لا تبتسمي

الكاتب: قصتي مشاهدات: 709 التصنيف: روايات أحلام

1-حمراء الشعر

صوت تحطيم ..
-اللعنه !
رفع لوغان نظره.عن الرسائل التي كان يوقعها.وتعبيره محتار لسماعه
صوت التحطيم لما بدا له كالزجاج ، ولحق به بسر عةالشتيمة.
-ماذا..؟
صوت تطيم آخر!
تحول تعبير لوغان إلى ارتباك وهو يضع قلمه ويتجه الى مصدر
الصوت ..غرفة الاجتماعات المتصلةبغرقه مكتبه المتسع .
كان هو واثنان من مساعديه قد تناولوا الطعام هناك فى وقت سابق ،
ونافشوا العقود..ولقدد وجد لوغان ان هذه هى افضل طريقه للعمل
كانت الطاولة لاتتزال معدة جزئيا لتناول الطعام،لكن الغرفة ذاتها خاوية.
تمتم صوت مجهول المصدر بنفاذ صبر:
"اللعنة..هاك قدحي زجاج ،
يجب ان أجد بديلا لهما الان ..انا ..آآخ
وكانت الكلمةالاخيرة صيحةالم واضحة.´أصبح لوغان اكثر اهتماما الآن.ودار ببطء حول الطاولة الطويلة
ليجد نفسه يحدق الى شعر احمر براق.آه..لقد حل اللغز..هذه هي
الفتاة ..الامرأة التي خدمتهم وقت الغداء الموظفةلدى االشيف
سبمون.ولم يكن لوغان قد لاحظها كثيرا اثناء وجبة الطعام لانه كان
منكبا على عمله ، ونقاشاته ، لكنه يتذكر لمحات عرضية لهذا الشعر الأحمر
المشع وهي تتحرك بهدوء حول الطاولة .
نهضت الفتاة ، ونظرت عابسة الى يدها اليسرى حيث ظهرت الدماء
على طرف احد الأصابع .
-هل جرحت نفسك ؟
مهما كان رد الفعل الذي توقعه لوغان على السؤال المتسم بالشفقة ،الا
انه لم يتوقع مطلقآ ان تقفز الفتاة توترا ، بحيث اوقعت احد الاكواب الزجاجية.
تمكن لوغان من ان يمد يده ويلتقط الكاس قبل ان يتدحرج على الطاولة
لتلحق بالكاسين اللتين اصبحتا حطاما على الأرض الحشبية اللماعة.
تمتم بخشونة وهو يضع الكاس على الطاولة : "لا داعي لأن تشتري
ثلاث كؤوس بدلا من اثتين. هل هو بجرح عميق؟".
ومد يده ليتفحص يد الفتاة.
لكن القتاة انتزعت يدها من قبضته واخفتها وراء ظهرها..ثم رفعت
نحوه عينين رماديتين فزعتين وشهقت:"انا آسفة لازعاجك سيد
مكنزي ..كنت انظف الطاولة.و..و.. كسرت كأسين" .
ونظرت الى الأسفل نحو القطع المتناثرة : "و..و ..".
لم تتمكن الفتاة من اكمال كلامها ماارادت ان تقوله فقد تلاشت فجاة وسط دموعها.
تراجع لرغان امام عرض المشاعرهذا وعبس بشدة .
-انهما كاسان من الزجاج فقط ..وأنا واثق من ان الشيف سيمون
ليس ذلك الغول اللذي يجعلك تبكين لأجلهما .
كانت شركة الشيف سيمون للخدمات تعتني منذ اكثر من سنة بكل ما
يقيمه لوغان من مناسبات في غرفة الاجتماعات و لطالما وجد لوغان ان
الرجل يتحمل مسؤولية التعامل معه.ولو انه لم ير هذه الفتاة الشابة من
قبل، فربما هي جديدة وتخشى ان تفقد عملها بسب كسرها لتلك الأكواب؟
-يمكنك ان تقولى للشيف إني كسرتهما .
ثم خطر له انها ربما تبكي لأنها قلقة او منزعجة واعترف بهذا على
مضض بمد ان تذكر لقاءه الأخيرمع غلوريا منذ اسبوعين.وازداد عمق
العبوس على جبينه وهو يتذكر الدموع التي ذرفتها ، دموع غضب واحباط ،
لأنه قال لهاان علاقتهما التي دامت سنة قد انتهت..حتى انها رمت اناء
ورود عليه حين رفض ان يغير قراره.
رفضت الفتاة على الفور:"اوه..لا استطيع فعل هذا ..ثم انه
سيسجل الثمن على فاتورتك ..ولن يكون هذا منصفا ابدا ..".
رهزت راسها .
انصاف..قلما يسمع لوغان هذه الكلمة في عمله ولا حتى في حياتهالخاصة..
اضافة الى ان كلفة كاسين مكسورتين لن تسبب طبعابأفلاس
شركته ذات الأعمال والملايين الكثيرة..
مدت الفتاة يديها لتمسح الدموع المتساقطة على خديها فلطختهما دون
قصد ببعض الدم.تمتمت بإحباط وفد ادركت ما فعلت :"اوه ..اللعنة ".
وفتشتت عبثا فى جيوب بنطلونها عن منديل .
قال لوغان :"أنت تحيين هذه الكلمة.. اليس كذلك ؟".
واحنى راسه قليلا ليتفرس بوجهها للمرة الاولى.
كانت فتاة صغيرة نحيلة بالكاد يصل طولها الى كتفيه ، ترتدى بنطلونا
اسود وبلوزة عاجية اللون تبرز نحول جسمها.ويحيط بوجهها شعر احمر
مشع يصل إلى كتفيها .عندما نظراليها للمرة الأولى بدا له ان وجهها مغطى
بالنمش..لكن بعد التمعن راى ان النمش يغطي خديها وانفها فقط ..
عيناها رماديتان تحيط بهما رموش سوداء كثيفة ، اما فمها فقد بدا عريضآ مع
انها لم تكن تبتسم في تلك اللحظة.
من اين اتت تلك الابتسامة؟تساءل لوغان مذهولآ وهو يعيد تقييم `
الراي الذي كونه عن هذه الفتاة بانها غير ملفتة للنظر.فحين ابتسمت ،
غدت عيناها الرماديتان مضيئتين ، وظهرت غمازتان على خديها المستديرين،
كما لمعت اسنانها الييضاء في فم شهي ناعم.
حدق لوغان بها دون وعي ، واحس بانه يفقد انفاسه!
وقالت معترفة :"إنها ليست مشكلة مستعصية...وانا اقدر لك
عرضك بامتنان بالنسبة للكاسين..
وتابعت الفتاة الابتسام دون ان تعى مدى تاثير ابتسامتها هذه على
لوغان:"كما قلت ، لا يستاهلان الانزعاج بسببهما".
وهزت كتفيها..
قال لوغان غاضبا من نفسه..ومنها:" اذن علام كنت تبكين؟"
تلاشت ابتسامتها..وزال ارتباك لوغان ..وهزراسه.الفتاة ليست
جميلة بحق الله..فما هي الا كومة نمش وعينان رماديتان فقط!
قال بنفاد صبر:"حسنا؟".
رفعت وجهها وراحت تنظر اليه بعينيها الرماديتن الواسعتين ، نظرة
ملؤما التانيب:"انا..انا..جرحت نفسي!".
ورفعت اصبعها المجروح .
نظر لوغان اليه عابسا.
"يبدو ان النزيف قد توقف..ولا يبدوخطيرا".
لاحظ بعد ان شعر يالتوتر أنه اضاع ما يكفي من وقت على هذا
الموقف..مهما يكن!
قال فجأة بحده:"ساقول لسكرتيرتي أن تاتيك بضمادة. وفى هذه
الأثناء ، اقترح ان تغسلي اصبعك ووجهك".
رفعت يدها الى خدها بخجل:"انا آسفة لازعاجك ".
قطبت وجهها وكانها على شفير البكاء مجددآ.
ولم تكن لتدرك كيف ازعجته!ولو مؤقتا!
سالها:"ما اسمك ؟".
قالت بصوت بائس:"دارسي" .
-حسنا انسه دارسي..
صححت له بشكل يفتقد الى الأناقة: "دارسي هو اسمي الأول .
اوه لا .. ستبكي مجددا! ثم اليس دارسي اسم صبي؟
تمتم لوغان ساخرا:"كان والدك يريد ابنا..همم؟".
لمعت العينان الرماديتان بغضب:"ما اراد ،وما حصل عليه امران
مختلفان تماما".
-هذا الامر يهم النساء عادة
نظرت دارسي اليه عبر رموشها الطويلة السوداء:"هل انت متزوج يا
سيد ماكنزي؟".
ارتفع حاجبا لوغان بدهشة تحت شعره الأسود الذي يغطي جبينه..ما
علاقة وضعه العائلي بأي شيء؟
رد ببطء:"الحقيقة..لا،".
هزت راسها وكأنها خمنت الجواب.
-انا اعتقد ان شخصية المراة تجعلها تستجيب للرجل الذى سبق ان
نورطت معه ، مثلا...
قاطعها لوغان وهو بشد على فكه:"دارسي..انت هنا لتقديم وجبة
الطعام فقط ، وليس لتحليل نفسية الزبون".
قبل دقائق معدودة كان مسرورا تماما بيومه هذا.كان الغداء ناجحا،
والعقود جيدة ، حتى وهو يتكلم مع هذه الشابة. وكان يتطلع قدما الى
العشاء هذه الليلة مع شقراء جميلة التقاها في حفل عشاء يوم السبت.لكن
هذا الاحساس بالسعادة ضاع الآن وبات يشعر برغبة متزايدة في ان يخنق هذه الشابة!
وبدت دارسي مرتبكة قليلا:"انا آسفة جدا...المسالة فقط ..انني
عاجزة من تمالك نفسي اليوم !"
ثم دفنت وجهها يين يديها وعادت الدموع تنهمر مجددا من عينيها .
هز لوغان راسه بحيرة ، وهو يشعر مرة اخرى بالارتباك الكامل امام
تلك الدموع:"اوه ..بحق السماء !".
ومد يديه يجذبها ليغمرها بين ذراعيه.
احس بها صغيرة جدا وهو يضمها إلى صدره الصلب كما احس ان
ملمس ذلك الشعر الأحمر كالحرير على اصابعه فراح يداعبه دون وعي وقد
بدت له هشة كعصفور صغير .
ماذا يفعل بحق السماء انها الخادمة التي اتت لتقدم الطعام وقد
يدخل اي شخص عليهماالآن ويسيء فهم الموقف تماما!
تحرك بانزعاج:"آه..دارسي...".
كان ردها الوحيد على سؤاله المتردد بأن دفنت وجهها تمارا اكثر في صدرقميصه ، حتى تبلل.
احس لوغان انه غير قادر على التعامل مع هذا الموقف.وراح يتمنى لو
ان احدا يدخل ويقاطعهما..حتى لو ادى ذلك الى اساءة الظن بتصرفه هذا!
قال بخشونة :"هاك..."
واعطاها منديلا ابيض اخرجه من جبيه الداخلي وارتاح حين تحركت
مبتعدة عنه قليلا لتمسح دموعها.
قالت بصوت يائس:"انا فعلا آسفة.. لكني سمعت بعض ..بعض
الأخبار المزعجة..قبل قليل ..قبل ان احضرالى هنا..انا لا ابكي عادة
فوق كتف الغرباء ..اؤكد لك".
وابتسمت ابتسامة دامعة .
رد لوغان بشبه ابتسامة ، وحاول المزاح :"لابأس في هذا..فلا احد منا
كامل !".
وتساءل اي نوع من الأخبار تلقته هذه الشابة لكي تبدو بهذه الحالة..
وسمع نفسه يقول:"هل يمكن ان اساعدك بشيء؟".
ثم عبس مقطبا لهذا الاهتمام غير العادى بشؤون امرأة غريبة ،ايا كانت.
ينتمي لوغان الى عائلة اسكوتلندية كبيرة مؤلفة من جد طاعن في السن
، وأم وخالتين وعدد من النسيبات.وكان يسهل عليه عادة الابتعاد
عن المشاحنات التي تعصف بالعائة باستمرار.ولولا ذلك لأمضى معظم
وقته عالقا فى المشاكل ، بينما هو يفضل حياة اكثر هدوءا ولهذا السبب
يقضي معظم وقته في شقته فى لندن!
لماذا يبدي اذت هذاالاهتمام بمشاكل شخص غريب عنه تماماتمارااا خاصة
بهذه المراة التي بكت على صدره وتركت لطخان دم على قميصه!هذا ما كان يجهله.
ابتسمت دارسي بمرارة ، وهزت راسها:"اشك في هذا ..لكن شكرا
على السؤال".
احس بالتوتر لأنها لم تخبره ما كان يزعجها!ماذا دهاه بحق السماء؟
شجعها متملقا :"يقال إن المشاكل تهون عندما نشاطرها".
هزت راسها :"اشك في انك قد تهتم ".
وبدا عليها الإحراج فقال لهابصوت اجش:" حاولى ".
هزت دارسي كتفيها مجددآ
-الأمر فقط ..لا..استطيع حقا..دا...اقصد الشيف سيمون
لن يكون ممتنالو عرف اننى اناقش حياته الخاصة مع احد زبائنه.
الشيف سيمون دانيال سيمون..؟ هل كادت هذه الفتاه تنادي
الشيف المشهور باسمه الأول لأ ن بينهما علاقة حميمة تتخطى علاقةالعمل.
دانيال سيمون. وهذه الفتاة دارسي؟
ولم يستطع لوغان إخفاء دهشته..فهذه الفتاه تبدو في بداية العشرينات
من عمرها بينما ما يعرفه لوغان عن دانيال سيمون هو انه رجل في اوائل
الخمسين من عمره..الربيع والخريف.. صحيح ان هذا الأمر ليس غريبا
تماما لكن لوغان لم يتصور ذلك الرجل مع
تلك الفتاة. بل في الواقع لا يستطيع القول
انه فكر ولو مرة واحدة بحية دانيال سيمون الخاصة.
كما انه لايريد التفكير بها الآن!
هز راسه بحدة:"ربما انت على صواب سارسل لك الضمادة مع كارين."
وهم بالخروج .
-سيد ماكنزي..؟
استدار على مضض ، ررد بجفاء:"نعم..دارسي؟"
قالت بصوت اجش:"شكرا لك"
وابتسمت له للمرة الثانية وتسببت مرة ثانية بتلك الرعشة العنيفة داخل صدره!
فرأى لوغان انه كلما اسرع في الخروج من هنا، كلما كان ذلك افضل!
رد بخشونه حادة:"اهلا بك".
وانسحب عائدا الى مكتبه .
هل هرب؟ سأل نفسه ما ان جلس وراء مكتبه.من هي هذه المرأة..
دارسي؟ امر سخيف.لقد نال ما يكفيه من دموع امراة ليومه هذا..خاصة
وانها افسدت له تماما قميصه الحريري بدموعها والدم النازف من ا صبعها!
تاوهت دارسي فى نفسها..ماذا سيكون راي لوغان ماكنزى بها؟
لقد حاولت بشدة ابعاد افكارها القلقة هذا الصباح مركزة فقط على
نقديم الغداء للزبون وضيفه ، لكنها لم تتكن من السيطرة على افكارها
المشوشة. فما ان بدأت تنظف المائدة ، حتى اوقعت الكأسين ارضا الأمر
الذي بدا كانه القشة التي قسمت ظهر البعير، في يوم تشعر فيه وكان الأرض
قد تهاوت تحت قدميها .
لكن ، مع ذلك ، ما كان يجب ان تبكي وتبلل قميص لوغان ماكنزي
الأبيض .وهي تشك بامكانية ازالة الدم عنه!
كان منديله للبلل لا يزال معها،لن تستطيع ان تعيده له فى حالته
هذه ..كما انها لا تظن ان لوغان ماكنزي سيفتقد منديلا ابيض..لكنها
مسألة مبدآ بالنسبة اليها..انها..
واعلن صوت مشرق انثوي:"ها قد اتيت".
ودخلت كارين هيل سكرتيرة لوغان ماكنزي الخاصة الى الغرفة ،
حاملة مرهم مضادا للالتهاب وضمادة.. نظرت الى دارسي متسائلة:"لقد
قال لى لوغان انك اصبت بحادثة".
كانت دارسي على ثقة من ان لوغان يعتقد انها حادثة كبيرة!
وانكمشت خجلا وهي تذكر الطريقة التي انتحبت فيهاعلى قميص الرجل
المسكين ، وقالت:"انه جرح بسيط.. مجرد ضمادة ستفي بالغرض".
وتقبلت العوون بخفة فالجرح لم يعد ينزف ولو انه كان يؤلمها قليلا.
لكن لم يكن الجرح يؤلمها بقدر ما آلمها ان تتذكرانهيارها التام امام
لوغان ماكنري منذ بضع دقائق! كلما اسرعت في الخروج من هنا كلما كان
ذلك افضل لها.
اخذت الضماده شاكرة:"شكرا..اوه.. هل لديك فكرة عن قياس
قميص لوغان..اعني السيد ماكنزي؟".
ارتفع حاجبا كارين الشقراء في دهشة واضحة ، وكررت متسائلة:
"قياس قميص لوغان..؟".
يا لها من غلطة..صحيح انها تنوي استبدال قميص لوغان ماكنزي
الحريري اللذي افسدته الا انه عليها ان تجد طريقة اخرى لمعرفة القياس المناسب.
قالت للمرأة الأخرى بمرح :"لا يهم.. سانهي التنظيف هنا واغادرد .
ردت المرأة الأخرى وقد بدا واضحا انها ما زالت حائرة لسؤال دارسي:"عظيم".
ما ان اصبحت دارسي وحدها حتى وضبت ادوات الطعام بسرعة في
السلال ولفت الكاسين بورق صحف لتأخذهما معها.
وكان من حظها ان وجدت لوغان ماكنزى ينتظر قرب المصعد حين
تقدمت بجهد عبر الممر حاملة سلتين ثقيلتين!
استدار لينظر اليها، وشهق شهقة خفيفة حين عرفها وقطب جبينه .
هز راسه محييا بحدة:"دارسي".
ونظر بنفاذ صبر الى الأنوار التي تشير إلى تحرك المصعد البطيء .
فادركت دارسى انه لا يطيق البقاء بقربها ويود الابتعاد عنها..وعرفت
انه قد يطلب من دانيال الايرسلها بعد اليوم لخدمة اي غداء عمل
يقيمه.حسنا..لا داعي لأن يقلق من هذه الناحية..فقد حضرت اليوم
فقط لان الشركة بحاجة إلى اليد العاملة.
اسس داينال مطعم ~1الشيف سيمون منذ خمس سنوات فى لندن،
واصبح هذا المطعم ناجحا بحيث راح زبائنه يسألونه عما اذا كان بأمكانه تقديم حفلات الغداء والعشاء
التي يقيمونها في منازلهم.
لسوء الحظ ، اصيب عدد من الخدم بالأنفلونزا
ولهذا تم تجنيد دارسي للمساعدة اليوم...
لكنها تمنت لو لم تقم بهذه الخدمة مطلقا.
-هاك..دعيني.
ومد لوغان يده بنفاد صبر وأراحها من إحدى السلتين الثقيلتين.
رمشت ، دارسي بعينيها دهشة وهي ضائعة
في افكارها،وتمتمت
بذهول:"شكرا لك ".
ثم اضافت بارتباك:"لكن لا داعي حقآ".
وتحركت لتستعيد السلة من يده.
مإلا ان لوغان لم يسمح لها بذلك ، واحكم اصابعه الطويلة حول مقبض السلة وقال
بحدة:"اتركيها".
وصل المصعد فتراجع كي تدخله هي اولا.
نظرت دارسى اليه من تحت رموش منخفضة وهو يضفط زر المصعد على
الطابق الأرضي،انه في الخامسة والثلاثين من العمر تقريبا،وسيم بشكل لايصدق..
وصارم بطريقة متعجرفة..
شعره اسود ناعم،وعيناه زرقاوان بلون البحر الصافي، انفه طويل الى حد ما،
وفمه منحوت ساحر،ملامحه رجوليه وخشنه
تنايب زارعا اكثر من رجل اعمال يرتدي قمصانا حريرية.
اللعنة ..تذكرت ماحصل منذ قليل ولاحظت لطخات الدم الظاهرة
على القماش الجاف فتأوهت فب سرها.
احست دارسي بالراحة حبين وصل المصعد اخيرآ إلى الطابق الأرضي.
فقد كان الصمت بينهما ثقيلآ مزعجآ .
ومدت يدها لتاخذ السلة منه من دون ان تتحرك لتلحق به الى خارج المصعد.
وقف لوغان ماكنزي عند الباب وقطب مرة اخرى .
-الى اين انت ذاهبة؟
-الى الطابق السفلي. لدي شاحنه ضغيرة هناك .
-في هذه الحالة...
وعاد إلى المصعد واقفل الباب خلفه وضغط زر النزول الى لطابق تمارا السفلي.
قالت مرة اخرى :"لا داعي لهذا حقا".
واحست بالارتباك التام لأن صاحب هذه الشركة المالية يساعدما بهذه
الطريقة .
رد بتجهم :"بل هناك داع..فتاة صغيرة الجسم مثلك لا ينبغي ان
تحمل هاتين السلتين الثقيلتين.صححي لى اذا كنت مخطئا لكن انت وحدك
اهتممت بالتحضير للغداء اليوم اليس كذلك ؟".
كان سؤاله حازما ، وقد تجاهل انها كانت على وشك الاحتجاج لنعته
لها بذات الجسم الصغير، وضاقت عيناه الزرقاوان .
-اجل..
ونقلت السلة الثقيلة الى يدها الأخرى.
-نحن اليوم بحاجة الى عمال ، كما ترى،و..
قاطعها لوغان وهو يخرج إلى الطابق السفلي المعتم الذي يستعمل
كموقف للسيارات فى شركةماكنزي
للصناعات .
-وان يكن! يجب الآ يتوقعوا منك التعامل مع هذه الأمور.هذا ما
سأذكره لدانيال فى اقرب فرصة .
قالت بعناد ولوغان ماكنزي لا يزال متجهما:"اوه..لا تفعل هذا!".
لقد تدبرت الأمر بشكل رائع.هل كان لديك شكوى من الطعام ؟.
رد ببطء :"لا..".
اكدت باشراق :"لا مشكلة اذن ..اليس كذلك ؟".
نظرا ليها مفكرا:"اتعرفين يا دارسي.. قد تجدين دانيال اقل من..
مستبد قليلا، لولا انك متلهفة لارضائه".
رفعت دارسي نظرها اليه لكن الاضاءة الحافتة فى موقف السيارات
جعلت من المستحيل عليها ان تقرا تعبيروجهه بوضوح..وهذا امر
مؤسف ..لأنه لم يكن لديها فكرة عما يعني بقوله هذا!
ردت:"لم يكن هذا سوى غداء عمل".
واستعدت للذهاب بعد ان وضعت الأغراض فى الفان و أمسكت
المفاتيح بيدها .
-انا لم اكن المح بشكل خاص الى الغداء .
اذن عم يتكلم ؟ فى الواقع ، كان بإمكانها التعامل مع الجزء الأخير من
هذه الهمة بشكل افضل..لو لم تنفجر بالبكاء.
عبس لوغان ماكنزى قليلاوبدت الحيرة على وجهه وقال:"انا اقدم لك
نصيحة يا دارسي..والأمر عائد لكا ذا كنت ستقبلين بها ام لا".
تمتمت:"انا..شاكرة لك ".
ولم يكن لديها فكرة عن النصيحة التي اسداها لها!
لم تكن المسالة مسالةارضاء دانيال ،فهي متكدرة ، بل اكثر من
منكدرة ..ولو انها رفضت المساعدة فى العمل لكان رفضها ضربا من
الفظاظة ، فى وقت كان هناك نقص في الخدم.فالعمل عمل ، على اي
حال..اعترفت بهذا بمرارة .
هز لوغان ماكنزي راسه بحدة قبل ان يستدير بسرعة باتجاه المصعد،
ويدخله باساريرمتجهمة ويقفل الباب وراءه.
يا له من رجل غريب.هذا ما فكرت به دارسي وهي تصعد الى الفان
وتقوده الى خارج الموقف . لطيف فى دقيقة ، ونافذ الصبر فى اخرى، ثم
حكيم يسدي النصح في وقت آخر .
ما بالها تفكر فيه الآن في حين ان اكبر المشاكل بالنسبة اليها هو دانيال
سيمون..الشيف سيمون.
فالواقع انه هذا الصباح قد اعلمها بكل هدوء انه ينوي الزواج من
امرأة كان قد التقى بها منذ ثلاثة اسابيع فقط!!
****************************

2-لا تبتسمي.

قالت سكرتيرة ة لوغان له:"هذالك".
ووضعت على مكتبه رزمة كبيرة بنية اللون طبع عليها بوضوح اسمه
وعنوان مكتبه.
رفع لوغان راسه مقطبا..كانت افكاره لا تزال منصبة على العقد الذى
يدرسه ، فالامور القانونيه باتت اكثر تعقيدا مع مرور الرقت.ومع ان فريقه
القانوني يتعامل معها بشكل جيد، لكنه كان يرغب فى معرفةراي ابن خالته
فيرغوس ايضا قبل ان يوقع على اي شيء .
لكن مدبرة منزله ابلغت لوغان انه سافر إلى اسكوتلندة الى
منزل جدهما..وما من شك ان هيوغ ماكدونالد لديه سبب وجيه لطلب
خدمات محامي العائلة ، لكن في هذه اللحظات باللذات لم يكن صبر لوغان
يسمح له بالاهتمام بهذه الاسباب .
وضع القلم الذهبي جانبا ومرر يده فوق جبينه المتعب..فامسية
البارحة التي امضاها مع تلك الشقراء لم تكن ناجحة كما امل ان تكون .
فبعد نصف ساعة امضاها مع اندريا الجميلة ، اكتشف انها تقهقه
كالمراهقات ، وتتكلم دون توقف عن عملها كعارضة ازياء ولا تأكل كثيرا
حفاظا على جسمها..!
وكانت الأمسية قد طالت كثيرا بالنسبة للوغان ، حتى انه تنهد بارتياح
حين تمكن اخيرا من ايصال اندريا الى شقتها دون ان يطلب رؤيتها مجددا!
سال كارين:"ما هذا؟".
ونظر دون اهتمام الى اللفافة .
قالت سكرتيرته الكفؤة :"ليس لدي فكرة . لم افتحها. لقد كتب
عليها شخصي وخاص ".
ورفعت حاجبيها الأشقرين متسائلة .
التوى فم لوغان بتعبير ساخر وهو يتطلع الى اللفافة المغطاة بالورق ،
وقال متشدقا:"هل تفحصتها؟ قد تكون قنبلة او اسوأمن هذا".
ورنت في اذنيه تهديدات غلوريا بعد فراقهما منذ اسبوعين .
ضحكت كارين و لم تبد تعاطفآ مع مشاعر لوغان القلقة..ومع ان هذا
لم يكن مفاجئا له الا انه تقبله على مضض . فكارين تعمل عنده منذ ما
يقارب عشر سنوات وقد مر عليها عدة نساءشبيهات بغلوريا دخلن حياته
وخرجن منها...وهي تعرف ان ايا منهن لم تنجح في التأثير عليه .
اكدت له ممازحة:"لقد وصلت عن طريق شركة شهيرة".
ظهرت على وجهه تكشيرة:"هذه ليست ضمانة".
ضحكت كارين مجددا بنعومة:"هيا لوغان ، خاطر لمرة فى حياتك..
افتحها".
نظر الى اللفافة مرة اخرى واذ لم يجد عليها عنوان المرسل فسأل:"هل قال المرسال
ممن هي؟".
لم تكن اللفافة ثقيلة ، وكأن العلبة التي بداخلها فارغة .
ردت كارين:"لا..لكن اذا كنت تعتقد حقاانها قنبلة فهل تريدني
ان انادي جيرارد لياخذها إلى الطابق السفلي و...؟".
قاطعها بخشونة:"لا. لا اعتقد هذا...".
-حسن جدآ ..الن تفتحها".
-سأفتحها..في الحال .
وراح ينتزع الورقة السمراءعن العلبة، ثم فتحها قائلا:"ماهذا..؟".
وحدق باستغراب في المنديل والقميص الحريري الأبيضين الموضوعين في
العلبة تمارا.
نظرت كارين من فوق كتفه الى محتويات العلبة واطلقت صفيرا خافتا
من بين اسنانها:"لهذا اذن ارادت معرفة مقاس قميصك..".
رفع لوغان نظره إليها بحدة:"من اراد ان يعرف!".
ولماذا يسال وقد عرف المرسل.قد يكون القميص الحريرى الأبيض
هدية غاليةالثمن من اي امراة..لكن المنديل المغسول والمكوي. لا يمكن
ان ياتي سوى من امراة وحدة ..دارسي!
قبل ان يطوي الورق ويضع الغطاء فوق العلبة ، القى نظرة سريعة
اظهرت له ان ما من رسالة مرفقة في داخلها.لكن ، لم يكن من حاجة
للرسالة ، فهو يدرك تماما من ارسل هذه الأشياء.لطف من دارسي ان
تغسل المنديل وتكويه وتعيده اليه ، اما بالنسبة للقميص فإنه لا ينوي قبوله ،
فالفتاة مجرد خادمة في مطمم وهو يعرف تماما كم يكلف قميص حريري .
كانت اساريره متجهمة وهو ينظر إلى ساعته مسائلا عما ا ذا كان
المطعم يفتح ابوابه في مثل هذا الوقت . نظر الى كارين ، وقال بحدة:"هل
يمكن ان تطلبي لى مطعم الشيف سيمون"ارجوك؟".
هزت كارين راسها:"بالطبع ".
وتحركت نحو الباب .ثم توقفت وهي تفتحه:"كن لطيفا معها..
همم؟ كانت تبدو حلوة جدا و..".
رد بنفاد صبر:"اطلبي لى الرقم فقظ يا كارين".
اخر مايريده هو ان تظن سكرتيرته ان دارسي مفتونة به ، وان تتصرف
على هذا الأساس.
كان يعرف تماما سبب ارسال هذا القميص له ، ولا دخل للامر
بالافتتان بل على الأرجح ان تلك المراة السخيفة مفتوته بدانيال سيمون ،
ولاتريد المخاطرة بفقدان عملها معه .
اختطف السماعة بعد ان طلبت له كارين الرقم.
- مساء الخير..الشيف سيمون .. كيف استطيع ان اخدمك ؟ .
امسك لوغان السماعة بشدة .فقد كان غاضبآ لتصرف دارسي، لكن لا
جدوى من فقدان اعصابه مع شخص آخر لهذا السبب!
-اريد التحدث الى دارسي ارجوك .
وادرك فى تلك اللحظة انه لم يسالها عن اسم عائلتها.
-دارسي لست متاكدامن وجود زبونة بمثل هذا الاسم سيدى..
لكنني ساتاكد لو انك...
قاطعه قائلا :"انها ليست زبونة.. انها تعمل لديكم ".
وحاول الحفاظ على هدوئه الذى يكاد يخونه.
رجاء الرد المحتار:"لست واثقا.. لحظة من فضلك سيدي .
واستطاع لوغان سماع دمدمة اصوات من بعيد.
راح ينقر اصابعه على منضدته بنفاد صبر وهو ينتظر..ووقع نظره على
العلبة التي تحوي القميص فعاودته مشاعر الانزعاج من جديد .
عاد الصوت المرح على الطرف الآخر من الهاتف:"آسف لهذاسيدي ،
لكن يبدو ان دارسي ستكون في المطعم هذا المساء.
فقال بخشونة:"فى اى وقت ؟".
-كلنا نصل عادة في السابعة..
-احجز لي طاولة للساعة الثامنة باسم ماكنزي..ولشخص و احد .
-بكل تأكيدسيدي ..هل اقول لدارسي ..
قاطعه بخشونة :"لا اريد مفاجائتها".
ولم تكن المفاجاة هي كل ما يريده لدارسي .
-بكل تاكيدسيدي ، ستكون الطاولة جاهزة.
واقفل الخط .
تراجع لوغان الى الوراء في كرسيه ، وظهر تعبير متجهم على وجهه وهو
يفكر ان دارسي لن تكون مسرورة بلقائه فى المطعم هذا المساء..خاصة وان
دافعه الأكبرهو ان يدق عنقها النحيل.فقد تكون هذه الأمسية اكثراثارة
للاهتمام من الأمس !
ذلك المساء ، كان في شقته يستحم ويرتدي ملابسه.
واذ هم بالخروج ، سمع رنين الهاتف . لكنه لم يرفع السماعة ، لانها
السابعة والنصف ، واذا كان سيصل الى الطعم في الثامنة ، يجب ان يغادر
يعد بضع دقائق .لكن جرس الهاتف لم يكف عن الرنين .
اخذ لوغان السماعة ، وقال بنفاد صبر : "نعم"..
رد فيرغوس :"امسية سعيدة يا ابن الخالة".

