قلب يحتضن الجراح

الكاتب: قصتي مشاهدات: 878 التصنيف: روايات أحلام

كارا كولتر
تعيش كارا كولتر وبطل حياتها الحقيقي ، (( روب )) في كولومبيا البريطانية ويتشارك المنزل معها هرهما (( هانتر)) .
تمتلك كارا وزوجها سبعة أحصنة ، من بينها مهران : (( واينر )) و(( شنيتزل)).
زوجي روب متعهد بناء ويكره المنازل القديمة . كل ما توحي به بالنسبة إليه هو مجرد جدران غير مرتبة تحتاج إلى الترميم وذات مرة سأل مالك أحد المنازل التاريخية ((روب)) عما يظن أن منزله بحاجة إليه ، فنظرإليه روب في عينيه وقال : ((عود ثقاب )) ، أما أنا فرومانسية جدا وأعشق المنازل القديمة . أعتقد بأنها تاريخنا وبأن جدرانها محملة بالأغنيات والروايات .
1- بركة من جليد
أربعون يوما قبل حلول عيد الميلاد ...
بدا رنين جرس الباب أشبه بدوي مدفع حطت قنابله داخل رأسه وانفجرت به .
تأوه مايكل برويستر وتقلب على فراشه ، ثم فتح إحدى عينيه بصعوبة وحدق في الساعة بجانب سريره .
إنها الساعة السادسة . أتراها السادسة صباحا أم مساءا ؟ إنها السادسة صباحا . من تراه يقرع بابه في هذه الساعة المبكرة ؟ أخذ وسادة مرمية جانبا ووضعها فوق رأسه ، ولكن جرس الباب عاد يرن إلى ما لا نهاية .
تلمس طريقه إلى طرف السرير وهو يترنح متأففاً ، ثم أخذ سروال جينزمرمياً على الأرض وارتداه على عجل .
اجتاز الرواق متعثراً ، حافي القدمين ، عاري الصدر وفتح باب المنزل الأمامي بعنف . لفح نسيم تشرين الثاني وجهه معيداً إلى ذهنه الصفاء فكبح جماح انفعاله على مضض .
كان جاره العجوز السيد ثيودور الذي أحنت السنين ظهره واقفاً عند عتبة الباب . بدت إمارات البهجة على وجهه مع أن الوقت لا يزال مبكراً والسماء خلفه متشحة بلون رمادي داكن .
- جئت أبحث عنك مع طلوع الفجر .
كان مايكل يعاني من صداع حاد في الرأس وجفاف في الفم فشعر برغبة جامحة في تعنيف هذا الرجل العجوز وإقفال الباب في وجهه .ولكن كيف يسعه أن يفعل هذا ؟
عاد مايكل مؤخرا للعيش في المنزل الذي ترعرع به ، وكان السيد ثيودور يشكل جزءاً من الذكريات العزيزة على قلبه والتي حملته على العودة إلى دياره ، إلى هذا المنزل الذي ما زال عابقاً برائحة غليون والده . لم ينس مايكل يوم أغار وشقيقه براين على حديقة السيد ثيودوروقطفا الورود التي زرعها بعناية فائقة ليقدماها لوالدتهما . كما لم ينس يوم كسرا أغصان شجرة التفاح البري في بستانه بينما كانا يتسلقانها .
على الرغم من هذه الذكريات ، أو ربما بسببها ، شعر مايكل بشيء من الحذر عندما اقترح عليه السيد ثيودور أن يساعده في إصلاح منزله فوضع مايكل المالي يسمح له بالتخلي كليا عن العمل اليدوي على الرغم من أنه نجار محترف .
وإذا ما وافق على طلبه ألن يجعل نفسه عرضة للوعظ المستمر ؟ إذ لطالما كان السيد ثيودور عضواً في الكورس في كنيسته ، ويجد سهولة فائقة في التحدث عن الدالي لا ما قرب السياج الخلفي . وغالباً ما تراه يحمل في يده كتابا في الفلسفة أو في الشعر .
ولكن في اللحظات الأكثر صدقاً، تساءل مايكل ما إذا كان من الممكن أن يجد لدى جاره العجوز والواسع الإطلاع جواباً على هذا الافلاس الروحي الذي يعاني منه ، إذا ما وافق على اقتراحه .
غير أن السيد ثيودور لم يتكرم عليه بأي نصيحة . فبينما كان مايكل يعيد بناء الدرجات الأمامية ويركب نوافذ جديدة ، اكتفى السيد ثيودور بالقليل من الكلام . وكلما أنجر ترميم جزء من منزله القديم ، وجد نفسه أمام مهمة جديدة تظهر من العدم .
ولكن في السادسة صباحا ؟ كان تصرف السيد ثيودور مبالغاً فيه هذه المرة .
- كنت أتساءل ..
تنهد مايكل في سره محاولا أن يخمن ما يريده . ما الذي غفل عنه ؟ ما الذي تغاضى عن إصلاحه في مشروع ترميم منزل السيد ثيودورالمتداعي ؟ أدرك مايكل أنه يشعر بشيء من الإرتياح على الرغم من استيقاظه في ساعة مبكرة فالمهم هو أنه سيجد ما يفعله اليوم .
حري به أن يشكر الله لأنه يجد دوماً ما يفعله . فلو بقي متبطلاً طوال الوقت ، لشعر الآن بضياع أكبر من ذي قبل ، تماما كما كان ضائعا قبل أن يأتي السيد ثيودور ويقرع بابه للمرة الأولى وينتشله من أمام الصور الرقمية لجهاز التلفزيون الحديث ، وهو الغرض الوحيد الذي اشتراه بواسطة تلك النقود كلها .
لم يتوقع مايكل برويستر أن يصبح ثريا إلى حد يفوق التصور في سن السابعة والعشرين ، ولو حلم بهذه الثروة ، لما اعتبرها لعنة . ولكنهاكذلك وهو على استعداد لأن يعيد تلك النقود في الحال لو ..
وأعلن السيد ثيودور بنبرة فرحة : (( زينة الميلاد)).
وإذ لا حظ نظرة الارتباك البادية على وجه مايكل أضاف : (( عيد الميلاد . بات عيد الميلاد قريبا .. اليوم )) .
ونظر إلى ساعته لمزيد من التأكيد قبل أن يضيف : (( هو الخامس عشرمن تشرين الثاني . إنني معتاد على تعليق زينة الميلاد في هذاالتاريخ بالذات)).
وجد مايكل نفسه عاجزا عن استيعاب كلامه عن عيدالميلاد ... فعلى الرغم من الفوضى التي يتخبط فيها ، لم يغفل عن زينةالميلاد التي طغت على كافة المتاجر . ومع ذلك ، بدا وكأن هذا لم يسهم في لفت انتباهه إلى اقتراب الموعد المنتظر .
أحس مايكل بموجة من المشاعر تغمره . عيد الميلاد ؟ بهذه السرعة ؟كيف يعقل هذا ؟ شعر ، تحت تأثير الصدمة ، بعطر الصنوبر المميز ،ورائحة الفطائر اللذيذة التي تعدها والدته ، وعطر مستحضر ما بعد الحلاقة الذي يستعمله والده تعبق في أنفه . كان يسمع رنة ضحكات شقيقه ،... وكاد الإحساس بالوحدة وخسارة الأحبة يقضي عليه .
وإذا بالسؤال يفض مضجعه ويجعله يتقلب ليلاً في فراشه ،ويزرع أرض الغرفة ذهاباً وإياباً ، ويشاهد التلفزيون لساعات طويلة في محاولة منه لإسكاته ، يتأرجح عند طرف لسانه .. حاول أن يكبحه ولكنه شعر وكأن السؤال سيخنقه إن لم يطرحه على أحد ، ويصرخ بالكلمات عاليا .
- كيف سأتمكن من البقاء حيا ؟
كان صوته طبيعيا للغاية ، ولكن الريح الباردة اختارت تلك اللحظة بالذات لتعصف بقوة محولة صوته إلى همسة مفعمة باليأس .
جاءت النتيجة على قدر توقعاته ومخاوفه : فما من جواب على هذاالسؤال . غير أن السيد ثيودور ما لبث أن لمس ذراعه ، فوجد نفسه ينظر في تلك العينين الزرقاوين المليئتين بالقوة والحنان .
قال له الرجل العجوز بنبرة حازمة : (( إبحث عن شخص أكثر بؤساً منك ومد له يد العون)).
أخذ مايكل نفساً عميقاً . إنه حل مستحيل . لن يتمكن أبداً من العثورعلى شخص أكثر بؤساً منه .
فسأله بفظاظة : (( أين تحتفظ بزينة الميلاد ؟)).
كان السيد ثيودور يحتفظ بزينة الميلاد في مرآب سيارته . وكم كانت دهشة مايكل عظيمة عندما أدرك أن كمية الأغراض المخصصة لتزيين المنزل من الخارج كافية لمنافسة بابا نويل. . .حبال تتدلى منها الأضواء وأكاليل .. تمثال لبابا نويل ومجموعة كاملةمن حيوانات الرنة .. كان يملك أيضا تمثالين بالحجم الطبيعي يمثلان العذراء مريم ويوسف ، وإسطبلا منحدر السطح لإيوائهما وحمارا للفناء الأمامي .
كان مايكل يجاهد لنقل الحمار الثقيل الوزن عندما وصل السيد ثيودور وسلمه قصاصة من الورق مطوية بعناية قائلا له : (( بشأن ما تحدثنا عنه سابقا )).
وربت على الحمار المصنوع من الخشب بفرح ثم ارتجف السيد ثيودور ونظر إلى ذراع مايكل العاري وهز رأسه متعجبا قبل أن يختفي داخل منزله . عم تحدثا قبل قليل ؟؟
وقف مايكل يحدق في قصاصة الورق وقد بدأت أولى ندف الثلج تتساقط عقب هبوب رياح ميشيغان التي يجدها معظم الناس قارصة إلى حد لا يطاق . كان بحاجة إلى حبل إنقاذ وليس إلى عبارة مقتبسة من الكتاب المقدس ، أو الدالي لاما ، أو أي شخصية أخرى تفتن السيد ثيودور حاليا. ومع ذلك ، كبح رغبة جامحة اجتاحته بتكوير الورقة ورميها من دون أن يقرأها . لعله يجد في هذه الورقة ما يمكنه أن يتمسك به ..فتحها بلهفة رجل يخشى أن يتسلل الرجاء إلى قلبه .
أدرك مايكل أن العنوان المكتوب على عجل على الورقة يعود إلى الطرف الشرقي من جادة واشنطن ، في حي هو الأكثر عنفا على مقربة من الطاحونة المهجورة . ولفت انتباهه الاسم المدون تحت العنوان .
عندئذ ، تذكر مايكل الحديث الذي دار بينهما في وقت سابق . إبحث عن شخص أكثر منك بؤسا . .
وكأن من الممكن أن يجد شخصا أكثر منه بؤسا ..
ومع ذلك ، أثارت الكلمات المطبوعة على الورقة حيرته ، كلمات
تقول : (( جمعية بابا نويل السرية )).
***
تسعة وثلاثون يوما قبل عيد الميلاد
-أحتاج إلى جني
وأضافت كريستين موريسون قائلة عبر الهاتف : (( ولا أريد الجني الذي أرسلته لي السنة الماضية . ألا يفترض بي أن أكون متطلبة بشأن الجني الذي سأستخدمه ؟ كان أخرق بحث وقع عن متن المركبة )).
شعرت بقشعريرة تسري في أوصالها ، فعزت السبب إلى فتح الباب الأمامي الذي جعل نسمة تشرين الثاني الباردة تتسلل إلى الداخل .
-ثمة نقص في عددهم ؟ تعني أن ثمة نقص في المتطوعين للعب دورالجني ... ما هو المبلغ المتوجب علي دفعه للحصول على جني كفؤ لا يقع عن متن المركبة ؟
تكلمت بثقة فائقة بالنفس وكأنه تملك المال الكافي لاستخدام جني مع أنها لا تفعل .
- خمسمائة دولار ؟ هل انت جاد في ما تقوله ؟ هذه سرقة ! أي نوع من الأشخاص قد يقوم على سرقة بابا نويل ؟
أمعنت النظر عبر باب مكتبها في الشخص الذي دخل إلى المتجر. لم تعد الرؤية واضحة كما في السابق . فبعد أن كان متجرها متجرا صغيرا للبيع بالتجزئة ، بات الجزء الأمامي يعج بالألعاب إذ وصلت بعد ظهر اليوم ستون علبة جديدة من الدراجات الثلاثية العجلات ، ما ساهم في سد الباب الأمامي .


لا بد من تجميع الدراجات . حفظت هذه الملاحظة السريعة في ذهنها وهي تدرك أن قائمة الأولويات طويلة جدا . لمحت بطرف عينها الزائر الذي دخل المتجر فحبست أنفاسها لا إراديا وهي لم تعد فجأة واثقة ما إذا كان الهواء قد جعلها ترتعش .
كان الرجل ضخم الجثة ، طويل القامة ، وقد انهمك بإزالة بقايا الثلج المتساقط عن كتفيه العريضتين إلى حد مذهل . لم يكن يضع قفازين ، مع أن الشتاء أعلن وصوله مساء البارحة بطريقة عنيفة ، وتمكنت من رؤية يديه مع إمعانها في النظر .
يدان قويتان قادرتان على كل شيء .. يدان قادرتان على جعل المرأة تدرك أنها وحيدة وأن ثمة أمور لن تلفح أبدا في القيام بها مهما بلغت درجة استقلاليتها .
كان من هذا النوع من الرجال .. نوع يحرك داخل المرأة ، فجأة ومن دون سابق إنذار ، مشاعر اللهفة التي نجحت في معظم الأحيان في إبقائهامكتومة حتى عن ذاتها .
كان ساحرا بطريقة غامضة ، بشعره الأشعث الذي يحاكي لونه لون الشوكولا الغنية والذي يصل الى طرف ياقته ، وعظام خديه المنحوتين اللذين تعلوهما شعيرات خشنة ، ما يبرز ذقنا يشكل إطارا مثاليا لشفتين ممتلئتين لا تعرفان معنى الابتسام .
وعيناه ! آه من عينيه !
عينان تتميزان بخضرة غريبة لم تر لها مثيلا من قبل ، تعلوهما أهداب كثيفة سوداء حالكة إلى حد مهلك .
قالت له بصوت عال : (( سآتي في الحال )).
وأشاحت بنظرها بعيدا عنه في محاولة منها لتركز اهتمامها على المسألة العالقة بني يديها : (( خمسمائة دولار لاستخدام جني ؟ أين روح الميلاد ؟ عيد ميلاد مجيد لك أيضا )).
أقفلت السماعة بعنف وجلست تحدق فيها . وأخيرا ، شقت طريقها نحو واجهة المتجر .
كان المكان ضيقا جدا فوقعت بعض علب الدمى من أعلى كومة الألعاب الأخيرة التي يفترض بها بيعها ، قبل أن تصل إلى المساحة الصغيرة الفارغة قرب الباب الأمامي .. مساحة كان يملؤها بحضوره .
التقط علب الدمى قبل أن تلمس الأرض مظهرا خفة وسلاسة ورشاقة
تضاهي صفات أفضل الرياضيين فأصبح على مسافة قريبة جدا منها، ووجدت نفسها مرغمة على مد عنقها إلى الأمام لتتمكن من النظر إليه . وشعرن بعبير النظافة والنضارة يغمرها .
رباه ! ليته لم يكن ملفتا للنظر عن قرب أكثر مما هو عليه عن بعد ! باستثناء عينيه....مع اقترابها منه ، لاحظت كريستين شيئا غريبا يلقي بظله على خضرة عينيه، بدت كطبقة الجليد التي تغطي سطح بركة من الماء . حاولت أن تعطي اسما لهذا الشيء لكن من دون جدوى ..
نظر إلى الدمى التي أٌلبست فساتين شبيهة بفساتين الأميرات ثم سلمها إليها وكأنه يخشى أن تحرق يديه إن بقي ممسكا بها وقتا أطول .
قالت له بنبرة جافة ك (( شكرا )).
وكبحت جماح نفسها لئلا تضيف قائلة : لا أظن أن هذه الدمى قادرة على إيذاء الشبان الأقوياء ، الشديدي الرجولة .
وعندما لم يسارع إلى الإفصاح عما جعله يدخل من هذا الباب الذي كتب عليه (( جمعية باب نويل السرية )) ، قالت له : (( لا يخيل إلي أنك أتيت
لتسليم إحدى لوائح بابا نويل )).


