقد أنه يحبها أكثر من والدتنا.
- ربما ذكرها لي , ولكني لا أذكر.
- أرجوك لا تقولي لها, سيؤلمها كثيراً . تعالي سأريك غرفتك..
ونظرت لورا الى ابن اختها وابتسمت لروزا ولحقت به الى جناح من الغرف في الناحية الأخرى من الممر.
ووجدت هناك غرفة جلوس وغرفة نوم مفروشين بأفخم الاثاث , ومقاعد الجلوس فيها مريحة بشكل مدهش, ومكتبة رائعة قرب النافذة , تطل على منظر رائع لروما.
- سأعود إليك بعد ساعة لآخذك إلو والدتي..
وشعرت وكأنها ستقدم أمام محكمة,فنظرت اليه عبر الغرفة, متوقعة ان يقول لها ماذا سترتدي. ولكنه انحنى لها وتركها لوحدها..
********************************

4-ترحيب دافىء

في الوقت المحدد, كانت لورا مستعدة وتنتظر عودة روبرتو الكونت ماسيني... لم تستطع أن تفكر به كصاحب لقب, ربما السبب أن جوليانو لم يذكره أمامها سوى بكونه ملك من ملوك التجارة. ومع ذلك فمن الغرابة أنه لم يكن يقبل منه المال . لقد كان جوليانو مزيجاً غريباً ارستقراطي وهاوي فنون, وهاوي سباق السيارات .
اخوه الكبير رجل غريبب أيضاً: فهو يعطي الأنطباع بأنه قاسي, ومع ذلك , أطاع والدته
في رغبتها بأن يأتي بحفيدها إلى وطنه . أم أن هذا عائد إلى كبرياء العائلة أكثر من الحب؟ على كل الأحوال , حتى يتزوج وينجب اطفالاً , جوليو هو وريثه الوحيد.
التفكير بالطفل دفعها إلى دخول جناحه . ولكنها اضطربت عندما وجدته فارغاً , ولا أثر لابن اختها فيه ولاللمربية . بسبب وجود من يعتني بالطفل سيكون أمامها وقت فراغ كبير ,وعلمت أن روبرتو فعل هذا متعمداً على أمل أن يدفعها الملل للتفكير بعالمها ثانية . حسناً.. سيعلم الكونت الجليل, العالي المقام , في وقت قريب أنه مخطئ! وبينما هي تستدير لتخرج , دخلت روزا تحمل الطفل:
- قابل الكونتيسة ... بكى كثيراً..
*************************

وأبعدت الطفل عنها وأعطته للورا:
- أنت"الماما" .. احمليه..نعم..
وحملت لورا الطفل قريباً من صدرها , وأذهلها مقدار الحب القوي الذي تكنه له .
ودخل روبرتو ماسيني إلى الغرفة:
- أنا مسرور لأنك غيرت ملابسك , ولكن كان من الافضل لو ارتديتِ شيئاً غير محزن كهذا.
- لم أعتقد من المناسب أن أرتدي شيئاً زاهياً.
- لم نعد في حداد على أخي , ولا أحب أن نتذكر أنه مات.
وقالت بغضب:
- ألم يثير وصولي الذكريات بعد؟ كما أن ليس لديك الحق بأن تأخذ الطفل لرؤية جدته من دوني.
- لقد أحببت أن أخفف من الإحراج لأمي. لقاء أول حفيد مؤثر لأية امرأة , وخاصة اذا كان الوالد مات بمأساة . وجودك كان سيزيد الأمر صعوبة عليها.
الكونتيسة , كانت ارستقراطية بكل ما يعطيه الأسم من معنى , طويلة بالبنية للنساء الايطاليات , ولها قامة مستقيمة جعلتها تبدو أطول من حقيقتها . شعرها يخالطه شيب قليل كانت لورا متأكدة أنه صناعي. الوجه نحيل ولكن مزين بشكل جميل.
وحاولت لورا أن لا تتأثر بالعينين السوداوين اللتين تراقبانها , فقطعت الغرفة ومدّت يدها , وهي تشعر أن المرأة متعودة على رؤية الناس يحنون لها.
- إذاً انت والدة جوليانو؟
واطرقت لورا رأسها بالإيجاب , وهي تتسائل كالمذنبة . ماذا ستقول هذه المرأة المسيطرة وابنها لوكشفت فجأة عن حقيقتها.
- نعم ..أنا
وتفحصتها المرأة من رأسها إلى قدميها:
- اجلسي , أرجوك آنسة ستيورات .. هل تحبين تناول الشاي أم القهوه؟
- القهوة أفضل.
ولاحظت أن هناك صينية قرب الكونتيسة عليها فنجانين قهوة من الصيني الفاخر وطبق فيه بضع بسكوت . والى جانبها وعاء قهوة شرقي من الفضة . وصبت الكونتيسة القهوة وتقدم ابنها ليقدم القهوة للورا , وأخذ فنجاناً لنفسه وتحرك عائداً إلى حيث كان يقف قرب المدفأة , المبنية من الرخام الأبيض والأخضر.
- لقد اتفقنا يا أمي , أن تُعرف الآنسة ستيورات بالسنيورا ماسيني , لأجل جوليانو وأبنه.
- أعلم ما اتفقنا عليه, ولكن من الصعب عليّ أن أقبل...... بأكذوبة.
- إذا من الأفضل لك استخدام لورا.
- أنت محق ياربوبرتو .
والتفتت إلى لورا:
- لونك غير ماتوقعته.
وأشارت بيدها البيضاء المثقلة بالخواتم إلى شعر لورا:
- عندك شعر رائع.. صبغه بالاشقر جريمة!
- وكيف لك أن تتأكدي من ان الأمر ليس بالعكس يا أمي ..
- لا يتطلب الأمر كثيراً من البراعة لجعل امرأه شقراء الشعر. ولكن هذا الون لا ينتمي إلى ماهو صناعي.
- إنه احمر حقيقي!
- ولماذا توقفت عن صبغ شعرك باللون الأشقر؟
- أردت التغيير.
- مثل هذا الشعر هبة من الله.
- أنوي تركه على ماهو عليه الآن . فلا لزوم للقلق.
- هذا جيد .. اعذراني كليكما.. فلدّي بعض المكالمات الهاتفية...سأنضم اليكما وقت العشاء.
وبقيت المرأتان لوحدهما تنظران الى بعضهما . لورا مدركة تماماً الكذبة التي ستعيش فيها من الآن وصاعداً , متسائلة كيف شعرت المرأة المسنة عندما واجهت فتاة , كانت ترفض حتى هذه اللحظات أن تعترف بها.
وقالت الكونتيسة:
-أعتقد أنك تظنين أنني وابني كنا قاسيين معك.
**************************

- لقد فعلتما ماهو حق.
- ومن يعلم ما هو الحق ؟ لا يستطيع المرء أن يحكم على تصرفات الآخرين من خلال أحداث ماضية, وعندما يحدث هذا يكون الوقت قد تأخر لتغيير مجرى الأحداث . وبوجودك الآن هنا نحاول أن نعوض عما حدث. أتمنى أن لا تكوني غير متسامحة مع القليل مما سنقدمه لك.
- من الصعب تسمية ماتقدمونه بالقليل.
- لم أكن أقصد الماديات .. كنت أفكر بابني .. وبالاسم الذي كان سيمنحه لك قانونياً لو أنه لم ..
- أرجوك لا تتكلمي عن الأمر .. أنا لا اشعر أفضل مما تشعرين به , وأنا لا ألوم .
- ولماذا لا ؟
- لأنني أعتقد... أن شكوك جوليانو الخاصة هي التي منعته من زواجي. كان يحب حريته , ويريد التأكد من أنه يفعل ماهو صحيح لقد كانت مأساة مؤلمة , أنه عندما قرر في النهاية أن يتزوجني....لم..لم يتمكن..
- أنا مندهشة من عدم شعورك بالمرارة ضدنا . لو كنت مكانك لما كنت رحبة الصدر هكذا.
- المرارة تحطِّم النفس. من الأفضل أن لا نتكلم عن الماضي لنفكر فقط بالمستقبل.
- وبابنك. إنه ابني وقد عاد إليّ . في يوم مقبل سأريك بعض صور جوليانو وسترين بنفسك التشابه بينهما من الجيد أنه سوف ينمو في منزل والده بين أبناء شعبه . وأتمنى أن تكوني سعيدة هنا أيضاَ. لورا اسم ايطالي, كيف سُميت بهذا الأسم؟
- أمي تحب مثل هذه الأسماء.
-وماذا عن والدك.. ماذا كان يعمل؟
- إنهما كانا ممثلان .. وماتا منذ عدة أعوام.
- إذاً انت وحيدة تماماً.
- ماعدا جوليو.
- جوليانو أنه ايطالي ويجب أن يُدعى بهذا الاسم.
ولم تتردد لورا بالقبول , فالود الذي أظهرته الكونتيسة لم يكن متوقعاً. ولم ترغب في عمل أي شيء قد يغيره . وسارت الكونتيسة نحو الباب:
- أنا عادة أرتاح قليلاً قبل العشاء.. وأنت حرة في أن تفعلي ما تريدين.
- سأذهب إلى جناح الطفل.
- ستجدين روزا مسرورة بالعناية به.
- أنا متأكدة , ولكنه في محيط غريب عنه , وأعتقد أن من المهم لهأن يرى وجهاً مألوفاً.
- أتؤمنين بالتربية النفسية للطفل؟
- أؤمن بإعطائه الحب الكثير . في أي وقت تريديني أن انضم لكم على العشاء؟
- نحن نتعشى عند الثامنة والنصف , ولكنك تستطيعين النزول هنا ساعة تشائين.
في السابعه والنصف نزلت لورا إلى الطابق الأرضي ثانية . ولم يكن هناك أحد , ودفعها الفضول لتستكشف بعض الغرف المحيطة بالردهة . الغرف الرئيسية كانت واسعة , البرودة فيها اعلمتها أن هذه الغرف لاتُستعمل كثيراً, ولكن التدفئة لم تكن معدومة فيها , إذ لا بد منها للحفاظ على الاثاث القديم الفاخر من الرطوبة . وتملكها ثانية شعور بأن البلازا تشابه المتحف أكثر من منزل ,ولا عجب أن روبرتو ماسيني هو بهذه الأخلاق المستبدة ! فحياته وسط هذه الفخامة القديمة, لا بد دفعته للظن أن المجتمع لا يزال مجتمعاً خاصاً . وقد يكون شديد الدقة باختياره للنساء , ولكن عندما يصل الأمر إلى الاختيار الحقيقي فهو وحده من يقرر.
وعادت لورا إلى الردهة ولاحظت باباً في الجهة المقابلة , ففتحته لتجد نفسها في غرفة اصطفت الكتب فيها على طول الجدران , وهي عابقة برائحة السيكار , وتراجعت على الفور , ولكن ليس قبل أن يرفع روبرتو ماسيني عينيه عن الطاولة ليراها .
كان قد خلع سترته وانحنى فوق الطاولة يدرس كومة من الوثائق.
- انا آسفه لأنني ازعجتك . لم أكن اعلم أن الغرفة مشغولة.
- لقد انهيت عملي تقريباً.
*********************

وألقى من يده قلماً ذهبياً ووقف. ولاحظت كم أن بنيته عريضة وكيف أن قميصة الحريري يلتصق بجسده ,يبرز العضلات التي تتجمع حول كتفيه . وارتدى سترته ببطء , وملس شعره وسألها:
- أكنت تريدين شيئاً؟
- لا .. كنت فقط أتفرج على المكان.
- ستسر والدتي بأن تريك القصر, تحب كثيراً الحديث عن كنوزه وتاريخه.
- وهل له تاريخ طويل؟
- لقد بُني في عام 1620.
- وهل تفتحونه أمام الزوار ؟
- لا أسمح ابداً أن يزور منزلي غرباء ،وحب القصور أمام الناس عادة انكليزية.
- وهل من الخطأ الرغبة في مشاركة الجمال مع الآخرين؟
- ليس في منزلي ما هو مخبأ, أنه مفتوح دائماً أمام الأصدقاء.
- وهم بالتالي لديهم منازل تماثلة فخامة , وأنا أفكر بالناس الذين ليس لديهم فرصة رؤية الأشياء الجميلة.
- أنا سعيد لآنك تجدين منزلي جميلاً.
- في الواقع لا.... وكأنك تعيش في متحف, وأتوقع أن اجد لافتة تقول "لا تجلس هنا" على المقاعد.
- للأسف كم تظهرين أخلاقك السيئة بمثل هذا الفخر . على الأقل احتفظي بأفكارك لنفسك.
وفتح لها الباب ومرت من أمامه لتخرج . معه حق بالطبع. ملاحظاتها لا داع لها ابداً ولم تكن جاهلة بل فظة وتوقفت فجأة حتى أنه اصطدم بها فشعرت بقساوة صدره على كتفها,
فقال:
- مالأمر الآن؟
- اريد ان اقول إنني آسفة, لست ادري لماذا كنت فظة معك في العادة انا لست هكذا.
- ألست كذلك؟
- لا....... وأعترف أنني شديدة الصراحة ولكنني أحاول ان لا اكون فظة.
- ولكنك اعترفت بأنك كنت فظة الآن؟
- أجل .. كنت فظة.. فظه جداً..أعتقد ان قدومي اليوم الى هنا قد وتّر اعصابي و...
-لا حاجة بك لقول المزيد.
ووضع يده على ذراعها, بضغط خفيف بينما كانت تتوقع ضغطاً قاسياً وتابع قوله:
- لقد قدمت أكثر من تعويض بتواضعك هذا. أتصور أن من السهل عليك الأعتذار.
- ولا اعتقد أن الاعتذار سهل عليك أيضاً!
- إذا كان ضرورياً أفعل.. وأتمنى لو أستطيع ان اعتذر بالسهولة التي تفعلين بها هذا.
ودخلا غرفة الجلوس الصغيرة, وبعد أن جلست سألتها الكونتيسة:
- أين التقيتي بابني؟
- لقد أتى الى الأستديو بينما كنت آخذ بعض الصور.
- ولكن جوليانو قال انك " عارضة ازياء"!
وأدركت متأخرة أن المرأة المسنة كانت تتحدث عن ابنها الأكبر فقالت:
- اعذريني ياكونتيسة... اعتقدت أنك تتكلمين عن الكونت.. لقد التقيت بجوليانو في باريس ..كنت هناك لعرض مجموعة ملابس جديدة , وأتى جوليانو ليشاهد العرض مع فتاة أخرى.
- وهل كنت "عارضة" طوال حياتك؟
- منذ تركت في المدرسة.. فقد بدا هذا العمل الأفضل بالنسبة لشكلي , ولجمالي ايضاً.
وسمعت وقع اقدام خلفها, وللمرة الاولى شعرت بالسعادة لدخول روبرتو ماسيني , لوضع حد لأسئلة الكونتيسة, وتقدم ليقبّل والدته,وأجفلت عندما تحرك باتجاهها: هل هي عادة ايطالية؟ ولكنه تجاوزها نحو الطاولة الصغيرة التي صُفت عليها اقداح من الكريستال الفاخر.
- أتحبين أن تشربي شيئاً يالورا؟
*********************
وسكب لها شراباً منعشاً في كوب من الكرستال بإطار ذهبي وقدّمه لها. ونظرت إليه بارتياب. فقال بنعومة:
- لم أضع لك فيه السم.
- لديك وسائل أخرى اكثر فعالية للتخلص من اعدائك.
- جربيه , انه شراب خفيف من صنع معاملنا.
وسألته الكونتيسة:
- هل انت ذاهب الى ميلانو غداً؟
- أجل .. سأغيب بضعة ايام.
وقالت لورا:
- أود تعلم الايطالية.. هل تدلني على مدرسة؟
وساد صمت قصير , تبادلت الام فيه النظر مع ابنها.
وقال:
- أظن من الافضل ان تلتقي دروساً خصوصية ..سأطلب من فانسيا , سكرتيرتي الخاصة , ان تدّبر الامر لك , كم درساً تريدين في الأسبوع؟
- أحب درساً كل يوم لو ..
-أ ظن ان درسين في الاسبوع كفاية عليك.
- أحب ان احصل على درس كل يوم لاربع ساعات اذا امكن .... فالدرس المكثف أفضل وسيلة لتعلم اللغة
وقالت الكونتيسة:
- لورا على حق.. لو وجدت الأمر صعب عليها تستطيع الانسحاب , ولكنها ستشعر بسعادة أكبر عندما تتكلم الايطالية.
هز كتفيه:
-سأقول لفانيسا ان تدِّبر المر . أتفضلين قبل الظهر أم بعده؟
- في الصباح يكون ذهني صافياً.
- وكل يوم ؟
- أجل ياكونت!
- أتمنى لو تتحسن ذاكرتك..
- ذاكرتي؟
- أنت تنسين باستمرار انني طلبت منك مناداتي بروبرتو.
- لم أنسى .. ولكنني أفكر بك بسهولة أكثر كونك " كونت"
-كونت دراكولا؟
والتقطت أنفاسها , ولكنها رأت أنه يبتسم:
- هذه أول نكتة تقولها لي.
-لم أقصدها نكتة , فأنا تماماً رأيك بي .. ولكن صدقيني يا لورا , من الأفضل لك ان تنظري إلي كصديق.
- ولماذا؟
-لأنني لا اريد ان تضيعي جهودك هدراً في محاربتي.
- أنا أعيش في منزلك مع .... مع ابني.. أليس هذا برهان كافً بأنني لا احاربك؟
- أريد قناعتك الداخلية بهذا الأمر .. ليس فقط القبول الظاهري.
وهزت رأسها ثم نهضت , عندما وصل الخادم ليعلن أن العشاء جاهز. في المستقبل عليها أن تراقب أفكارها بقدر ما تراقب لسانها, وإذا لم تكن حذرة , عليها أن تتوقع الأسوء.
-------------------------

5-الوجه الآخر للكونت


معرفتها أنها إذا لم تكن حذرة فقد تخسر ابن اختها, أعاد إيقاظ كل الحب في قلب لورا له,ودون النظر الى روزا أمضت معظم وقتها معه.
وسافر روبرتو , بعد أن دبّر أمر الدروس لها . وأبلغتها مساعدته أن البرفسور نيرو سيأتي كل يوم ليعطيها درساً من التاسعة صباحاً الى الواحدة بعد الظهر.
بعد الأيام الثلاثة الأولى , شعرت لورا أن روبرتو كان على حق عندما قال ان الدروس المكثفة صعبة عليها.
ولكن عنادها منعها من طلب تخفيف كثافة الدروس . وأبلغتها الكونتيسة أن روبرتو سيتأخر أكثر مما هو متوقع:
-انه لا يتأخر عادة ولكن هناك مشكلة في أحد المصانع ويريد أن يتعامل معها شخصياً, لو أنه يرضى بأن يرعى مصالح أملاكنا واستثماراتنا فقط , ولكنه يحب تحدي التجارة.
ليس صعباً ان تعرف انه مقاتل أكثر من أي شيء آخر وتابعت الكونتيسة:
-عندما يعود ستتمكنين من التحدث معه بالايطالية . البرفسور نيرو يقول انك تتقدمين في دروسك وأعتقد ان هذا عائد لقدرتك في التمثيل
-ربما...لم افكر بهذا من قبل.
**************************

- أنت لا تفكرين بنفسك كثيراً, أتوقع منك ان تهتمي بنفسك أكثر, اعني ان تهتمي بنفسك وبمظهرك..اعتقدت أنك بكونك موديلاً يجب أن تحبي الملابس أكثر.
-الأزياء هذه الايام حرة اكثر و اسهل . فهي تعطي المرء مظهراً عادياً.
- كنت أفكر فقط في الملابس , مثلاً انت لا تنظرين إلى نفسك في المرآه ابداً, عندما تمرين , معظمن النساء يفعلن هذا , حتى انا افعل هذا.
وابتسمت لورا:
- سأفعل هذا في المرة القادمة.
وارتاحت لدخول روزا مع الطفل . وقالت الكونتيسة:
- اتركي الطفل معنا , وعودي بعد ساعة لأخذه.
وقالت لورا:
-سآخذه الى غرفته بنفسي.
وأجلست ابن اختها في احد المقاعد, ونظر من حولة وتناول منفضة سكائر فضية , وبدأ فوراً بالعض عليها.
فقالت لورا مداعبة:
- المرة القادمة ستتناول سيجارة.
وأخذت منه المنفضة وأعطته بدلاً منها منديلاً رماه على الأرض فوراً
وقالت الجدة:
-انه بحاجة الى شيء صلب ليعض عليه, كنت اعطي اولادي عظمة من عاج.
ومد جوليو ذراعاه فالتقطته ووضعته على ركبتيها و فأخذ يلعب بالسلسلة التي في رقبتها, ثم حاول الوقوف في حجرها
فقالت الكونتيسة:
- انه يبدو اكبر من عمره ... ولا واحد من اولادي حاول الوقوف قبل بلوغه السنة.
- اعتقد ان هذا عائد للتدريب ..الأطفال هذه الايام يعاملون بطريقة ناضجة اكثر . لقد تلقى طعاماً عادياً عندما كان في الشهر الثامن.
- كان صعباً عليك تربية طفل بمفردك.
- لم يكن هذا سهلاً..
-بعد عشرة ايام من سفر روبرتو الى ميلانو , دخلت جناح الطفل لتجد روبرتو راكعاً قربه وهو ممد على الارض. وتحركت روزا خارجة وتركتهما لوحدهما . وركعت بدورها امام جوليو , وهذا ماجعلها ملتصقة بروبرتو فعادت الى الوقوف
- هل تريدين ان تحمليه؟
- لا ... العب انت معه... سأعود فيما بعد
- ليس هناك مايمنعنا من اللعب معه معاً.
وبقيت حيث هي , فرفع روبرتو الطفل بين ذراعيه , وكأنه معتاد على حمل الأطفال . وأخذت تتفرس في ملامح وجهيهما المتماثلة , حتى التعبير عليهما كان متماثلاً, وكان عليها ان تقاوم رغبة بالابتسام. وبدأ يتحدث الى الصبي , بصوت ناعم وبالايطالية. وضربه الطفل على وجهه ثم دفن وجهه في رقبته.
- انتبه. والا سوف يسيل لعابه عليك.
- عليّ ان اغيِّر ثيابي على كل الاحوال.. لا امانع في ان يلوثني بلعابه..
وأزاحه بلطف ليجد بقعة على قبة قميصه فتابع قوله:
- انه مبتل ايضاً, وهذا غير مريح.
- سأغيِّر له..
وأخذته من بين يدي عمه الى غرفة النوم . وفتشت عن منديل لتغير له.. ودخل روبرتو واتكأ على خزانة الجوارير وأخذ يراقبها وهي تزيل الفوطة المبتلة وتضعها في سلة المهملات قبل ان تضع اخرى ناشفة.
- ألن تضعي له البودرة؟
**************************