سأله لوغان:"اين انت ؟ لدي بضعة عقود اريدك ان تراها.لم تكن موجودا حين..".
_لوغان..انت تعرف تماما اني لم اعد محاميا مواظبا..انا اعمل فقط في هذا
المجال كخدمة للعائلة .
اكمل فيرغوس بنعومة :"احتاجني جدي في اسكتلندا لمناقشة بضعة
امور.. لكنني عدت إلى لندن الان لذا..".
سأله لوغان بحذر:"أي نوع من الامور؟"
كان من عادة جده تغير وصيته كل شهر تقريبا ، بحسب من يفضله من
ورثته في ذلك الوقت.لكن هذا لم يكن يزعج لوغان على الصعيد الشخصي،
ققد كان ثريآ بما يكفي لكي لا يهتم بملايين ماكدونالد لكن ، امه ، سوف
تغضب اذا ما تم استبعادها عن الوصية .
رد فيرغوس بهدوء :"هذا ما اردت ان اكلمك عنه".
-انا خارج الآن يا فرغوس هل يمكن الانتظار حتى الغد؟
رد فيرغوس ببطء:"هذا ممكن".
وسمع لوغان ذلك التردد فى صوت الرجل:"لكن..؟".
انها تلك الوصية مجددا!
-لكن..الافضل ان اتكلم معك الليلة .
-حسن جدا.
وتنهد لوغان بقلق..لا شك ان الأمر يتعلق بوصية جده.
-لدي حجز في مطعم الشيف سيمون للساعة الثامنة..لاقني هناك.
رد فيرغوس بحدة :"الشيف سيمون لكن..".
سال لوغان:"هل لديك مشكلة ؟".
ولم يكن متأكدآ ماذا كان ابن خالته متورطا مع احد في هذه الاونة .
كان ابناء الخالة الثلاثه فيرغوس وبرايس ولوغان ، معروفين في العائلة
باسم الارهابين الثلاثة خلال سنوات المراهقة في اسكتلندا.اما الآن ،
وقد بلغوا اواسط الثلاثين ، وبقوا من دون زواج ،فقد اصبحوا معروفين فى
الاوساط الاجتماعية بالمرارغين الثلاثة .
لم يكن احدآ منهم قد تزوج بعد ، ا لا ان ذلك لا ينفي وجود علاقات مع
الجنس الأخر في حياة فيرغوس.
رد فيرغوس مفكرآ :"لا..لا مشكلة.. في الواقع ،قد تكون فكرة
جيدة ، بل فكرة جيدة جدا..يجب ان اغير ملابسي اولا واوافيك في اسرع
ما يمكن "
اعاد لوغان السماعة ببطء وهو مقطب بشدة. سيكون من الجيد رؤية فيرغوس
،فقلما يتسنى له الفرصة لذلك.وبالرغم من ان الأمر جاء فى وقت
مناسب ، لكن لا باس.اذا ما حالفه الحظ ستتاح له بضع دقائق لوحده قبل
وصول فيرغوس، ليسوي الأمر مع دارسي بشأن القيص الحريرى .
تجهمت اساريره وراح يضغط على فمه بثشدة وهو يفكر باللقاء القادم..لقد حان الوقت لمفاجاة دارسي!
دخلت كاتى الى المطبخ تحمل اطباقا متسخة وقالت لدارسي بانفاس
مقطوعة:"هناك رجل على الطاولة رقم 11 يريد التحدث اليك دارسي".
رفعت دارسي نظرها:"انا هل انت واثقة انه يعنيني انا؟".
هزت كاتي كتفيها:"لقد قال دارسي".
والتقطت طبقين من القريدس ، واسرعت عائدة الى قاعة المطعم الرئيسية.
احست دارسي وكان يدا قبضت على معدتها .زبون طلب التحدثمعها..لم يعجبها هذا، مطلقا!
نصعحها دانيال سيمونن:"الأفضل ان تذهبي لترى ماذا يريد".
نظرت دارسي اليه بقسوة ، وهي تملس تنورتها وتسوي بلوزتها بترتيب
على خصرها النحيل ، وردت بسخرية :
-ابقي الزبون راضيا باي ثمن..اليس كذلك؟.
هز كتفيه:"حسن جدا..ما دام اهتمامك بالزبون يرضيه ويحقق بعض
الربح ..فلا باس بذلك ، اجل!".
ازداد وجه دارسي عبوسا، وردت :"مضحك جدا..! هل يمكنك تدبر
امورك لدقيقة من دوني؟".
ابستم لها، وتجعدت عيناه الزرقاوان مرحا: "اعتقد اني استطيع ذلك".
استدارت على عقبيها نحو الباب الذي يقود إلى داخل المطعم فنصحها دانيال
بخشونة:"ابتسمي..فالزبون يفضل الابتسام".
اوشكت ان ترد على ملاحظته بشكل لاذع لكنها لم تفعل..وبدلا من
ذلك التفتت ليه بنظرة مؤنبة اخرى قبل ان تخرج من الباب الذي يقود
مباشرة الى المطعم .
ترنحت خطواتها عند رؤيتها للرجل الجالس على الطاولة رقم ا ا..
انه لوغان ماكنزي!
رؤيته جعلتها تفقد انفاسها لبرهة، فهو يبدو جذابافي البذلة السوداء
التي كان يرتديها.
قد يكون لوغان احد اكثر اللرجال وسامة بين الذبن وقعت عليهم
عيناها ، وهذاعلى الأرجح ليس رايها فقط ..اضافه الى ذلك فهي تشك في
ان يكون قد جاء الى مهنا لمجرد ان يراها. وما اكد ظنونها هو ان الطاولة التي
يجلس عليها محضرة لشخصين.
كان يتطلع الى خارج النافذة فيما هي تتقدم نحوه فمن الواضح انه
بنتظر ضيفا لينضم اليه على العشاء.جيد..هذا يعني ان حديثها معه سيكون
مختصرا.
حيته بخشونه وهي تقف قرب الطاوله:" سيدماكنزي".
استدار بسرعة عند سماع صوتها،وضاقت عيناه الزرقاوان وهو يرفعهما اليها ،ووقف:"دارسي..انضمي الي
لبضع دقائق".
واشار الى الكرسي المقابل :"الا اذا كنت تفضلين ان اعيد اليك هديتك على
مرأى الجميع؟"
جلست بسرعة ودون لباقة .ليس لأنه
هددها بان يحرجها..بل بسبب قوله
الذي اذهلها.
-ستعيدها؟
كرر بخشونه:"سأعيدها.وماذا كنت
تظنين..؟"
وصمت ثم قطب منتقدا:"لايعجبني شعرك
عندما تربطينه الى الخلف هكذا..فهو
يتسبب في شحوب البريق النحاسي لوجهك ويحوله الى لون بني يشبه لون الوحل".
ظهر على وجهها شبح ابتسامه:"ذلك اللون
النحاسي البراق كان لعنة حياتي،
في المدرسة كانو ينادونني الجزرة".
قال موافقا:"يمكن للأولاد ان يكونوا اكثر المخلوقات قسوة..وانا
واثق ان الناس، اعني الرجال
على الأقل كانوا يزدادون اعجابا بلون
وجهك النحاسي مع بلوغك سن الرشد".
لكنها لم تلاحظ هذا!
قالت:"ربما سيد ماكنزي".
صحح لها بحزم:"لوغان..لايمكنك
ان تتحدثي بتكلف الى رجل تربطك
به علاقة سمحت لك بأن تقدمي له قميصا حريريا وبالمقاس الصحيح".
بللت دارسي شفتيها وردت بخشونه:"لقد
حصلت على بعض المساعدة في هذا الأمر".
كانت قد نظرت الى والدها وقدرت انه
ولوغان يملكان البنية الجسدية ذاتها..
لكن تبين لها ان ايجاد المحل المناسب هو
الأكثر صعوبة.
كانت نظرة لوغان باردة تمارااا حين قال بخشونه"لن اسألك من اين او ممن!".
نظرت اليه باستغراب وقالت ببطء:"اذا كان القميص بالمقاس المناسب..
فأنا لاافهم لماذا تريد ان ترده..؟".
تجهمت اساريره وقال من بين
اسنانه:"لاتفهمين!دارسي..لايمكنك توزيع الهدايا للغرباء هكذا".
ضحكت لقوله هذا وكانت هذه المرة الأولى
التي تجد فيها شيئا تبتسم له منذ بعض الوقت.
نظر لوغان اليها بارتياب:"مالذي يضحكك هكذا؟".
قالت تذكره وعيناها تلمعان بلون رمادي
:"لقدقلت لي للتو انك لست غريبا!"
هز رأسه وصاح:"اتمنى الا تفعلي هذا".
سألت بحيرة:"افعل ماذا؟".
نظر اليها مقطبا:"ان تبتسمي".
ياللأمر المحير.لقد طلب منها دانيال ان
تبتسم،لكن يبدو ان هذا الزبون لايفضله
بالتاكيد.
لم تفهم لماذا يفضل لوغان الا تبتسم.
وقالت:"الشيف سيمون يفضل ان نكون مهذبين مع الزبائن".
تفرس لوغان بها:"وهل تأخذين بالحسبان
دائما مايفضله الشيف سيمون؟"
في الحقيقة كانت غاضبة منه ولاتهتم بما يحبه اولا!
لكن لوغان ماكنزي كان لطيفا معها يوم امس..بل اكثر من لطيف.
وهي مدينه له للطريقة التي ساعدها بها.
قال لوغان بأصرار:"هل تظنين مثلا انه
يجب ان تصرفي راتب اسبوع لشراء قميص
لرجل التقيته لتوك؟".
رمشت بعينيها..فهي لم تفكر بمسألة شراء
القميص من هذا المنظار...
لكن الآن وقد فكرت بذلك،لم يتغير في الامر شيء.
فهي قد افسدت قميصه وعليها ان تشتري آخر.
حتى لوكلفها ذلك كثيرا!
تنهد لوغان بثقل :"مااحاول قوله،هو
انني لاانوي اخبار دانيال عما حدث بيننا يوم
امس".
شهقت دارسي غير مصدقة واتسعت عيناها :"لم يحدث بيننا شيء يوم امس".
ذلك العناق كان بريئا وهي تتحداه ان يثبت العكس تمارا.
-اقصد انك ماكنت تتصرفين باحتراف..
احتجت:"بكل تأكيد لم يكن..!"
رد لوغان:"دارسي هلا تخلصت من بلادة الذهن هذه؟انا احاول ان اطمئنك اني لاانوي
اخبار رب عملك انك كنت متكدرة وانك
رحت تبكين.
وفي هذه الحالة لاداعي لشراء القميص لي،
هل فهمتني الآن؟".
ردت:"آه..انت تظن اني اشتريته لئلا تخبر رب عملي انني بكيت على صدر
زبون مميز يوم امس..اليس كذلك؟".
بدا الأرتياح على لوغان لأنه اوصل فكرته
:"بالضبط".
ياللمتعجرف..اللعين..
وصل احدهم وقال بصوت متعب وهو يتقدم الى الطاولة:"آسف لوغان..واجهت
صعوبة في ايجاد سيارة اجرة".
رفعت دارسي نظرها ما ان وجدت القادم يتكلم.
كانت تعتقد انه ينتظر امرأة،لكنها
مخطئة على مايبدو.كان الرجل يشبه لوغان
الى حد كبير وكأنهما توأمان.
الا ان الاخر كان بني العينين وشعره الأسود
اطول بقليل من شعر لوغان.
ضاقت العينان البنيتان حين ادرك القادم
ان لوغان لم يكن وحده.وتحركت تلك النظرة المتسائلة نحو دارسي..الا انه سرعان
مااستنتج انها ليست من الصنف الذي
يفضله لوغان عادة!
فقال بسخرية:"كان علي ان افهم انك لست
وحدك هنا يالوغان".
وقفت دارسي بسرعة:"اوه..لكنه لوحده..على الأقل كان لوحده الى ان وصلت انت..والآن اسمحا لي..سأعود الى المطبخ".
وكادت تضيف:"الى حيث انتمي"لكنها لم تفعل.
وقف لوغان وتحركت يده بسرعة تمسك
ذراعها:"دارسي..!لم ننه حديثنا بعد".
نظرت اليه قائلة بصوت تشوبه المرارة:"اوه..اعتقد اننا انتهينا..انت تلفت
الأنظار".
والتفتت الى حيث كان الناس ينظرون اليهما
بفضول.
قال بحدة:"لااهتم ابدا بماافعله..انني لم
انه حديثي معك..".
ولم يعر بقية الناس اهتماما.
قال الرجل بحذر:"هل تريدني ان اغادر؟
يمكن ان نتحدث في وقت اخر".
صاح لوغان:"اسكت يافيرغوس..انا ودارسي.."
رد الرجل بحدة:"دارسي؟هل قلت دارسي؟"
قال لوغان وهو يصر على اسنانه:"اطلب منك البقاء بعيدا عن هذا فيرغوس..
فهل لك ان تجلس فقط وسأعود بعد لحظة؟"
وتحرك دون ان يتأكد مااذا كان الرجل اطاعه ام لا،فجذب دارسي الى احد جوانب المطعم،
ووقف معها وراء نبته خضراء طويلة.
تطلعت الى الستار قبل ان ترفع نظرها
الى لوغان وقالت:"لم لا تأخذ القميص؟
ثم ننسى كلانا هذه المسألة".
اخذ لوغان نفسا حادا:"ربما لأنني لا اريد
ان انســــ..".
فجأة ظهر الشيف سيمون الى جانبهما:"
هل كل شيء على مايرام يادارسي؟"
قال هذا وجال بنظره بينهما.
-يبدوان كاتي تظن ان هناك مشكله.
واستقرت عيناه بلطف على لوغان.
عظيم ..عظيم جدا..بعد يومين من
الشعور بالغضب من هذا الرجل جاء لوغان
ووضعها في موقف محرج معه!
وهذا آخر ماكانت تريده في الوقت الحاضر!
ردت بحدة:"مامن مشكلة..فالسيد ماكنزي على وشك الجلوس والاستمتاع بوجبته..اليس كذلك؟".
ونظرت الى لوغان محدقة.
رد الشيف فجأة موجها نظره حادة الى الرجل:"ماكنزي؟لوغان ماكنزي؟".
تحداه لوغان:"وان كنت هو؟".
سئمت دارسي من كل هذا.فقد كان الموقف سخيفا بما يكفي حتى الآن.
وهاهو يصبح مضحكا فالرجلان ينظران الى
بعضهما كأنهما ملاكمان في ملاكمة،يفكران بمن سيسدد الضربة الاولى.
تنهدت بثقل:"لوغان..هل لك ان تعود
الى طاولتك وتطلب وجبة؟يمكن ان نتكلم عن
ذلك الموضوع وقت اخر..هذا اذا كنت
تعتقد حقا ان هذا ضروري".
تقدم فيرغوس لينضم اليهم:"تعال والق نظرة على الطعام يالوغان
فأنا اتضور جوعا".
بدا لوغان على استعداد للنقاش لكن نظرة الى قسمات وجه دارسي المتجهمة كانت كافيه
لتجعله يلين قليلا،ولو انه ظل ينظر الى
الشيف سيمون بعدوانيه،حتى وهو يرد على فيرغوس:
-ربما انت على صواب..على اي حال،هذا مطعم.
وبدت عليه السخرية.
رد الشيف سيمون بالجفاء نفسه:"ومن
افضل المطاعم..لوعذرتمانا ايها السيدان
انا ودارسي لدينا طعام نحضره".
وامسك دارسي وجرها نحو المطبخ ولم
ينتظر اقفال الباب وراءه قبل ان يمسك
ذراعها الآخرى بالقوة ذاتها ويديرها لتواجهه
بطريقة تجعلها تقف دون حراك امامه.
-والآن هل قلت لي ماذا تظنين نفسك فاعلة؟
تقفين في زاوية حميمية مع رجل مثل لوغان ماكنزي؟
رفعت راسها تتفرس به...ولم تكن تدري
كيف يمكنها ان ترد على مثل هذا السؤال.

************************

3-مؤاساة ولكن!!
نصح فيرغوس ابن خالته وهو يدس قائمة الطعام في يده:
-هاك الق نظرة عليها..واجلس بالله عليك.
وجلس بدوره متابعا:"وستقول لي بالضبط مايجري!"
عاد لوغان الى مقعده،وهو يعي ان عدة نادلات مازلن ينظرن اليه بفضول..لكن هذا لايهمه فهو مهتم الآن بمعرفة اي نوع من الأحاديث يجري في المطبخ بين دارسي وحبيبها المسن!
انه واثق ان هذا ماهما عليه هذان الأثنان،فهناك نوع من الحميمية بينهما ورغبة تنضح من دانيال سيمون.
كان لوغان يعتقد ان افتتان دارسي بسايمون من طرف واحد،لكنه
يدرك الآن انه ليس كذلك،وهذا مالم يعجبه!
لقد التقى دارسي بالأمس لكنه احس بنوع من حب الحماية نحوها.
-ظننت انك تسيطر على الموقف حين قلت انك قادم الى المطعم هذا المساء..
انتبه لوغان الى ان فيرغوس يكلمه فسال:"ماذا قلت؟".
فقد كانت افكاره في مكان اخر،في المطبخ تحديدا.
تنهد فيرغوس بنفاذ صبر ووضع لائحة الطعام من يديه وقال ناصحا:
-دعنا نشرب شيئا..اشعر انني بحاجة الى شيء اشربه!
واستدار الى النادل وطلب عصير فاكهة.
لملم لوغان افكاره المشتته وادرك انه لم يكون فكرة عما كان فيرغوس يقوله منذ بضع دقائق..
لم يتناه الى مسامع لوغان اي صياح من جهة المطبخ..ولم تخرج دارسي
غاضبة لذا ،فبأمكانه افتراض ان الحبيبين يتعانقان الآن ويتصالحان..
ولو ان هذه الفكرة تثير الأشمئزاز بالنسبة له!
سأل فيرغوس بنعومة:"ماذا كنت تقول..؟".
سكب لهما النادل العصير،ثم طلبا الطعام.
تفرست به عينا فيرغوس البنيتين من فوق حافة كأس العصير،
وسأل اخيرا:"ماذا تفعل هنا بالضبط يالوغان؟".
-في هذه اللحظة اشرب العصير تمارا.
ورفع كاسه:"وبعد قليل كما آمل،سأتناول الطعام..اليس هذا ما
يفعله المرء حين يأتي المطعم؟".
ابتسم فيرغوس دون مرح:"مضحك جدا..هل لي ان اسألك ماهو نوع
اهتمامك بدارسي؟".
هز لوغان راسه:"يمكنك ان تسأل".
تابع فيرغوس سؤاله:"اذن؟".
اخذ لوغان وقته قبل ان يرد،وارتشف العصير بهدوء،فالتقت نظراته
بنظرات ابن خالته..
اخيرا رد مراوغا:"مالذي يجعلك تعتقد اني اهتم لأمرها؟".
التوى فم فيرغوس:"كانت جالسة معك حين وصلت،وكنتما مستغرقين في حديث عميق على مايبدو".
قال باختصار:"انها تعمل لشركة الشف سيمون.وقد التقينا بالأمس
حين قدمت لنا غداء عمل في مكتبي".
تابع فيرغوس ضغطه:"وهل هذا كل شيء؟".
رد لوغان بنفاد صبر:"اجل..هذا كل شيء!لكن،حتى ولو لم يكن
الأمر كذلك..فمنذ متى وانت تهتم لأموري الخاصة يافيرغوس؟".
وبدا ان فيرغوس على وشك ان يرد ردا لاذعا،لكنه غير رأيه ولم يفعل،
واخذ نفسا مهدئا:"متى كانت المرة الأخيرة التي رأيت فيها الخالة ميغ؟والدتك".
التوى فم لوغان:"اعرف من هي ميغ يافيرغوس".
-اذا؟
تنهد لوغان:"فيرغوس..انالست شخصا يقف على منصة الشهود
ليعاني من طريقتك الفذة في الأستجواب!".
-لم اعد اعمل في هذا المجال وانت تعرف ذلك.
-لكنك مازلت تبدو كذلك.
رد بهدوء:"اؤكد لك..ان لدي اسبابا لسؤالي..هل رأيت الخالة
ميغ خلال الأسابيع الثلاثة الماضيه؟".
اجاب لوغان بنفاد صبر:"امي في اواسط الخمسين..وانا في اواسط الثلاثين ولااحد منا يشعر بالحاجة الى ان يقدم تقريرا للآخر بشكل منتظم!".
-لوغان..انا لاانقد تصرفك مع امك..
ضاقت عينا لوغان:"هذا ماارجوه،لانك لو انتقدتني،لسألتك متى رأيت امك لآخر مرة".
كاد فيرغوس يجيب لو لم تأت النادلة بطلباتهما.
تذوق لوغان طبق الباتيه ثم سأل ابن خالته:"هلا دخلت في صلب الموضوع يافيرغوس".
-الموضوع هو انك لم تكلم امك مؤخرا.
هز لوغان كتفيه:"لم اكلمها منذ عدة اسابيع".
كشر ابن خالته:"اذن وجودك هنا الليلة محض صدفة؟".
-لقد سبق وقلت هذا..الم..؟ماذا تعني بصدفة؟مادخل امي بالشيف سيمون؟
واحس بان الرد على هذا السؤال تحديدا لن يعجبه!
اخذ فيرغوس نفسا عميقا:"كما تعرف ذهبت لرؤية جدي.."
ونظر نحو الباب معلقا:"اوه..لا!هذا ماكان ينقصنا!"
واستدار لوغان بعد ان ادرك ان شيئا ما يجري عند مدخل المطعم..
وساد صمت قصير بين الحضور،ثم حلت مكانه دمدمة اصوات متلهفة حين
تعرف الجميع تمارااا على المرأة التي دخلت لتوها.
الممثلة مارغريت فرايزر.
عرف لوغان المرأة على الفور وفي اللحظة ذاتها،رأى دارسي تخرج غاضبة من المطبخ..
ربما كان مخطئا في ظنه بان الحبيبان يتعانقان في المطبخ ويتصالحان..؟
كانت عيناها تلمعان بدموع لم تنهمر،ووجهها احمرا ناريا..لم يكن لوغان واثقا ان هذا سببه الغضب ام الدموع التي لم تذرف.
لم تنظر دارسي يمينا او يسارا وهي تسير بعناد باتجاه الباب،ولو انها
توقفت لحظة بعد ان عرفت المرأة الواقفة هناك والتي بدت جميلة بشكل
لا يضاهى.
صاحت دارسي بقرف واضح:"انت لقد حصلت على ماتريدين..انه لك!
وارجو ان تكوني راضية!".
وتابعت طريقها بأصرار الى الخارج ،وصفقت الباب خلفها تمارا.
استدار لوغان مذهولا الى فيرغوس:"ماذا يحصل بحق الله؟".
قال ابن خالته باختصار:"الحق بدارسي يالوغان".
-لكن..
قال فيرغوس بعناد:"لمرة واحدة في حياتك افعل ماأقوله لك من دون جدال..سأحاول ان اسوي الأمر هنا".
مع ان المرأة المسنة صدمت بهجوم دارسي في البداية الا انها استعادت
رباطة جأشها بسرعة..واخذت تبتسم بفتنة للزبائن الآخرين وهي تسير بثقة عبر المطعم،برفقة اصدقاءها الثلاثة الذين وصلت معهم.
كان على لوغان الأختيار بين امرين:
اللحاق بدارسي او مواجهة الممثلة الفاتنة وجها لوجه،ففضل اللحاق بدارسي..
-لوغان..حبيبي!
وانكمش لوغان..فبعد ان لمحته مارغريت فرايزر يقف في ىخر الغرفة سارعت لتشمله بأحدى تحياتها المسرحية..كانت رائحة عطرها
عابقة وهي تقبل خده.
وقالت بحرارة:"فيرغوس كذلك".
راقبها لوغان بهدوء وهي تعانق فيرغوس..كانت صغيرة الحجم انيقة
بشعرها اللماع وقدها الرشيق ووجهها الجميل وعيناها الزرقاوان.
لم يكن من شك في انها امرأة مذهلة الجمال..الا انها آخر شخص كان
لو غان يتمنى ان يراه هنا هذا المساء!
ذكره فيرغوس بعد ان تنفس الصعداء من احضان الممثلة:"لوغان..دارسي؟".
قطبت مارغريت متساءلة:"دارسي..؟".
التوى فم لوغان:"انها المرأة الشابة التي اهانتك وانت تدخلين".
فهزت رأسها بغموض:"اوه..دارسي تلك".
حثه فيرغوس بلهجة حاسمة:"هل لك ان تذهب؟".
وقرر لوغان الذهاب..بكل سرور،وهز رأسه قبل ان يخرج من المطعم بحثا عن دارسي.لم يلزمه وقت طويل ليجدها،فهي لم تبتعد كثيرا.
كانت تستند الى الجدار في الخارج،وجسمها النحيل ينتفض بنحيب بائس.
لم يعد لديه شك ان مارغريت فرايز هي سبب هذه الدموع البائسة..!
لكن كيف؟كيف يستطيع..!ومع تلك المرأة الفظيعة ايضا!
اوه..ان مارغريت فرايزر جميلة بمايكفي..لكنها تزوجت مرتين،
واعلنت خطوبتها مرات عدة..فكيف يمكن ان يفكر بالزواج..؟
-دارسي..؟
جمدت دارسي لسماع صوت لوغان خلفها..كانت متكدرة جدا حين خرجت كالعاصفة من المطعم بحيث انها لم تلاحظه...
مسحت الدموع بسرعة عن خديها قبل ان تستدير لتواجهه.
حيته مرتجفة:"سيد ماكنزي".
ولم تتمكن من مواجهة نظرته الثاقبة.
التوى فمه دون مرح،وقال مشفقا:"يبدو ان هذه الليلة ليست جيدة بالنسبة لك،اليس كذلك؟".
لقد ظنت ان الخلاف معه في المطعم كان سيئا بما يكفي،لكن الحديث في الطبخ والذي تبعه،كان اكثر سوءا..
ثم ان تواجه وجهها لوجه تلك المرأة وهي تخرج..!
اعطاها لوغان منديلا ناصع البياض،
وقال يشجعها بلطف:"هاك".
ابتسمت دامعه:"لقد اعدت لك لتوي اخر منديل اعرتني اياه".
ولم تأخذ المنديل.
-لقد تركته في المطعم..لاتهتمي..ابن خالتي سيعيده فيما بعد.
اذن الرجل الآخر هو ابن خالته..وهذا يفسر الشبه بينهما.
تابع لوغان وهو يعطيها المنديل:"خذيه دارسي..وامسحي الكحل عن عينيك".
اخذت المنديل وهي تتمتم بالشكر،ومسحت عينيها بخجل..
قبل ان تتذكر انها لم تكن تضع كحلا،وانها لاتضع اي نوع من التبرج
هذا المساء،فالحرارة في المطبخ تفسد المساحيق!
ردت بابتسامة مؤنبة:"مضحك جدا".
هز رأسه راضيا عن ابتسامتها:"هكذا افضل..انا واثق ان الأمر مهما كان،ليس بهذا السوء".
واحنى راسه يبتسم لها ممازحا تمارا.
تلاشى مرح دارسي وقالت باحساس متجهم:
-بل اسوا.
وهزت رأسها مجددا بتعبير متعب.
امال لوغان رأسه وارتفع حاجباه الأسودان:"هل تريدين ان تتكلمي عن الأمر؟".
قد يكون من الرائع مناقشة المسألة مع شخص آخر..لكن هل لوغان ماكنزي،الرجل الذي بالكاد تعرفه،
هو الشخص المناسب..؟
على الأرجح لا،لكنها بحاجة للتكلم مع احد وعلى الفور قبل ان تنفجر!
لأنها لاتنوي ابدا العودة الى المطعم هذا المساء.تنهدت بثقل،ووصلت الى قرار:"هل تود شرب فنجان من القهوة؟"
تظاهر لوغان انه يترنح من الصدمة:"دارسي..هذا مفاجيء جدا".
-قلت القهوة لوغان..اوه..سيد ماكنزي.
رد عليها وقد بدا واضحا انه يوافقها الرأي:"لوغان تكفي".
-وكنت سأقترح ان نذهب الى مقهى وليس الى منزلي!.
نظر لوغان الى ثياب السهرة:"اليس في ملابسي مبالغة لدخول مقهى؟".
بالطبع هو كذلك،،ادركت دارسي هذا متأخرة..لكن الذهاب الى منزلها مستحيل.فبعد الأتهامات التي سمعتها في المطبخ،اخر شيء تحتاجه هو ان يعود دانيال الى البيت ليجدها مع لوغان ماكنزي!
قال لوغان مقترحا:"مستطيع الذهاب الى شقتي".
وضاقت عيناه عندما قرأ بعض التردد على وجهها..اذ لم يكن هناك سبب للتردد!
لذهاب الى شقته..!قالت بحدة:"انا واثقة من انك لن تهتم بسماع كل هذا..
واعتقد انه من الأفضل ان اذهب الى البيت وانام.كانت امي
تقول لي دائما ان الأشياء لاتبدو كئيبة جدا في الصباح.
رد لوغان بجفاء:"ولطالما قالت لي مربيتي ان مشاطرة المشاكل تخفف
من حدتها".
ولاحظت دارسي انه قال"مربيتي" وليس"امي"...لكنه على اية حال
منحدر من عائلة من النوع الذي تعتني المربيات بالأولاد فيها.
مع ذلك كان الأمر حزينا على مايبدو،
اذ كانت علاقة لوغان بمربيته اقرب من علاقته بأمه.فقد كانت دارسي
في طفولتها مدلله ومحبوبة وكانت امها موجودة دائما لأجلها،وماتت منذ اكثر من سنه،ولاتزال دارسي تفتقدها.
قالت بصوت اجش:"ربما..لكن امي حذرتني كذلك ن مخاطر الذهاب مع رجل لا اعرفه حق المعرفة".
رد متشدقا:"ومربيتي حذرتني من اشياء تخص النساء".
وامسك ذراعها بحزم وقادها نحو سيارة اجرة واكمل:"
-لكنني سأخاطر اذا كنت مستعدة للمخاطرة!.
للمرة الثانية في فترة تعارفهما..وبالرغم منها،ضحكت دارسي.
جمد لوغان وهو يساعدها لتدخل سيارة الأجرة.
-اعتقد اني طلبت منك الا تفعلي ذلك.
رمشت بعينيها بذهول،وهزت رأسها:"انالاأفهم..".
رد لوغان بحدة:"لاتهتمي".
وصعد الى السيارة ليجلس بجانبها قبل ان يميل الى الأمام ويعطي العنوان للسائق.
ماذا لوتبين لها ان تحذيرات امها كانت صحيحة؟ماذا لو..؟
فجأة قال لوغان بخشونة وهو يستدير لينظر اليها بعينين زرقاوين باردتين:
-هل ابدو كرجل يجر البريئات الصغيرات الى شقته كي يغويهن؟.
امتلأت عينا دارسي فورا بالدموع تمارا..فقد بدا لطيفا جدا قبل الآن..وهاهو.
استدار نحوها تماما وقال:"انا آسف دارسي..لقد انقلبت هذه الأمسية الى مأساة بالنسبة لي ،لكن هذا ليس سببا يدعوني للأنتقام منك!هل تسامحيني؟".
وامسك احدى يديها بكلتا يديه.
وجدت دارسي نفسها ترتجف، للمرة الأولى في حياتها تجد نفسها منجذبة الى رجل...!انتزعت يدها منه الا ان ذلك الأحساس استمر يدغدغها..
ردت بحدة:"طبعا اسامحك..لكن ربما فكرة ليست جيدة ،وانا واثقة من انني اخذت مايكفي من وقتك لليلة واحدة".
توقفت سيارة الأجرة امام مبنى ضخم.وبعد ان دفع اجرة السائق
امسك ذراعا بحزم وقادها الى الداخل.
لم تكن الفخامة امر غريب عليها،فمنزلها مريح وكذلك المنازل التي تزورها خلال العمل لحساب الشيف سيمون لكن هذا المبنى حيث يعيش لوغان مختلف.
كانت تتوقع رؤية ديكور حديث،الا انها وجدت نفسها في غرفة جلوس مريحة تزين اللوحات جدرانها.
لفتت انتباه دارسي احدى اللوحات التي تجسد غزالا بري في غابة
وقصرا يبدو ضبابيا في الخلف،فتنهدت قائلة:"لوحة لماك اليستر" بعد ان تعرفت الى االفنان..لاداعي لأن تسأل عما اذا كانت اصلية،لأنها لاتشك في ان يتساهل لوغان ماكنزي بمثل هذا الأمر في منزله.
هز رأسه موافقا:"هذا منزل جدي..هل احضر لك شرابا؟".
كانت لاتزال مذهولة لمعرفتها ان هذا القصر هو لجد هذا الرجل..
قالت:"عصير لوسمحت!".
ابتسم لوغان وهو يصب السائل في كأس.
- طلبك سيعجب جدي كثيرا.فهو يؤمن ان المرء لايمكنه ان يثق بامرأة تشرب غير العصير!
واعطاها الكأس.
-دعنينا نجلس.
كانا لوحدهما في خلوة منزله..واذا مااضطرت لطلب النجدة او الصراخ فلن ييمعها احد.
قال لوغان :"والآن هل تشعرين برغبة في اخباري ماذا جرى قبل قليل؟"
اخذت رشفة من العصير،وردت بغضب:"تلك المرأة!".
-مارغريبت فرايزر؟
رفعت راسها بحدة:"اجل..هل رأيتها؟".
رفع حاجبيه السوداوين:"وهل يستطيع المرء الا يلاحظ وجود الممثلة
مارغريت الشهيرة.
ردت:"انها القصة كلها!".هز لوغان راسه قليلا وابتسم:"لم افهم".
تنهدت دارسي بعمق:"الأمر بسيط جدا..في الواقع..دانيال..الشيف سيمون..".
-اعرف من هو الشيف سيمون يادارسي.
-سيتزوجها.
لقد اعترفت بهذا حقا لكنها مازالت ترفض الفكر اكثر مما كانت
بالأمس حين عرفت بالخطوبة.
سألهل لوغان وهو يميل في مقعده الى الأمام:"يتزوج من؟".
ردت بازدراء:"مارغريت فرايزر بالطبع!".
قال لوغان غير مصدق:"لايمكن ان تكوني جادة؟".
-هذا بالضبط ماقلته حين اخبرني..لكن يبدو انه جاد.
-لكنني..انها..
تابعت دارسي وهي تقف وتذرع الغرفة:"امر لايصدق..اليس كذلك؟لقد التقى بها منذ ثلاثة اسابيع فقط ومع ذلك قرر ان يتزوجها".
رد لوغان مفكرا:"ثلاثة اساببيع..".
اكملت دارسي:"سخيف اليس كذلك؟كيف يمكن للمرء ان يقرر بعد ثلاثة اسابيع فقط من تعرفه على الشخص الآخر انه يريد قضاء ماتبقى من حياته معه؟".
-اعتقد ان هذا يحدث احيانا..مع اني مندهش قليلا..دارسي،هل
انت واثقة تماما ممن هذه الوقائع؟
وراقبها بعينين ضيقتين:"بالتأكيد..والا لماذا تظن انها جاءت الى المطعم هذا المساء؟".
-للسبب الذي يأتي لأجله الجميع..
-وهذا امر آخر،فما تأكله هذه المرأة بالكاد يكفي لأشباع عصفور..
وهذه دعاية جيدة لزوجة طاه مشهور!
التوى فم لوغان:"اعتقد انها مضطرة للحفاظ على شكلها الرائع بطريقة ما؟".
نظرت اليه بحدة:"لاتقل لي انك تجدها جذابة؟".
رد لوغان:"لا..لكن قلة من الرجال لاتتأثر بسحرها".
ووقف ليصب لنفسه كاس عصير اخر ثم قال بحذر:"اخبريني دارسي،
اذا كان دانيال سيمون سيتزوج مارغريت فرايزر ماذا سيحل بك؟".
تنهدت بثقل:"سأضطر الى ترك المنزل بالطبع.."
قاطعها بصوت اجش:"وهل كنت تعيشين معه؟".
-منذ شهرين فقط.منذ ان انهيت الجامعة..ولم اكن انوي البقاء بصورة دائمة..مجرد مكان لأقيم فيه
حتى استلم مركزا ثابتا في شهر ايلول.
قطب لوغان:"لكنني اعتقد انك تعملين لحساب الشيف".
-بشكل مؤقت..فأنا معلمة اطفال.
صمت لوغان قليلا ثم اعترف:"اجد صعوبة في فهم هذا كله..".
ابتسمت بأشفاق"اعمل مع الشيف سيمون في العطلة فقط..لاتقلق،لقد تدربت كطاهية اولا،قبل ان ادرك اني احب العمل مع الاولاد اكثر من اطعام الكبار.فعدت الى الجامعة لأحصل على المؤهلات المناسبة".
زاد عبوس لوغان:"كم عمرك..؟"
-خمسة وعشرون عاما.
وعرفت ان لوغان ظنها اصغر سنا بكثير كما يظنها الآخرون،كانت واثقة من ان هذا سيكون ميزة لها حين تكبر،لكنه يمنع الناس الآن من النظر لها بجدية.
بدا حزينا:"اذن دارسي انت كبيرة بما يكفي لتكوني اكثر حكمة،اعرف ان هذا ليس سهلا بالنسبة لك،لكن ماذا تفعلين مع رجل اذا كان قد قال لك انه سيتزوج غيرك؟".
قالت دارسي بارتباك"لكنه لم يتزوجها بعد..".
اتهمها بغضب:"وانت تنوين البقاء قربه الى ان يتزوجها؟".
ووضع الكأس من يده ثم سار الى حيث تقف وامسك كتفيها.
اكدت له بعناد:"طبعا..لن يكون العرس قريبا،وقد اتمكن من اقناعه بأن يتعقل".
تأوه لوغان:"دارسي انت شابة جذابة و..".
عارضته:"لكنني لست من مستوى مارغريت فرايزر".
-اوه..اللعنة على مارغريت فرايزر.
احمرت عيناها الرماديتان:"هذه هي مشاعري بالضبط!".
تمتم:"اوه..دارسي".
وانحنى يعانقها.
وكان آخر ماتوقعته دارسي..هو ان تقف مذعنة بين ذراعيه.
وتصاعدت المشاعر،وتحول غضب دارسي الى حرارة لم تكن تعرف انها تمتلكها،ووضعت يديها على كتفيه لتغرق في دفئه.
لكن كل ذلك توقف فجأة عندما ابتعد لوغان عنها..ونظر اليها،
وكأنه مشوش:"ماذا افعل؟آسف دارسي".
وابتعدت ذراعاه عنها وراح يمرر اصابعه في شعره،وبدت كتفاه مقوستين
تحت السترة.
-لم اكن اقصد ان افعل هذا.
واستدار بعيدا:"جئت بك الى هنا لمحاولة مساعدتك...وبدلا من
ذلك كاد الأمر ينتهي بي الى اغوائك..انا فقط..هذا الرجل يكاد يكون في سن والدك بحق الله..!"
اخذت دارسي نفسا عميقا وقطبت بحيرة:"اي رجل؟".
قال بعدوانية :"دانيال سيمون".
ابتلعت ريقها بقسوة:"انا..".
وحاولت ان تفكر،وان تتذكر ماسبق وقيل:"لوغان..لست ادري..يبدو انني لم اشرح..دانيال سيمون هو"والدي".
قبل وفاة امها جراء مرض عضال كانت تربط والديها علاقة حب متينة.
ولهذا السبب كانت دارسي متكدرة جدا.كيف ينوي والدها الزواج من الممثلة الشهيرة الفاتنة من بين كل الناس،فهذه المرأة معروفة بعلاقاتها السرية التي تثير الأهتمام اكثر من مهنتها كممثلة.
ابتلعت دارسي ريقها مرة اخرى وهي ترى ان لوغان يحدق بها دون حراك،وقد بدا انه اضاع الكلمات،ولم يكن من الصعب تخمين السبب..
فهو على الأرجح يعتقد ان تصرفها اناني متطرف.وقد يكون كذلك..
وتقبلته دارسي.لكنها لم تستطع مقاومة ماتشعر به.