لم يتكبد عناء الرد ، بل اكتفى بمد يده إلى الوراء ليصفق الباب الذي كان الهواء البارد يتسرب منه .
(( آه )) .. كانت كريستين تعي أن المتجر قائم في أحد الأحياء العنيفة من المدينة . ولطالما لفت الجميع انتباهها إلى ضرورة أن توصد الباب بالمفتاح عندما تكون في المتجر بمفردها . ولكن ماذ لو جاء أحدهم ليسلم إحدى لوائح بابا نويل ووجد الباب موصدا ؟
أحست بالارتعاش .. فإحساسها القوي بهذا الرجل الذي ظهر فجأة في عالمها لم يكن من النوع المثير للخوف ولكن من النوع الذي ينبئ بالخطر .
إنه يتميز بجاذبية فائقة تثير في قلب فتاة فقدت إيمانها بالقصص الخيالية إحساسا بوجود خطر محدق بها ، وكأنه يفترض بها أن تعيد النظرفي معتقداتها . فقد مضت أربع سنوات ....
- حسنا ، أنت لا تحمل أي من لوائح بابا نويل .
وأدركت أن نبرة الفرح في صوتها مفتعلة ، وأنها كانت تقاوم شعوراً
غريباً في داخلها .
- كيف يسعني خدمتك ؟
كان يتأملها وفي عينيه شيء من الاهتمام ، عينان بدتا لها أكثر غموضا
وعمقا وهي تحدق فيهما مطولا ، رغم افتقارهما إلى الدفء . كانتا
تنطويان على شيء خفي ذكرها بجبل الجليد .
- سمعت أنك تبحثين عن جني .
حملت كلماته في طياتها شيئا من الدعابة التي تتعارض كليا مع النظرة التي في عينيه . كانت طريقة أداءه جامدة خالية من أي تعبير ، وسرعان ما أدركت أنه سمع حديثها على الهاتف . تسمرت كريستين مكانها منتطرة أن يفتر ثغره عن ابتسامة خجولة . أرادت التأكد ما إذا كانت هذه الابتسامة ستضفي القليل من الدفئ على نظرته ، غير أن آمالها كلها ذهبت هباء .
قالت له : (( جني .. إنني بحاجة ماسة إلى جني ولكن طولك لا يتوافق مع الشروط المطلوبة .. إذ لا ينبغي أن يتجاوز طول المتطوع للعب دور الجني الأربعة أقدام و 11 بوصة .. في السنة الماضية ، كان طول الجني أربعة أقدام وسبع بوصات )).
ووجدت نفسها تحبس أنفاسها منتظرة منه أن يبتسم .
-ولكنه لم يفلح في أداء المهمة .
بدا واضحا أنه سمع حديثها كله .. ولم تر أثرا لأي ابتسامة بعد . فمن يمتنع عن الابتسام عند سماعه قصة هذا الجني لا يمكن أن يبتسم لأي سبب كان ما ترك في نفسها تأثيرا سخيفا . وأحست برغبة لا تقاوم في جعله يبتسم .
قالت له متجاهلة ما يفترض بها أن تفعله أو أن تمتنع عن فعله : (( كان يعامل بابا نويل معاملة فظة طالباً منه أن يبذل جهدا أكبر )).
وسط توقها الشديد لجعله يبتسم ، شعرت بشيء يتأجج في صدرها .
لطالما انزعجت كريستين من احمرار خديها خجلا ، وذلك منذ كانت
تلميذة على مقاعد الدراسة ، لكنها نجحت في السنوات الأخيرة في التغلب على موجة الإحراج القرمزية التي تجتاحها من خلال تحويل تفكيرها سريعا إلى أي أمر آخر .
أجابها قائلا : (( أرى أنه سبب وجيه لاستبداله بجني أطول قامة إذ من
الصعب التنبؤ بتصرفات قصيري القامة منهم )).
- لم يسبق أن استخدمنا واحدا طويل القامة ..
- يؤسفني سماع ذلك . فهذا الإجراء غير عادل ويعاقب عليه القانون الخاص بتساوي الفرص .
- في الواقع إن ما ينبغي أن يعاقب عليه فعلا هو انتحال صفة الجني .
خطرت في بالها عبارات عديدة وغريبة لكنها أرغمت نفسها على أن تغمض عينيها للحظات . وعندما فتحت عينيها من جديد ، قالت له بصوت خافت لا بل أكثر خفوتا مما توقعت : (( عليك تناول كعكة الميلاد رغماً عنك ، وانشاد أناشيد الميلاد )).
ولم يبتسم إلا أنها لم تغفل عن ذلك الطيف الذي مر في عينيه ، طيف هو أشبه ببريق شعاع شمس ومض عبر طبقة الجليد الأخضر .
سألها : (( من ينتحل شخصية من ؟ سمعتك تدعين عبر الهاتف أنك بابا نويل .. إنها كذبة واضحة لأن بابا نويل لا يعتبر كعكة العيد ، وأناشيد
الميلاد عقابا .. بالمناسبة ، لا أرى أي اثر للحية البيضاء والبطن
المنتفخ )).
كانت هي من ابتسم هذه لامرة وقد أبهجها هذا الحوار العفوي الخطير مع شخص غريب شديد الغموض ، دخل متجرها في هذا النهارالكئيب الممل . بقيت مبتسمة إلى أن لاحظت أنه يتفحصها ، فأدركت أنها تبدو بعيدة كل البعد عن بطلات الحكايات الخرافية التي تنتهي بعبارة (( وعاشا معا في سعادة إلى الأبد )) . فالقسم المخصص للمستودع في المبنى والقائم خلف مكتبها ، مكسو بالغبار وشديد البرودة ما جعلها تختار تنورة بنية داكنة ، وجوارب تبعث الدفء ، وحذاءً عملية فضلا عن سترة تصل إلى المرفقين . وبدا شعرها فجأة مريعا ، وتمنت في سرها لو أنها رضخت لطلب المتطوعة (( لولو )) التي توسلت إليها في الأسبوع الفائت كي تسمح لها بأن تصبغ بعض خصل شعرها البني بلون أشقر لامع .
قالت لها لولو : (( أنت في الثالثة والعشرين من العمر يا كريستي
ولكنك تبدين كامرأة في العقد الرابع )).
وتساءلت في تلك اللحظة ما إذا كانت تبدو كامرأة في الأربعين من عمرها مؤكدة لنفسها أن الرجل هو السبب في ارتباكها . فتلك الفتاة التي امتنعت عمداً عن مواعدة الرجال منذ أكثر من أربع سنوات ، بدت فجأة قلقة بشأن سترتها ولون شعرها وتذكرت ، والحزن يغمر قلبها ، أقلام أحمر الشفاة الأربعة والعشرين الموضوعة على مكتبها والمرسلة إليها كهبة .
قالت له باذلة ما بوسعها لإخفاء الارتباك الذي كانت تشعر به : (( ليس باليد حيلة إذا كانت نظرتك إلى بابا نويل محدودة إلى هذا الحد ..أنا بابا نويل في هذا المكان أو يمكنني القول على الأقل ، إنني أجسد روحهوأحرص على أن يحظى الأولاد في الجوار بهدايا عيد الميلاد )).
أجابها قائلا : (( يمكن حتى لأكثرهم انفتاحاً وتسامحاً أن يصاب بصدمة عندما يعلم أنك بابا نويل )).
لم تظهر على وجهه علامات الـتأثر بحبها للغير ، باستثناء ذلك الخط الساخر الذي ازداد عمقاً عند طرف فمه . إنزعجت كريستين لدى إدراكها
مدى توقها إلى إثارة إعجاب هذا الرجل الغريب بنشاطاتها وإنجازاتها ربما لأنها كانت تعلم في قراراة نفسها أن مظهرها فشل تماما في الـتأثير فيه .
-حسنا ، لن يعرف أحد الحقيقة . ولهذا السبب ، أطلقنا على جمعيتنا اسم (( جمعية بابا نويل السرية )) . وفي كل سنة ، نختار متطوعا ليلعب دور بابا نويل .
وجدت نفسها تقدم له معلومات مملة قد لا يرغب في الاطلاع عليه، وهي تعي تماما أنها اتخذت موقف الدفاع عن النفس بعد أن شعرت بخطر يحدق بها .
لماذا ؟ هل التواء فمه سخرية هو السبب ؟ أم لأنه ينظر إليها وكأنها تدعي الفضيلة ؟ أو ربما لأن الفرصة كانت متاحة أمامها لتصبغ شعرها ولم تفعل ؟
بدا واضحا أن الوقت حان لإنهاء هذا اللقاء . فقالت له : (( حسنا، ثمة الكثير من الأعمال في انتظاري إلا إن كنت ترغب في مقاضاتي لأنني لا أملك وظيفة شاغرة لجني ))
متى كانت آخر مرة حرك فيها رجل مشاعرها ؟
إنها مسألة في غاية السهولة . ففي عامها الأول في الكلية ، ارتبطت كريستين بعلاقة جدية مع زميل لها ، يدعى جايمس موريارتي . وقد نجح هذا الأخير ، على مدى ستة أسابيع تقريباً ، في التظاهر بشدة افتتانه بها لأنه كان بحاجة إلى من يساعده في امتحان الرياضيات .
ولن تنسى أيضا زوج أختها السابق الذي كان يقطن في المنزل المجاور وادعى أنه الزوج المثالي . لكن وفيما كانت العائلة كلها بحاجة إليه ليساندها ، ما الذي شغله ؟ انشغل بالعبث مع سكرتيرته .
شعرت بقشعريرة تسري في جسمها . هذه هي الأسباب التي جعلتها تفقد إيمانها بالقصص الخيالية . فالرجال، مهما اختلف مظهرهم، يوهمونك بحقيقة ليست حقيقتهم لا سيما أمثال هذا الذين يتميزون ببنيتهم القوية، ويتحلون بثقة فائقة في النفس ووسامة تفوق الوصف .
ومع أن الرجل الواقف أمامها بدا بعيدا كل البعد عن التظاهر، لاحظت في أعماق تينك العينين الباردتين اللاذعتين إلى حد الذهول أموراً حقيقية تشكل خطرا على الحجاب الواقي لقبها .
قال لها متجاهلاً محاولتها صرفه : (( لست قاسي القلب إلى هذا الحد لأقاضي جمعية بابا نويل السرية )).
شكلت كلماته خير إثبات على ما لمحته في تعابير وجهه ، إذ بدا عليه نوع من الملل من الوجود ، ملل مفعم بالسخرية . لم يكن من أولئك الرجال المرحين ، الطيبي القلب الذين اعتادوا أن يقصدوا الجمعيات الخيرية ويتطوعوا للعمل فيها .
أجابته بصوت جدي متعمدة أن تصرفه بطريقة مهذبة : (( حسنا .. ما من وظيفة شاغرة لجني )).
لم تغب عنها نبرة الأسف المتمردة في صوتها وكأنها كانت تتمنى أن تؤمن له عملا ، مع أنها تعي تماما أن رجلاً مثله لا يمكن أن يتطوع أبداً للعمل في جمعية مماثلة . وقررت في سرها أنه لا يعجبها .. أو لا تعجبها على الأقل معاملته لها ، فتوهج خداها خجلاً .. فالمشاعر المتأججة في صدرها أخذتها على حين غرة .
وعندما علا الاحمرار خديها ، احتاج اللون القرمزي وجهها من طرف
فكها حتى أعلى جبينها .
وفي تلك اللحظة ، ارتسمت ابتسامة على ثغره ، إبتسامة معذبة ليست سوى التواء بسيط لشفتيه وكأن البسمة قد تسبب له الألم .
لكن تلك الابتسامة لم تلامس عينيه .
-يمكنني القيام بأعمال أخرى إلى جانب لعب دور الجني .
سألته لاهثة : (( ما هي الأعمال الأخرى التي تجيد القيام بها ؟ ))
بدا سؤالها سخيفا لا سيما وأنها شعرت بأنه قال ذلك على مضض .
اتخذت كريستين في سرها قراراً بإبعاده عن المكان وقد بدا واضحا لها أنه من النوع القادر على إيذاء المرأة ، خاصة إمرأة مثلها ، وإلى أقصى حد كان قادرا على القيام بذلك من دون أن يتكبد أي عناء .
تلاشت ابتسامته كليا ووقف يحدق فيها لبعض الوقت وهو مستغرقفي التفكير . وامتدت تلك اللحظة إلى ما لا نهاية .
أدركت كريستين مذعورة أن دفاعاتها لم تعد حصينة .
كان معظم الرجال على استعداد لاستغلال الفرص المتاحة ليثبتوا لها مهاراتهم التي تفوتها . لكن هذا الرجل لم يحاول استغلال الفرصة للتوددإليها مع أن مظهره يدل على أنه يجد راحة كبرى في مغازلة النساء، النساء الفاتنات اللواتي يصبغن شعورهن ، ويحرضن على استعمال أحمر الشفاه كل يوم ويرتدين سراويل الجينز الضيقة التي تصل إلى الوركين بدلا من التنانير البنية الرثة . . .
خطر لها أنه لن يجيب أبدا إلا أنه عاد وقال لها بصوت أجش : (( إنها مسألة وجهة نظر . هل من أعمال أخرى ترغبين في القيام بها ؟)).
كانت أفكارها متمردة ... أيعقل أن تتواجد أي امرأة في غرفة واحدة مع رجل مثله ولا تفكر في الأمور التي يمكنه القيام بها ؟
تفاجأت من نفسها ومن أفكارها .
عاشت كريستين في السنوات الأربع الأخيرة حياة شبيهة بحياة الراهبات . ففشل زواج بيكي ، بعد علاقة حب عاصفة وجدت كريستين فيها خير مثال لها ، كسر شيئا في قلب كريستين . وبدأت بيكي بمواعدة كينت بعد انفصالها عن جايمس ، في الوقت الذي اتخذ فيه والدا كريستن قراراً بإنهاء زواجهما الذي دام عشرين سنة . فدفع هذا الأمر بالمراهقة الحساسة البريئة إلى أن تحول حاجتها إلى الإيمان بالحب نحو بيكي وكينت . إلا أنهما عززا في نهاية المطاف مخاوفها الأكثر عمقاً إذ أدركت أن الأمور التي تبدو صلبة قد تكون هشة إلى حد يسحق القلب .
سألته من دون أن تسعى إلى إخفاء شكوكها : (( أهذا هو السبب الذي جاء بك إلى هنا ؟ أتريد حقا أن تتطوع ؟ ))
تردد قليلا قبل أن يومئ برأسه بالموافقة ، إيماءة هي أشبه بانحناءة بسيطة للرأس
-إنني أمارس مهنة النجارة فهل ترغبين في بناء شيء ما ؟
تنهدت كريستن في سرها . ثمة أعمال كثيرة عليها أن تقوم بها هذا إذا
ما أخذت عرضه على محمل الجد ، بدءاً بالستين دراجة .
كانت تدرك تماما أنه لم يأت إلى هنا لمساعدتها ، على الرغم من حاجتها الماسة في هذه المرحلة إلى رجل قوي ، صلب البنية ، لإفراغ الشاحنة ووضع الأغراض الثقيلة على الرفوف ، نجار؟
كانوا يحرصون في كل سنة ، على بناء عربة لتسليم الهدايا ، عربة يضعونها على سطح القاطرة المتزعزع ، وفي كل سنة ، كانت تحمد الله على نجاة الجميع من الأذى وصمود العربة طوال فترة عيد الميلاد .
أيعقل أن تسمح لوسيلة إغراء مثله بالتسلل إلى عالمها ؟
إلى جانب هذا ، لم يكن من السهل عليها أن تصدق أنه جاء إلى هنا ليتطوع فهو لا يبدو من هذا النوع على الإطلاق . لا ، لا بد أنه سلك المنعطف الخاطئ ، وقرر أن يلهو لبعض الوقت على حسابها .
في عالم القصص الخيالية ، كان من الممكن أن تجد في هذا الرجل خير معين لها لتجميع الدراجات وبناء عربة آمنة لبابا نويل .
في عالم القصص الخيالية ، كان من السهل أن تجد فيه حلاً لكافة الأمور التي تزعجها بما في ذلك واقع أنها غالباً ما تستيقظ في الليل وتشعر بنفسها ضعيفة من شدة إحساسها بالوحدة .
ولكن الحياة لقنتها درسا قاسيا وقضت على أحلامها الوردية وجعلتها تدرك أن المرأة العاقلة لا تعتمد إلا على نفسها .
ماذا يكمن تحت تلك الطبقة الجليدية ويجعلها تؤمن بوجود شيء خفي ؟ شيء قد يحطم فؤادها من دون سابق إنذار .. وكأن فؤادها لم يتحطم من قبل .. فؤادها .. وفؤاد أختها .. وأختها .. وزوج أختها .. وابن اختها ..
ذلك العالم الذي كان يبدو في غاية الصلابة .. وذلك النذر الذي كان يبدو غير قابل للكسر .. تلاشى بومضة عين ..
استدارت نحو مكتبها وهي تفكر في السلامة من كافة الضغوط التي تتعرض لها غير راغبة في الغوص في الأحلام المحطمة .
قالت له محاولة صرفه من جديد : (( علي أن أبحث عن جني وأؤمن خمسين سترة واقية من المطر للأولاد .. هذا ما علي أن أفعله )).
كان ذلك كافيا لإخافته ، إلا أنه لم يكن من النوع الذي ممكن إخافته بسهولة . وساد صمت مطبق بينهما فيما نظرت إليه بطرف عينها. لم يحرك ساكنا وبقي واقفا مكانه فوق بركة الماء الصغيرة التي تجمعت على الأرض بعد أن ذاب الثلج عن ملابسه . كان يرتدي سترة من الجلد الأسود، سترة رقيقة بالية لا تتلاءم مع البرد القارس الذي اتسم به هذا النهار، وسروالا من الجينز ممزقاً عند الركبة مع أن الطق لا يشجع على تعرية أي جزء ولو بسيط من الجسم .
وبدلا من إظهاره في مظهر الرجل الفقير ، أضفت السترة الرثة وسروال الجينز الممزق عليه سحراً خاصاً.
أدركت في تلك اللحظة أنها كانت تتأمل رجلاً لا يكترث البتة لمظهره ، أو البرد القارس أو ربما لأي شيء على الإطلاق .
كان ينتمي إلى تلك الفئة من الرجال التي لطالما حذرتها والدتها منها .. أمها التي عجزت عن إصلاح زواجها .. والدتها التي وافقت على زواج بيكي من كينت ..
هزت كريستن رأسها وأشاحت بنظرها بعيدا عنه لئلا يلاحظ اضطرابها . وإذ عادت والتفتت نحوه ، رأته يومئ برأسه باقتضاب قبل أن يستدير ويخرج من الباب مخلفا وراءه موجة أخرى باردة .
لاحظت كريستن أنها تحاول أن ترى إلى أين ذهب ، لكن الثلج المتساقط بغزارة جعله يتوارى بين كتله البيضاء الناصعة فشعرت وكأنه مجرد سراب وليد خيالها ولم يكن له أي وجود في الأصل .
رفعت كتفيها بلا مبالاة وتوجهت نحو مكتبها قائلة : (( كان لقاءاً غيرمتوقع ومن النوع الفائق الغرابة )).
فتحت روزنامتها .. تسعة وثلاثون يوما .. ثمة أعمال كثيرة في انتظارها والوقت بدأ يداهمها . لم يكن بوسعها أن تضيع لحظة واحدة في التفكير في عينيه الخضراوين .. ما هو سرهما ؟ أهي الوحشة ؟ كلا .. إنها الوحدة .. وحدة يعاني منها رجل رأى الجحيم بأم عينيه ...
لعله من الخطورة أن تشفق على حاله أو تسمح لنفسها بالوقوع أسيرة تينك العينين الغامضتين .
فتح الباب من جديد فالتفت على عجل مشمئزة من نفسها لأنها ودت لو يكون هو . ولكن آمالها خابت . كان السيد (( تامبل )) ساعي البريد المقيم في الجوار ، والذي لم يكن يعمل في تلك الحقبة من السنة كساعي بريد فحسب .
- يعاني ولدا آل جونسون من الفقر ولا يتوقعان أن يحظيا بأي شيءعلى الإطلاق ولا يملكان أي أمل .. تصوري أن هذين المخلوقين الصغيرين لا رجاء لهما في الحياة .. طلبت منهما أن يتظاهرا بأن ذلك يمكن أن يحصل .
- إذن ؟
ناولها ورقة صغيرة وعيناه تومضان ببريق غريب ، كان السيد تامبل الأكثر حماسة بين المتطوعين والجاسوس الأكثر حذاقة في الجوار .
قرأت على الورقة عنوان الولدين المقيمين في منزل متداع في الشارع الخامس .. كان هانز يرغب في دراجة هوائية ولا رز بكرة سلة .
-لا بأس !
وأحست لبرهة من الزمن بعبء هذه الأمنيات الذي ألقى على كاهلها . لم تكن تأبه مطلقا لواقع أنها لا تملك الكثير من النقود أو متسعا من الوقت، ففي كل سنة تواجه المشكلة نفسها ، وفي كل سنة ، تحصل معجزات ..إذ يكفي أن تجري المزيد من الاتصالات الهاتفية، وترسل المزيد من الرسائل وتعد المزيد من البرامج الإذاعية .
كما أنها تشعر دوما بالإرتياح عند تلقيها طلبات يمكن تلبيتها إذ كانت تحتفظ بملف اطلقت عليه اسم (( ملف الأحلام المستحيلة )) للأمنيات التي يتعذر عليها تحقيقها .
-أحضرت لك شيئا آخر يا كريستي .
وقدمه لها وقد انفجرت أساريره فرحاً .
لم تصدق كريستن عينيها فسألته وهي تأخذ الكتيب منه بوقار : (( أين عثرت عليه ؟))
أجابها ممازحاً : (( يمكنني إخبارك ولكن أخشى أن علي أن أقتلك بعدها ))
إنه كتيب الميلاد الخاص الصادر تحت عنوان (( القليل من الحب )) والمخصص للهواة الذين بلغوا درجة متقدمة جدا في جمع هذا النوع من التماثيل الصغيرة الثمينة . وأصبحت كريستن تملك اليوم اثني عشر تمثالاً صغيراً من أصل المئات التي ابتكرها الفنان وذلك بفضل الهدايا التي تلقتها والقطع التي اكتشفتها في متجر للسلع المستعملة .
تضم مجموعة ( القليل من الحب ) تماثيل خزفية صغيرة ، مطلية يدويا ابتكرها الفناة (( لو ليتل )) في الخمسينات . تجسد التماثيل كلها زوجين شابين هما هارييت وسميدلي ، وتصور مشاهد مبهجة من حبهما . بفضل براعته ، تمكن ليتل من نقل كافة التفاصيل التي من شأنها أن تأسرالقلوب : من البراءة إلى السحر مروراً بالإعجاب المتبادل ، حتى ليخيل إلى المرء أن البئر الذي يستقي منه مواده لا ينضب أبدا .
هرعت إلى مكتبها باذلة ما بوسعها لئلا تبدو متلهفة أو فظة ، وأقفلت الباب وراءها ثم فتحت الكتيب ووقفت تحدق فيه لاهثة .
جسدت مجموعة لو الجديدة ، الصادرة تحت عنوان (( القليل من التاريخ )) هارييت وسميدلي في حقبات تاريخية مختلفة : ها هو طيار في الحرب العالمية الأولى يطل برأسه من الطائرة ليقبل هارييت ، وها هو رائد منهمك في بناء منزل له وهارييت واقفة تتأمله .
وفجأة ، رأته .. (( فارس ذو درع لامع )).. إنها أجمل قطعة رأتها كريستن وتجسد سميدلي ممتطياً حصاناً أبيض مدهش ، رافعاً مقدم خوذته ومنحنيا نحوالأسفل ليقبل هارييت .
أجفلت كريستين عند رؤيتها ثمن القطعة وسرعان ما أدرجتها ، شأنها شأن كافة القطع في هذا الكتيب ، ضمن ملف الأحلام المستحيلة .
وضعت الكتيب جانباً على مضض . كان من المفترض أن يساهم ذلك الكتيب في محو ذكرى اللقاء الغريب من ذهنها . وكم عظمت دهشتها عندما أدركت أنه لم يفعل. فقد بقيت أفكارها تائهة مشتتة ، ما جعلها عاجزة عن إنجاز مهمة مسك الدفاتر ، مهمة لا تتطلب منها الكثير من الجهد عادة لكنها تعد من أكبر المسؤوليات الملقاة على عاتقها نظراً لأنها من أسس جمعية بابا نويل السرية وهي الموظفة الوحيدة فيها التي تتقاضى راتبا. وبدلاً من أن تلهي نفسها بصورة سميدلي ، بقي بالها مشغولاً طوال فترة بعد الظهر بتلك العينين الخضراوين اللتين تضاهيان بركة الجليد برودة .
=================
2-خشبة الخلاص
عندما خرج مايكل بروستر من باب مقر حمعية بابا نويل السرية , كان الثلج يتساقط بغزارة .
يقع مقر الجمعية فى منطقة هى الاكثر قذارة فى واشنطن . لفت انتباهه رجل يقف فى الرواق المجاور للمبنى حيث المكتب . اتراه يتحين الفرصة ليتسلل من ذلك الباب ليرضى نزواته؟.
كانت كريستين قد غطت النوافذ باوراق سميكة لاصقة لمنع الاولاد من استراق النظر الى نشاطاتها السرية. لكن كان من الافضل لها ان الا تسد النوافذ بهذة الطريقة حفاظا على سلامتها الشخصية . رفيلة
رمق مايكل الرجل بنظرات جعلته ينطلق بخطوات سريعة .لم يكن من المستحب على الاطلاق ان تعمل فتاة مثلها فى حجى مماثل لاسيما وان كل شبر من ذلك المتجر محشو بسلع مرغوب فيها. من الدببة الصغيرة الى المعدات الالكترونية مرورا بالدرجات الثلاثية والدمى.
تنتمى كريستن الى تلك الفئة من النساء اللاتى يثرن رغبة الرجل فى حمايتهن , ربما لانها اختارت ان ترتدى ملابس فضفاضة جعلتها تبدو رقيقة وصغيرة , لكنها لم تتمكن من اخفاء قوامها الرشيق وانوثتها الجميلة التى يمكن ان توقعها فى ورطة فى هذة الناحية النائية من واشنطن . رفيلة
ولم يكن مظهرها يوحى بانها تتحلى بالقوة الجسدية اللازمة للدفاع عن نفسها . اذ بدا معصماها غاية فى الرقة بحيث رغب فى احاطتهما بابهامه وسبابته للتأكد ما اذا كانا رقيقين كما يبدوان عليه .
وعيناها! آه من تنك العينين الرماديتين الواسعتين اللتين تلوهما اهداب طبيعية مذهلة لم يرى لها مثيلا من قبل ...عينان اضفت سحرا فريدا على مظهرها العادى جدا .
شئ ما فيها اثار اهتمامه رغما عنه ...اتراه تجنبها لاظهار مفاتنها؟ ما الذى يرغمها على ادارة هذا المتجر المكدس بالسلع وحدها فى هذا الحى ؟ اتراها شجاعة الى حد يفوق التصور او سذاجة فحسب؟ رفيلة
انما لا شك ان الملائكة تسهر على سلامة امثالها... قطب جبينه رافضا الاقرار بهذة الفكرة غير المرغوب فيها فهو يدرك اكثر من سواه ان الملائكة لا تسهر على راحة الناس كلهم ...حسنا لقد استجاب لرغبة السيد ثيودور وقصد العنوان الذى دونه له ظنا منه انه سيعثر فيه على شخص اسوأ منه حالا .
من الواضح انها ليست المقصودة . لم تكن تمتلك ذرة من الجمال والفتنة عدا عينيها ...وعاد يفكر فيهما من جديد ...عينان متألقتان واسعتان فيهما بريق غريب يجعل الرجل يتغاضى عن كنزتها الشبيهة بتلك التى اعتادت جدته ان تحيكها . صحيح انه صعق لدى رؤيته تسريحة شعرها القديمة الطراز , الا انها اعجبتها لسبب يجهله تماما . رفيلة
كان شعرها البنى الفاتح ينسدل متموجا على كتفيها ولا يتميز باى شكل معين . وقد ذكره مظهرها بالفتيات اللاتى عرفهن فى المدرسة الثانوية ولم يبقى منهن فى ذهنه الا ذكرى مبهمة ...فتيات ذكيات ...بارعات , يعشقن الدراسة ولا يلفتن انتباه احد ...لم تكن من النوع الذى يتظاهر بالخوف من العنكبوت او يرمى كتبه بغنج ودلال عند اقتراب رجل مكتمل الرجولة منها...ولم تعمل على صبغ شعرها بلون اشقر صارخ , او شفتيها بلون احمر فاقع , او على تقليم اظافرها الطويلة , كما ان الكحل لا يذوب عن اهدابها عندما تبكى .. بعبارة اخرى , لم تكن من النوع الذى يسهل فهمه من النظرة الاولى ...وهو لا يرغب فى هذا على الاطلاق .
لم تعد النساء يحركن مشاعر مايكل منذ زمن بعيد جدا ...او لعله لم يتأثر من قبل بامراة مثلها : ذكية وصادقة وبعيدة كل البعد عن العجرفة .. فى تلك اللحظة , نبه مايكل نفسه الى ان النساء يستنفدن طاقة الرجل وقوته كلها . انها مسألة حسابية فى غاية البساطة لانه لم يتحلى باى ذرة من القوة , وامراة مثلها تدير جمعية بابا نويل السرية بمفردها تتطلب جهدا اكثر من سواها , على الرغم من بساطة مظهرها ...فعيناها تخفيان طبيعة غامضة , حساسة , ذكية ومرحة . رفيلة
شعر بالانزعاج لمجرد تفكيره فيها ...كانت مهمته الاساسية , ان صح التعبير تقضى بالعثور على شخص يتعذب اكثر منه . من المؤكد انها ليست ماما نويل , ذات القلب المؤمن ان الاعمال الخيرية التى تقوم بها ستقيها حتما من الاذى فى هذا الحى الرهيب .
ولكنها ذكرت امامه ان بعض الاولاد بحاجة الى سترات بعد ان ظهرت البوادر الاولى لبرد الشتاء . وتساءل فى سره عما قد يشعر به الوالدان اذا ما عجزا عن تأمين سترة لولدهما المرتجف من البرد . لا شك ان عذابهما ليس اسوأ من عذابه او انه عذاب من نوع مختلف .
لعل السيد ثيودور ارسله الى هذا المكان وهو يعى تماما انه سيجد وسيلة وسيلة تلهيه مع اقتراب الميلاد حيث يجتمع افراد العائلة كلهم ...فترة تتفاقم فيها عذاب العئلات التى لا تملك شيئا ...فما حال شاب مثله يملك كل شئ الا العائلة ؟ رفيلة