وفتشت عن العلبة ,ثم ضغطت عليها فخرج منها الكثير وانتشر في الهواء مما جعلها تسعل.
- كان من يمكن ان افعل هذا أفضل منك.
- اليس هناك شيء لا تستطيع ان تفعله؟
-مع أنني احب الأطفال , فلم استطع إنجاب واحد لي.
-انا واثقه لأنك لم تفكر بالأمر جيداً!
وانفجر ضاحكاً , وانزعجت لورا من نفسها لأنها احبت ضحكته هذه.
كيف سيكون الأمر بينهما لو أنها التقته في ظروف عادية؟ ولكنهما ليس مقدراً لهما ان يلتقيا كما المريخ وعطارد المختلفا التكوين . المريخ وعطارد, ماهذه السخرية ؟ ولماذا مر الاسمان في ذهنها ؟أحدهما يعرف بكوكب الحرب والآخر بكوكب الحب .. حسناً هناك حرب اكثر من الحب بينهما...
تلك الليلة تعمدت لورا ان تتأخر عن النزول الى العشاء , آملة ان يكون قد ذهب الى طاولة العشاء قبل نزولها . ولكنها عندما دخلت غرفة الجلوس وجدته واقفاً يتحدث الى امرأة شابة . وما ان راى لورا حتى تقدم نحوها.
- كنت سأرسل احد الخدم بطلبك , لماذا تأخرتي؟
ووضع يده تحت مرفقها , ودهشت لملمس يده الدافئة , وكأنه كان يهرّضها للنار طلباً للدفء.
- أوليفيا.. هذه زوجة شقيقي لورا... لورا هذه اوليفيا جوفاني, صديقة قديمة للعائلة.
وابتسمت اوليفيا ببرود للورا , كانت سمراء داكنة الشعر , اللون العادي لايطالية , مع ان عيناها رماديتان براقتان
- احببت ان احضر الى هنا خلال النهار لارى الطفل... روبرتو يتكلم عنه كثيراً...
- انه عم محب...
تكلمت هكذا بدافع التأدب أكثر من كونه حقيقة , ودهشت لنظرة القلق التي بدت على وجة الفتاة الايطالية. وتساءلت لماذا بدت الغيرة على هذه الفتاة لأن روبرتو يحب ابن اخيه.
- هل تحبين الحياة في روما؟
- لا أعلم ... لم اشاهد الكثير من المدينة.
وتدخلت الكونتيسة قائلة:
- كان روبرتو في ميلانو كل هذا الأسبوع , ولم اشعر بالقوة لأرافق لورا بنفسي. أصبت بنزلة صدرية , وتركت الفراش لتحيتك يوم وصلتي يالورا...
وقالت لورا, وقد فهمت للمرة الاولى لماذا تقضي الكونتيسة معظم وقتها في غرفتها:
-آسفه لم أكن أعرف.
- ولكنني أتحسن ببطء , وسنبدأ نتمتع بوقتنا في الاسبوع القادم.
وقال روبرتو:
-ربما تكون فكرتك عن التمتع مخالفة لفكرة لورا.
فقاطعته لورا:
-سأكون سعيدة بالذهاب الى اي مكان تختاره امك... على كل انا مشغولة كل صباح.
- اه ... اجل ..لقد نسيت الدروس ....زوجة اخي تدرس الايطالية يا اوليفيا.
فابتسمت اوليفيا للورا:
- لا لزوم لهذا... فكل من ستلتقين بهم يحدثون الانكليزية ببراعة.
- ولكنني آمل أن التقي بمن هم اقل حظاً.
وعلمت انها قد أزعجت روبرتو للنظرة التي رمقها بها.
-ماتعنيه زوجة اخي انها تأمل بلقاء الناس العاديين, ليس فقط من هم من المجتمع المخملي في روما . إنها كانت تعمل لكسب رزقها وحياتها تختلف عن نمط حياتك.
وابتسمت اوليفيا وقالت:
-بالنسبة لي العمل من أجل العمل فقط لا معنى له . افضل أن اجعل من رجل ما رجلاً سعيداً أكثر مما افضّل العمل لرئيس يكثر من التذمر.
********************

واجابتها لورا:
-إذا كنت تشعرين بهذه الطريقة , وانت مرتاحة مالياً فلماذا لا ؟.. ولكنني اموت ضجراً اذا لم افعل شيئاً
- إذاً ... امر جيد ان تتعلمي الايطالية...... انه العمل الوحيد الذي سيسمح لك روبرتو به.
- لو أردت العمل... لن يستطيع روبرتو ايقافي.
وساد الصمت, بطريقة متوترة, حتى تمنت لو أنها صانت لسانها أكثر وتكلم روبرتو في النهاية:
- المسألة نظرية . في الوقت الحاضر وقتها مشغول بتعلم الايطالية وتتعود ان تأخذ مركزها في منزلنا .وعندما يأتي وقت تشعر فيه بحاجتها لاشغال نفسها باتجاهات أخرى, سنتكلم عن هذا في حينه!
أثناء تناول العشاء تكلم روبرتو واوليفيا بالايطالية ولدهشتها استطاعت لورا ان تتابع حديثهما , ولكنها لم تتظاهر بهذا , يوماً ستفاجئ روبرتو بمعرفتها هذه . وحتى ذلك الوقت ستتظاهر بالعكس.
بعد العشاء غادر روبرتو واوليفيا المنزل لينضما الى اصدقاء في احد النوادي الليلة, وبقيت وحيدة مع الكونتيسة و فجلستا على جانبي المدفأة, وكانت قطع حطب الصنوبر تحترق في المدفأة, على الرغم من عدم فائدتها, لوجود التدفئة المركزية .
كسرت الكونتيسة الصمت:
- اتمنى ان يتزوج ابني من اوليفيا. ستكون زوجة رائعة له.
- واضح انها من نفس الطبقة الارستقراطية.
- والاهم من هذا انها تحبه. وهو بحاجة للحب. من النظرة التي على وجهك لا توافقيني الرأي.
- لا اعرف ابنك جيداً حتى اوافق او لا اوافق . مع انه يبدو لي راضياً بنفسه.
- انت لا تعرفين الرجل الكامن وراء قناعه . انه قادر على الحب والكراهية بنفس المستوى.
- انا مندهشة لانه لم يتزوج بعد.
-الايطاليون اما ان يتزوجوا في عمر باكر او في اواسط الثلاثين.
- لم أكن اعرف هذا .
- لقد توقف عن لهوه عندما مرض والده. لقد حمل مسؤولية كبيرة بالنسبة لعمره يوم ذاك ،لقد كان في الثالثة والعشرين عندما مات والده, منذ عشر سنوات.
-إذا كان جوليانو في اوائل مراهقته.
- لهذا كان روبرتو يشعر بمسؤوليته تجاهه دائماً. كان هناك رباط بينهما أقوى ممايجده المرء عادة بين شقيقين . لقد كانا متوافقين حتى...
ولم تكن بحاجة لإنهاء الجملة , لأن لورا فهمت انها تعني حتى ظهرت هي في حياته,
وتابعت الكونتيسة:
-لقد تصرفنا بحماقة , لو التقينا بك عندما اقترح جوليانو ذلك. انني واثقة ان حبه لك كان حقيقاً . لقد كنت انا السبب لعدم دعوتك الى منزلنا حتى الآن
- أتعنين ان روبرتو لم يكن هو المعارض للتعرّف اليّ؟
- إنها الحقيقة , فمن الآن وصاعداً لن يكون بيننا سوى الحقيقة. بنظري انت ارملة ابني, ومثل ابنتي, اريدك ان تعتبري هنا كمنزلك يالورا . ولن يتم وانت تشعرين بالعداء لروبرتو. ارجو ان لا تلوميه من الآن وصاعداً على ماحدث.
-لو كان يريد ان يقابلني... فأنا مندهشه لماذا تركك تتحكمين به؟
- انه ايطالي , والوالدة للايطالي تعني الكثير, الى ان يتزوج.
- وهل تعتقدين انه سيتزوج من اوليفيا؟
- انه يرفض مناقشة المسأله. انه جذاب جداً, والنساء يقعن في حبه دائماً, وليس عجيباً انه يكره الاستقرار. ما رأيك لو نلعب الورق؟ ستجدينه في تلك المكتبة في الجارور.
*******************

كيف لها ان تستمر في هذه الحياة هكذا! تتعلم الايطالية في الصباح , تلاعب الطفل بعد الظهر, وتتظاهر بالاهتمام بلعب الورق مع الكونتيسة بعد العشاء , وتدرس ماتعلمته من الايطالية بعد ان تذهب الكونتيسة للراحة؟ سيكون الامر أسوأ الآن وقد عاد روبرتو الى المنزل , فبمجرد معرفتها بقربه منها يجعلها لا ترتاح, ومع ذلك لا تجرؤ أن تدعه يشعر بهذا.
وفي وقت متأخر من تلك الليلة, بينما هي تستلقي في فراشها غير قادرة على النوم, سمعت روبرتو يعود , ولم يدخل السيارة الى الكاراج بل تركها امام الباب ليدخلها السائق في الصباح, كانت الساعة تقارب الثالثة صباحاً, وتساءلت, هل من عادته أن يتأخر الى هذا الوقت؟ وضربت وسادتها بغضب لماذا تفكر به عند الثالثة صباحاً؟ هل اصبح هذا الرجل يستحوذ على تفكيرها؟ وجذبت الأغطية الحريرية تحت خدها. اغطية حريرية لها اطراف مزخرفة من كل زاوية منها,ومع ذلك فهي مستعدة للتخلي عن ترف هذا الحرير في سبيل العودة الى شقتها وان تكون مسؤولة عن مصيرها بنفسها...

* * *

6-درس في التربية


لم يظهر روبرتو في اليوم التالي قبل موعد الغداء . واعتقدت لورا انه تأخر في النوم , ولكنها دهشت عندما شاهدته في لباس الفروسية.
فقالت له:
- لم أكن اعلم أنك تملك خيولاً هنا؟
-اسطبلاتنا تبعد بضعة كيلومترات من هنا ؟
- وكم تمتد اراضيكم؟
- لدينا مئة هكتار هنا , ولكن املاكنا الأكبر في توسكانا. اذا كنت لا تزالين معنا في الصيف سيكون أمامك فرصة لزيارتها.
- سأنتظر بفارغ الصبر.
- هل نذهب لتناول الطعام , فأنا أموت جوعاً.
- ألن تنتظر والدتك؟
- ستقضي يومها في الفراش.
- لم أكن اعلم أنها مريضة.
- إنها ليست مريضة. ولكنني امرتها بالراحة . قلبها ضعيف واذا لم اصّر عليها لتعتني بنفسها ستبقى تتجول في المنزل طوال النهار , ولديها لائحة طويلة بالاشياء التي ترغب في فعلها معك في الاسبوع القادم.
- مانوع هذه الأشياء ؟
- ستقول ذلك بنفسها.
- ها أنت تخادعني!
-هذه المرة الأولى.
وقادها ألى غرفة الطعام حيث حضر مكانين على الطاولة الطويلة, وبينما هي تأخذ مكانها لم تستطع منع رجفة تملكتها.
- هل تشعرين بالبرد.
- لا....... انا فقط أشعر بالكآبة هنا.
- الكآبة؟
- بسبب الغرفة , انها واسعة جداً . ألا تجد الغرف مخيفة؟
- انا لا اجد منزلي مخيفاً . والحجم يتعلق بطريقة استخدامه وقد اجده صغيراً بالنسبة لي.
-لا تكن متباهياً بنفسك هكذا!
- ليس هناك تباه فيما قلته , صحيح ان المنزل كبير , ولكن كذلك الفرش واللوحات . لو متعت نظرك بها فلن تجدي الغرفة كبيرة أو مخيفة ... بل ستجدينها ملائمة.
لوت لورا شفتيها وغرزت شوكتها بغضب في القريدس في صحنها...
فقال ببرود:
-هذا قريدس... وليس شقيق زوجك..!
- أنت لست شقيق زوجي !
-قانونياً , لا . . . ولكن أخلاقياً , نعم . أتمنى حقاً لو أنك كنت متزوجة جوليانو يا لورا.
وابتلعت قطعة القريدس , ومعها ابتلعت الذنب الذي تشعر به لخداعها له .
- أنا مندهشة لأن لديك ضمير ياروبرتو .. حسب ما قالته والدتك هي من صعبت على جوليانو أمر الزواج مني.
- وهل قالت لك هذا ؟
- لست واثقة بأنني أصدقّها.. أظن انها قالت هذا بسبب..........
- ما قالته صحيحاً... لو أن الأمر جرى كما أرغب , لسمحت لجوليانو أن يأتي بك الى هنا , ولكن لسوء الحظ استمعت إلى أمي...
أدهشها هذا الاعتراف , وأعجبت به أكثر من أي وقت مضى . وكانت تفكر بما ستقوله عندما عاود الكلام.
- عندما يكون الرجل مغرماً , لا سبيل للجدل معه . وكنت اؤمن أن جوليانو إذا رآك هنا في منزله لعلم أنك لن تكوني سعيدة فيه.
**************************

- أتعني انك كنت تأمل إن لا أكون ملائمة للعيش هنا . وان أتناول الخضار بالسكين , واتمضمض بالشوربا!
- شيء من هذا القبيل...
واجتاحها الغضب , وسلب منها قدرة الكلام , أرادت أن تقفز من مكانها لتضربه , لتصفع ذلك الانطباع الساخر الذي على وجهه . ولكنها أجبرت نفسها على البقاء حيث هي , ولكنها لم تستطع اجبار نفسها على ابتلاع ماتبقى من طعامها.
- لا يجب ان تغضبي مني لأنني أقول الحقيقة. ومن المؤكد أن مجرد إخبارك بهذا يشير الى أن ظنوني كانت خاطئة .
وقالت وهي ترتجف:
- وهل كانت خاطئة فعلاً؟
- طبعاً أنا لا اقول إنني اؤمن أنكما كنتما ستسعدان , فأنا لا زلت أعتقد بأنك ستجدين الحياة هنا مقيدة جداً . ولكنني اعترف أن الفروقات بينكما كانت ستكون في الطباع وليست في الاجتماعات.
- هذا اعتراف عظيم يأتي منك , الأ زلت مصراً أنك لست" سنوب"
- ألانني أعترف بوجود حواجز طبقية ؟ أنا اواجه الوقائع يا لورا , ولا أصنعها .
- ولكنك تحاول تخليد هذه الوقائع !
- لا ... ليس صحيحاً... أنا آسف لواقع اننا جميعاً لم نحصل على فرص متساوية . ولكنني واقعي بما فيه الكفاية لأعرف أنه حتى ولو كانت أمام الجميع فرص متساوية ، فالبعض منا سوف يصعد الى فوق والبعض الآخر لا..... ولكن كل البشر أمام الله متساوين .
وقالت بمرارة:
- روبرتو ماسيني!
- انني اعني مااقول .... وسأكون منزعجاً جداً فيما لو ان من يعمل معي يؤمن بعكس ذلك.
- ألهذا قام العاملون عندك بإضراب في الأسبوع الماضي؟
- إنهم بعض الفوضويون , وعندما تحدثت مع رجالي عادوا جميعاً الى العمل . لو كنت قرأت نظام العمل في " ماسيني موترز" لرأيت أنه أفضل اتفاق في اوروبا كلها.
ولم تجب, والتقطت شوكتها من جديد لتتابع الطعام وقال روبرتو بعد صمت :
- أعتقد أننا يجب أن نتوقف عن الكلام في الماضي.
مهما قال عن نسيان الماضي , وعن الترحيب بها هنا , فهي تعرف أنه انما يقوله دون اقتناع . واقعياً يرغب في أن تغادر منزله وتترك له جوليو. وفكرت بأختها التي لم يكن ليدعوها إلى هنا سوى لإذلالها.
وتصاعد غضبها من جديد . ومع ذلك فترجمة الغضب إلى كلمات فيه خطورة , إنها تسير في طريق كله خداع , وخطوة واحدة قد تكون نهايتها . والتقطت انفاسها واستطاعت ان تسترخي ثانية . وأشار إلى الخادم ليأخذ الاطباق الفارغة.
واستطاعت بعد جهد ان تتكلم وغيّرت الحديث الى الكونتيسة:
- لقد قلت ان والدتك قد حضرت برنامجاً للاسبوع القادم ... هل تعلم ماهو؟
فابتسم وقال:
- كل ما أعلمه انني سأدفع الفواتير!
- اوه .... أتعني اننا سنذهب لنتسوق؟
- أنت أول امرأه أسمع خيبة أملها لهذه الفكرة !
- تسوق الثياب لطالما أضجرني.
- ومع ذلك أصبحت موديلاً للازياء؟
- لقد كان لديّ مصور مشهور قدمني للعمل . وهو قمة في عمله . وأصرّ دائماً على استخدامي في كل اعماله المهمة . لقد كنت محظوظة.
-هل مازلت تقابلينه؟
- من ؟
******************************

- المصور الذي تكلمتي عنه . أم ان هناك رجال آخرين ساعدوك؟
ولم يكن هناك أي خطأ بما يقصده , فاشتعلت غيظاً:
- لا يعجبني ما تلمح اليه.
- ولكنك تقدّرين الصراحة.
- صحيح ... ولكن...
- إذاً لماذا الادّعاء ؟ اذا كنت عشت حياتك بطريقة خاصة , فلماذا تحاولين جعلي أصدّق أنك لم تفعلي؟ الا اذا كنتي خجلة من ماضيك.
واحمّر وجهها , ولكنها تحكمت بلسانها.
- أعتقد اننا اتفقنا على عدم البحث في الماضي؟
وبدا منزعجاً لدرجة أنها عضت شفتها لهذه الخشونة . ولكن عندما عاد إلى الحديث , أخذ يتحدث عن مدرس اللغة الايطالية الذي كتب له بأنه مسرور لتقدم تلميذته.
- وهل طلبت منه كتابة تقرير عني ؟
- اعتبر انه من دواعي الأدب عندما أرسل لي الفاتورة.
- لقد سررت بتعلم الايطالية .
- واضح انك تبذلين جهدك . ماهي خططك لبعد الظهر ؟
- عادة أخرج مع جوليو في عربته . لماذا لاتسمح لي بالتنزه خارج املاككم.
- تستطيعين المغادرة متى شئتي ولكن من دون الصبي.
- وهل تخاف أن اهرب به؟
- يا ألهي .. مثل هذه الفكرة لم تخطر لي.. ولكن الولد ابن اخي. وقد يكون هدفاً للاختطاف . لم اكن اود ان لخبرك بهذا . ولكنك ام تتركي لي الخيار.
- انا سعيدة لانك اخبرتني... هذا يوقف شعوري بأنني سجينة.
- إذا رغبت في أخذ جوليانو خارج نطاق الأملاك , فلك الحرية ولكن بمرافقة حارس
- لا... لا.... سأشعر بالامان بقرب أكثر المنزل , لقد تذكرت هذا لأنني .... لقد اسأت الحكم عليك.. انا آسفة.
- مهما يكن , فأنت تعتذرين بشكل جميل يا لورا .
كان هذا أول إطراء يوجهه لها , وتساءلت إذا كان مدركاً لهذا الأمر . وأنعش هذا روحها وجعلها تتكلم معه دون توتر . وتشعب الحديث حول العديد من الأشياء , ولاحظت اتساع معلوماته بكل المواضيع التي طرقاها.
وأخذت تفكر بماذا سيفعله لو أكتشف حقيقة هويتها , لم تكن نؤمن بأنه كعم جوليو , لديه الحق بالطفل أكثر منها , ولكنه رجل في عالم الرجال , والأهم , أن لديه سلطة ومركز . لو أنها متزوجة وتستطيع أن تقدم لابن اختها منزلاً ملائماً , ورجلاً يحل محل والده , لكان من الممكن ان تكون أمامها فرصة للاحتفاظ به , ولكن , والأمر كما هو عليه , من دون أدنى شك سيفوز عليها روبرتو . وصممت أن تركز على حاضرها .
فهو يعتقد أنها ماري , وطالما الأمر هكذا لن تكون في خطر وتستطيع أن تبقى هنا مع الصبي , وجالت عيناها في اللوحات من حولها , وتذكرت فجأة الآت التصوير التي لم تستخدمها منذ أن وصلت . سوف تستخدمها لتصوير جوليو , فهي تحتفظ بألبوم مصور , ومع ذلك فسيشغل هذا بعد ظهر يوم واحد وسيبقى لها عدد لن ينتهي من الأيام لتملأها بالعمل.
بعد انتهاء الغداء , دخل روبرتو إلى مكتبه , وصعدت لورا لتحضر ابن اختها . وخلال ساعة من الزمن دفعت العربة أمامها عبر الممرات الملتفة التي قادتها إلى مناطق لم تكتشفها بعد من الأملاك .
هذه الأراضي ستكون رائعة الجمال في الصيف , حتى الآن والأشجار عارية والأرض دون أزهار تبدو بهيجة المنظر والطقس الأفضل يقترب , وبعد بضعة أسابيع من الآن سيكون الطقس دافئاَ , الصيف لا يطاق في روما , ولكنها تعلم أن هذا هو الوقت الذي ستذهب فيه مع الكونتيسة بشكل عرضي . ولكن , لماذا عليها ان تهتم به ؟ من المفترض أن يكون شقيق زوجها ومن الأفضل لها أن تفكر به بهذه الطريقة. ولكن كشقيق زوجها , مايفعله , ومع من , من الطبيعي أن يهمها.
***********************