**********************

4-الحقيقة القاسية


دانيال سيمون هو والد دارسي.."وليس العشيق الذي ظنه لوغان".
هذه اخبار مفاجئة له،الآن اتضح ماكان فيرغوس ينوي ان يحدثه عنه.
بدأت دارسي تتكلم بارتباك:"اعرف انك تعتبر ان تصرفي انانايا.لكن امي ماتت منذ اكثر من سنه بقليل،لقد استمر زواجهما ثماني وعشرون سنه..!كنا عائلة سعيدة،ولااستطيع ان افهم كيف يمكن لأبي ان يحب امرأة اخرى بعد وقت قصير كهذا".
والدها..
كلما قالت دارسي هذا،كان لوغان يجفل من داخله بسبب اعتقاده السابق ان دارسي على علاقة غرامية بالشيف سيمون..لم تقل له دارسي اسم عائلتها ابدا..وهو لم يسألها ولم يسبق ان خاطبت دانيال على انه والدها..او نادته ابي!
ولكن..كيف سيقول الآن لدارسي..؟
قالت فجأة دون ان تلتقي نظرتها بنظرته:"اظن انه من الأفضل ان اذهب..لقد اخذت حقا مايكفي من وقتك".
امسك ذراعها وهي تستدير لتبتعد:"دارسي!".
وسبحت العينان الرماديتان العميقتان بالدموع:"اعرف انني كنت انانية..لكنني فقط..لااستطيع ان اتصور تلك المرأة كزوجة لأبي!".
وبكت بعاطفة جياشة.
ضمها لوغان بلطف بين ذراعيه،يحتضنها على صدره والدموع تنهمر على خديها.
يبدو انه اعتاد على هذا!ولم يكن متذمر..لكنه لايحب ان يرى دارسي متكدرة هكذا..ولو ان بكاءها افضل له من ابتسامتها التي تخطف انفاسه.
قال لها برقة:"اعرف انني لن استطيع ان اواسيك الآن يادارسي..
لكنني اشك كثيرا في ان تصبح مارغريت زوجة لابيك!".
استقامت دارسي ومسحت الدموع من عينيها"والدي مصمم على الزواج بها".
هز لوغان رأسه:"وانا واثق من انها لن تصبح زوجة ابيك".
اتسعت العينان الرماديتان المحمرتان،وابتلعت دارسي ريقها:"لكن كيف لك ان تكون متأكدا؟"
بدا جادا:"صدقيني".
وصمت عندما سمع رنين الهاتف الداخلي.
بعد الطريقة الفجائية التي قطعت فيها امسيته بالمطعم من المحتمل ان يكون الزائر فيرغوس..وابن خالته هو اخر شخص يريد لوغان ان يراه في هذه اللحظات.حسن جدا..ربما ليس اخر شخص..فمارغريت فرايزر هي احق بذلك.
سألت دارسي:"الايجب ان ترد؟".
ومسحت كل اثار الدموع بارتباك.
اعترف على مضض:"اجل يجب ان افعل".
كان لايزال يحتاج الى وقت وفرصة ليتحدث الى دارسي ويشرح لها.
لكن الوقت لم يكن مناسب بكل تأكيد،وو صعد فيرغوس بينما دارسي لاتزال هنا فقد يقول شيئا يجب الا يقوله..!
ووجد نفسه يسأل بسرعة:"دارسي،هل يمكن ان تتناولي الغداء معي غدا؟".
نظرت اليه متسائلة:"ولماذا؟".
ارتفع حاجباه بنفاد صبر:"لأنني اريد تناول الغداء معك".
-ولماذا؟
-ياألهي يامرأة..قولي نعم اولا..فقط.
بدأت تقول ببطء:"اذا كنت تدعوني لمجرد انك تشعر بالأسف علي..".
قاطعها بحدة:"انا لاأشعر بالأسف عليك".
على الاقل حتى الآن..
قال بحزم وهو يعرف ان صبر فيرغوس سيفقد لطول انتظاره.
-يجب ان اتكلم معك.
بدا على ثغرها طيف ابتسامة:"حسن جدا"؟
ماان خرج لوغان من المصعد برفقة دارسي حتى رمقه فيرغوس بنظرة انتقاد باردة،لأنه تركه ينتظر.
قال لوغان فيما كان فيرغوس يحاول التكلم:"سأعود بعد لحظة".
لاحظ ان فيرغوس يحمل اللفافة معه..وسوف يحل هذه المسالة مع دارسي غدا.
-سوف اطلب سيارة اجرة لدارسي.
وخرج من المبنى ودارسي الى جانبه قبل ان تتاح لابن خالته فرصه لكي يرد.
استدارت دارسي اليه قبل ان تدخل سيارة الأجرة،وقالت بخجل:
"لقد كنت لطيفا جدا..حقا".
بالنسبة للعديد من الناس لايمكن وصف لوغن بهذه الميزة..لكن،اذا كانت دارسي تراه هكذا فهو لن يجادلها!
وذكرها:"الغداء غدا..الثانية عشرة والنصف..مطعم روماين..انه..".
-اعرف اين هو.
ومدت يدها تصافحه:"شكرا مرة اخرى".
وقف يراقب السيارة حتى اختفت عند زاوية الشارع ثم استدار ليعود الى المبنى.
قال فيرغوس معلقا وهو يلحق بلوغان الى المصعد:"فتاة لطيفة المظهر".
نظر اليه لوغان بجفاء"انها ابنه دانيال سيمون..لكنك تعرف هذا..اليس كذلك؟"
تنهد فيرغوس ثم القى طوله الفارغ على مقعد وثير:"نعم..اعرف..بالمناسبة هذه لك".
واعطاه اللفافة وهو يقول:"لم نأكل شيئا هذا المساء!".
توصل لوغان الى قرار:"تعال..سأطهو لنا بيضا مقليا..ثم تخبرني بالتفصيل بما يجري!".
لم يستغرق تحضير البيض والسلطة سوى دقائق.وجلس الرجلان الى مائدة الطعام في المطبخ.
نظر لوغان شزرا الى ابن خالته:"هل انا على صواب في افتراضي ان زيارتك الأخيرة لجدها سببها ان امي على وشك ان تعلن خطوبتها على الطاهي دانيال سيمون؟".
والدته؟مارغريت فرايز؟
ان الأمر صعب التصديق،حتى انه هو نفسه يكاد لايصدقه في معظم الأوقات.
لقد اصيب بالذهول حين اخبرته دارسي ان والدها ينوي الزواج من الممثلة الجميلة..هو وأمه لم يكونا يوما مقربين.لكن في الماضي كانت تعلمه بخطوبتها اوزواجها..
الا ان لوغان فوجيء هذه المرة تماما..لعل دارسي اساءت فهم صمته،لذا سيشرح لها في الغد حين يلتقيان على الغداء.
اكد له فيرغوس متنهدا مرة اخرى:"هذا صحيح يبدو انها ابلغته بذلك حين زارته في عطلة الأسبوع".
-ولأننا كنا دائما مقربين..اتاروك لتزف الخبر لي.
هز ابن خالته كتفيه:"في العادة كانت الخالة ميغ ستقول لك بنفسها،لكن هذه المرة يبدو ان هناك..تعقيدات".
اكد لوغان على كلامه:"دارسي"ظ
-اجل..دارسي..يبدو انها غير متحمسة كثيرا لأنضمام الخالة ميغ الى عائلتها.
صاح لوغان:"ولن اكون متحمسا جدا لأنضمامها الى عائلتي اليس كذلك!".
استدار فيرغوس لينظر اليه نظرة جادة:"انت تعرف انني لم احاول يوما في علاقتك مع الخالة ميغ..".
حذره لوغان بصوت منخفض:"اذن،لاتبدأ الآن".
-ولاأنوي هذا.
نظر اليه لوغان بارتياب:"لا؟".
اكيد فيرغوس بخفة:"لا".
وارتشف قليلا من المرطب الذي قدمه له لوغان مع الطعام،واكمل:"اولا ،لأن لاداعي لهذا..فمشاعرك في هذا الخصوص هي من شأنك،ثانيا،لأنني اؤمن ان هناك امر اكثر الحاحا لنناقشه".
ارتفع حاجبا لوغان:"مثل ماذا؟".
كيف ستتمكن مثلا من اخبار دارسي انك ابن مارغريت فرايزر دون ان ترفض رؤيتك بعد ذلك؟.
وكان لوغان قد تساءل بنفسه عن هذا!
واكمل فيرغوس:"اظن ان دارسي ليس لديها فكرة عن هذا..اليس كذلك؟".
كان يجدر بلوغان ان يقول الحقيقة لدارسي لحظة ذكرت مارغريت،لكنه خشي ان تنظر اليه بالكراهية ذاتها التي تنظر فيها الى امه،وهو لايريد ذلك.ولأن امامه اربع وعشرين ساعة للتفكير بطريقة يقول فيها لدارسي الحقيقة...
في اليوم التالي تأخرت دارسي وأملت ان يمل لوغان من الأنتظار ويغادر المطعم فبعد الصباح الذي مر بها لم تكن تشعر برغبة في هذا اللقاء!
كانت على مايرام حين استيقظت في التاسعة صباحا،لكنها سرعان ماتواجهت مع والدها فقد اهبرته مارغريت بما وجهته لها من كلام وهي تغادر المطعم مما اثار سخط والدها واشعل جدالا بينهما.
قالت دارسي لوالدها في نهايته انها ستفتش عن شقة تسكن فيها.
كان تفكييرها بما حصل صباحا يسبب لها التعاسة فهي لاتتذكر انها قد تشاجرت مع والدها قبل اليومين الأخيرين،وبالنسبة لها كل هذا كان بسبب مارغريت فرايز،.
لكن تأخرها لم يكن بسبب جدال مع والدها فقط،بل لأنها اخذت وقتها لترتدي فستانا كحليا يناسب جسمها استعدادا للأنضمام الى لوغان على الغداء.
بدا لوغان وسيما في بدلته الرمادية واذا لم تكن مخطئة،كان يرتدي القميص الأبيض الذي ارسلته له يوم امس..
وقف حين رآها ولاحظت دارسي عدة نساء يستدرن في اتجاههما وهو يقف..
ومامن شك ان هؤولاء النسوة كن يتساءلن،كما تساءلت هي ليلة امس عن المرأة التي ستنضم الى هذا الرجل الوسيم اثناء العشاء.وشكت في ان تكون احداهن قد توقعت ان يكون مهتما بفأرة صغيرة مثلها!.
حياها تمارا لوغان بحرارة:"دارسي!".
واشار الى الساقي ليصب لها العصير
الذي سبق وطلبه وهو ينتظر وصولها،وسأل:"هل انت مضطرة للعمل بعد ظهر اليوم؟".
ردت بمرارة:"انا الآن في استراحة".
نظر اليها بحدة:"ماكنت لأعرف هذا".
-ولاوالدي..لكن لدي احساس ينبئني انه حين يتزوح مارغريت سيعرف مثل هذه الأمور بسرعة".
رد لوغان:"الا يجب ان تقولي"لو"تزوجها؟".
تمتمت بمرارة:"ليس حسب اعتقاد ابي".
-اما عدت تعملين عند والدك؟
-لقد قررنا ان نفترق كل في طريقه..فعلى الأرجح هذا هو الأفضل.
ثم تابعت:"قميص جميل".
-اللعنة على القميص..لا..لم اكن اعني ماقلته بالضبط.انه قميص جميل..ولااعتقد اني شكرتك لأجله.
هزت رأسها:"على الرحب والسعة.مالذي جعلك تغير رأيك وتحتفظ به؟".
والتقطت لائحة الطعام وبدأت تتطلع الى اصناف الطعام المسجلة عليها.
رد بهدوء:"لأنك تحملت هناء شرائه".
-فهمت.
-دارسي.
نظرت اليه من فوق لائحة الطعام:"هل جربت طبق اللازانيا هنا؟اعتقد انه لذيذ".
-دارسي انا احاول ان اتكلم معك.
رفعت حاجبين بنيين :"ظننتك دعوتني للغداء".
رد بحدة:"هذا صحيح..لأننا يجب ان نتكلم".
اغلقت لائحة الطعام ووضعتها على الطاولة..ثم قالت متفهمة:"ولاناكل..هيا..تكلم".
صمت لوغان ثم قال:"تبدين مختلفة اليوم..".
ردت بالصوت المتوتر ذاته:"حقا؟ربما لأنني..متكدرة قليلا..
ولأنني ووالدي قد تخاصمنا بسبب قرار زواجه بأمرأة لست معجبة بها".
وتهدج صوتها واحست بأنزعاج داخلي.
لقد سئمت من ظهورها كأمرأة غير ناضجة ومن انفعالها مام هذا الرجل.
قال لوغان بلطف:"سيجري كل شيء على مايرام دارسي".
ومد يده ليضعها على يدها.
نظرت اليه بعينين رماديتين باردتين:"تبدو واثقا جدا من هذا؟".
-انا واثق
-وكيف ذلك؟
ضغط يده على يدهت قليلا:"لأنني..".
ووقف النادل مترقبا امام الطاولة:"هل لي ان اسجل طلبلتكما الآن؟".
-لا..انت..
وقطع لوغان رده الغاضب واخذ نفسا عميقا مهدئا قبل ان يستدير الى دارسي:"هل انت جاهزة لطلب الطعام؟"
ابتسمت للنادل كي تصلح غلطة لوغان:"لازانيا وسلطة من فضلك".
لكنها لم تكن واثقة من انها ستبقى في المطعم طويلا لكي تأكلها.
قال لوغان:"سأطلب الطبق نفسه".
-هل تريد الماء مع الطعام..؟
قاطعه بخشونه:"لا..لانريد"
ابتسمت دارسي الى الشاب مجددا:"شكرا لك".
وتلقت ابتسامة امتنان ردا عليها قبل ان يتجه نحو المطبخ.
ازاح لوغان يده عن يدها وقال بصوت اجش:"ادرك انك وحتى ساعات مضت كنت نادله..لكن هل يجب ان تكوني لطيفة مع الخدم هنا؟".
لمعت عيناها للنقد اللاذع بحيث بدتا بلون الفضة:"الأخلاق الحميدة لاتكلف شيئا..اضافة الى هذا لماذا افسد عليه يومه،اذا كان يومي سيئا؟".
ثم سألت فجأة:"لوغان..ماذا تريد مني بالضبط؟".
اجفل لوغان للسؤال..ونظر اليها بقلق:"ماذا تعنين؟".
ظهر على وجهها تعبير مرير:"توقف عن معاملتي وكأني حمقاء ..اعنمي ماذا تريد مني ياأبن مارغريت فرايزر؟".
ولمع التحدي في عينيها مرة اخرى.
لم تستطع ان تصدق حين اخبرها والدها هذا الصباح من هو لوغان ماكنزي،وطلب منها معرفة ماذا يخططان معا.
لوغان ماكنزي هو ابن تلك..تلك المرأة؟
وبقدر مابدا الأمر صعب التصديق بالنسبة لها،عرفت انه واقع تمارا لا
يمكن انكاره.لكن الممثلة بالكاد تبدو في الثلاثينات من عمرها ومع ذلك لها ولد في اواسط الثلاثين،وولدها هو لوغان ماكنزي.
لقد ظنته بالأمس متفهما جدا..حتى انها ظنته لطيفا معها!لكنها الىن تدرك ان لوغان لديه اسبابه ليكون لطيفا معها..وهذه الأسباب تشمل امه.
احست انها غبية جدا حين فكرت بكل ماقاله لها،وكل الأشياء التي اسرت بها له،وتملكتها مشاعر الغضب،ولهذا السبب قررت ان تلتقيه على الغداء اليوم فهي تريد ان تخبره رأيها به بالضبط.اخذ لوغان نفسا متهدجا واعترف:"لست واثقا من انني سأعرف ماذا اقول".
سألت بشموخ:"لما لم تقل الحقيقة منذ البداية؟ لم يكن لدي فكرة اؤكد لك انه مهما كان السبب فقد فشلت فشلا ذريعا..ولاشيء تفعله او تقوله يمكن ان يقنعني ان اتقبل زواج امك من ابي!".
كانت الآن غاضبة من لوغان اكثر من غضبها من والدها فعلى الأقل والدها كان صادقا معها.
قطب لوغان بشدة:"اؤكد لك انني لست راضيا عن زواجهما اكثرمنك..ولم يكن لدي فكرة عن ذلك قبل ان تخبريني عن خطتهما تلك".
لم تصدقه..لابد انه يخوض معركة لصالح امه،ثم لو كان مايدعيه صحيحا،لوجد امامه الكثير من الفرص ليقول لها الحقيقة عن علاقته بمارغريت بعد ان عرف بامر الخطوبة.
ثم تذكرت تأكيده على ان الزواج بين العجوزين لن يتم ابدا.
فردت فجأة:"والدي ليس جيدا بما يكفي لأمك..اليس كذلك؟من تظن نفسك بالضبط؟او بالأحرى من تظن امك؟فهي بالنسبة لي ليست اكثر من.."
قاطعها بصوت بارد كالثلج:"دارسي!ليس هناك ماتقولينه عن امي".
حدقت دارسي فيه:"لابد انك تقضي معظم حياتك تجادل الناس.انا لم التق بشخص واحد لديه شيء لطيف يقوله عن امك!".
التوى فم لوغان:"ماعدا والدك طبعا".
قالت مدافعة:"انه مسلوب اللب..مصروع بالسحر الذي يحيط بها".
وهزت رأسها:"وارجو ان يعود الى عقله قبل ان يفعل شيئا غبيا..كأن يتزوجها!".
قال لوغان متجهما:"أوه..سيعود الى رشده".
لمعت عيناها بغضب:"لا اعرف من الذي اختقره اكثر..انت ام امك!".
ووقفت لتغادر.
امتدت يد لوغان تمسك معصمها بقوة آلمتها وهي تحاول السير مبتعدة،ونظر اليها بعينين زرقاوين قاتمتين.
-دارسي..انا الى جانبك..
امرته ببرود:"دعني اذهب يالوغان".ونظرت الى حيث احاطت اصابعه بمعصمها النحيل.
قال متحديا:"واذا لم ادعك؟".
التفتت الى وجهه المتعجرف الخشن،وارتفع ذقنها تحديا ثم ردت:"اذن سأضطر الى ركلك".
راقبته دارسي وفهمت انه يعتبر هذا تصرفا طفوليا منها.
فوجدت في ذلك تمارا فرصة لتنفذ تهديدها،فأرجعت ساقها الى الخلف ثم ركلت ساقه بكل الغضب المعتمر داخلها.
صاح لوغان بسبب الألم الذي اصابه في ساقه!لكن لتصرفها هذا التأثير المطلوب،فترك معصمها،ليلتمس بيده ساقه المتالمة.
قالت له بأبتسامة وقحة راضية:"وداعا لوغان".
واستدارت على عقبيها لتسير عبر المطعم ،غير مهتمة بالنظرات الفضولية المتجهه نحوها حيث لاحظ جميع من في المطعم تلك المواجهه..
الأمر الذي لم يكن عجيبا،بعد ان صاح لوغان فعلا من الألم!
دام احساسها بالرضى الى ان خرجت وطلبت سيارة اجرة.لكن حين سألها السائق الى اين تريد الذهاب،تلاشى هذا الأحساس.والسبب انها هذا الصباح..وبعد ان قالت لوالدها انها سترحل من منزلهما..لم يكن لديها مكان آخر تذهب اليه..