اخذ نفسا عميقا مرغما نفسه على استجماع افكاره , من الافضل له ان يهتم بكل مسألة على حدة ..وينجز كل مهمة على حدة .. ففى الوقت الحالى عليه عليه ان يؤمن خمسين سترة للاولاد وجنيا ..هز مايكل رأسه وكأنه ملاكم تلقى ضربة من خصمه على حين غرة ..
صحيح انها ليست الوسيلة الافضل لخلاصه لكنها الوحيدة المتوفرة امامه , واذا لم ينجح فى العثور على ما يهتم به فسيعود ذلك السؤال ليقض مضجعه : كيف سأتمكن من البقاء على قيد الحياة ؟
انهار عالمه كله ولم يتبق منه شئ ...كان الثلج يتساقط حوله بغزاره ما جعله يدرك ان عليه ان يشعر بالبرد , لكنه فقد هذا الشعور منذ زمن بعيد جدا . رفيلة
اعتاد فى الماضى ان يتخلى مرتين فى السنة عن عمله ليرافق افراد العائلة فى رحلة الى الاسكل للصيد ... وبعد تمضية ست ساعات فى مياه البحر الجليدية الرمادية .
كان مايكل يفقد الاحساس بالبرد .. او حتى بالدفء ...كان يشعر بانه عالق فى مكان ما بين البرودة والحر , مكان يبقى فيه على قيد الحياة ليس الا .
كان يركز اهتمامه , اثناء عمله فى منزل السيد ثيودور على ما يراه امامه : سلم متداعى , اطار نافذة غفن او صنبور تتساقط منه المياه ... توقف عند اقرب هاتف عمومى ..وعلى الرغم من ان الجزء الاكبر من دليل الهاتف كان ممزقا , الا انه وجد قسم الملابس فى الصفحات السليمة . رفيلة
لكنه عاد وادرك انه ليس متأكدا تماما مما يريده ...معاطف كبيرة ام صغيرة ؟معاطف للفتيان او الفتيات؟ ماذا عن الاطفال ؟ والمقاسات ؟
نظر بطرف عينه الى اسفل الشارع ...يمكنه ان يعود ويسألها عما تحتاجه بالظبط لكنه لم يشأ ذلك .
ووجد نفسه تواقا لمفاجأتها , اذ بدا واضحا من التعابير التى ارتسمت على وجهها انها لا تتوقع منه خيرا على الاطلاق , كما لو انها واثقة من انه لن يعود ابدا .
لعلها لا ترغب فى عودته , مع انها المرة الاولى التى تواجهه امرأة برد فعل مشابه .
كانت الفرصة متاحة امامه لئلا يعود مرة اخرى , مخلفا ورؤه ذكرى ذلك اللقاء الآسر , لكن التفكير فى تلك المعاطف التى يحتاجها الاولاد حرك فيه احساسا غريبا , احساسا بالتوتر ...كيف يسعه ان ينجز مهمة مماثلة دون ان تتحرك احاسيسه الانسانية ؟. رفيلة
الم يكن السيد ثيودور يعى ان السد فى اعماق مايكل اذا ما انهار سيكون السل الجارف خطيرا, مدمرا محطما كل ما يقف فى طريقه ؟.
كلا , لا يمكنه شراء المعاطف ..لكن ماذا عن الاطفال الخمسين الذين يحتاجون الى سترات تقيهم من البرد ؟ اطلق شتيمة خافتة , فخرجت الكلمات وسط هبة من الرياح المحملى بالصقيع , ما نبهه الى مدى برودة الطقس .
فى تلك اللحظة ادرك مايكل انه لم يعد بامكانه التراجع عن فكرة شراء المعاطف فاطلق شتيمة اخرى .
عاد يحدق فى دليل الهاتف المتلف ومزق صفحة من الصفحات القليلة المتبقية التى تضم عناوين متاجر المعاطف فيما الاحساس بالذنب لا يفارقه لحظة واحدة . رفيلة
بعدئذ , مزق ايضا الصفحات السابقة التى تضم ارقام المهرجين وعناوينهم .
لم يستطع مايكل اخفاء دهشته وهو يفكر بالاحساس بالذنب الذى انتابه ...انه احساس فريد من نوعه والاول الذى يساوره منذ فترة طويلة جدا..الا اذا اخذ ما شعر به اثناء تبادله الحديث مع ماما نويل بعين الاعتبار.
لم يكن احساسا بالدفء الحقيقى , لكنها ذكرى الاحساس بالدفء ,وذكرى الشعور الذى ينتاب المرء عندما يرغب فى شئ ما ...ما الذى يريده؟ قطب مايكل جبينه ..اراد التواصل معها وتبادل المزاح السطحى والبرئ مع انسان آخر ..تاق الى جعل خديها يتوهجان خجلا ...فسيكون ذلك ممتعا. رفيلة
مضى زمن طويل لم يشعر فيه بذرة اهتمام بأى شئ او اى شخص ...ولم تكد تمر ساعة واحدة على قبوله بتلك المهمة الغامضة حتى اخذت المشاعر تتسلل الى اعماقه ...لكن هل سيكون ذلك كافيا لانقاذه؟؟ ام تراه سيقضى على ما تبقى منه؟؟
وجد انه من الافضل ان يتحلى بقليل من الايمان .لكنه ادرك ان هذا المفهوم لم يعد له مكان فى عالمه منذ فترة بعيدة , بعيدة جدا .
تمكن مايكل من العثور على العنوان الذى مزقه من دليل الهاتف , ووجد نفسه فى عالم مختلف كليا عن مكتبة جمعية بابا نويل السرية فهو قسم فى متجر كبير فخم مشع بالانوار البراقة , يعرض السلع الفاخرة ويقع عند طرف حى راق. رفيلة
كانت الواجهات تتالق بزينة الميلاد والاضواء تومض ابتهاجا مقارنة باكفهرار ذلك النهار .
ودخل متجرا يحمل اسم "المعاطف الغربية" فطالعته شجرة ميلاد مزينة بالكامل باللون الابيض فيما صدحت من المذياع نسخة محدثة لترانيم الميلاد ...كم كان يكره هذة الامور!
صعق مايكل عند رؤية البائعة التى كانت من النوع المحبب الى قلبه , شقراء طويلة القامة , رشيقة القوام , تضع احمر شفاه يتناسب تماما مع طلاء اظافرها وتعتمر قبعة بابا نويل بشكل انيق . كانت البطاقة المعلقة على صدرها تشير الى ان اسمها كاليبسو.
لم تكن الموظفة العامة فى جمعية بابا نويل السرية تضع بطاقة تحمل اسمها . وادرك فجأة انه لم يسألها عن اسمها مع انه كان واثقا من انها تحمل اسما جميلا وعمليا مثل هيلين او سوزان او غوين . رفيلة
قال لكاليبسو التى مالت نحوه " احتاج الى خمسين معطفا بمقاس صغير ".
"خمسون معطفا!".
واطلقت ضحكة خافتة وطرفت باهدابها المثقلة بالكحل الاسود .
صحيح انه كان تواقا الى التواصل مع الاخرين , الا انه لم يشأ ان تتعدى علاقته بها المسائل العملية . ونجح بعد جهد جهيد فى اختيار خمسين معطفا , كان بحاجة الى معاطف عملية تقيهم البرد وتحميهم من الاذى عند التراشق بالثلج .
اشترى معاطف من كافة المقاسات والالوان المتوفرة واضاف اليها بضعة اكياس للنوم مزودة باغطية للرأس , اكياس قالت له كاليبسو بصوت رقيق ناعم انها دافئة وناعمة .
وفى اللحظة الاخيرة , اختار مترددا ثلاث سترات زهرية اللون , مزينة بالفراء على الياقة واطراف الاكمام . وساوره عند حملها بين يديه الاحساس نفسه الذى غمره عندما وقعت تلك الدمى بين يديه فلم يتمكن من مقاومة الرغبة فى شرائها. رفيلة
" حسنا...هذا كل شئ".
سألته كاليبسو " لما تحتاج الى هذا العدد من المعاطف ؟".
لم يشأ التطرق الى تفاصيل مهمته خشية ان تحاول التودد اليه اكثر , فاكتفى بهز كتفيه بلا مبالاة ....
" اذا كنت تنوى القايم بعمل خيرى , فيمكنك ان تحصل على حسم "
" لا , لا بأس ".
ادرك وهو يعطيها بطاقة اعتماده انها المرة الاولى التى يستمتع فيها بانفاق فلس واحد من تلك النقود , الى جانب النقود التى دفعها لشراء جهاز التليفزيون الحديث
اصرت على ان تساعده على حمل المعاطف الى سيارته رغم محاولاته الحثيثة لاحباط عزيمتها . رفيلة
وشهقت مصعوقة عند رؤيتها سيارته وقالت " آه! سيارة جاغوار ".
لم يغب عنه ان افتتانها به تضاعف فى تلك اللحظة , ففى الماضى البعيد كان يحرص على استغلال المواقف المشابهة بلا تردد ..وما زالت ذكريات النزهات التى قام بها برفقة بريان فى هذة السيارة حية فى ذهنه .
اجابها بفظاظة " انها سيارة اخى ".
كدس المعاطف فى السيارة حتى بات يتعذر عليه رؤية الزجاج الخلفى ...كان يعى ان كاليبسو بقيت واقفة هناك رغم شدة البرودة .
بات واضحا انها تنتظر شيئا ما فقال لها " افترض انك لا تعرفين اين يمكننى العثور على جني؟".
بصقت العلكة من فمها ووضعت يدها على وركها وقالت له عابثة " لم اكن اتصور انك منحرف ".
تذكر فجأة امراة اخرى ...امرأة يتوهج خداها خجلا ...امرأة لا تمتلك الشجاعة الكافية لتنعت رجلا بالمنحرف...سواء كانت تعرفه منذ خمسين سنة او منذ ساعة واحدة ...امرأة لا تميز بين سيارة جاغوار او سيارة هوندا ... رفيلة
شعر باليد التى كانت مطلية باللون الاحمر تستقر على كم سترته . واعلنت كاليبسو بصوتهاالمثير وعينيها المغريتين "يمكننا تناول العشاء معا اذا رغبت فى ذلك".
كانت تنتمى الى تلك الفئة من النسوة اللاتى لطالما اثرن اعجابه ...فهى تجيد الاستمتاع بوقتها وتتقن قواعد اللعبة خير اتقان ....
وعاد يفكر مجددا بامرأة اخرى ...امرأة لا تسمح لنفسها بأن تعلن عن استعدادها للخروج لتناول العشاء حتى وان لم تكن قد ذاقت طعم الزاد منذ اربعة ايام , ووجد نفسه يتساءل عما اذا كانت كذلك فعلا .
لابد انها ستطلعه على اسمها عند رؤية الخمسين سترة ...كم كان يتوق لرؤية تعابير وجهها عندما ستقع عيناها على السترات الزهرية ذات الياقات المضحكة . رفيلة
"اشكرك على مساعدتك ...انما علي ان اعتذر منك لاننى مرتبط هذا المساء".
سألته وهى تمرر اصبعها المغرى على كل تفصيل فى غطاء السيارة ذى اللون الاسود الانيق " ماذا عن اخيك؟".
ابى ان يخبرها ان اخاه مات خشية ان يثير عطفها , فأرغم نفسه على رسم ابتسامة على ثغره , واكتفى بالقول " انه مرتبط ايضا".
تقبلت كاليبسو الامر برحابة صدر , فامرأة مثلها تعتبر الرجال كالحافلات , فاذا ما فاتتها واحدة استقلت التالية. غمزته عابثة وعادت ادراجها متبخترة فى فستانها الذى كان يحدث ناعما مع كل خطوة تخطوها ... رفيلة
ادار مايكل محرك سيارته وانطلق عائدا الى المدينة ...كان ازدحام السير قد بلغ اوجه فى تلك الساعة من النهار وساهم الثلج المتساقط بكثافة فى تفاقم الوضع . واخيرا بدأت السيارة بالتحرك انما ببطء شديد , عبر الطرقات الزلقة نتيجة ذوبان الثلج ...مد مايكل يده نحو جهاز التدفئة ..كانت اثار الصقيع تزول شيئا فشيئا عن الزجاج الامامى. وما ان استجمع افكاره حتى ادرك حقيقة ما جرى اذ شعر ..بقشعريرة تسرى على طول عاموده الفقرى . رفيلة
انه الدليل القاطع على ان الاحاسيس عادت تدب فيه ...كان يشعر بالبرد ...بشئ من البرد ...فتنبه الى الاشارات التحذيريه التى راح يتلقاهاه طوال فترة بعد الظهر ...اشارات تدل على ان شيئا ما يتحرك فى داخله ...بدءا من الاحساس بالذنب عند تمزيقه اوراق الهاتف, مرورا بالرغبة فى التواصل معها والاستمتاع بانفاق المال وصولا الى هذا ....
واختفت القشعريرة فاطفأ جهاز التدفئة عن عمد ...لم يكن مستعدا بعد لمواجهة اى احساس ...ولم يكن مستعدا ابدا لدعوة امرأة لا يعرفها ولا يعرف اسمها حتى لتناول العشاء معه ...يمكنه ان يرسل المعاطف فى الغد عبر البريد ...ويمكنه ان
يؤمن لها جنيا من دون الحاجة الى مقابلتها من جديد والغوص اكثر فأكثر فى هذا العالم الخطير الذى يحرك مشاعره... رفيلة
وفجأة ضغط على الفرامل فانزلقت السيارة بقوة ودارت على نفسها ...تعالت خلفه الابواق الساخطة لكنه لم يأبه للامر...كان عليه ان يبتعد عن جمعية بابا نويل السرية بأسرع ما يمكن.
كانت المعاطف المكدسة فى السيارة تحجب الرؤية من الزجاج الخلفى فسمع صوت صفارة الانذار قبل ان يرى الاضواء ...نظر مايكل فى المرآة الجانبية واطلق تنهيدة عميقة ...كانت الاضواء الحمراء والزرقاء تومض خلفه , فركن سيارته بجانب الطريق فيما حذت سيارة الشرطة حذوه . رفيلة
بدا الشرطى بعيدا كل البعد عن روح عيد الميلاد .
" قمت بالانعطاف بصورة مخالفة للقانون ...والسبب فى ذلك هو ان الرؤية محجوبة كليا.
واخرج الدفتر الخاص بمخالفات السير ثم حدق عن كثب بحمولة السيارة وسأله "ما هذا؟ هل سرقت متجرا؟".
كان من السهل عليه ان يمئ بالايجاب ليرى ما قد يحصل ...
"هل تحمل فاتورة بهذة المشتريات؟".
ناوله مايكل الفاتورة .
" حسنا اشتريت خمسين معطفا ...فما الغايو من ذلك؟".
اراد مايكل ان يجيبه ان الامر لا يعنيه لكنه ادرك ان مزاج الشرطى لا يسمح له بتقبل رد مماثل . رفيلة
قال على مضض وقد شعر بالانزعاج لظهوره فى مظهر فاعل الخير " اشتريت هذة المعاطف من اجل جمعية بابا نويل السرية ".
اغلق الشرطى دفتر مخالفات السير على عجل واعاده الى جيب قميصه"وهل كنت ذاهبا لتسليمها؟".
لم يشأ ان يقول له انه كان ذاهبا لتسليمها ثم عاد وغير رأيه لئلا يثير ارتباكه , واكتفى بايماءة من راسه.
نظر الشرطى الى الطريق المزدحم بالسيارات وقال "هذة حال واشنطن فى هذة الساعة من النهار ...هل كنت تنوى ان تسلك طريق ويلمور؟".
ارتأى مايكل ان يكون صريحا معه فأجابه "فى الواقع , قررت العودة الى المنزل وتأجيل تسليم المعاطف الى وقت لاحق". رفيلة
قطب آدامز جبينه وهو ينظر الى زحمة السير الخانقة , غير ان اساريره ما لبثت ان انفرجت وصرخ قائلا " علينا ان نسلم المعاطف الى جمعية بابا نويل السرية بسرعة ...اتبعنى ".
وتغيرت تعابير وجهه ولغة جسده وقد غمرته الحماسة لمشاركته فى هذا العمل الخيرى .
وبخ مايكل نفسه فى سره بعد ان وجد نفسه متوجها بمواكبة سيارة الشرطة الى المكان الذى قرر منذ لحظات قليلة الا يطأه ثانية...تملكه التوتر وهو يتساءل الى اى مدى سيتمكن من الآن وصاعد من التحكم فى امور حياته.. رفيلة
كان الحى معتادا على سماع دوى صفارات سيارة الشرطة , دوى اصبحت كريستين قادرة على تجاهله تماما كالموسيقى التى تصدح فى المصعد ...
توافد المتطوعون بأعداد هائلة طوال فترة بعد الظهر , لكنهم غادروا جميعا قبل موعد العشاء وتركوها وحدها .
حملت كريستين الكتيب والسعادة بادية على وجهها , وراحت تتأمله عن كثب . رفيلة
كانت القطعة التى تحمل اسم " حب فى منزل صغير فى البرارى"جميلة ايضا لكنها لا تضاهى قطعة "فارس فى درع لامع ".
ازداد دوى الصفارات حدة وكأنها تدعوها ان تعيرها اهتمامها, واضاء اللونان الاحمر والازرق مكتبها فجأة ...فوضعت الكتيب جانبا وقد تملكها الفضول , وتوجهت نحو النافذة الامامية ورفعت طرف الورق اللاصق الذى تستخدمه لئلا يختلس الاولاد الفضوليون النظر الى ما يخبئه بابا نويل لهم فى كل سنة.
توقفت سيارة فخمة , سوداء اللون امام مكتبها فظنت للوهلة الاولى انها من نوع هوندا ...وبفضل الخبرة التى اكتسبتها من خلال عملها فى هذا الحى , ادركت على الفور ان تلك السيارة تختلف كليا عن السيارات السريعة المفضلة لدى مروجى المخدرات...
توقف دوى صفارة الانذار ...وترجل الشرطى من سيارته فحذا سائق السيارة الاخرى حذوه ...انه هو ...لما عاد الى هنا؟. رفيلة
تمنت كريستين فى سرها ان يفرض الشرطى عليه غرامة مالية لمخالفته القانون , رافضة التساهل معه لانه وسيم , وشديد الثقة بنفسه ويقود سيارة مماثلة ...سيارة تسلط الضوء على اناقته , ورجولته النابضة وتؤكد لها كم هو صعب المنال بالنسبة الى فتاة مثلها.
وسمعت صوتا فى داخلها يقول لها بنبرة قاسية :عليك ان تجيدى اللعب لتتمكنى من نيل مطلبك .
وهذا ما لا تجيده ابدا ..حسنا ...عليها الاعتراف بانها تمر بين الحين والآخر بلحظات ضعف , كما حصل بعد ظهر اليوم ...انها الطبيعة البشرية ...ولكن كريستن مدربة خير تدريب على ضبط النفس , فالحب سريع العطب , وسهل الكسر وغير جدير بالثقة.
لكنها وجدت نفسها تتامله مفتونة وهو يتوجه نحو الشرطى بثقة فائقة فى النفس ...صحيح ان الشرطة لم تجبرها يوما على ركن سيارتها الى جانب الطريق , الا انها تعى تماما انه يفترض بالسائق ان يلازم سيارته ...ويتم التشدد فى تطبيق هذة القاعدة فى هذا الحى حيث يشهر السلاح فى وجه المرء وتوجه اليه الشتائم من كل حدب وصوب! رفيلة
غير انها لم تر احدا يشهر السلاح فى وجهه او يوجه اليه الشتائم ..كلا..بدا على وفاق تام مع الشرطى .
اطلقت كريستين تنهيدة طويلة وقد ادركت انه من النوع الذى يتمتع بالثقة فى النفس ...ثقة تجلت من خلال سهولة تعامله مع الشرطى من دون خوف او ارتباك
بدا الشرطى وكأنه يحرر مخالفة سير , فاخذها الرجل منه من دون ان ينظر اليها ووضعها فى جيب سترته الجلدية ...لم يكن يشعر بالبرد مع ان الليل ارخى سدوله واخذت الحرارة فى الانخفاض .
فى المقابل , كان الشرطى يتنقل من رجل الى اخرى وقد احنى كتفيه من شدة البرد. رفيلة
علا صوت جهاز اللاسلكى فى سيارة الشرطى فهرع هذا اليها ..ولم تكد تمضى دقائق قليلةحتى دوت صفارة الانذار من جديد وانطلق الشرطى بسيارته مسرعا.
اتكأ الرجل على باب سيارته حاملا بين يديه ..المعاطف ..وعندما رأته يسير مترنحا نحو باب مكتبها , هرعت الى الخارج وامسكت باحدى السترات قبل ان تقع ارضا ..كانت السترة زهرية اللون ومزينة بالفراء , سترة لا يعقل ان يختارها رجل مثله .
سبقته الى الداخل لتبعد الاغراض المتراكمة على الطاولة ...ثم قالت له لاهثة" ضعها هنا".
وقفت تحدق فيه مذهولة وهو يضع المعاطف البالغ عددها عشرين تقريبا على الطاولة ...لم يشتر سلعا قديمة مستعملة ...بل اختار معاطف جديدة من متجر فخم , ومن كافة الاشكال والالوان والمقاسات ...كانت بطاقات الاسعار لا تزال معلقة بها ..
" سأجلب ما تبقى".
" ما تبقى؟".
" قلت انك بحاجة الى خمسين معطفا".
شعرت بغصة الانفعال تسد حلقها وتكاد تخنقها ...
اثناء خروجه الى السيارة وعودته حاملا كومة اخرى من المعاطف , استعادت كريستن رباطة جأشها وكأنها معتادة دوما على استلام معاطف جديدة على سبيل الهبة. رفيلة
لسوء الحظ كانت سترة زهرية اخرى مزينة عند الكمين والياقة بالفراء تعلو كومة المعاطف.
قالت له اخيرا وقد شبكت ذراعيها فى محاولة منها لمواجهة المشاعر التى تعتمل فى داخلها " حسنا...من انت؟".
مد يده مصافحا واجابها " مايكل برويستر".
مدت كريستن يدها لتصافحه بدورها فاحست بقشعريرة تسرى فى اوصالها ...ونجحت فى ان تتمتم "كريستن موريسون"ز
ردد اسمها ببطء...ما هى النبرة التى سمعتها فى صوته ؟ اهى نبرة المفاجأة؟. رفيلة
هذا غير عادل ...كيف يعقل ان يكون وسيما , وشديد الثقة بنفسه وطيب القلب فى آن معا؟ كريستن فتاة واقعية وتدرك معنى الحياة ..وحقيقة الرجال ..فجميعهم خونة مثل جيمس, وزوج اختها الذى اوحى للجميع بأنه رجل كريم الاخلاق ولا يعقل ان يتورط ابدا فى علاقة مع سكرتيرته...
عندما نظرت فى عينى مايكل شكرت الله لانها لم تكن واثقة من انها اخطأت التقدير ؟ اهو الحزن؟ كلا ...انه امر اكثر خطورة ...شئ مس روحه وحطمها...
سألته بفظاظة محاولة ان تفكر باى موضوع اخر الا روحه "لما حرر لك الشرطى المخالفة؟".
اجابها حائرا" مخالفة؟ لم تكن مخالفة .."
ومد يده الى جيبه مضيفا" اصر الشرطى آدامز على ان يحرر لى شيكا بثمن السترة الزهرية او اى سترة اخرى ...فطلبت منه ان يحرره باسم الجمعية".
حدقت كريستن فيه ومدت يدها لتأخذ الشيك منه مصعوقة ...
" تجدين رقم هاتف على ظهر الشيك...اظن انه يعود الى احد الاتحادات...اكد لى الشرطى انهم سيقدمون لك التبرعات ان اتصلت بهم.
الا يكفيه ما سببته لها وسامته من عذاب ؟ لم اختار ان يكون صانع معجزات ليضا؟ كان قادرا على تأمين السترات والشيكات بلمح البصر ...وماذا لو نجح فى العثور على جنى؟ رفيلة
لم يكن الرجل الواقف امامها اميرا مهما بلغ عدد المعاطف التى يمكن ان يؤمنها ...فالحياة ليست قصة خيالية وعبارة " وعاشا بثبات ونبات". لا تنطبق على الواقع ...لقد فشل زواج والديها ولقى زواج بيكى وكينت المصير نفسه...
سألته وهى تعى انها تبدو ناكرة للجميل"لم تفعل هذا؟".
" طلبت منى خمسين معطفا وجنيا ...لكننى لم اتمكن من العثور على الجنى بعد...
" هل قدموا لك المعاطف مجانا؟".
" مجانا؟ كلا".
بقيت مصرة على معرفة السبب , قالت له " لم تفصح عن الدافع الحقيقى بعد...ما الذى جعلك تشترى هذا الكم من المعاطف لامرأة غريبة عنك؟".
قال لها بنبرة وضعتها عند حدها" حسنا...لم اشترها من اجلك ...اشتريتها من اجل الاولاد الذين يحتاجون اليها".
بدا واضحا انه لا ينوى البوح بدافع الذى ترغب فى سماعه , الدافع الحقيقى وراء هذة الموجة من الكرم. رفيلة
القت نظرة سريعة على الطاولة ومدت يدها مشيرة الى السترة الشبيهة بسترات الاميرات قائلة" اتعنى انك اخترت هة السترات الثلاثة بنفسك؟".
احنى الرجل رأسه واجابها" استنفدت مخزون المتجر كله ولم يبقى سوى هذة السترات الثلاث لاكمال العدد المطلوب".
كيف يسعها التأكد ما اذا كان يكذب ام لا ؟ فمعرفتها به تكاد لا تتجاوز بضع ساعات ...لم ينعم الله على كريستن بموهبة خاصة تخولها كشف كذب الرجال.
اليس صحيحا انها لم تفقد ثقتها بزوج اختها حتى بعد مرور فترة طويلة على انفصال اختها عنه؟ اليس صحيحا انها لا تزال تأمل ان يعود الى رشده ويبحث عن اختها ويطلب منها المغفرة؟ اليس صحيحا انها كانت ترجو ان يدرك والداها ان انفصالهما غلطة وان يجتمع شملهما من جديد؟. رفيلة
طردت الفكرة من رأسها بشراسة مدركة مدى ضعفها امام تخيلاتها الجامحة .
كان الرجل الواقف امامها قادرا على اثارة هذة المشاعر فى قلب المرأة. مشاعر التوق الى التقاليد , والاستقرار والرغبة فى العيش فى كنف رجل لا يعرف معنى
الكذب...
ومع ذلك كانت تعى ان الحجة التى تزرع بها ليست صحيحة ...كيف يسعه ان يختلق كذبة متقنة الى هذا الحد ؟ وكيف تستطيع ان تقاوم موجة الحنان التى تهدد بان تغمرها وهى تتخيل هذا الرجل الطويل القامة النابض بالرجولة والثقة بالنفس وهو يشترى تلك المعاطف الجميلة لثلاث فتيات صغيرات لم يسبق له ان التقى بهن؟ رفيلة
اشاحت بنظرها بعيدا لئلا تفضحها الدموع التى اغرورقت بها عيناها ...
قالت له هامسة" معاطف جديدة ...اتدرك متى كانت آخر مرة حصل فيها هؤلاء الاولاد على معاطف جديدة؟".
ولفت انتباهها ثمن احدى السترات المدون على البطاقة المعلقة بها , فادركت انها تستطيع ان تضيف ميزة الثراء الى لائحة مزاياه العديدة...
لكن عندما نظرت اليه ...خيل اليها ان النقود لا توفر له السعادة اذ بدا واضحا ان لاشئ يمكن ان يوفر له السعادة بعد اليوم ...انه رجل كذاب لا يعرف معنى الفرح ...كيف يمكن لهذا ان يكون جذابا لهذا الحد؟.
" لا ادرى ماذا اقول؟".
" ما رأيك لو توافقين على الخروج معى لتناول العشاء؟".
رمقته بنظرة سريعة قبل ان تشيح بنظرها بعيدا...
بدا واضحا ان الدعوة فاجأته بقدر ما فاجأتها ...كانت تعى انه ليس بمقدورتها الموافقة على دعوته على العشاء لانه من النوع الذى يمكن الوقوع فى غرامه بسهولة. رفيلة
وبخت نفسها بغضب لانها تعلم ان النهايات السعيدة مجرد وهم ...ومع ذلك , وجدت صعوبة كبرى فى رفض دعوته على العشاء ...
قالت له وقد شعرت بان كل حرف من حروف كلماتها اشبه بسكين يمزق قلبها"لا استطيع ...آسفة ...هذا غير ممكن".
وأشارت الى علب الالعاب المكدسة مضيفة" علي ان اجمع الدراجات".
هذا الصباح بالذات ادرجت هذة المهمة على رأس لائحة اولوياتها ! كيف يمكن لرجل مثله ان يغير مجريات الامور؟.
تذكرت فى تلك اللحظة الكتيب الذى تركته على مكتبها ...ولم يغب عنها اتن توقها السابق الى العودة الى هارييت وسميدلى تلاشى فجأة ...ونظرت اليه بطرف عينها من جديد , فلاحظت ان كلامها اثار ذهوله ...لم يكن على ما يبدو معتادا على ان تصده النساء , ما جعلها تشعر بشئ من السرور لانها تمكنت من رفض عرضه... رفيلة
"كلا ... لا استطيع فبابا نويل لا يواعد احدا الا بعد مرور عيد الميلاد".
تبا...هل ارادت ان تترك المجال مفتوحا ليدعوها الى العشاء مرة اخرى؟.
اجابها بنبرة جافة" لست واثقا ما اذا كانت دعوتى على العشاء تعد موعدا".
وتلاشت الفرحة التى غمرتها عندما ادركت انها فاجأته ..من المؤكد انه لا يعتبر خروجهما معا موعدا غراميا , ومن يراه يدرك انه لم يكن بحاجة الى شراء خمسين معطفا ليحظى بموعد معها...من يراه يدرك انه لا يواعد فتاة مثلها ...بل يواعد فتيات يعلقن اقراطا صغيرة مرصعة بالماس فى انوفهن ...فتيات لا يخجلن من ارتداء سراويل الجينز الممزقة ...فتيات فاتنات واثقات من انفسهن ولا يحمرن خجلا... رفيلة
وعلى الرغم من ادراكها انه ليس معتادا على مواعدة امثالها , اطلقت كريستن العنان لخيالها ...ماذا لو قبلت دعوته على العشاء ؟ ماذا لو نجحت على ضوء الشموع فى مفاجأته واضحاكه وجعله يرى ما تتحلى به من غنى داخلى يضفى عليها سحرا خاصا , بغض النظر عن الفستان البنى والسترة البالية ؟ ماذا لو تمكن من رؤية الاميرة المختبئة خلف فستان سنريلا ؟
ماذا لو.. افكار مجنونة اعادت الى ذاكرتها صورتها يوم كانت فتاة بريئة ساذجة فى التاسعة عشر من عمرها , واذا بفشل زواج اختها يوقظها من احلامها الوردية ليثبت لها بالدليل القاطع صحة الدرس الذى تعلمته من والديها وجايمس , درس اختارت ان تتجاهله ...فالامر الوحيد الذى لطالما تاقت اليه يمكن ان يتحول الى سيف غادر يمزق القلب ...انه الحب ... رفيلة
قالت لها بفظاظة" حسنا ...اشكرك على هذا التصرف النبيل ...لست واثقة مما دفعك الى القيام بذلك لكننى ممتنة لك كل الامتنان ...والآن , ارجو ان تعذرنى لان ثمة الكثير من الاعمال بانتظارى ...الوداع سيد بروستير".
نظر اليها وكأنه لم يسمع ما قالته ثم توجه نحوها واخذ احدى العلب الموضوعة فى اعلى الكومة وسألها وهو يتأمل الرسم عند جانب العلبة" اتريدين اقناعى بأنك قادرة على جمعها وحدك؟".
اجفلت كريستين لدى سماعها كلماته ...فى الواقع هذة هى المرة الاولى التى تقوم فيها بجمع الدراجات , مع انها قامت بجمع العديد من الالعاب الاخرى فى حياتها .. رفيلة
اجابته بنبرة مازحة " يمكننى ان اقرأ التعليمات ".
فتح العلبة بعنف وقلب محتواها ثم ناولها الورقة التى تتضمن التعليمات...كانت عبارة عن صفحتين من الرسوم غير المفهومة والتى تم شرحها باللغة اليابانية .
ارتعشت شفتاها فزمتهما قبل ان تعود وتنفجر ضاحكة ... رفعت عينيها نحوه ورأت طيف ابتسامة عند طرف ثغره ..
" ما رأيك لو نطلب بيتزا ونتعاون معا على جمع الدراجات ؟".
" سيد بروستير ؟".
" مايكل".
" لكننى بالكاد اعرفك ".
راح الرجل يفكر للحظة قبل ان يفاجئها بسؤاله " هل انت خائفة منى؟".
لم تكن خائفة فحسب ... بل مرعوبة... رفيلة

"اتريدين منى ان املأ استمارة ؟ يمكننى العودة فى الغد ريثما يتسنى لك التحقق من سوابقى .
كانت مرعوبة من مسألة عودته ثانية ...فقالت له بنبرة متصنعة " لا تكن سخيفا"
وكانت تقصد بكلامها مسألة عودته ثانية فى الغد ...
" الامر ليس سخيفا ...عليك ان تتحققى من الاشخاص الذين يأتون للعمل هنا حتى المتطوعين منهم .."
" اهتم بهذة الامور منذ فترة طويلة من دون مساعدة احد ...شكرا على اهتمامك"
" لا داعى للغضب ...كنت افكر فى مصلحتك". رفيلة
تلك هى نقطة ضعفها الاساسية , فمنذ نعومة اظافرها وهى تحلم بالرجل الذى سيرعى شؤنها تماما كما كان والده يرعى شؤون والدتها ...وعلى الرغم من طلاق والديها ...بقيت متمسكة باحلامها التى تصدعت بعض الشئ ...نجحت بيكى فى العثور على رجا مميز وانجبت منه طفلا هو ثمرة حبهما الذى راح يكبر يوما بعد يوم ويزداد قوة ...حب تزعزع بين ليلة وضحاها ...وانهار عالم باكمله ....
قال لها برقة" اسمعى جل ما اعرضه عليك هو ان اساعدك فى جمع الدراجات وليس التوقيع على معاهدة سلام ...لا داعى للقلق ...اتريدين مرجعا تثقين فيه؟ يمكنك الاتصال بجارى السيد ثيودور ..فهو من قال لى انك بحاجة للمساعدة".
" السيد ثيودور جارك؟ اهو من ارسلك الى هنا؟".
" اقترح علي ان ازور المكان...كيف تعرفت اليه؟".
" كنا ننتمى الى النادى الادبى نفسه".
"نادى ادبى؟ ياللهول ! كان علي ان انتبه الى الامر".
" وهل من سوء فى ارتياد الفتاة للنوادى الادبية؟".
ابتسم ابتسامة عريضة واجابها" اجل ...فهى لن ترقص على الطاولة عند ساعة الاقفال حاملة وردة بين اسنانها..". رفيلة
كان يفترض بها ان تشعر بالاهانة الا انها انتظرت تلك اللحظة بفارغ الصبر من دون ان تعى ذلك ...اذ اضاءت تلك الابتسامة عينيه فرأت للحظة السنة نار متوهجة تبعث الدفء فى النفس ...
نسيت كريستن الاهانة التى وجهها اليها وبدا وجهه الخالى من اى اثر للتجهم طفوليا نابضا بنضارة الشباب , يعطى فكرة عما كان عليه فى الماضى , مليئا بالثارة والضحك والسحر الهادئ .
" حسنا...لم ارسلك السيد ثيودور لمقابلتى؟".
انطفأت الشعلة فى عينيه وزال سحر اللحظة بلمح البصر ..وضع يديه فى جيبى سرواله وهز كتفيه بلامبالاة وقال" لاننى متفرغ فى الوقت الحالى". رفيلة
تبا...كيف يمكن لرجل شاب وثرى مثله ان يكرس وقته لجمعية مثل تلك التى تعمل فيها ؟ لم لا يعمل؟ الا يفترض به ان يكون منهمكا فى شؤونه العائلية فى هذا الوقت من السنة؟
حذرها حدسها من سؤاله او الالحاح عليه
" هل تحب البيتزا مع الانشوجة".
كانت تعى تماما انها طريقة رقيقة للاعلان عن استسلامها
" الم يشك اعضاء النادى الادبى فى وجود فتاة تحب الانشوجة فى وسطهم ؟".
اجابته بنبرة جافة" يبدو الامر غريبا اليس كذلك؟ خاصة مع الرقص على الطاولة عند الاقفال ". رفيلة
كان الوقت قد تأخر وبدأت كريستن تشعر بالارهاق فلم يعد بمقدورها مقاومة الاحمرار خجلا فتوهج خداها وهى تتخيل نفسها ترقص على الطاولة فى اى وقت من النهار ...
ادركت ان احمرار خديها جعله ينفجر بالضحك وتمنت لو ان السيد ثيودور ارسل مايكل برويستر الى عنوان آخر , فيما اقرت فى سرها , وان على مضض بانها مسرورة جدالانه لم يفعل .
اعطتها تلك الضحكة لمحة طفيفة عما كان عليه مايكل فى الماضى وجعلتها تعى الى اى مدى قد تغير .
" اجل احب البيتزا بالانشوجة ". رفيلة
نظر الى عينيها لبعض الوقت وكأنه يتحداها ان تكشف الاسرار الدفينة فيهما , ثم افرغ محتويات علبة الدراجات الثلاثية على الارض وراح يتلمس طريقه بين آلاف القطع الصغيرة ...
كانت كريستن واثقة تمام الثقة من انه ما كان ليرمق التعليمات بسوى نظرة عابرة , حتى وان جاءت بلغته الام ..
==============