عند الرابعة والنصف أعادت ابن شقيقتها لرعاية روزا . وذهبت تبحث عن آلة التصوير . كانت تستخدم كاميرا أتوماتيكية مع عدة عدسات متغيرة , لها فلاش اليكتروني يمكنها من التصوير في أي مكان .
اليوم ستحضر الكاميرا , وغداً ستأخذ بعض اللقطات , وبعد غد ستظهرها . ولكن .... ليس عندها هنا غرفة للتظهير . نظراً للغرف الكثيرة هنا بدا الموقف سخيفاً . ولكن لو أن لديها غرفة لتعمل فيها , فليس لديها المعدات الكافية . وتمنت لو عندها التفكير السليم لتأتي بكل معداتها معها.
وتشوقت لتشرب فنجان شاي , فنزلت إلى غرفة الجلوس الصغيرة , ولم تصادف أي خدم في طريقها , لكنها كرهت أن تقرع الجرس ليحضر أحدهم . واخذت تتجول في الغرفة ومن نافذة الى اخرى , وفتح الباب ودخل أحد الخدم وقدم لها رسالة على صينية من فضة . الرسالة كانت من صديقتها ليندا, رسالة طويلة جداً مليئه بالاخبار والإشاعات حول اصدقاءهما المشتركين . وهذا ما جعلها تحنّ الى وطنها اكثر .
ولكن آخر فقرة من الرسالة أبعدت عنها شفقتها على نفسها , لأن ليندا , لسبب لا تعرفه شحنت كل معدات الغرفة المظلمة لها إلى روما.
(لقد كلفت كثيراً , وسترين ذلك عندما تستلمين الفاتورة , ولكن هذا سيكون كنقطة من محيط بالنسبة للمليونير )
وابتسمت لورا , وكان من الجيد أن تقترح ليندا عليها أن يدفع روبرتو الفاتورة . ولكنها لم تكن تنوي أن تتركه يكتشف بأنها سترتاح من الضجر في سكناها هنا.
- مالذي يجعلك تبتسمين هكذا يالورا ؟
وأجفلت عندما سمعت صوت روبرتو وقد دخل الغرفة.
- كنت أظنك لا تزال تعمل ؟
- لقد أتيت لأشاركك الشاي.
- ولكنني لم أطلبه
- لقد طلبته.
- هذا تفكير جيد منك.
- أنا رجل جيد التفكير .
- انت تتمتع بتدبير حياة الآخرين.
وحاول الرد , ولكن الخادم دخل وهو يجرّ طاولة الشاي أمامه . وفي الوقت الذي غادر فيه الغرفة كان روبرتو قد فكر جيداً فيما سيقول.
وصبت لورا الشاي وناولته فنجانه .
وسألته فجأه:
- هل ستحضر الكونتيسة العشاء معنا؟
- لا.... ولكن اوليفيا ستتعشى معنا.
- إذاً سأتناول عشائي في غرفتي.
- ولماذا؟
-ليس لي مكان بينكما انتما الاثنان.
- لو أنني كنت أرغب في العشاء معها لوحدنا لما طلبت منك العشاء معنا .
وهزت كتفيها لتظهر عدم اهتمامها . ولكنها كانت تعلم انها تكذب على نفسها , لأنها كانت تشعر بالتوتر في حضورها مع انها قابلتها لوقت قصير.
وتقدم روبرتو نحو الطاولة وأعاد ملء فنجانه , وتناول بعض البسكوت ,وقال مبتسماً:
- من الجيد أنني لا اكون في المنزل بعد الظهر دائماً , وإلا سأصبح الشاي عندي عادة .. هل كنتي دائماً مشغولة بالتصوير ؟ بالتأكيد العمل كموديل أسهل؟
- اعتدت أن أعمل القليل مع الاثنين معاً , وكان من الممل أن اعمل موديلاً طوال الوقت.
- وهل تشعرين بالملل لكونك سيدة خالية من العمل ؟
-أحب كل دقيقة من حياتي هنا . قصر أعيش فيه , خدم يقدمون لي كل شيء . ولا حاجة لأن أحرك اصبعاً طوال اليوم , هذا بالضبط هو تصور الفتاة العاملة عن الجنة!
وكأن الملاحظة هذه لم ترضه , لأن فمه تقوس عند الزوايا.
- من المؤسف أن اخي ليس معك ليشاركك هذه السعادة.
- لا أعتقد من الضروري الحديث عن جوليانو , بعض الأشياء ليست بحاجة لوضعها ضمن كلمات.
- انا آسف .. ولكن عندما تتكلمين الآن اعتقدت أنك نسيتي أخي.
*********************

- وهل تريدني أن أتحدث عنه طوال الوقت؟
- بالطبع لا ! أنت على حق يا لورا . ارجوك أن تنسي ما قلته.
وقبل أن تفكر بشيء مناسب تقوله , غادر الغرفة.
بعد بضع دقائق خرجت تبحث عن الخادم لتسأله إذا كان هناك مكان ضيق مظلم تستطيع تحويله الى غرفة تظهير . وبعد تردد قادها إلى الطابق الأول وتجاوز جناحها , ثم سار في ممر آخر ليصل إلى غرفة.
كان واضحاً أنها تستخدم كغرفة مؤنة , إذ ليس لها نوافذ , مما يوفر عليها جهد إغلاقها , والأهم أن فيها مغسلة وماء جاري . كذلك يوجد رف على طول أحد الجدران على ارتفاع الخصر . تستطيع استخدامه لوضع الصواني , وماكينة التجفيف , ويوجد أيضاً عدة خزائن لتضع أوراق التصوير والسائل اللازم للتظهير .
فقالت:
- لا يمكن أن تكون أفضل حتى لو حضرتّها بنفسي.
وبدا السرور على وجه الرجل:
- إذا اخبريني أين ترغبين في وضع كل شيء, سأفعلها بنفسي..
- لن أعلم هذا قبل وصول كل شيء . ولكنني سأحتاج إلى كهربائي..
- هناك واحد في المنزل , فالأسلاك هنا بحاجة الى صيانة دائمة.
من المذهل ان الأمور سارت بهذه السهولة , وتوجهت لورا الى جناح الطفل لتؤدي مهمتها الليلة في تغسيل الطفل . كانت تتمتع بهذا الوقت من النهار أكثر من أي شيء آخر.
في لندن كانت تصل الى المنزل متعبة , فلم تكن تشعر بالمتعة , ولكن في "البلازا" فقد كان الروتين يغلب على ايامها , وكانت تمضي وقتاً أكثر من اللازم في فرك جوليو بالصابون , وتركه يلعب في الماء وحوله لعب البط والقوارب الطافية , تلك الليلة كان مسروراً جداً وأخذ يضرب الماء بيده حتى انه بلّل خالته .
وبعد إن أخذ وقتاً أكثر من كاف , أخرجته من الماء ولفته بالمنشفة , ولكنه اخذ يضرب بيديه ويركل بقدميه طالباً العودة الى الماء , وكان صعباً عليها ان تستمر بحمله وهو في هذه الحالة الغاضبة , وأسرعت إلى الكرسي الصغيرقرب الطاولة التي وضعت عليها ثيابه . وما ان جلست وبدأت تجففه , حتى لاحظت أن روبرتو كان يقف هناك قرب النافذة .
وسألها وهو يرفع صوته فوق ضجيج الصبي:
- هل يفعل كل هذه الضجة كلما استحم؟
- ليس عندما يكون في الماء , فقط عندما يخرج منه
- سأهدئه...
ورفعه عمه بين ذراعيه , واستمر جوليو في الصراخ ثم توقف فجأة
فقال روبرتو:
- إنه بحاجة الى التعامل معه بصرامة.
ثم وضعه في حجر لورا .
فقالت وهي تصرّ على أسنانها:
-احياناً تنجح هذه الطريقة واحياناً لا . ومن حظك انها نجحت هذه المرة.
- جوليانو يحترم عمه.. لهذا التزم الهدوء!
وأنهت تجفيف ابن أختها , ورشت عليه البودرة, وألبسته ثياب النوم. وحملته بانتظار روزا لتحضر له طعامه. وعندما دخلت روزا, توقفت مندهشة لرؤية الكونت.
وسألت لورا:
- هل تريدين ان اطعم جوليانو؟
- لا سأطعمه بنفسي.
ومدت يدها لتأخذ الملعقة عندما قررت أن تعطي الطفل لروبرتو قائلة :
- انا واثقه انك ترّحب باطعامه.
وجلس روبرتو على الكرسي الذي اخلته لورا ووضع الطفل على حجره .
*********************

فقالت:
- الافضل ان اغطي بنطلونك , قد ينثر بعضاً من طعامه.
- قد ينثره.... ولكن انا لن افعل!
وكتمت ضحكة , ووضعت منشفة على ركبتي روبرتو , ثم وقفت لتراقبه وهو يطعم الصبي . كانت تظن انه لن يعرف كيف . ولكنها دهشت لبراعته . هل كل الرجال الايطاليون بارعون مع الأطفال؟ أم ان روبرتو له صفات خاصة؟ وانتظرت إلى أن أنهى الطفل طعامه , وفرك عينيه بقبضتيه , ووقف العم بعد أن قبّله قبلة ناعمة , وهو لا يزال يحمله وتمتم:
- إلى الفراش الآن.
ونظر إلى لورا :
- أترغبين إن تضعيه في الفراش بنفسك ام نضعه سوية؟
وهزت رأسها بالإيجاب وسارت إمامه نحو فراش الطفل وكانت غرفة نومه مظلمة قليلاً مما جعلها حميمة جداً , ومرة أخرى شعرت برجولية الرجل الواقف بقربها .
وبحذر وضع روبرتو الطفل في سريره , وسألها:
- أليس لديه وسادة.
- بالطبع لا.. أرى معرفتك بالأطفال ليست كما كنت أظن.
- ليس لي معرفة بالأطفال.
- ولكنك تدبرت أمرك معه ببراعة.
-الحب معلم ممتاز.
- وهل تحبه؟
- طبعاً انه ابن جوليانو... كل ما بقي لي من اخي . وبالتأكيد تفهمين من بين كل الناس ما اشعر به؟
- بالطبع افهم.. ولكن المرأة تشعر برد فعل عاطفي , والرجل عادة لا يشعرون هكذا.
-اعتقد انك ستجدين الرجال يشعرون هكذا , ولكن معظمهم تربوا على عدم إظهار مشاعرهم . الرجال الانكليز يشعرون بالخجل من إظهار مشاعرهم, ولكننا لا نخجل منها.
وتثاءب جوليو , وانحنت لورا لتقبله قبلة النوم , وجعلها هذا قريبة جداً من روبرتو الذي كان ينحني فوق السرير بدوره. ووقفت بسرعة وابتعدت عنه . ووقف ايضاً والتفت إليها:
- الا زلت لا تحبيني يا لورا؟
- ليس هناك سبب يجعلني أغير رأيي فيك.
- هذا ليس صحيحاً! في البداية اعتقدت انني سآخذ منك ولدك.
-ومازلت تنوي هذا.. لقد قلت إنني إذا رغبت في ترك القصر يجب أن اترك جوليو هنا.
- لا احد يطلب منك ان تتركي القصر . قلت لك ان تعتبري منزلي كمنزلك تماماً.
- منزلك لن يكون منزلي ابداً! دعني اعيش حياتي كما اريد يا روبرتو ! كم تنوي ان تبقيني هنا؟ لماذا لا استطيع العيش مع الطفل لوحدنا؟
- لأنه من عائلة ماسيني , وسوف يكبر هنا !
- لو أن جوليانو حياً..
- كنت ستعيشين هنا ايضاً.
من العبث النقاش معه , واظهرت اشارة الهزيمة , لانها تعلم انها ستهزم دائماً اذا اصطدمت مع هذا الرجل .
وقالت بغضب:
- انت تنتظر مني ان اذهب .. ولكنني لن افعل.
- لديك عادة مزعجة بتكرير ماتقولينه . ارجوك لا تقولي هذا ثانية !
- يوماً ما سآخذ الطفل واهرب !
وعلمت على الفور انها اخطأت بكلامها هذا , فقد اسرع وامسك يدها بقبضة كادت ان تكسر معصمها وقال بغضب:
- لن تأخذيه من هنا ابداً . واذا لم تعطيني وعداً بهذا , سأضطر الى اعطاء تعليمات بأن لا تتركي لوحدك معه .
***********************

-لن تفعل هذا!
وحدقت في وجهه , ورأته وقد عبق بالغضب ولم تعد عيناه مرئيتان
فأجابت نفسها:
- بل ستفعل.
- هل تعطيني وعداً ؟ اما ان تعديني او .....
- اجل... ولكنني اكرهك لاجباري على هذا.
- استطيع العيش مع كراهيتك يا لورا.
- وأنا كذلك!
- ولكنني لا اكرهك ... بل على العكس , لديك العديد من المزايا التي تعجبني .
- وهل هذا مصدر ازعاج لك؟
وارتفع فمه الى جانب واحد.

- في الواقع هذا يدهشني , ولكنك شابة مليئة بالاشياء المدهشة يا لورا.


-------------------------


7- حديث حول الاخلاق

بما ان اوليفيا ستتناول العشاء معهم , اعتنت لورا باختيار ملابسها لتلك الأمسية . لكن سرورها بثوبها المخملي الأخضر. الواسع الكمين الضيق على جسمها , تلاشى عند وقوع نظرها على اوليفيا التي برزت أناقتها بثوب من الاوركانزا الأسود وقد زينت جيدها وأذنيها بالجواهر. وتمالكت نفسها وتقبّلت الشراب الذي قدمه لها روبرتو .
وجلست , ومن زاوية عينها رأت أن الفتاة الايطالية تراقبها . وأظهرت النظرة على وجه الفتاة الكراهية , وعلمت لورا أن هذه النظره هي لأسباب مختلفة عما تشعر به نحوها .
وتساءلت عن السبب.
وسألت اوليفيا:
- وكيف تجدين إقامتك هنا؟
-إنه منزل لي بعيداً عن كنزلي.
- وماذا تفعلين خلال يومك ؟
- لدّي الطفل ... ويمكن أن يشغلني طوال الوقت .
- كنت أظن أن روزا تعتني به .
- إنها تتولاه عندما أكون مشغولة.
*************************

ونظرت اوليفيا الى روبرتو :
- لا اظن ان هذا يسعد روزا . لقد كنت تقول لي أنها مسيطرة تماماً على شؤون الطفل.
- ما قلته إنها تشعر بالسعادة عندما يكون هناك أطفال تعتني بهم .
-إذاً انت تزعجها بعدم تركها تكون سعيدة .
- ما أهتم به هو سعادتي أنا . وليس سعادة روزا !
وتدخلت لورا بالحديث:
- أظن أن السنيورا جيوفاني على حق . وأنا متأكدة أن والدتك تحب أن تراك متزوجاً.
- كل النساء اللواتي أعرفهن يريدونني أن اتزوج . ولكن السؤال , هل أحب أنا ذلك ؟ ولكن لسوء الحظ . بالنسبة للزواج لا أستطيع تطبيق قوانينكم.
ولم تفهم لورا مباشرة مذا يعني , ولكنها تذكرت .
- أتهني قوانين الزواج؟
- بالضبط , لا أستطيع تطبيق شعاره.
وسألت اوليفيا:
- وما هو هذا الشعار؟
-إذا لم تنجح فحاول وحاول وحاول.
فقالت لورا :
- ولكن الطلاق مسموح هنا في ايطاليا.
- اجل .....ولكن ليس بالنسبة لعائلة ماسيني.
-وضحكت اوليفيا:
- لقد علمنا الآن لماذا أنت حريص لهذه الدرجة.
وعلّقت لورا:
-احياناً , كلما كنت حريصة أكثر كنت عرضة للخطأ أكثر.
ونظرت الى روبرتو لتجده يحدق بها وباوليفيا بسرور وعلمتا انه يتمتع بسماعهما تتناقشان
حوله, وانزعجت لأنها تلعب دوراً يرضيه.
فقالت ببرود:
- اعتقدت دائماً ان الغرور وحده هو الذي يدفع الرجل لأن يبقى أعزب وليس هناك من
باعث للضجر أكثر من رجل مغرور!
فابتسم وقال :
-لورا فرد من أفراد العائلة . ولها حرية التكلم معي أكثر من أية امرأة اخرى.
ومازحته اوليفيا:
- اكثر مني .... حتى ؟
- انت لك وضع خاص...
ورفع يده إلى خدها . وأدارت لورا وجهها كي لا ترى هذه الحركة ولكن قبل ان تبعد نظرها
لاحظت النظرة التي رمقها بها روبرتو , ولم تستطع فهمها.
ودخلوا أخيراً الى غرفة الطعام , ولاحظت أنه أخذ برأيها عن كآبة غرفة الطعام بعين الاعتبار
فوجدت أن الغرفة مليئة بالزهور وعدة درزينات من الشموع في شمعدانات فضية, مما اعطى
جواً لطيفاً من حولهم . وجلس روبرتو على رأس الطاولة, وجلست المرأتان الى جانبيه .
وكلما رفعت لورا نظرها وجدت اوليفيا تحدق بها . في لقائهما الأول شكت بأن الفتاة لا تحبها, ولكنها الآن متأكدة من الأمر . لا يمكن ان يكون هذا الشعور مبعثه الغيرة, بل قد يأتي فقط من عدم ثقتها بروبرتو.ولكن لو كان روبرتو غير جاد حول علاقته باوليفيا,فلماذا يقابلها دائماً؟
****************************
هذه الفتاة الايطالية , مناسبة تماماً لدور الكونتيسة ماسيني , بالميلاد والأصل . ومن العجيب
أن روبرتو ما زال متردداً, ومن الواضح أن حريته تعني له الكثير , وبما انه يعتبر الزواج قيداً
فإن هذا ما يجعله حذراً, ولكنه يؤمن بالروابط العائلية , فمن الواجب عليه ان يكون مهتمًا
باستمرار هذا الخط , ولا يستطيع ان يترك كل هذا على كتفي طفل لا يزال في الشهر السابع
من عمره . لا... من واجب روبرتو أن يبدأ بالتفكير جدياً بالزواج , وعندما يفعل , فإن لورا
واثقه أنه سيختار اوليفيا . واقلقتها هذة الفكرة , وتساءلت لماذا عليها ان تهتم بمن سيتزوج.
وقالت اوليفيا:
- أظن علينا ان نقيم حفلة للورا لتقديمها الى اصدقائنا . سنقيم حفلة مفاجئة الاحد المقبل .
لو استطعت ان اجمع كل من ارغب بدعوتهم.
- وهل ستجمعين كل شباب روما العابثين ؟ اظن ان لورا لن تهتم بهم.
- ليسوا كلهم من العابثين , واعتقد ان لورا ستكون مسرورة بلقاء بعض من هم غير مرتبطين من الرجال .
وقال روبرتو بصوت جاف غير متوقع:
- أظن ان لورا لا تزال في حداد على جوليانو.
- لقد مر أكثر من سنة على وفاة جوليانو. ولا يمكن ان تبقى في الحداد الى الابد.
واحست لورا بوقع نظرات روبرتو عليها , وعلمت ان موافقتها على اقتراح اوليفيا لن يكون مناسباً فسبب الحب المفترض ان تكون تشعر به نحو جوليانو , لا يتوقع روبرتو منها ان ترغب في لقاء أي رجل اخر.
وقالت:
- اوليفيا تحاول فقط ان تكون لطيفة معي . البقاء في المنزل بوجه عابس لا يعني الحداد كما ان لقاء الغرباء لا يعني نسيان ذكرى من تحب.
فقال ببرود:
- افعلي ماهو مناسب . فلم أكن حارساً لأخي , ولن استطيع أن أكون حارساً لزوجته.
فردت عليه لورا بنعومة :
- ولكنك تلعب دور حارسي . فأنت تبقيني هنا.
فعلقت اوليفيا قائلة:
-إنك تجعلين الأمر يبدو وكأنك سجينة.
- هذا مجرد كلام .
ولكن النظرة التي رمقت بها روبرتو من تحت أهدابها أوضحت أنها تعني ماتقول .وضغط على شفتيه.
وأعاد إليها نفس النظرات , قبل إن يلتفت إلى اوليفيا بابتسامة دافئة,وكأنه يعوضها على الانتقاد الذي وجهه اليها.
بعد تناول القهوه نظر الى ساعته ,وقال لاوليفيا:
- سأكون مستعداً لإيصالك بعد نصف ساعة , هل يناسبك هذا؟
-مناسب تماماً.
وتركها مع لورا وخرج .فقالت لها:
- روبرتو صاحب اراء متشدده يالورا , وليس من الحكمة مجابهته.
- لا ارى سبباً لمعاملته برقة الاطفال.
- ولا حاجة لك للتطرف لجذب انتباهه.
- جذب انتباهه؟
- بالطبع , فالجدال معه بطريقة جيدة لاثارة انتباهه لك . معظم من يعرفه يعترف له بالنباهه
والمقدرة على النقاش.
- وكذلك انا , ولكن هذا لا يعني انني يجب ان اوافق معه على كل مايقوله . ومن الواضح
انك مؤمنة جداً بروبرتو.
- اجل...هذا صحيح . لا يستطيع احد غيره ان يكون مسيطراً على قطاع هام من الصناعة
بهذه القوة, انه قطاع من قطاعات الاقتصاد عندنا, لا يهتز ابداً.
*************************