**************************

5-هذا ماأردته


كان لوغان قد عاد من المطعم منذ وقت قصير،عندما وصل ابن خالته فيرغوس الى مكتبه فأبلغه:"لاتريد رؤيتي".
بقي فيرغوس مستلقيا تماما وهويجلس قبالة لوغان..وقال ساخرا:
"ارى انك عالجت الموقف بحنكتك ودبلوماسيتك المعتادتين".
عبس لوغان وهو يتذكر غضب دارسي..في الحقيقة،لم تتح له الفرصة للتصرف بحنكة او دبلوماسية..وكيف يمكنه ذلك ودارسي كانت تعرف جيدا من هو حين انضمت اليه للغداء؟
كان يعتقد انه سيتسنى له ان يقول الحقيقة بنفسه،لكن كان يجب ان يخطر بباله ان والدها قد يخبرها بذلك قبل ان يلتقيا!تطلع الى فيرغوس:"لم تتح لي فرصة معالجة اي شيء..لابد ان والدها قال لها انني ابن مارغريت ".
ضحك فيرغوس وهز رأسه:"مسكين لوغان".
كان لوغان بحاجة لأن يكلم احد لذلك اخبر فيرغوس بما جرى في المطعم بالضبط.وانهى كلامه غير مصدق:"ثم ركلتني!".
تمالك فيرغوس نفسه بما يكفي ليسأل مختنقا:"وهل ركلتك حقا؟ وسط المطعم".
رد لوغان بايجاز:"بل وسط ساقي..نعم ركلتني..واحمل كدمة تؤكد هذا!".
قال فيرغوس :"هل لي ان القي نطرة..لا..ربمالا".فقد رأى ان لوغان ينظر اليه بغضب.
-اعتقد اني معجب بدارسي.
كان لايزال يتذكر عناقهما حين ضمها في الأمسية الماضية..
"انس الأمر لوغان،وبخ نفسه بعناد.هناك تعقيدات كثيرة تحول دون انجذابه الى دارسي سيمون..وهو ينوي معالجتها في اقرب فرصه.
بدا ان فيرغوس قد خمن بعذ افكاره:"اذن ماذا سيحصل الآن؟".
قال لوغان باقتضاب:"اللقاء مع امي".
بدت الدهشة على ابن خالته:"وهل سيكون هذا مفيدا؟".
-ربما لا..لكنه قد يجعلني اشعر بتحسن فهي تتلاعب بأناس طيبين.
وصمت قليلا ثم تابع:"ترمل دانيال سيمون مؤخرا،ولايحتاج الى شخص مثل امي لتدمر حياته".
بدا التفكير على فيرغوس:"همم..عجبا..".في تلك الحظة فتح الباب بعد طرقة خفيفة فصمت فيرغوس.
وضاقت نظرة لوغان وهو يرى امه تدخل دون اعلام مسبق الى مكتبه..
-قالت لي كارين انك تقفل الباب على نفسك مع فيرغوس.
وقف فيرغوس عند دخول خالته ونظر مقطبا الى لوغان وتعبيره الصارم،وقد بدا واضحا انه لايرغب في اظهار اي ليونه.
-كنت في طريقي لرؤية برايس.
وتحرك ليقبل والدة لوغان بخفة على خدها ويضيف:"وداعا خالتي ميغ..لوغان".
تجاهل لوغان رنه التحذير في صوت ابن خالته فهو لاينوي اظهار الليونة والضعف تجاه امه.
قالت الأم بحدة ونفاد صبر بعد ان اصبحا لوحدهما:"توقف عن العبوس لوغان".
وعلا العبوس جبينها العاجي:"انا لاازورك عادة في مكتبك..لكنني جئت اطلب مشورتك.."
قال باستغراب:"تطلبين مشورتي؟".هذا مالم يتوقعه ابدا.
نظرت اليه بتردد وهي تجلس في المقعد الذي اخلاه فيرغوس.
-يبدو انك على وفااق مع دارسي تمارا..
-بل كنت على وفاق مع دارسي.
واكمل:"كان هذا قبل ان تعرف انني ابنك..اعني قبل ان تعرف انك امي،فالأمر سيان في كلا الأحوال والنتيجة ان دارسي لم تعد تنظر لي كصديق الآن..
اوحتى اي شيء آخر..ومن المذهل ان ذلك آلمه اكثر من الكدمة على ساقه!
قالت امه:"فهمت..ماذا سأفعل لوغان!وتنهدت بارتباك.
لم يستطع لوغان اخفاء دهشته..فهذا امر جديد بالنسبة اليه..امه لم تسأله من قبل عن رأيه..
سأل بخشونه:"بشأن ماذا؟".
ردت:"دارسي بالطبع.انا واثقة انك تعرف بامر خطوبتي على دانيال والد دارسي".
قال متشدقا:"اعتقد ان احدهم اخبرني بذلك..اجل".
لمعت عينا امه من الغضب:"لوانك تظهر بعض الأهتمام بي وبحياتي لكنت اخبرتك بنفسي لكن بما انك لا.."واخذت نفسا متهجدجا.
قال متسائلا:"امس تصرررفت وكـأنك لاتعرفين من هي تمارا دارسي".
ردت امه:"حسن جدا.هذا صحيح فنحن لم نلتق من قبل..ثم كنت احاول ان اتجنب حدوث مشكلة في المطعم..اترى..دارسي لاترحب بفكرة زواجي من ابيها."
لم يستطع لوغان مقاومة رد ساخر وقال:"عجبا..لماذا؟".
نظرت اليه امه مفكرة:"اتعرف لوغان..لقد كنت صبيا صغيرا ..جميلا..محبا..مالذي جعلك تتغير هكذا؟".
واستطاع لوغان ان يرى من تعبير الحيرة الحقيقية الذي ظهر على وجه امه انها تريد فعلا ان تعرف..!
رد بحدة ساخرا:"انها الحياة امي..حياتك".
هزت راسها:"لااستطيع ان اصدق انه بعد كل تلك السنين..لوغان اعرف انني ارتكبت الأخطاء في الماضي.."
-اخطاء؟
ووقف ثم تحرك بنفاد صبر نحو آله القهوة الموضوعة على الطاوله الجانبيه،وصب لنفسه فنجانا من السائل الأسمر الذي يتصاعد منه اللهب.
-توفي ابي ولم اكن كبيرا كفاية لكي اقول رايي بما يجري حولي.لقد سخرت مني.
ترقرقت عينا امه بالدموع وهي ترفعهما اليه.وبدت فجأة صغيرة جدا وضعيفة ..امر غريب .لم يرها هكذا من قبل..لا!فأمه ممثلة من الطراز الأول..ولقد نجحت في مهنتها هذه تمارا..على الشاشة وخارجها.
وبمثل هذه البراعة في التمثيل!لابد انها تخدعه الآن.
قالت بصوت اجش:"اعرف انني لم اكن تلك الام المثاليةل وغان،بعد موت والدك..لكنني افتقدته كثيرا..".
قال لوغان ببرود:"وانا ايضا افتقدته".
ردت بأرتجاف:"اعرف..اعرف فعلا،لكن الأمر مختلف فأنا خسرت الرجل الذي احببته..انا..انا اخطأت حين تزوجت مرة اخرى اعرف هذا،لكنني كنت اشعر بالوحدة.. اعرف انه مامن شيء اقوله او افعله الآن يمكن ان يمحو الماضي،لكن علينا الآ، ان ننظر الى المستقبل".
سألها:"عن اي مستقبل تتكلمين ياأمي..مستقبلك ام مستقبلي؟".
رفعت نظرها اليه دون ان يرف لها جفن:"انا احب دانيال سيمون..انه اول رجل..لابل الوحيد،الذي احببته منذ فقدت والدك،وانا اريد ان اتزوجه".
هز لوغان كتفيه:"ماسمعته مؤخرا،يدل على انك تنوين القيام بذلك".
هزت راسهها قائلة:"لكن ليس من دون موافقة دارسي".
التوى فمه:"تفضل دارسي الموت على ان توافق على زواجكما".
وافقت امه بيأس:"اعرف".
نظر لوغان اليها متفرسا..ففي العادة تعطي امه انطباعا بانها مسيطرة تماما على عالمها..وعلى الناس من حولها..فهل هذه مشكلتها الآن؟.
-ياألهي امي..لاتقولي انك لست قادرة على اقناع دانيال بطريقة تفكيرك؟
هزت امه راسها بحزن:"انت لاتفهم..اليس كذلك لوغان؟دانيال مصمم على المضي في الزواج على ان يحاول اقناع دارسي فيما بعد..لكني لا اريد اتمام الزواج من دون موافقة ابنته فهذه ليست طريقة جيدة لبدء حياة زوجية.ولن ارضى بأن اكون عثرة بين اب وابنته".
شعر لوغان بالحيرة فعلا..هل يعقل ان تكون امه قد احبت دانيال الى درجه تجعلها تقدم سعادة شخص اخر على سعادتها..؟ان كان الأمر كذلك فستكون هذه المرة الأولى.
ابتسمت امه لتعبيره المصدوم وقالت تؤنبه:"انت لاتصدق انني افكر بهذه الطريقة..اليس كذلك؟ربما لوكنا مقربين اكثر.."
رد باشمئزاز:"كما تعرفين تماما امي..لقد كرهت مالكوم سلاتر،ذلك الذي تزوجته بعد وفاه ابي وفضلت العيش مع جدي بدلا من العيش معكما".
قالت تعترف:"وانا ايضا كنت اكره فعلا يوم طلاقنا".
-صحيح؟.
ابتسمت بحزن:"صحيح..والسبب الرئيسي هو اني خسرت ابني فترة خمس سنوات من زواجنا.لوغان لماذا تظن اني احاول الحصول على موافقة دارسي لزواجي من ابيها!السبب هو انني اعررف مرارة الأحساس بفقدان الولد في مثل هذه الظروف..لقد فقدتك لسبب مشابه.
ومع ان الوقت متأخر لأنقاذ علاقتي بك الا انني لن افعل هذا بدانيال ودارسي!".
حدق لوغان بامه مذهولا وهو يتساءل عما اذا كان مخطئا في رأيه بها طوال تلك السنووات..
نظرت اليه بعينان زرقاوين:"احتاج الى مساعدتك لوغان..احتاجك لتساعدني على اقناع دارسي بانني احب والدها حقا،وانني انوي اسعاده..هل ستساعدني؟".
هل يريد حقا ان ساند امه؟هل يمكن ان يصدق الأشياء التي تقولها له؟ والأهم من كل هذا،الم تكرهه دارسي بما يكفي؟
نادت الجدة من اعلى السلم"مكالمة لك يادارسي".
مكالمة لها؟
ممن؟فعدا والدها مامن احد يعرف انها تقيم مع جدتها منذ يومين.
ولقد عرف والدها بهذا لأن جدتها رأت عليها ان تخبره بالأمر.
لكن هذا الترتيب مؤقت..فقد وجدت دارسي شقة للأيجار،لكن المتستأجر الحالي لن يترك الشقة لسوء الحظ قبل الأسبوع القادم.
ركضت تنزل السلم لتلتقط السماعة وسألت بقلق:"نعم؟".
حياها لوغان ماكنزي :"دارسي..انتي شابة يصعب اقتفاء اثرها".
تصلبت دارسي لدى سماع صوته..واشتدت يدها على السماعة،وردت بجفاء:"ولماذا تزعج نفسك؟".
-ظننتك قد تهتمين اذا عرفتي انني في المستشفى بسبب كسر في عظم ساقي.
-انت ماذا؟.
شهقت حين تذكرت انها ركلته في ساقه قبل يومين.
ضحك:"لقد اثرت انتباهك على اية حال،في الواقع..انا ابالغ قليلا".
سألأت بقلق:"كم قليلا؟".
-لست في المستشفى وعظمة ساقي ليست مكسورة.
-بكلمات اخرى..انت كاذب!
صحح لها:"بل اختلق ..ليس من اللطف ان تنعتي احد بالكاذب يادارسي".
تنهدت قلقة:"لوغان ماذا تريد؟".
رد بخفة:"ان اتعشى معك هذا المساء".
اجفلت للدعوة غير المتوقعة:"لماذا؟".
-انت حقا اكثر الشابات ارتيابا!ولم لا؟.
لديها اسباب كثيرة لذلك..بعضها لايمكن الافصاح عنه!فهي مثلا تجده جذابا بشكل يثير الأضطراب..كما انها لاتجرؤ على المخاطرة بأن يضمها مرة آخرى.
قال بطريقة عفوية بعد صمتها الطويل:"هيا دارسي..انه مجرد عشاء".
مجرد عشاء..لكن مامعنى هذه الدعوة؟لو لم تكن امه على وشك الزواج من ابيها لما فكر بدعوتها على العشاء!ولابد انه يعرف انه ليس لديها اي نفوذ عند ابيها ابدا!.
قالت بحزم:"لوغان..ابي رجل ناضج..وراشد.وقادر تماما على اتخاذا قراراته دون مساعدة مني".
-حقا؟.
-حقا!
هل يحاول ان يكون صعب المراس؟الا يفهم كم يؤلمها ان تكون على خلاف مع ابيها هكذا؟
فمنذ اخذت اغراضها من المنزل قبل يومين لم تتكلم مطلقا مع ابيها الا لتخبره انها تقيم مع جدتها في الوقت الحاضر..ووالدة هذا الرجل هي المسؤولة عن التفريق بينهما.
قال لوغان:"لاارى ماهي مشكلتك؟..لقد حصلت على ما اردت بطريقة او اخرى..لذا لماذا..؟".
قاطعته:"ماذا تعني؟".
-لقد فسخت امي خطوبتها من والدك.
شهقت:"ماذا فعلت؟".
واحست فجأة بدوار،حتى انها جلست على كرسي بجانب الهاتف.
قال لها بسعادة:"اجل..لقد انتهى كل شيء،لقد فسخت امي الخطوبة مساء امس".
سألت بذهول:"لماذا؟".
-وهل هذا يهم؟هذا مااردته..اليس كذلك؟.
لم تكن تريد ان تتزوج مارغريت والدها..لكن اذا لم تعرف اسباب فسخ الخطوبة فلن تشعر بالرضى لهذه النهايه..اذا اتخذا معا هذا القرار فلا بأس..ولمن اذا كانت ميشيل هي من اتخذت هذا القرار بمفردها فماهو شعور والدها الىن؟
تابع لوغان بعد صمتها:"يجب ان اعترف انني توقعت ان تكوني سعيدة اكثر لسماعك هذا الخبر".
لكن كيف يمكنها ان تكون سعيدة وهي تعرف ان والدها سيكون بائسا ؟هذا مريع..فوضى..ساهمت هي في اثارتها..!
ردت:"اذن انت مخطيء في تفكيرك واذا كنت تظن انني سأخرج معك هذا المساء لنحتفل..".
رد بلطف:"اعتقد ان تسمية دعوتي بالأحتفال امر مبالغ فيه..صحيح اناا لن نستطيع شرب نخب زوجين سعيدين لكن..".
قاطعته:"كيف يمكن ان تكون بدون احساس هكذا..انا لااعرف ما هي مشاعر امك.لكن لاشك ان ابي محطم الفؤاد،وكل ما تستطيع ان تفعله هو..".
قاطعها بنفاد صبر:"مهلك لحظة يادارسي..انت من اراد انهاء الخطوبة،والآ، بعد ان حصلتي على هذا،تحاولين..".
دافعت بحدة:"وانت اردت هذا بقدر مااردته..انت الذي اعتقدت ان ابي لم يكن لائقا كفاية ليتزوج امك!".
-لااعتقد انني قلت هذا ابدا..
اصرت دارسي:"لكنك فكرت فيه!والآ، يبدو انه بفضل مساعدتك باتت امك تشاركك الرأي..فكيف تجرؤ على..".
قال لوغان:"توقفي عن هذا دارسي".
-لن اتوقف بكل تأكيد.لقد بات الأمر واضحا جدا،انك لست سعيدا تمارا بزواج امك من ابي.
-وانت ماكنت سعيدة بذلك ..,الآن حصل كلانا على امنيته..فعلام تتذمرين اذن؟ لقد ربحت دارسي..لقد هزمت العجوز..في الواقع لقد فهمت خطأها وهربت!
الا ان دارسي لم تكن تشعر انها ربحت شيء..فقد كانت تشعر بالفظاعة!
ادركت لتوها انها لايحق لها ان تقرر مثل هذه الأمور عن شخص آخر خاصة والدها.
قالت للوغان ساخطة:"اعتقد انك متوحش دون احساس".
رد ساخرا:"لاأنني لا ادعي انني متكدر لهذا؟".
ردت بقوة:"لأنك اناني".
-هل يعني هذا انك لن تتناولي العشاء معي؟
صاحت:"كلا!لاهذا المساء ولافيما بعد!والآن لوعذرتني يجب ان اخرج".
-لرؤية والدك؟.
صاحت:"اهتم بشؤونك الخاصة!".
وصفقت السماعة مكانها.
انه مجرد من الأحاسيس.الايهتم لأن امه تعيسة مثل ابيها،بعد فسخ الخطوبة.
حسن جدا..سيبحثان في المسألة فيما بعد.
*************************

6-لن اذهب بدونك..

احس لوغان كأنه مجرم يعود راكضا نحو مسرح الجريمة !ومع ان مطعم الشيف سيمون بديكوره الدافيء ورائحة طعامه الشهية والخدم الودودين لم يكن ابدا مسرح جريمة،الا ان لوغان احس وهو يدخل المطعم وكأنه يدخل صراع!.
لم يكن لديه شك بأن دارسي لاتود رؤيته بعد محادثتها الهاتفيه لكن،كان لديه سبب للمجيء الى هنا،فهو يود ان يرى مااذا كانت دارسي قد عادت الى والدها وهذا هو بالضبط هدف اتصاله بها.
حياه رئيس الخدم بحرارة:"مساء الخير سيدي..تسعدني رؤيتك مجددا".
هز لوغان رأسه يحييه بعد ان قرأ الأسم على بطاقة الرجل:"جايمس..لقد اتصلت سكرتيرتي وحجزت لي طاولة لشخص واحد".
لقد بات معتادا على تناول الطعام وحيدا!
اكد له كبير الخدم:"بكل تأكيد الطاولة نفسها،اذا كان ذلك يناسبك!".
ولم لا؟فمزاجه الآن ليس افضل مما كان عليه منذ ثلاثة ايام وهو لايرغب بأي رفقه!
ابتسم:"عظيم..ولسوف احاول اكمال الأمسية كلها هذه المرة".
لوح الرجل بيده صارفا النظر عن الأعتذار:"لقد شرح لنا ابن خالتك انك استدعيت الى مكان اخر على غفلة".
شكرا يافيرغوس.قالها لوغان في سره.
سأل بلهجة عفوية بعد ان جلس،ووضع رئيس الخدم لائحة الطعام امامه:"هل الآنسة سيمون هنا هذا المساء؟".
للوهلة الأولى كاد الرجل ان يفقد مرحه.لكنه سرعان ماسيطر على نفسه الا ان ابتسامته بدت للوغان متوترة قليلا وقال مؤكدا:"بكل تأكيد هيا هنا سيد ماكنزي..هل تريد ان اقول لها..؟".
رد لوغان بحدة:"لا..لقد تساءلت فقط عما اذا كانت هنا الليلة..وهذا كل شيء..شكرا لك".
دارسي هنا لحسن الحظ ان الأمور عادت تسير على مايرام في عالمها.
-هل احضر لك شيئا تشربه سيد ماكنزي؟
-عصير برتقال.
هذه المرة كان متأكدا مما طلبه..السمك كبداية،ووجبة اساسية من اللحم المشوي!
ولم يكن لديه شك حين وصلت الأطباق انها لذيذه..لكنه لم يتذوق لقمة منها!كان يعي تماما ان دارسي تعمل في المطبخ على بعد خطوات،وكان في كل مرة ينفتح فيها باب المطبخ لايستطيع منع نفسه من التطلع في اتجاهه..هذا امر سخيف!
لماذا يشعر بعدم الأرتياح هكذا؟فهو لم يفعل سوى اخبار دارسي بالحقيقة.
ثم اذا عادت الى العمل هنا فهذا يعني انها تصالحت مع والدها ويجب ان تشكره!
هو يعرف انها ليست ممتنة..وانها تعتبره متوحشا وانانيا والى ماهنالك...
-ماذا تفعل هنا؟
كان غارقا في افكاره بحيث لم يلاحظ ان دارسي خرجت من المطبخ،وراحت تتنقل من طاولة الى اخرى تتبادل الحديث مع الزبائن الى ان لمحته يجلس وحده على الطاولة قرب النافذة.
وضع لوغان السكين والشوكه من يده على الطبق قبل ان يرفع نظره اليها:
-ليس هذا ماكان يجول في ذهني حين دعوتك..لكن لابأس.
كانت ترتدي بلوزة عاجيةوتنورة سوداء وكان شعرها مربوطا الى الخلف ووجهها محمر بسبب عملها في المطبخ.
قال ساخرا:"ارجو الا تكوني على وشك افتعال مشكلة اخرى في مطعم والدك دارسي..مشكلتان في اسبوع واحد ليس امرا جيدا،تعرفين هذا...ففي هذه الحالة سوف يأتي الناس الى هنا للفرجة بدلا من تناول الطعام".
اخذت نفسا عميقا وحاولت جاهدة السيطرة على غضبها.لكنها كانت تعرف ان لوغان محق بشأن عدم افتعال مشكلة .
اخيرا ردت:"لا..لن افتعل مشكلة ..سألتك فقط مالذي تفعله هنا".
وكانت لهجتها رزينه بالرغم من ان اللمعان الذي ظهر في عينيها كان يقول شيئا مختلفا.
رد عليها:"اعتقد اني افعل مايفعله الآخرون هنا..اتناول الطعام!".
اشتدت قبضتاها الى جانبها وسألت:"لكن لماذا هنا؟".
نصحها بصوت منخفض:"ابتسمي يادارسي..لقد بدأ الناس ينظرون الينا".
-دعهم ينظرون فعلى عكس ماتظنه انت وأبي انا لاأبتسم عند الطلب يالوغان..
قاطعها متشدقا:"حسن جدا..هذا على الأقل يبشر بالخير. كنت اتوقع ان تناديني بشيء اكثر سوءا من مجرد اسمي الأول".
وقطبت متسائلة
يبشر بالخير..بعد الطريقة التي انهت بها المكالمة الهاتفية،كان يجفل عند التفكير ببعض الأِياء التي ستقولها له،عندما يلتقيان ثانية. وكان لوغان ممتنا لهذه الظروف.
سأل بصوت لطيف:"هل لديك بضع دقائق؟مارأيك في الأنضمام الى لشرب كوب من العصير".
وبدت مستعدو للأنفجار:"انضم اليك...!".
وسيطرت على اعصابها بجهد:"لوغان ..لو امسكت العصير فعلى الأرجح لأسكبه على رأسك تمارا بدلا من ان اشربه".
هذه هي دارسي التي يعرفها..و..ماذا؟ليس لديه فكرة عن ماذا؟
لكنه يعرف ان امسيته اكتسبت توهجا على حين غرة..وان الجو حولهما اخذ يضج بالحياة..مايحبه في هذه المرأة هو انها لاتصيبه بالملل ابدا،وهذا بحد ذاته امر غير عادي..ففي كل علاقاته السابقة كان يجد نفسه ضجرا بعد عدة لقاءات.
-سيكون هذا هدرا.
ورفع كأسه في نخبها قبل ان يرتشف شيئا من عصير البرتقال..وقال:
-هذا فعلا عصير طازج ممتاز..هل انت واثقة من انك لاتريدين الأنضمام الي لشرب كأس منه؟.
اكدت له من بين اسنانها:"متأكدة..ويجب ان اعود الى المطبخ..فبفضلك وفضل امك انا على عجلة من امري هذا المساء!".
تمتم وهو ينظر الى الموائد المزدحمة:"حسن جدا..ارى ان المطعم مزدحم..لكن هذا ماتريدينه بكل تأكيد اليس كذلك؟ولاارى كيف انني وامي متورطان في هذا؟".
سحبت كرسيا لتجلس قبالته:"اذن سأشرح لك..ممكن؟".
ومالت الى الأمام ونظرتها الفضية شاخصة على وجهه:"من الواضح انك قلت لأمك انها ترتكب غلطة في زواجها من ابي..".
-انا..
-هل تتركني اكمل..لطفا؟
ربما من الأفضل له ان يدعها تكمل.فقد بدا انها تنتقي كلماتها بحذر وانها مستعدة للأنفجار.
وهو لم يكن يمزح حين نصحها بعدم افتعال مشكلة.
تابعت قائلة:"شكرا لك..بناءا على نصيحتك فسخت امك خطوبتها من ابي وابي قرر على اثر هذا ،انه يحتاج الى فرصة بعيدا عن كل شيء..عن امك وعني..,عن المطعم وكل شيء..وهكذا.."
قاطعها لوغان بنعومة:"اتقولين ان والدك ليس في المطبخ هذا المساء؟".
-هذا ماأقوله بالضبط.
-اذن من..
وصمت وهو يهز رأسه وقد ضاقت عيناه:"اتقولين انك انت من تحضر كل الوجبات هذا المساء؟".
-هل هماك مالا يعجبك في وجبة طعامك؟
اكد لها بذهول:"لا..ابدا".
في الواقع كان الطعام ممتازا..لكنه لم يعرف ان دارسي تجيد الطبخ هكذا..فحين اخبرته انها تساعد والدها ظن انها على الأرجح تقشر الخضار او تفعل شيئا ما..لكنه وجد من الأفضل ان يلزم الصمت بهذا الشأن بعد النظرة الى قسمات دارسي الصارمة!
*******************************

ان غياب دانيال سيمو هذا المساء يفسر تصرف رئيس الخدم فمن الواضح ان الأمور لم تكن على مايرام في المطعم!بالرغم من ان جايمس وبقية العمال كانوا يبذلون جهدهم لكي لايبدو الأمر عكس ذلك.
ذكرته دارسي بحدة :"لقد قلت لك اني تدربت على اعمال المطبخ".
قال مادحا:"انت بارعة جدا،لم يكن لدي ادنى فكرة ان والدك ليس في المطبخ ليطهو هذا الطعام الشهي".
-اين هو الآن؟
جلست ارسي مستقيمة الى الخلف،ولمعت عيناها بلون رمادي وارتجف فمها وهي تقول له:"ليس لدي فكرة..لم يقل لي..ولم اشأ ان اسأله".
حدق لوغان اليها..وفتح فمه مرتين ليتكلم واقفله دون ان ينبس ببنت شفه.
لابد ان هذا اليوم هوة اسوأ الأيام.فبعد تلك المكالمة المبكرة مع لوغان ذهبت الى والدها فاذ به يقول لها ان عليه ان يبتعد لبضعة ايام
وطلب منها ان تأخذ مكانه في المطعم اثناء غيابه..وفي مثل هذه الظروف لم يكن في وسعها سوى القبول.
اخيرا قالت بحدة بعد ان اصبح التوتر لايطاق:"حسنا..لماذا لاتقول شيئا؟".
كشر لوغان:"لااظنني اعرف ماذا اقول".
ردت ساخرة:"لابد انه هذه هي المرة الأولى".
نظر اليها مؤنبا:"اهانتي لن تساعد في تحسين الموقف يادارسي".
-ربما لا..لكنها تجعلني اشعر بتحسن.
-لاشك في هذا..لكنها لن تعيد لك والدك من حيث ذهب ليبسلم جروحه.
ردت تدافع بهجوم:"جروح اوقعتها امك به" واصطبغت وجنتاها بنار حمراء.
-انها اول مرة يهتم بها فعلا منذ وفاة امي..ولقد رمت له حبه في وجهه تمارا كأنه لايعني لها شيئا!
نظر لوغان اليها مفكرا:"اما كان يجب ان تفكري بهذا قبل ان ترمي آنذاك اللوم في وجهه؟".
-لقد تخليت عن عملك معه هنا..وغادرت المنزل..اليس هذا بمثابة انذار له:هي او انا؟.
خبا الأحمرار الذي يعلو خديها واصبحا ببياض الأموات..
-انا فقط..
وصمتت وارتجفت شفتها بحيث لم تعد تستطع الكلام ودمدمت:
-عن اذنك.
ووقفت تشق طريقها نحو المطبخ وهي لاترى شيئا امامها واحست بالارتياح لسماع صوت الباب يقفل ورائها وانهمرت الدموع ساخنة على خديها مما استرعى انتباه العاملين في المطبخ.
لكنها لم تشعر بالراحة حين احست بذراعين قويتين تلتفان حولها،وتجذبها الى صدر صلب،عرفت على الفور انه صدر لوغان..لقد لحق بها!
قال بخشونة وهو يعطيها منديله الأبيض:"لقد اصبح هذا عادة عندي".
اخذت المنديل وخفت نحيبها وهي تمسح دموعها.
كانت قد حاولت طوال المساء الا تفكر بوالدها او سبب ابتعاده،
لكن حين تكلم لوغان عن الامر ادركت انه على حق فوالدها لم يبتعد بسبب فسخ الخطوبة..لقد ابتعد ليتهرب منها ايضا.
-دارسي..اوه..!
وقفت احدى النادلات بارتباك داخل المطبخ وهي ترى دارسي بين ذراعي لوغان بينما تجنب عمال المطبخ اختلاس النظر اليهما..وقالت الفتاه دون ارتياح:"آسفة للمقاطعة..لكن زبائن الطاولة رقم عشرة احبو كريما السبانخ كثيرا حتى انهم تساءلوا اذا كان هناك المزيد منها".
نظر لوغان الى الفتاه المسكينه:"قولي لهم..".
قاطعته دارسي:"لابأس لوغان.."
وخرجت لتستدير وتبتسم للنادلة:"اعطني دقيقتين".
والتفتت الى لوغان:"علي حقا ان اتابع عملي..فأنا.."
-سأعود الى طاولتي..ثم سأنتظرك واخذك الى المنزل فيما بعد".
وكان عليها ان تعترف انها لاتفضل العودة الى منزل والدها الفارغ.
قال لوغان بحزم:"الأمر ليس موضوع نقاش،فما زال لدينا امور علينا ان نناقشها".
ولم تكن تنوي النقاش،بل كانت سترفض اقتراحه بحزم لكن نظرة واحدة الى قسمات وجهه المصممة جعلتها تعترف انها ستضيع وقتها..والوقت ليس شيئا يمكن ان تضيعه هذا المساء.
هزت رأسها:"سأنهي عملي هنا حوالي الساعة الثانية عشرة والنصف".
اجاب بخشونة:"عظيم".
واستدار على عقبيه ليعود الى داخل المطعم.
اخذت دارسي نفسا عميقا قبل ان تستدير وتبتسم للعمال الأربعة وقالت:"لقد انتهى العرض يارفاق..ولدينا مطعم نديره".
لكنها مع ذلك لم تسنطع التركيز تماما .
انهى لوغان طعامه في الحادية عشر ودخل المطبخ حيث جلس يستريح وهذا مالم يكن يساعدها على التركيز.
قالت بارتباك بعد منتصف الليل بقليل:"لن اتأخر كثيرا".
قال:"خذي وقتك..لن اذهب الى اي مكان".
بل سيذهب لمنزلها للكلام ..كما قال..لكن ماذا بقي ليقولاه لبعضهما؟
هذا الأمر يربكها كثيرا،فهي لاتزال تتذكر الطريقة التي عانقها بها منذ ثلاثة ايام.
والأكثر تحديدا..انها لاتزال تتذكر كيف استجابت لعناقه!
**********************