3 – ما الذي اختلف ؟

حدق مايكل في الدراجة الزهرية اللون وقد غمره احساس بالارتياح العميق .
علق الشرائط البلاستيكية ذات اللونين الأبيض و الفضي علي جهتي المقود واضعا بذلك اللمسة الأخيرة علي عملية التركيب قبل أن يخطو خطوة الي الوراء ويصرخ قائلا : " ملك الدراجات ".حسناء
كانت تلك الدراجة الثانية التي يعمل علي تركيبها ولن يتطلب تركيب الدراجات المتبقية الكثير من الجهد .
" البيتزا ".
دخلت كريستين الغرفة الرئيسية حاملة معها علبة مسطحة تفوح منها رائحة شهية .
" اسفة علي التأخير" ... قال الشاب الذي قام بتسليمها ان الطرقات زلقة للغاية ... كم تبدو ظريفة !
عندما رفع نظره اليها , وجدها تحدق في الدراجة وفي عينيها نظرة عززت ثقته بنفسه واحساسه بعظمته , فشعر بأنه قادر علي تركيب مكوك فضائي . انها تتحلي بقدرة غريبة علي حث أي رجل علي تخطي أصعب الاختبارات لمجرد أن يري نظرة الاعجاب هذه علي محياها . حسناء
وجد مايكل في الجوع الشديد والرائحة الذكية التي تفوح من البيتزا قوتين مجتمعتين تجعلانه عرضة للتأثر أكثر مما يرغب ... فقد نجح حتي الان في العيش في عالم لا يحتاج فيه لتقدير أي شخص وهو ينوي أن يبقي الحال علي ما هو عليه .
" انها تذكرني بالدراجة التي يستعملها القرد في السيرك".
وشبك ذراعيه فوق صدره وكأنه يريدها أن تري فيه الرجل القوي وليس ملك الدراجات .
" ألا تجد أن الربط ما بين الأمور مضحك بعض الشئ ؟ القرود والدراجات الثلاثية ".انها صورة ظريفة
ليس هذا ما قصده ! أتراها أساءت فهمه عن عمد ؟؟ نظر اليها وهي تحمل علبة البيتزا بيد وتدفع بيدها الأخري السترات الجديدة نحو الطرف الاخر من الطاولة . وبينما كانت تضع علبة البيتزا علي الجهة الفارغة من الطاولة , قطب مايكل جبينه استغرابا . حسناء
ما الذي اختلف ؟ لم يعد يراها رزينة بقدر ما كان يراها من قبل . فقد رمت تلك السترة الأنيقة في مكان ما , مع أن الحرارة في هذا البناء القديم المعرض للرياح العاتية لم تشهد أي تغيير .
كانت دقة ملاحظته في ذروتها في تلك اللحظة اذ وجد صعوبة في منع نفسه من تأمل قامتها , خاصة بعد أن خلعت عنها تلك السترة السميكة . كانت مفاتنها بارزة جدا بالنسبة الي امرأة رقيقة البنية مثلها. حسناء
وتنبه فجأة الي أمر اخر . كانت تضع أحمر شفاه شفافا ذا بريق لامع , بعيد كل البعد عن الأحمر الفاقع الجرئ ... لم يكن بمقدور الرجل أن يفكر وهو ينظر الي هاتين الشفتين الا في أمر واحد فقط ... لقد حذره حدسه بألا يعود الي هذا المكان وألا يراها ثانية ... لكن ما الذي حثه علي دعوتها علي العشاء وجعله يشعر بالازعاج الشديد والاحباط عندما رفضت الخروج معه ؟
كان الأمر في غاية البساطة , فقد وجد في تلك الدراجات الهوائية خيارا أفضل من تمضية الأمسية وحيدا أمام شاشة التلفزيون ...
قالت له وهي تضع كرسيين أمام الطاولة :
"خذ استراحة "
تردد قليلا في الانضمام اليها ,... ما الذي دفعها الي وضع أحمر شفاه ؟ انه الدافع نفسه الذي يحث أي امرأة علي وضعه ... لم يرق له هذا الاستنتاج اذ وضعته لتلفت الرجل الي شفتيها..
فهذه الفتاة التي ترتاد النوادي الأدبية تملك شفتين تثيران الدهشة بقدر قامتها ... شفتان ممتلئتان ومثيرتان ... أخذت قضمة من البيتزا وعلي وجهها امارات البراءة وكأنها لا تدرك أبدا أنها نجحت في لفت انتباهه اليها ... أغمضت عينيها اللتين عكستا ما فاق بالنسبة اليه لذة الاستمتاع بقطعة صغيرة من البيتزا .. حسناء
قضم قضمة من قطعته ووجد طعمها تماما كما توقع . كان مذاقها أشبه بمذاق الكرتون ولا يستحق أبدا الأنين الخافت الصادر عنها .. كان اسمها كافيا لجعله يتوقع مفاجـة أو أثنتين ... لم يكن اسمها قديم الطراز أو يوحي بالجدية .. بل كان اسما مميزا بدا مألوفا في ذهنه وكأنه يعرفها تمام المعرفة ... كان يعي أن الاسم يتحلي بنفحة شعرية وكره نفسه بشدة لمجرد تفكيره في الأمر ... اذ لم يضيع لحظة واحدة في التفكير في معني اسم كاليبسو رغم أنه أكثر غرابة ... لعله من الأفضل أن يفكر في اسمها بدلا من شفتيها .. دفعته هذه الفكرة الي النظر من جديد الي شفتيها وهي تقول فرحة :" أظن أنها أفضل بيتزا في تريمونت ". حسناء
هل كان كلامها صحيحا ؟ قضم قضمة أخري من البيتزا آملا أن يتمكن من مقاومة ذلك الضعف الغريب الذي سيطر عليه ... كان كلامها صحيحا .... ففي لحظة من الصفاء أدرك أن البيتزا لذيذة المذاق إلي حد لا يقاوم ... حدق بشغف في الدراجات الثلاثية , ثم نظر بطرف عينه إلي ثغرها قبل أن يضع علبة البيتزا جانبا بكل ما أوتي من قوة ... لم يكن ثغر تلك المرأة يوحي الا بالاغراء ... ثغر حرك في داخله جوعا شديدا لا يمكن لقطعة بيتزا أن تسده ... ثغر جعله يعي مدي احساسه بالوحدة والفراغ وأثار فيه توقا لا يقاوم .
وتنبه في تلك اللحظة الي أمر في غاية الأهمية : لقد انطوي علي نفسه وانعزل عن الناس لفترة طويلة جدا ما جعل فتاة مثلها تنجح في دفعه الي التفكير في أمور مماثلة .. انها أفكار لا تخطر في بال رجل بات غريب الأطوار من شدة بؤسه .. وكأن رحلة عذابه الطويلة لم تبلغ نهايتها بعد . حسناء
حدق مايمل لبعض الوقت في يديها ! يستحيل أن تخونه عيناه .. فقد رأي طلاء لامعا علي أظافرها المقلمة بعناية , مع أنه كان واثقا تمام الثقة من أن أظافرها لم تكن مطلية من قبل .. لا يعقل أن تخلع المرأة سترتها وتطلي أظافرها وتلون شفتيها فقط لتأكل البيتزا ! حسناء
" حسنا , أظن أنه من الأفضل أن أعود الي العمل "!
نهض مايكل من مكانه ومسح يديه بسرواله متجاهلا عن عمد نظرات الحزن في عينيها .
" علي أن أنهي تركيب الدراجات .. لم يتبق أمامنا سوي 40 يوما قبل حلول عيد الميلاد ".
لم يكن لديه أدني فكرة عن عدد الأيام المتبقية قبل حلول عيد الميلاد ..
صححت كلامه علي الفور :" تسعة وثلاثون يوما ".
"أقل حتي مما كنت أظن ".
وخطا خطوة بعيدا عنها ... فسألته قائلة :" ألم تعجبك البيتزا ؟"
لم تخف في بادئ الأمر اعجابها الشديد بمهارته في تركيب الدراجات , وها هي الان تبدي قلقها عليه لأنه لم يأكل البيتزا ... لم يعامله أحدا بهذه الطريقة منذ رحيل أمه ... ولحسن الحظ أنه لم يدرك قبل هذه الليلة مدي شوقه لأن يظهر أحدهم اعجابه به , ويقلق عليه .. حسناء
علي الرغم من أحمر الشفاه الذي وضعته , كانت هذه الفتاة توحي بالحب العذري الأفلاطوني الذي ينتهي باصطحابها لمقابلة والدته . لكن والدة مايكل لم تعد علي قيد الحياة لتتعرف اليها ... وانتابه فجأة ألم حاد لاسع : فقد خيب مايكل ظن أمه في الماضي ولم يصطحب أيا من صديقاته الي منزل العائلة ليعرفها اليها ... شعر بحاجة ملحة للتحرر من هذا الموقف الذي ولد في ذهنه تلك الأفكار المزعجة المتمردة والموجعة ... لكن الأمر سيكون أصعب مما توقع..
كانت كريستين تحدق فيه بعينيها الواسعتين وخشي أن تكون من النوع الذي يأخذ الأمر بصورة شخصية اذا لم تعجبه البيتزا .. فأخذ قطعة ووضعها في فمه وراح يمضغها بصوت عال .. حسناء
راحت كريستين تراقب تصرفاته البربرية والبؤس باد علي وجهها فحاول أن يقنع نفسه بأنه أمر جيد ..
قال بعد أن نجح في نهاية الأمر في ابتلاع طعامه :" أحب البيتزا ".
لقد نجحت كريستين موريسون الهادئة الطبع في اضعافه من دون أن تبذل أي جهد ... في حين أنه في حاجة ماسة الي الحفاظ علي كل ذرة من قوته ليتمكن من اجتياز هذه المرحلة بسلام .. ألا يفترض بالرجل القوي أن يكون بعيدا عن التأثر ؟ والرجل البعيد عن التأثر يعيش في عالم ضبابي بحيث لا تثير انتباهه الشفاه المكتنزة و النظرات القلقة والسترات المرمية جانبا . حسناء
قال لها بعد تفكير ملي :" أنا مرتبط .. من الأفضل أن تعرفي هذا عني".
"أرجو المعذرة؟"
لم تغب عنه النبرة المخنوقة في صوتها الا أنه تمالك نفسه وأجابها قائلا: "خطر لي أنه من الأفضل أن تعلمي "
"مرتبط بماذا ؟"
"أنت تعلمين ..."
" كلا ... أخشي أنني لا أفعل سيد برويستر .. ربما بامكانك أن توضح لي الأمر ".
سيد برويستر .. كانت هذه خطوة جيدة الي الوراء بعيدا عن أحمر الشفاه الموضوع حديثا ... فلم يجد أمامه سوي أن يمضي قدما . حسناء
" حسنا .. عندما دعوتك منذ قليل علي العشاء , قلت انك لا ترغبين في مواعدة أحد .. وأنا مرتبط ولا يمكنني مواعدة امرأة أخري . لم يكن بمقدورة أن يتكلم بوضوح أكثر ...
" لا يفترض بالرجل المرتبط أن يدعو امرأة أخري علي العشاء ... ولا تظن أن الأمر يهمني ... أظنك تذكر جيدا أنني رفضت دعوتك رفضا قاطعا ".
من الأفضل ألا تدرك أبدا مدي تأثير شفتيها فيه , خاصة ان كانت تنظر اليه علي أنه سافل متعجرف , وهو أمر ليس بغريب عنه . حسناء
" رفضت دعوتي وسارعت بعدها الي وضع أحمر الشفاه ".
ولاحظ أن الوهج في عينيها بدأ يأخذ منحني خطيرا فوجد أنه من الحكمة ألا يشير الي أنه لاحظ اختفاء سترتها والطلاء علي أظافرها ...
" أتظن أنني وضعت أحمر الشفاه من أجلك ؟"
نهضت من مكانها بسرعة فائقة فأوقعت الكرسي الذي كانت تجلس عليه ... وراحت تارة تكور يديها وطورا تبسطهما , ما ساعده علي تأمل طلاء أظافرها الشفاف المائل الي الزهري مليا . ولفت انتباهه أيضا بقعة من صلصة الطماطم علي قميصها فأقر في سره أنه المسؤول عنها .. ولعل أكثر ما أثار دهشته هو أنها لم تحمر خجلا أو تنطوي علي ذاتها عندما واجهها بمسألة أحمر الشفاه فقد ظن أنها ستتعامل مع نبذه لها كالفأرة الصغيرة , واذا به يجد نفسه أمام نمرة , نمرة غاضبة ... حسناء
ولسوء حظه , شعر في تلك اللحظة برغبة جامحة في معانقتها أكثر من أي وقت مضي ...
" لم أسمع في حياتي كلاما أكثر غطرسة ووقاحة ".
خطر له أن الأمر سينتهي به مع بقعة من صلصة الطماطم علي قميصه أيضا .. أتراها مدت يدها بحثا عن قطعة البيتزا قد تؤذيه ان رمته بها ؟ كلا , لا يمكن أن تكون من النوع الذي يحب أن تلحق الأذي بالاخرين ..
الرجل المرهف الحس الذي لا يراعي شعور الاخرين , سيعتذر حتما عن الخطأ الذي ارتكبه حين صور له غروره أنها تبرجت من أجله .... حسناء
غير أن مايكل ااستنزف كل ذرة من قدرته في الحفاظ علي الذات كما أنه لا يعرف معني الرقة ... وأدرك أنه يتوق الي أن يعرف الي أي مدي يمكن أن تفاجئه كريستين , وان كانت تتحلي بما يلزم من الجرأة لترميه بالبيتزا.
سألها بنبرة مشككة :" هل وضعت أحمر الشفاه لتأكلي البيتزا ؟"
مكثت مكانها لا تحرك ساكنا فأدرك علي الفور أنه لم يستفزها كما كان ينوي أن يفعل بل جرح شعورها . لم تمد يدها لتلتقط علبة البيتزا , مع أنه يستحق أن تلقي بالعلبة علي رأسه بسبب كلانه الجارح . لكن وعوضا عن ذلك , تلاشت امارات الغضب عن وجهها وأخذت شفتاها الخادعتان ترتجفان بينما راحت عيناها تطرفان بقوة .. حسناء
ما الذي سيفعله ان انفجرت بالبكاء ؟ أراد أن يظهر أمامها بمظهر السافل المتعجرف وليس أن يظهرها في مظهر المرأة ذات العيوب . هذا هو السبب الأساسي الذي يحول دون ارتباط أمثاله من الرجال بامرأة من هذا النوع , كانت كريستن حساسة للغاية والاستسلام للرغبة الجامحة في معانقتها سيشكل حتما كارثة .
"لم أضعه من أجلك ".
وأضافت شاهقة :" هذا سخيف ... فمن ينظر الي يدرك في الحال أن رجلا مثلك لا يعقل أن يجدني جذابة حتي وان كسوت شفتي بطبقة كثيفة من أحمر الشفاه ". حسناء
بدأت الأمور تخرج عن المسار الذي رسمها لها . لكن ان قال لها الان انه يجدها فاتنة فلن تصدق كلامه وسيخيل اليها انه يحاول أن يخفف عنها ... فارتأي أن يسلك طريقا أكثر أمانا قائلا لها :" لم تكن شفتاك مكسوتين بطبقة كثيفة منه ".
انهمرت دمعه من عينيها وشقت طريقها بحزن نحو خدها , فمسحتها بغضب ..
تابع مايكل كلامه قائلا :" لم تكن طبقة أحمر الشفاة كثيفة بل موزعة بشكل متوازن "
لم تظهر علامات الاطمئنان علي وجهها . حسناء
" لعل صديقتك تعرض الأزياء للمجلات الخاصة بالرجال أو تظهر علي الأقل في اعلانات الملابس الداخلية .
وعلت الحمرة خديها وانهمرت الدموع غزيرة من عينيها ...
" ليس لدي صديقة ".
وندم علي الفور علي ما قاله لأنه وجد في الكذب خير مخرج له من هذه الورطة ... صديقة .. كان بامكانه العودة الي تركيب الدراجات التي وجد فيها متعة غريبة , بدلا من تعقيد الأمور والحديث عن أحمر شفاه كريستن أو تنهداتها أثناء التهامها البيتزا .
قالت له وهي تبتعد عنه واضعة يدها علي قلبها وكأنها تحميه منه:
" يبدو أن الأمر لا يتعلق بكونك مرتبطا أم لا بل يتعلق بما اذا كنت ترغب في الارتباط بفتاة مثلي أم لا "
" كلا ". حسناء
" فتاة مثيرة للشفقة تهوي ارتياد النوادي الأدبية , وتضع أحمر شفاه لتلفت انتباه شاب يرتدي سترة جلدية ويقود سيارة رياضية , شاب ذو عينين خضراوين ساحرتين .. شاب كريم النفس اشتري خمسين سترة من أجل الأطفال المعوزين .
عيناه ساحرتان ؟ أتراها تقصد عينيه؟ لابد أنها تمزح , لكن الوقت ليس مناسبا للضغط عليها في هذا الشأن .
قال لها بحدة :" لست مثيرة للشفقة يا كريستن .. هل جننت؟"
طأطـت رأسها بحزن وأجابته :" مثيرة للشفقة ومجنونة ".
أطلق مايكل شتيمة لا يمكن لأي من أعضاء جمعية بابا نويل السرية أن يلفظ بها . وعندما تقدم منها , أدارت له ظهرها وفرت منه . حسناء
كان رد فعلة نابعا من غريزته فلحق بها وأمسك بكتفيها وأدارها نحوه .. بدت أمامه أشبه بهرة صغيرة وهي تقاوم للافلات من قبضته .. ومع ذلك , تسني له أن يلامس بشرتها الطرية , الناعمة ..
أنزل مايكل يديه الي جانبيه وقال لها بهدوء بنبرة بدت نابعة من القلب :" لا يتعلق الأمر بك يا كريستين بل بي أنا"
سألته والعجرفة البادية في نبرة صوتها لا تخفي خطورة الجرح الذي سببه له كلامه الوقح :"لم أشعر وكأنها قصة حياتك ؟"
بدا واضحا أنه يفتقر الي الخبرة علي صعيد العلاقات الاجتماعية اذ اكتفي خلال السنوات الماضية بمواصلة التنفس بغية البقاء علي قيد الحياة .. كان الوجع الذي ينغص عليه حياته عظيما بحيث يصل الي الاخرين ويؤثر فيهم حتي لو لم يشأ ذلك .. حسناء
" كريستن!"
شئ ما في طريقة لفظه لاسمها جعلهما يتسمران في مكانهما ...
وأدرك تماما ما سيحصل لاحقا وتمني لو يستطيع أن يوقف عجلة الزمن لكنه عاجز عن ذلك . وسمع صوتا عميقا يقول :" تعرضت لحادث رهيب . ولهذا السبب لم أعد حرا". حسناء
"حادث؟"
أمر نفسه بالتزام الصمت .. لم يخبر أحدا عن الحادث .. لا أحد علي الاطلاق .. لم يكن قادرا علي تحمل نظرات الشفقة والعبارات المبتذلة ... لم يكن قادرا علي تحمل ذلك ...
" انهار عالمي كله ... أمي , وأبي وأخي .. ولم يعد لدي ما أقدمه للاخرين الا الأذية , تماما كما أذيتك هذا المساء
اصمت ... أتوسل اليك أن تصمت .. لكن الصوت استمر في الكلام وكأنه كان ينتظر اللحظة المناسبة ليعبر عن مكنونات قلبه , تماما كما تنتظر المياه اللحظة المناسبة لتنفجر وتكسر السد .. حسناء
" انه أول عيد ميلاد يمر علي من دون أفراد عائلتي ولا أعرف كيف سأتمكن من تحمل هذه الفترة ..."
وماتت الكلمات في حلقه وخيم صمت مطبق عليهما..
لزمت كريستن الصمت لفترة طويلة , ومع ذلك لم يجد في صمتها مصدرا للازعاج .... لم يكن يتأمل الان شفتيها بل عينيها ... كانت عيناها الرماديتان تنطويان علي سحر غريب لا يستطيع الرجل مقاومته ...وعندما قررت في نهاية المطاف أن تخرج عن صمتها , لم تتفوه بالكلمات التي كان يخشاها ولم تقل له أنها اسفة ولم تسأل عما حصل .
قالت له بنبرة قوية تتناقض كليا عن قوامها الرقيق :" أعرف الوسيلة الأفضل التي ستساعدك علي تخطي هذه المرحلة ". حسناء
أليس من الغباء أن يصدق كلامها ؟ ومع ذلك , قرر أن يثق بكلامها ويصدق الهدوء والقوة الكامنين في تلك العينين ..
مسحت شفتيها بكم قميصها وكأنها تحاول أن تمحو حقيقة أنها رغبت في لفت انتباهه فشكلت هذه الحركة اعترافا واضحا منها .. والمضحك في الأمر هو أن ما فعلته لم يغير شيئا البته .. اذ بجت شفتاها أكثر اغواء من ذي قبل مع أنها مسحت أحمر الشفاه عنهما ... جل ما تمكن من رؤيته علي وجهها هو امارات الحنان والعطف .. كيف تمكن من أن يلحق الأذي بامرأة تتولي ادارة جمعية بابا نويل السرية "؟ حسناء
وتنبه فجأة الي أن يقوم بشئ بسيط من أجله ,شئ بعيد عن الأذية , ويمكن أن يعوضها عن الجرح الذي سببه لها .يمكنه أن يجعلها تدرك أنها فتاة جميلة وفاتنة وتتحلي بشفتين ساحرتين .. لكن لا جدوي من الكلام الأن .. فهي لن تصدق أي كلمة قد تصدر عنه ..
مال نحوها قليلا فتراجعت علي الفور تماما كما توقع . الا أنها ما لبثت أن فاجأته وهي تتقدم نحوه وتقف علي رؤوس أصابعها لتلامس خده بحنان . كانت لمسة سريعة جدا أشبه بلفحة أجنحة الفراشة للورد ... لمسة أكثر حلاوة مما توقع فتركته في حاله من الذهول .. ومع أن جسديهما لم يتلامسا الا أنه أحس بنفسه مترنحا وكأن هزة أرضية زعزعت كيانه كله , فتصدعت الجدران الشاهقة التي بناها حول نفسه .
قالت له بصوت رقيق :" لعلك تملك قدرة علي العطاء تفوق تصورك .. وهذه هي أفضل طريقة لتخطي هذه المرحلة ". حسناء
أراد أن يؤكد له أن كلامها غير صحيح لكن لمستها البريئة جعلته يحبس أنفاسه .
وعندما بقي صامتا سألته :" ماذا تسمي الخمسين سترة ؟ أليست عطاء؟"
هز كتفيه وتراجع خطوة الي الوراء وقد ظهر عليه الانزعاج .
أجابه وقد نجح أخيرا في استعادة قدرته علي الكلام :" هذا النوع من العطاء غاية في السهولة ".
" لو كان سهلا فعلا , لما وجدنا أطفالا يعانون من العوز ..."
بدا عليها فجأة الارتباك . فنظرت الي ساعتها وعلت الحمرة خديها من جديد فأصبحا أشبه بمنارة تضئ درب رجل أضاع روحه وسط البحار ...
قالت له بحدة وكأنها تخشي هذه اللحظة وهذا الاحساس بالحميمية الذي يتشاركانه :" علي أن أنصرف ... وعليك أن تنصرف معي لأنني لا أملك مفتاحا اخر ". حسناء
" لن أسمح لك بالذهاب الي سيارتك بمفردك ".
بدت وكأنها علي وشك أن تصرخ محتجة لكنها عادت وارتأت ألا تفعل ...
أدارت له ظهرها وجمعت قطع البيتزا المتبقية ووضعتها بعناية في الثلاجة . وما هي الا دقائق قليلة حتي فتحا الباب الأمامي ليواجها سويا صقيع المساء .. سألته موبخة :" ألا تملك سترة أكثر دفئا ؟"
كان من البديهي أن تعامله معاملة الفتي اليتيم , وتقلق عليه وتلعب دور الأم الحنون , خاصة بعد أن أفضي اليها بسره ... وتذكر في تلك اللحظة أنها أبدت قلقها عليه قبل أن يفضي اليها بمكنونات قلبه ...
" لا أشعر بالبرد ..."
رمته بنظرة حائرة غير أنه ارتأي أن يتجاهلها لأنه لم يكن مستعدا للمزيد من الاعترافات ... وبينما كانت تقفل الباب , رأي مايكل رجلا ضخم الجثة يعبر الشارع وكتفاه محنيتان من شدة البرد . حسناء
"أظن أنني رأيت هذا الشاب قرب بابك منذ قليل ".
"أتقصد هذا الشاب ؟ انه يبقي هنا دوما ... لست واثقة من هو هذا الفتي اليافع لكنني أتصور أنه يطن أنه يحميني"
حدق مايكل في الشات وهو يبتعد عنهما وقد وجد تفسيرها غير منطقي ... فوجوده لم يكن بدافع الغيرة عليها لكنها بدت واثقة مما تقوله ..
كانت بريئة الي حد يفوق التصور , غير أن عينيها قالتا كلاما في غاية الخطورة : صحيح أنها بريئة , غير أن هذا لا يعني أنها بريئة بملء ارادتها ... حسناء
وصلا الي سيارة مغطاة بالثلج , سيارة صغيرة , عملية واقتصادية , بعيدة كل البعد عن البهرجة , تماما كما توقع .
لكن من يملك سلاحا سريا مثل شفتيها لا يحتاج الي سيارة مبهرجة .. صعدت الي السيارة وشغلت المحرك بينما راح مايكل يزيل الثلج عنها بيديه وكمي سترته ... فترجلت كريستن من السيارة وأعطته فرشاة ...
" هل ستعود في الغد لتنهي تركيب الدراجات ؟"
تردد مايكل قليلا ...
"ستسدي لي خدمة كبيرة ". حسناء
لكن الأمور باتت أكثر تعقيدا بعد أن عرفها ... وان قرر ألا يعود ثانية , فستعتبر المسألة شخصية .. لذا , أجاب الصوت الذي لم يتوقف عن الكلام حتي بعد أن طلب منه أن يصمت :" أجل سأعود حنما في الغد ".
بينما كانت كريستن موريسون تقود سيارتها , اجتاحتها موجة من الحر شبيهه بتلك التي تجتاح امرأة تلعب بالنار , مع أن جهاز التدفئة في السيارة لم يكن قويا بما فيه الكفاية ليخفف من حدة البرد . هل كانت تدرك عواقب ما أقدمت عليه عندما وضعت أحمر الشفاه علي شفتيها , وخلعت سترتها وطلت أظافرها بطلاء الأظافر ؟
كم من المهين أن يفتضح أمرها بهذه السرعة !.. انه مجرد تحذير من مدي خطورة نيرانه لاسيما وأنه خبير في النساء ويدرك ما يفكرن فيه . فقد فهم دوافعها حتي قبل أن تتمكن هي نفسها من ادراك حقيقتها ... وما زاد الطين بلة هو أنه أفصح لها عن مصابه و الفاجعة التي ألمت به يوم خسر أفراد عائلته . انفطر قلبها حزنا عليه , وأحست بأن من واجبها أن تساعد مايكل برويستر علي تخطي فترة عيد الميلاد بأقل ضرر ممكن .
لكن كيف ستتمكن من المكوث معه في الغرفة نفسها من دون أن تطلق العنان لأحلامها الخيالية التي تتخطي الواقع بأشواط ؟ حسناء
"كفي!"
هذا جزاء من تتودد الي رجل غريب !لكن دوافعها كانت نبيلة , اذ أرادت محو القسوة التي ظهرت في عينيه ... أو لعلها كانت تتحرق شوقا لمعانقته وكأنه خشبة خلاص يمكنها التشبث بها .
لكنها عندما لمست خد مايكل لم تكتشف حقيقة تتعلق بمايكل بل بالأسرار الكامنة في أعماقها ... اذ كان في داخلها شعور بدائي , شعور أشبه بالتوق الملح الذي يمكن أن يقلب عالمها المتزن رأسا علي عقب .. ولعل أكثر ما أثار دهشتها هو أنه بدا أمامها ضعيفا وكأنها سلبته قوته ...
حذرها مايكل بوريستر من أنه لا يملك ما يقدمه لها وهي تعي تماما أنه من الحكمة أن تثق بكلام رجل يتفوه بكلام مماثل ...منذ صغرها , تميزت كريستن بحكمتها وطبعها العملي لتتحول الي فتاة جذابة ومثيرة ... حسناء
كما تاقت لأن تكون من يضمد الجروح التي مزقت روحه ... وفجأة , ارتطمت بطبقة سميكة من الجليد فانزلقت السيارة رغم جهودها الحثيثة للسيطرة عليها .. انحرفت السيارة عن الطريق واصطدمت بالحافة قبل أن تتوقف علي بعد انشات قليلة من عمود الهاتف فوقعت كافة الأغراض الموضوعة علي المقعد الخلفي علي الأرض .. من حسن حظها أن الوقت كان متأخرا والطريق خالية من السيارات ...
أخذ قلبها يتخبط بين ضلوعها وأدركت في الحال أن القدر شاء أن يلقنها درسا فعلاقتها بمايكل برويستر ستواصلها الي قمة منحدر زلق , ومن الممكن أن تفقد السيطرة علي الأمور في أي لحظة . حسناء
ارتعدت فرائصها فأنبت نفسها لأنها تغالي في ميلها الي الدراما وفي خوفها من أن تتعرض للأذي , فالانسان الواقعي لا يمكنه أن يتوقع أن يعيش حياته من دون صدمات وكدمات ...
وتذكرت فجأة علاقتها بجايمس والأسابيع الستة التي أمضتها وهي تخال نفسها مغرمة به .. كان بارعا في التمثيل فأغدق عليها الحنان والاهتمام و الهدايا ... وفجأة , ومن دون أي شعور بالحرج , أخبرها أنه كان مهددا بالطرد من فريق كرة القدم اذا لم ينل علامة أفضل في الرياضيات فوجد فيها خير منقذ من هذه الورطة . بقيت علي مدي أسابيع طويلة تبكي الليل بطوله حتي ينهكها التعب فتستسلم للنوم . لكن ان نجح ذلك الشاب السطحي , المغرور والاستغلالي في أن يسبب لها كل هذا الأذي , فما عساها أن تتوقع من ذيك الدب المجروح مايكل برويستر ؟ قالت لنفسها بحزم :" سيصاب بالملل في غضون أسبوع واحد فقط ويعود الي ممارسة النشاطات التي يمارسها أمثاله من الرجال ". حسناء
وتدافعت في رأسها صور عارضات الملابس الداخلية , ورحلات السفاري , وطائرات الهيلكوبتر و المغامرات الخطيرة ... كلا ... لم يكن من النوع الذي يشغل نفسه بتركيب الدراجات أو تمضية الوقت برفقة فتاة تهوي ارتياد النوادي الأدبية ..
في هذه الأثناء , ستريح ضميرها فلن تضع أحمر الشفاه , وتتفرغ بالتالي للعب دورها وبذل كل ما في وسعها لمساعدته علي الشفاء ...
أعلنت في سرها عن سخطها . ـصحيح أنها قالت له بكل ثقة في النفس انها تملك الوسيلة الملائمة لمساعدته علي تخطي هذه المرحلة ؟ وكأنها نجحت في التغلب علي مأسيها الشخصية .. كيف خيل اليها أنها ستجيد التصرف في هذا المجال ؟ حسناء
كلا .. أسبوع واحد فقط ويصبح مستعدا للرحيل ... وتصبح هي مستعدة لتوديعه .
استدارت كريستن لتتأكد من أن الكتيب الذي حصل عليه مؤخرا لم يتأذي بسبب انزلاق السيارة . قلبت الأوراق المبعثرة ولم تجده بينها فقطبت استياء وقد أدركت أنها نسيته في المكتب .
أيعقل أن تكون قد نسيته عندما أصر علي مرافقتها الي السيارة ؟ هل كانت ترفض في لاوعيها أن تسمح لمايكل باكتشاف مدي اهتمامها بالتماثيل الصغيرة ؟ كرهت نفسها لأنها كانت تسعي الي اخفاء حقيقتها أو الظهور بمظهر مختلف . حسناء
كانت واثقة من أن مايكل سيرحل في نهاية المطاف ويمكنها عندئذ أن تعود الي ممارسة هوايتها المفضلة والانغماس في العالم السحري الامن الذي أوجده لو ليتل .
لكن مايكل لم يمل من تركيب الألعاب كما أن تفرغه لم يثر فضول أحد : لم يكرس هذا الرجل القوي البنية وقته كله من أجلهم ؟
أعرب جميع المتطوعين عن حبهم له دون تحفظ . لعلهم شعروا بالحزن الكامن خلف الغطاء الجليدي وأدركوا أن الالحاح عليه ليدلي بالمزيد من التفاصيل ستجعله ينفر منهم ..
لم تدرك كريستن أن الأمور أصبحت راكدة في جمعية بابا نويل السرية حتي اقتحم مايكل حياتهم مثل نسمة الهواء المنعشة ... حسناء
لا عجب في أن يكون قد أدرك الغاية من وضعها أحمر الشفاه ! فكل أنثي تدخل المكان , سواء كانت في التاسعة عشرة أو التسعين من العمر , تغازله بلا حرج .. اذ كانت السيدتان هيندرسون وجاكوبز تتنافسان علي تحضير البسكويت له .. فقد اعتادتا أن ترسلا له كمية من البسكويت .. وأمام هذا الاهتمام الكبير به , لم تشأ لولو بيشوب أن تبقي علي الحياد , فقررت أن ترسل اليه كعكة عيد الميلاد التي فاحت رائحتها في مكتب كريستن .. علما أن العائلات الثلاث دعته لمشاركتها عشاء عيد الميلاد .. حسناء
وجدت كريستن الأمر مثيرا للسخط ... فمع أنها عزباء وتقيم وحدها , الا أن أحدا لم يرسل لها البسكويت أو يدعوها لمشاركته عشاء عيد الميلاد . فهي لم تخبر أحدا طبعا أن شقيقتها بيكي وابنها غرانت اللذين انتقلا للعيش في أريزونا , لن يتمكنا من العودة الي تريمونت هذه السنة .
زارتهما كريستن مرة واحدة في أريزونا وأقسمت بألا تعود ثانية فقد توقعت ألا يتمكنا من البقاء طويلا بعيدا عن موطنهما , واذا بها تفاجئ برؤيتهما سعيدين في حياتهما الجديدة بعد أن تركا خلفهما كل ما يمكن أن يذكرهما بالماضي الأليم .