- لقد بدأ عمله مع امكانيات كبيرة.
- روبرتو كان سينجح مهما كان وضعه المالي.
- نحن نراه من وجهات نظر مختلفة , روبرتو شقيق زوجي, ولكن .....
- لا حاجة بك للتظاهر معي . أنا اعلم ان جوليانو لم يتزوجك. ولكن من مثاليات روبرتو انه
فعل ما هو صائب وأتى بك مع الولد هنا.
- من المؤسف انه لم يفعل ما هو صائب عندما كان جوليانو حياً
- لا تستطيعين لومه لالتزامه بمبادئه.
- اية مبادئ؟ وهل مركزه العالي يعطيه الحق بإدانة من لا يعيش الحياة التي لا يرغب فيها هو؟
- بعض الاشياء تبقى خاطئة دائماً . ولكن بالنسبة لهذا الموضوع لن نتوافق ابداً . الانكليز هذه الايام عندهم اخلاقيات مختلفة عنا.
وحبست لورا انفاسها, فقد كانت تعلم ان الاخلاقيات ستدخل الى النقاش عاجلاً ام آجلاً. واخلاقيات ماري بشكل خاص. ولكنها هي ماري الآن , ويجب ان تتذكر هذا.
- قلة الاخلاق الوحيدة التي اعرفها هي القساوة والحسد, والطمع.
- ارجوك , لاتظني انني احكم عليك. كنت اتحدث بشكل عام. وليس عنك.
- ولكنك كونت راياً عني.
- كان من الصعب عليّ ان لا افعل . روبرتو متشدد حول مشاعره , وبما انني احبه..
وتوقفت, وكأنها ندمت على ما قالته , ومع ذلك فإن لورا كانت واثقة أن كلامها الطائش كان متعمداً. فقد ارادت اوليفيا ان تثبت حقها بروبرتو . ومرة اخرى أحست ان الفتاة تخاف منها.
فشعرت بطريقة غريبة بالسعادة, بالرغم من أنها تعلم أن هذه المخاوف لا اساس لها. فلم تكن تعني شيئاً لروبرتو,ولا يعني لها شيئاً. فهما يعيشان تحت سقف واحد بسبب الطفل فقط .
وأشارت اوليفيا بيدها وتركت كرسيها وسارت لورا أمامها نحو غرفة الجلوس الصغيرة,الصغيرة حسب قياسات القصر , فقد كانت واسعة جداً حتى أنها تماثل الشقة التي كانت تسكنها مع ليندا. وأحست فجأة بشوق لرؤية صديقتها.
وجلست اوليفيا امام المدفأة , وبقيت لورا واقفة , لأنها لم ترغب باستمرار التحدث معها.
وقالت:
- ارجوك ان تعذريني لدي اشياء اريد ان افعلها.
فابتسمت اوليفيا:
- لا حاجة بك لمرافقتي . فأنا في منزلي كما انت تماماً.
وذهبت لورا نحو الدرج لتصعد الى غرفتها , وفي الطابق الاول التقت بروبرتو,وخمنت بأنه كان مع والدته , وانتظرت حتى اقترب منها لتسأله عن حال الكونتيسة.
- انها افضل حالاً بعد اجبارها على الراحة . ولكنها غاضبة لهذا السبب , هل انت ذاهبة لرؤيتها؟
- لم اكن افكر بهذا , ولا اظن انها ترغب في أن ازورها.
- ولكنها ستسر برفقتك يالورا . فهي لا تحب ان تترك لوحدها مع افكاراها.
- وهذا سبب اعتقادي بأنها لن ترغب في الجلوس معي . اشعر انها ستنظر إليّ وتلومني على ما حصل لجوليانو.
- ولماذا تلومك ؟ لم تكوني مسؤولة عن الحادثة!
- ولكن لو لم يلتقي .. يلتقيني , لكان تخلى عن سباق السيارات واستقر هنا.
- لو أن احداً يجب ان يلام , فهو امي وانا.. تصرفنا معه هو الذي ابقاه بعيداً , وليس انت.
واحست بمرارته , فتمنت لو أنها لم تتكلم بهذا الموضوع:
- ومع ذلك فأعتقد ان وجودي هنا هو تذكير دائم لكم بشيء تفضلون نسيانه .. لو انك تسمح لي بان آخذ ...
- الطفل سيبقى هنا , لقد قلت لك إننا لن نناقش الأمر ابداً.
- لقد تكلم الكونت , ويجب ان ينفذ قانونه!
***********************

واستدارت باتجاه غرفة الكونتيسة وهي تسأل:
- هل هي على الجهة الأخرى من الممر؟
- سآخذك إليها بنفسي.
ومشى بقربها , وخطواته لا تسمع فوق السجاد وقال:
- اتمنى ان تكوني متحفظة عندما تلقين باصدقاء اوليفيا.
وفاجئتها ملاحظته , فتوقفت عن السير ونظرت اليه:
- وماذا يعني هذا ؟
- يعني انك من عائلة ماسيني . وأتوقع منك أن تتصرفي كواحد منها .
- كيف تجرؤ ان تقولي لي كيف سأتصرف؟
- اجرؤ على أي شيء لحماية عائلتي , ليس الاسم الذي يهمني , بل الناس الفخورين بحمله.
- مثلك انت !
- مثل امي.. لقد عانت بما فيه الكفاية.
- لم تكن هذا غلطتي !
- انا لا الومك . أنا فقط احاول ان افهمك لماذا اريد منك المحافظة على لياقتك , فأنا اعرف
الحياة التي عشتيها قبل ان تلتقي بأخي و..
- كنت أطن اننا لن نتكلم في الماضي؟
ومع انهما كانا بعيدان عدة ياردات عبر الغرفة فقد شعرت وكأن عيناه تلتقطان عينيها. وكأنه
تقريباً لمسها فأخذت ترتجف فجأة , ثم شعرت بالراحة عندما صدرت اصوات من الردهة
تعلن عن وصول ضيوف روبرتو.
بعد انتهاء العشاء , اخذ روبرتو ضيفيه الى جناحه الخاص, وترك لورا والكونتيسة لتلعبا
الورق . ومن أجل ان تتمرن لورا على اللغة الايطالية , لم تكن الكونتيسة تحدثها بالانكليزية
وكانت تعجب دوماً بالتقدم الذي احرزته.
- بطريقة ما أنا سعيدة لأنك مختلفة عما كنت أتوقع , وبطريقة اخرى انا حزينة.
-حزينة؟
- لأنني لم أصدق جوليانو عندما قال كم انت جميلة . هل غيرتي لون شعرك بعد ان مات؟
هل بقاؤك شقراء يذكرك به؟
ولم تعرف لورا ماذا كانت تعني الكونتيسة بقولها, وترددت, من حسن حظها ان الكونتيسة عزت هذا التردد الى الاحراج وفزعت لورا عندما رأت الدموع على الوجه الأسمر الجميل, فقد اظهرت الكونتيسة مشاعرها الحقيقية من قبل ولكنها لم تظهر الدموع ابداً.
فقالت لها متوسلة :
- ارجوك سامحيني ... لم اقصد ان ازعجك ابداً
- لا تعتذري يا طفلتي ... لقد ولد جوليانو لنا في عمر متقدم , ولهذا سيبقى في نظري طفلاً
وأنا سعيدة لأن تنظري اليه هكذا ايضاً.

*************************

8- عناق غير متوقع
عند العشرة ذهبت الكونتيسة الى النوم . ولم تكن لورا تشعر بالنعاس ,فخرجت الى الحديقة
وفكت ازرار معطفها الاعلى وأخذت تتمشي . كانت قد استكشفت جزءاً كبير من الاملاك خلال نزهاتها مع ابن اختها في الحدائق . ولكنها بسبب دفعها لعربة الطفل دائماً لم تكن تنظر كثيراً حولها. وهي الآن حرة .
وبعد قليل لم يعد القصر يبدو لها , ولم تلاحظ كذلك أي ممر مألوف مما كانت تستعمله. وتوقفت محاولة استعادة حواسها . وفي مكان ما على الشجر سمعت صوت عصفور, صوت غريب جداً بدا وكأنه صوت انسان .وعلى الفور تقريباً قفز أمامها احد الاغصان, فاستدارات, وشعرت بقلبها يخفق وهي تحدق في الظلام لترى من يتقدم نحوها.
ولكن ليس من أحد هناك. وعاد صوت العصفور ثانية, ثم سمعت صوت قفز احد الاغصان
ثانية, هل هو سبب تحرك العصفور, ام انه اشارة من رجل؟
وقالت لنفسها بصوت مرتفع "لاتكوني سخيفة" آملة ان يطمئنها سماع صوتها , ولكنها
لم تسمع سوى الصدى في الظلام وجعلها هذا أكثر إدراكاً لعزلتها بين الاشجار من الممكن
أن تُهاجم بينها دون ان يراها أو يسمعها احد.
***********************

وتراجعت بخطواتها بسرعة , ولكن بدلاً من ان تصل مكان مكشوف وجدت نفسها في جزء
كثيف أكثر من الغابة. الاشجار هناك طويلة , اطرافها العالية ملتصقة ببعضها بحيث أنها
لم تستطع رؤية السماء من فوقها . واقشعر جلدها, وتصاعد الخوف في نفسها. وصاح عصفور
آخر. ووقعت بعض الاوراق الجافة على الارض , وسمعت نقيق بومة, كان قريباً جداً من أذنها
حتى اوشكت ان تسقط خوفاً, ولكن هذا لم يكن شيئاً امام الرعب الذي لفها عندما شاهدت شبحاً قاتماً يتحرك من وراء شجرة ليتقدم نحوها, فصاحت بصوت مبحوح:
-من هناك؟
كان ما تعلمته من ايطالية نسيته لحظتها تماماً, حتى انها بالكاد استطاعت التفكير بالانكليزية.
ارادت ان تركض, ولكنها تسمرت حيث هي . مثلها مثل الاشجار من حولها.
فقالت بصوت مهتز:
- اذا اقتربت مني أكثر... سا .... سأطلق عليك النار !
- بماذا؟ بشرارة من عينيك كما اعتقد؟
كان هذا صوت روبرتو , يأتي من الظلام, وبشهقة ارتعاب, رمت نفسها بين ذراعيه. واجفل عندما احس بجسدها يتلامس مع جسده, ثم مد ذراعيه وامسك بخصرها.
وقال:
- كنت مذعورة حقاً؟
كان في صوته رنو ضحك, ولكن كان فيه الاهتمام ايضاً, فقالت وهي لا تزال ترتجف, وتكوّر نفسها بين ذراعيه:
- كان هذا سخفاً مني !
- سخافة ان تأتي الى هنا لوحدك ... ولكنني اؤكد لك انك سالمة هنا .فالاراضي هنا محروسة جيداً
- صحيح؟... ولكنني لم ارى احداً.
- لقد مرت عدة اضواء إنذار ضمن نظام الامن الالكتروني....
وهزها قليلاً:
- كيف تظنين انني وجدتك؟
وقطبت جبينها وابتعدت عنه ونظرت حولها.
- وهل كراسك متنكرين على شكل شجيرات؟
وضحك وقال:
- لا.... ولكنها فكرة جيدة.
وانحنى قليلاً ليزيح احدى الشجيرات.
- هناك واحد من الاضواء السرية , لايمكن للعين البشرية رؤيتها.عندما يشير أي انسان من خلالها يظهر هذا على لوحة الانذار.
- اتمنى ان لايكون هناك ارانب كبيرة في الجوار.
- لا يوجد سوى من له آذان طويلة, ولكنها تنفع لابقاء الحارس متيقظاً!
وابتعد عنها قليلاً وقال بهدوء:
- لا بد انك سافرت كثيراً في العالم ... ومع ذلك فلا زلت رقيقة قابلة للانكسار.
- بالتأكيد انا لست هكذا عندما اكون مرتدية الجينز! فعندما اتيت لرؤيتي في ذلك المعرض هاجمتني وكأنني من الوزن الثقيل.
- السبب كان روحك المتحدية.. تجعل المرء ينسى حجمك.
وفي الظلام سمعت صوت ثقاب, وتوهجت الشعلة ثم انطفأت بالتدريج رائحة سيكار"هافانا".
وقال لها:
-أخي اشار مرة الى ان روحك مرحة, وليست متحدية.
- اخوك كان له عدة تسميات لي.
- اعلم....... الفتاة الذهبية واحد منها . اتساءل ماذا كان سيدعوك الآن؟
- زنجبيل ربما؟
*************************

-ابداً.... هذا يشبه لون سكان البور غاندي في فرنسا, كان بإمكان هوميروس ان يصفك بشكل ادق.ولكن هذا ترك لي.....لا استطيع تصورك شقراء, فهذا يخالف شخصيتك تماماً.
- لقد كنت ناجحة كشقراء.
-اعلم... ومختلفة الطباع ايضاً, عما انت عليه الآن.
- احاول ان اتناسب مع ما يحيط بي .
- لقد نجحت بهذا ابعد مما كنت اتوقع. لقد قالت لي امي الليلة انها تشعر بانها لم تكن اسعد حالاً ابداً منذ وصلتي. وهذا الكلام يصدر عن امرأه كانت عدوتك اللدودة مرة, هو انجاز رائع.
- انا سعيدة لأن والدتك تحبني , فقد احببتها كثيراً.
- وانا ؟ الم تحبني بعد؟
ودهشت للسؤال, وقررت انه يحاول مضايقتها:
-لا اعرفك جيداً بعد حتى احبك, في بعض الاحيان كرهتك!
- الكراهية قريبة من الحب.
- إذا ربما انا متعلقة بك!
وضحك وقال:
- عرفت انك لن تخيبي ظني.
- الجو جميل.
- وكذلك انت. انت تختارين ملابسك بشكل رائع يا لورا يجب ان تحتفظي بلبس البنطلون للشاطئ فقط الفساتين اجمل عليك.
- انا ارتدي ما أجده مريحاً , واذا استمريت بإطرائي ستجعلني اشعر بعدم الراحة.
- الست معتادة على الاطراء؟
وعضت شفتها, هذا سؤال مشحون بالمعاني, واذا لم تكن حذرة فستفضح امرها. كم سيكون مذهولاً لو اخبرته انها قد فعلت المستحيل لتتأكد من عدم تلقيها اطراءاً, وكم كانت مصممة على ان تعامل كمصورة ناجحة بدل معاملتها كفتاة جميلة.
- أنت تأخذين وقتاً طويلاً للاجابة عليّ يا لورا.
- بالطبع انا معتادة على الاطراء, ولكني لست معتادة على تلقيها من رجل مثلك!
- وهل اعتبر هذا اطراء لي.
- كم انت مغرور بنفسك!
- هذا لانني اعرف قيمتي؟
-تقديرك لتفسك قد لا يكون كتقدير الآخرين لك.
-وكيف تقدريني؟
-لقد اخبرتك, انا لا اعرفك بما فيه الكفاية لأكوّن رأياً عنك.
ولم تكن ترغب في متابعة الحديث, فاستدارت نحو القصر وبدأت تسير
فقال :
- الوقت متأخر للذهاب الى روما.
والتفتت لتواجهه , ولم ترى سوى الاحمرار المنبعث من السيكار.
- انت تسيرين نحو البوابة الرئيسية والقصر في الاتجاه الآخر.
واستدارت بسرعة, ففقدت توازنها وكادت ان تقع لو لم يسرع للامساك بها.
فقالت:
-شكراً لك على انقاذي من السقوط.
ولكن عندما حاولت تركه ومتابعة السير , اشتدت قبضته عليها.
وقال بغضب:
- ومن سينقذني؟
****************************

ودون ان تتوقع جذبها وعانقها بشدة. قبضته كانت قاسية ولكن شدّه على جسدها كان ناعماً ورقيقاً ولم يكون هذا التصرف تتوقعه منه مما اصابها بالدهشة.وحاولت تخليص نفسها من,ولكنه لم يتركها فارتعشت وهي تحس بحرارة انفاسه ودون ان تعلم ماذا تفعل استسلمت الى عناقه, وشعرت بأنها صغيرة ودون دفاع بين يديه, وعلمت كم من السهولة عليه ان يسحقها . قلبه كان يخفق بقوة, وكانت قريبة من صدره بحيث انها احست ان قلبه انما يخفق بداخلها . ولكن مجرد الشعور بأنها تدّعي بأنها ماري, جعلها تتوقف عن الانجذاب اليه, لقد كانت تتوق اليه ولكن كـ لورا وليس كـ ماري ليس كفتاة لم يعد لها وجود.
وهمست له:
- روبرتو انا لس...
- هس.... لا اريد ان اتكلم عن الماضي.. لقد انتهى.. انت هنا الآن , وسنفكر فقط بالمستقبل.
ومد يده الى شعرها يتخلله وقال:
- اشعر وكأنه نار على يدي , ومثل النار انت تحرقين قلبي.
- ولكن يجب ان اتحدث اليك, اريدك ان تعرف...
- لا يا لورا, لا اريد تفسيرات هذه الليلة.
وابتعد عنها ولكنه ابقى يدها بيده.
-لندخل الى المنزل.... الهواء رطب ولا اريدك ان تصابي بالبرد...
لم يكن قد أظهر الاهتمام بها من قبل وارتجفت من السعادة.
- احب كثيراً ان تعتني بي يا روبرتو.
- فقد قلت لك انني دائماً اعتني بافراد عائلتي.
- اهكذا تراني؟
وبدأ بالسير معها, خطواته واثقة, وكأنه قط يرى الظلام. ولم يرد على سؤالها, ولكن بقيت يده ممسكة بيدها, دافئة وقوية. وبعد قليل ظهر القصر امامهما, الاضواء المنبعثة من النوافذ تضئ الظلام في الخارج.
ووقف حارس مسلح عند الباب الامامي , ورأت واحداً آخر عند البوابة التي لم تقفلها عندما خرجت, لا بد ان غيابها لوحظ منذ ان خرجت, وشعرت بالاحراج بأنها كانت مراقبة بعيون غير مرئية. ترى الى أي مدى تستطيع هذه العيون ان ترى؟ كم تستطيع ان تخمن الحقيقة؟ انها حقيقة يجب ان تقولها لروبرتو قبل ان يكتشفها. ولكنه جعل الامر واضحاً بأنه لا يرغب في حوار جدي هذه الليلة.
وقالت وهي تشد اكثر على يده:
-ارجوك دعني اتحدث اليك في وقت قريب.
فرد همساً:
- غداً يوم آخر وسيكون امامنا الكثير من الوقت للكلام

* * *

9- لا تعجبني اخلاقك!

استفاقت لورا عند الفجر. وشعرت بالسرور للحياة الفاخرة التي تحياها عندما جلبت لها كبسة جرس الخادمة , ومعها كوب ملئ بشراب الشوكولا الساخنة , وقطعة " كرواسان" لا تزال ساخنة ايضاََ.
لم تعد بحاجة لأن تصحو في شقة باردة , أو تدخل الى المطبخ البارد لتحضر التوست والقهوة.واخذت ترتشف الشوكولا.... وتفكر بحقيقة مشاعرها نحو روبرتو. واعترفت على مضض بأنها وقعت في حبه.
الرغبة في إخباره حقيقة هويتها, والتي كانت قوية الليلة الماضية, تلاشت الآن بسبب تخوفها من ردة فعله. لو تستطيع التأكد فقط من انه يفهم لماذا تظاهرت بانها شقيقتها, ولكنها لم تكن متأكدة ابداً.
انه رجل ساخر ومتشكك حتى انه سيعتقد سريعاً بأنها ادّعت بأنها شقيقتها لتؤّمن لنفسها حياة فاخرة. وقد ينظر الى ترددها في المجيء الى هنا وكأنه تمثيلية قامت بها لخداعه . وكيف سيصدق بأنها فعلت هذا بدافع حبها لابن اختها , وتصميمها على عدم الافتراق عنه؟
ولكن روبرتو يحب الطفل ايضاً , وهذا بالطبع سيساعده على تفهم دوافعها؟
بعد ان استحمت , وغيّرت ملابسها, توجهت الى جناح الطفل . وهي تلعب معه,كانت ترهف السمع لتسمع صوت روبرتو . واخيراً لم تعد تطيق البقاء هناك, ونزلت الى الطابق الارضي , آملة أن تعلم اين هو . والتقت بالخادم آتياً ليخبرها بأن عدة صناديق قد وصلت لها.
************************

فقالت له:
- انها معدات غرفة التظهير .. ضعّها في الغرفة التي اريتني اياها. سأصعد الى هناك حالما انهي
درسي مع البروفسور... هل الكونت ماسيني في القصر هذا الصباح؟
- اجل سنيورا انه مشغول مع سكرتيره.
وهزت لورا رأسها , وتوجهت الى درس الأستاذ , وبذلت جهدها لتركز على درس القواعد بينما فكيرها كله مع روبرتو , مع وصول معدات التصوير. كان الامر وكأن نصفين منفصلين من حياتهاسيعودان الى الاجتماع . واعطاها هذا الشعور مزيداً من الثقة . انها لورا ستيورات . وليست ماري ومن السخف ان تكون خائفة من اخبار روبرتو بالحقيقة.
بعدما ذهب الاستاذ , خرجت لتفتش عن الخادم , لتجد انه والكهربائي قد وضعا معداتها في الغرفة المظلمة الجديدة.
وقال الكهربائي:
- كل شيء سيكون جاهزاً بعد الظهر.
وتركتهما وهي سعيدة, ونزلت الى غرفة الجلوس , لتجد رزمة كبيرة موضوعة على الطاولة
ولاحظت خط ليندا عليها. لا بد انها شُحنت مع المعدات . وفتحتها لترى انها مجلات قديمة. وتمنت من كل قلبها لو ان ليندا لم ترسلها . كانت مجلات جمعتها ماري طوال سنين وكلٌ منها تظهر , مهمة مختلفة نفذتها عبر العالم. وجاءها صوت روبرتو:
- ماذا تنظرين. بهذه الدقة؟
ورمت المجلة من يدها وهي تستدير لتحييه . وبدا لها بأنه ليس متأكداً من مشاعرها كما هي
غير متأكدة من مشاعره, وابتسمت له ابتسامة واثقة:
- لم اكن اعلم انك ستتغدى في المنزل.
- لقد كنت مصمماً على الغداء هنا اليوم , اليست امي هنا؟
- لقد ارسلت تقول انها يمكن ان تتأخر.
- هذا يعني ان لدينا وقتاً للتحدث . ولكن لنرتاح قبلاً. لقد أمضيت الصباح بعمل مضني.
- يبدو عليك التعب.
- في الحقيقة انا اعاني من التعب . ولكنني في الاسابيع الاخيرة كان امامي الكثير مما يشغل فكري.
لهجته أشارت انه لم يكون يقصد المصانع التي يديرها, فخفضّت عينيها بقلق. وسار نحو طاولة
الشراب, فتذكرت على الفور ان المجلات هناك, فرفعت رأسها بحدة ولكن بعد فوات الأوان
فقد التقط احداها, وكانت صورة ماري على الغلاف الخارجي وانتظرت ان يتكلم وهي تشعر بالتوتر.
- من أين اتت هذه؟
- لقد ارسلتها صديقتي التي كنت اشاركها الشقة, لقد وصلت اليوم.
- انك تبدين غريبة بهذه الاوضاع .
- لاتزعج نفسك في التفرج عليها ،انها قديمة.
- ولكنك لست قديمة....
وتمنت لورا بقلق ان لا يلاحظ ان اختها اطول قامه منها, ولكن كلماته التي تلت بددت املها:
- انت تبدين طويلة هنا.
فأجابته:
- الرجل الذي الى جانبي كان قصيراًَ.
وحدّق روبرتو بالصورة مجدداً:
- لا بد انه متوسط القامة لا عيناك عند مستوى عيناه.
- لست ادري لماذا تظن ان من يعمل مودلاً يجب ان يكون طويلاً. انه كمن يظن ان مغنيات اولاوبرا يجب ان يكون عندهن صدر عريض !
فضحك , وارتاحت كثيراً عندما أسقط المجلة من يده ولكن الارتياح تلاشى عندما التقط اخرى واخذ يقلب صفحاتها. التغيير الفوري في تعبيرات وجهه جعلها تتساءل ماذا رأى يا ترى . اهي صورة لها مع ماري؟ وكأنما ازعجه ما رأى فرمى المجلة من يده. وحدّقت بها من بعيد . لتجد انها مليئة بصور ماري تعرض ملابس داخلية. كانت المرة الوحيدة التي عرضت فيها مثل هذه المنتوجات.
*******************************