7- دعني اذوب




تعمد لوغان البقاء صامتا في طريق العودة الى منزل دارسي لكنه احس بالغضب الشديد نحو والدها لأنه تركها في موقف حرج كهذا،فالمطعم مطعمه ولايحق له الأبتعاد بهذا الشكل وترك كل شيء على عاتقها!
حين وصلا الى منزلها اضاءت النور وسبقته الى المطبخ:
-هل ترغب لوغان بفنجان قهوة؟
رد لوغان بحزم:"لا..بل ارغب في ان تجلسي".
وقرن كلماته بالفعل،ردها بلطف نحو احدى الكراسي الخشبية الموضوعة حول الطاولة.
-..انا سأعد القهوة.لقد خدمت للناس بما يكفي هذا المساء.
وبدأ يفتش في خزانة المطبخ تمارا عن البن:"لم اكن اعرف ان ادارة المطعم تتطلب كل هذا العمل".
ابتسمت دارسي متوترة:"في العادة هناك طاهيان في المطبخ كل مساء..
لكن عطلة الطاهي الآخر صادفت الليلة و..".
قطع عليها لوغان الكلام:"وبسبب اختفاء ابيك بقيت لتحمل العبء وحدك".
صححت له:"في الواقع كنت سأقول هذا،كما انني لم اشعر انه من الأنصاف ان اطلب من دايفد القيام بعمل اضافي هذا المساء".
-انا لااعتقد ان والدك كان منصفا في الأبتعاد وترك الأمور على عاتقك..فما حصل فسخ خطوبة وليس نهاية العالم!
ووضع امامها فنجان قهوة يتصاعد منه البخار قبل ان يجلس ويحتسي قهوته.
نظرت اليه مفكرة لعدة ثوان:"هل وقعت في الحب من قبل يالوغان؟".
تراجع في جلسته ولم يستطع اخفاء دهشته لسؤالها الشخصي،مامن احد طرح عليه يوما سؤالا كهذا،ولاحتى فيرغوس والله يعلم انه اقرب من الأخوة!
اخيرا رد عليها مدافعا:"وانت؟".
ابتسمت ابتسامة بدت اقل تعبا هذه المرة،الراحة من ضغط العمل ودفء القهوة انعشاها قليلا على مايبدو.
قالت:"مرة واحدة..لكني لااعتقد انها تحسب".
ولم يوافقها لوغان الرأي..اي نوع من الرجال هذا الذي احبته يوما؟
وهل حبها هو ايضا؟ واذا كان الأمر كذلك فأين هو الآن؟
قالت بابتسامة شريرة:"كنت في التاسعة وكان هو في العاشرة".
لاشك انها تشعر بالتحسن لتمزح هكذا..وتقبل لوغان الأمر بظرف.
لكنه لم يشعر بحال افضل..لماذا يزعجه كثيرا ان يعرف انها احبت شخصا آخر؟
رد بخشونه ليغطي ارتباكه:"انه اكبر منك سنا".
ابتسمت وارتشفت القهوة:"همم..لكنني لااعتقد انه يمكنك الحكم على مشاعر ابي على هذا الأساس في الوقت الحاضر".
قد تكون محقة،ولأن لوغان لم يحب من قبل..حتى في التاسعة او العاشرة فهو لايستطيع ان يطلق الأحكام الا انه لايزال يعتقد ان امه لبست خسارة كبيرة لدانيال وحياته!
هز لوغان كتفيه:"انا واثق من انه سيتغلب على محنته"؟
نظرت دارسي اليه نظرة مضطربة:"اتمنى لو اكون واثقة مثلك..ربما لوتكلمت مع امك..".
انفجر غير مصدق:"لماذا".
ووضع فنجان القهوة من يده:"ذاك المساء لم تستطيعي تحمل البقاء في المطعم معها".
كشرت دارسي وجهها:"لكن ربما كنت مخطئة في حقها،لقد فكرت بهذا كثيرا..ونظرا لحالة والدي الآن كان من الأفضل ان افكر..اذا كان يحبها..".
ذكرها لوغان:"لقد قلت بنفسك انه لايحبها..وانه لايمكن ان يعرف حقيقة مشاعره بعد ثلاث اسابيع من معرفتها".
تنهدت دارسي بثقل:"كنت اظن ان فسخ الخطوبة هو ما اريده.لكن الىن وقد حدث ماحدث لااستطيع تحمل رؤية والدي تعيسا".
-تعاسة قصيرة الآن افضل من تعاسة تدوم طول العمر.
امالت رأسها وهي تنظر اليه مفكرة مرة اخرى:
-انت حقا لم تحب..اليس كذلك؟
-انا ببساطة اشك ان يكون الحب اساسا جيدا لبناء علاقة تدوم مدى العمر.
نظرت دارسي اليه غير مصدقة وشهقت:"ماهي الأسس الجيدة اذن؟".
-ليس لدي فكرة ..يجب ان ارى علاقة ناجحة لأحكم!
كان زواج امه من ابيه سعيدا..لكن لوغان كان صغير جدا حين مات،والده ليتمكن من الحكم على صحة ذلك.
اما زواج امه الثاني فكان اشبه بساحة معركة.
لا...لقد قرر منذ زمن بعيد انه لو خطا هذه الخطوة يوما وتزوج فلن يكون ذلك بالتأكيد بسبب الحب فالحب يجعل المرء ضعيفا ولوغان لايريد ان يختبر هذا النوع من الأحاسيس.
تجهم جبين دارسي العاجي:"اجد هذا محزنا جدا".
وبدت حزينه فعلا ،الا ان لوغان لم يكن يريد ان يسبب لها هذه التعاسة فقال مازحا:"نحن لسنا هنا لنناقش نظرتي في الحب والزواج..وما يهمك هو والدك..الا تذكرين؟".
لكنه سرعان ماادرك ان ماقاله لم يكن مناسبا خاصة بعد ان رأى حزنها يزداد عمقا.
سألته:"اود حقا ان اتحدث الى امك،اتظن ان هذا ممكن؟".ونظرت اليه بعينين رماديتين صافيتين.
هذا مستحيل عن طريقه!فهو لايرغب مطلقا ان تقابل امه.
قال بحذر:"لأي غرض؟".
بدت مرتبكة:"بصراحة ليس لدي فكرة وهذا امر غريب،لكني اشعر ان كل منا تحب والدي وهذا يجعل بيننا رابطا ما..هل تفهم هذا؟".
ونظرت اليه متسائلة.
ذكرها:"هل نسيت ان امي هي التي فسخت الخطوبة؟وهذا بالكاد يعتبر تصرف امرأة تحب!".
اصرت دارسي:"هنا تكمن المسألة كلها احتاج ان اعرف لماذا فسخت الخطوبة ..واذا كان هذا الأمر يتعلق بي..".
قاطعها لوغان بأصرار:"حتى لوكان له علاقة بك ماذا يمكنك ان تفعلي؟".
كان لايزال غير واثق من صدق كلام امه انها قالت لن تتزوج دانيال اذا كان هذا الزواج يفسد علاقته بأبنته.
-امي ليست من النوع الذي يتأثر باحتياجات الآخرين ورغباتهم.
ولم تعجبه الطريقة التي راحت بها دارسي تنظر اليه.وادرك انه بكلامه هذا فضح الكثير من استيائه ومرارته نحو امه.
لكن بعد ان اتصلت به امه هذا الصباح لتعلمه انها انهت علاقتها بدانيال كانت الفكرة الوحيدة التي خطرت بباله ان يخبر دارسي بالأمر.ولقد تجاوبت دارسي بالذهاب مباشرة الى والدها الا ان دانيال هو الذي بدل السيناريو بسبب قراره الابتعاد بهذه الطريقة،والآن هاهي دارسي تطلب منه اللقاء مع امه،مع انها اظهرت نحوها كراهية عمييقة فيما مضى..لم يكن لوغان واثقا من انه سيفهم النساء ابدا..كانت امه ودارسي لغزا بالنسبة له!
تابعت دارسي ونظرت اليه :"هل ستعرفني بها..ام سأظطر للجوء الى طريقة اخرى؟".
سألها لوغان:"لماذا لاتتقبلين ان الأمر انتهى؟وتكوني ممتنة لذلك!".
اصرت بعناد متجاهلة كلماته:"هل ستعرفني بها؟".
وقف فجأة وقال راعدا:"لا..لن افعل! لماذا لاتتركين الامر وشأنه!ستستمر امي بالتمثيل وسيتغلب والدك على خيبة الامل،وانت..".
لمعت عيناها:"لن ارتاح حتى اكلم امك".
احنى لوغان راسه ينظر اليها طويلا.انها حقا عنيدة..عنيدة مثله..
وراح يفكر اذا دارسي جادة حقا في رغبتها بلقاء امه..وهي جادة قطعا كما يبدو..افليس من الأفضل ان يكون حاضرا حين تلتقبان؟.
بكل تأكيد!
قال ساخطا:"حسنا..سأكلم امي غدا لأرى اذا كانت راغبة بلقائك فهل يرضيك هذا؟".
ردت دارسي بابتسامة.
وعندئذ احس لوغان بان مطرقة ثقيلة اصابت صدره وخطفت انفاسه!
قالت دارسي وهي تقف:شكرا لك لوغان..هل احضر المزيد من القهوة؟".
رد بصوت مخنوق:"قهوة..؟".
توقفت عن ملء الأبريق وارتفع حاجباها:"الا اذا كنت تريد الذهاب الآن؟".
اضطرت دارسي الى تبديل رأيها السابق فيما يتعلق بعلاقة لوغان وامه.
فهي كانت قد افترضت انه لايريد ان يتزوج والدها من امه،لأن والدها ليس كفؤا،لكن تعليقاته منذ وصوله اوحت بشيء مختلف انه لايحب امه؟فاذا كان لوغان لايحب امه فأي فرصة لها في ان تحبها هي ايضا.
سألت بقلق بعد ان طال سكوته:"لوغان؟".
خطا الى الأمام ووقف على بعد خطوات منها وتمتم غاضبا:"ماهذا الذي فيك بحق السماء؟".
نظرت اليه مجفلة:"ماذا؟".
هز رأسه باشمئزاز من نفسه:"في كل مرة تبتسمين ارغب في معانقتك".
اتسعت عيناها وصدمت لأعترافه وتراجعت الى الخلف،لكنه شدها دون جهد بين ذراعيه فاختنق في صدرها كل ماارادت ان تقوله.
قد يشعر هو برغبة في معانقتها كلما ابتسمت لكن كلما اقترب منها كانت هي تذوب.
تحركت يداها لتمسك بكتفيه..ليس بسبب خوفها من الوقوع فقد كان يمسك بها بقوة ويضمها اليه..احبت الاحساس به،احبت قوة جسده.
واحترقت دارسي وارادت الا يتوقف هذا الأحساس ابدا!
علا خدي لوغان احمرار خفيف وهو ينظر اليها وقال متأوها:"انت جميلة جدا".
احست دارسي بضعف شديد لشدة شوقها وتجاوبها وزادت حرارة جسدها بشكل محموم وارتجفت بشدة بحيث لم تعد تستطع الوقوف.
لكن ماان احس بتجاوبها حتى توقف السحر بالنسبة للوغان وتحركت يده ليمسك بيديها وهو يبتعد قليلا عنها.
رفعت نظرها اليه بعينين زادت حرارة الحب من لونهما الداكن وكأنها تسأله لماذا توقف.
قال بصوت خشن:"هذه ليست فكرة جيدة".
وشعرت دارسي بموجات من الاحراج،ماذا كانت تفعل؟حسب معرفتها لايلزم لوغان سوى عشر دقائق بالضبط ليجعلها تذوب بين ذراعيه.
ماذا سيفكر بحق السماءّ؟منذ ساعتين كانت ترشقه بالأهانات مع ذلك الآن..وللتو..او..ياالهي!
تكلم لوغان بتعبير قلق وهو يمرر يده في شعره الأسود الكثيف :
"اعتقد انه من الأفضل ان اذهب..انا..انا آسف دارسي".
هل هو آسف؟
لم تكن دارسي واثقة من انها ستتمكن من النظر في وجهه مرة اخرى لقد عانقها كما لم يعانقها احد من قبل..
كرر لوغان:"انا حقا آسف دارسي".فقالت وهي تنظر الى الأرض:
-ربما من الأفضل ان تذهب.
-اجل.
لكنه لم يتحرك ومع انها كانت لاتنظر اليه الا انها كانت تشعر بوجوده في المطبخ وتعرف انه لم يذهب.
اخير توسلت:"ارجوك لوغان".
ولم تعد واثقة من انها قادرة على الوقوف على قدميها.
كرر بهدوء:"اجل..انا..سأتصل بك غدا بخصوص لقائك مع امي".
نظرت اليه متسائلة:"طبعا".
ثم استدارت مجددا وللحظة ظنت انه يعني شيئا آخر!
عنفت نفسها:حمقاء..
قالت تمازحه بصوت اجش في محاولة لتخفيف الجو المتوتر بينهما.
-ربما من الأفضل الا ابتسم في المستقبل.
قد يصبح هذا الرجل في المستقبل ابن زوجة ابيها وفي مقام اخيها لو ان والدها تزوج امه وتمكنا من تسوية الخلاف بينهما..
وافق لوغان بهدوء:"سأتصل بك ما ان اتكلم مع امي".
هزت رأسها:"سأكون في المطعم من الساعة الحادية عشر صباحا".
هز لوغان راسه:"انها حياة متعبة..في هذه الحالة انا مضطر للحجز لدى شركة سيمون لمجرد ان تتاح لي فرصة التحدث معك!"
نظرا لهذه الظروف تفضل دارسي على الأرجح الا يفعل..فحديثهما الخاص ينقلب الى شيء اخر.
قالت دون التزام:"انا واثقة من ان ابي لن يغيب طويلا..سأرافقك الى الباب هل تسمح؟".
انها فعلا بحاجة للبقاء وحدها لبعض الوقت.
قال وهما يسيران الى الردهة:"تبدين مرهقة".
لعل كلمة"مدمرة"اكثر دقة.فهي تجد صعوبة في فهم كل ماحدث بينهما ولاتعرف تماما مايحصل.
ولم يبد لوغان اكثر سعادة منها!لاشك انه يتساءل عما تملكه ليعانقها كما فعل،فابالرغم مما قاله اها وهما يتغازلان هي تعرف انها ليست جميلة ولم تكن جميلة ابدا..
ابتسامتها هي التي اغوته لذا مستقبلا ستحاول الا تبتسم الا اذا ارادت ان تجد نفسها بين احضانه!
توقف لوغان عند الباب وقال ناصحا:"اقفلي الباب حين اخرج فلا احبذ فكرة وجودك وحيدة في هذا المنزل الكبير طوال الليل".
تحولت لهجتها الى سخرية:"انا اجيد الاعتناء بنفسي".
تامل وجهها وقال:"حسبما ارى لاتجيدين ذلك مطلقا".
اخذت نفسا عميقا:"قد يقتنع العديد من الناس لوغان بآرائك لكنني لست واحدة منهم".
قال قبل ان يسير ويفتح بابا سيارته:"اقفلي الباب على اي حال".
ولم تنتظر طويلا فما ان خرج حتى صفقت الباب الامامي وراءه وتعمدت احداث ضجة وهي تدير المفتاح في القفل.
استندت بضعف الى الباب المقفل..كيف سمحت لذلك ان يحث؟
ووبخت نفسها مشمئزة من ذاتها..
وفي كل مرة تفكر فيها بذاك العناق تمارا تتمنى لوتنشق الأرض تبتلعها!
لاتستطيع الدفاع عن نفسها بالادعاء ان لابتسامته تأثير عليها كما يفعل هو..فلوغان نادرا مايبتسم ولاتظن انها رأته يضحك ولو مرة واحدة.
وذلك سببه على الارجح تلك التعاسة التي تظهر جلية بعلاقته مع امه.
لكنها ببساطة لاتعرف.كما انها لاتعرف كيف يمكنها مواجهته غدا..وهذه المرة على الارجح ستكون في وجود امه.
***********************

8-خيبة مزدوجة..

لم يكن لوغان متشوقا لهذا اللقاء.لكن احساسه هذا لادخل له بوجود امه..انما سببه علاقته بدارسي!
كان قد فعل ماطلبته منه،فاتصل بامه صباحا وبدت مرحة.
تمنى لوغان لو يشعر بالمرح ذاته لكنه وبعد ليلة جافاه فيها النوم،كان يشعر بالتعب وسزء الطباع.فقد بقي مستيقظا لساعات طويلة يفكر بدارسي ويحاول معرفة سبب تأثيرها عليه.
لكن عدم توصله الى اجابة لم يساعده على تحسين مزاجه هذا الصباح.
لم تكن دارسي تشبه النساء اللواتي يجذبنه عادة:جميلات واثقات من انفسهن ومستقلات عاطفيا..فدارسي جميلة فقط حين تبتسم..وهي لاتبتسم كثيرا في حضوره والحمدلله وثقتها بنفسها تحتاج الى الكثير بعد.
اما بالنسبة لاستقلالها العاطفي..فها هو قد خسر منديلا اخر بسبب دموعها!
اذن لماذا لايستطيع ابعادها عن تفكيره؟
اغمض عينيه لحظة وراح يفكر فيها..لقد ركلته على ساقه وهددت بسكب العصير على راسه!وهو لو فكر جيدا يالأمر لوجد ان حياته الشخصية غدت مضطربة متذ اللحظة التي التقاها فيها.
قالت امه معلقه وهي تجلس الى جانبه في السيارة التي يقودها باتجاه الفندق حيث سيلتقيان دارسي:"انت تعيش مرة اخرى يالوغان".
-اذا كنت عابسا فهذا لأنني لست ممتنا لتورطي بتعقيدات حياتك الخاصة.
هزت امه كتفيها:"انت دبرت هذا اللقاء لوغان..وليس انا".
-لأن دارسي طلبت هذا..وليس للسبب آخر.
تمتمت مفكرة:"همم..ربما سالتك هذا السؤال من قبل..لكن مامدى علاقتك بابنه دانيال؟".
وهاجمته على الفور ذكرى دارسي ونعومتها بين ذراعيه.
بدت الحيرة على امه:"قلت لي ذلك اليوم انكما صديقان".
صحح لها:"كنا كذلك..وربما كان ذلك وصفا مبالغا فيه".
قالت امه ببطء:"مع ذلك طلبت منك ان تحدد ترتيب هذا اللقاء بيننا".
-حصل هذا فقط لأن والدها لم يبق معها وقتا كافيا ليقوم بتدبير اللقاء بنفسه!
ابتعلت الأم ريقها بصعوبة:"لقد جرحت دانيال بشدة حين فسخت الخطوبة".
انفجر لوغان:"اذن لما فعلت ذلك".
-واي خيار كان لي..لقد رفضت مساعدتي؟".
اشتدت قبضتا لوغان على المقود:"لاتلوميني.."
تنهدت وامسكت ذراعه:"انا لاالومك انا فقط اشير الى انني اخبرتك بما انوي فعله ان لم تقتنع دارسي،فدانيال لم يكن راغبا في ان التقي بها وانت لافضت مساعدتي..".
وصمتت قليلا:"ولم يبد لي ان هناك وسيلة اخرى".
قال بلؤم:"كان يمكن ان تفعلي ماكنت تفعليه دائما..ان تهربي معه دون الاهتمام بالتنائج".
نظرت اليه امه بتعبير حزين:"اتمنى لو نتمكن انت وانا يوما من الجلوس والكلام عن الماضي كشخصين راشدين..".
ثم سألت بحدة:"يقول دانيال ان دارسي متزنة وطيبة القلب..فما هو رايك؟".
اجفل لسؤال امه غير المتوقع حتى انه للحظات لم يتمكن من ايجاد الرد المناسب..
قال دونما اهتمام:"برأيي يجب ان تنتظري لتلتقي بها وتحكمي بنفسك".
ربما وجود امه معه في هذا اللقاء ليس بالامر السيء هذا مافكر فيه لوغان بعد ان رأى دارسي في صالون الفندق تنتظر وصولهما.
لماذا لم يخطر له من قبل انها جميلة؟بدت دارسي اليوم رائعة الجمال! شعرها البراق ينساب على كتفيها وعيناها الكبيرتان تلمعان من خلال رموشها الكثيفة الطويلة واحمر الشفاه يلمع فوق شفتيها تمارا منسجما تماما مع احمرار خديها!
بالمقارتة كانت امه قد خففت من التبرج الذي يظهر جماها بشكل مثير.وكانت تضع فقط بعض الحمرة الخفيفة على خديها واحمر شفاة ناعما.
لم يكن لدى لوغان ادنى شك من ان المرأتين قد قامتا بهذه التغيرات توقعا للقاء ببعضهما.
لكن مظهر دارسي مختلف تماما كان له تاثير بالغ على لوغان مما اصابه بالذهول.
ومظهرها هذا جعله يعي تماما ان ابتسامتها ليست وحدها التي تصيبه بقدان القدرة على الكلام!
ربما سيتمكن من تعريف المرأتين ببعضهما ثم يعتذر وينصرف؟لانه لم يكن واثقا من انه قادر فعلا على الجلوس هنا والتصرف بشكل طبيعي!
لكن بدلا من الاعتذار والمغادرة وجد نفسه يجلس معهما ويوافق على تناول الشاي معهما.
قال لنفسه بازدراء:"اين هي قوة الارادة يالوغان".
لكنه ادرك بسرعة بعد ان راى المرأتين تنظران الى بعضهما بقلق ان عليه ان يقول شيئا ليخترق هذا الصمت المربك.
سأل دارسي محدثا:"هل كنت منهمكة جدا وقت الغداء اليوم؟"ز
وبدا انها ارتاحت للكلام معه فهي لم تكن قادرة على النظر الى مارغريت.
-لم يكن الامر سيئا.
ولم يكن واثق من صدقها فآثار التعب بادية عليها وسألها:
-هل سمعت شيئا عن ابيك؟
ردت بهدوء:"لا".
ونظرت الى امه برموش منخفضة.
بدا واضحا انها كانت تتسائل عما اذا كانت مارغريت قد سمعت شيئا عن دانيال،حسن جدا اذا لم تسألها دارسي فسيفعل هو!
نظر الى امه بعينين ضبقتين:"وماذا عنك؟"
اخذت مارغريت وقتها لترد واجابت:
-لوغان..انا..آه..الشاي.
وابتسمت للساقي وهو يضع الشاي امامهم.
لم يستطع الشاب ان يبعد عينيه عنمارغريت وهو يقوم بعمله..فلا شك انه يتساءل عما اذا كانت هذه فعلا الممثلة الجميلة مارغريت فرايزر،لكنه كان اكثر ادبا من ان يسأل.
نظر لوغان الى رد فعل الشاب باشمئزاز.كان يرى ردة الفعل هذه نحو جمال امه وكان يشعر بقمة الاحراج حين كان يقدمها الى اصدقائه.فلم يكن احدا منهم يهتم لكونها كبيرة بما يكفي لتكون امهم!كانت ام صغيرة لافرق،فالرجال يصرعون امام جمال امه.
استطاع ان يلاحظ غيرة دارسي وهي تراقب رد فعل الشاب نحو مارغريت.
قالت الام بخفة ماان ابتعد الساقي:"هل اسكب الشاي؟".
قال بخشونه:"تفضلي..وبينما تقومين بذلك اخبرينا عما اذا سمعت شيئا عن دانيال".
هل يتخيل ذلك ام ان قبضة امه ارتجفت فعلا على ابريق الشاي وهو يكرر سؤاله؟.
لقد ارتجفت،الا انها سيطرت على نفسها ببراعة ومالت برشاقة الى الامام لتعطي دارسي فنجان الشاي..لكن لوغان لم ينخدع بحركتها لحظة..فقد تكون امه ممثلة رائعة لكنه يعرفها جيدا لينخدع بها!
تابع ضغطه ماان اعطته الفنجان:"اذن".
ابتسمت امه لدارسي ابتسامة صغيرة:"لطالما كان عنيدا هكذا".
وهزت راسها:"لقد مشى حين بلغ عمره تسعة اشهر وتكلم وعمره..".
قاطعها لوغان والاحمرار يعلو خده:"امي؟انا واثق من ان دارسي ليست مهتمة ابدا بمعرفة متى مشيت ومتى تكلمت،اوحتى اي شيء من الانجازات الطفولية العادية".
رفعت امه حاجبين اسودين:"هل انت متوتر اليوم لوغان ام انه يتخيل الي ذلك؟".
لاانك لاتتخيلين ياامي.
ردت الام بهدوء:"اذن ياعزيزي لما لاتتركنا وحدنا؟يمكنني بسهولة ان استدعي سيارة اجرة لأعود وانا واثقة من اننا سنتدبر امورنا من دونك".
واستدارت الى دارسي:"اليس كذلك عزيزتي؟".
استدار لوغان ايضا نحو دارسي..انه هنا بسببها..ولايعجبه ابدا صرف امه له بهذه الطريقة وكأنه صبي مكلف بتوصيلها فقط،ولو فعلت دارسي الآن الشيء عينه..!
كشرت دارسي:"آسفه لوغان ..انا فعلا اعتقد ذلك ايضا..بالطبع يجب ان تذهب فانا واثقة من ان لديك اعمال تقوم بها".
-عظيم.
وضع الفنجان على الطاولة قبل ان يقف:"سأترككما اذن".
ودون انتظار تعليق آخر من اي منهما استدار وسار خارج الفندق.
كان غاضبا لدرجة انه نسي ان سيارته متوقفة في مرآب الفندق تمارا وهذا مازاد غضبه...
*******

راقبت دارسي لوغان زهو يرحل محبطا ولم تعجبها فكرة بقائها لوحدها مع امه،لكنها لم تعتقد انهما سيتحدثان بصراحة بوجود لوغان والصراحة امر يجب ان يكون متبادلا بينهما الآن.
قالت مارغريت بلطف كانها تقرأ افكار دارسي:"لاتقلقي كثيرا على لوغان..لديه طباع حادة..لقد شعر بالانزعاج لانه يحب ان يكون مسيطرا".
بدا الامر غريبا لدارسي،فهي تجلس هنا وتتناقش في امر لوغان مع شخص يعرفه بشكل حميم...
اكدت لمارغريت:"لست قلقة لكني حزينة قليلا لانه بدا غاضبا منا".
ضحكت امه:"انا معتادة على هذا..لقد كان غاضبا مني معظم حياته لسبب او لآخر لكنني افهم تماما كيف يمكن لهذا ان يكدرك".
هل تقول مارغريت ذلك لانها تتساءل عن مدى حميمية علاقتهما؟
تمنت دارسي لوتعرف الرد على هذا..ليلة امس..من الافضل نسيانها..وبخت نفسها فورا..لكن حتى اليوم،لقد اتصل لوغان ودبر امر اللقاء كما طلبت منه،واوصل امه الى هنا..وهذا لايبدو على الاطلاق تصرف رجل غير مبالي بها.
حتى انها اليوم قد ارتدت ملابس جميلة وتبرجت اكثر من اللازم املة ان يراها لوغان بشكل مختلف.
كان قد شاهدها في الغالب باكية او متعبة من العمل في المطبخ..وارادت ان تريه انها ليست دائما هكذا..لكن يبدو انه لم يلاحظ منظرها الأنيق.
هزت دارسي كتفيها:"لقد كان لطيفا جدا".
ردت الام مفكرة:"هم..ليس ممن عادة لوغان..اوه..لاتسيئي فهمي ..فانا اعتقد ان ابني رجل مهذب جدا..الامر فقط انه يميل عادة الى اخفاء كل هذا وينجح بشكل جيد".
لم تستطع دارسي منع نفسها من الابتسام،فهذا وصف دقيق للرجل الذي عرفته الأسبوع الماضي وهي لم تستطع اضافة كلمة اخرى.
ردت مارغريت الأبتسامة بدفء:"هذا افضل".
ومالت الى الامام تلتقط طبق الرقائق الهشة اللذيذة التي وصلت مع الشاي.
-خذي قطعة دارسي..بامكاننا ان نفكر في الحمية غدا!
لم تكن مارغريت بحاجة للتفكير في الحمية لكن هذا الامر ينطبق على دارسي..لكنها اخذت رقاقة بسكويت محشوة بالشوكولاته.
-انا احب والدك كثيرا يادارسي..اتعلمين؟
لم تكن الملاحظة متوقعة وكادت دارسي تختنق وهي تأكل البسكويت.
كانتا تتحدثان عن الحميات والبسكويت بحق الله!من اين اتت بهذه الملاحظة.
نظرت الى المرأة فاذا بها ترمقها بنظرة ثابته كشفت مشاعرها كلها هذه المرأة تحب حقا والدها.
ابتلعت البسكويت بصعوبة وبللت شفتيها ثم قالت ببطء:"لقد طرح عليك لوغان سؤالا قبل ان يغادر..هل تعرفين اين هو ابي؟".
لم ترتجف نظرة مارغريت:"أجل".
تنهدت دارسي بارتياح:"هل هو بخير؟".
-اجل.
هزت دارسي كتفيهارأسها:"هذا كل مااريد ان اعرفه".
ابتسمت مارغريت قليلا:"هل تتصورين ان لوغان يتقبل ردودي بسهولة".
ردت دارسي صادقة:"لا..لكنه لايهتم بصحة ابي مثلي".
تنهدت والدة لوغان:"لقد تزوجت بعد وفاة والده وكان لذلك انعكاس سيء عليه".
قطبت دارسي حاجبيها:"لااعتق..".
قاطعتها المرأة الكبر سنا:"مااقوله له صلة بالموضوع..كان لوغان في الحادية عشر حين مات والده..وفي الثانية عشر تزوجت مجددا..فلم يتمكن،في تلك السن من مواجهة زوج امه!".
وبدت حزينة:"كان لوغان يكره مالكوم كثيرا..وانا لم ادرك في حينه ان مالكوم يتعامل بوحشية معه وحين اصبح في الرابعة عشر قال لي انه يكره زوجي ويكرهني،وانتقل الى اسكوتلندا للعيش مع جده..ولزمني عدة سنوات اخرى من الزواج لااكتشف بالضبط لماذا رحل لوغان وفي ذلك الوقت،كانت علاقتنا قد تضررت بشكل لايمكن اصلاحه..وهو لم يسامحني ابدا".
لم تكن دارسي تعتقد حقا ان عليهما مناقشة امور لوغان سويا،مع ذلك فان جزء منها كان يريد ان يعرف يريد ان يجادل ويفهم مالذي جعل لوغان يظهر على ماهو عليه،فاذ بالامور التي قالتها مارغريت تجيب عن العديد من اسئلتها..رغبته في مساعدتها مثلا،كانت لأنه يعرف بالضبط ماتمر به بسبب تفكيرها بزواج ابيها الثاني.
لكن دارسي لم تعتقد انها ستكره مارغريت فرايز بسبب الوقت القصير الذي امضته في التحدث اليها.
قالت دارسي محاولة ايجاد مبرر لتصرفات لوغان:"كان لايزال طفلا".
هزت مارغريت راسها غير موافقة:"سن الرشد لسوء الحظ لم يغير علاقتنا.بالنسبة للوغان لقد خذلته حين كان يحتاجني كأم".
ونظرت الى دارسي:"وهذا بالضبط هو السبب الذي منعني من الوقوف بينك وبين والدك".
كانت درسي قد ادركت هذا لكنها ليست طفلة كما كان لوغان حين تزوجت امه مجددا.انها في الخامسة والعشرين.
قالت مارغريت مترددة:"لقد قال دانيال اننا لوالتقينا انت وانا في ظروف مناسبة لأحببتك..وهو على حق".
اخذت دارسي نفسا مرتجفا:"لقد قال لي الشيء ذاته عنك..وهو على حق مرة اخرى..حين تتكلمين معه ارجو ان تقولي له.."
اقترحت مارغريت بحرارة:"ولماذا لاتقولين له بنفسك؟ والدك في شقتي دارسي..لم استطع ان احتمل حين اخبرني كم هو متكدر..لذا فأنا..".
قاطعتها دارسي بسعادة:"لابأس مارغريت".
واحست بالارتياح لأن والدها بخير واكملت:"هل يعرف اننا سنلتقي بعد ظهر اليوم؟".
-لم اخبره بذلك..فعلى الارجح كان سيصر على المجيء معي و..هل يمكن ان تتصوري ردة فعل لوغان على هذا؟.
سألت دارسي بخفة:"هل تظنين ان ابي سيصاب بنوبة قلبية اذا ذهبت معك لأراه؟".
ضحكت مارغريت بخفة:"هذا ممكن..لكنه سيتغلب على هذا بسرعة حين..".
-حين؟
ابتسمت مارغريت:"آسفة تسرعت في الأجابة".
-وهل قلت ذلك لأنك تعتقدين اني سأبارك زواجك من ابي؟هذا ليس استباقا للأمور مارغريت! ماكان يجب ان اعارض اصلا..حتى لو كنت انانية مريعة تماما،مع ان هذا غير صحيح.
قالت مارغريت بحزن:"اتمنى لوتستطيعن اقناع لوغان بهذا".
لوغان!ان احتمال ان يصبح اخا غير مباشر لها ذلك امر واقع!فكيف ستكون ردة فعله بحق السماء حين يعرف بهذا..؟

**********************

9- لا أمل.....