انزعجت كريستن لدي اكتشافها أنها كانت مخطئة بشأن مايكل , فبعد أن أنهي تركيب الدراجات لم تظهر عليه علامات الملل بل بدا سعيدا جدا بفتح العلب , وقيادة الشاحنه القديمه لجلب الهبات , وفرز الالعاب المستعمله للتاكد من إمكانية اتقاذها فضلا عن برمجة اجهزة الكمبيوتر الغريبه المرسله اليهم ... حسناء
ولم تكد تمر فترة وجيزة حتي أدركت كريستن أن جمعية بابا نويل ما كانت لتتمكن من البقاء من دونه .... فكم من الوقت سيمر قبل أن تشعر بأنها لن تتمكن من العيش من دونه أيضا ؟
=============
4- لا يهمني رأيك
ثلاثة و ثلاثون يومآ قبل حلول عيد الميلاد.....
- مايكل.....هلا عاونتنا على تغليف الهدايا؟ علي ان انقل بعض الاغراض الى المخزن اذ بات المكان هنا مزدحمآ.
رمقها مايكل بطرف عينيه بينما هو منهمك بتركيب حصان خشبي هزاز. كانت كريستين قد رفعت شعرها الطويل بمشبك تمتم كما اعتادت ان تفعل كل يوم منذ ان بدأ بالحضور الى هنا. بدا تصرفها هذا كموقف فتاة لا تبغي أن تلفت انتباة اي رجل. Dalia cool
في الواقع جاءت نتائج الجهود التي كانت تبذلها عكسية و شعرها المرفوع الى الخلف هو خير دليل على ذلك اذ أبرز بنية عظام كريستين التي تتميز بروعتها و دقتها و أنوثتها النابضة. كما أن شعرها المرفوع يثير في الرجل رغبة ملحة في فكه و الاستمتاع بملمسه السحري و هو ينساب بين أصابعه......
أجابها بتذمر:"تغليف الهدايا؟ لا أظن إن هذة الهدايا تليق برجل مثلي".
- حسنآ ان كنت تشعر بأن رجولتك مهددة يمكنني أطلب العون من شخص اكثر ثقة بنفسه.
- كما تشائين.
و رسم ابتسامة على شفتيه و كأنه يتحداها أن تعثر على شخص سواه.
رمته بنظرة ساخطة و قالت:"لا يمكنك أن تتصور الورطة التي يمكن أن تقع إن لم تغلف الألعاب و نلصق عليها البطاقات. لا يمكن تأجيل هذه المهمة حتى الساعة الأخيرة." Dalia cool
- أظن أنها الساعة الحادية عشر.....
كان يتحلى بالقدرة على ارباكها و يجد في ذلك متعة لا تضاهى.
و عندما بدأت الحمرة تعلو خديها راهن في سره على أنه قادر على جعلها تحمر أكثر إن بذل القليل من الجهد.
-انظري إلى هاتين اليدين.
و دنا منها و مد يديه أمامها لتتفحصهما فكست الحمرة وجهها، حمرة مميزة ساحرة كانت تحتفظ بها له وحده.
قال لها برقة محاولآ ارباكها أكثر:"لست واثقآ ما اذا كان تغليف الهدايا يليق بهاتين اليدين".
ازداد احمرار وجهها حدة و سمعها تتمتم شيئآ عن سمكة ما.....
-انه حصان خشبي هزاز.
و التفت ليرى ما اذا كان قد أساء تركيب الحصان لكنة بدا في نظرة حصانآ. و تابع كلامه بنبرة حشد فيها أكبر قدر من البراءة:
"تركيب الأحصنة الخشبية الهزازة هي أفضل مهمة يمكن ان تؤديها هاتان اليدان.....ستضيع موهبتي سدى قسم الهدايا."
كان مايكل قد قطع وعداً على نفسة بألا يحاول استباق الأمور......
فبعد تلك اليلة التي أمضاهاو هو يقوم بتركيب الدراجات عاد الى منزله عاقد العزم على ألا يعود ثانية. كان التعامل معها عسيراً...... ومشاعره نحوها معقدة للغاية. Dalia cool
لكن المشكلة هي أنه لم يعد يرغب في مشاهدة التلفزيون. و أدرك أنه في حالة أفضل. حسناً، لا يمكنه القول أنه في حال جيدة لكنه أفضل حالاً و كأنه لمح خيط شعاع شمس من خلال الغيوم السوداء التي تنذر بهبوب العاصفة.
كان يبحث عن خشبة خلاص و يسأ ل نفسه في لحظات اليأس كيف سيتمن من البقاء؟ لكنة لا يستطيع أن يهرب الآن من هذا الشئ الذي قد يشكل رداً على تساؤلاته.
و أخيراً قرر أن يقصد جمعية بابا نويل حتى في الأيام التي لا يشعر فيها برغبة في النهوض من السرير، و يؤدي المهام المطلوبة منه.
و إن طُلب منه تغليف الهدايا فلن يتقاعس عن القيام بذلك. لكن ما لم يكن في الحسبان هو أنه تمكن من جعل كريستين تمضي وقتاً عصيباً.....
كانت الامور تسير حتى الآن على أفضل ما يرام. فقد توالى مايكل تجميع الألعاب، و رفع الأغراض الثقيلة، و قيادة الشاحنة فضلاً عن وضع المزيد من الرفوف. Dalia cool
كانت الجمعية بحاجة إليه. و كان دائم الانشغال لا بل أكثر انشغالاً منه أثناء إصلاحه منزل السيد ثيودور ما شكل بلسماً لروحه.
و في كل يوم كان مايكل يواجه التحدي نفسه و هو التحكم بنفسه لئلا ينظر إلى شفتي كريستين و شعر بشئ من الرضا عندما أدرك أنها تبذل الجهد نفسه. و غمره إحساس بالارتياح لأنه قادر على جعلها تحمر خجلاً، مرة واحدة كل يوم على الأقل، أو أكثر في الأيام التي يحالفه الحظ فيها.
وفي اطار الحملة التي شنتها لمحو ذكرى تلك الليلة الأولى من ذهنها، لم تكتف كريستين بالامتناع عن وضع أحمر الشفاه بللاعمدت إلى ارتداء السترات الرثة، و القمصان البخسة الثمن، و السراويل الفضفاضة، رافضة وضع طلاء الأظافر من جديد و كأنها توجه إليه رسالة صامتة تقول فيها "لا يهمني رأيك بي".
إلا أن كريستين ليست من النوع الذي يكذب، فعيناها تقولان إنها تهتم لأمره، مع أنه حذرها صراحة بأن اهتمامها به سيضعها في دائرة الخظر..... و قد ساهم اختيارها للملابس الفضاضة في إضفاء مظهر فاتن عليها، مظهر أشبه بفتاة صغيرة مشردة قادرة على أن تثير في قلب رجل ضخم الجثة مثله، رغبة بدائية وغريزية في حمايتها و الاهتمام بها. Dalia cool
اختارت كريسيتن في ذلك النهار سروالاً أشبه بسروال والدته الجينز و قميصاً أحمر، كتب عليه بأحرف عريضة " أحب بابا نويل".
و على الرغم من ذلك أغوته فكرة قراءة الشعار على صدرها ببطء شديد، حتى أصبح لونها قرمزياً فرفع عينيه نحوها قائلا بنبرة خبيثة:" هل ترغبين في الجلوس في حجري يا صغيرتي؟".
من الأفضل له أن يتوخى الحذر في تعامله معها إذا اعتادت كريستن أن تفاجئه بتصرفاتها، ومن الممكن أن تفعل ذلك في هذة اللحظة.
- ماذا تريدين كهدية في عيد الميلاد؟
إنها الطريقة الأنسب للتعبير عن شكره على كل ما حصل عليه هنا من دون أن يتورط بصورة شخصية.....يمكنه أن يختار لها بعض الملابس الملائمة.....ألا تعتبر هذه الهدية غير شخصية؟
- يكفيني أن تساعدني على تغليف كافة الرزم قبل حلول الميلاد.
خطر لة أن يشتري لها جرواً.....إنها الطريقة المثلى لهدم كافة دفاعاتها. كان يتوق لرؤيتها تذوب رقة و حناناً و هي تداعب كرة ذهبية مكسوة بالفراء.....فهو واثق من أنها ستبدو أشبه بطفلة مدللة.....
عاد و ذكر نفسه بأنه هو من ساعدها على بناء دفاعاتها. لم يريد هدمها الآن؟ الم يكن هو من حذرها بأنه مرتبط؟
-تقول السيدة هندرسون إنها تعطيك واحدة من البسكويت بالشكولا إلا إذا شاركت في تغليف الهدايا.
تريد العبث معه؟
-حسنآ حسنآ.....
و تظاهر بالإذعان ثم أضاف و هو يتظاهر بالإنهماك في تثبيت عين الحصان الزجاجية الشبيهة بالخرز: " هلا أحضرت هذه اللعبة من الرف العلوي؟ أظن أنني رأيت طلباً بشأنها على لوحة الإعلانات"
جرت العادة أن يعلقوا الطلبات على لوحة الاعلانات و العمل على جعلها تتطابق مع الهبات الواردة إليهم. لم تكن هذة الوسيلة الأكثر فعالية ما جعل مايكل يصمم على إيجاد وسيلة أفضل إن قدر له البقاء لمدة أطول.
كم ينوي البقاء هنا؟ فاجأه الرد الآتي من داخله.....فهو لم يعد ذلك الرجل الذي يضع الخطط على المدى الطويل بل يكتفي بالتعامل مع المفاجأت التي يحملها إليه كل يوم جديد. يبد أنه كان يعلم أنه ملتزم بالعديد من الأعمال حتى عيد الميلاد.....ملتزم..... Dalia cool
اثارت هذه الفكرة انزعاجه و شغلت تفكيره لبرهة من الوقت، لكنه عاد و تنبه إلى أن خطته نجحت. و قف مايكل يراقب كريستن و هي تبحث عن اللعبة التي طلبها، وفي عينيه لذو خبيثة.....و مع انها سحبت مسند القدمين لتقف عليه إلا أنها اضطرت لأن تمد جسمها لتصل إليها. .
كانت اللعبة بعيدة فوقفت على رؤوس أصابعها و مدت يدها لتصل إليها.....إلا أنها ما لبثت أن فقدت توازنها. أسرع مايكل كالبرق ليحيط خصرها بذراعه و يحملها و يضعها على الأرض. ولم يرخ قبضته على الفور فمكثت لبرهة من الزمن جامدة لا تتحرك.....
وسرعان ما أدرك أنه يواجه مشكلة من نوع آخر: ففي حين كان يعبث معها، استيقظ في داخله جوع شديد للمسها و الإحساس بنعومة بشرتها و التواصل معها.....وبقيت ذراعه حول خصرها فعبقت في أنفه رائحتها الناعمة الشبيهة برائحة زهرة الغاردينيا.....
-فلنتعاون جميعآ على تغليف الهدايا.
كان مكبر الصوت قديماً متداعياً فخرج الصوت منه أشبه بفرقعة قوية..... Dalia cool
ابتعد مايكل عن كريستين على عجل و كأنهما مراهقين عابثان قبض عليهما الشرطي متلبسين في مقعد الخلفي للسيارة.....
لحق بها إلى الغرفة المخصصة لتغليف الهدايا حيث وضعت طاولتان كبيرتان وزعت عليهما الشرائط و العقد و الاوراق المخصصة لتغليف الهدايا، فوجد في انتظاره عضوات الجمعية المخلصات اللواتي يلعبنّ دور والدته ببراعة مطلقة!
رمق طبق البسكويت بطرف عينه و شعر أنه قادر على التهام القطع الموضوعة في غضون خمسة عشرة دقيقة.....
و فجأة علت الموسيقى في المكان فصرخ معترضآ: "لا.....لا يمكنني أن أتحمل ذلك....أتوسل إليكن"
يبدو أنه لم يكن الوحيد الذي يستمتع بالمواف الغريبة الخبيثة إذ انفجرت العجائز الثلاث ضحكاً عند سماعه يتذمر.....
كن يعشقن الألحان الميلادية التقليدية في حين أن مايكل يفضل الألحان الحديثة . سألته كريستن و الحمرة تعلو خديها:" أي نوع من الموسيقى تفضل؟"
-أفضل الموسيقى العصرية.....كالروك مثلاً.
لبت طلبه على الفور بينما ابتسمت النسوة بحنان عند رؤيتهن تعابير وجهه.....فمنذ وصوله إلى هذا المكان و هو يطالب بموسيقى الروك أند رول، لكن طلبه لم يلق يوما آذناً صاغية.....
كانت هذه المرة الأولى منذ وقوع الحادث، التي يشعر فيها بأن الوقت يمر بسرعة غريبة.....فالنسوة بدللنه خير دلال، و كأنة بلغ الواحة بعد عبوره الرمال الحارقة..... Dalia cool
لم يمكن مايكل برويستر من النوع الذي ينقاد وراء الأوهام أو يؤمن بالأمور الخارجة عن إطار المألوف.....فالحقيقة الوحيدة بالنسبة اليه هي التي يمكن لمسها و تذوقها وشم رائحتها و الإحساس بها.....
و مع ذلك ساوره شعور من الصعب تفسيره وكأن والدتة حاضرة معه.....ربما لأن هؤلاء النسوة يشبهنها الى حد بعيد فتراهن يقطبن جينهن كلما سمعنه يشتم و يسامحنه على الفور عندما يعبر عن أسفه,
وهن يحضرن له البسكويت و الأطباق الشهية و يتبرعن لرتق سرواله حتى أنه لم يعد يعلم كيف سيرفض الدعوات التي تلقاها للمشاركة في عشاء عيد الميلاد من دون أن يجرح إحساس أحد.....
و عندما عرضت عليه السيدة جاكوبز أن تنظف منزله سألها:"كيف علمت أنه يحتاج للتنظيف؟"
أجابته و قد علت وجهها ابتسامة شبيهة بالابتسامة التي ارتسمت على وجه والدته يوم رأت شقته القذرة للمرة الاولى:"توقعت ذلك"
و مع أنه كان واقعياً إلى حد كبير إلا أنه وجد نفسه يتساءل في بعض الأحيان ما إذا كانت والدته قد قادته بطريقة أو بأخرى إلى هذا المكان حيث تهافتت النساء على تدليله و الاهتمام به. Dalia cool
صدحت أغنية كلاسيكية لأحد الفنانين المفضلين لديه في أرجاء الغرفة ما جعل مايكل يدرك أنه حبس أنفاسه وشبك أصابعه خشية أن يخترن أغنية مريعة.....
تنفس الصعداء و قد شعر بالحر.....الحر الشديد.
بحق السماء! لأسبوع خلا كان يتباهى بعدم إحساسه بالبرد أو الحر أو حتى الحياء.....عليه أن يغادر هذا المكان من دون أن ينظر وراءه.....
لا عليه أن يهرب مما يحصل له، وتلك العودة الموجعة والبطيئة لإحاسيسه، والرغبة في إستعادة الأمل والإيمان بأن الحياة يمكن أن تكون ممتعة.....
لكن إن لاذ بالفرار الآن فستصاب النسوة بالهلع و يتخيلن أنهنّ لم يحسن التصرف معه فقد بدون جميعاً راضيات عن المؤامرة التي حكنها لمفاجأته بموسيقاه المفضلة.....
قال لهن و هو يحاول أن يخفي حقيقة ذوبان الجليد في داخله:
"يمكنني تغليف بسهولة على وقع هذه الموسيقى".
تنهدت السيدة هندرسون و رمتة بالشريط اللاصق فضحكت السيدة جاكوبز بينما اهتز جسد لولو الضخم. كانت كريستن تنظر إلى الرزمة الموضوعة امامها و تغلفها بحماسة جنونية. Dalia cool
-اترغبين في الرقص يا كريستن؟
هل أراد أن يغيظها أم أن يرضي نفسه؟
أجابته دون أن ترفع نظرها:"كلا"
فصرخت لولو قائلة:"أرقص معي"
رقص مايكل بالتعاقب مع لولو، و السيدة هندرسون و السيدة جاكوبز، على وقع الأغاني التي جمعنها خصيصاً من أجله.....
كلا.....ليس هن.....إذ لا يعقل أن تختار أي هؤلاء العجائز أغان أكثر حداثة من أغاني فرانك سيناترا.....إنها هدية من كريستن التي صممت على تجاهله و هي تتمتم ساخطة عن ضرورة الإنتهاء من تغليف الهدايا في أسرع وقت ممكن.
-كريستي.
كانت تلك المرة الأولى التي يناديها بهذا الشكل المختصر لاسمها.
-تعالي.
-كلا.
لكن العجائز أبينّ الامتثال لرغبتها فاستخدمت لولو قوتها البدنية لترغم كريستن على الابتعاد عن الطاولة قائلة لها:"ارقصي معه".
وقفت كريستن أمامه بتحد شابكة ذراعيها فوق القميص الخاص ببابا نويل و راحت تطرق الأرض بكعب حذائها. Dalia cool
-أليس من الأفضل أن تنتهي أولاً من تغليف الهدايا؟
و تغير اللحن و صدح من المذياع القديم صوت حزين يشدو بأغنية عن امرأة جميلة.....
قال لها بنبرة خافتة : "هل تسمحين لي بهذه الرقصة؟"
و تنبه فجاة أنة يتحرق شوقاً لسماع موافقتها على الرقص معه ليتسنى له أن يلمس بشرتها مرة اخرى.....
-كلا.
فقال لها عابثاً:"هيا يا كريستن.....خففي قليلا من جديتك".
- لا أريد أن أخفف من جديتي.....
وأضافت هامسة في أذنه:"يمكنني أن أتخيل ما قد يحصل للمرأة التي لا تتعامل معك بجدية".
-حقاً؟ افكارك سيئة . لكن الكل رقص معي.
-هذة هي المشكلة . فأنت شديد الثقة في جاذبيتك مع انك رجل مرتبط.....أظن أن ثمة صفة تطلق على أمثالك من الرجال.
-ما هي؟
-أظنك تعرفها جيداً.
-أجابها بعناد:"كلا......لا أعرفها"
-انت رجل عابث.
تكلمت بصوت خافت، خافت جداً......لكن لو تسنى لإحدى العجائز أن ترى التعبير الذي ارتسم على وجهها لأدركت أنها كانت تتفوة بكلام عابث ليست متعودة على التفوه به...... Dalia cool
-و ثمة صفة تطلق على أمثالك من الفتيات.
حدقت به باستغراب.....
-أكثر نقاوة من الثلج المتساقط.
لم تشعر بالاهانة و هي تسمعه يتفوه بتلك الكلمات فقالت :"هذا بحسب معاييرك",
لم يخالجه هذا الإحساس بالمرح و النشاط منذ زمن بعيد جداً......أيجرؤ على القول أنه سعيد أيضاً؟
-اسمعي....أنا رجل محطم القلب يبحث عن ملاذ له.
أراد أن تعبر كلماته عن الإحساس بالسعادة الذي غمره غيرأنها لم تحقق الغاية المنشودة و بدت وكأنها تخرج من مكان مظلم في أعماقه، مكان لم ير النور منذ فترة طويلة جداً.....
تعلثمت كريستن و ارتبكت.....لقد لعب ورقة القلب المحطم لحثها على الموافقة على الرقص معه.....بدا تصرفه خسيساً للغاية إلى أن لمست يده يدها فسكنت العاصفة المتأججة في داخله و اخترق شعاع من النور أحلك الظلمات..... Dalia cool
بقيت تقنيات الرقص التي تعلمها في الماضي البعيد محفورة في ذاكرته. وبقدر ما كان يتوق إلى ضمها، و التمسك بالشعور الذي تثيره فيه رافضا التخلي عنه، لم يستطع أن يفعل ذلك. .إذ لا يجوز أن يضم فتاة مثل كريستن الى صدره، ويمسك بها على مسافة قريبة منه، من دون أن يفصل بينهما حتى نسمة الهواء.....
لا. . شبك يدها بيده و أحاط خصرها بيده الأخرى محافظاً على مسافة كبيرة بينهما لتتمكن حتى لولو من أن تندس إن شاءت ذلك.....
و كم كانت دهشتة كبيرة عندما لاحظ انزعاج كريستن من شهامته:
" إنها الطريقة المثالية للرقص مع جدتك"
وبينما توقع أن تكون متصلبة أثناء الرقص معه، وجدها تتحرك بليونةو اغراء، لتروي ظمأه الشديد و تزيد من حدته في آن معاً. Dalia cool
وبعد أن رقصا معا قليلاً قالت له:"لست بارعاً في الرقص"
- أحاول أن أتذكر ما تعلمته في حصة الرقص في الصف الثامن؟
- ليس بهذه الطريقة.
-كيف ترقص عادة؟
ظن مايكل أنها دعوة صريحة فراح يتخيل ذراعيها المشبوكتين حول عنقه، وجسدها الرشيق الصغير التمايل على مسافة قريبة جداً من جسده . وحاول عبثاً أن يتجاهل هذه الصورة فلم يجد أمامه سوى أن يسرد مغامراته في الصف الثامن:"كان علي أن أرقص مع ميلي مليوورث.....كانت تفوقني ذكاءً، فأمسكت بي بطريقة تنم عن الازدراء".
- أيعقل أن يكون تعذبيك لها هو السبب؟
- لم تدافعين عنها مع أنك لا تعرفينها؟
- أنا لا أدافع عنها لكنني أعتقد أنها ادّعت أنك لاتعجبها لئلا تؤذيها.
أيعقل أن تكون قد اختارت ارتداء الملابس الفضفاضة لتوحي للرجل أن رأيه فيها لا يهمها؟
سألها :"كيف عرفت هذه الأمور عن شخص لم تلتقي به من قبل؟"
- ربما كنت هي.....وأنت جايمس موريارتي.
- لم يساورني شعور بأنه كان أحمق؟
وداس على قدمها الصغيرة الرقيقة برجله فصرخت من الألم.
- آسف.....هل كان أحمق؟
- أجل.
- هل أساء التصرف معك؟
- أجل.
- سأبحث عنه و ألقنه درساً من أجلك.....
و راقت له الفكرة كثيراً ما أثار استغرابه.
- أشكرك لكنني اصبحت فتاة راشدة، ولن أسمح لهفوات الماضي بإزعاجي بعد اليوم.
تغيرت لغة جسدها ما إن ذكرت اسم جايمس ما جعله واثقاً من أنها تكذب.....غير أنه ارتأى الا يلح عليها في هذا الشأن. Dalia cool
- كما أن هذا التصرف لا يتناسب مع روحية العيد.....
- لماذا؟ ماذا تتخيلين أنني قد أفعل إن التقيت بجايمس في زقاق مظلم؟
- ستقدم حتماً على تصرف رجولي فظ.
- دفاعاً عن شرفك. ألا يرضيك هذا؟
كان مايكل قد بدأ يستمتع بالرقص معها إذ جعله يسترخي، كما أحب الشعور الذي أثارته في نفسه يدها المشبوكة بيده وتلك التي ترتاح على كتفة. و تذكر الأيام الخوالي، يوم كان والداه يرقصان معاً و كأنهما يستمعان إلى الموسيقى نفسها، وتغمرهما المشاعر نفسها فأطلق العنان لنفسه و حاول ان يقلص المسافة التي تفصل بينهما، وإذا به يتعثر بكومة من الدببة و يكاد يوقعها أرضاً ما جعله يفلتها رغماً عنه.
بدت كريستن و كأنها نجت لتوها من خطر الموت. وأدرك في الحال أن الرقصة انتهت فقد قرأ ذلك في عينيها. كانت تخشى أن يلحق بها الأذى، ومن الممكن أن يفعل ففي داخله الكثير من الفراغ الذي لا يمكن لشئ أن يملأه.....حتى حب فتاة ساحرة مثلها. Dalia cool
قالت له بصوت مرتجف:"أتعرف ما الذي قد يرضيني؟ أن أنتهي من تغليف الهدايا."
انحنى أمامها و قد قرر أنه من الأفضل ألا يتشاجر معها لاسيما بعد أن غمره شعور غير مرغوب فيه بالأسف.....
ماذا لو كان قد التقى بها قبل وقوع الحادث؟ و قبل أن يخسر كل ما يحبه على عمق أربعين قدماً في البحار؟ لا بد أنه كان ليفضل عليها عارضة أزياء أكثر جاذبية.....
يبدو أن العذاب الذي ذاقه أكسبه القدرة على رؤية ميزات المرأة.....
فقد كان في الماضي شاباً سطحياً يبحث عن اللهو فقط، ولا يحبذ مطلقاً العلاقات الجدية.....
كان يعي تماماً أن كريستن قلبت مقاييس الأمور، فالرقص معها فاق توقعاته لاسيما وأنها تمكنت من مجاراته. .لم يشعر بالفرق بين قامتها الرقيقة الصغيرة و بنيته الضخمة، بل بدت مرنة رشيقة مفعمة بالأنوثة و فائقة الجاذبية. .
سألها قبل أن تتمكن من الفرار منه، وقد رأى شيئاً من الضعف في عينيها:"ماذا تريدين في عيد الميلاد؟"
أجابته بسرعة:" أريد جنياً.....وعدتني بأن تجلب لي جنياً.....سأكون أسعد امرأة في العالم إن تمكنت من العثورعلى جني"
و ما إن تلفظت بتلك الكلمات حتى انكشفت له حقيقة مذهلة. فعلى الرغم من أنها محور هذه النشاطات كلها، وعلى الرغم من أنها تبدو دائمة الانشغال و ذات عزيمة لا تقهر، ومع أن المتطوعين يحتاجون إليها و يحبونها ويقدرونها، ومع أنها أحاطت نفسها بألعاب سحرية تحول الأمنيات إلى حقيقة، لم تكن كريستن موريس سعيدة.....
فعندما نظر في عينيها تمكن من كشف سرها الدفين: كانت كريستن تخشى عيد الميلاد أكثر منه. Dalia cool
لعل اكثر ما تكرهه كريستن في مايكل برويستر هو هذه النظرة التي يرمقها بها في هذه اللحظة و كأنه قادر على قراءة أفكارها.
لا.....هذا ليس صحيحاً.....فأكثر ما تكرهه فيه هو تلك القدرة على جعل السيدة جاكوبز تنفجر ضاحكة، ولولو بيشوب تقهقه والسيدة هندرسون تتحدث عن زوجها الذي توفى العام الفائت.
إن أكثر ما تكره فيه تلك البراعة التي أظهرها في الحصول على هبة تسعى للحصول عليها منذ أشهر طويلة.
إن أكثر ما تكرهه في مايكل هو قدرته على جعلها تحمر خجلاً من خلال إطالته في النظر إليها.....إن أكثر ما تكرهه فيه هو أن أيامها كانت متشابهة قبل وصوله، وفجأة وجدت نفسها ترقص فيما يخالجها إحساس غريب مثير للشفقة، وكأن حياتها بدأت في تلك اللحظة و كأنها ولدت لترقص مع هذا الرجل.....
إن أكثر ما تكرهه في هذا الرجل هو أنها كلما ظنت أنه العابث الأكثر ثقة في النفس في الكون، رأت في عينيه تلك النظرة الشاردة و الطبقة الجليدية في آن معاً.....
قال لها صراحة أنه رجل مرتبط. لكن عندما رقص معها، وأغاظها، ونظر إليها، ولمسها بتلك اليدين القاسيتين من كثر العمل، أحست وكأنه مرتبطاً أو قد لا يكون كذلك..... Dalia cool
من الأفضل ألا يشتري لها هدية لأنها ستكون حتمآ مثيرة للشفقة.
فكلما نظر إليها، أحست وكأن أسرارها الدفينة ظهرت للعلن.....لا.....لم تكن في نظره، أهم من ميلي ميلزوورث، و سيختار لها حتما هدية لا تحمل أي طابع شخصي مثل تلك القفازات أو القبعات التي تصلها في هذه الفترة من السنة، موضبة في علب جميلة.
لن تقول له الحقيقة أبداً.....لن تقول له أبداً أنها لا تبغي شيئاً إلا ذاك الإصدار المحدود من تمثال"الفارس الذي يحمل درعاُ لامعاُ"......كانت واثقة من أنه سيجد مجموعة ليتل مثيرة للشفقة و مضحكة.....
قالت له لولو في اللحظة التي قررت كريستن أن تحتفظ بحبها لمجموعة ليتل لنفسها : "تريد تمثالاُ من مجموعة ليتيل",
رمقتها كريستن بنظرة ساخطة فقد اعتادت المتطوعات أن يتبرعن بالنقود ليشترين لها أحد التماثيل الصغيرة المفضلة لديها.....
لم تلاحظ لولو نظرة كريستن الغاضبة لأنها كانت منهمكة بتزيين العلب بشرائط.
و سألها ضاحكا:"ماذا؟"
لم يكن مايكل أدنى فكرة عن مجموعة ليتل من التماثيل الصغيرة.....لم حملت ضحكتة شيئا من السخرية؟
و فجأة راحت كريستن تسعل فرفعت لولو نظرها إليها لتراها تشير لها بإصبعها مهددة..... Dalia cool
سارعت لولو تقول:"لا شئ.....لم أقل شيئا"
- هيايالول.....قولي لي ما الذي تريده.
- حسنا ظننت أنني أعرف ما تريده لكن يبدو أنني كنت مخطئة. سأعيد مساهات المتطوعين إليهم.
خسرت كريستن بسببه فرصة إضافة تمثال صغير جديد إلى مجموعتها . لكن الأمر يستحق العناء فهي لم تشأ أن يعرف حقيقة افتتانها بمجموعة "لو ليتل".
قال لها بنبرة مرحة:"كنت واثقا من أنك تريدين جرواً ".
أجابته بنبرة تحاكى نبرته مرحاً:"لدي حساسية على الكلاب"
تساءلت كريستن في نفسها ما إذا باتت مرغمة على شراء هدية له بعد أن طرح موضوع تبادل الهدايا. لم ترحب بالفكرة أبداً فالبحث عن هدية له اشبه بكابوس في ظل سعيها لتبدو مهتمة به و ليس متيمة به.
كانت كريستن معتادة على شراء الهدايا الصغيرة للمتطوعين كتعبير عن تقديرها لعملهم. و كم كانت تتمنى لو أنها تصرفت بموضوعية أكبر في السنوات الماضية مكتفية بشراء علب الشكولا أو زيوت الاستحمام.
كلا، كان عليها أن تثبت مكانة كل واحد منهم في قلبها من خلال اختيار الهدية المناسبة له، فاختارت للولو وشاحاً حريرياً، وللسيدة هندرسون كأساً خاصاً بالتوت البري لتضيفة إلى مجموعتها، وللسيدة جاكوبز قسيمة شراء ديك رومي نظراً للعدد الهائل من الأشخاص الذين تطعمهم سنوياً، وللسيدة تامبل جوارب بجهاز تدفئة صغير. Dalia cool
ماذا يمكنها أن تشتري لرجل مثل مايكل برويستر؟
سترة جديدة من الجلد؟ لكن ثمنها باهظ جداً.....بعض الاسطوانات لموسيقى الروك أند رول القديمة؟ لا بد أنه يملك مجموعة كبيرة منها......ربما يمكنها أن تهديه قسيمة لتعلم الرقص.
لو كان حبيبها لملأت جواربه بهدايا صغيرة معبرة، كأسطوانة أغان رومانسية، أو حلوى معدة في المنزل أو ملابس داخلية مضحكة.....
و ذكرت نفسها بأنه ليس حبيبها وبأنه سبق و حذرها من نفسه. وحتى إن لم يفعل لم تشأ أن يدخل رجل حياتها لم تشأ الوقوع في الحب.
من السهل جداً على المرء أن ينسى أن كل شئ يبدأ من هنا: توق شديد لرؤية ابتسامته و عينيه و هما تتأملان كل شبر فيها.....و سرعان ما ينمو هذا التوق ليتحول إلى أحاسيس أخرى كتلك الرغبة في معرفة ما يمكن أن يحصل إن رقصا معا مراراً و تكراراً..... Dalia cool
و قد تنقلب الأمور رأساً على عقب في لحظة فتتحطم المشاعر الهشة.
كان مايكل قد عاد إلى الطاولة المخصصة لتغليف الهدايا حيث حول علبة مربعة الشكل تضم أحجية الى فيل متغضن مستخدماً لهذا أوراق التغليف.
سألها وقد بدا راضياً عن الفوضى التي سببها، وشديد الثقة في قدرته على الاهتمام بالأغراض الأكبر حجماً:"أين الدراجات؟ أريد تغليفها"
إنه خير مثال عن غرور الرجل. فأحابته:"لكن تغليف الدراجات صعب جداً ويتطلب كمية كبيرة من الورق. لذا، نكتفي بوضع عقد عليها".
- لكن ألا تسلمونها عشية عيد الميلاد؟
- بلى.
- لكن الطفل المسكين سيدرك على الفور ما هي هديته. أقصد القول إن عيد الميلاد بالنسبة للطفل أن يبقى مستيقظاً وهو يتحرق شوقاً لمعرفة ما في داخل الرزمة الكبيرة الثقيلة، متلهفا لفتحها في الصباح التالي و تمزيق الورقة التي تغلفها.....هذة هي روحية الميلاد.....يريد أن يمزق الورقة و يزرع الفوضى في المكان و الحماسة تتآكله لمعرفة ما في داخل تلك العلبة.
غير معقول.....هذا ما تكرهه كريستن فيه. فعلى الرغم من سعي الحثيث ليصبح قلبه من حديد، ما زال قادراً على معرفة ما يرغب فيه كل طفل صباح عيد الميلاد...... Dalia cool
كانت كريستن منهمكة في عملها و كأن حياتها تتوقف على تغليف علبة الشطرنج الموضوعة أمامها. و خطر لها أنه من الأفضل ألا ينظر إليها الآن.....لا يا كريستن، لا تمنحيه لذة النظرإليه لتتأكدي مما إذا كان يحدق فيك.
و ارتأت أخيراً أن تلقي عليه نظرة خاطفة فتفاجأت لرؤيته يرفع لها حاجبيه.....
أغمضت عينيها و عندما فتحتهما مجدداً، وجدته ينظر إليها بعينين ثاقبتين. بدا واضحاً أن الفرضيات تراحمت في رأسه، فرضيات تحمل طابعاً شخصيا للغاية. ولا يهم ما إذا كانت صحيحة. و تصاعد الوهج إلى وجهها رافضاً أن يتوقف.
كان يجد لذة لا توصف في تعذيبها و جعلها تحمر خجلا، و هو بارع في ذلك.....كان هذا أكثر ما تكرهه فيه.
- حسنا أعطني دراجة لعينة.
فأجابها موافقا:"هذه روحية الميلاد فعلاً" Dalia cool