وقال روبرتو:
- هل كنت تقومين بمثل هذه الاشياء دوماً؟
- اية.. اية ... أشياء؟
- لا تقولي انك لا تتذكرين !
ورمى بالمجلة لها فالتقطتها . كانت تعرف ان ما اثار روبرتو هو الغيرة . ونظرت الى الصورة لتجد ماري ممددة على فراش مغطى بالمخمل الاسود و وقد كشفت الملابس الداخلية اكثر مما سترت, واحمّر وجه لورا وقلبت صفحة اخرى لتكشف عن وضع اكثر اثارة, فأدارت وجهها واغلقت المجلة ووضعتها على الطاولة بقربها.
- انها جزء من عملي... لا يمكن ان افكر بها اكثر من هذا.
- وهل قمت بتمثيل لها؟
- انها المرة الوحيدة.
- وما الذي جعلك تفعلين هذا؟
- لقد دفعوا لي مبلغاً ضخماً.
- ولماذا لم تفعلي غيرها؟
وبللت شفتيها, أسئلته أصبحت محرجة جداً, لا تستطيع الاجابة عليها دون فضح نفسها, ولكن ان تقول الحقيقة له في هذه اللحظات ليس بالأمر الحكيم , لأنه كان بادي الغضب , ولن يستمع اليها.
وقال مكرراً سؤاله:
- لماذا لم تفعلي غيرها؟
- لأنني .... لأنني مسرورة من هذه.... لم أكن أدرك انها ستكون هكذا....
- وكيف توقعتي ان يكون التعري اذاً؟ والالبسة الداخلية ملتصقة بك هكذا؟
- ليس هذا مهماً, لقد كانت عملية واحده يا روبرتو, ولم اكررها ابداً.
- ما يثير اشمئزازي أنك فعلتي هذا اصلاً ! هل كنت بحاجة الى المال كثيراً؟
- كنت بحاجة دائمة لمزيد من المال... ولم اكن اعلم انها ستكون فاضحة.
وسار بغضب الى حيث وضعت المجلة, واخذ يتفحص الصور, وينظر اليها وكأنه يقارنها بها.
وقال بخشونة:
- لم تترك هذه الصور شيئاً للخيال. على الأقل اذا نظر الرجل اليها سيعرف ماذا سيشتري !
- لا تتكلم هكذا ! هذه قساوة وغباء ! الرجال لا يقرأون هذه المجلات على كل الاحوال ...انها للنساء
- ولكن من التقط الصور رجل... ورجال من وكالة الاعلانات وافقوا عليها,ورجال من شركة " اللانجري" حدقوا بها.. يا ألهي ألم يكن لديك أي خجل؟
- لقد كانت مهنتي !
- مهنتك !
وركز على الكلمة حتى بدت مهينة, لا شك في معناها.
- كيف تجروء على نعتي هكذا !
والتقطت المجلة وضربته على وجهه بها, وترك حد المجلة أثراً على خده.
وصرخت ثانية:
- كيف تجروء ان تكلمني بهذه الطريقة؟ الذين يرون بأن هذه الصور سيئة, هم رجال لهم افكار قذره مثلك.! وهل تنظر الى فن " روبن" او "غويا" باحتقار؟
- لا تستطيعين مقارنة الفن الحقيقي بهذه , ولا تستطيعين مقارنة صور "بلاي بوي" بفن " روبن" ! فالرسامون الحقيقيون , الفنانون الأصليون, يرسمون من شعورهم الحقيقي. هذه مجرد صور جنسية رخيصة مصممة لإثارة المخيلة!.
- وهذا بالضبط ما تفعله معك !
****************************

- ولماذا لا؟.. فأنا رجل !
وقبل ان تعرف ماذا سيحدث جذبها بحدة الى ذراعيه, يد تمسك برأسها والاخرى تحيط بها.
لم يكن هناك أي حنان بقبضته فقط تصميم على امتلاكها بالقوة اذا لزم الامر. واحتاج الى
القوة فعلاً, لأنها أخذت تضربه بقبضة يدها, تدير رأسها من جانب الى جانب , في جهد لتجنب النظر الى وجهه. وتصاعد الدم الى رأسها , واخذ قلبها يخفق بصوت مرتفع حتى انه طغى على كل صوت, وشعرت وكأنها ستفقد وعيها من غضبها , عندما دفعها فجأه عنه ,
وانهارت في مقعد وهي ترتجف.
- لمن هن مثلك , فقد قمت بتمثيلية رائعة للبراءة. ولكن يلزمني أكثر من المقاومة كي أخدع.
- لا احد يستطيع خداعك؟ ..وهل تعتقد انك تعرف كل شيء عني؟
- أجل ......اعرف , وما أعرفه لا يعجبني!
وأحست بخطواته الغاضبة تقطع الغرفة, وصفق الباب وراءه, فأنهارت ووضعت رأسها بين يديها.
ودخلت الكونتيسة الغرفة, وأسرعت لورا لإخفاء دموعها ومحاولة لملمة المجلات, ولكنها تأخرتإذ وضعت الكونتيسة يدها على احداها ونظرت ثم رمتها على الطاولة فأسرعت لتضعها مع باقي المجلات على الطاولة.
- هل ترغبين ان تريها جوليو عندما يكبر؟ انا شخصياً افضلك كما انت الآن. فلديك الآن شخصية محددة. يقولون ان الكاميرا لا تكذب, ولكن في حالتك أظن انها تكذب.
- انت متفهمة جداً يا كونتيسة.
- اعتقد ان ابني لم يكن كذلك. لقد التقيته غاضباً في الردهة.
- لم تعجبه الصور , انه لا يفهم أنني عندما كنت موديلاً لم أرى نفسي أكثر من علاّقة للملابس.
- روبرتو ينظر اليك كامرأه شابة وجميلة , ولا يحب ان يفكر بالرجال وهم يشتهونك.
- انك تجعلين الأمر يبدو وكأنه يغار عليّ.
- أظن انه كذلك .... ولكنه لا يدرك. لقد شجعتيه, وسيقع في حبك !
وحاولت لورا ان تفكر بكلمات مناسبة. هل ماتقوله الكونتيسة هو شيء تخاف ان يحصل؟
هل تأمل بوضعه ضمن كلمات تستطيع ان تمنع حدوثه؟ من الصعب تصديق أنها تقول واقعاً,
وسترحب بنتيجته.عندما يظهر.
وأجبرت نفسها ان تنظر الى المرأة مواجهة:
- اعتقد انك اردتِ من روبرتو ان يتزوج اوليفيا؟
- هذا ماتتمناه اوليفيا , واذا لعبت اوراقها جيداً قد يكسب ما يشتهيه قلبها .ولكن هذا لا يعني ان روبرتو لا يشعر بك . لقد استحوذت عليه بطريقة لم تفعلها امرأة من قبل.
- ولكنه يحتقرني . لقد أخذ عني فكرة, ولا شيء اقوله او افعله يمكن ان يغير هذه الفكرة.
- اتركي هذا للزمن.
وصمتت لورا, وهي تعلم ان الزمن انما يعمل لصالح اوليفيا.
- انك تتكلمين وكأنك لا تمانعين اذا.... لو انني وروبرتوو....
وتوقفت عن الكلام , وتذكرت ماري التي مًُنعت من القدوم الى القصر, مع ان ابنها الآن يعتبر
احد الورثة.
- كان من الأفضل لو اظهرتم تفهماً اكثر عندما اراد جوليانو ان يأتي بي الى هنا.
- القليل من البشر يُعطى فرصة لإصلاح اخطاءه. ولكنني اُعطيت هذه الفرصة , بإمكانك تسمية هذا إراحة لضميري, اذا شئت.
- لن تجدي روبرتو متساهلاً هكذا. فهو يكرهني.
- هكذا قلت منذ لحظات. ولكن الكراهية تشير الى شعور ما, وعندما تكون مثل هذة المشاعر موجودة بين رجل وامرأه فقد تقود الى العديد من الأشياء.. لو كنت مكانك....
وتوقفت عن الكلام عندما دخل الخادم ليقول ان الغداء جاهز.وسرّت لورا لتجنب المزيد من الحديث , لأنه لو استمر لوجدت صعوبة في اخفاء حبها لروبرتو. لم تكن تعرف إذا كان سيتناول الطعام معهما.
**********************

ولكنها شعرت بالغبطة والاضطراب معاً عندما رأته في غرفة الطعام. وهذا يعني أن رأيها به صحيح, فمهما كان الانفعال الذي سببته له, فلن يدع قلبه يتحكم بعقله.
ومنعها الأدب ان تغادر الطاولة الى ان ذهبت الكونتيسة الى غرفتها , ثم ذهبت الى جناح الطفل لتراه وأشارت روزا الى دمية دب الباندا من الحجم الكبير من زاوية الغرفة:
- انها هدية من الكونت.
وظنت انها لعبة قد تساعد الطفل على الوقوف , فذهبت لتتفحصها فوجدت انها دمية عادية.
وقالت روزا:
- الكونت قال لي ان الاطفال يحبون ان يعانقوا لعبة في الفراش معهم !
- هذه لعبة لطفل عملاق !
- انها هدية من القلب.
كلماتها هذه جلبت الدموع لعيني لورا. فروبرتو يحب الطفل حقاً . ومن الحماقة انكار هذا. وليس الكبرياء وحده الذي يدفعه للاحتفاظ بالطفل. وفُُتح الباب ودخل الكونت. وكانت مسرورة لانها كانت تحمل الطفل, واستدارات لتواجهه مستغربة اختياره لهذه اللحظات لدخول جناح الطفل في وقت يعلم بأنها تكون هناك.
وأدرك ان وجوده لم يكن متوقعاً فقال:
-لقد سمعت صوت الصبي , ودخلت لأراه. ألا تخرجين معه عادة بعد الظهر؟
- لقد كان عنده حرارة خفيفة اليوم.
ونظر روبرتو الى روزا وتكلم بالايطالية , وأجابت لورا فوراً قبل إن تجيب روزا:
- لا لزوم لدعوة الطبيب. انه رشح عادي. لقد أُصيب به من قبل وسيكون على مايرام غداً.
- ولكن لو استمرت الحرارة.....
- أرجوك لا تثير مشكلة.
- ولماذا لا أثيرها؟ انا عم الطفل.
-وأنا امه.. دعوة الدكتور كلما عطس ستحوله الى مريض بالوهم.
- في سن الثامنية اشهر لن يعرف حتى انه طبيب.
- الأطفال يتصرفون على اساس المشاعر والجو.
وكانما ليثبت وجهة نظرها اخذ جوليو بالتململ بين ذراعيها واصبح على وشك البكاء.
فقالت له:
- ما رأيك بالركوب على الباندا؟
وحملته, وبدأت تهزه صعوداً ونزولاً. وتقدّم روبرتو من خلفها قائلاً:
- انه ثقيل عليك هكذا.
ووضع يده قرب يديها وامسك بالطفل من وسطه, وتراجعت لورا على الفور
وقالت بجفاء:
- اذا كنت ستبقى لتلاعبه, فسأعود فيما بعد .
- ارغب في التحدث معك يا لورا.
- لقد قلت مافيه الكفاية.
- لا .... انا .... ارجوك.... لن نستطيع الكلام هنا, سأذهب الى غرفة جلوسك.
واسرعت بالخروج, متخوفة مما يريد ان يقوله. هل سيطردها من القصر؟ لو كانت تعرف ماهو موقفها القانوني , وما اذا كانت بوصفها خالة جوليو , لها نفس الحقوق عليه مثل روبرتو.
وقرع الباب ودخل, وشعرت بقلبها ينخلع من مكانه . وقال على الفور:
- ارغب اولاً ان اعتذر لأنني فقدت اعصابي معك... لم يكن لدي حق ان اقول ماقلته.
- لقد قلت ماكنت تشعر به !
- وهذا لايجعله حق . تصرفي معك لم يكن له عذر.
- انسى الأمر. لقد نسيته انا . انت رجل عالمي يا روبرتو... ولكن بطريقة ما لا زلت ساذجاً
- الأنني اؤمن ان على المرأه ان تحافظ على احترام نفسها؟
- أنا لم اخسر احترامي لنفسي.. وها انت تعود الى اهاناتك!
********************

- آسف .. لا اعرف ما بي .. لم أتشاجر ابداً مع امرأة من قبل كما فعلت معك .. لا استطيع ان افهم لماذا؟.
- هذا لاننا مختلفان جداً
- ممكن, ولكنه اختلاف يجب ان نحاول نسيانه.
- لن نتمكن من نسيانه ابداً.
- لصالح الصبي يجب عليّ ان انسى. الا اذا كنت راغبة في تركه هنا؟ سأتاأكد من حصولك على كل شيء حتى تستطيعين ان تبدأي حياة جديدة , ولا حاجة لأن تعملي موديلاً بعد الآن. أو حتى تزعجي نفسك بالتصوير.
الفقرة الاخيرة من كلامها ازعجتها اكثر من الاولى ... لا تزعج نفسها بالتصوير , وكأنه شيء تعمله لتمضية الوقت بدل ان يكون موهبة تعمل على تطويرها لتصبح في القمة .
فقالت ببرود شديد:
- لا تستطيع شراء جوليو مني , اذا بقي هو, سأبقى. ولكن من الواضح أنك لا توافق بقائي معكم .لذا من الافضل أن تتركني اعيش بمفردنا, وسأبقى في روما اذا كنت مصراً , واوافق على استبقاء روزا ايضا.
- من الاسهل عليّ السيطرة عليك وانت هنا, فأنت لوحدك فتاة تتكيف مع المحيط. وما هي نوع الحياة التي ستعيشينها لوحدك؟ كأرملة ماسيني الثرية ستكونين هدفاً لكل محتال!
- تتكلم وكأن لا رأي لي في المسأله. أي نوع من الفتيات تظنني؟
- لن نخوض بهذه المسألة !
وارتفعت ذراعها, ولكن نظرته الغاضبه جعلتها تمنع نفسها فأدارت له ظهرها!
- اخرج من هنا يا روبرتو.. لقد أتيت لتعتذر, ولكنك جعلت الامور أسوأ مما كانت.
-أعلم... انت فتاة خبيرة وتضعيني دائماً في موقع المذنب . يجب علينا ان نتعلم السيطرة على انفسنا اكثر.
- انا لم افقد اعصابي ابداً.
- ما عاد الليلة الماضية.
وتوقف تنفسها في حنجرتها , وكانت مسرورة لأنها لم تكن تواجهه.
وقالت:
-هذا مخالف لكل الأعراف الأخلاقية يا روبرتو.
- انا ارفض ان أعتذر لك دوماً!
- في هذه الحالة أقترح ان لا نرى بعضنا قدر المستطاع . وهذا على الاقل سيمنعك من الاعتذار ثانية.
- هل كنت عنيفة هكذا مع اخي؟
- لم أكن بحاجة لهذا . لم يتصرف معي ابداً كما تفعل انت.
ولم يقل اية كلمة, وبعد لحظات سمعت صوت الباب يفتح ثم يغلق. وأخذت الكاميرا والفلاش وذهبت نحو جناح الطفل وأمضت الساعة التالية بالتقاط سلسة من الصور, امام ذهول روزا وسرورها.
- ألا تحبين ان يرتدي ثياباً اخرى؟
- اريده مرتاحاً قدر المستطاع. ستكون الصور رائعة . أنت تبدين وكأنك غير راضية.
- ارجوك سنيورا ... انا راضية
وبينما هي تنظر الى الاعلى , التقطت لها لورا صورة وأنهت الفيلم الثاني. واخذتهما الى الغرفة
المظلمة , وبدأت تظّهرهما, كم سيكون روبرتو مندهشاً لو انه رآها؟ وتركت الافلام في صينية
التظهير, وذهبت الى غرفتها لتغير ملابسها استعداداً للعشاء.
من المدهش ان هذا اليوم الذي بدأ بالتعاسة, ينتهي بالسعادة . لا السعادة ليست الكلمة الصحيحة ،انها الرضى, هذا مناسب اكثر.وأدركت باقتناع ثابت ان الطريقة الوحيدة للبقاء هنا هو الاستمرار في عملها. ولكن هناك حد للاوقات التي تستطيع فيها تصوير ابن اختها. وهذا يعني ان عليها ان تجد مواضيع اخرى للتصوير . ولكن كيف ستجد هذا وهي غريبة في مدينة غريبة؟ وبقي السؤال عالقاً, والرد عندما سيأتي سيكون غير متوقع ومفاجئ.

* * *


10 - ديك فخور




ابتهجت روزا بالصور التي التقطتها لورا لجوليو وضحكت بصخب للصورة الماجئة التي التقطتها لها . ذلك اليوم كانت ذاهبة عند اختها بعد الظهر. وسألت اذا كان بامكانها اخذ الصور معها كي تراهم شقيقتها.
- لم أكن اعلم إن عندك مثل هذه الموهبة سنيورا, بإمكانك إن تصبحي محترفة.
- كنت محترفة, وسأبقى إذا وجدت عملاً.
- السنيورا لا تعني هذا جدياً؟
- بالطبع انا جادة . انا مستعدة لتصوير أي شيء , الحفلا ت, الزواج, المآتم.. اطلبي أي شيء
وسأصوره !
- ولكن امرأة من عائلة ماسيني لا تعمل .
- هذه الامرأة تنوي العمل, مع انني لا اعرف كيف ابدأ.
عندما عادت روزا في وقت متأخر من المساء , كان عندها الحل... فشقيقتها تعمل مربية لثلاثة اطفال لعائلة امريكية , وقد شاهدت امهم الصور...
- لقد قالت السنيورا وليامس ان الصور رائعة , وسألتني عن اسم المصور, ولم اعتقد انك ترغبين في ذكر اسمك, لذا قلت انني سأرتب امر لتتصلي بهم الليلة , زوجها يعمل في السفارة الامريكية وهم عائلة ممتازة.
لقد كانت أكثر من ممتازة, فهذه المهمة قد تقود مهمات قادمة . لم تكن قد صورت الاطفال من قبل, ماعدا ابن اختها, ومع انها غير واثقة من النجاح , فلم يكن امامها سوى هذه الفرصة.
وبعد حوار قصير مع الامركيين , تم تدبير امر تصوير الاطفال الثلاثة يوم الاثنين , واقفلت
الهاتف وهي تشعر بالرضى شعور لم تعرفه منذ وصولها القصر.
********************

هذا الرضى لم يستطع حتى تذّكر حفلة اوليفيا أن يذهب من بريقه. ولولا انها تعلم ان روبرتو
لن يحب الفكرة لاتصلت بها وادّعت المرض.. ولكن بسبب روبرتو , تحملت عناء الاعتناء بمظهرها بشكل زائد مساء الاحد , فارتد اجمل فساتينها . لونه اخضر زمردي وازرق من الحرير تفصيله الرائع جعل القماش ينساب فوق جسدها بشكل اخاذ.
كان روبرتو يمر بالردهة عندما نزلت الدرج, وتوقف ليحدق بها. وارتجفت لورا , واغضبها
معرفتها ان الرجل يؤثر عليها بهذه الطريقة ومع ذلك لا يتأثر . ولكن لا شيء يمكن ان يؤثر في روبرت ماسيني.
ووصلت الى نهاية الدرج , واحدث كعب حذائها الغضي صوتاً على الرخام. ووقفت على بضع اقدام منه.
ولم يكن فيها شيء من البراءة هذه الليلة . شعرها مربوط عالياً فوق رأسها , وقد تدلت خصلات التفت حول اذنيها, ومع ان التسريحة هذه جعلتها اطول قامة , الا انها بدت قصيرة امام الرجل العريض الكتفين.
وعلّق قائلاً:
-كان مناسباً أكثر لو ارتديتي ثوباً اسود . اخي لم يمض على وفاته سوى خمسة عشر شهراً.
- أنا لست أرملته.... لقد اكدت هذا بنفسك !
وتنفس بحدة, وأدركت ان ردها اصابه في الصميم.
- بالنسبة للناس. انت ارملته.
-لست انوي ان اكذب اذا سألني احد . انا فتاة عازبة يا روبرتو.. حرة ولست مرتبطة !
- أنت مرتبطة بالطفل . واذا كنت فعلاً تحبينه , ستكونين حذرة بما تقولينه.
وأشاحت بنظرها عنه. عندما يستخدم جوليو . فإن في يده سلاحاً لا تستطيع مقاومته .
وقال:
- لقد تأخرنا يجب ان نذهب .
تعيش اوليفيا في شقة مفروشة مزدوجة "دوبلكس" في قلب المدينة. وكانت تتوقع ان تجد منزلها
ماثلاً لمنزل روبرتو ولم تستطع لورا اخفاء دهشتها.
فقال لها مفسراً:
-عائلة اوليفيا تعيش في فانيسيا معظم ايام السنة , وهذه الشقة الشتوية, وتقيم فيها اوليفيا معظم اوقات السنة.
-بسببك أنتكما اعتقد .
-ستتهميني بالغرور لو قلت "نعم"
- حتى ولو لم تقل نعم فأنا أعتبرك مغروراً
الابتسامة التي ظهرت على شفتيه لم تصل الى عينيه, اللتين بدتا وكأنهما كالصقر تراقبانها وهي
تدخل الصالون الكبير وقدّمتها اوليفيا الى الحضور.
وكما توقعت لورا تحلقت النساء حول روبرتو وكأنه رادار ملتقط, مع انه لم يبد الاهتمام وبقي الى جانب لورا . وشعرت ان هذا , ليس بسبب انه يريد البقاء معها , بقدر ما هو لخوفه. أن يتركها لوحدها حتى لاتسء التصرف. ربما كان يتوقع منها ان ترفع طرف ثوبها لترقص " الكان كان" , او ان تعبث بسخاء مع الرجال العديدين الذين ينظرون اليها باعجاب ظاهر.
ودفعها هذا الاعجاب الى ان تلتفت نحو روبرتو وتسأله ما اذا كان ينوي الالتصاق بها طوال الامسية .
- فكرة الحفلة اصلاً , هي لمساعدتي في توسيع دائرة اصدقائي ولن يجرؤ احد على الاقتراب
مني وانت تراقبني كما تراقيب الدجاجة صيصانها.
ورغم عنه , ابتسم ابتسامة صغيرة:
- على الاقل حتى يكون تشبيهك صحيح..... قولي كديك فخور, لا كدجاجة حاضنة
- لا استطيع تخيلك ابداً وانت فخور بي.
- ولكنني فخوراً بك. انت اجمل امرأة في الغرفة. وبما ان اجمل نساء روما موجودات هنا لمنافستك....
- كم انت قادر على الاطراء يا روبرتو.. انت اكيد انك لم تشرب شيئاً.
**********************