لم يكن لدى لوغان فكرة عما يفعله امام مدخل مطعم الشيف سيمون في الساعة الحادية عشر والنصف صباحا!
حين ترك امه ودارسي في الفندق يوم امس كان يستشيط غضبا بسبب مااعتبره صرفا مهينا له..وكان ينوي الا يكلم اي منهما مجددا..لكن مع مرور الساعات انقلب غضبه الى فضول حارق.
هل انتهى الامر الى كراهية بين المرأتين؟ام انهما توصلتا الى نوع من الهدنة؟كان بامكانه ان يفهم دارسي تماما اذا ماكرهت امه،اما ان تكره امه دارسي فهذا مستحيل..مع انها ركلته في ساقه وهددت بسكب العصير على رأسه الا انها الطف من ان يكرهها احد.
لكن اذا توصلتا الى نوع من الاتفاق فهو يريد ان يعرف بالضبط ماهو ذلك الأتفاق.
طرق على الباب فلم يتلق ردا..طرق مرة اخرى بقوة اكير،هذه المرة سمع صوت حركة في الداخل وبعد ثوان دار المفتاح تمارا في القفل قبل ان ينفتح الباب ببطء.
-اناآسف لكننا لانفتح قبل..هذا انت !
وتلاشت ابتسامة دانيال المهذبة بسرعة وهو يتعرف الى لوغان غير مصدق.
ولم تكن دهشة لوغان اقل حين تعرف الى الرجل الآخر،كان يتوقع رؤية دارسي اور بما احدى النادلات ..لكنه بالتأكيد لم يتوقع رؤية صاحب المطعم يفتح الباب!
التوى فم لوغان بسخرية:"لقد عدت اذن".
رفع دانيال حاجبيه الشقراوين:"هذا واضح".
فاجاب لوغان بخشونة:"وفي الوقت المناسب..كادت دارسي تنهار لشدة التعب خلال غيابك المفاجيء".
اشتد ضغط دانيال على فمه:"اعتقد ان هذا امر بيني وبين ابنتي".
-لست موافقا فأنت..
قاطعه الرجل بحدة:"لوغان ..ماذا تريد بالضبط؟".
اخذ لوغان نفسا حادا،وقال من دون مقدمات:"جئت اكلم دارسي".
هز دانيال سيمون رأسه وفتح الباب ليتمكن لوغان من الدخول الى المطعم:"انها في المطبخ..اوه..لوغان..؟".
ومر لوغان بقربه وهو في طريقه الى المطبخ فاستدار قليلا ليرد متكبرا:"نعم".
تغير تعبير الرجل الى الليونه:
-لاتفعل او تقل شيئا يكدرها.
واوحت لهجته انه سيتعامل معه بجديه اذا فعل.
فانفجر لوغان في وجهه:"انا اكدرها..!يعجبني هذا!لااصدق! لست انا من رمى منذ ايام قنبلة الزواج في وجهها على مائدة الأفطار..
ولست انا من.."
قاطعه دانيال:"لوغان ..مرة اخرى اقول لك هذه المسألة بيني وبين دارسي لكن وبما اننا ذكرنا موضوع امك..".
قال لوغان بهدوء:"لم نذكره".
لكن الرجل الآخر اصر بحزم:"بلى..ذكرناه..الم يحن الوقت بع لكي تعطيها فرصة؟ام انك تنوي الاستمرار في لومها الى الابد لأنها اخطأت في زواجها الثاني؟".
استشاط لوغان غضبا..كيف تجرؤ اممه على مناقشة اموره ومشاعره..مع هذا الرجل؟
رد بجفاء:"ماذا قلت لي منذ لحظات؟اعتقد ان هذه المسألة بيني وبين امي!".ثم تابع طريقه الى المطبخ.
اقفل الباب بهدوء خلفه مما نبهها الى دخوله.
قالت دون ان تستدير:"هل يمكنك ان تأتي لي ببعض البيض من البراد؟".
بعد ان تمكن لوغان من تفحص البراد تمكن من رؤية درزينه البيض فيه فتحرك ليأخذها ثم وضعها على الطاولة قربها.
-شكرا..انا..
وتوقفت بغته بعد ان رفعت نظرها لترى لوغان واقفا بقربها..
واكملت شاهقة وقد علا الاحمرار خديها:"لقدظننتك ابي..انا اسفة".
اشتد التوتر على وجه لوغان تمارااا لذكر والدها..وقال ساخرا:
-بالكاد..متى عاد؟
ردت بارتباك:"ليلة امس..انا..هل تمانع لو اكملت تحضير هذا؟".
رد بجفاء وقد استند الى الطاولة:"مضحك جدا..تبدين سعيدة اليوم؟".
اذا كان دانيال سيمون قد عاد الى مطعمه فهذا لايعني ان كل شيء قد عاد الى طبيعته.
وانشغلت في كسر البيض:"زهل رأيت والدي؟".
لاحظ لوغان انها تقوم بعملها بكفاءه.
اجاب:"نعم هو من فتح لي الباب..هل عاد بصورة دائمة ام مؤقته الى ان تحضري من يساعدك؟".
-لماذا لاتسأل مباشرة ماتريد معرفته لوغان؟
التوى فمها:"تريد ان تعرف مااذا تمكنت انا وامك من شرب الشاي معا يوم امس دون ان تقتلع عيني بعضنا!".
-حسن جدا..وهل فعلتما هذا؟.
ومال الى الخلف متكئا على احدى خزائن المطبخ،شابكا ذراعيه على صدره منتظرا ردها.
نظرة دارسي اليه شزرا وردت:"يسعدني ان اطمئنك الى انه مامن اصابات".
مااصيب في الواقع كبرياؤه لأنه صرف كالخدم يوم امس تمارا:)
حين اكدت له المرأتان انهما ستتدبران امرهما بدونه.
-ووالدك؟من اين اتى بالضبط؟.
ردت بهدوء وهي لاتزال تحرك مافي الوعاء من مكونات:"لم اسأل".
صاح لوغان:"لم تسألي..؟لماذا؟".
هزت كتفيها:"لأن هذا ليس من شأني".
ووضعت وعاء الطبخ جانبا وتركته يبرد.
لم يوافقها لوغان الرأي لكن نظرة واحدة الى قسمات وجهها العنيد جعلته يدرك ان من العبث متابعة الحديث في هذه النقطة.
اخذ نفسا عميقا وقال بحدة:"حسنا دعينا نحاول التكلم من زاوية اخرى..ماذا..؟".
وصمت بعد سماع صوت رنين خلفه.
-اعذرني لحظة لوغان.
وتحركت دارسي بخفة لتفتح باب الفرن وتخرج الفطائر وقالت برضى بعد ان تفحصتها:"ممتازة".
قطب لوغان وهو يراقبها:"هل تصنعون الحلويات ايضا في المطعم؟".
نظرت اليه بذعر:"طبعا..اي طاه لديه كرامة ويفخر بعمله لايسمح لنفسه بأن يقدم اية حلويات جاهزة".
وبالرغم من ان دارسي اختارت مهنة اخرى الا انه اصبح من الواضح للوغان انها طاهية ممتازة ومع ولائها الشديد ودفء شخصيتها ،الا انها ستكون زوجة رائعة لرجل محظوظ..
من اين جاء بهذه الفكرة بحق السماء؟ولماذا يهمه اي نوع من الزوجات ستكون؟
قالت:"هل لك ان تعذرني لبضع دقائق بينما اخفق البض؟".
ولم تستمع الى رده بل ضغطت زر الخفاقة واصبح تبادل الكلام بينهما مستحيلا مع صوت الخفاقة الصاخب.
-انتهيت.
وساد صمت مبهج في المطبخ بعد ان اوقفت الخفاقة.
اكملت بلطف:"والآن..هل يمكن ان آتيك بفنجان قهوة؟".
وابتسمت له ابتسامة مشرقة،ثم اجفلت:"اوه..نسيت انني يجب ان لا ابتسم لك".
لو استطاع لوغان ان يصفع نفسه في تلك اللحظة لفعل،بسبب تجاوبه الواضح مع الابتسامة بحيث تمكنت دارسي من ملاحظة رد فعله هذه..لقد حان الوقت ليخرج من هنا,ةيبقى بعيدا!
رفض قائلا:"لن اخذ القهوة اردت فقط ان اتاكد من ان مامن اثار سلبية بعد لقائكما بالامس".
وتحرك بعيدا عن طاولة العمل وعن دارسي واكمل:"يبدو ان كل شيء عاد الى طبيعته!".
في الواقع كان كل شيء طبيعيا تمارا لقد عاد دانيال الى مطعمه وتصالح مع ابنته على مايبدو،ولوغان يقف في طريقهما..فماهو شعوره؟.
نظرت دارسي اليه برعب..فبدون مساعدته للقاء امه لبقي الموقف بيها وبين والدها حربا قائمة واقل ماتدين به نحو لوغان هو فنجان قهوة كما انها من الارجح مدينه له بشرح ماحدث بالامس بالضبط بعد مغادرته الفندق..في الواقع سيكون افضل للجميع اذا اخبرته بنفسها بكل ماجرى!
تابعت ضاغطة:طارجوك ابق لتناول القهوة لوغان،انها جاهزة وما علي سوى صبها".
اخيرا وافق:"حسن جدا..لكنني لن استطع البقاء طويلا..لدي موعد غداء في الساعة الواحدة".
بكلمات اخرى ابدئي بتقديم القهوة يادارسي لانني اهدرت مايكفي من وقتي الثمين على هذا الموقف السخيف.
ربما كان هذا امر منصفا بما يكفي..الا ان جزءا منها راح يتساءل عمن ينتظره على الغداء..
اتراه موعد مع امرأة؟
على اي حال لعل لوغان عانقها..ولأكثر من مرة لكن تلك المناسبات كانت وليدة اللحظة وذلك يعني ان هناك احتمال بان يكون في حياته امرأة اخرى.
ولسبب ما وجدت ان هذه الفكرة مثيرة للأضطراب.
وكانت يدها ترتجفان الى حد يمكن معه ان ينسكب السائل الساخن على الارض،
متى حدث هذا وكيف حدث؟
لقد اكتشفت لتوها الأكتشاف الذي سيزلزل حياتها!لقد وقعت في حب لوغان ماكنزي!اخر رجل في العالم تصورت انها تقع في حبه!
تذكرت ماقالته للوغان ساخرة كيف يمكن لأنسان ان يقع في الغرام في ثلاثة اسابيع فقط..يبدو ان الشيء ذاته حصل مع لوغان..وفي بضعة ايام فقط!
قال لوغان بحدة لتأخرها في تقديم القهوة:"ظننتكقلت ان هذا لن يتأخر؟".
اخذت نفسا مهدئا قبل ان تلتقط الفناجين وتسير نحو الطاولة.
قالت:"اتريد بسكويت؟".
ولم تستطع النظر اليه بعد ان احست بخجل مفاجيء وهي تدرك انها اذا لم تر هذا الرجل مرة اخرى فذلك سيدمرها تماما.
جلست قبالته،كيف يمكن ان تكون بلهاء الى هذا الحد لتقع في حيه؟
ونظر اليها بسخرية:"اذن مارأيك في امي؟".
استقامت في جلستها..ونظرت من دون ان يرف لها جفن الى عينيه الساخرتين الزرقاوتين القاتمتين.
-انها فاتنة ،ساحرة،وجميلة جدا..
-دعينا ننسى الراي العام المعروف،مارأيك انت بها؟.
وضاقت نظرته فترددت:طلن يعجبك هذا..".
التوى فمه وقال ساخرا:"لقد خدعتك..واقنعتك بتمثيلية المرأة المحرومة المسكينة التي لاتجد من يفهمها..ووقعت ضحيتها".
وهز رأسه باشمئزاز.
كتمت دارسي ردها الغاضب بجهد..فمن السخف ان تصل الامور بينهما الى حد تبادل الألفاظ الجارحة خاصة في امر لايسيطران عليه ابدا.
وردت عليه:"ليس تماما".
هز لوغان راسه بنفاذ صبر..وقال بغضب:"لااستطيع ان اصدق انك تركتها تخدعك".
مالت الى الامام:"لوغان..رايي بامك ليس مهما..فرايي ليس هو الذي يهم".
-لاتقولي لي ان والدك وبالرغم من فسخها الخطوبة لايزال يظن انها رائعة!
شرعت تقول ببطء:"ابي بعيد عن الرجل الغبي الذي تظنه".
كانت قد تكلمت مع ابيها طوال الليل واصبحت واثقة من انه يحب المرأة الاخرى بالرغم من مساوئها..كما ان الممثلة تحبه ايضا.
قالت له بلطف:"لوغان..لقد عادا عن فسخ الخطبة..في الواقع سيتزوجان.".
قاطعها غير مصدق:"لايمكن ان يكون هذا جديا!".
-بلى جدي تماما.
اجاب باشمئزاز:"هذه الكلمة لاتنطبق على ابدا على تصرفات امي".
تنهدت دارسي،كم تتمنى ان تجد طريقة تخفف بها الألم الذي عرفه لوغان في الماضي لكن وفي الوقت نفسه تعرف ان ذلك مستحيل.
وتابعت مصممة :"مع ذلك فهما سيتزوجان".
تجمدت نظرته برودا:"ارجو الا تتوقعي مني ان اهنئهما".
هزت رأسها بحزن:"اعتقد ان هذا توقع مبالغ فيه".
-لكنك دون شك ابلغتهما تهنئتك..ولاتقولي لي انك ستكوني وصيفة العروس!
اخذت نفسا سريعا:"لوغان..الم يقل لك احد ان المرارة هي مجرد شكل من اشكال تدمير الذات؟وانها..".
قاطعها ببرود:"اعتقد اني سبق واوضحت رأيي بالنسبة الى تحليلك النفسي غير الناضج..".
-اوه..صحيح اؤكد لك وجهة نظرك اكثر من واضحة! لكن الواقع الان انك لست لاعبا اساسيا في هذا الموقف بالذات..ولا انا.
اعترف لوغان بصعوبة:"بكلمات اخرى تمارا والدنا سيتزوجان مع موافقتنا او من دونها".
اطرقت دارسي ونظرت الى لوغان:"لكن يبدو واضحا انهما يفضلن الحصول عليها".
بقي هادئا:"قد تشعرين انك على استعداد للعب لعبة العائلة السعيدة لكني لست على استعداد لذلك".
ضاقت عيناها وتصاعد سخطها من هذا الموقف بسرعة:"والمعنى؟".
-المعنى انهما يجب ان يتزوجا من دون وجودي حتى!
-لوغان انت غير منطقي..
وقاطعها صوت قوي ناتج عن صفقة الفنجان واصبح تعبير وجهه غاضبا.
-لست ارى ابدا ماهو غير منطقي في المسألة..فأنا بكل تأكيد لم اكن موجودا في عرس امي الأول..
-لكنك لم تكن قد ولدت حينها.
رد ببرود:"هذا صحيح..لكنني كنت حيا حين جرى زواجها الثاني ..لذا لااجد الآن سببا يدفعني لكي ابدل عادة العمر كله!".
وقفت دارسي وبدا الغضب على خديها الشاحبين:"لم تعد طفلا في الثانية عشر لوغان".
بقي جالسا ورد عليها:"مهما كان عمري فسيبقى ردي كما هو".
تنفست بصعوبة وهي تشعر بغضب ساخط نحو هذا الرجل:"لوغان لقد طلبت مني ميغ وابي،ان اكون احد الشهود على زواجهما..
-كم هذا رائع.
-وسيسران كثيرا اذا وافقت ان تكون الشاهد الآخر!
بقي على عناده وقال:"انهما يحلمان".
-انا..انت؟؟
تراجع لوغان الى الوراء وقال بازدراء:"هكذا لقد دفعاك لتطلبي مني ذلك،اذا اخبريهما ان مؤامرتهما لم تنجح".
غضبت لهذا الاتهام فهما لم يقترحا عليها ذلك لقد قامت به لأنها اعتقدت ان لوغان قد يكون اكثر تسامحا في رده عليها مما لو واجه اي منهما،وقد كانت على خطأ.
-انت اكثر رجل متسلط عنيد قادني سوء حظي ان التقي به.
واهتز صوتها بالغضب وشدت قبضتيها الى جانبيها.
رد بهدوء مهين:"وانت عزيزتي دارسي الشابة الأكثر سذاجة التي التقيتها في حياتي".
لم تفكر ولم تلجأ الى المنظق بل تصرفت بغريزة صرفة فالتقطت وعاء البيض الذي كانت تخفقه لتسكبه فوق رأس لوغان .
عبر المادة اللزجة بدا مذهولا..ولم تستطع دارسي سوى ان تحدق فيه وهي تشعر بالرعب ممافعلته لتوها.
لقد تصرفت بشكل رهيب اكثر من مرة في المدة القصيرة التي عرفته فيها..لكن لوغان لن يسامحها ابدا على هذه..ابدا!...
***************************

10- هناك اخرى
كان لوغان وفيرغوس يجلسان في احد المطاعم،وليس في مطعم الشيف سيمون!
حدق لوغان بسخط عبر الطاولة نحو ابن خالته..وبدا ان الرجل الآخر غير قادر على التوقف عن الضحك.
-هل يمكن ان تتمالك نفسك فيرغوس؟لم يكن هذا مضحكا.
شهق فيرغوس ليرد:"اناآسف لم استطع منع نفسي!انا فقط..ياالهي..اراهن انك بدوت في منظر مثير مع كل ذلك البيض النيء الذي يغطيك!".
وعاودته نوبة ضحك مرة اخرى.
تابع لوغان العبوس في وجه الرجل الاخر وفكر في انه قد يتمكن هو ايضا من رؤية الجانب المضحك لهذا الموقف يوما ما..لكنه لايعتمد على هذا!خاصة في هذه اللحظة بالذات،وبعد مضي ساعة تقريبا على ماحصل،فهو لايزال يجد الامر غير مضحك ابدا.
كان قد رفع نظره الى دارسي في تلك اللحظة غير مصدق لما فعلته،محاولا اقناع نفسه بانه وسط احد تلك الكوابيس التي تراوده في بعض الاحيان...
نظرت دارسي اليه مصدومة هي الاخرى بما فعلت وحدقت فيه برعب..
ولم يكن لوغان متأكدا من ردة فعله..فعلى الأرجح..كان على وشك ان يصفع وجهها الجميل الصغير!لكن قبل ان يتمكن من فعل هذا سمع باب المطبخ يلوح وينفتح خلفهما.
قال دانيال:"اعتقد انني سمعت اصواتا مرتفعة..".
وشهق وهو ينظرا لى لوغان ومظهره المزري:"ياالهي ماذا حدث؟".
استدار لوغان الى الرجل الأخر بعينين مقززتين برودا وهو يعرف كم يبدو منظره سخيفا..تماراا..ومن هو بالضبط المسؤول عن كل هذا.
وقال متشدقا بقسوة:"كانت ابنتك تبرهن لي مرة اخرى خطورة معاداة فتاة حمراء الشعر غريبة الأطوار".
ابتلعت دارسي ريقها:طانا فقط..".
قاطعها لوغان بخشونة:"وفري جهودك..".
ووقف دون مقدمات:"لقد حان وقت رحيلي..على اي حال..ومنذ وقت طويل".
وتحرك ليلتقط احدى المناشف،ويمسح اثار البيض قبل ان ينظر مباشرة الى دانيال قائلا:
-سأكون ممتنا اذا ابلغت امي ان لاضرورة لارسال دعوة لي لحضور الزفاف.
نظر الرجل الأكبر سنا اليه بقلق:"وهل ستحضر كأحد الشاهدين؟".
شخر لوغان ساخرا،ورمى المنشفة التي كان يستخدمها.
-لن احضر مطلقا..
وسار نحو الباب متابعا:"اضافة الى هذا..وبالنظر الى الماضي..والحاضر! فمن المحتمل ان دارسي قد تقوم بتصرف شائن اكثر لو التقينا في حفل الزفاف ..كطعني مثلا خلال حفل الأستقبال!".
-لوغان.
استدار ببطء لسماع صوت نداء دارسي المعذب ورد ببرود الثلج:
-نعم؟
كشرت بخجل:"انا اسفة".
رد لوغان:"وانا كذلك..وانا كذلك!"
لم تحاول ايقافه مرة اخرى وكان هو ممتنا لذلك.كل مااراده هو ان يصل الى بيته قبل ان يراه احد .
لسوء الحظ كان لايزال غاضبا حين وصل الى المطعم ولكن من الواضح ان فيرغوس قد وجد المسألة كلها مضحكة.
تمالك فيرغوس نفسه بما يكفي لينصحه:"اوه..هيا الآن لوغان..ابتهج لو حدث هذا لشخص اخر لضحكت انت ايضا".
-لكن هذا لم يحدث لشخص اخر.
هز ابن خالته راسه وهو لايزال يبتسم:"يجب ان اعترف بانني لم اتأثر كثيرا حين التقيتها ذاك المساء فقد بدت لي صغيرة بشعة..لكن التعرف اليها اكثر قد يكون مثيرا للأهتمام..
وكان لوغان قد وجد دارسي بشعة كذلك حين التقاها لاول مرة ..انما ولسبب ما لم يرقه سماع ابن خالته يقول عنها ذلككما انه لم يعد يراها هكذا،فجمالها الداخلي يشع الى الخارج عبر تلك العينين الرماديتين..وحين تبتسم...!
هز لوغان كتفيه دون اكتراث:"انا واثق انكما ستلتقيان في عرس امي".
لكنه لم يكن مرتاحا لفكرة ان يعمق ابن خالته الساحر الجميل المظهر معرفته بدارسي..واكمل ساخرا:"مامن شك عندي في انك ستتلقى الدعوة".
ولم يكن لديه شك في ان ابن خالتهما الأخر برايس سيلتقي دعوة كذلك،وبرايس هو اكثر جاذبية من فيرغوس!اللعنة!
هز فيؤرغوس راسه برضى حين راى لوغان يبتسم:"هكذا افضل.. كنت اعرف ان روحك المرحة ستظهر في النهاية".
لكن ابتسامة لوغان كئيبة:"ماذا يمكن ان تفعل مع امرأة مثل دارسي؟".
قال فيرغوس:"يجب ان اعترف انني لم التق بامرأة مثلها من قبل ،تبدو لي فريدة من نوعها".
واعترف لوغان في سره،نعم فريدة من نوعها..
قال فيرغوس:"اعتقد انه يجب ان تذهب الى العرس لوغان ولو حتى لتوفير عرض اضافي للضيوف لن ينسوه ابدا".
وكان لوغان قد بدأ بالتوصل الى الاستنتاج ذاته ليس بسبب الحضور وانما لأنه لم يشعر بالارتياح لفكرة وجود برايس وفيرغوس بالقرب من دارسي.
فالرجلان فاتنان تماما وما من شك ان برايس سيرغب بالألتقاء بدارسي ماان يخبره فيرغوس مافعلته بلوغان..
على الاقل هذا مااقنع به نفسه وهو يقود السيارة عائدا الى مكتبه بعد ساعتين.
فراح يفكر بجدية باعادة النظر برفضه ان يكون شاهدا على الزواج..وهو يدرك ان دوافعه ليست شريفة تمام،ولادخل لها اطلاقا بمشاعر امه..فهو ببساطة غير قادر على ترك دارسي تمارا تحت رحمة الفتنة المهلكة لأبني خالته.
قالت كارولين وهو يدخل المكتب:"لقد اتصلت دارسي ثلاث مرات".
توقف لوغان واستدار ببطء:"هاتفيا؟".
نظرت كارين اليه بحيرة:"طبعا يالوغان هاتفيا ،كيف يمكن لها ان تتصل؟".
-قد تذهلين لما يمكن لدارسي فعله..اذن..دارسي اتصلت؟
-ثلاث مرات
قال بنفاد صبر حين لم تتوسع في الكلام عن الموضوع:"و..؟".
-لاشيء في المخابرتين الأولتين طلبت ان تتكلم معك ثم اقفلت الخط من دون ترك اسمها،ثم عادت واتصلت منذ عشر دقائق..وهذه المرة حصلت على اسمها".
قال لوغان قبل ان يدخل مكتبه:"لو اتصلت مرة اخرى دعيني اكلمها".
اذن اتصلت دارسي به ثلاث مرات كي تعتذر مرة اخرى من دون ادنى شك..حسن جدا،يمكنها ان تنتظر،فهو لم يكن ينوي ان يريحها بالرد عليها!
كان لوغان قد قال لدارسي ان موعد غدائه الواحدة وحتى الساعة الرابعة كان موعد اخر اتصال لها ولم يكن قد عاد الى مكتبه بعد.
مامن شك ان ظنزنها في محلها فهذا ليس غداء عمل ..وعلى الأرجح ان هناك امرأة في حياته ذهب الى مقابلتها.
اوه..:كم تشعر بالبؤس..اعترفت بينها وبين نفسها ..لقد كانت الامور سيئة بما يكفي بينهما وهي الآن متأكدة من انه لن يسامحها على سكبها البيض عليه.
لم يكن لديها ادنى فكرة عما ستقوله حين تراه كل ماتعرفه هو ان عليها ان تعتذر له بشكل ملائم لما فعلته به.
قال والدها وهو يدخل المطبخ "يمكنك الذهاب الى البيت لترتاحي ان شئت".
لكنها لاتشعر برغبة الى العودة للمنزل الآن..فقد يرد لوغان على مكالمتها ولوعادت الى البيت فستفوتها فرصة الحديث معه..
قال والدها بعد مراقبته لمشاعر ابنته النتقلبة :"انسي الامر يادارسي".
كشرت وسالت ببؤس:"وهل تظن ان لوغان سيفعل؟".
قال:"اشك في ان ذلك الشاب يمكن ان ينسى شيئا،انظري كم من الوقت مضى وهو لايزال يحتفظ بضغينته ضد ميغ".
قالت لوالدها بحزم:طلااعتقد ان الامرين متشابهين صحصح انه مر وقت طويل لكن مازال مؤلما جدا للوغان".
رفع والدها يديه:"قد تستاء ميغان حين تعرف انه لن يحضر العرس،في الواقع قد تقرر الغاء المسألة كلها الى ان يوافق على الحضور".
وبدا والدها مفكرا ثم قال:"ربما من الافضل الا تعرف مارغريت بالامر..يبدو انك ولوغان اصبحتما صديقين..لذا،ربما تتمكنين من اقناعه ان..".
قاطعته محتجة:"وهل تحافظ على صداقة شخص سكب على رأسك بيضا مخفوقا؟لقد بكيت على صدره ثلاث مرات..وركلته مرة..وهددته بسكب العصير عليه..".
هز والدها كتفيه:"هذا يعتمد على سبب الاستفزاز..وفي حالتك اعتقد ان الامر كان خطيرا! ويعتمد ذلك على ماذا اذا كان لديه روح مرحة ام لا..لكن ربما انت على حق..فانا لم ار دليل على روح المرح في ذلك الشاب سوى قدرته على الضحك من نفسه!".
قال الشاب المذكور متشدقا وهويدخل:"وجدت باب المطعم مفتوحا..فدخلت...اعتقد انكما كنتما تبحثان مسألة روحي المرحة؟".
فكرت دارسي ان العجائب ممكن ان تحدث فعلا..نظرة واحدة الى قسمات لوغان المتجهمة كانت كافية كي تعرف انه غير راضي عن الطريقة التي كانا يتحدثان بها في شأنه وشأن طباعه.
قال والد دارسي ساخرا:"بل فقدانك لها..هووصف افضل..سيتحطم قلب امك حين تعرف انك لن تحضر العرس".
التوى فم لوغان:"يجب ان تمتلك قلبا في الاساس ليتحطم".
صاحت دارسي ماان اقترب والدها من لوغان وامسكت بذراعه قبل ان يصل له:"لا..ابي!".
بقي لوغان من دون حراك تماما ربما لم يعتقد ان والدها كان ليضربه حقا؟
نظر لوغان الى دارسي بجفاء وقال:"لقد بات واضحا الأن من اين اتت دارسي بطباعها الحادة".
رد والده ابغضب:"التفاهم معك لايجدي نفعا على مايبدو".
هز لوغان راسه وتمتم:"دارسي على الاقل لاتترك علامات ظاهرة يمكن لاحد ان يراها..واشك في ان تكون امي راضية لووصل احدنا او كلانا الى العرس بعين سوداء!".
واستدار الى الرجل الأخر.
بدا والدها يقول غير مصدق:"هل افهم من هذا انك اعدت النظر بقرارك السابق؟..".
بدا انه قرر ذلك فعلا..وادركت دارسي ذلك بذهول..ولو ان الامر لايمكن تصديقه.
هز لوغان راسه:"بعد ان فكرت مليا وجدت ان من الفضاضة الا اكون شاهدكما الثاني".
نظر الى دارسي عن كثب:"اذن؟".
-اذن ماذا ..؟هل تتوقع التهنئة على مايجب ان تفعله اصلا؟لأنك لو كنت..
قاطعها وادلها بحدة محذرا:"دارسي!اعتقد ان هذا امر جدير بالأحترام"ومد يده للرجل الأصغر سنا.
صافح لوغان تلك اليد بسرعة وقال بتجهم:"كونا سعيدين فقط..همم؟".
اكد له دانيال:"سنكون..لو سمحتما لي ساذهب لأزف لميغ الخبر السعيد".
سال مرة اخرى وقد اصبحا وحيدين:"اذا؟".
ماذا يريد..ميداليه؟
تابع كلامه بنعومة:"لقد اتصلت بمكتبي يادارسي".
وتفحصت نظرته شحوب وجهها،ثم اضاف:"ثلاث مرات كما اعتقد".
كانت قد نسيت تماما المخابرات الثلاثة ،وبعد ان اقتنعت ان هناك امرأة اخرى بحياته احست بالغباء فقد بدا الامر وكأنها تلاحقه.
هزت كتفيها:طاردت فقط ان اعتذر".
-مرة اخرى؟.
بدت خجلة:"بدا لي انك لم تتقبل اعتذاري الاول".
ابتسم:"كانت اذناي مازالتا ممتلئتين بالبيض المخفوق".
اجفلت متألمة حين ذكرها بتصرفها فهي لاتعرف ماذا يصيبها حين يكون لوغان بجانبها وهي بكل تأكيد لم تتصرف بمثل هذه الطريقة الشائنة مع اي شخص اخر.
سألها لوغان:"كيف كان الغداء؟اظن ان الحلوى اعجبت الجميع؟"
هزت راسها بارتباك:"هذا بعد ان خفقت المزيد من البيض لاصنعها".
ضحك:"حسن جدا..ظننت انك تلملمين الفضلات من الخليط الأول وتستعملينها".
قالت بابتسامة خفيفة:"لم يكن قد تبقى منها مايكفي!".
نظر عن عمد الى المطبخ الفارغ وسأل:"هل انهيت عملك هنا؟هل اوصلك الى البيت؟".
تنهدت ورفضت:"لا..لا اعتقد هذا..شكرا لك..لقد كان يومي متعبا واعتقد اني بحاجة للسير في الهواء الطلق".
نظر اليها متفحصا:"متأكدة؟".
اكدت بصوت اجش دون ان تلتقي نظرتها بنظرته المتفحصة:
-متأكدة..انا..اشكرك لتغيرك رايك حول حضور العرس،وكما رأيت فقد جعل هذا ابي سعيدا جدا.
كشر لوغان:"دعينا نامل ان يكون له التأثير عينه على امي"ز
-طبعا.
وساد الصمت بينهما،وبدا ان اي منهما لايعرف ماعليه ان يقوله،واصبح الصمت في المطبخ لايحتمل بالنسبة لدارسي.
اخيرا قالت:"انا حقا اسفة لتصرفي..واعدك اني في المستقبل سأحاول الأبتعاد عن طريقك..من اجل سلامتك!".
وشعرت بالبؤس لانها على الارجح لن تراه مرة اخرى حتى يوم الزفاف في الشهر القادم.
رد بابتسامة خشنة:"لااعتقد انك مضطرة الى هذا".
وكانت ابتسامتها كئيبة وهي تقول:"بل اعتقد ان هذا افضل".
سألها بحدة:"افضل لمن؟".
استدارت عنه تبتلع ريقها بقوة وقالت:"لكلينا..فبعد الغلطة التي كدت ان اقترفها انا الآن مسرورة ان ابي وميغ سيتزوجان..لكن هذا يعني..هذا يعني اننا يجب ان نكون..".
قال لوغان ببرود:"فهمت".
نظرت اليه بحدة:طهل فهم؟واملت الا يكون قد فهم. فهي تشعر بما يكفي من سوء لأنها تحبه،لكن يجب الا يعرف هو ذلك!
قالت له باشراق زائف:"سأراك في العرس اذن".
هز راسه بحدة واجاب:"على مايبدو..انا..وداعا دارسي".
بالكاد تمكنت من تمتمة رد على انصرافه البار حين سمعت باب المطبخ يتأرجح ليتغلق وراءه..وتبع هذا بسرعة صوت صفق باب المطعم الخارجي.
جلست مرتجفغة على احد المقاعد المرتفعة ووجهها مدفون بين يديها وبدأت دموعها تنهمر على خديها.
يجب الا يعرف لوغان انها ارتكبت اكبر حماقة خلال مدة تعارفهما..
ووقعت في حبه!
**********************

لم يبق إلا الغضب



احتسى لوغان العصير , وهو ينظر إلى الاجتماع العائلى الصاخب بعدوانية . ماذا يفعل هنا ?

إنه سؤال غبي ... فهو يعرف تماما ماذا يفعل هنا ... فقد اقتنع جده بإقامة حفلة خطوبة لميغ ودانيال قبل أسبوعين من زفافهما ... وفى العادة , كان لوغان يتجنب هذا النوع من اللقاءات العائلية .. ويكره أن يحضرها .. ماعدا لسبب واحد ..