============

5- المهمة المستحيلة
خمسة وعشرون يوما قبل عيد الميلاد .
لم يكن مايكل برويستر يملك أدنى فكرة عما ينتظره إذ تحول تغليف الهداياإلى لعنة وجوده ، فمنذ أن أصر على تغليف الدراجات ،أُسندت إليه مهمة تغليفكافة الألعاب الغريبة الشكل والكبيرة الحجم . نونو 2005
كان فى تلك اللحظة منهمكاً بتوضيب دراجة هوائية زهرية اللون، مزودة بعجلات إضافية ليتمكن الطفل من تعليم قيادتها بسهولة .
وبينما هو منهمك بعمله ، خطر له أنه من النادر جداً جمع هذا العدد منالأشخاص المختلفين حول طاولة واحدة : عجائز وشبان ، بيض وسود ، بعضهم سمينوبعضهم نحيل ....
بدت كريستن متألقة فى وسطهم .... وقد حرصت خلال الأيام القليلة الماضية على أن تبدو فى مظهر عادى ، ما أثار ارتياحه ..
ارتدت فى ذلك النهار سروالاً جميلاً من الجينز وسترة وغطاء للرأس وقميصاًملائمة .. كان واثقاً من أنها وضعت بعض أحمر الشفاه اللماع على شفتيها .. لم يكن واهماً على الإطلاق .
أبى مايكل أن يفكر ملياً فى معنى ذلك ، ولكن كلما ازدادت معرفته بها ،كلما استغرب ألا تكون مرتبطة ، فهى فتاة ظريفة ، وذكية وتملك حس فكاهة ،من دون أن ننسى قوامها الرشيق الساحر... صحيح أنها تميل إلى الجدية فىتصرفاتها وتهوى تلك التماثيل الصغيرة المريعة ... نونو 2005
لم ينس مايكل ماقالته لولو ذلك اليوم فقام بعدها ببحث عن مجموعة " لوليتل" مستعيناً بالانترنيت . لقد انفرد لبعض الوقت بلولو وعرف منها الخبراليقين كما تبرع بعشرين دولار مساهمة منه فى الهدية التى سيقدمهاالمتطوعون لكريستن . وعلى الرغم من تأكيد لولو على رغبة المتطوعين فى أنيشتروا لها قطعة من مجموعة "ليتل " ، أثار إصرار كريستن على ألايعرف مايكل ماتريد فضوله .
وفى غضون وقت قصير ، نجح فى التعرف على عالم ليتل كله ، عالم سميدلى ،صاحبالتعبير المتملق الذى ذكره نحوله الشديد بالرسوم المتحركة التافهة ،وهارييت التى لم يفارق ذلك التعبير المبتذل الممل وجهها منذ العام 1957 . نونو 2005
أمل مايكل فى سره أن يكون سبب اهتمام كريستن بهذه التماثيل هو عدم قدرتهاعلى شراء جرو . لكن فى اليوم التالى ، لاحظ وجود أحد هذه التماثيل فىمكتبها ، والأسوأ هو أنها تحتفظ بكتيب فى مكتبها تضعه جانباً كلما رأته فىالجوار .
لكن على الرغم من هذه الغلطة الفظيعة ، ومن تعلقها بتلك الصور غيرالواقعية والمثالية لما ينبغى فى أن يكون عليه الحب ، لم يجد جواباًلسؤاله ... لمَ فتاة مثلها وحيدة ؟
وحيدة ...
نظر من حوله من جديد فأدرك أن الوحدة هى القاسم المشترك بين المتطوعين . نونو 2005
كانت لولو منفصلة عن زوجها ، والسيدة هندرسون ارملة منذ فترة وجيزة . أماالسيدة جاكويز ففقدت زوجها منذ فترة طويلة بينما لم يتزوج السيد تامبلأبداً .
كان يعلم أن كل واحد منهم أعد خطة لليوم المنتظر ، برفقة أفراد العائلةوالأصدقاء ، إلا أن الجميع يبحث مثله عن وسيلة لتجاوز هذه المرحلة بأقلضرر ، فكل فرد فى هذه الغرفة تناسى همومه الشخصية وراح يبحث عن شخص يعانىمن العوز ، شخص يتألم أكثر منه . نونو 2005
هنا ، خلف جدران جمعية بابا نويل السرية ، رأت عائلة جديدة النور ، عائلة احتضنته وفتحت له ذراعيها .
أحس مايكل بنوع من الإلهام ينزل عليه ، وكأنه مكلف بمهمة أعظم من تنميةالعضلات المفتولة ، وأعظم من تغليف الرزم الضخمة ، وأعظم من مهمة البحث عنجنى ... مهمة أعظم من مسألة شفائه .
إنها أعظم من النظر إلى شفتى كريستن والتفكير فى حيل جديدة ومبتكرة لاختلاس النظر إليها ورؤية حمرة خديها .
ولكن عندما تذكر حمرة خديها ، قرر أن يحدق فى شفتيها المطليتين بأحمر شفاه لامع شفاف إلى أن تلاحظ نظراته المتفحصة .. نونو 2005
ونال مايكل مبتغاه إذ صرخت قائلة : " لقد تشققت " .
لكن لم يظهر على وجهها أى أثر للحمرة .
سألها وهو مقطب لتدرك إلى أى حد هو جاد : " إن قُدر لك أن تحصلى على كل ماترغبين فيه فى عيد الميلاد ، فماذا تختارين ؟ "
"أتمنى أن يستلم كل طفل فى هذا الحى هديته وأن أتمكن من العثور على جنى" ...
بدت مصممة على تجاهل عبوس وجهه وتفادى قدر المستطاع التطرق إلى الأمور الشخصية . نونو 2005
"لم أكن أطرح سؤالاً فلسفيا بل قصدت الأمور المادية .."
"فهمت" .
وإذا أرادت أن تخفف من حدة كلامها ، ابتسمت له ابتسامة عريضة ، ابتسامة تحمل الكثير من الجرأة والأذى ....
تجاهل مايكل كريستن ، ووجه سؤاله للسيدة هاندرسون قائلاً : " ماذا عنك سيدتى ؟ "
فكرت السيدة هاندرسون ملياً قبل أن تجيبه : " أتعلم ما أريده فى عيدالميلاد ؟ أريد شوكولا ألمانية . قبل زواجنا ، أرسل لى إيدى بعضاً منهاخلال إقامته هناك . واعتاد فى كل سنة أن يشترى لى القليل منها .. إنهاتأتى فى علبة رقيقة كتب عليها " شكراً " باللغة الفرنسية " . نونو 2005
وتابعت تقول : " تحمل الشوكولا الألمانية اسماً فرنسياً وأقسم أننى كنت أستيقظ أحياناً فى الليل وأنا أتحرق شوقاً لتذوق طعمها ."
خيم صمت مطبق على الجميع خرقته لولو قائلة : " من جهتى ، أتمنى أن أحصلعلى جهاز لتدليك القدمين وأصابع الرجلين . ألا يبدو ذلك أشبه بالجنة ؟ لاأظن أن هذا الجهاز سيثير المتاعب بقدر الرجل " . نونو 2005
وانفجرت ضاحكة وشاركتها كريستن الضحك بحماسة لا تتوافق مع الفكرة التى أوحى بها تعليقها ..
عندما توقفتا عن الضحك ، بدأت صورة مهمته تتوضح وكأن شعاعاً براقاً يضاهى بريق النجمة التى تبعها الرجل الحكيم ، قد سُلط عليها..
لقد قاده القدر إلى هنا ليكون بابا نويل العاملين فى هذه الجمعية ، كانعليه أن يؤمن لهؤلاء المتطوعين الطيبى القلب ، الهدايا التى يحلمون بها فىعيد الميلاد .
يمكنه أن يرسلها إلى مركز العناية المترف فى ميتشيغن ... كانت والدته تحتفظ بكتيب عنه ، ويمكنه العثور عليه ..
أعجبته الفكرة كثيراً : سيرسل لولو إلى المكان الذى لطالما حلمت به والدته من دون أن تأتى على ذكره أبدا . نونو 2005
كانت السيدة جاكويز تتمنى أن يعود ابنها من الخارج برفقة حفيدها المنتظر .. حفظ مايكل كلام كل واحدة منهن واحس بالدفء يغمره وكأن أحدهم حرص علىضبط الحرارة باستمرار فى المكان ...
لأسابيع قليلة خلت ، كان رجلاً لايشعر بالحرارة . وهاهو الآن يشعر برغبة فى تمزيق قميصه من شدة الحر فى داخله ..
سألها أخيراً بعد أن أفضت إليه النساء الثلاث بما يحلمن به فى عيد الميلاد : " ماذا عنك ياكريستن ؟ "
"سبق وقلت لك إننى أريد جنياً" .
"إننى جاد فى ما أقوله" . نونو 2005
أجابته بحدة : " حسناً .. أريد فارساً راقصاً يرتدى تنورة زهرية اللون " .
انفجر الجميع بالضحك باستثنائه هو . بدا واضحا أنها تحاول المراوغة لأنها لاتريد أن تفصح لأحد عما تريده فى عيد الميلاد .
"أعلم أنك تحبين مجموعة " لو ليتل " من التماثيل الصغيرة لكن يؤسفنى أن أقول لك إنها سخيفة" .
"كيف عرفت هذا ؟"
"سمعت ما قالته لولو فى تلك الليلة قبل أن تسكتيها وتهدديها بقطع رأسها ... أهذه هى روحية الميلاد ؟"
حملقت فيه غاضبة ولكن من دون أن تتفوه بكلمة ..
"رأيت واحداً منها فى مكتبك .. فضلاً عن الكتيب ."
ليتها تخبره ماهى القطعة المفضلة لديها بدلاً من الجلوس أمامه وفى عينيهاتلك النظرة العنيدة ... ربما كان من الأفضل لمايكل أن يرضى غرورها ويشترىلها ماترغب فيه متغاضياً عن ميوله الشخصية ... نونو 2005
هذا جزء من الإلهام الذى نزل عليه : فالميلاد الحقيقى يعنى أن يتناسىالمرء رغباته الشخصية فى محاولة منه لإرضاء رغبات الآخر ، وعاد بالذاكرةإلى الماضى يوم قرر بالتواطؤ مع أخيه براين أن يشتريا لوالدتهما بندقية منعيار 22 مطلية بالفضة .
لكن كريستن بدت مصممة على جعل مهمته مستحيلة ، فقالت له بشئ من الحدة : " لا أريد شيئاً منك " .
ربما كان يفترض به أن يشعر بالإهانة لكن عندما رفع نظره إليها تساءل فىسره ما إذا كانت ترغب فى أى شئ على الإطلاق . لعلها تتخذ من مجموعةالتماثيل كحجة تتذرع بها لأنه ليس لديها ماتفكر فيه . نونو 2005
يا لسخرية القدر! فهذه المرأة الشابة كانت قادرة على العطاء لكن من دون أن تأخذ أى شئ فى المقابل .
فى تلك اللحظة ، قرر مايكل أن ينطلق فى رحلة لسير أغوار رغباتها الدفينة وتحقيق كل ما تريده فى عيد الميلاد .
لذا تجاهل ما قالته قبل قليل وقال لها موبخاً " هيا ، اعترفى . لا شك فى أنك ترغبين فى شئ أكثر أهمية من تلك التماثيل الصغيرة " .
وإذ لاحظ أن تعليقه لم يجعلها تضحك ، شعر بالإحباط من محاولته البائسةلاستدراجها وجعلها تتكلم . وتبين له فى تلك اللحظة مدى تعلقها بتلكالتماثيل ، وأنب نفسه لأنه بدأ رحلته بالاستهزاء بها . نونو 2005
ألم يكن حرياً به أن يشترى لها قطعتين من تلك المجموعة اللعينة وينتهى من المسألة ؟
وفى الأيام القليلة التالية ، بدا له أنها مصممة على ألا تخبره شيئاً عننفسها ، على الرغم من مساعيه الحثيثة الفائقة الرقة لجعلها تتكلم ..
"حسناً يا كريستن .. هل فكرت فى هدية عيد الميلاد ؟"
"لم يغمض لى جفن طوال الليل وأنا أفكر فى الموضوع".
رماها بنظرة ساخطة وقد أدرك أنها تنوى أن ترد له الصاع صاعين وتجعله يتذوق معنى الاستهزاء بالآخر . نونو 2005
"إذن؟"
أجابته بنبرة مزعجة : " السلام فى العالم " .
"هل تنوين المشاركة فى مسابقة ملكة جمال أمريكا ؟"
انفجرت ضاحكة وأجابته قائلة : " نعم ... الفتاة الأبعد ما يكون عن الفوز بهذا اللقب " .
أجابها متمتماً : " وهذا مؤسف أيضاً " .
"صحيح".
قال لها بعناد : " إننى جاد فى ما أقوله " .
سألها وقد ارتأى أن يسلك مساراً آخر : " ماهى الهوايات التى تمارسينها بعيداً عن هذا المكان ؟ "
لم يكن سؤاله حاذقاً بما فيه الكفاية فابتسمت له كريستن ابتسامة عريضة وكأنها تستعد لتوجيه ضربة جديدة إليه . نونو 2005
"أقرأ الكتب .. الكتب" .
"اسمعى .. إن كنت أعمل نجاراً فهذا لايعنى أننى أحمق".
بدت مفعمة بالحماسة وهى ترد له الكيل كيلين كلما حاول إغاظتها ، لكنها أفسدت الأمور بارتباكها .
"آسفة ، لم أقصد ذلك".
جيد .. عليه أن يستغل هذه اللحظة المؤثرة .
"يمكننى أن أسامحك إن أخبرتنى"...
خطر له للحظة من اللحظات أنه نجح فى إحراز نقطة لصالحه ، إلا أنها سارعتإلى الرد : " قل لى أولاً ... ما الذى تريده أنت فى عيد الميلاد ؟ "
فاجأه سؤالها .. ما الذى يريده فى عيد الميلاد ؟ لم يكنيريد شيئاً ... فهو رجل ثرى ويمكنه الحصول على كل ما يرغب فيه . ومع ذلك ، لميكن قادراً على أن يشترى مايرغب فيه فقلبه مشتاق إلى عائلته ، وعقله مثقلبالذكريات الجميلة : من شجرة عيد الميلاد الضخمة التى كانت والدته تصر علىتزيينها سنوياً إلى الهدايا السخيفة التى كان أخوه يشتريها له ، وحماسةوالده للمفاجأة التى يعدها لزوجته . نونو 2005
وعلى الرغم من أن مايكل لم يكنيعى ذلك حينها ، إلا أن هدية والدته شكلت محور صباح الميلاد إذ كان والدهينتظر ريثما ينتهى الجميع من فتح هداياه ليسلم زوجته هديتها على طريقتهالخاصة ..
"افتحيها ... افتحيها يا أيلين".
وكانت نبرة صوته تفضح مدى قلقه من ألا يكون قد أحسن الاختيار .
أدرك مايكل الآن طبعاً أنها كانت من النوع الذى يبدو أنه يحب البنادق ... فالقرطان الكبيران المرصعان بالزمرد اللذين حصلت عليهما لم يعنيا لهاالكثير . وينطبق هذا على عقد الماس الذى تلقته بعد ازدياد محصول الصيد . نونو 2005
وتراءت له صورة والدته وهى تصرخ مصعوقة والدموع تترقرق فى عينيها المفعمتين بالحنان ...
"ما الأمر يا مايكل ؟"
عاد إلى أرض الواقع ليجد عينين واسعتين تنظران إليه بقلق ...
أحاطت كريستن معصمه بيدها وكأنها تذكره كم يعشق لمستها ويحن إلى الرقص معها من جديد .
"لاشئ".
كان عليه أن يهرب من تلك النظرة التى رآها فى عينيها بأى ثمن .
"ما كان سؤالك ؟"
حاول أن يراوغ بعض الشئ ليتمكن من استعادة رباطة جأشه.
"ما الذى تريده فى عيد الميلاد ؟"
كانت تنظر إليه بحذر من دون أن تبعد يدها عن معصمها . كيف يعقل أن تنبعثمن هذه اليد الدقيقة هذه القوة كلها ؟ كيف يُعقل أن تؤجج هذه اللمسةالبسيطة نيران الشوق فى داخله ؟
أجابها فى محاولة منه لإغاظتها : " أريد امرأة جميلة " .
غير أنها لم تفعل بل حدقت فيه قائلة من دون أن تبعد يدها عن معصمه : " سيجد بابا نويل صعوبة فى وضعها فى جواربك " .
"يمكنه تركها عند عتبة الباب .. حان الآن دورك" . نونو 2005
"إن كان القمر مصنوعا من الجبنة الفرنسية ، فأريد قطعة منه".
"لست أدرى لما تثيرين كل هذه المتاعب للرد على سؤال بسيط" .
"وأنت أيضاً".
"جواب .. واحد .. بسيط"
أجابته برقة : " أنا امرأة معقدة " .
"لست أمزح".
حسنا ، لعل دور بابا نويل الذى تلعبه يفرض عليها أن تعبث قليلاً ... لميكن أمامه سوى أن يتسلل إلى مكتبها فى المرة المقبلة التى تخرج فيهاللتبضع ... نونو 2005
وتماماً كما توقع . إنه كتيب مجموعة " لو ليتل " ماترميه بسرعة فى الدرجكلما دنا من مكتبها . كان الأمر أسوأ مما توقع فالكتيب مخصص للهواة ، وفيهصفحة بالية تعود لتمثال " الفارس ذو الدرع اللامع " ... تمثال هو الأسوأفى مجموعة ليتل بالنسبة إلى مايكل .
بعد أن تمكن بصعوبة من قراءة المعلومات المدونة على الورقة البالية ، تبينله أن هذا التمثال متوفر بنسخ محدودة ، مايعنى أن على الهواة أن يسارعواإلى شراء هذه القطع . شعر مايكل بالتململ وقد أدرك أن الأمر ليس مجردإعلان وأن هذه النسخ ستنفذ من الأسواق فور طرحها .
فتح الصفحة الأولى من الكتيب للتحقق من التاريخ . لقد فات الأوان وبات من المستحيل العثور على أى نسخة منه . نونو 2005
شعر مايكل بالمرارة لأن ألفى نسخة فقط من هذا التمثال ستباع فى العالم كله . شعر بالمرارة لأن رغباتها كلها صعبة المنال ، بدءاً من الجنى وصولاً إلىهذا..
راهن مايكل على أنه من الصعب العثورعلى رجل واحد يهوى جمع هذه التماثيلفالرجال لايفكرون بهذه الطريقة .. هز رأسه ساخراً .. " فارس بدرع لامع " ... ما هذه السخافات!
لاعجب أنها أبت أن تطلعه على ماتريده فى عيد الميلاد فالأمر يسبب لهاالإحراج . ومع ذلك ، بات بإمكانه القول إنه تمكن من إكمال لائحة هداياالميلاد . فقد عرف ما ترغب فى الحصول عليه وما من شئ مستحيل بالنسبة إليه ... غمره شعور بالتفاؤل وحتى بالسعادة .. نونو 2005
مد مايكل يده ليقفل درج مكتبها فلفت انتباهه شئ آخر . التقط ببطء ملفاًكُتب عليه " الأحلام المستحيلة " ... أهى أحلام كريستن المستحيلة ؟
فتح الملف على مضض ووجد فيه طلبات مستحيلة فعلاً ...
صرخت كريستن ساخطة : " ما الذى تفعله هنا ؟ "
لم تكن واثقة ما الذى دفعها إلى طرح هذا السؤال وقد بدا واضحاً أن مايكليجلس مسترخياً خلف مكتبها يقلب فى أوراقها .. كيف يعقل أن يثير هذا الرجلارتباكها فى حين أنه هو المخطئ ؟
سألها : " هل أنت محطمة الفؤاد ياكريستن ؟ " . نونو 2005
حبست كريستن أنفاسها . ما الذى عثر عليه فى مكتبها وساعده على اكتشاف أسرارها الدفينة ؟
اجل ، كانت محطمة الفؤاد . يمكنه أن يلح عليها إلى مالانهاية ليعرف ماتريده فى عيد الميلاد ، لكنها قررت الاحتفاظ بالحقيقة لنفسها فما تتمناهمن صميم قلبها صعب المنال وهى تدرك ذلك .
من المؤكد أنها ترغب فى الحصول على تمثال " الفارس ذو الدرع اللامع " لأنه قد ينسيها ما ترغب فيه حقاً لأسبوع أو أسبوعين ... نونو 2005
كانت تتمنى من صميم قلبها أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه قبل أن يصبحابن أختها مقعداً ، وقبل أن يتخلى كينت عن عائلته بتلك الطريقة البشعة .. كانت تحلم بأن تعود المياه إلى مجاريها بين بيكى وكينت ... فعلى الرغم منزوال الحب الذى جمع والديها ، وعلى الرغم من خداع جايمس لها وانفصال بيكىوكينت ، تمنت فى سرها ألا تفقد إيمانها بالحياة .
قالت له بحزم : " لا أحبذ وجودك فى مكتبى وتدخلك فى شؤونى " .
"لا داعى للانفعال وكأننى فتحت درج ملابسك الداخلية" .
كان يتأملها بإمعان ودقة وتمنت لو تستطيع أن تهرب مما قرأته فى عينيه .
لن يرتاح باله قبل أن يعرف كل شئ عنها ، ويكتشف حقائق أبت الاعتراف بها حتى لنفسها ... نونو 2005
قال لها فجأة : " لا أحد يتألم سواك " .
توقف قلبها عن الخفقان . كان على علم بالأمر ..
"وهذه هى السبب .. رباه! من الصعب تحقيق هذه الأمنيات".
كانت نظراته توحى بأنه اكتشف سرها ، السر الذى أخفته عن العالم أجمع .. فعلى الرغم من أنها محاطة بأشخاص يهتمون لأمرها ، وعلى الرغم من أنها تزرعالفرح فى عالم ملئ بالأسى ، كانت أضعف من أن تتحمل موسم الأعياد .. نونو 2005
فقد تعرض ابن أختها " غرانت " لحادث سير فى عيد الميلاد ..
ورفع مايكل الملف عالياً فتنفست كريستن الصعداء وقد أدركت أنه لم يكتشفأسرارها الشخصية بل اكتفى برفع النقاب عن الأحلام المستحيلة ..
عندما خيل إليها فى لحظة من اللحظات أنه عرف الحقيقة كلها ، هل شعرتبالأسف أم بالارتياح لأن أعباءها لم تعد ثقيلة الحمل ؟ ولأنها لن تبقىوحيدة مع حلمها الأبدى بأن تسير الأمور على خير ما يرام ، هذا الحلم الذىيستحيل تحقيقه ؟
قرأ مايكل بصوت عال : " عزيزى بابا ، أصيب أخى برصاصة فى رأسه ويحتاج إلى دماغ جديد . مع حبى ، جيوف " .
قالت له هامسة : " عرفت الآن سبب اليأس الذى يتملكنى فى فترة الميلاد " .
أحست بأنها تكذب كذبة مريعة لاسيما وأن قدرها بات مرتبطاً بقدر أولئك الأطفال وأحلامهم المستحيلة . نونو 2005
هذه هى الطريقة التى كانت تعتمدها فى محاولة منها لإصلاح الأمور. لكن فىاللحظات الأكثر صدقاً ، كانت تعى أن محاولاتها كلها مهددة بالفشل ، وعلىالرغم من ذلك ، لم تشأ أن تفصح عن مكنونات قلبها لمايكل . وقد لاتفعلأبداً . لعله يظن نفسه قادراً على تحقيق المستحيل ولكن لا أحد يستطيع أنيعود بالزمن إلى الوراء .
قرأ الرسالة التالية : " عزيزى بابا نويل ، توفيت والدتى السنة الماضية : هل هى فى الجنة ؟ " .
أطلق شتيمة خافتة ... نونو 2005
"لا تفعل يا مايكل".
حملق فيها غاضباً وتابع قراءة الرسائل الواحدة تلو الأخرى ..
"لحسن الحظ أن الأحلام الخاصة بزيارة ديزنى لاندمقابلة نجوم أبطالالرياضة ممكنة نوعاً ما . ما الذى سنفعله فى هذا الشأن يا كريستن ؟"
نحن ؟؟
وإذ ارتأت أن تلتزم الصمت ، استطرد قائلاً : " لايجوز أن ندع هؤلاء الأطفال يظنون أن أحلامهم مستحيلة " .
حمل استعماله لصيغة الجمع شيئاً من الإغراء ..
"لا اصدق أن أحدهم طلب الذهاب إلى الجنة لرؤية والدته".
حسناً ، عليه أن يتقبل أن بعض الأحلام مستحيلة .. هذه هى الحياة! نونو 2005
"إنه طلب صعب جداً".
"ولا يمكننا أن نرسل أحداً إلى ديزنى لاند".
سألها بعناد : " لمَ لا ؟ "
"إن فعلنا يا مايكل فسينقلب العالم رأساً على عقب . وفى السنة المقبلة ،ستنهال علينا طلبات السفر إلى ديزنى لاند . وإن تمكنا من تحقيق رغبة طفلواحد ، فسنخيب آمال الآلاف سواء..
"تحملين أعباء العالم كله على كتفيك ، أليس كذلك ؟"
كم كانت تكره هذا! كانت تكره طريقته فى جعلها تدرك أن أحلامها المستحيلةليست بعيدة المنال ، وأن الحب موجود فعلاً مع أنها رأت أدلة كثيرة تؤكدأنه قابل للانهيار بلمح البصر ..
ولم تكن على استعداد أبداً لتحمل هذه المشاعر . لم تشأ أن تؤمن بأنالأشياء المستحيلة يمكن أن تتحقق .. والأمل هو أخطر المشاعر على الإطلاق .. نونو 2005
صحيح أنها رحبت بمايكل فى عالمها ، وعلمته كيف يتعامل مع هذه الأزمة ،واستقبلته كفرد من عائلتها الصغيرة فى المكان الذى يشعرها بالأمان إلاأنها نادمة على ما فعلته لأنها فقدت الإحساس بالأمان مع وجوده قربها . أرادت أن تصلح عالمه لكنها لم تكن تتوقع أن يشكل هذا خطراً على عالمها ..
كان يثير فيها توقاً إلى أمور أبت أن تؤمن بها ، من ذراعين قويتين تحتضنانها فى الليل ، إلى شخص تؤمن به ويشاركها همومها .. نونو 2005
كان يثير فى داخلها رغبة ملحة فى أمور خيل إليها أنها رمتها جانباً ،كالحاجة إلى الإحساس بالأمان ، والحماية والحب .. الحاجة إلى استعادةثقتها بالعالم ، والرجال وحتى بنفسها ..
وتذكرت فى تلك اللحظة الغضب الذى تملكها عندما دخلت مكتبها ووجدتهمسترخياً على كرسيها . لكن عندما رأت التعبير المرتسم على وجهه وهو يقرأتلك الرسائل ، كبحت غضبها .. كيف يقدر على قلب الأمور رأساً على عقب؟ يبدوجلياً أنها وقعت تحت تأثير سحره ... نونو 2005
فنظرة العزم التى قرأتها فى عينيه أكدت لها أن مايكل برويستر يأبى أن يتقبل أن فى العالم مايُسمى مستحيل .