-كأس واحد فقط . وهذا يذكرني انني بحاجة الى آخر, هل آتيك بواحد؟
- شكراً انا لا اشرب.
- هكذا لا حظت ... وماذا كنت تفعلين بصناديق الشراب التي كان يبعثها لك اخي؟
كنت تهدينها ام تبيعينها؟
- لقد بعتها وعشت على ثمنها !
واستدارات عنه , وتناولت قطعة حلوى ووضعتها في فمها, أي شيء ليمنعها من متابعة الحديث . كم هي غبية لتنسى ان اختها كانت مولعة بالشراب !
فجأءت لاحظت وجود شاب ينظر إليها بإهتمام ، شهقت لورا " أنه بيدرو " صديق ماري
مستحيل ، إذا اقترب ماالذي سيفعله وهو يعرفني ويعرف أختي .
حاولت الهروب ولكنها فجأة سمعت صوت خلفها:
- مرحبا لورا.
لم تعرف ماذا تقول ، فقالت:
- مرحبا بيدور ، لم أتوقع وجودك هنا.
نظر إليها بنظرات مكر:
- ماالذي تفعلينه ؟ تنتحلين شخصيتك أختك ..هذا شيء مثير!
- أرجوك ، هل يمكن أن تخفض من صوتك؟
- لماذا ؟ أنا محق إذن ، أنت تنتحلين شخصية أختك المتوفاة, وهل يعرف بروبرتو بالأمر؟
- هذا شيء ليس من شأنك؟
- حقاً؟ حسناً سأذهب وأخبر بروبرتو بذلك.
فأسرعت تقول بلهفة:
- لا..لا تفعل. ماالذي تريده؟
- حسنا ، إنه فرصة رائعة ، أولاً عليك أن ترقصي معي ، ثانياً عليك العشاء معي يوم غد .
- لكن هذا مستحيل.
- عليك أن تختاري ، أخبر روبرتو عن شخصيتك الحقيقة أو تنفيذين ما أقول.
- حسناً، لقد ربحت.
عند ذلك أمسكها بيدرو من خصرها وبدأ بمراقصتها بشكل متملك ملصقاً جسده بجسدها ، ألتفتت لورا لترى بروبرتو ينظر إليها بعينين غاضبتين ، وستمر بيدور بمراقصتها لفترة طويلة حتى سمعا من خلفهما :
- أعتقد أن الوقت حان لنرحل لورا.
حمدت الله أن بروبرتو قد تدخل ، فقالت:
- حسنا ، هيا بنا.
في طريق العودة نظرت لورا من تحت أهدابها الى بروبرتو فوجدت عيناه مثبتان على الطريق فأشغلت نفسها بنظر الى الطريق وعندما وصلا الى المنزل أمسكها من كتفيها وقال:
- ما الذي فعلتيه في الحفلة؟
- ماذا تقصد؟
- عليك بإحترام اسم أخي و العائلة و التصرف كاأرملة .
- لم أفعل شيء يسئ؟
- ماذا عن ماضيك كعارضة وخاصة بملابس فاضحة والآن تسمحين فى الحفلة الى ذلك الرجل بتصرف معك بكل جراءة .
قالت تحدث نفسها : أنا مجبورة، بيدرو يهددني بفضح أمري لك .
ثم عاد يقول:
- تدعين البراءة معي وترفضيني .
وبدا بضمها بقساوة وبدأت تقاوم وهي بين ذراعيه. مدركة للخطر لو بقيت معه.
-اتركني يا روبرتو ... لا فائدة مما تفعل !
ظنت انه سيتجاهل رجائها ؟ ولكن عندما كررت الطلب , تراخت يداه حولها ونزلتا الى جنبيه
وبدا وجهه قاتماً وشيطانياً .
وقال بغضب :
- لماذا ترفضيني ؟ فكري بالفخر الذي ستحصلين عليه بجمعك بين ولديّ عائلة ماسيني !
وجذبت نفسها منه مع صرخة ألم , وعندما سمعها رفع حاجبيه .
وسألها ساخراً:
- ألن تضربيني ؟
- لا يا روبرتو... وسأترك التفسير لك...
واستدارت لتصعد الدرج .

* * *



11– لا اتحمّل حبك !


علمت لورا في اليوم التالي أن روبرتو سافر الى تورين , وأنه سيغيب بضعة ايام. ومع ان الجزء
منها الذي يحبه كان مشتاقاً لرؤيته, فإن الجزء الذي يخاف منه كان سعيداً لخلاصه من عينيه
المراقبتين.
بعد الظهر قادت السيارة الى روما لتلتقط صور الاطفال الامريكين الثلاثة . كانت تتوقع
ان تكون المهمة متعبة ولكنها دهشت لانها وجدت سهولة كبيرة مع الاطفال , واستطاعت ان تتحدثاليهم على مستواهم . كان الاطفال الثلاثة صاخبون غاضبون وهم يتوقعون أن يجلسوا ثابتين في اماكنهم لساعات , ولكنهم شعروا بالغبطة مع هذه الفتاة الصديقة الحمراء الشعر, وهي تركض معهم حول الغرفة , تلتقط صورهم وهم يلعبون .
عادت الى القصر بعد السادسة مساء . ولكنها وعدت امهم ان تحضر لها الصور التجريبية في الغد فبدأت العمل لتظهير الافلام, ولانها مجرد صور تجريبية طبعتها بالابيض والاسود وفي وقت قصيراصبحت جاهزة.
الصور رائعة , وستبتهج أمهم كثيراً بها وربما أرتها للناس الآخرين في السفارة , وعندها ستحصل على اعمال اخرى, وخرجت من غرفة التظهير وهي تفكر بالطريقة التي ستقوم بها بالدعاية لنفسها دون ان يشعر روبرتو , لانه بالتأكيد سيعارض . وغيّرت ملابسها لتخرج لتناول العشاء مع بيدرو, مع شعور بالراحة لأن روبرتو يبعد اميالاً عنها.
*******************


ولم يسألها بيدرو شيئاً الى ان اصبحا في الشارع جالسين في سيارته اللوتس الضخمه متجهين نحو المدينة , فأخبرته كل الوقائع التي اوصلتها الى هنا . وكشفت له مايكفي لأن يعرف ان وضعها صعب وان روبرتو يعرف تماماً ماضي ماري , ولهذا السبب يعاملها بريبة كبيرة.
- إنه حكم سيء على الشخصيات إذ لم يستطع تمييز الفرق بينكما.
- إنه لم يلتقِ ابداً بماري.
- إنه يعرف كل شيء عنها من شقيقه . وأنت من الطراز الذي لا يقوم بما كانت تفعله .أنت شخصية مختلفة عنها تماماً.
- لا تبالغ.
- إنها ليست مبالغة ... أنت غاضبة ومتوترة , وليلة امس بدا عليك هذا.
- ليلة امس كانت استثناء . لقد صدمت عندما رأيتك. ظننت أنك ستفضح امري.
- ما زلت استطيع هذا .
- ولماذا قد تريد أن تفعل هذا؟
- لم أقصد أنني اريد... ولكن فقط استطيع ...
- أنت تهددني .. وليس السبب انك بحاجة الى المال.
وانفجر بالضحك وانحرفت السيارة قليلاً, فأعادها الى طريقها.
- بالتأكيد انا لست بحاجة الى مال . انت محقة . ولكن اشياء اخرى اهم عندي من المال ...امرأه جميلة مثلاً . وكنت دائماً تتمنعين عليّ.
- انا لست من النوع الذي تفضله يابيدرو . فأنت كنت تحب شقيقتي.
- في ذلك الوقت ... اجل. ولكن هذا من الماضي. وها قد دخلت في حياتي واشعر وكأن ماري عادت لي.
- لا تشعر هكذا ابداً.
- ولكنها الحقيقة . انت جميلة. انت جميلة كأختك تماماً . اضافة الى انك افضل منها بالذكاء. ماري جميلة , ولكنها لم تكن متحدثة جيدة.
- ولا انت كذلك, حسبما اتذكره عنك !
وضحك ثانية:
-حتى اهاناتك مسلية . لم اكن اتحدث معها لان ذلك مضيعة للوقت. ولكن انت....
وازاح يده عن المقود وامسك بيدها .
- لا ترفضيني بهذه السهولة . على الاقل اعطي نفسك فرصة لتعرفيني.
وحاولت ان تقول له انها لا تحتاج لوقت لتعرف انه لن يعني لها شيئاً. ولكن الحذر اسكتها . لقد قال انه لن يفضح امرها , ولكنها ليست متأكدة من أنه صادق.
واجبرت نفسها على الابتسام , فالامسية امامها ستكون رهيبة , ولكنها مضطرة لان تتحملها بثبات قدر المستطاع. ولم يعد بها بيدرو الى القصر قبل ساعات الفجر الاولى. وبعد نوم قصير كانت مازالت تعبة اثناء درس الايطالية مع البروفيسور نيرو.
بعد الغداء مباشرة , ذهبت لتعرض الصور على السيدة وليامز. وأقامت لها السيدة حفلة شاي صغيرة، ووجدت لورا نفسها محاطة بمجموعة من الزوجات الامريكيات الشابات , وكلهن يتسابقن ليحصلن على موافقتها لتصويرهن . وعندما غادرت كانت قد حصلت على درزينه من المواعيد , مع التأكد ان العديد سيتبع عندما يعلم الجميع في السفارة الامريكية بموهبتها . وخلال بعد الظهر الايام التالية من الاسبوع ذهبت لورا الى منزل مختلف كل مرة. وكانت حذرة حتى لا يشاهدها احد وهي تغادر القصر مع معدات التصوير ولهذا تركت معظم معدات التصوير في صندوق السيارة . وحملت الكاميرا والعدسات في حقيبة انيقة كانت الكونتيسة قد أهدتها لها.
************************

وراودت لورا فكرة ان تخبر الكونتيسة عما تقوم به , لانها علمت ان غيابها المتكرر عن القصر
قد لوحظ. ولكن لو فعلت هذا , فستضطر ان تطلب منها عدم ذكر هذا لروبرتو , ومع انها تعرف ان المرأة تحبها , الا انها لم تكن واثقة من انها ستوافق معها على اخفاء الامر عن ابنها.
حتى انها لم تكن قادرة على تمضية الامسيات مع الكونتيسة , لان بيدرو كان يلاحقها دائماً بطلب السهر معه . واوضح انها انما يخرج معها لانها هي نفسها وليست لانها تشابه شقيقتها.
وفي احدى الامسيات وهما جالسان في مطعم فخم يتبادلان الحديث. مد يده عبر الطاولة وامسك بيدها وفي تلك اللحظه بالذات , ولسوء حظها دخل روبرتو ومعه اوليفيا الى المطعم.
ورآهما روبرتو على الفور , وتعالى اللون الاحمر الى وجه لورا..... لماذا اختار هذا المطعم بالذات , ولماذا هو هنا في وقت كانت تعتقد انه في تورين ؟ وجذبت يدها من يد بيدرو وحاولت التظاهر بعدم الاكتراث عندما توقف روبرتو واليفيا امام طاولتهما.
وقالت مبتسمة:
- لم اكن اعرف انك عائد الى روما الليلة . لقد قالت والدتك انك لن تعود قبل الغد.
- لقد اتصلت بها بعد الظهر لاخبرها بتغيير الموعد اعتقد انك كنت في الخارج.
وتوقف عن الكلام وكأنما ينتظر منها تفسيراً, ولكنها ابتسمت لاوليفيا التي ردت على غير عادة وعلمت لورا انها سرّت لرؤيتها مع بيدرو , فهذا سيجعلها أقل خطراً عليها
وقالت اوليفيا:
- لم اكن اعلم ان بيدرو صديق مقرب لك لهذه الدرجة
فردت عليها لورا ببرود:
- انه صديق عزيز جداً
- اذاً الصحيفة اولغا دول على حق لقد كتبت عنكما في صحيفة الاشاعات هذا الصباح الم تقرأيها؟
- انا لا اقرأ عن الفضائح اترك لاصدقائي ان يخبروني عنها !
- لن نزعجكم تعال يا روبرتو
وقال بيدرو عندما ذهبا :
- انا لا اريد ان يفهم الكونت الامر خطأ انه لم يحب رؤيتك معي.
- كنت سأقول نفس الشيء بالنسبة لك ولاوليفيا !
- وهل تخافين من هذه ؟ انها كقطعة " الفروج" مجرد فرقعة اصبع و..... تنكسر فوراً
لا ياعزيزتي انه الكونت الخطر . انه لا يحب ان يراك مع رجل وهذا يعني...
فقاطعته بسرعة قائلة:
- هذا لانه يعتقد انني ارملة جوليانو , فلم يمض على وفاتة سنة على كل الاحوال ,
ولو كنت حقاً ماري لكنت ما زلت في حداد عليه.
- لو كنت حقاً ماري لكنت وقعت في حب شخص آخر .لا تتخيليها غير ماكانت ,
احبيها على ما كانت عليه , لجمالها , لمرحها , لدفئها , لو كانت حية اليوم لكانت تتمتع بكل لحظه من حياتها , وبثروة عائلة ماسيني لكانت الآن تسبح بالمال !
- ولكنني لست ماري, وليست لدّي النية ان اعيش ذلك النوع من الحياة التي عاشتها.
اذا كان هذا ما تفكر به يا بيدرو انسى الامر !
- انت تعلمين ان هذا غير صحيح, لقد قلت لك انني احبك لانك مختلفة.
- انت لا تحبني !
- بل احبك , فيك كل شيء قد احبه في امرأة.
- وكم مرة قلت هذا الكلام؟
- اكثر مما اتذكر, ولكن هذه المرة الاولى التي اعني فيها ما اقول.
وكان مستحيلاً عليها ان لا تضحك:
- على الاقل انت صادق , وااظن هذا جزء من سحرك.
- انت تبدين قاسية في وقت انا جاد فيه.
- اذاً دعني اكون جادة ايضاً انا لا احبك , ولن احبك ابداً , ومن الافضل لك ان لا تستمر في رؤيتي.
*****************

وهز رأسه وكان هناك عناد بارز في ملامح وجهه , مما حذرها ان لا تجادله , ولانها تعلم انه لا لديه تلك الورقة فلن تجروء على اغضابه , لذا بقيت صامتة , ولكن عندما اوصلها تلك الليلة الى القصر لم يصر على ان يراها في اليوم التالي , ورضي بأن يخرج معها السبت المقبل.
كانت لا تزال تفكر به , وما بإمكانه ان يفعل بها لو قرر يفضح امرها وهي تسير عبر الممر الى غرفتها ووضعت يدها على الباب ثم توقفت , وشعرت بحاجتها الى الطمأنينة , فانسلّت الى جناح الطفل.
روزا كانت نائمة في الغرفة المجاورة لغرفة نومه , وكان هناك ضوء خفيف ينير المكان فسارت
على رؤوس اصابعها الى سريره وركعت امامه , كانت ذراعه خارج الغطاء وراحته مفتوحة, فأحنت رأسها الى ان وصلت شفتاها الى يده تقبلها.
وهمست:
- آه يا حبيبي .... انا احبك.
عندما شعرت انها ليست لوحدها وادرات عينيهاً جانباً دون ان تدير رأسها, فشاهدت ساقاً
تعلوها رجل بنطلون ضيق. وحاولت النهوض, الا ان يد روبرتو على كتفها جعلتها تبقى مكانها, ثم ركع بقربها ووضع يده بحنان على رأس ابن اخيه, وبعد لحظات وقف و خرج الى الغرفة الخارجية ولحقت به لورا.
-ارغب في التحدث اليك يا لورا.
-الا تستطيع الانتظار حتى الصباح؟ انا تعبة واريد ان اذهب الى الفراش.
وتركته وخرجت, ولكن ما ان وصلت الى غرفتها حتى كان وراءها ودخل معها الغرفة واغلق الباب.
- نستطيع ان نتكلم الآن.
-اذا كان الكلام يدور حول بيدرو...
- اذاً تعرفين .... أليس كذلك؟
- لقد جعلت الامر واضحاً في المطعم.
- لقد قلت لك الاسبوع الماضي انني لا ارغب في ان تقابليه.
- انه صديق لي , وسأقابله قدر ما أشاء.
- أليس لديك احترام لذكرى جوليانو ؟ ألا تهتمين بتسببك الآلم لأمي.
- لأنني أقابل صديقاً؟
- لأنك تخرجين مع عشيق سابق لك !
- وهل حصلت على معلوماتك من اوليفيا ؟ لا بد انها تنظر اليّ كتهديد لها طالما هي تحاول
تدميري هكذا.
- اوليفيا تعرف كم انا اهتم باسم عائلتي. اما أنت كشخص فلست مهمة لديها.
ودفعتها المرارة لمحاولة إيذاه بقدر ما يؤذيها.
- او.... بلى ... أنا اهمها فهي تخشى أن تلحق بخطوات جوليانو !
- وهذا ما ستحبينه , اليس كذلك . ولكنني لن استطيع بعد الآن أن احبك, أكثر مما استطيع...
- تستطيع ماذا ؟ كن صادقاً يا روبرتو , لقد عانقتني تلك الليلة لأنك لم تستطع منع نفسك.
وأنت ترغب في هذا الآن ايضاً ! ارى هذا في الطريقة التي تنظر بها اليّ.
وتقدمت منه , وألتصقت به , ورفعت وجهها في جهة متحدية:
- هيا .... عانقني.... هيا روبرتو ..... افعل !
- وأتبع خطى جوليانو ! لا , أفضل أن اصبح راهباً !
- منذ فترة قلت انك لن تفكر في الماضي . وانا أيضاً احب نسيان الماضي, لو انك تتركني افعل ولكنك لن تتركني.
- اننا من صنع الماضي , حاولت نسيان هذا , ولكنني لم أقدر . الناس لا يتغيرون. إنهم يتعلمون الاّدعاء اكثر فقط.
******************************
- لو أنك قابلتني دون ان تعرف من انا .... فكيف كنت ستفكر بي لو كنت انا الأخت التؤام لنفسي .
- نفس الشيء .... نفس الشيء ... فستكونين مصنوعة من نفس الطينة المصنوعة منها اختك وفي نفس الوعاء لهما نفس الطعم .
وملأت الدموع عينيها , ورآها , ولكنه اساء التفسير.
- كم أنت جميلة عندما تبكين. هل تستخدمين الدموع دائماً لتحصلي على ما تدريدين...
وتقدم منها ومد يده نحوها وهمس.
- وهل هذا ما تردينه يا لورا القاسية القلب. المغرمة بحريتك.
فصرخت به:
- لا
ووضع يده على خصرها وجذبها نحوه, نفس ما تصرف به في تلك الليلة , عناق فيه عاطفة
وفيه غضب ولم يكن فيه أي حس أو حنان , وعلمت لورا أنها لاتستطيع ان تستسلم تماماً له
مهما كانت الظروف .
وفجأه تمتم:
- يا ألهي !
وابتعد عنها وتركها هذا الابتعاد المفاجئ , مترنحة , فوقعت على حافة الكرسي , ولكنها تحاشت أن تقع وأجلست نفسها , ويداها ترتجفان بقوة....
وقال لها من خلفها :
- أرأيت بأي سهولة أستطيع ان احصل عليك, ولكنني لا اريدك.
- انت تتلاعب بالألفاظ يا روبرتو , أليس كذلك ؟
-اتلاعب بها بنفس السهولة التي تتلاعبين بها مع الرجال.
- إذا فكلانا من الاذكياء.
- اذكياء بما يكفي كي نبقى بعيداً عن طريق بعضنا البعض.
- لم ابحث انا عنك , أنت من سعيت وراءي.
- سعيت وراءك لأنني كنت مصمم ان اجبرك على التصرف اللائق طالما انت تعيشين هنا
واذا غادرت روما. فلك ان تفعلي ما تشائين في حياتك , ولكن مادمت تحت سقف بيتي
ستتصرفين كأرملة اخي !
- واذا لم افعل ؟
- سوف آخذ جوليو منك , وأجعل المحكمة تعلن انك ام غير لائقة.
- لن تجروء على هذا !
- جربيني .
- انا اكرهك !
صوتها كان قريباً من الهمس , ولكن بما يكفي كي يسمعه,
فرفع رأسه :
- كراهيتك شيء لا يهمني يا لورا . حبك هو ما لا استطيع تحمله !
وصفق الباب وراءه , وتنهدت بقوة , ودفنت رأسها بين يديها ولكنها لم تشعر بالراحة للدموع التي ذرفتها , وحدها معرفتها المريرة بأنها ما دامت في القصر , تحت نظر وسمع روبرتو, لن تستطيع ابداً ان تنساه.