لكن يبدو ان هذا السبب الوحيد , ليس هنا حتى الان !

بعد مضى عشرة أيام على رؤية دارسي , ظن لوغان انها ستكون واحدة من الضيوف فى قصر جده فى نهاية هذا الاسبوع .. فمن الطبيعى ان تكون ابنة دانيال ضمن المدعوين .. وكان هو قد وصل منذ وقت قصير , بعد تأخر رحلته . فلم تتح له سوى فرصة قصيرة للاستحمام بسرعة , وتغيير ملابسه قبل النزول الى الطابق الارضى لينضم الى المدعوين فى الصالة الرئيسية .

لكن , سرعان ما سيستعد الجميع للعشاء , ولم يظهر بعد أي أثر لدارسي .

ببساطة لم يخطر له انها لن تحضر حفلة خطوبة والدها . ولو خطر هذا بباله . لما أزعج نفسه مطلقاً بالحضور الى هنا !

نصحه ابن خالته برايس بجفاء وهو يقف الى جانبه : " ابتهج يا لوغان "

كان الاثنان يشكلان ثنائيا رائعا ووسيما . لكن عينى برايس كانتا خضراوين بينما عينا لوغان زرقاوان .

- كان من الممكن الا يحدث هذا .

لم يكن واثقا مما حدث . كان يعرف فقط انه اشتاق الى دارسي فى الايام العشرة الاخيرة , ولكنه كان متأكداً من أنه على الأقل سيراها فى قصر جده فى نهاية هذا الاسبوع .. وراح يلوم نفسه لأنه لم يسأل امه عما إذا كانت دارسي ستحضر . بدلا من ان يكون واثقا من ذلك !

سأل : " باعتقادك , كم من الوقت يلزمني بعد العشاء لأتمكن من الاعتذار والذهاب الى الفراش ؟ "

ضحك برايس للقلق الواضح عليه : " لقد ظننت انك والخالة ميغ توصلتما الى نوع من الهدنة فى الاسابيع الاخيرة ؟ "

ورفع حاجبين ساخرين .

وضع لوغان كأس العصير الفارغ من يده , واكد بحدة : " هذا صحيح .. لكن كما تعرف جيدا , انا اكره هذا النوع من الحفلات . حيث كل أفراد العائلة يحاولون التصالح معا , ويفشلون فشلا ذريعا "

واخذ يراقب جده وهو يلعب دور المضيف العظيم للعائلة والاصدقاء على حد سواء . وكان تصرفه هذا تجاه الاصدقاء زائفا . طبعا . فعشيرة ماك دونالد ليست معروفة بسلوكها الاجتماعى المميز . واضاف متسائلا :

" فى الواقع . انا مندهش لرؤيتك هنا كذلك "

كان برايس يعيش حياة منعزلة . وغالبا ما يختفى عن الساحة الاجتماعية لمدة أشهر . لكن بما انه هنا فى نهاية هذا الاسبوع . فلابد انه جاء فى مهمة ما .

نظر برايس اليه ممازحا : " اتساءل اى من الجميلات العازبات هي دارسي ؟ "

تصلب لوغان مجفلا , واستدار اليه بسرعة : " هل تحدثت الى فيرغوس ؟"

ابتسم ابن خالته بمرح : " يمكنك المراهنة بحياتك على ذلك . لاشئ سوى مقابلة تلك المشاكسة كان سيقنعنى بالمجئ الى هنا !"

ونظر الى الضيوف الضاحكين المثرثرين بالقرف ذاته الذى بدا على لوغان قبل قليل .

رد لوغان ساخطا : " ليست من اللواتي يقبلن بعلاقات عابرة يا برايس "

بدا على ابن خالته تعبير البراءة : "لم اعتقد ولو للحظة انها كذلك . اردت فقط ان التقى بالسيدة الشابة التى تغلبت على ابن خالتى المتعجرف الواثق من نفسه ! "
رد لوغان متعمدا : " تلك العجرفة سمة فى العائلة .. واخشى ان يكون الحظ قد جافاك . لأن دارسى ليست هنا ! "

قال برايس بتأثر : "اه "

سأل لوغان بارتياب : " ماذا تعنى ؟ "

رد برايس ببراءة مصطنعة : "لا شئ "

عبس لوغان مرة اخرة . وقد اصبح العبوس مألوفا لديه مؤخرا . ذلك انه لم يجد ما يبتسم له ! فى الواقع اعماله ما زالت ناجحة , لكنها فقدت على ما يبدو روح التحدى فى الاسبوعين الاخيرين . ولكي يكون صادقا تماما مع نفسه , يجب ان يعترف بأنه اشتاق الى وجود دارسي حوله لتهدده , وترفسه , وترمى الاشياء عليه ..

يجب ان يكون راضـيا لأن حياته عادت الى طبيعتها الهادئة ! لكنه لم يكن كذلك .

وتكور فمه بتجهم : " أنا .. "

قال برايس ببطء , مسلوب اللب ونظره مثبت على مكان ما عبر الغرفة المزدحمة : " عن إذنك يا لوغان , لقد رأيت شخصا يستحق نظرة ثانية "

كان معظم النساء الموجودات هنا هذا المساء , عازبات ام لا , جميلات ويستأهلن نظرة ثانية فى الواقع . وثالثة كذلك . لكن , ما من واحدة منهن لفتت انتباه لوغان . لكنه شكر هذه السيدة بالذات , كائنا من تكون , لإبعاد ابن خالته عن الموضوع الذى يعتبره لوغان شخصيا جدا .

- هيا . اذهب , أى واحدة هي ؟

تمتم برايس : "لقد اختفت لتوها . لكن اه . انها " موناليزا " بشعر احمر .."

وانطلق مصمما عبر الغرفة المزدحمة .

" موناليزا " بشعر احمر ..

هناك امرأة واحدة يمكن للوغان ان يفكر فيها , وهي تتناسب مع هذا الوصف .. دارسي !

او لم يكن يذوب حرارة كلما أطلقت تلك الابتسامة الغامضة ؟ أو لم تكن تلك هى الابتسامة التى تصور من أجلها فى الأيام العشرة الماضية ...؟ رأى برايس ينحنى نحو امرأة قصيرة . لابد أنها دارسى !

إنها هنا ... لا يستطيع الانتظار إلى أن ...

سأل صوت أنثوى : " لوغان ... أليس كذلك ؟ "

استدار بحدة ، وهو يعبس توترا . فرأى شقراء طويلة كانت أمه قد عرفتها عليه فى وقت سابق الليلة ، تقف إلى جانبه وتبتسم له بجاذبية .

عرف لوغان أنه فى أى وقت آخر ، وفى ظروف أخرى ، كان سيستجيب إلى هذه الدعوة .... لكن ليس الآن ، وهو متأكد أن دارسى فى هذه اللحظات برفقة ابن خالته الخطير الفاتن .قال منصرفا بحدة ، واهتمامه متجه عبرالغرفة يحاول أن يلمح المرأة التى يتكلم برايس إليها : " فيونا .... أليس كذلك ؟ "

صححت له الممثلة : " فرانسيسكا داروين "

بدا واضحا أنها لم تنزعج لعدم تذكره اسمها وأكملت كأنها تساعده على التذكر : " أنا ألعب دور شقيقة ميغ فى المسلسل التليفزيونى الذى تصورها الآن ... "

رد بأدب .... وهو لم يكن يعرف حتى اللحظة أن دور أمه يشمل شقيقة :

- إنها رائعة ... أليست كذلك ؟

ونظرت فرانسيسكا بإعجاب إلى حيث كانت ميغ تبتسم بحب لخطيبها وهما يتحدثان معا بصوت منخفض .

لم تكن الملاحظة بحاجة إلى رد ، حقا ... وبكل صدق ، لم يكن لدى لوغان أى ردا فهو لم يكن راغبا أساسا بأن يجرى هذا الحديث أبدا ....ويفضل أكثر أن ينضم إلى برايس ودارسى ! خاصة وهو يسمع أن هذه المرأة الشابة الجميلة تكن كل الإعجاب لأمه .

من الواضح أن دانيال سيمون ، الرجل الشريف الوقور ، كان يحب ميغ ، ودارسى المتهورة الصادقة بدأت تعجب بها كذلك .وفرانسيسكا هذه المرأة الشابة التى تعمل معها يوميا لاشئ لديها تقوله سوى الاعجاب بها .... هل يمكن أن يكونوا جميعا على خطأ بخصوص ميغ ، وهوعلى حق ؟ أم أنه هو المخطئ ؟

على أى حال ، ليس الوقت مناسبا للتفكير بهذا الأمر الآن .

- أنا آسف آنسة داروين .....

- ردت بحرارة : " فرانسيسكا .... هذا القصر رائع ، أليس كذلك ؟ "

ونظرت حولها بإعجاب ، يبدو أنها لا تعى أن لوغان يحاول أن يعتذر منها .

قال لوغان موافقا : " إنه هكذا فعلا .... لكننى حقا مضطر ... "

- لوغان ...... جئتك بشخص يريد أن يسلم عليك .

قاطعه برايس بخفة .

عرف لوغان قبل أن يستدير أنها دارسى ، فحتى لو لم تكن أحاسيسه قد نبهته لوجودها ، فقد استطاع أن يشتم رائحة عطرها التى يعرفها جيدا .

كانت تبدو رائعة ، فى فستان رمادى لماع يصل إلى الركبتين ، يشع كلون عينيها المليئتين بالألغاز ، ويلتصق بجسمها المتناسق . أما شعرها فبدا كستارة حمراء ناعمة منسدلة على كتفيها . وعيناها كبيرتان مضيئتان وخداها يتألقان بلون أحمر خفيف أما شفتاها فتلمعان بلون قرمزى بديع .

حيته بصوت أجش : " لوغان "

رد بخشونة ونظرته القاتمة تكاد تأكلها .... إن لم يكن شئ آخر فيه ...

- دارسى

كانت تبدو أكثر نحولا مما يذكر ، واستطاع أن يرى ان دارسى لا تشعر بالسعادة .

كانت تنظر متسائلة إلى فرانسيسكا داروين ، وبدا واضحا أنها تتوقع من لوغان أن يعرفهما ببعضهما .... فى حين لم يكن لوغان يرغب سوى بحملها إلى خلوة ليعانقها .

قدمت الممثلة نفسها ، مصافحة دارسى باختصار : " فرانسيسكا ... وأعتقد أنك ابنة دانيال ؟ "

وجهت سؤالها باهتمام ودى .

فأكدت دارسى بتكلف : " أجل "

قال برايس يشرح سبب تأخرها فى الوصول ويده على مرفقها كأنه يحاول مواساتها : " المسكينة دارسى كانت تتجول فى القصر وضاعت بين الأمواج والأقبية وهى تحاول منذ خمس عشرة دقيقة أن تجد طريقها إلى هنا "

إن هذا يفسر بسهولة سبب عدم نزول دارسى إلى هنا عند وصول لوغان . لكن الآن وقد وصلت ، وجد لوغان نفسه يرغب فى إبعاد يد برايس عن ذراعها ...

قالت دارسى بتأنيب ناعم ... بعد أن تذكرت تلك اللوحة فى شقة لوغان والتى رسمها برايس .

- لماذا لم تقل لى إن ابن خالتك هو برايس ماك اليستر ؟

لم يكن قد أخبرها ان ابن خالته هو الرسام العالمى ... لأنه لم يخطر بباله أن يفعل هذا . فقد تربى الرجلان معا ....وهو ببساطة لم يفكر يوما فى أن برايس هو من عائلة ماك اليستر ، كما أنه لم يفكر أبدا بنجاح فيرغوس ككاتب ، أيضا .. لقد كان الرجال الثلاثة ناجحين كل فى الحقل الذى اختاره . لكنهم بالنسبة لبعضهم البعض مجرد أنسباء .... ورفاق عمر .

لكنه استطاع أن يرى من العتب الذى يظهر فى عينى دارسى القائمتين ان التفسير لن يبدل شيئا من الحرج الذى شعرت به ساعة تعرفت إلى برايس ، وعرفت أنه هو رسام اللوحة التى تمثل قصر جده والتى أعجبت بها كثيرا فى شقة لوغان قبل أسبوعين ! ألا يمكن أن يفعل شيئا مناسبا أمام هذه المرأة ؟

كان لوغان يبدو رائعا ! وكانت دارسى تتوقع رؤيته مرة أخرى هذا الأسبوع وتخشاها فى الوقت نفسه.... توقعت رؤيته لأن الأيام العشرة الأخيرة بدت وكأنها دون نهاية ... وخشيت رؤيته ، لأنها كانت واثقة من أنها حين تراه مرة أخرى سيكون برفقة المرأة التى تعنى له الكثير فى حياته كما هو واضح ، إلى درجة أنها تمكنت من التأثير على قراره فيما يتعلق بحضور زفاف أمه .

فرانسيسكا .... طويلة ، شقراء ، مغرية فى فستان أسود ضيق . إنها امرأة تملك كل ما لا تملكه دارسى ، حتى اسمها جميل .

قال لوغان بخشونة : " وهل هذا مهم ؟ "

ما هو المهم ..........؟



ردت وهى تدرك أنه يشير إلى ملاحظتها بخصوص ابن خالته : " حسن جدا .... لقد شعرت بالسخافة لأننى لم اكن أعرف "

هذه العائلة غنية بالمواهب وبشكل كبير ،.ممثلة مشهورة ... رجل أعمال مليونير ...... رسام عالمى متجدد ..... حتى الجد ، هيوغ ماك دونالد بقصره ، ومظهره الجميل المميز الذى يشبه مظهر لوغان ، إنها عائلة مخيفة .وأحست دارسى بأنها خارج مستواها مع مثل هذه الصحبة .

كانت تعرف ان نهاية الاسبوع هذه فى اسكتلندا ستكون صعبة . لكن , من اجل ميغ ووالدها كان عليها المجئ الى هنا .. غير ان رؤية لوغان وجمال طلعته جعلتها تعرف انها ستكون اكثر صعوبة مما تخيلت . لكن الحمد لله ان برايس ماك اليستر موجود هنا لوحده كذلك , وانه ميال الى الصداقة !

طمأنها برايس بسهولة : " لا تفكرى بالامر يا دارسي . بل ركزي على التفكير باقتراحي . هممم ؟ "

قال لوغان بقسوة : "وهل تقدمت باقتراح يا برايس ؟ "

تطلعت دارسي اليه مقطبة , واللون الحار على وجنتيها : " لقد اقترح على ابن خالتك ان يرسمني "

ولم يعجبها ابدا تلميح لوغان . ولول انها لم تأخذ اقتراح برايس ماك اليستر بجدية . بل كانت واثقة انه يحاول ان يبنى علاقة صداقة معها . على اى حال فالرجل مشهور عالميا .

قالت المرأة بإثارة : " كم هذا رائع ! "

رفع لوغان حاجبيه ساخرا : " حقا ؟ هل هذه طريقة جديدة لدعوتها الى محترفك لترى لوحاتك ؟ "

احست دارسى ان غضبها قد بدأ يتصاعد . وهذا شئ لم يحدث معها ابدا فى الايام العشرة الاخيرة . ما الذى يبقيها غاضبة هكذا طوال الوقت عندما تراه ؟

رد برايس بجفاء . وهو يبتسم لها مطمئنا : " بالكاد . لكن اذا كان ذلك يزعجك الى هذا الحد . يمكنك ان تجيء معها ؟ "

رفعت دارسي نظرها نحو برايس متسائلة . لماذا ينزعج لوغان بحق السماء لما تفعل ؟ الا اذا كان برايس ببساطة يسخر من دور لوغان المستقبلي كأخ غير شقيق ؟ حسن جدا . يمكنه ان ينسى هذا . انها اكبر سنا من ان ترحب بحماية اخ على كره منه . خاصة حين يكون هذا الاخ لوغان !

بدا واضحا من تعبير لوغان العابس انه لم يكن معجبا بسخرية ابن خالته.

انها فعلا عائلة وسيمة بشكل غير عادي . لوغان .فيرغوس وبرايس , ويبدو ان فيرغوس لن يحضر هذه الحفلة . لكن بالنسبة لها يكفيها ان تتعامل مع لوغان وبرايس فى وقت واحد !

قال لوغان بحدة : "اشك فى ان يكون هذا ضروريا . انت . "

وسكت مع سماعه الدعوة الى العشاء .

تنهدت دارسى بارتياح .هذا اللقاء مع لوغان كان صعبا كما تصورته . فمن الواضح ان ليس هناك ما يقولانه لبعضهما . لكن نظرة واحدة اليه اكدت لها ان مشاعرها نحوه لم تتغير . انها لا تزال تحبه !

لكن ارتياحها كان قصيرا بحيث دام فقط حتى وصولهم الى القاعة الطعام . وما ان جلس هيوغ ماكدونالد وضيفا الشرف , ميغ ودانيال حتى وجد الجميع امكنة لأنفسهم . .ووجدت دارسى نفسها جالسة بين برايس ولوغان وجلست فرانسيسكا الى الجهة الاخرى للوغان .

قال لوغان لدارسي بصوت منخفض : " كيف حالك ؟ "

اكدت له دارسى بارتباك , دون ان تلتقى بنظرته : " جيدة جدا . شكرا لك"

واحست بخجل اذ ادركت مجددا انها لا تزال تحبه .

لم تكن الايام العشرة الاخيرة سهلة عليها . لكن وجودها الان قربه , وفرانسيسكا الى جانبه الاخر كان عذابا لها .

سألت بأدب : "وانت ؟ "

رد بحدة : " بخير . هل ستقبلين عرض برايس ؟ "

هزت رأسها تبتسم بخشونة : " كان فقط يلاطفنى "

ترقق فم لوغان : " برايس لم يكن يوما لطيفا بالنسبة لعمله "

ابتلعت ريقها بقوة , وقالت محتجة : "اعتقد انه فى هذه الحالة كان لطيفا "

قاطعهما برايس باهتمام : " هل ذكر اسمى بغير احترام ؟ "

نظر لوغان الى ابن خالته , وعيناه تبدوان كقطعتى ثلج زرقاوين : " يبدو ان دارسى تعتقد انك لست جادا فى اقتراحك بأن ترسمها "

اكد برايس ماك اليستر لها فورا : "اوه . لكنني جاد . بل جاد جدا ... فى الواقع لدي شعور أن لوحة دارسي ستكون اللوحة الأساسية فى معرضي القادم "

قال لوغان : " لكن لعلها لا تريد ان ترسمها "

واستدار نحوها يسأل : " هل تريدين ؟ "

لم تصدق دارسى ان فنانا مثل برايس ماك اليستر , قد يفكر فيها كموضوع لإحدي لوحاته . لكنها لم تكن متأكدة من انها تريد ان تظهر امام الاف الناس , كما انها لا تريد ان تكون سبب خلاف بين أبناء الخالة . وان تقوم بدورها من اجل والدها , وان تكون داعمة لزواجه المستقبلى , قبل ان تختفى الى عالمها الخاص الغامض . لكن اهتمام برايس ماك اليستر يرسمها , سيجعل هذا امرا صعبا .

قالت بخفة : "انا واثقة من انه يمكن مناقشة هذا الامر فيما بعد , واعتقد ان جدك على وشك ان يقترح نخبا للخطيبين "

واحست بشئ من الارتياح عندما وقف هيوغ ماك دونالد على رأس المائدة.

طال العشاء , وهذا الامر لم يكن ممتعا بالنسبة لدارسي . كان الطعام رائعا , ويليق بكل تأكيد بمستوي الشيف سيمون . لكن الصحبة هي التي جعلته لا يحتمل . وبالرغم مما قاله لوغان عن ابن خالته , فقد كان برايس لطيفا جدا , وتكلم كلاهما فى العديد من المواضيع . لكن حديث لوغان مع فرانسيسكا جعل الامر بمثابة كابوس بالنسبة لدارسي التي بالكاد لمست طعامها .

- هل تتبعين حمية ؟

استدارت بحدة لتنظر الى لوغان , وادركت انه كان يراقبها خلال ذلك الوقت , كي يعي انها لم تأكل كثيرا من الطعام , بالرغم من انها كانت تظنه منغمسا فى جمال فرانسيسكا .

هزت كتفيها : " لست جائعة كثيرا "

سأل : " ستبدأين عملك الجديد قريبا , أليس كذلك ؟ "

أدهشها أنه تذكر ذلك . وهذا صحيح , ستبدأ عملها فى حضانة الاطفال فى الاسبوع القادم .

امتدت يده لتمسك يدها : " متوترة ؟ "

لم تكن متوترة . لكنها اصبحت كذلك الان . ماذا يفعل لوغان ؟ بل وماذا ستظن به فرانسيسكا وهو يلمسها هكذا ؟

تابع لوغان بلطف : " يجب الا تكونى متوترة , اتعرفين هذا ؟ انا واثق ان الاولاد سيحبونك "

كم تتمنى ان يحبها هو !

كانت قد ذهلت بعد ظهر اليوم حين وصلت الى القصر مع والدها وميغ . اذ اقلتهم خلال الرحلة عبر الريف من المطار سيارة فخمة مناسبة لعظمة منزل ميغ العائلى . بدأت الرحلة صعودا من الطريق العام وبدت طويلة , ورأت خلالها الاف الغزلان ترعى فى الحقول ..

أما القصر بحد ذاته فيبدو كأحد قصور القصص الخرافية !

تبين لدارسى ان هيوغ ماك دونالد صورة عن لوغان . مما اعطاها فكرة عما سيكون عليه لوغان بعد اربعين سنة . مهيب تماما !

خصصت لدارسى احدى غرف النوم فى البرج الشمالى . واختارت القبول باقتراح هيوغ ماكدونالد ان ترتاح حتى موعد العشاء . ليس لأنها فعلا تحتاج الى الراحة , بل لتعطى نفسها فرصة لتستجمع دفاعاتها المشتتة لأنها تتوقع رؤية لوغان ذلك المساء . اما القصة التى اخبرتها لبرايس بأنها ضاعت فى القصر المتسع , فقد كان فيها بعض المبالغة ., فهي ببساطة تأخرت فى النزول الى الطابق الارضى قدر ما استطاعت دون ان يفوتها العشاء . وهكذا تأخرت عن رؤية لوغان مع فرانسيسكا الجميلة , قدر ما استطاعت !

لكن , فى الحقيقة , لم يوفر عليها ذلك الكثير من الالم الذى احست به لرؤيته مع المرأة الاخرى . واضطرارها لتقبل أهمية فرانسيسكا فى حياته.

سحبت دارسى يدها من قبضة لوغان بلطف , واكدت له : "انا اتطلع شوقا لبدء عملي "

اشتد ضغط لوغان على فمه لأنها نزعت يدها , وضاقت نظرته : " إذن . لماذا لا تأكلين ؟ "

وقطب : " هل لأنك ما زلت منزعجة بشأن والدك وامي ؟ "

- لا .. مطلقا .

وبدت ابتسامتها محبة وهي تنظر عبر المائدة الى الخطيبين . لم يكن هناك شك فى مشاعر الحب بينهما . وتمتمت : " انهما زوجان رائعان . اليس كذلك ؟ "

اكد لها بجفاء : "رائعان "

نظرت اليه مقطبة قليلا : " لكن . اما زال لديك شكوك .؟ "

- هذا ليس من شأنى .أليس كذلك ؟

لا . ليس من شأنه . لكن مشاعره نحو الزواج , اى زواج , مازالت تخيفها.

نظرت الى فرانسيسكا الجميلة وهي تتحدث الى الرجل الجالس الى يمينها .هل تعرف هذه المرأة رأى لوغان فى الزواج ؟ واملت دارسى هذا بصدق , والا فالمرأة الاخرى ستتلقى صدمة رهيبة .

مع ان فكرة زواج لوغان من امرأة اخرى كادت تجعل دارسى تحس بالاغماء.

ابتلعت بصعوبة : "انا .. "

قال : "ستقام حفلة راقصة بعد العشاء فى " الصالون " الرئيسي "

وكأنه عرف انها كانت على وشك ان تعتذر وتهرب الى غرفة نومها ..!

قاطعهما برايس : " لقد وعدتنى دارسي بالرقصة الاولى يا صاحبي "

وامسك بيد دارسى بحزم : "لكننى واثق من انها ستخصص لك رقصة , فيما بعد ! "

استدارت دارسى لتنظر الى برايس بحيرة . ولتواجه غمزة منه تنم عن مؤامرة ! برايس ماك اليستر يعرف . بطريقة ما , انها تحب لوغان ! السؤال الان هو . هل سيخبر ابن خالته ؟

تبخر كل تفكير بالهرب السريع الى غرفة نومها بعد ان عرفت انها لن تستطيع السماح لبرايس ماك اليستر ان يفعل هذا . يجب ان تكلم برايس اولا. يجب ان تتوسل اليه لو اضطرت , لكي لا يخبر لوغان عن مشاعرها نحوه , لانها لن تستطيع تحمل اشفاق لوغان المحرج .

ابتسمت لبرايس ابتسامة عريضة فارغة : "يبدو لي هذا رائعا !"

ورأت لمعان الخبث فى عينيه الخضراوين القاتمتين , وهو يتلقى رسالتها .

ردد لوغان ببرود : "رائع . لكن يجب ان تنتبه لقدمي دارسى , برايس " ونظر الى دارسي .

قال ابن خالته مادحا بنعومة : "انا واثق انها ترقص بشكل رائع جدا "

تابع لوغان : "يجب ان تحذر ركلاتها "

وعرفت دارسى الى ماذا يلمح بالضبط . ولون الغضب خديها : "انا واثقة من ان برايس لن يكون قليل التهذيب كي اضطر الى ركله !"

قال برايس ماك اليستر ممازحا : " يجب ان اقول يا لوغان ., اننى اجد صعوبة فى ان اصدق ان هناك مبررا لتصرفك غير المهذب مع شابة جميلة مثل دارسى "

رد لوغان : "الامر سهل جدا .. صدقنى "

استدارت دارسى لئلا يرى الدموع المفاجئة فى عينيها . فالغضب كان اخر ما تريد ان تثيره فى لوغان . لكن , وعلى ما يبدو , الغضب هو كل ما بقى بينهما .
***********************

لا !



همس برايس من جانب لوغان : "انها فاتنة تماما يا لوغان "

كان الرجلان يقفان فى الصالون الرئيسى , وفيما دارسى ترقص مع ابيها.

لم يزعج لوغان نفسه بالتظاهر بأنه لا يعرف عمن يتكلم ابن خالته : "انها كذلك فعلا "

لقد ادرك ان مجرد المحاولة ستبدو سخيفة , لأن برايس انهى رقصه معه لتوه !

نظر برايس اليه : "اذن , لماذا لا تقول لها هذا ؟ "

- ولماذا أفعل بحق السماء ؟

قال برايس بصراحة : " لأنك تحبها "

كاد لوغان يختنق وهو يشرب جرعة العصير , واخيرا تمكن من ان ينفجر قائلا : " انا . . انا ماذا ؟ "

كرر برايس : " تحب دارسى , يجب ان اقول اننى معجب بذوقك . لقد فكرت دوما انك لو وقعت فى الحب , وقد كنت اشك فى حدوث هذا لسنوات , ستختار امرأة غير مناسبة قطعا . لكن دارسى متواضعة , فاتنة , جميلة , وروحها مرحة "

اخيرا استعاد لوغان وعيه بما يكفي ليحتج : "انا لا احب دارسى . كنت اعرف دائما ان الجانب الفنى منك يجعلك رومانسيا يا برايس .لكنني لم اكن ادرك انه يجعلك تتوهم ايضا !"

رفع ابن خالته حاجبين عاتبين , وقال : " هذا غير صحيح ! "

رد لوغان : " اذن انت فعلا واهم "

رد : " ولا هذا ايضا . لوغان , هل تنوى ان تبقى مغفلا طوال حياتك "

رد لوغان متصلبا : " لم اكن اعرف اننى مغفل "

- ستكون كذلك ، اذا تركت دارسى تخرج من حياتك .

قال بجفاء : "هذا مستحيل . فبعد اسبوعين سيتزوج والدها امي . وهذا بالتالى يجعلنا بطريقة ما شقيقين "

نظر برايس اليه متسائلا : "وانت سعيد لهذا . أليس كذلك ؟ "

ضحك لوغان بسخرية وهو يهز رأسه : "ليس لدى فكرة عما تتكلم يا برايس "

نظر اليه بارتياب وقال : "لا ! لم يعجبك ان امسك ذراع دارسى , وحين كنت ارقص معها منذ دقائق , بدوت على استعداد لكي تخنقني "

اللعنة على برايس . انه مراقب متمرس . ولا . لم يعجبه قرب برايس من دارسي . لكن الوصول الى حد القول انه يحبها امر سخيف . فهما لا يعرفان بعضههما سوى منذ اسبوعين . وقد كانا اسبوعين عاصفين . فالامر بكل بساطة انه يشعر برغبة فى حمايتها , ليس الا .

قال لوغان : " كنت اتساءل فقط فى اى مرحلة من الامسية ستركلك "

ابتسم برايس : " لن تفعل "

دهش لوغان : " اوه .. ؟ وما الذى يجعلك متأكدا ؟ "

حذره برايس بنعومة : " كل ما اتمناه هو الا يكون الوقت متأخرا حين تقرر ان تصحو يا لوغان "

ضاقت عينا لوغان : " متأخر علام يا برايس ؟ "

لم يكن لوغان مسرورا لمناقشة امر دارسى هكذا . ولم يكن يعجبه ان يتكلم برايس عنها ابدا

لكن هذا لا يعنى انه يحبها . كانت ضعيفة جدا يوم التقاها . ولا تزال هكذا فى احيان كثيرة . وهو لا يحب ان يراها تتعرض للأذى

اقترح عليه برايس مع انتهاء عزف الموسيقى وعودة دارسى ووالدها الى ميغ : " لماذا لا تدعوها للرقص ؟ "

- ولماذا لا يفعل ؟

سأله برايس : " خائف يا ابن خالتى ؟ "

رد لوغان بحدة : "هذا تحليل نفسى معكوس . من المفترض الان ان اركض الى دارسى واطلب منها ان ترقص معي لمجرد ان ابرهن لك خطأك . صحيح ؟ "

لم يهتم برايس : " كنت فقط اتساءل لماذا لا ترقص مع اختك المستقبلية "

- ربما لأن ابن خالتى يقف كشوكة فى الخاصرة .

اكد له برايس من دون تراجع : " وسأستمر على هذا الحال الى ان تطلب منها ان ترقص معك "

حدق لوغان به : " لماذا تهتم انت لهذا الامر ؟ "

شجعه برايس : " انها ترقص كالحلم يا لوغان . خفيفة جدا بين ذراعيك ., ومثيرة جدا فى الوقت عينه . انا .."

ونظر الى وسط الصالون : "اوه . تأخرت كثيرا يا لوغان . لقد وصل جدي اليها اولا ! "

استدار لوغان ليرى جده يقود دارسى الخجولة الى حلبة الرقص الكبيرة وسط الغرفة

بدا جده وسيما فى بذلة السهرة السوداء والقميص الابيض . كان اللون الرمادي يغزو شعره أما نحول جسمه , فلا يظهر فيه اى أثر للسن . وكان يقود دارسى مخدرة الاحساس فى رقصة " فالس " .

كان الاثنان يتكلمان بصوت منخفض وهما يرقصان وتمكن لوغان من ان يرى ان دارسى تسترخى ببطء , وتتحرك برشاقة اكثر مع الموسيقى . خطواتها تتوافق بكمال مع خطوات جده .

راح لوغان يتساءل عما كان جده ودارسى يتكلمان الان بالضبط . ومهما كان الموضوع بدا واضحا انهما يستمتعان بصحبة بعضهما . فقد ضحكا معا عدة مرات قبل ان تتوقف الموسيقى , حيث قاد هيوغ دارسى الى والدها وميغ بكل وقار .