===============

6- الحلم المستحيل
ثمانية عشر يوما قبل حلول عيد الميلاد ..
"بقي أمر أخير قبل أن تقفل . أريد أن أريك شيئا يا كريستي ".
بذل مايكل جهده ليتكلم بنبرة عادية لكن المشاعر التي تضاربت في داخله جعلته يقدر ما كان يشعر به والده صبيحة كل عيد ميلاد حين يحتفظ بمفاجآة العيد الخاصة للحظة الأخيرة . صحيح أنها ليست المفاجأة التي يعدها لها في عيد الميلاد لكنها مجرد خطوة تمهيدية لها ....
"نقفل ؟ لا أريد أن اقفل الآن .. أريد البقاء هنا" ..
"لكن الساعة قاربت منتصف الليل"
دارت حول المركبة قائلة : "إنها الأجمل على الإطلاق".
كلمات الإطراء هذه كانت كافية لجعل أي رجل يشعر بالغرور . عند رؤيته المركبة القديمة للمرة الأولى ، تملكه الرعب وتساءل في سره كيف يمكن الا يتعرض المرء للأذى فيها ؟ ولم يجد أمامه سبيلا سوى أن يفككها ويعيد بناءها من جديد بمساعدة عدد كبير من الأيدي .
بدت المركبة الجديدة أشبه بتحفة فنية : بدءا من مقعد السائق المخملي حيث يمكن أن يستريح بابا نويل ، وصولا إلى الأرضية المكسوة بالسجاد ليتمكن الجني في حال العثور على شخص مناسب للعب هذا الدور ، من نقل الهدايا ، مرورا بالصناديق الضخمة المطلية بألوان زاهية لتوضيب هدايا الأطفال فيها .
غادر المتطوعون كلهم المكان وعادوا إلى منازلهم بعد أن عملوا لساعات طويلة على ترتيب المركبة . من المتوقع أن يسجلوا رقما قياسيا جديدا هذه السنة فقد تمكنوا من تحقيق أماني أكثر من ألف ومئتي طفل .
في الواقع ، كان الفرح الذي عمر قلب مايكل بعد أن وضع اللمسات الأخيرة على المركبة لا يوصف ، ويشكل ما هو على وشك ان يقدمه لها أعظم إنجاز له في جمعية بابا نويل السرية حتى الساعة. فمع حلول ساعات المساء الأولى ، أحضر صندوقا كبيرا جدا ووضعه قرب الباب . وها هو الآن يضعه أمامها ، ويتراجع خطوة إلى الخلف لتسنى لها أن تلقي نظرة على محتواه .
سألته : "ما هذا ؟ "
"الحلم المستحيل رقم اثنى عشر .. أماندا واتسون ، ست سنوات ".
" ديزني لاند ؟"
ورمقته بنظرة مشككة ، نظرة ما لبثت أن تلاشت وهي تفتح العلبة لتحل محلها تلك التي انتظرها طويلا أو ربما عاش ليراها ! إذ سرعان ما انفرجت أساريرها وأشرق النور من تلك العينين اللتين خلقتا لتضحكا لكن القدر لم يفسح أمامهما المجال لتفعلا ذلك .
أعلن بنرة رضا : "ديزني لاند .. ديزني لاند في الصندوق".
قالت لاهثة :" انظر الى ورق الجدران".
على الرغم من لحظات الإحباط التي مر بها خلال الأيام الثلاثة التي أمضاها في البحث عن هذه الهدية المميزة ، إلا أنه أدرك من التعابير التي ارتسمت على وجهها أن الأمر استحق العناء . كان ورق الجدران يحاكي في تفاصيله قصر الأميرة النائمة في ديزني لاند . ولم ينس مايكل أغطية السرير ، والوسائد والغطاء الذي حيكت عليه شخصيات ديزني المحببة، فضلا عن مجموعة من الدمى المصنوعة من القماش والتي تجسد بدورها الشخصيات الأكثر شهرة .
أما الجزء الأفضل والأهم فاحتفظ به للنهاية . كان يتأمل وجه كريستن بحنان وهي تخرج من أسفل الصندوق زي الأميرة : فستان من التفتا والساتان مزين بشرائط ، وتاج مرصع بالجواهر فضلا عن حذاء خفيف مصنوع من البلاستيك الشفاف يمكن لمخيلة الطفلة الخصبة أن تحولة إلى حذاء من زجاج .
حملت الفستان بين يديها وقالت له وقد اغرورقت عيناها بالدموع : "كيف عرفت أن الفتيات الصغيرات يعشقن هذه الاشياء ؟"
"يبدو أن بابا نويل يهمس في أذني ".
بدا متفاجئا مثلها تماما ، من الوحي الذي أنزل عليه لتنفيذ المهام المتعلقة بالأحلام المستحيلة .
تنهدت كريستن وظهرت نظرة القلق في عينيها من جديد .
"هذا كثير لطفل واحد ".
وأضافت على مضض : "علينا أن نقسم الهدايا .. فهذه الأغراض تكفي لأكثر من" ....
قاطعها قائلا بحزم : "على جثتي".
اختفى القلق من عينيها وانفجرت ضاحكة وقالت : "أتخيل أنك كنت متحمسا جدا عند اختيارك هذا الفستان ، أليس كذلك؟"
"عندما حملت التاج ، نظرت من حولي فوجدت النساء في المتجر يبتسمن لي وكأنني أرق إنسان على الأرض" .
"التاج ؟"
"لم تفارق رسوم أماندا التي تعج بالقصور وشخصيات الرسوم المتحركة وسندريلا ، خيالي لحظة واحدة . ومن خلال تركيزي على الفتاة ، تمكن من اجتياز هذه التجربة بسلام . لا يجوز أن نخدع الفتاة التي أنقذت حياتي ، ألا توافقيني الرأي ؟"
"حسنا مايكل . لك ما تشاء ".
أقرت كريستن بانتصاره بكل طيبة خاطر . يخطئ من يظن أن حصول أماندا على كل الأغراض يعني أن الأطفال الآخرين لن ينالوا نصيبهم ..كلا .. لن يسمح بحصول هذا .
ضحكت كريستن من جديد ، فأحس بأن كل لحظة عذاب ذاقها في ذلك المتجر المخصص للفتيات الصغيرات استحقت العناء .
قالت له وهي تلوح بالفستان : " ليتني كنت موجودة أثناء شرائك الفستان ".
"أجل .. أنت وعشر نساء أخريات .. شعرت بالكثير من الحرج لأن شخصية سندريلا ليست مألوفة بالنسبة إلي .لكن المهام الأخرى كانت أكثر سهولة" .
ولتحقيق الحلم المستحيل الثالث ، حيث تمنى أحد الصبية أن يقابل أحد أهم لاعبي كرة السلة ، أجرى مايكل بحثا على الانترنيت ونجح في الحصول على صورة موقعة منه . بعدئذ ، قصد أحد المتاجر واشترى قميصا قطنيا خاصا بالفريق يحمل الرقم ثلاثة وعشرين .
لكن ما حصل له كان غاية في الغرابة . أراد مايكل أن يخفف عن كريستن عبء ملف الأحلام المستحيلة الذي يسبب لها الحسرة ، وهو يدرك تمام الإدراك أن الأمر لن يؤثر فيه لأن قلبه مات من زمن بعيد. وكم كانت دهشته عظيمة حين أدرك مدى تعلقه بملف الأحلام المستحيلة !
فمن خلال سعيه لتحقيق الأماني الصعبة ، أحس بالحياة تدب في قلبه من جديد كما لم يشعر منذ انتشلوه من المياه ..في الحقيقة ، كانت بعض الألام مستحيلة فعلا فليس بمقدروه أن يؤمن دماغا جديدا لشقيق جيوف أو أن يعيد أما من الجنة . لكنه يستطيع أن يساعد ولو قليلا : فشقيق جيوف سيخضع لعلاج مكثف كما أن متجرالحلوى وافق على تسليم البسكويت المغطى برقائق الشوكولا مرة في الأسبوع للطفل الذي فقد والدته .
تمكن مايكل من توقع التعبير الذي يرتسم إلى وجه كريستن كلما شطب أمنية أخرى من اللائحة بعد أن يجد لها حلا . وكان يشعر بنفسه وكأنه عملاق لا يقهر ، ويشعر برجولته كما لم يشعر بها يوما .
"علينا أن ننصرف يا مايكل .. تجاوزت الساعة الثانية عشرة" .
أقر في سره بأنها على حق لكنه لا يرغب في ترك هذا المكان أو تركها .
"لكن المعجزات تحصل في هذه الساعة بالذات .. أراهن بأن هذا الحذاء الخفيف يناسب مقاس قدمك" .
شعرت كريستن بغصة في حلقها وراحت تنظر من حولها مرعوبة وكأنها أرنب صغير في مواجهة مجموعة من كلاب الصيد الشرسة . وتمنى في سره لو يستطيع أن يطرد هذه الفكرة من رأسها ويجعلها تقدر جمالهاالخارجي . إلا أنه يعلم أنه لن يتمكن من أن يثبت لها العكس إلا بطريقة واحدة ، ما سيزيد هذا الموقف تعقيدا .
وارتأى ان ينصرف بشهامة ففتح الباب الأمامي لها وغير الحديث قائلا : "وجدت حلا للحلم المستحيل رقم ستة"...
لكن وقبل أن يتسنى له الكلام ، حملت كريستن بعض الثلج في يدها وكورته ورشقته به .
وبدأت حرب التراشق بكرات الثلج فراحا يلاحقان بعضهما البعض في الشارع المقفر .. فاجأته كريستن بقوتها رغم أن مظهرها يوحي بأنها لم تمارس لعبة كرة السلة قط في حياتها .
دار مايكل حول نفسه وصوب كرته نحوه ، إلا أنها أخذته على حين غرة وأصابته إصابة مباشرة في وجهه قبل أن يتمكن من رمي الكرة . مسح آثار الثلج عن وجهه وسدد نحوها ضربة قوية لكن الآنسة كريستن موريسون تمكنت من تفاديها بمهارة .
تردد صوت ضحكاتها في الشوارع الخالية من الناس .. لم تكن طبقة الثلج السميكة قد تلطخت بعدبالوحل من أقدام المارة وعجلات السيارات فأضفى الثلج على ذلك الشارع الكئيب لمسة بيضاء براقة وساحرة . كان واثقا من أن شعورها سيكون مماثلا إذا ما عانقها . لكن ماذا عن شعوره ؟ هل هو مستعد للانقلاب الذي سيحدثه في عناقها ؟
مع بزوغ شمس كل يوم جديد ، كانا يتقربان من بعضهما البعض أكثرفأكثر ليشكلا معا فريقا متضامنا ، هدفه الأساسي زرع بهجة الميلاد في تلك الشوارع العنيفة .
وعندما تذكر أعمال العنف التي تشهدها الشوارع ، أدرك أنها ابتعدت قليلا عن حمايته . ففي ليال كهذه ، اعتاد مدمنو المخدرات والكحول البحث عن ملاذ لهم في المداخل ..ناداها قائلا :" اسمعي .. عودي إلى هنا .. سنعقد هدنة".
نظرت إليه من فوق كتفها فرمى كرة الثلج التي كان يحملها في يده على الأرض ورفع يديه مستسلما .
مع ارتفاع عدد الهدايا إلى الألف ومئتي هدية ، ومرور الأيام بسرعة البرق ، بلغ حجم الأعمال حدا مستحيلا ، فوجدت كريستن نفسها مرغمة على البقاء في المكتب حتى ساعة متأخرة من الليل . ولم يكن مايكل يفارقها قبل أن يتأكد من أنها في أمان .
عبرت الشارع متجهة نحوه ويداها في جيبي سروالها وقد تجمدتا من البرد . ومالت بذقنها نحو الأمام والتقطت ندف الثلج بلسانها .بدا واضحا أن أملها خاب عند إعلانه الهدنة .. من أين تستمد هذه الطاقة كلها ؟ فهما يعملان ست عشرة ساعة في اليوم على الأقل .
اقترب منها فلاقاها في منتصف الطريق وأخرج يديها المتجمدتين من جيبي سروالها وأمسك بهما وراح ينفخ عليهما ليبعث فيهما الدفء .
لم يكن مايكل الذي عهدته رقيقا إلى هذا الحد ، لكن مايكل الذي عهدته كان حاضرا في تلك اللحظة ليلاحظ التعبير البادي على وجهها ويحاول استغلاله .
سألها من دون أن يتوقف عن النفخ على يديها : " ما الذي تريدينه في عيد الميلاد ؟"
وتجلت له الحقيقة فجأة في ظلمة الليل الحالكة ، وأدرك في تلك اللحظة أنه وقع في غرامها . إلا أن هذه الفكرة لم تثر الرعب في نفسه أوتجعله يلوذ بالفرار .
راح مايكل يفكر وقد غمره سكون داخلي وهو ينفخ على يديها متأملا عينيها الرماديتين اللتين أصبحتا مألوفتين جدا .
"يمكنني الاكتفاء بما تفعله الآن".
ثم راحت تغني بصوت مريع : " ليلة عيد .. ليلة عيد".
"أنا جاد في ما أقوله" .
"وأنا أيضا".
"هيا يا كريستن ، أخبريني".
وتنبه في تلك اللحظة إلى أنه يتوق إلى سماعها تقول ما يوحي باستعدادها لاحتضان تلك المشاعر الجميلة التي تنمو بينهما ، شيء يوحي بأنها يمكن أن تأتمنه على ذاتها ، حتى وإن كانت ترغب بشدة في الحصول على تمثال"الفارس ذو الدرع اللامع" .
اكتشف مايكل أن البحث عن هذا التمثال يضاهي في صعوبته البحث عن الجني ، فالهواة يتحولون إلى اشخاص سيئي الطبع إذا ما حاول أحدهم المس بمجموعتهم .
قالت له بنبرة امتزج فيها الأمل بالحزن : " يوم واحد .. جل ما نقدمه لهم, يوم واحد من البهجة . ليتنا نستطيع أن نقدم لهم أكثر".
"مثل ماذا ؟"
ترددت قليلا ثم رمقته بنظرة أكدت له أنها ليست واثقة بعد ما إذا كان بإمكانها أن تأتمنه على أسرارها وأحلامها وخططها .
حبس مايكل أنفاسه . وحين سمعها تتنهد حذا حذوها .
"رأيت عند طرف الشارع بناءا معروضا للبيع فأعجبني متجره الصغيرذا الواجهة الكبيرة . أظن أنه كان متجرا للسكاكر . وحلمت بشرائه وتحويله إلى قاعة للمطالعة ، قاعة فسيحة فيها أرائك وثيرة ووسائد وكتب ، فضلا عن طاولة في الزاوية للوجبات الخفيفة والفواكه . إنه حلم بسيط وسخيف لكنه مستحيل .
وتلاشى صوتها ، فطرفت بعينيها ولذلك جهدا لتضفي على نبرة صوتها طابعا عمليا وهي تضحك بتراخ قائلة : " وكأن أعمالي الحالية ليست كافية".
ولاحظت أنه ما زال يمسك بيديها ، فسحبتهما من بين يديه على عجل ..شعر مايكل بأنها لم تفض إليه بشيء على الإطلاق . لم لا تحدثه عن نفسها ؟ لم لا تعترف له بتعلقها بمجموعة " لو ليتل " من التماثيل الصغيرة ؟ يمكنه عندئذ أن يغيظها ويسخر من سذاجة الأسماء التي أطلقها عليها .
هل كانت ثقتها فيه ضعيفة إلى هذا الحد ؟ لعلها تعرفه جيدا وتشعر بنفوره من كل ما يوحي بالرومانسية ، والحنان . لكنه أرادها أن تعرف أنه أصبح ناضجا وبمقدروه أن يضع ميوله الشخصية جانبا ليسعد الآخرين .
قال لها بنبرة جافة : " صحيح أن حلمك نبيل للغاية وسأحرص على إضافته إلى ملف الأحلام المستحيلة ، ولكن ألا تريدين شيئا لنفسك ؟" لم تبد أي رد فعل .
"الا ترغبين في هدية معينة ؟ آنية خزفية أو حذاء من تصميم مصمم مشهور "؟
"بالله عليك يا مايكل ، ما الذي تعرفه عن الآنية الخزفية والأحذية ؟"
أجابها بعناد : " أعرف أن الفتيات يعشقنها"
كانت خبرته في أذواق الفتيات حديثة نسبيا وهي ثمرة ما سمعه على لسان كل متطوعة دخلت مكتب جمعية بابا نويل السرية .
"أعرف جيدا ما تحاول أن تفعله . لا تظن أنه بإمكانك خداعي".
تظاهر بالبراءة وسألها : " ماذا " ؟
"سمعتك تتحدث مع كل واحدة من المتطوعات عما ترغب في الحصول عليه في عيد الميلاد ، حتى أنني بدأت أتساءل ما إذا كانت شخصية بابا نويل حقيقية ؟ وكيف شكله ؟ أتراه يشبه مايكل بويستر" ؟
"ما زلت تراوغين".
"دعني أفكر" .
"خذي وقتك كله.. يفصلنا عن عيد الميلاد عشرون يوما" .
صححت كلامه على الفور :" ثمانية عشر يوما .. لا .. مهلا ، تجاوزت الساعة منتصف الليل . سبعة عشر يوما".
وهذا يعني أن عليه أن يتخذ قرارا سريعا بشأن عرض تلك العجوز المزعجة في جورجيا التي أكدت له أنها لن تتنازل عن تمثال " الفارس" إلا على جثتها أو مقابل ثلاثة آلاف دولار .
"لا أريدك أن تشتري لي هدية يا مايكل فوجودك بيننا والعون الذي قدمته لنا أثمن هدية قد نحصل عليها .. لا داعي لأي هدية أخرى".
كانت هذه الكلمات كافية لبعث الدفئ في نفس المرء لفترة طويلة ،طويلة جدا ، فاعترافها الواضح باكتفائها بوجوده أسعد قلبه .
وتنبه فجأة إلى ان تمثال" الفارس ذو الدرع اللامع " يستحق كل فلس طلبته صاحبته .... قال لها : "كانت ليلة ممتعة . أمضيت وقتها طيبا . وأنا لا اعطي شيئا فعلا بل آخذ"
رمقته بنظرة ساخطة وكأنها تتساءل ما إذا كان يعني فعلا ما يقول .
"قمنا بطلي العصي الخشبية ووضعنا اللمسات الأخيرة على مقعد بابا نويل .. وكانت موسيقى الميلاد تصدح طوال الوقت".
" نعم ، أمضينا وقتا ممتعا . ورقصة لولو كانت غاية في الروعة . ليتنا قمنا بتسجيلها".!
وظهر طيف ابتسامة على ثغره وهو يتذكر رشاقة تلك المرأة الضخمة وهي تعتمر قبعة بابا نويل وتلف قماشا مخمليا أحمر حول جسدها وترقص .. وسرعان ما راح الكل يصفق . بعدئذ، انفجر الكل بالضحك حتى كادوا يقعون أرضا .
كان مايكل قد بدأ يستعيد حبه للحياة والضحك والدفء ...وبات مستعدا لكل شيء . بدا الارتياب على وجه كريستن .
"يفاجئني تصرفك كثيرا لا سيما وأنك اختبرت الكثير في حياتك ، أمور جامحة ، وعنيفة وممتعة للغاية".
"أعطيني مثلا" .
رباه ! سيتوهج حتما خداها خجلا .
"أراهن على أنك قفزت من الطائرة" .
"مرة واحدة فقط" .
"هل مارست القفز بالحبال المطاطية ؟"
واحمر خداها رغم أنه لاحظ مؤخرا أنها باتت تتحكم بخجلها بشكل أفضل . لم يكن يعلم ما الذي يجعلها مصممة على الإيحاء بأنها فتاة متعددة النشاطات ، خلافا لما هي عليه في الواقع.
قالت له وقد بدا عليها الارتباك :
"هل فهمت ما أقصده ؟ أتتوقع مني أن أصدق أنك استمتعت بوقتك هذا المساء ؟ لا يمكن أن تكون قد استمتعت ببناء مركبة بمساعدة مجموعة من العجائز .. فهذا ممل جدا ".
"هل نسيت أداء لولو ؟ لا أحد يستطيع وصف أداء لولو بالممل . أنا واثق من أنها لن تتوانى عن قتلك إن علمت أنك وضعتها في خانة الأشخاص المثيرين للملل . بدت متحمسة جدا لحفل الميلاد الذي يقام خصيصا للمتطوعين وذكرتني ثلاث مرات أنه سيقام في عطلة نهاية الأسبوع وطلبت مني أن أرتدي بذلة رسمية .
"لا تسنح الفرصة للمتطوعين بالتأنق إلا في هذه المناسبة . لذا ، تجدهم يحرصون على أن يكون الحفل رسميا".
كشر مايكل اشمئزازا وقال : " لا أجد أي متعة في الحفلات المماثلة"
علما أنه حرص على تنظيف البذلة الرسمية التي اشتراها بمناسبة زواج أحد أصدقائه .
-حسنا ، ما الذي تعتبره مرحا؟
نظر إليها بطرف عينه قائلا :" لا تحاولي الخوض في هذا الموضوع يا فتاة".
شبكت ذراعيها فوق صدرها وأجابته : " سأفعل . حدثني عن أفضل عمل قمت به بحثا عن المرح".
كان الخيار صعبا جدا .. هل يخبرها عما فعله مع شقيقه براين يوم قاما بتزيين شجرة الصنوبر أمام منزل مدرستهما الفاتنة بملابسها الداخلية ؟ لم يكن الأمر ممتعا حقا لأن والدتهما انفجرت بالبكاء عند حضور رجال الشرطة إلى منزلهما .
ماذا عن رحلته إلى بويرتو فلارتا ، وممارسته رياضة ركوب الأمواج والإبحار ، ومطاردته الفتيات الفاتنات ؟ عند تفكيره في الأمر ، وجد أن ما فعله كان ممتعا بعض الشيء لكنه في غاية الغباء ، فقد كسر براين رجله، وانفجرت والدتهما بالبكاء ، من جديد لدى رؤيتها فاتورة العلاج .
ارتأى مايكل ألا يخبرها أنه بات أكثر إدراكا من أي وقت مضى . فأفضل ما قام به في حياته هو انضمامه إلى جمعية بابا نويل السرية ودخوله هذا العالم السحري الفاتن الذي ترفرف فوقه روح الميلاد ، عالم تجري فيه أنهار الحب والكرم غزيرة حتى تكاد تعمي الناظر .
"إنني في حيرة من أمري . ماالذي جذبك إلينا ؟ فنحن نفتقر إلى المرح والإثارة"..
نظر إليه وقد أدرك أنه ليس لديها أدنى فكرة ، فحياته كانت خالية من أي معنى قبل أن يعبر عتبة هذا الباب ويدخل عالم كريستن .ولم يعد يرى في تلك المغامرات التي تورط فيها مع أخيه سوى أعمال صبيانية طائشة . وهذا لا يعني أنه نادم عليها ، لكن شيئا ما في داخله أصبح مستعدا للمضي قدما والنضوج .
لم يكن واثقا ما إذا كان هذا ليحصل لو بقي براين على قيد الحياة فقد اعتادا على أن يحرضا بعضهما البعض ، ويستمدا الطاقة من بعضهما البعض من دون أن يفترقا أبدا .. وإن حاول أحدهما أن يتخذ صديقة له ، سعى الآخر إلى إفساد العلاقة بينهما ، متذرعا بأن الفتاة ليست مناسبة له .
ماذا كان براين ليقول عن كريستن ؟ كان سيجد فيها ربة منزل من الطراز الاول . وعاوده صوت براين وضحكته الرنانة وهو يقول لوالدتهما التي اعتادت أن تتذمر منهما : " نحن نبحث عن ربات منزل يا أمي".
وكانت والدته تجيبه ساخطة : " لن تعثرا على هذا في الأماكن التي ترتادانها .قابلت فتاة جميلة في الكنيسة"
وقبل ان يتسنى لها ان تكمل كلامها ، ينفجر براين ضاحكا ويحمل والدتهما بين ذراعيه ويدور فيها في الغرفة إلى أن تبدأ بالضحك بدورها . .شعر مايكل بالألم عندما تذكر ضحكات أخيه ووالدته . وخشي أن يغمره الحزن من جديد . لكن عندما نظر في عيني كريستن ، ركدت مياه البحر المائجة في داخله .
قال لها بنبرة هادئة : " استنفدت حاجتي للمرح".
وأدرك في تلك اللحظة أنه أصبح مستعدا للبوح بسره وائتمانها عليه .
"اتذكرين الحادث الذي حدثتك عنه "؟
أومأت كريستن برأسها .
"كانت عائلتي تملك مركبا للصيد في ألكسا ، موطن والدي
الأصلي . وكنا نتردد على تلك المنطقة في مواسم الصيد . ألديك أي فكرة عن صيد السرطان؟"
هزت رأسها بالنفي .
"إنها عملية صعبة للغاية ومحفوفة بالمخاطر إذ يعتبر البحر هناك من أخطر البحار في العالم وأكثرها إثارة . والصياد الماهر هو من يتمكن من دخول الميناء ومركبه محمل بالسرطان وهو يشعر وكأنه فاز بجائزة اليانصيب . في شهر نيسان من تلك السنة ، عدنا من الصيد ومركبنا محمل بكمية هائلة من السرطان . كان الموسم قد شارف على الانتهاء والطقس ينذر بهبوب عاصفة . لم أشا العودة إلى عرض البحر من جديد ، لا سيما وأننا حققنا أرباحا طائلة فاقت الثلاثمائة ألف دولار . لم يكن والدي جشعا لكن صيد السرطان يبعث في النفس الكثير من الحماسة . كان والدي رجلا حريصا على التمسك بالحياة بكلتي يديه، واعتاد هو وشقيقي براين أن يفرضا رأيهما علينا ، أنا وأمي . وكانت والدتي ترافقنا دائما لتحضير الطعام والسهر على راحتنا. وعلى بعد 180 ميلا في عرض البحر ، غرق مركب " ملكة تريمونت" الذي أسميناه على اسم والدتي . ومات ركابه كلهم .. كلهم ..
وخيم السكون على المكان بينما بقي الثلج ينهمر بغزارة، خرقت كريستن الصمت وسألته هامسة :" ألم تكن على متنه ؟ ألم ترجع معهم إلى عرض البحر ؟"
"بلى، كنت برفقتهم لكنني بقيت على قيد الحياة بفضل سترة النجاة".
تمكن فريق الإنقاذ من انتشالي من المياه الهائجة بعد مضي ساعات لكن روحي قضت مع أرواحهم في تلك الليلة . كانوا روحي يا كريستن .
"فهمت" !
الغريب في الأمر هو أنه واثقا من أنها فعلت . صحيح أن الكثيرين كانوا يواسونه مدعين أنهم يقدرون ما يشعر به ، لكن أحدا منهم لم يتمكن من إدراك حقيقة مشاعره . عندما نظر في عينيها ورآهما مغرورقتين بالدموع التي ما لبث أن سالت على خديها ، أدرك أنها فهمت .
تملكته رغبة ملحة في مواصلة الكلام والإفضاء بكل ما كان يقل قلبه ويدفعه إلى الإنجراف نحو الهاوية .
"لم أر احدا منهم في المياه تلك الليلة . لم أستطع أن أنقذهم . ولوأدركت حينها أنهم غرقوا جميعا ، لما بقيت صامدا في المياه . كم أسفت لبقائي حيا ، وكم كنت ساخطا عليهم" ..
كانت هذه المرة الأولى التي يعترف فيها بهذا الأمر . وبدلا من أن يشعر بالذنب ، شعر بنفسه حرا طليقا وغمره شعور بالارتياح بعد أن أفضلى لكريستن بما يختلج صدره ، حتى غضبه الشديد من أفراد عائلته الذين قضوا غرقا .
سألته هامسة :" ما هي الكلمة الأخيرة التي ترغب في أن تقولها لهم "؟
لو قدر له أن يتكلم معهم للمرة الأخيرة ، لعبر لهم عن مدى حبه لهم ..كلا .. كان مصمما على البوح بحقيقة مشاعره لكريستن .
"ماذا أقول لهم ؟ سأصرخ في وجوههم وأعاتبهم لأنهم رحلوا من دوني .. لم رحلتم جميعا وتركتموني وحيدا" ؟
أفضى مايكل بكل ما لديه فتملكه إحساس بالكآبة امتزج بشيء من الارتياح أيضا . كان يخشى ، إذا ما تكلم ، أن ينهار السد الذي شيده في أعماقه فتسيل انفعالاته المكبوتة وتدمر كل ما يقف في طريقها . إلا أن انهيار السد حمل معه مشاعر حب رقيقة تدل على قوة العلاقة التي كانت تربط بين أفراد العائلة .
وتذكر يد والدته الحنون وهي تستريح على جبينه في مرضه ، ويد والده المؤنبة على مؤخرته يوم كسر نافذة السيد ثيودور للمرة الثالثة على التوالي . وتذكر شقيقه الذي يكبره بسنتين وهو يمسك بيده ويصحبه إلى المدرسة في اليوم الأول .
وقفت كريستن على رؤوس أصابعها وضمته إلى صدرها فشعر بدموعها المشبعة بالملح . بادلها مايكل العناق باذلا ما في وسعه ليكون رقيقا ، غير أن مشاعر الأسى والغضب والفرح والذكريات المستعرة في داخله ما لبثت أن طغت على عناقه فتحول عنيفا جامحا .
وسارعت كريستن إلى الابتعاد عنه ، قأدرك مايكل أن لا أحد منهما يعلم ما إذا كانت كريستن مستعدة للتورط في علاقة مع شخص قاس مثل مايكل برويستر .
غشت الدموع المترقرقة من عينها نظرها فأصبحت بالكاد تراه ..كيف تمكن هذا الرجل الذي ذاق المرين في حياته من أن يشتري لتلك الفتاة الصغيرة التي تحلم بزيارة ديزني لاند كل ما يلزمها ليتحول حلمها إلى حقيقة ؟ كيف استطاع أن يفعل هذا كله فيما أحلامه تحطم بقسوة تفوق الوصف ؟ كان قادرا على ذلك لأنه مايكل ..مايكل الذي زرع البسمة على شفاه الجميع ، مايكل الذي يكره أغاني الميلاد ، والذي شارك لولو الرقص ، ونجح في تغليف الهدايا الغريبة الشكل .. مايكل الذي حول حطام مركب قديم إلى مركبة حقيقية لبابا نويل. مايكل الذي يتحداها في كل يوم لتخفف من ضبطها لنفسها وتجازف بجزء وإن بسيط من قلبها .
قال لها إنه رجل مرتبط ، وبذلت قصارى جهدها لتصدق كلامه . لكن الثقة التي وضعها فيها الليلة جعلتها تشعر بولادة شيء جديد ، شيء لا يمكن إعادة إلى ما كان عليه إذا ما تغير ..
همس في أذنها : " آسف ، لكن علي أن أنصرف .. أفضل أن أنفرد بنفسي"
قالت لها النظرة البادية في عينيه إن لا علاقة لها برغبته الملحة في البقاء وحده . كان الأمر يتعلق به شخصيا وبذكريات الماضي الأليمة التي تتزاحم في ذهنه .
كانت كريستن تعي أن حاجتها إلى الانفراد بنفسها تضاهي حاجته إذ أرادت أن تفكرمليا في ما حصل خلال الأيام القليلة الماضية والمشاعر المتضاربة في داخلها .
لم تشأ أن تطلق العنان لانفعالاتها ، بل أرادت أن تعيد النظر في مسار حياتها والمخاطر التي كانت مستعدة لتحملها . وعلىالرغم من أنها تدرك أن من الأفضل أن يعود كل واحد منهما إلى منزله ، لم تستطع ضبط نفسها وهي تنظر إلى وجهه المتشنج ، فسألته بنبرة لا تخلو من التردد :
"هل أنت واثق من أنك لا ترغب في مرافقتي لاحتساء القهوة "؟
"ليس هذا المساء . يمكننا أن نرجئ الأمر إلى وقت آخر" .
استدارت كريستن وتوجهت نحو سيارتها وهي تدرك أنه بقي واقفا يراقبها حتى فتحت الباب . كان مصرا على حمايتها حتى في تلك اللحظة العصيبة التي يحاول فيها احتواء نيران مشاعره المتأججة . شغلت مساحتي الزجاج لتزيل الثلج المتراكم عليه ، وانطلقت بسيارتها وقد تملكتها رغبة ملحة في الفرار من مشاعرها .
شاهدت في المرآة طيف رجل وحيد تائه وسط الثلوج ، فأحست بنفسها وحيدة أكثر منه . لم ائتمنها على أسراره ؟ ماالذي دفعه إلى الاعتراف بنقطة ضعفه لها ؟ أيعقل أن تكون مشاعره نحوها أقوى مما تتصور ؟ أتراها جديرة بالثقة ؟ أتراها مستعدة لتحملها ؟