* * *



12- رحيل بلا دموع



وكان روبرتو صادقاً بكلمته , فقد ابتعد عن طريقها , وخلال اسبوعين لم يلتقيا سوى عند العشاء وهذا ايضاًً لم يكن باستمرار . لانه ادّعى الانشغال عدة مرات, ولم يتعشى في المنزل . وعلقت الكونتيسة على غيابه , اذ يبدو انه حتى عندما يكون لديه عشاء عمل , كان يدعو ضيوفه الى منزله.
وقالت للورا بعد ظهر احد الايام وهما تغادران غرفة الطعام:
- لم يكن يتغيب هكذا ابداً من قبل , ولم يكن بهذه الطباع السيئة.
- الرجال من ذوي الطاقة والذكاء عادة متقلبوا الطباع.
- هناك فرق بين حدة الطباع وسوء الطباع . روبرتو لا يتحمل الاغبياء ابداً. ولكنه يتحملني
والآن حتى انا . هذا مستحيل.
ودخلتا غرفة الجلوس واخذت الكونتيسة مجلسها المفضل. كانت تعمل في التطريز, وكانت الابرة تلمع وهي تدخل القماش وتخرج منه.
ثم تابعت حديثها:
- لقد تغيرت انت ايضاً في الاسابيع الاخيرة , انت نحيلة ويبدو عليك التعب. ولا تقضين الكثير من الوقت في المنزل.
****************************

- ربما لانه ليس منزلي.
- لقد تأملت لاعتبار القصر منزلك.
- لن استطيع هذا فأنا غريبة هنا , وانا باقية فقط بسبب...
- بسبب خوفك ان يأخذ روبرتو منك جوليو اذا لم تفعلي !...
هذه اول اشارة تصدر عن الكونتيسة بأنها تعرف تهديدات ابنها لها. واحبت لورا ان تعرف
ما اذا كانت المرأة تشاركة بالامر منذ البداية . معرفتها بهذا قد يكون سبباً لتصرفها القاسي
ولتغيير العطف الذي شعرت به نحوها.
- أعتقد انك موافقة معه؟
- لقد وافقت معه الى ان عرفتك... ولكنني لن اوافق على هذا العمل بعد الآن.
- ولكن روبرتو موافق.
- اخشى هذا. منذ ان اتيت لتسكني معنا . تصرفاته معك اصبحت قاسية ولم تتغير
ولست ادري السبب.
هاهنا فرصة ذهبية امام لورا لتقول لها بعضاً من الحقيقة !
- انه يعارض خروجي مع بيدرو بالليل . يشعر ان عليّ البقاء في حداد. ولكنني لا استطيع
ان استمر في الحزن لما تبقى من حياتي.
- من غير الطبيعي ان تفعلي هذا . روبرتو لا يستطيع ادراك ان الحياة تستمر . الانسان
لا ينسى الاموات, ولكنه لا يستطيع ان يعيش لهم. والدين لا يطلب بأن ترمي الارملة
نفسها في قبر زوجها . امامك حياتك يا لورا . وارجو يوماً ان تتزوجي وتنجبي المزيد
من الاولاد الرائعين. رغم اسفي انهم لم يكونوا اولاد جوليانو.
وتهدج صوتها من الانفعال , واقتربت لورا من الكونتيسة وركعت امامها , ووضعت يدها الدافئة فوق المسنة المرتجفة.
- ماكان يجب ان اقول ما قلته, جوليانو ولدك وستحزنين عليه الى الابد. ولكنني... اوه ياكونتيسة !...
وبعاصفة من البكاء وضعت لورا رأسها في حجر الامرأة.
منذ مدة طويلة لم تبكي امام احد. ولكن سيطرتها على نفسها خانتها وانفجر الحزن واخيراً توقف البكاء, ومع انها بقيت مرتجفة وضعيفة الا انها لم تشعر بالخجل لان دموع الكونتيسه اختلطت بدموعها . والحزن الذي تشاركتا به جعلهما قريبتان من بعضهما بطريقة ستبقى معهما مهما ابتعدت بهما الطرق ومهما فرقتهما في المستقبل.
وقالت الكونتيسة:
- اذا كنت ستكونين سعيدة اكثر بالعيش مع جوليو في منزل لوحدكما. فسأكلم روبرتو بالامر.
- لن يوافق ابداً.. واذا تكلمت معه سيكرهني اكثر لاننى كدّرتك
- لا اعتقد ان روبرتو يكرهك يا طفلتي. انه يحارب نوعاً مختلف من المشاعر.
واشاحت لورا بوجهها . فقد كانت تعرف ان الكونتيسة تعني الحب . كل الجرأة التي كانت لديها لاخباره حقيقة هويتها ماتت تلك الليلة منذ اسبوعين عندما قال انها حتى ولو كانت ماري فأنه سيحتقرها ايضاً. خلفياته وتقاليده ستقوده للايمان بأن ما وسم على العظام سيخرج الى اللحم.
قد يعتبر نفسه مختلفاً عن اخيه , ولكنه يؤمن انهما من نفس الطينة والشعور، لو كانت شقيقه عادية لماري لكان امامهما فرصة ان تجعل روبرتو ينظر اليها كشخص له حقوقه الخاصه. ولكن لانها توأم لها فسوف يؤمن على الدوام انها في داخلها تشابهها.
فكرة العيش في القصر كل حياتها كان اكثر مما تتحمل التفكير به , وعلى الرغم من حبها
العميق لابن اختها, فهي تعرف انها في النهاية يجب ان تغادر, ولو عنى الامر ان تتركه هناك.
وذّكرتها دقات الساعة الكبيرة ان امامها موعداً في الطرف الآخر من روما لتصوير طفلين
توأمين للكونيل في سلاح الجو الامريكي , الذي اتصلت زوجته عبر السيدة ويليامز, هذه
المرأة الرائعة التي لولاها لوجدت لورا الاسابيع الاخيرة مستحيلة الاحتمال . ولم تكن تصدق
انها تستطيع تصوير هذا العدد من الاطفال في مثل هذه المدة القصيره, وما بين الثانية والنصف
والسادسة والنصف من كل بعد ظهر كانت مشغولة على الدوام.
***********************

وقالت لورا للكونتيسة:
- عليّ ان اذهب الى روما يا كونتيسة.. سأراك عند العشاء. اعتقد انك تتسائلين اين اسرع
كل بعد الظهر؟
- لقد فكرت بهذا .. ولكنني لا اطلب منك ان تبوحي بسرك.
- اريدك ان تعرفي... فأنا مصورة ايضاً . وانا اعمل هكذا منذ مدة.
- لقد اخبرني روبرتو بهذا.
- انه لا يعرف انني ما زلت اعمل . لقد بدأت بالصدفة منذ شهر. لقد التقطت بعض الصور لجوليو.
ثم أرتها روزا لشقيقتها وهي مربية اطفال عند موظف في السفارة الامريكية . وطلبت مني الام
ن اصوّر ا اطفالها. ومنذ ذلك الوقت بدأت الامور تسير على مايرام. تستطيعين القول انها اصبحت شغلي الشاغل !
- هل تعنين انك تخرجين كل يوم لتصوير الاطفال ؟
- ليس الاطفال فقط بل الاولاد.. انتظري سأريك ماذا اعني.
واسرعت لورا الى غرفتعا واحضرت الكاميرا وكل النسخ من الصور التي كانت قد التقطتها
واحضرتها للكونتيسة.
وبصمت نظرت اليها المرأة وهي تقلّب الصور امامها. وتضحك احياناً عندما تشاهد صورة
التقطت دون استعداد.
- هذا رائع يا لورا... لماذا لم تخبرينا من قبل ماذا كنت تعملين؟
- لأنني اعرف ان روبرتو لن يوافق.
- لن يوافق؟ ولكن يا طفلتي العزيزة, لماذا؟
- لانه لا يريدني ان اعمل او ان اخرج. انه يريدني ان ابقى وحيدة كي اهرب واترك الطفل ورائي.
- لا...لا... انت مخطئة.
- لست مخطئة يا كونتيسة, فأنت لا تعرفين ابنك بالطريقة التي اعرفه بها.
- اعرفه بشكل مختلف عنك. واعتقد انه من الافضل ان نجمع النصفين المختلفين معاً.
-ليس الآن عليّ ان اسرع والا تأخرت.
وجمعت الصور ووضعتها في مغلف واخفتها خلف الستائر.
- ارجوك لا تقولي لروبرتو عنها.
وركضت نحو الباب.
- يوماً سيعرف.
وهزت لورا رأسها ثم اسرعت نحو السيارة.
التوأم الذي ستقوم بتصويره كان من اصعب ما صورتهً وما زاد الامر صعوبة ان والدتهما
ارادت ان تجمعهما في صورة معاً. وفعلت ما طلب منها والتقطت صورتهما في حضن امهما.
واضافة الى العديد من اللقطات السريعة المفاجئة التي اصبحت مشهوره بها.
ولأنها كانت مشغولة جداً وصلت الى المنزل قبل ان تدرك واوقفت السيارة في الكاراج.
قرب السيارات الخمس الاخرى للاسرة, ودخلت عبر باب جانبي الى المنزل. ونظرت الى ساعتها.
كانت قد تجاوزت السابعة, ولم تكن قد تاخرت هكذا من قبل. ووضعت قدمها على اول الدرج, فسمعت صوتاً يناديها. والتفتت لتجد, روبرتو يقف عند باب المكتبة. وجهه كان بارداً على الرغم من سيطرته على طباعه.
- تعالي الى هنا يا لورا, كنت انتظرك لنتحدث.
وترددت, فكرر نداءها بصوت غاضب. فاستدارت, ولكن بدل ان تذهب نحو المكتبة توجهت الى غرفة الجلوس سيكونان على ارض محايدة , هذا اذا كان أي جزء من منزله يمكن ان يكون محايداً وتبعها عبر الردهة على مضض.
فقالت:
- حسناً ماذا تريد ان تقول ؟
- اين كنت بعد الظهر ؟
*******************************

- في الخارج.
- مع من؟
- لا احد.
- اتريدين مني تصديق انك كنتي تتجولين دون هدف في الشوارع؟
- هذا ليس من شأنك !
- واين كنت بالامس؟ واليوم الذي قبله واليوم الذي سبق؟
- في الخارج....الخارج...الخارج !
- وكل مرة مع رجل مختلف؟ هل هكذا تمضين ايامك.... تقومين بزيارة البيوت !
للحظات لم تعي معنى هذه الكلمات, ولكن عندما فعلت, غطى الرعب على كل مشاعر اخرى ،هل هذا هو نوع الفتيات التي يطن انها تكونه ليس كفتاة متحررة كما الاخرين هي هذا العقد من الزمن, بل في الواقع...ولم تستطع الاستمرار بهذه الافكار...
وقال بوحشية:
- لا تظهري هذه البراءة .اعرف تماماً ماذا تفعلين بنفسك, كلّفت من يراقبك في الايام الاخيرة !
- ولماذا ؟ ماذا فعلت لتظن بي.......
ووضعت قبضة يدها على فمها, ورفرت عيناها لتمنع الدموع من التساقط.
فقال بصوت عاصف:
-لانني رأيتك في فنق الهيلتون وانت تخرجين مع رجل من المصعد.
واعادت كلماته الذكرى اليها, كانت قد ذهبت الى هناك لتصوير اطفال طبيب سويدي
عائلته كانت تزور روما , وشاهد صوراً من انتاجها عند اصدقاء وتوسل اليها كي تقوم
بتصوير اطفاله قبل سفرهم. وقد اصرّ الاب ان يرافقها في المصعد ويوصلها بنفسه الى السيارة.
- هناك عدة مطاعم في العديد من طوابق الهيلتون , فلماذا افترضت انني في غرفة نوم رجل؟
- لانه من غير المحتمل ان تغادري المطعم عند الخامسة والنصف, اضافة الى اننا كنا قد تغدينا
في القصر ذلك اليوم.
وتنهد عميقاً:
-لم اشك بك يومها, بل بعد ذلك.. عندما وصلتني التقارير الاخرى
- من جواسيسك؟
- ليسوا من الرسميين. لا استطيع ان افضح نفسي امام الوكالة تحريين لقد كلفت السائق بهذا.
- وهذا افضل بالطبع ! اعني من الافضل لك ان تجعل احد خدمك يتجسس عليّ بدل تحرٍ لائق وماذا اكتشف هذا التابع المخلص؟
- انك في الشهر الفائت قد زرت عدة شقق ومنازل. بعض الاحيان تعودين اليها وبعض الاحيان لا.
- هذا يتوقف على ما إذا كانت خدماتي اعجبتهم ام لا.
- لا تمزحي حول الامر يا لورا! ألا تشعرين بالخجل ؟
- بالطبع أشعر بالخجل... بالخجل منك يا روبرتو, بالخجل لأن لديك مخيلة مثل مخيلة المنحرفين! لقد كرهتك من قبل ياروبرتو ولكنك تثير اشمئزازي الآن !
- وماذا تظنين ان بإمكانك ان تفعلي؟
ولذعتها عيناه وكأنهما سوط من الجلد. واغرقت المرارة نفسها. لايمكن تصديق ان روبرتو يستطيع التفكير بهذا. لا بد انها تواجه كابوساً ولو قرصت نفسها سوف تستفيق منه وغرزت اظافرها في راحة يدها ولكن الالم لم يغير المشهد, فلا زالت في غرفة الجلوس معه وكأنه إله الانتقام.
وقالت ببطء:
- لقد تسلطت عليك كراهيتي حتى انك لم تعد تقدر ان تفكر بالمنطق. كان عليك سؤالي اولاً.
ولكنت وفرت على سائقك عناء التجول في الشوارع.

- لم اكن انوي ان اقول لك. ولكن اليوم... انا... لقد شاهدتك اليوم بنفسي ثانية. لقد كنت عائداً الى القصر عندما تجاوزتني, ولسبب ما ادرت السيارة ولحقت بك.
****************************

- وشاهدتني ادخل فيللا في احدى ضواحي روما.
- رأيت رجلاً يفتح لك الباب. ونفس الرجل رافقك عائدة الى السيارة. وامضيت هناك ساعتين.
- ساعتين وعشر دقائق ! هل تريدني ان اخبرك ماذا كنت افعل؟ لقد كنت اتقلب فوق الارضية هناك مع شخصين. كنت مستلقية على السجاده احاول ان اجعلهما يضحكان.
- اصمتي ! لا اريد ان اسمع.
- اذاً سأريك بدل ان تسمع.
وأعماها الغضب وأسرعت الى النافذة, وجذبت الستارة وأخرجت المغلف ورمته به عبر الغرفة.
- افتحه ! افتحه وشاهد بنفسك ماذا كنت افعل كل يوم.
ولم يكن بحاجة لهذا , فعندما اصطدم به المغلف انفتح ووقع على الارض , وخرجت منه مئات
الصور وانتشرت تحت قدميه . اطفال بلباسهم .ودون لباسهم. اطفال يضحكون وآخرون يبكون واقفون ,ومستلقون . اطفال في مئات الاوضاع . وبآلاف الانطباعات المختلفة. وبذهول اخذ يحدق بالصور, وبحركة بطيئة انحنى والتقط مجموعة منها . ونظر اليها واحدة واحدة, عندما شاهدته عرفت لورا ما معنى "شبح الموت". كل الالوان هجرت وجهه. حتى عيناه بدتا كالاموات عندما رفع رموشه المثقلة لينظر اليها. وبينما هي تراقبه عادت الحياة الى القناع. واسرع اللون الى بشرته ثانية, محولاً اياها الى لون الليمون , ثم الزهر فالاحمر القاتم ثم الاحمر المؤلم. وافترت شفتاه ولكن لم يصدر صوت من بينهما. وشاهدت عضلات وحنجرته تتحرك وهو يحاول ان يتكلم ثم يفشل. ولكن لا شيء يقوله من الممكن ان يفيد. فاتهاماته اليوم تجاوزت كل الاهانات التي امطرها بها في الماضي, ولا يمكن لأي اعتذار ان يمحي ما كان ان يعتقده بها.
- اذا احببت سأعطيك اسماء كل زبائني . ولكن الرجلين الشابين اليوم اللذين زرتهما اليوم
مازالا في الكاميرا.
واستطاع اخيراً ان يجد صوته, ولم يكن يشبه أي شيء تعرفه, مجرد صوت لا معنى له:
- لا تفعلي هذا ! انا... انا...لورا... ماذا استطيع ان اقول؟
- لا تقل, المزيد ولا كلمة اخرى.
ورفعت رأسها بكبرياء, ومرت من امامه, وقد عادت اليها السيطرة على نفسها. وسمعته يتمتم
بأسمها, ولكنها لم تلتفت له, حتى عندما ناداها ثانية, تابعت طريقها.
عندما وصلت الى غرفتها, تخلى عنها هدوءها. ولكنها اجبرت نفسها على تجاهل ارتجاف
اطرافها. وفتحت الخزانة الواسعة واخذت حقائبها. لم يكن لديها الكثير لتوضبه بها، سوف تبقي الملابس التي اشترتها لها الكونتيسة حيث هي. وستترك معدات غرفة التظهير ليفككها
الكهربائي وليشحنها لها الخدم ، شيء واحد له اهمية كبرى ستتركه خلفها : ابن اختها.

ووقف تنفسها في حلقها والدموع التي حبستها بلّلت رموشها ومع ذلك فلم تتركها تنهمر لان
امامها الكثير لتعمله. ووضبت اول حقيبة ثم الاخرى ولحسن الحظ المال لن يكون مشكلة في
القريب العاجل للأنها تقاضت اتعاباً مرتفعة لما قامت بتصويره, تبعاً لنصيحة السيدة وليامز
وكانت تقفل الحقيبة الثانيه عندما سمعت دقاً على الباب. وقفز قلبها من مكانه, ولكنه توقف
عن الخفقان عندما سمعت صوت الخادمة تقول ان الكونت والكونتيسة ينتظرانها على العشاء.
- لن اتناول العشاء, ارجوك قولي بأنني مصابة بصداع قوي.
- هل ترغبين في تناول شيء في غرفتك سنيورة, سأجلب لك صينية الطعام.
- لا.. شكراً
وبقيت دون حراك, الى ان ابتعدت اصوات اقدام الخادمة. ففتحت الباب وسارت على رؤوس
اصابعها نحو جناح الطفل.
كانت روزا تتناول عشائها. وقفزت واقفة عندما دخلت لورا واشارت اليها ان تتابع طعامها
ودخلت غرفة نوم الصبي آملة ان يكون نائماً فلو انه كان صاحيتً ومد ذراعاه لتحمله فستنهار ولكن القدر جعله ينام. برغم كل منظره الملائكي, أستطاعت ان تسيطر على الحب الذي تشعربه نحوه. ومع ذلك لم تستطع لمس وجهه بشفتيها خوفاً من تأثير رائحته عليها.
*******************

وتراجعت الى الخلف, وهربت الى غرفتها, يجب عليها ان تغادر القصر بينما روبرتو ووالدته في غرفة الطعام. فلو انتظرت الى ان يغادراها فقد يسمعانها وهي تذهب.
حقائبها ثقيلة وخافت ان تنزلها من السلم الرئيسي, فأخذتها ونزلت من السلم الملتف الصغير الذي يستخدمه الخدم . وهذا ما أوصلها الى قرب احد الابواب الجانبية التي تقود نحو الكاراج. ووضعت حقائبها في السيارة وجلست خلف المقود وعضت بشدة على شفتيها وأخرجت السيارة من الكاراج.
لم تتذكر لورا الكثير من رحلتها نحو المطار. حتى انها لم تفكر في ان تتصل لتعرف ما اذا
كانت هناك طائرة متجهة الى لندن , اذا لم يكن هناك, فستأخذ أي طائرة تخرجها من روما
ولحسن حظها وجدت طائرة الى لندن , بعد نصف ساعة من وصولها الى المطار فاوقفت
السيارة في الموقف, واتصلت بالخادم في القصر لتبلغه أين يستطيع ان يجد السيارة.
ولم تفكر بشيء حتى اصبحت الطائرة فوق المدينة الخالدة فأغلقت عينيها, كل لحظة من اللحظات الآن , تبعدها عن روبرتو وعن جوليو. ماذا ستفعل لو انه منعها من رؤية ابن اختها ثانية؟
ولكن لا...هذا مستحيل. فروبرتو سوف يشعر بذنبه لاتهاماته الزائفه لها, بحيث انه سيفعل كل شيء ليعوضها. وتنهدت بعمق, متسائلة كيف سيشعرلو انه اكتشف انها توأم ماري. من المؤسف انها لم تخبره بهذا الامر ايضاً. ومع ذلك وبطريقة ما, لم يعد الامر مهماً لها فلاشيء مما يعتقده بها قد يؤثر على مستقبلها.
وما الفارق في انها لورا أو ماري ؟ في هذه اللحظات شعرت بقربها اكثر من شقيقتها, ماري
اللعوب, المحبة, والتي لا يمكن لروبرتو ان يفهمها ابداً.
فتاة سخيه بروحها, سخية في حبها . سخية كثيراً, ربما ولكن من الافضل كثيراً ان تكون غير محبة اطلاقاً. مثل ذلك القاسي الظالم.... روبرتو.