قال برايس ضاحكا : " الشيطان العجوز , لابد انه تمتع كثيرا بهذا "

اعترف لوغان بجفاء : "ربما . واعتقد اننا سنعرف فورا كم تمتع "

وتقدم جده يشق طريقه نحوهما مصمما .

قال الجد مهاجما : " ما بالكما ايها الشابان ؟ "

واخذ كاس عصير ثم تابع قائلا : "

- انتما وسط الكثير من النساء الجميلات , وتجبنان كغبيين !

ضحك برايس : "استثنى نفسى من قولك هذا "

ورد لوغان : " ونحن لا نجبن فى اى مكان يا جدي "

نظر العجوز الى لوغان نظرة ثاقبة :" وانت ألن ترقص ايضا ؟ فى الواقع , لم ارك ترقص اليوم يا لوغان . ماذا دهاك . هل الصحبة ليست من مستواك ؟ "

- لا فمعظم هؤلاء الناس من لندن .

قال هيوغ بإعجاب : " كانت فتاة جميلة "

قال برايس : " من .. دارسى ؟ "

هز هيوغ رأسه : "الاسم غريب قليلا . لكن الفتاة رائعة . اعتقد ان ميغ وسيمون قد يدبران زوجا لها . لقد حان الوقت ليستقر احدكم ويجعلنى " الجد الكبير " .

وثبت نظرته الفولاذية على حفيديه .

احتج لوغان : "اوه . ارجوك . ليس انت ايضا "

ووضع الكأس الفارغة على طاولة جانبية : " لو عذرتماني , كلاكما ! "

استدار هيوغ ليسأل برايس : "ماذا قلت ؟ "

لم يبق لوغان قريبا بما يكفى ليسمع الرد , بل سار عبر الغرفة وصول الى جانب دارسى .

سأل لوغان متصلبا : "هل ترقصين ؟ "

كانت قد استدارت لتبتسم له وهو يقترب . لكن ابتسامتها تلاشت وهى تستوعب تعبيره الغاضب .

وسألت : " هل انت واثق من ان هذا ما تريده ؟ "

لا . فما يريده حقا . هو ما يريد ان يفعله كل مرة يرى فيها دارسى ! ان يحملها الى مكان ما ويعانقها . وفى هذا الظرف , كان الرقص معها هو الاقرب الى ذلك . اذن فليكن الرقص .

لكنه غير رأيه : " ربما رقصت بما يكفى لأمسية واحدة , فهل تفضلين الخروج لنتمشى بدلا من الرقص ؟ "

ربما لن ترغب بذلك . تأوه فى سره وهو يرى الحيرة على وجهها المعبر . هل يرغب حقا فى الخروج ليتمشى مع امرأة تبدو ساخطة اكثر منه ؟ بالتأكيد لا !

اخذ نفسا عميقا مهدئا وقال بخجل : "سأحاول مجددا , دارسى هل يهمك ان نسير فى الخارج لنتنشق الهواء النقي ؟ "

ابتسمت ابتسامتها الخجولة تلك وردت : "شكرا لك لوغان , اجل . اود هذا"

مد ذراعه لها وخرجا من الابواب الزجاجية التى تقود الى الخارج نحو الحديقة المعطرة بالورود .

تمتمت دارسى حالمة وهي تنظر من فوق الجدار : "أي مكان جميل هذا!"

لقد كان القصر والارض التابعة له , يسبحان بضوء القمر . وكأن نوره ينعكس على فستانها الفضي الرمادي , ليعطيها ملامح سماوية . ووجد لوغان نفسه مشلولا فى تلك اللحظة .

استدارت دارسي اليه : " ما الأمر ... لوغان ؟ "

تحركت ذراعاه حول خصرها , وانحنى يضمها اليه .

منتهى السعادة . كانت هذه هى المرة الأولى التي يشعر فيها أنه سعيد . منذ اخر مرة ضمها هكذا .

كانت منسجمة معه تماما . ولم يكن يريد لهذا العناق ان يتوقف . بل اراد ان يستمر فى احتضانها . انتزعت نفسها منه مبتعدة . ووجهها مصدوم تحت نور القمر : " لا ! لا نستطيع فعل هذا يا لوغان "

وترقرقت الدموع فى عينيها .

شعر بالصدمة للحظة . لقد كان ضائعا تماما فى سعادة عناقها وقربها منه.

قالت مختنقة : "أرجوك . دعنى أذهب "

اشتدت ذراعاه كالفولاذ حولها وهي تحاول التملص . فكررت بصوت باك : " أرجوك ! "

ارتخت قبضته , لكنه لم يتركها . وهمس : "لن أؤذيك يا دارسي . كان يجب أن تعرفي هذا . لن أفعل أبدا ! "

كانت دوما تقوم بأشياء تستحق انتقامه منها . الا انه لم يتخذ يوما خطوة غاضبة نحوها . حتى تحت ضغط أقصى الاستفزاز .

أصبحت فجأة جامدة بين ذراعيه , تتعمد ألا تنظر اليه , وقالت بخشونة : " إذن , دعنى أذهب "

تأوه : " لماذا ؟ لا داعى لنعود الى الصالون . يمكن ان ندخل القصر من باب جانبى , ونصعد الى الجناح الخاص بي "

انتزعت نفسها من بين ذراعيه : " لا .. ! ".

واستدارت لتعود الى الداخل واغلقت الباب بهدوء خلفها .

وقف لوغان مذهولا لدقائق طويلة . ماذا فعل ؟ ماذا قال ؟ ماذا .. ؟

استدار بحدة لإحساسه بحركة خلفه , وكانت خيبة أمله قوية لأن برايس وليس دارسي هو من خرج لينضم اليه .

قال له برايس : "لقد عادت دارسي الى الداخل وهي لا تبدو هادئة كعادتها . لذا فكرت ان من الافضل ان اخرج واتأكد من انها لم ترم بك فى البركة"

لا .. لم تفعل هذا . لكن فى الدقائق القليلة الاخيرة , عرف لوغان انها فعلت شيئا أسوا من هذا بكثير . بل أشد سوءا مما يمكنه ان يحتمل !

كيف يفعل هذا ؟ كيف يستطيع ان يضمها ؟ بينما المراة الاخرى فرانسيسكا , موجودة فى الصالون مع كل ضيوف حفلة الخطوبة ؟

لطالما كانت تعرف ان لوغان متعجرف . . وانه لا يؤمن بالحب , هذا عدا الزواج , لكنها , لم تفكر يوما انه قد يتصرف بمثل هذه الطريقة المتعجرفة . وفى منزل جده !

ماذا ستفعل الان ؟ لن تستطيع البقاء هنا فيما قد يعود لوغان الى الحفلة فى اى لحظة , وهذا امر مؤكد ببساطة , لن تستطيع مواجهته بعد وقت قصير مما حدث فى الخارج . لكنها لا تريد ايضا تكدير والدها أو ميغ بالانسحاب باكرا

فجأة , جاء هيوغ ماك دونالد لنجدتها . فقد وقف ليعلن أن الوقت يقترب من منتصف الليل , وانه سيرقص اخر رقصة " فالس" مع اجمل امرأة فى الغرفة قبل أن يحين الوقت لذهاب الجميع الى النوم أو الى منازلهم .

لكن دارسى لم تعد واثقة من انه انقذها ابدا , حين تبين ان خياره وقع عليها كأجمل امراة فى الغرفة . ووجدت نفسها فجأة تتأرجح بين ذراعيه مع بدء الفرقة الموسيقية بالعزف !

تمتم بلطف فى أذنها وهو يديرها على انغام الموسيقى : "ابتسمى , أيتها الفتاة السخيفة . لا تدعى احدا من أسرة ماك دونالد يعرف انه تغلب عليك"

نظرت دارسى اليه مجفلة : " ماك دونالد .. ؟ لكنك .."

قال هيوغ بغمزة شريرة : "لعل والدة لوغان تزوجت من احد افراد أسرة ماكنزى . . لكنه ماك دونالد اكثر من اى شخص اخر . إنه بطئ قليلا مع السيدات . أليس كذلك ؟ "

واطلق ضحكة مرتفعة لتعبيرها المصدوم : "زوجتي رحمها الله , اضطرت لضربي على رأسى بمقلاة لأدرك أننى أحبها ! "

ضحكت دارسي بصوت منخفض : "اعتقد اننى اود سماع هذه القصة فى يوم ما " لكنها كانت تعرف ان مثل هذه الطريقة لن تنفع مع لوغان .

وعرفت كذلك ان هيوغ طيب النية فى مزاحه . لكنها سبق وفعلت اشياء فظيعة للوغان . وكل ما نجحت فى فعله , انه دعاها للصعود معه الى جناحه . وهذا بالكاد يكون إعلانا للحب !

قال هيوغ مفكرا : "اوه .. لقد جربت هذا . أليس كذلك ؟ لطالما كان غبيا مع النساء "

وتنهد : " لو كنت أصغر سنا بأربعين سنة لطلبت يدك ! "

ضحكت دارسى مرة أخرى : "لو كنت أصغر بأربعين سنة , لقبلت ! "


ابتسم هيوغ لها بإعجاب مع توقف الموسيقى عند منتصف الليل تماما . وبدا فى تلك اللحظة شبيها بحفيده الى حد بعيد .

وانحنى يقبل خدها بحرارة .

- سأتطلع شوقا لرؤيتك مجددا وفى وقت قريب .

فى حفل الزفاف طبعا . بعد أسبوعين . ولكنها لا تتطلع الى الموعد بشوق على اى حال . خاصة بعد المسار الذى اتخذته الامور بينها وبين لوغان . فبعد هذه الليلة ! لن تكون المناسبة مشوقة قطعا !

لسوء الحظ , كان لوغان أول شخص رأته وهي تستدير لتغادر حلبة الرقص . كان واقفا يحدق فيها بعينين زرقاوين لامعتين , غاضبتين .

قالت ميغ تسترعي انتباه دارسي وهي تمد يدها لتضغط على ذراعها بمحبة :

- أليس أبي رائعا ؟

رددت دارسي : "رائع "

قالت ميغ بحرارة : "دانيال وانا سنتناول شرابا ساخنا فى المكتبة قبل النوم . . هل تنضمين الينا ؟ "

هزت دارسي رأسها : "لقد كانت أمسية رائعة , لكنى أشعر بالتعب قليلا "

وتحركت لتقبلهما بحرارة : " لماذا لا تسألين لوغان ! يبدو انه بحاجة الى شراب ساخن مهدئ "

ولم تنتظر لترى ما إذا كانا قد قبل اقتراحها واسرعت تخرج من الغرفة . لقد كانت امسية رائعة . بل فظيعة . مثيرة . محطمة للقلب ! أمسية أملت ألا تتكرر.

ترددت قليلا بعد خروجها الى الردهة الرئيسية . وقد واجهها أربعة سلالم . كل منها يقود الى برج , فأى واحد هو الذى يقود الى البرج الشمالى ؟ هذا هو السؤال .

سمعت صوتا ساخرا خلفها : " هل تتأخرين هنا , على أمل ان يظهر برايس ويرافقك الى غرفة نومك ؟ "

اجفلت دارسى , وقوت نفسها قبل أن تستدير لتواجه لوغان بوجه متحجر . وعينين جافيتين !

ماذا يريد هذا الرجل منها ؟ ماذا يظنها ؟ هل يظن فعلا انها قادرة على التسلل معه الى غرفته فيما صديقته تنتظره ؟

هزت رأسها بحزن : "انا فقط احاول اكتشاف اى سلم يقود الى البرج الشمالى "

وكان التعب قد نال منها فلم تحاول انكار التهمة الاخرى فى سؤاله . لقد كان برايس لطيفا معها , لا شئ اكثر , ولن تهين ذلك اللطف بمحاولة الدفاع عن برايس , او عن نفسها .

بدا ان لوغان لم يتأثر .

- فكرى باتجاهات البوصلة دارسى . الشرق , الغرب , الجنوب ..

واخذ يشير الى الاتجاهات .. فقاطعته : " حسن جدا لوغان . لقد فهمت . اعذرنى ان لم اكن كشافة بارعة "

واستدارت بسرعة قبل أن يرى لوغان الدموع فى عينيها واتجهت الى السلم المقابل .

- دارسى ...

- لوغان .. انا مسرورة لاننى وجدتك .. كنت ابحث عنك فى كل مكان !

كان من السهل على دارسي ان تتعرف على صوت فرانسيسكا داروبن , وهي تسرع نحو السلم العريض , وساقاها ترتجفان بحيث لم تعد واثقة من انها ستصل الى غرفتها .

رد لوغان على المراة الاخرى : " كنت هنا "

وصلت دارسى الى اعلى السلم قبل أن تخذلها ساقاها , واستدارت الى الزاوية لتستند بضعف الى الجدار . . وبدأت دموعها تنهمر .

يجب ان تتحرك . عليها ان تتحرك قبل أن يصعد السلم ويراها .لكن ساقيها ما عادتا قادرتين على التحرك . لوغان يكرهها !

عادت فرانسيسكا للكلام مجددا : " اردت فقط ان اقول لك ان الامسية كانت رائعة , وامل ان نتقابل مرة اخرى "

رد لوغان بنفاد صبر واضح : "ربما "

لم تتوقف دارسى لتسمع المزيد من الحديث , وابتعدت عن الجدار لتسير باضطراب عبر الممر نحو غرفة النوم التي خصصت لها . أضاءت النور ثم اقفلت الباب وراءها .

لم تفهم . لقد ظنت ان فرانسيسكا داروين جاءت الى هنا مع لوغان . فقد رأتهما معا حين دخلت الصالون , وفهمت ان هذه المرأة هي صديقة لوغان . لكن , بعد الحديث الذى سمعته لتوها , يبدو جليا انها كانت مخطئة . واذا لم يأت مع فرانسيسكا . فهو لم يأت الى هنا مع احد

إذن . أين هى تلك المرأة , صديقته ؟

لكن , إذا لم يكن هناك امرأة اخرى .. . ماذا او من جعله يغير رأيه ؟
**************************

13- الحب يصنع المعجزات




لماذا لاتكف هذه المراة عن الثرثرة وتذهب ؟ .فكر لوغان فى سره مع استمرار فرانسيسكا داروين فى الكلام . ألم تدرك بعد أنه غير مهتم بها ?
الشئ الوحيد الذى يهتم به هو أن دارسى بدت متكدرة حين تركته منذ دقائق . . وعرف انها تكدرت بسبب لؤمه معها , لكن يبدو انه لم يكن قادرا على منع نفسه . لأنه يحبها ..

الحب . لقد أدرك لحظة ابتعدت عنه فى الحديقة , انه وقع فى حبها .. وان حبه لها كان سببا فى تلاشئ كل المعاني من حياته . وهو الذى كان يظن انه لن يشعر بهذا الاحساس نحو أى امرأة .. وهذا ما أرعبه !

فالحب , كما كان يعتقد , امر مخيف , لأن سعادة الحياة كلها تنحصر فى شخص واحد .. لكنه يدرك الان ان الحب يشمل كذلك البهجة , والاحساس بالسرور فى وجود الشخص الاخر , والسعادة فى كل حركة , فى كل كلمة تقال , والحاجة لحماية الاخر . وللمرة الاولى فى حياته , أحس لوغان بالكمال . وكأنه وجد نصفه الاخر , ودارسي هي ذلك النصف الاخر .

لم يعرف لوغان شعورا كهذا من قبل . الشوق اليها , ولتلك الابتسامة التي توقف القلب . كم كان يرغب في أن يعبر لدارسي عن مشاعره . لكن إحساسه بالرعب منعه . لأنها لا تحبه .

لقد عرف هذا عندما كانا فى الخارج , فقد أرادت الابتعاد عنه .. ولم تستطع الانتظار لتهرب . فماذا سيفعل الان ؟

تقدم برايس ليتدخل بلباقة فى الحديث .

- سأرافقك حتى الباب فرانسيسكا .

ونظر الى لوغان نظرة قلق قبل ان يمسك بحزم ذراع فرانسيسكا , .ويتحدث اليها وهما يبتعدان .

- لوغان .. ؟

استدار مذهولا لينظر الى امه . هل أحبت والده بهذه الطريقة التي يحب بها دارسي ؟. وهل تحب الان دانيال بالطريقة نفسها ؟ اذا كان الامر كذلك فأقل ما يدين به لها هو الاعتذار عن الطريقة التى عاملها بها , ليس لأشهر فقط بل لسنوات .

ابتسمت له ميغ بلطف : " دانيال وانا سنشرب شرابا ساخنا فى المكتبة , تعال وانضم الينا " ولم تنتظر رده , بل دست يدها تحت ذراعه وسار الثلاثة نحو المكتبة .

كانت النار المشتعلة تعطي وهجا دافئا , لكنها حرارة لم تكن تلامس لوغان.

اكتشافه انه يحب دارسى , وان الحب ليس متبادلا , كان سيئا بما يكفى .. فكيف له ان يبدأ بالاعتذار من أمه بعد رفضه هذا مرارا عبر السنوات ؟

نظرت اليه بقلق : " لوغان .. ؟ "

لم تكن أمه قد رأته بهذه الحالة من قبل , وبدت مترددة . فراحت تنظر بقلق الى دانيال وكلاهما ينظر الى لوغان بارتياب .

كانا على الارجح يتوقعان منه قول شئ او فعل شئ قد يفسد عليهما سعادتهما بهذه الأمسية , ومن يستطيع لومهما ؟ لقد كان غبيا .. أنانيا وغبيا . وليس له اى حق بأن يملى على هذين الشخصين ما يجب أو ما لا يجب أن يفعلاه فى حياتهما .

خرجت أنفاسه متحشرجة قبل أن يضع فنجان الشراب الساخن على الطاولة , ويسير ليمد يده الى دانيال .. . ويقول بهدوء : "أود أن أقدم لكما , ولو متأخرا , احر التهاني "

ولم يتأخر الرجل المسن لحظة فى قبول تلك المصالحة الحارة .

استدار لوغان الى امه : " أتمنى ان تكونا سعيدين معا .. أمي "

تقدم لوغان ليحتضن أمه . واحس بارتجاف جسمها وهي تبكي بصوت منخفض . فمرات ومرات, تقربت أمه منه خلال السنوات العشرين الماضية .. وقد صدها مرات ومرات . لكن حبه لدارسي الان , سمح للحب أن يعود الى قلبه , وعرف انه لم يتوقف أبدا عن حب امه . وانه لن يستطيع ابدا ان يفعل .

قالت الأم مختنقة : " لقد جعلتنى سعيدة يا لوغان "

واحاطت وجهه بيدها وهي ترفع نفسها لتقبل خديه .

وشجعها بصوت أجش : ." كونا سعيدين معا .. همم ؟ "

رفعت الام نظرها اليه متفحصة : " وأنت .. ؟ هل انت سعيد ؟ "

رد بخشونة : " إذا لم أكن سعيدا , فلا ألوم سوي نفسى "

لقد أختار ان يعيش بالطريقة التي عاشها ,. وقسي قلبه ضد الحب . ولن يلوم احدا سواه إذا ما وجد نفسه الان وحيدا

- دارسي ...

قاطع لوغان ملاحظة دانيال المترددة : " شابة جميلة وفاتنة "

والتقى بنظرة الرجل المسن مباشرة

هل يعرف دانيال ؟ هل فضح لوغان نفسه بطريقة ما ؟ هل كانت مشاعره نحو دارسي واضحة للجميع ما عداه ؟هل تعرف دارسي ؟

أضاف بصراحة : " انها موضع فخر لك دانيال "

وأحس بالخوف لفكرة ان تعرف دارسي كيف يشعر نحوها . هل كان هذا هو سبب هروبها منه ؟

وضع دانيال ذراعه حول كتفي ميغ وقال بمحبة : " لم أكن واثقا من هذا حين رمت عليك البيض المخفوق "

هز لوغان كتفيه : " كنت استحق هذا على الارجح . على الأقل كانت هي صادقة فى مشاعرها "

وهذا أمر لم يكنه منذ وقت طويل .. أو لم يحن الوقت ليكون صادقا تماما فى مشاعره . مهما كانت الكلفة علي كبرياؤه ؟

استقام فى وقفته قائلا : "إذا كنتما لا تمانعان , سأترككما لوحدكما الان . ما هذه السخافة . طبعا لن تمانعا "

وهز رأسه لسخافته , وأضاف : " اعتن بامي يا دانيال "

اشتدت ذراع دانيال حول كتفي ميغ :."اعتمد علي في هذا "

لزمه بضع دقائق فقط ليعرف ما أراد أن يقوله , فراح يشق طريقه الى الطابق العلوى . لكنه لم يتلق ردا حين طرق باب غرفة دارسي . لابد أنها نامت .

عليه أن ينتظر حتى الصباح ليتمكن من قول ما يريده , لم لا ؟ لقد انتظر خمس وثلاثون سنة . وليلة سهاد اخرى لن تقتله ! او على الأقل هذا ما أمله ! ليلة دون نوم هي على الأقل ما يجب أن يتوقعه .. وكل ما أمله هو ألا يفقد أعصابه فى ليلة واحدة !

تلقى صدمة حياته حين رأى دارسي تسير فى الممر باتجاهه . لم تكن مستكينة فى الفراش أبدا . بل لاتزال مرتدية ذلك الفستان الرمادي الضيق.

وبدت مصدومة حين رفعت نظرها ورأته ! لو تجرأ .. لو قام بتعليق واحد عن سبب وجودهما هنا

حياها بخفة : " دارسي . . هل ضعت مجددا ؟ "

ولم يبد فظا او ساخرا .

لكن هذا لا يضمن لها , .انه لن يكون فظا ساخرا .. أنه .

عرض عليها بلطف : " هل ترغبين فى أن أرشدك الى غرفة نومك ؟"

تابعت دارسي النظر اليه بحذر : " آه . فى الواقع . انا .. ابى وامك دعياني لشرب شراب ساخن معهما فى المكتبة . وعندما لم أتمكن من النوم , فكرت فى أن أنضم اليهما على اي حال "

هز لوغان رأسه : " لقد تركتهما لتوي . انا . .. أعتقد , انهما على الارجح يودان البقاء لوحدهما قليلا "

وتصاعد احمرار الحرج الى خديها : "بالطبع .. هذا سخف مني "

قال متفرسا : " ما رأيك بالانضمام الى في غرفة الجلوس لشراب ساخن ؟ ارغب فى الكلام معك علي أي حال "

عاد اليها تشوشها مضاعفا .. كانت تشعر أنها مدينة للوغان بتفسير لتصرفها فى الحديقة بعد أن ادركت سوء فهمها فيما يتعلق بفرانسيسكا . فراحت تبحث عنه لتعتذر وهي تعرف انها لن تستطيع النوم اذا لم تفعل .. وبعد أن سألت احدي الخادمات عن غرفته . كان ارتياحها كبيرا حين دقت على الباب . ولم يرد عليها , وقد عرفت انه كان فى الطابق الارضى مع ابيها وميغ .

لكن , ألم تزل مدينه له بالتفسير ؟

تقبلت دعوته بارتباك : "شكرا لك "

ورافقته نزولا على السلم .

كانت غرفة جلوس العائلة أقل رسمية من الغرف التى رأتها حتى الان, نار دافئة فى الموقد , وأثاث قديم مريح . وكتب ومجلات متروكة هنا وهناك , وصورعائلية فى كل مكان . ما من شك أن بعضها للوغان حين كان صبيا , وتمنت دارسي بشوق أن تتقدم وتنظر إليها .

مد لوغان كوب كاكاو ساخن : " هاك "

أخذت منه الكوب , واحتست الشراب الساخن , لتستمد الشجاعة من حرارته ..

- لوغان .

- دعينا نجلس ..

وأشار الى كنبة خلفهما . وانتظر الى ان جلست قبل أن يجلس إلى جانبها .

على الفور ارتبكت دارسي مجددا . .قربها من لوغان فى اى وقت كان بمثابة عذاب لها . لكن وجوده فى هذا المزاج الغريب أصعب من أن تحتمله .

أخذ ينظر إلى السائل الحار بين يديه . وقال بصوت منخفض : " أعتقد أنك ستسرين إذا علمت أننى تصالحت مع أمي "

سألت بتأثر : " حقا ؟ "

وقفزت الدموع إلى عينيها : " اوه ... لوغان .. هذا رائع ! "

وكانت تعنى ما تقول . مع أن لوغان لن يقدر لها هذا . لكنها تعرف انه من الافضل له الا يكون هناك أي ارتباط فى حياته .

هز رأسه ونظر اليها بعينين ملتهبتين : " والان ارغب في ان أتصالح معك "

تراجعت دارسي فى المقعد قليلا : " معى .. ؟ "

هز رأسه ثانية وتنهد : " اذا كنت قد اخفتك او كدرتك سابقا حين كنا فى الخارج "

احتجت : " اوه .. لكنك لم تفعل هذا "

اخر ما احست به بين ذراعيه هو الخوف !

بدا مرتبكا : " حقا , على اى حال ,واضح اننى فعلت شيئا خاطئا . واعتذر لهذا . اخر ما يمكن ان افكر فيه هو اخافتك او تكديرك "

فجأة سمعت دارسي صوت الساعة الكبيرة القديمة خلفهما , واحست بصمت القصر بعد ضجة الحفلة الصاخبة . وادركت كذلك ان اي كلام مهما يكن , يجب أن يأتى الان منها

عضت على شفتها من الداخل : " انت لم تفعل اي شئ لوغان .. انا .. انا ظننت ان فرانسيسكا داروين كانت . اعتقدت انها ستبقى هنا فى القصر .. معك ! "

نظر لوغان اليها بتساؤل ثم قال ببطء : " ولماذا بحق الله تظنين هذا ؟ "

وقفت دارسى , وتحركت مبتعدة عنه . لم تكن قادرة على التفكير وهي جالسة إلى جانبه !

- كانت معك حين انضممت انا وبرايس اليكما . وجلست الى جوارك للعشاء وجعلتك تغير رأيك حول ان تكون شاهدا على الزواج بعد الغداء ذلك اليوم !

بدا لوغان وكأنه يحاول فهم ما تقوله .

وتابعت دارسي بإحباط : ." كان واضحا لي ان من تناولت الغداء معه منذ عشرة أيام قد دفعك الى تغيير رأيك "

مط شفتيه : " انت محقة . لقد فعل . واعتقدت انه امرأة ؟ "

- بالطبع كانت ..

ونظرت اليه مترددة : " ألم تكن امرأة ؟ "

هز لوغان رأسه , وقال معترفا : " كان فيرغوس . ولو ان من غير رأيى فعلا هو امرأة "

تنهدت دارسي بثقل : " هذا ما ظننته "

وضع لوغان كوبه من يده ووقف على بعد خطوات منها وقال لها بصوت اجش : " تلك المراة كانت انت .. دارسي "

اتسعت عيناها : " انا ؟ لكن .. "

تنهد : " فيرغوس وبرايس سيحضران العرس . وكلاهما جذاب وعابث من الطراز الاول .. وانت .. "

كتمت أنفاسها , راغبة فى ان يكمل , وحين لم يفعل , حثته : " وماذا لوغان ؟ "

اخذ نفسا عميقا : " دارسي . ماذا كنت تفعلين حقا وانت تتجولين فى البرج الان ؟ "

اعترفت : " ابحث عنك . لقد سمعت فرانسيسكا تتحدث اليك وهي تغادر , وادركت اي غلطة فظيعة ارتكبتها ...وانا .. احتجت ان اقول لك هذا "

- أنا أخطي معك دائما

- لماذا ؟

- لانك ..

قالت : "لأننى ! لأننى ماذا لوغان ؟ "

بدا أنه يعيش معركة داخلية مع نفسه .. اخيرا تنهد بعمق قبل أن يبتسم لها : " انت ذكية , مرحة , جميلة , فاتنة , مثيرة. ."

- لوغان ..

أنهى كلامه : " لقد قررت ان احضر الزواج . كي لا يأخذ مني أحد هذين النذلين الجذابين المرأة التى أحبها ! "

حدقت دارسي فيه , وهي تبتلع ريقها بتشنج , واثقة من انها لا يمكن ان تكون قد سمعته بشكل صحيح . لوغان يحبها ؟ لكنه لا يؤمن بالحب .. لقد سبق ان قال لها هذا

استدرك بألم : " انا صدمتك فعلا"

ترددت : " لم أصدم . أنا .. أنت حقا تحبنى ؟ "

وشعرت أن قلبها يكاد ينفجر داخل صدرها .

اكد لها : " انا احبك حقا . ولا استطيع تصور أي شئ أكثر روعة من السير . وانت الى جانبى لما تبقى من حياتى , وان تكوني معي لنتحدث , لنضحك , لنبكي معا , .اذا كان هذا ضروريا .. ولن امانع ابدا لو احسست أحيانا برغبة فى رمي البيض علي "

كانت دارسي لا تزال تحملق فيه غير مصدقة : " أنا .. هل تعرف ان جدتك ضربت جدك على رأسه بمقلاة لتجعله يدرك أنه يحبها ؟ "

بدا مذهولا : "جدتي الحلوة المهذبة , فعلت هذا ؟ "

هزت دارسي رأسها : " على ما يبدو "

- وهل نجحت .. ؟ واضح أنها نجحت . لقد بقيا سعيدين معا لأكثر من خمسين سنة .

ورفع نظره اليها بحدة : " دارسي .. اتحاولين ان تقولي لي ., وبأسلوبك الفريد من نوعه , .إنك فعلت تلك الاشياء لأنك تحبيننى ؟ "

خطت الى الامام نحوه , واصبحت على بعد إنشات منه .. وقالت بصوت مرتجف : "لوغان ماكنزي .. . أنا أحبك كثيرا "

رد بخجل وهو يمد يده ليمسك كتفيها : " دارسي سيمون .. وانا أحبك كثيرا كذلك .. هل تتزوجيني ؟ "

اخذت نفسا عميقا : " الزواج لوغان ؟ الا تريد ان تعتاد على فكرة الحب اولا ؟ "

وكانت محاولة للمزاح , ولو ان صوتها تكسر لشدة العاطفة .

قال بتأكيد : " لا .. لا أريد أبدا ان اعتاد على هذا الشعور . انه رائع .. مبهج "

واشتدت يداه على ذراعيها وهو ينحني ليعانقها بلطف .. ومن ثم بشوق شديد .

لم يعد لدي دارسي فكرة كم من الوقت بقيا بين ذراعي بعضهما .. وكان هذا رائعا !

أخيرا اعترف لوغان : " اعتقد اننى وقعت فى حبك منذ اليوم الأول "

ردت دارسي وهي تريح رأسها علي صدره : " لا أصدق هذا . لقد بكيت على قميصك وبدوت من دون ترتيب "

ضحك لوغان : " دموعك هى التى جعلتنى اشعر بك كإنسانة دارسي , اما ابتسامتك .. فقد خطفت أنفاسي .. هل تتزوجينني ؟ "

أجابت : " اجل "

ولم تعد قادرة على تصور اى شئ اكثر روعة من ان تكون مع لوغان لبقية حياتهما .

حثها متشوقا : " قريبا ؟ "

ردت : " قريبا جدا "

وعرفت انها لا ترغب في اي شئ اكثر من ان تكون لهذا الرجل لما تبقى من حياتها , وقالت بصوت منخفض : " ما زلت لا أصدق هذا يا لوغان "

دفنت وجهها فى قميصه : " أعدك بألا أركلك ابدا أو أرمي البيض المخفوق عليك ثانية "

ضحك لوغان : " لا تعدي بأشياء لن تتمكنى من الوفاء بها يا حبي , فأنا واثق من أننى سأفعل احيانا أشياء تزعجك .. أنا أحب غموضك دارسي . فى الواقع . أنا أتوقع ان تمنحينى توأما . أو حتى ثلاثة , فى يوم ما كنوع من المقاومة ! "

يا لها من فكرة رائعة !

فى الواقع . يعد المستقبل مع لوغان بأن يكون مليئا بالأحداث الرائعة !


( تمت )

مشاركة