* * *


13- لن انظر الى الوراء



مع ان من الطبيعي ان تفكر لورا بالعودة الى شقتها التي كانت تشارك بها ليندا, الا انها تعرف
ان روبرتو قد يأتي ليطلب منها الفغران, وبما انها لا تطيق رؤيته ثانية, فقد استأجرت شقة مفروشة في الطرف الآخر من لندن, وقالت لصديقتها:
-الخادم سيرسل لي معدات التصوير على عنوانك, وعندما تصل..سأحضر لاستلامها.
- وعندما يحضر كونت دراكولا... ماذا سأفعل به؟
- أي شيء تحبينه, ما دمت لن تخبريه اين يجدني. يجب ان تعديني بهذا.
- وهل عليك ان تطلبي وعداً؟ بعد تصرفه معك لن أدله على موقف الباص حتى! ولكنني اشعر بالاسف لانك لن تسكني معي. ما رأيك ان انتقل للسكن معك؟ سيسعدني التخلص من هذا المكان.
- سأحب هذا كثيراً فالسكن لوحدي سيجعلني تعيسة.
- وماذا بخصوص بيدرو؟ مع ما قلتيه لي, من المؤكد انه سيأتي ! ليلاحقك !
- سأقرص اذنه لو فعل... فلم يعد هناك ما يبتزني به لأخرج معه.
- اعتقد انه واقع بحبك.
- ولكنني لم اقع بحبه.
*****************************

- عليك ان تكوني جادة مع شخص ما, يوماً ما , لا تستطيعين الاستمرار بتذكر روبرتو ماسيني.
- لا اريد التحدث عنه ابداً.
- وهل يمكنك التوقف عن التفكير به ايضاً؟
- سأحاول...سأعمل جاهدة الى ان اقع من التعب. انها افضل طريقة لنسيان رجل.
رغبة لورا بالعمل المرهق , تحققت بسرعة لم تتوقعها. في خلال اسبوع , طُلب منها تصوير
مجموعة ازياء جديدة , ومجموعة ادوات تجميل اخرى, وامضت نهاية الاسبوع في منزل
نجم معروف لتصوره في اوقات فراغه. وعادت متأخرة الى لندن ذلك الاحد, وانهارت في
الفراش مرهقة , عندما اتصلت بها ليندا لتقول :
-ان السيد بوب ساندرز اتصل بها قال انه صديق السيدة وليامز في روما , ولكنني لم ارغب
في اعطائه رقم هاتفك اذ يمكن ان يكون روبرتو ماسيني متنكراً !
- روبرتو لا يعرف السيدة وليامز ، على كل انه ليس من النوع الذي يستخدم اسماً مستعاراً.
- اذاً الافضل ان تتصلي بالرجل. يبدو انه مهتم بالاتصال بك.
أول مافعلته صباح الاثنين ان اتصلت بالرجل في فندق كلاريدج حيث يقيم . ودعاها فوراً
لتناول الغداء معه, ولكنها قالت انها مشغولة طوال النهار فاقترح عليها العشاء. وفي الثامنة
مساء دخلت الصالون في الفندق . ليقابلها رجل طويل و نحيل في اواسط الاربعين.
قال لها:
- لنطلب العشاء قبل ان نتكلم عن العمل.
وشرح لها ماذا يريد منها عندما كانا يشربان بعض المرطبات.
- انا ناشر, وقد ارتني السيدة وليامز بعص الصور التي التقطيها لاطفالها, ثم رأيت العديد منها
فيما بعد. في حفلة اقامتها على شرفي. هذه الصور اعطتني فكرة كتاب. كان هناك كتب شبيهه به ولكن اعتقد بأننا نستطيع تحسينه.
- كتاب لصور الاطفال؟ لقد فكرت بهذا ايضاً, ولكن من يرغب في شراء مثل هذا الكتاب,
ماعدا من له فيه صور؟
- دعيني اشرح لك فكرتي. الفكرة كانت بسيطة، مجموعات من صور الاطفال, كل مجموعة لها عنوان وتعليق مميز,وتُوضع هذه قرب صور لراشدين, يبدو عليهم نفس الانطباع,تؤخذ من
واقع حياتهم الطبيعيه.
- ومن اين ستحصل على مثل هذه الصور؟
- منك انت. سيكون امامك كمية عمل هائلة. وكمية مال هائلة ايضاً.
- ليس المال وحده يهمني سيد ساندرز. فأنا احب ان اصنع اسماً لامعاً لي...
- اذا نجح هذا الكتاب فستحصلين على الاسم. انت والكاميرا ستكونان موضع طلب اينما ذهبتي.
نها فكرة اخاذه, وقبل ان تنتهي الامسية كانت قد وافقت على العمل بالكتاب.
- سأحضر عقداً وأرسله الى مدير اعمالك.
- ليس عندي مدير اعمال, ولكنني سأكون سعيدة جداً اذا تركت الامر لك.
- لا تثقي ابداً بناشر, اذا لم يكن عندك مدير اعمال, دعي محاميك يهتم بالامر.
كان الوقت منتصف الليل, عندما اوصلها الى منزلها, وطلب من التاكسي الانتظار حتى
يوصلها الى شقتها في الطابق الاول. وبدا معجباً بالمنزل القديم الكبير, ودعته لتناول العشاء معها في أي يوم يختار.
- لا اريدك ان تطبخي لي... سآخذ انا العشاء.
وودعها, ثم دخلت شقتها وقد تملكها شعور بالرضى, لم تشعر به منذ زمن. كان رجلاً فاتناً
روحه المرحة مثل مظهره الجذاب ولكن مع دفء ملحوظ ستحتاج اليه بالتأكيد.
خلال الأسبوع استمرت لورا بمقابلة بوب يومياً. وسافر الى الولايات المتحده يوم الاحد
واوصلته الى المطار, وهي تشعر انها ستفقد صديقاً.
وقال لها وهو يمسك بيدهاً مودعاً:
- هل تمانعين لو عدت لرؤيتك؟
***********************************

- سأكون دوماً مسرورة برؤيتك عندما تأتي الى لندن.
- بالنسبة للعمل , لست بحاجة للعودة قبل ستة اشهر, ولكن لو قلتي لي, سأكون سعيداً
بالحضور كل شهر.
وشعرت بالإحراج, ولم تدر ماذا تقول. لقد اعجبها , ولكنها لا تستطيع إلزام نفسها. فروبرتو
لا يزال قريباً منها جداً. حتى عندما تتذكر اسمه بصمت, كان ذلك كلسع سوط لها.
وقال بوب بنعومة:
- فكري بالأمر...
ثم ذهب عبر البوابة , وقبل ان يستدير عند المنعطف, التفت ولوح لها. يوماً ما سوف تبدأ
التفكير بمستقبلها. ولكن ليس الآن.
العودة الى شقتها الخالية, كان أكثر مما ستتحمله , فذهبت عند ليندا , التي كانت ترتاح
يوم الاحد في المنزل . وجلست الفتاتان بكسل تشاهدان التلفزيون وتشربان القهوة وتأكلان
بعض السندويشات, وحاولت لورا عدم التفكير بما كانت ستفعله في مثل هذا الوقت لو بقيت في روما.
وسألتها ليندا خلال فترة الاعلانات على التلفزيون:
-ماذا ستفعلين بخصوص روبرتو؟... انه يتصل بي كل يوم لمعرفة رقم هاتفك.
وقفزت لورا من مكانها وكأن دبوساً قد وخزها.
- انا ذاهبة.
- لا تكوني حمقاء. لا يمكن له ان يأتي اليوم , وحتى لو اتى, لن ادعه يدخل.....
لن تستطيعي الهرب منه الى الابد. الشيطان المسكين يريد ان يعتذر, ولا ارى سبباً لرفضك.
قد يقدم لك هدية لطيفة للتعويض عن اهاناته لك.
- لا اريد شيئاً منه.
- حتى ولا جوليو؟
- حتى ولا جوليو. لا استطيع ان امنحه منزلاً مناسباً وانا اعمل, بهذا الخصوص روبرتو
على حق على كل ستكون حياته رائعة في القصر . فروزا والكونتيسة تعبدانه. سينمو
بينهما وكأنه امير صغير.
- وماذا بخصوص صاحب الفخامة ؟ كيف يتصرف مع ابن اخيه؟
هل يربت على رأسه مرة في الاسبوع؟
-انه يحبه. يدخل جناحه دائماً ليحمله, وسيحبه جوليو. لن يستطيع الا ان يفعل.
- وانت كذلك.
- سأنساه, وسأفعل.
- لن تنسيه اذا استمريت بالهرب منه, يجب عليك ان تريه يوماً ما, فلماذا لا يكون هذا الآن؟
ام انك ستتخلين عن جوليو نهائياً؟
- بالطبع لا.... ولكن عليّ ان امنح نفسي بعض الوقت.
- لا زلت اشعر بالغضب داخل نفسي.
- ستشعرين بشكل افضل لو سمعت اعتذار روبرتو. ليس هناك شيء مثل رؤية رجل يتذلل
لاستعادة ثقة امرأة فيه. صدقيني انا اتكلم عن تجربة.
وضحكت لورا, لانها تعرف ان هذا بعيد عن الحقيقة, ولكنها لا حظت ليندا تحاول ان تقنعها.
وفي طريق عودتها الى شقتها فكرت بحذر, وقررت ان تنتظر اسبوعاً بعد, ثم تكتب للكونتيسة.
كم هو غريب اشتياقها للتحدث مع المرأة. فمع ان حياة الكونتيسة ونشأتها مختلفة تماماً عن حياتها ونشأتها, فان القصص التي روتها لها عن طفولتها وشبابها, كانت تنقل لورا الى عالم الخيال الذي لم تعلم ابداً انه موجود. ولكن, انه عالم سينمو فيه جوليو, واذا لم ترغب في ان يكون مختلفاً تماماً عن حياتها كالنجمه في السماء.
في الصباح, ذهبت مباشرة الى معرض الازياء لاعادة تصوير بعض الفساتين من المجموعة
المعروضة هناك.

***********************
واعتذر صاحب المعرض قائلاً:
- طلبي اعادة تصويرها ليس لأنني لم احب صورك,ولكن بعضاً منها لم يكن له اسلوبك المعتاد.
- لم اكن اشعر بالراحة عندما عدت من روما. وأظن ان هذا أثر على عملي.
- لا... فعملك دائماً جيد.
- لا امانع بالانتقاد , وسأكون سعيدة لاعادة التصوير.
- متى استطيع رؤية الصور. مجلة الازياء الشهرية ستأخذ بعض الصور المنتقاة اذا حصلت
عليها صباح الغد.
-لن تكون الصور جاهزة في هذا الوقت. ليس عندي غرفة تظهير لائقة بعد. وانا اتدبر امري.
- يجب ان اراها الليلة...سأسافر عند الصباح واعود في المساء الى مكتبك, واختار ما يعجبني
منها ثم تظهرينها لي.
- سأعمل طوال بعد الظهر ولن أتمكن من تظهيرها قبل العاشرة مساء.
- هذا ليس وقتاً متأخراً بالنسبة لي....سأحضر الى شقتك ...لورا,لا يضايقني ان تظني انني
احاول التقرب منك. ولكنني هذه الايام عندما يكون لديّ وقت لا يكون لديّ الرغبة. وعندما يكون لديّ الرغبة لا اجد الوقت اللازم !
فضحكت وكتبت عنوانها على ظهر مغلف:
- سأفعل هذا من اجلك فقط, ولكن لا تأتي قبل العاشرة لأن الصور لن تكون جاهزة.
بعد الظهر كان شاقاً عليها, وعندما عادت الى شقتها, صعدت الى سريرها وجذبت الغطاء فوق رأسها. ولكن بما انها وعدت بتجهيز الصور, فلن تستطيع الاخلال بوعدها, وبعد ان استحمت , ارتدت بنطلون جنز وكنزة ودخلت الى غرفة التظهير المؤقتة لتعمل بالصور.
عند التاسعة والنصف كانت الصور جاهزة لتجف , وخاطرت في ان تختار ما اعجبها وطبعته
لو انه اختار صوراً اخرى فسيكون الامر سيئاً. وقاومت تعبها ودخلت المطبخ لتحضر لنفسها شيئاً تأكله, وحضرّت كوباً من الحليب, مع قطعة خبز وجلست على الاريكة في غرفة الجلوس.
ودق الجرس, فتثاءبت ووضعت يدها على فمها وهي تتثاءب, وذهبت عارية القدمين لتفتح الباب.
- لحظة من فضلك !
وفتحت الباب واستدارت على الفور الى غرفة التظهير.
- ادخل والقي نظرة على الصور, انها جاهزة.
وبلغت باب غرفة التظهير عندما جعلها صمت الرجل غير المعتاد تلتفت لترى ما الامر. وجف الدم في عروقها عندما رأت الرجل الذي يقف امامها. هل هو شبح اخرجته مخيلتها؟ ولكن الاصابع التي امسكت بذراعها كالفولاذ ليست اصابع شبح, ولا ذلك الصوت الذي تكلم بنعومة في اذنها:
- هل ظننت انني لن اجدك يا لورا ؟
وسحبها روبرتو من الضوء الاحمر اللامع للردهة . وتحركت عيناه ببطء من شعرها الاحمر
المتجعد الى قدميها العاريتين الظاهرتين تحت بنطلونها الجينز. ثم عادتا لتستقرا على فمها الاحمر
الممتلئ. الخالي من احمر الشفاه ومع ذلك يبدو جميلاً, ثم الى عينيها الخضراوين, والبؤبؤان
متسعان من الخوف وكأنها قطة مجفلة.
- غريب ان تأتي اليوم, كنت قد قررت ان اكتب لك.
- وهل سترسين بطاقة في عيد ميلادي الستين؟
وتطلعت اليه ملياً. ولم يكن السرور بادياً على وجهه, حاجباه مزمومان فوق عينيه , واللمعان
مختفً منهما. وكأنما سواد افكاره قد جعلهما معتمتان. واستطاعت ان تلاحظ اثر الليالي التي
ضاها من غير نوم, لانها اضفت على وجهه ظلالاً من السواد والتعب, وحفر غائرة فوق عظام
فكه . ولكن ذلك اضفى عليه صفة حنونة, جعلتها تشعر بضعف في ركبتيها . وحاولت التراجع عنه, ولكنها , وعندها فقط, لاحظت انه ما زال يمسك بها.
- انت تؤلمني يا روبرتو.
وتركها فوراً، وفركت ذراعها مكان اصابعه حيث الجلد اصبح بلون ابيض.
******************
وقال بهدوء:
-انا دائماً اؤلمك. انه الشيء الوحيد اللعين الذي فعلته لك ابداً.
-انسى الأمر. يجب علينا ان نتقابل دوماً من اجل جوليانو....والتحدث بالماضي لن يفيد أي منا.
- هل نجلس في مكان ما, ام نبقى هنا واقفين؟
- ليس لدي! شيء اقوله.
- اذاً تستطيعين ان تصمتي وتستمعي.
واستدار بعنف وسار نحو الغرفة المقابلة, ليقف عندما ادرك انه سيدخل غرفة نوم.
فتمتم:
- لابد ان عقلي الباطن قادني الى هنا.
ابتسم. ولكن الابتسامة اختفت على الفور. والتعبير المؤلم عاد ثانية الى وجهه. وقررت
لورا ان تتصرف بلياقة. فأشارت الى غرفة الجلوس.وسألته اذا كان يريد ان يشرب شيئاً
فهز رأسه وجلس على المقعد, ليقفز على الفور وكأن أفكاره لم تترك له فرصة للراحة.
وسألها:
- لماذا لم تخبريني عن ماري؟
وفاجئها السؤال ونظرت اليه دون حراك,فقال موضحاً:
- لقد اخبرني بيدرو. لقد اتى الى القصر ليلة تركتيه.
- كان من المفترض ان اذهب معه لعرض اول لأحد الافلام.
- اعلم هذا . عندما وجد انك ذهبتي, بقي هناك لرؤيتي.
ودار دورة كاملة حول الغرفة بعنف وغضب:
- لماذا لم تقولي الحقيقة عندما قابلتك اول مرة؟
- لانك كنت ستأخذ جوليو مني... لا تزعج نفسك بالنكران..
- انت على حق. ولكن فيما بعد, عندما كنت تعيشين في القصر. وعرفت شعوري تجاهك؟
- كنت اعرف انك تكرهني.
وارتفع صوتها ولكنها سرعان ما سيطرت عليه.
فصاح:
- لا اكرهك
- ولكنك مازلت تكرهني. وكرهت نفسك لانك تريدني.
- انا لا اكرهك يا لورا !
- لقد قلت هذا بنفسك.
- لقد قلت اشياء حمقاء كثيرة وانا غاضب. لم اكن افهمك لقد حيرتيني وجعلتيني اغضب
كان هناك اشياء تبدو غير حقيقية حولك, ولكنني لم استطع التكهن بها . وعندما اخبرني
بيدرو الحقيقة. بدا لي كل شيء في مكانه الصحيح. ولكن قبل هذا لم استطع التفكير بك
سوى انك مثل " جيكل وهايد"
- وبما انك الآن اكتشفت انني نقية مثل الثلج المتساقط, جئت لتعتذر؟
- اجل......
وتوقف عن السير, ووقف امامها.
- سأركع عند قدميك, اذا كان هذا سيشكل فرقاً لك.
وهزت رأسها نفياً وقد غمرها شعور بأنه يعني مايقول....روبرتو ماسيني يركع عند قدميها !
انها فكرة لا تصدق.
- اقبل اعتذارك يا روبرتو ! سيكون امراً سيئاً على جوليو اذا لم نكن على وفاق.
- انسي جوليو الآن. لا اهتم سوى بك وبي. وبمستقبلنا.
- ليس بيننا مستقبل يا روبرتو. لن اكون سعيدة ابداً مع رجل اساء الحكم عليّ كما فعلت انت.
- لا تستطيعين الاستمرار بلومي على هذا. لقد اعميتيني عن الحقيقة متعمدة، لقد تظاهرت بانك ماري.وانت تعرفين جيداً سمعة شقيقتك.
- لقد احبت جوليانو..
- ولكنها كانت مختلفة عنك, فلماذا تظاهرتي بالعكس؟
****************************

- لقد كنا توأمتين.... لقد كنا حبتي فول في وعاء واحد. والفول له نفس الطعم. لقد قلت هذا بنفسك يا روبرتو , الأ تتذكر؟
-أتذكر ايضاً انك فعلت اشياء كثيرة لتحيرني, فعندما بدأت انظر اليك كبريئة, عندما ظننت ان الاقاويل من حولك خاطئة, بدأت الخروج مع يبدرو.
- لأنه هدد بفضح امري وقول الحقيقة لك.
- ماذا؟ لو عرفت هذا من قبل لقتلته . ولكن معرفتي انك معه, ومعرفتي أي نوع من الرجال هو جعلني اعتقد ان ظني بك خاطئ. في الرسائل التي كتبتها ماري لأخي. قالت انها تحبه من كل قلبها ومع ذلك فبعد اشهر قليلة من وفاته كنت تعبثين مع عشيق سابق. ولكنني اعرف الحقيقة الآن وقد اختلف الامر. لقد كنت ممثلة ممتازة يا لورا.
- يبدو انني كنت ممتازة اكثر من اللزوم... ولكن ما من شيء فعلته وحتى فعلته ماري. يعطيك الحق بالظن بهذه الظنون الفظيعة.
ولم تستطع ذكر الظنون, مع ان اللون تصاعد الى وجهها. بإشارة واضحة الى انها تعني ما تقول.
فقال هامساً:
- لا استطيع الاستمرار بالحياة مع تذكري لما قلت. يجب عليك ان تغفري لي يا لورا.
التعبير على وجهه كان تعبير معذب, ولم تستطع النظر اليه دون الشعور بالحزن. ولكن,
ولأنها تحبه, الغفران كان أصعب.
- لورا.. عندما تكلمت معك, قبل ان تريني تلك الصور. كنت قد صممت ان اتزوجك.
ونظرت اليه غير مصدقة.
ومد يديه كالمتوسل:
- انها الحقيقة, اضحكي عليّ لو شئت, ولكنني اقسم انها الحقيقة مع انني كنت اؤمن
انك فتاة لا اخلاق لها. لقد احببتك كثيراً حتى انني صممت ان اتزوجك, وكنت واثقاً
ان حبي من القوة بحيث يغيرك.
فقالت بمرارة:
- المصلح الكبير.
وقال بخضوع:
- بل رجل واقع في الحب. امل ان ينجح حبه حيث فشل كل شيء آخر...ارجوك لورا
على الاقل لنكن اصدقاء.
- لا استطيع.... انه...
ودق جرس الباب فأسرعت اليه وهي تقول:
- لقد اقبل احدهم لياخذ بعض الصور.
ودخل صاحب المعرض الى الشقة وقال:
- آسف لتاخري, ولكنني نمت امام التلفزيون.
وانتظر امام غرفة التظهير بينما جمعت لورا الصور له ثم أدخلته غرفة الجلوس حتى لا تبدو
امامه فظة , وقدمت الرجلين لبعضهما. وكان متفهماً فوافق على الصور التي اختارتها وشكرها
وغادر الشقة.
وعادت الى غرفة الجلوس لتنظر الى عينيه, وترى نفسها فيهما. واستطاعت ان تفهم العذاب الذي عاناه عندما ادرك انه واقع في حب فتاة فيها كل الصفات المكروهة,ومع ذلك استمر في حبها.على الرغم من انه كان دائماً يجد اختلافات مابين ما يظنها عليه وما اكتشف انها عليه . وكلما وجد اختلافاً, لعبت دوراً لتصعب الامور عليه، مسكين روبرتو, لا عجب انه ضاع !
وعندما بدا ان رغبتهما في بعضهما قد تمحو كل شيء, ظهر بيدرو, جالباً معه شكوكاً اكثر
في نفس روبرتو.
ولكن هذا لم يكن كل شيء, فهناك تحركاتها الغامضة بعد ظهركل يوم. لقد كانت سعيدة بنفسها في السيارة الحمراء الصغيرة والكاميرا معلقة في علبتها. وهي ذاهبة لتصور الاطفال وابتساماتهم. لا قلوب الرجال كما كان يظن. تضارب الوضع اظهر لها الوجه المضحك له.
وبدأت تضحك في البداية كانت ضحكة خفيفة. ولكنها بعد ذلك كبرت لتصبح مرتفعة
ثم بعد قليل القت رأسها على ذراع الكرسي. والدموع تنهمر على وجهها من الضحك.
فسألها روبرتو متعجباً:
- ما الأمر؟
وحاولت ان تخبره لماذا تضحك, ولكنها لم تستطع ان تتكلم, وامسك بكتفيها وهزها بعنف. واستمرت بالضحك , فرفع يده وصفعها على خدها. واهتزت اسنانها, ولكن الضحك توقف,وامتلأت عيناها بالدموع.
وقالت وهي تنتحب:
- لقد فعل بي الآن كل شيء. حتى انك ضربتني ! ضربتني !
وأنزل يده بسرعه, فصرخت وتعلقت به.
-حبيبي روبرتو كنت اضحك عليك. ولكن لا تطلب الشرح مني الآن. سأقول لك في وقت آخر.
- وهل سيكون عندنا وقت آخر؟
وامسكها من خصرها وهمس:
- هل تعنين هذا يا محبوبتي؟ هل ستتركيني اتودد اليك واعلّمك ان تحبيني؟ سأكون صبوراً
معك يا لورا, عودي فقط الى القصر وعيشي معنا هناك.
- كزوجة اخيك؟
- لا...... بل كشقيقة ماري.
- وماذا ستقول لأصدقائك؟
- سنجد طرقاً للمزاح حول الأمر. اضافة الى ان الناس لايسألون عما يقوله روبرتو ماسيني.
- ولا حتى اوليفيا؟
- ستكون مسرورة لنا.
- لا تكن سخيفاً !
- اوليفيا ليست مهمة يا ملاكي, انا لم اطلب من امرأة ان تتزوجني من قبل.
- اعلم هذا...وانا لازلت منتظرة.
- لن اطلب منك الزواج حتى أتأكد انك تحبيني بالقدر الذي احبك فيه لأنك عندما تقولين نعم سأستدعي رجل الدين على الفور.
- اذاً... بعد ثلاثة اسابيع من الآن .... سأكون الكونتيسة ماسيني !
وتألقت عيناه وكأنهما جوهرتين من الزمرد ولكن قبل ان يتكلم
عانقته قائلة:
- سيكون لديّ انت وجوليو, يا حبيبي روبرتو. وماذا اطلب اكثر من هذا؟
- طفل خاص لنا.
- بل اطفال...
- ليس بهذه السرعة, اريدك لنفسي اولاً. فأنا مشتاق لك كثيراً يا لورا....
- بعد سنة اذاً . عندما تخف رغبتك بي.
- لن تخف رغبتي ابداً. كلما رأيتك ستزداد.
- وهكذا اريدك على الدوام.
وارتمت بسعادة بين ذراعيه

تمـــــــــت

مشاركة