=================


7- ذكرى الحب الكبير

وقف مايكل يتأمل كرستين وهي تنطلق بسيارتها مبتعدة عنه, ثم دس يديه فى جيبي سرواله وشق طريقه وسط الثلج السميكه, متوجها نحو السيارة التي تشاركها مع أخيه في الأيام الخوالي .يمكنه الليله أن يفتح ألبوم الصور الذي تفاداه طويلاً ... يمكنه الليله أن يعود بالذاكرة الى الحب العظيم الذي أحاطته به عائلته منذ نعومة أظافره فمنذ اللحظة أصبح مستعدآ للعيش على ذكر هذا الحب بدلاً من التعلق بذكريات اللحظات الأخيرة المؤلمة. . زهرة البنفسج
عندما قرر مايكل ان يشارك كرستين ذكرياته الأكثر عمقا وقسوة ،غمرها احساس بالارتياح وهو يتحدث اليها ،وشعر وكأنه بلغ بر الأمان بعد أشهر طويله من الضياع وسط العواصف الهائجه لقد وجد في كرستين ملاذآ امنا ..
كان يعشق تناقضتها فعيناها وعدتاه بملاذ آمن بينما أغراه شئ فيهما بمغامرة فريدة من نوعها ،مغامرة مغرية ومثيرة للرعب في آن معنا .
وهذا المزيج من الفضول والرعب جعل قلبه عاجزاً عن المقاومة..
أربعة عشر يوما قبل حلول عيد الميلاد..
في أحد الأيام ،قال لها مايكل بنبرة ودودة بينما يستعدان لمغادرة المكتب(اسمعى ماذا عن فنجان القهوة الذي وعدتني به؟)
منذ أن أفضى اليها بمكنونات قلبه،بات مايكل أكثراسترخاء وانفتاحآ .وافتر ثغره عن ابتسامه ساحرة عند رؤيته التعبير المرتسم على وجهها وهي تسأله (في منزلي)
بدا واضحاً أنها تقوم حال منزلها ما اذا كان مرتباً ونظيفاً.وكم تمنى الا يكون كذلك ،فقلة الترتيب تدل على جوانب كثيرة في شخصيتها!
-لابأس سأتبعك بسيارتي.
كان المبنى الذي يقع فيه منزلها تمامآ كما توقع :مبنى من طابقين من الحجر الأسمر ،غير مزود بمصعد كهربائي. زهرة البنفسج
يؤدي الباب الأمامي الى غرفة جلوس مرتبة ونظيفة تجسد طبع كريستن الهادئ خير تجسيد.وكانت طاولة القهوة مزينة بغطاء من الدانتيل بينما وضعت بطانية محبوكة يدويا على أريكة بيضاء باللون الأبيض.
ولفت انتباهه كتاب مفتوح وموضوع على طاولة جانبية فاختلس مايكل النظر اليه ورأى امرأة في فستان أحمر قصير يعانقها رجل بشغف وكأنه أحد مصاصي الدماء.
لاحظت كريستن نظراته المتفحصه فأطبقت الكتاب على عجل ووضعته خلف ظهرها.
-هل اخترت الكتاب من النادي؟
أراد أن يذكرها بحقيقة ذاتها ،واذا بالحمرة الخفيفة العفوية المعهودة تعلو خديها.
-كلا أعارتني أياة لولو وأصرت على أن أقرأه لأنه الكتاب المفضل لديها ..ولكنني لست من هواة هذا النوع.
-يبدوأنك قرأت قسما كبيرآ منه.
-خشيت أن تسألني لولو عنه.
-نعم طبعآ .ربما كان علي أن ألقي نظرة عليه أيضآ بحثآ عن موضوع جديد أناقشه مع لولو.
حدقت فيه ساخطه وأشارت بيدها الى الأريكة قائلة بنبرة الأمر(تفضل بالجلوس ريثما أعد القهوة) زهرة البنفسج
خرجت من الغرفة وهي تشد الكتاب الى صدرها فكبت مايكل ابتسامة كادت ترتسم على شفتيه وراح يتأمل المكان.خيل اليه أنها المرة الأولى التي تستقبل فيها رجلآ الى منزلها .لاشك ان ثقتها به كبيرة جدآ لتدعوه الى هنا،مع انه لا يستحق هذة الثقة.فهذة المرة الأولى التي يدخل فيها شقة امرأة في هذة الساعة من الليل لاحتساء القهوة فقط.في الواقع ،لابد له من الاعتراف بأن كريستن ترغمه على حسن التصرف.
جال في غرفة الجلوس محاولا أن يكون فكرة سريعة عن شخصيتها لكنه لم يجد في الغرفة ما يلفت الآنتباه باستثناء ذلك الكتاب.
وتنبه فجأه الى أن الغرفة تفتقر الى أمر أساسى ،اذا لم ير فيها أي صورة شخصية .كانت جدران منزله الذي تولت والدته مهمة تزينها بنفسها،مليئه بصوره وصور شقيقه من سن السادسة ..حملت تلك الجدران صور أفراد العائلة والتذكارات من الرحلات الى الخارج والجوائز،فقد كانت والدته تجد في الجدران الفارغة تحديآ فتزينها بذكريات ولديها،وزوجها وحياتها.. زهرة البنفسج
الى أن كريستن اختارت عدداً من الرسوم،فعلت على أحد الجدران رسما لشجرة بلوط تغيب الشمس من ورائها ،وزينت الجدارالآخر بلوحة تجسد مشهد شاطئ بحر يرسو عليه مركب مهجور .ولم تتكبد عناء وضع صورة لأحد أفراد عائلتها.دخل مايكل قاعة الطعام المجاورة لغرفة الجلوس فخيل اليه أنها لم تستعمل قط من قبل .لفت انتباهه الخزانه الزجاجيه الكبيرة المخصصه للأواني الخزفيه والتي تغطى الحائط كله فأقترب منها وضغطت على زر مجاور لها ،فأضيئت أنوارها كاشفه عن مجموعة"ليتل" كان المشهد مروعا فأطفأ مايكل النور على عجل وعاد الى غرفة الجلوس.
-أتفضل القهوة العادية ام الخالية من الكافين؟
وتناهى الى مسمعه صوت الفناجين،فدخل من الباب الذي دخلت منه ووقف متكئا على الجدار يراقب ما تفعله.وعلى الرغم من ضيق المطبخ ، لم تلاحظ كريستن أنه يراقبها الا بعد مرور بعض الوقت.وأكد له ارتباكها أنه لم يسبق لها أن عبثت مع رجل داخل شقتها.. زهرة البنفسج
-أفضلها خالية من الكافيين.
وضعت كريستن اللبن فى أصغر آله تحضير القهوة رآها في حياته.كلا لم تعتد استقبال أحد في منزلها كما لم تعتد تحضير القهوة لأكثر من شخص واحد.
أزعجتها نظراته المتفحصة فأراقت الكريما وهي تسكبها فى الكوب .ولم تكن الحمرة التي علت خديها عند اختلاسه النظر الى الكتاب الذي تقرأه قد تلاشت بعد،فزادت في تلك اللحظة حدة.
-لاأرى أي أثر لعيد الميلاد في هذا المكان يا ماما نويل.
راحت نظراته تتأمل مطبخها الضيق الصغير،فلم يلفت انتباهه ما يوحي بأقتراب عيد الميلاد.. لكن المكان بدا مريحا ونظيفا فالتوابل مرصوصة بشكل مرتب فوق الموقد بينما وضعت طاولة طعام تحت نافذة ذات ستائر صفراء مزركشة بالنقوش.
أجابته وهي تحاول عبثاُ ان تنظف بقايا الكريما (كنت أنتظر الجني ليزين لي المنزل .لكننا،وكما تعلم،لم نتمكن من العثور على جني بعد).
أشفق مايكل على حالها وقد شعر بأنها على وشك أن توقع كوبآ أخر،فأخذ فوطة المطبخ من يديها وراح يمسح بقايا الكريما.
ولمست يده يدها من غير قصد فأحمر خداها من جديد،لكنه ترك اصبعه يرتاح على ابهامها لبرهة من الزمن.. زهرة البنفسج
يا للغرابة! فاللحظات الحميمة التي عرفها مايكل مع النساء الأخريات كافية لتجعل هذة اللحظة تبدو سخيفة للغاية..غير انها لم تكن كذلك..فعندما لامس اصبعه ابهامها بخفة واستعرت النيران فجأة في عينيها،شعر بالجليد يذوب في عروقه المتجمدة لتدب فيها الحياة من جديد.وشعرفجأة بقلبه يخفق بقوة كما لاحظ تسارع نبضها الجنوني.
عاد مايكل وحذر نفسه من التهور في التعامل معها،ألا ان الابتعاد عنها تطلب منه الكثير من ضبط النفس،ما أثار ذهوله.
بدت كريستن في حيرة من أمرها وهي تراه يغسل الفوطة بالماء ويضعها في الحوض ثم يخلع سترته ويعلقها على الكرسي ليجلس بعدها الى طاولة المطبخ.
نظرت الى الصينيه التي جهزتها وقالت له(كنت أنوى حملها الى غرفة الجلوس) زهرة البنفسج
-لكني من النوع الذي يفضل طاولة المطبخ.
-لم أفهم ما تقصده.
-لسوء الحظ لم أكن سيء النية.
اكتسحت الموجة القرمزية التي توقعها وجهها.
-هل تملكين ورقآ للعب؟
أدرك مايكل أن صوته خرج أجش وضعيفا..
-ورق للعب!
قطبت حاجبيها ونظرت الى الصينية التى جهزتها وقد بداعليها الارتباك.لابد أنها تصورت أنهما سيجلسان في غرفة الجلوس
ويحاولان التفكير في ما سيقولانه..
-ورق لعب . سأعلمك لعبة جديدة.
رمته بنظرة الارتياب وسألته(هل الورق مثير للرغبات الى هذا الحد؟).
كانت البهجه تغمر قلب مايكل كلما وجهت اليه كريستن تلك الانتقادات اللاذعة، كما أن كلماتها تترك في نفسه أثرآ مشابه التأثير ملامسته لها ما أدى الى تصاعد حدة التوتر فى الغرفة.
-كلا..لسوء الحظ..
وحذر نفسه من مغبة اللعب بالنار لكنه لم يتمكن من مقاومة رغبته فى أن يفعل.. زهرة البنفسج
-لكن ان كنت تفضلي أن نراهن على ملابسنا فلا مانع عندي.
وقفت كريستن وهي تعض على شفتيها..وكم تمنى لو تتوقف عن ذلك!ثم اتجهت نظراتها نحو الباب..أتراها تفكر في أمكانية الفرار؟أم تريد أن تبدل ملابسها وترتدي ملابس مريحة أكثر؟
وعاد وحذر نفسه من عاقبة التهور..
انفجرضاحكا وقال لها:
"كنت أمازحك"
توقع مايكل أن تتفاجئه كريستن بردة فعلها،وبدلا من تنفس الصعداء،بدت ناقمة عليه.
كانت كريستن فتاة صالحة،ولطالما حلمت والدته بأن تزوجه فتاة مثلها.لذا،عليه أن يكون جديرآبها.
-اعتاد أفراد عائلتي أن يجلسوا،في زمن الميلاد،حول طاولة
المطبخ ويلعبوا الورق.
واستطرد قائلا(كان عددنا يتجاوز أحيانا الخمسين شخصآ،ولايتعدى أحيانا أخرى الأربعة،أنا وأمي وأخي وأبي).
أراد أن يمنحها الفرصة لتخبره عن العادات التي تتبعها عائلتها في عيد الميلاد،غير أنها كانت تحمل صينية القهوة بتركيز شديد وكأن حياتها تتوقف على ألا تريق نقطة من الكريما.وضعت الصينية على الطاولة ثم توجهت نحو أحد الأدراج وأخرجت منة رزمه من أوراق اللعب وقد بدت مذهولة وراضية عن نفسها لأنها تمتلك واحدآ. زهرة البنفسج
نزع مايكل الغلاف عن الرزمة الجديدة وغير المستعملة،وراح يخلط الورق فيما كريستن منهمكة بصب القهوة.لم يغفل عن أن الآنسة النقية كنقاوة الثلج تختلس النظر الى يديه.
جلست كريستن مكانها بينما راح مايكل يوزع الورق ويشرح لها قيمة كل واحدةمنها وقواعد اللعب.فهمت أصول اللعب على الفور،وبدأ توترها يزول شيئا فشيئا.مع بلوغهما الدور الثالث،كانت كريستن قد بدأت تضحك باسترخاء في حين جاهد مايكل ليركز على اللعب.
حذرها (اياكِ أن تغشي )
-لست معتادة على الغش.
لم يكن لديه أدنى شك في ذلك..
قال لها مبتسما (اعتاد ابي على أن يغش فى اللعب فهو يعشق المنافسة ولايتوانى على الغش فى سبيل الربح.. تخيلي رجلا ناضجآ وناجحآ مثله ولا يتحمل أن يهزمه أحد فى الورق).
-كم هذا جميل!
-اما أخي ،فكان يحب المراهنة.اما على النقود المعدنيه في حضور والدتي أو على أى شئ أخر فى غيابها.
-مثل ماذا؟
كرات الغولف، الشكولا المحشوة بالزبيب وسوى ذلك..ولن ننسى والدتي..
وهز رأسه متظاهراً بأنه لم يلاحظ أن كريستن غصت وهي تشرب القهوة.
-لم تكن بارعة في لعب الورق. كانت دائمة الانشغال بملء الأطباق برقائق البطاطا وتحضير القهوة.لم يتسنَ لها أن تحفظ قواعد اللعب،لكننا كنا نتفادى أن نوجه لها الانتقادات لأن الحماسة كانت تغمرها كلما تخيل اليهاأنها ستفوز. زهرة البنفسج
انها المرة الأولى التي يخالجه هذا الشعور وهو يتذكرأفراد عائلته فقد أحس أنه يعانقهم ويتنعم بالحب الذى أغدقوه عليه .وأدرك في تلك اللحظة أنه أمام خيارين لا ثالث لهما اما أن يغرق نفسه في بحر الحب واما أن يتغمس في ألام تلك اللحظات الأخيرة.
-أترغبين فى رؤية صورهم؟
-طبعاً.
وفيما هو يخرج محفظته من جيبه ,خطر له أنه لم ينظر الى هذه الصور منذ فترة طويلة جدآ.
ناولها أولآ صورة براين.
-كم يشبهك!
وراحت تلمس الصورة بأناملها الرقيقة وكأنها قادرة على تلمس وجه شقيقه. زهرة البنفسج
-ان كان يشبهني فعلآ فلم كانت الفتيات يتوددن اليه أكثر منى؟
-لا أصدقك
ابتسم ابتسامة عريضة وناولها صورة والدته فقالت(مايكل !أعرف بالضبط أين نوع الأمهات كانت والدتك،أم بارعة في تحضير البسكويت المغطى برقائق الشوكولا..وتفضل العلاجات المنزلية.وأراهن على أنها اعتادت
أن تعنفك بأستمرار)
-ألم تلاحظي أن شحمة أذنى اليمنى أطول من شحمة أذنى اليسرى لكثرة ما كانت تشدها؟
تأملت كريستن شحمة أذنه وأجابت قائلة (أرى ذلك بوضوح )
لسوء حظه أثار ذلك في قلبه الشعور نفسه الذي خالجه عندما تلامست يداهما..وأصبح الهواء فجأة مشحونآ.
نظر الى محفظته من جديد محاولا ان يتذكر ما كان يفعله
-هذا والدي.
-كم هو وسيم! يبدوأن الوسامة متوارثة في العائلة.
كان يدرك أن وسامته تجذب النساء،لكن عندما سمع ذلك منها هذا الأطراء أحس بالغرور يملأ قلبه بشكل خطير.
-يؤسفني أنني لم أتمكن من التعرف عليهم.
-نعم وأنا أيضا.
وضع الصور جانبآ وقرر أن يعود الى لعب الورق من جديد.
أتريدين المراهنة على شئ ما؟
-مثل ماذا؟
-أنا رجل سيء النية..فكري بشيء ما..
قالت بحماسة لا توصف،وقدا بدا الارتباك في عينيها وعلت الحمرة خديها(مغلفات الشاي). زهرة البنفسج
تنهد مايكل فى سره..كان يتعامل مع نوع جديد من الفتيات،نوع مختلف ومنعش في أنً معاً.
-ماذا يمكنني أن أعطيك في المقابل؟
حبست كريستن أنفاسها وقد خشيت مما سيحمله رده.
-قطع نقديه.لكننى لا أحمل معي سوى دولارين فلا تكوني قاسية معي.
ولم تكن تمر ساعة واحدة حتى وجد نفسه أمام كومة من مغلفات الشاي ذات الأوراق البراقة بنكهات متنوعة.
رأى مايكل في نهاية الأمرأنه نجح أن يثبت لنفسه وكريستن أنه رجل نبيل.وسيكتفي الليلة بالاستمتاع بكوب من الشاي بنكه الخوخ.
مد يديه الى الخلف ليبحث عن سترته،ودس مغلفات الشاي في جيوبه قائلآ(علي أن انصرف يا كريستن..أمامنا يوم شاق في الغد.لاتنسى الحلم المستحيل رقم..25 كوخ قطبي لاسمايل)
رافقته الى الباب،راحت تتلهي محاشيه النظراليه.
أراد أن يسهل الأمر عليها،فأمسك بيدها ثم طبع قبله رقيقة عليها.
قال لها(تصبحين على خير)
وسارع الى الخروج من الباب. زهرة البنفسج
لم ينتبه مايكل لحقيقة ما جرى هذا المساء إلا وهو يمسح المزيد من الثلج المتراكم عن سيارته لم يبخل عنها بشيء على الاطلاق لكنها لم تقدم له شيء بالمقابل.
لم يتمكن من ان يعرف شيئا عن عائلتها أو تقاليدها،ولم يبنجح بعد في معرفة ما تريده في عيد الميلاد.التفت مايكل ورفع نظره الى نافذتها فوجدها واقفة عندها تراقبه.وعلى الرغم من احساسها بالجرح إلا أنها لم تتوان على التلويح له بيديها.
رفع مايكل يده ولوح له بدوره.لكن الأسئلة بقيت تضج في رأسه..لم لم تخبره الحقيقة؟ لم هي مصممة على أن يستمتع الجميع بعيد الميلاد في حين انها ترفض أن تحصل على أى شيء لنفسها؟
وقفت كريستن تراقبه الى أن انطلق بسيارته ..أتراها كانت تتوق لأن تعيش لحظات كتلك التي تشاطرها بها منذ بعض الوقت؟ ألم تكن تتمنى فى سرهان يمسك بيدها ويضمها اليه بقوة،على الرغم من تصميمها على أن تتخذ قرارتها بشكل عقلاني؟ ألم تحلم بأن يأخذها بين ذراعيه ويعانقها حتى تصبح غير عاجزة عن التقاط أنفاسها؟أو حتى التفكير؟ألم تكن تتمنى أن يسكت عقلها الذي يملأه الخوف والرعب ويبحث عن الأمان والسلام؟ زهرة البنفسج
ولكنه اختارعوضاً عن ذلك اللعب بالورق،ويحدثها عن عائلته معتمدآ أسلوبآ لطيفا وكأنها مراهقة فى أول موعد غرامي لها.أو لعل الأمر أسوأ من ذلك لعل مايكل قررأن يضعها فى خانة الصديقة.
على أي حال لم يعاملها مايكل بروستير معاملة المرأة الناضجة،أو كما توقعت منه أن يعامل أمرأة ناضجة..
وعلى الرغم من أنها لا تدرك أبدآ ما الذي تنتظره من علاقتهما،إلا أنها تعي أنها لا تريده أن يعاملها بهذه الطريقة..
ورغم انها امرأة شديدة الحذر في ما يتعلق بالمشاعر والحب الجياشة،إلا أنها لم تكن ترغب مطلقآ في أن يتعامل معها رجل مثل مايكل وكأنها صديقة حميمة.
وفجأة، خطرت لها فكرة جهنمية أى فتاة مفعمة بالحيوية ستلجأ,في مثل هذة الحالة،للتسوق.
يكفي أن يرمقها مايكل برويستر بنظرة واحدة فى حفل المتطوعين ليدرك أنها ناضجة مثلة تمامآ.وتذكرت الإحساس الذي ساورها عندما عانقها وتسارع نبضات قلبها عندما تلامست يداهما.
اختلف شعورهاعندما حدثها في تلك الليلة عن عائلته والحادث المريع الذي تعرضت له.أحست بنوع من الدفءوالمودة، ماضاعف جاذبيته التي قضت مضجعها. زهرة البنفسج
تمكنت كريستن من العثورعلى ثوب مناسب لفتاة مثلها تنوى أن تلعب دور سندريلا لليلة واحدة فقط.
رأته وسط أحد المتاجر وقد سلط الأضواء عليه.
لم يكن فستانآ عاديآ بل حلمآ ورديآ...
فستان طويل أحمر اللون،ذو قصة بسيطة للغاية تنساب على الجسم ...كان الجزء العلوي من الفستان يبرز مفاتن صدرها فيما يكشف ظهره عن بشرتها الخالية من اي عيب ..أما الجزء السفلي فينسدل برقة على الوركين ليصل إلى الأرض حيث تشكل دوامة بلون التوت البرى المثير...
ما إن وقعت عيناها عليه حتى قررت كريستن شراءه مهما بلغ ثمنه إذ يكفي أن تلوح ببطاقت اعتمدها السحرية لتتحول في ليلة من فتاة رثة الملابس إلى امرأة ساحرة،تماما كما في قصة سندريلا..
فستان كهذا يحرض المرأة على التلاعب بأسرارها الدفينة لتتمكن من إظهارحقيقة ذاتها.
فستان كهذا قد يجعل الرجل عاجزآ تمامآ أمام المرأة التي ترتديه..
عندما ارتدته كريستن، فاق تأثيره توقعاتها كلها، وبعدأن أشترت حذاء ملائمآ وبعض الحلى، تخطيت الميزانيه التى خصصتها لعيد الميلاد الثلاثمئه دولار.إلا أنها لم تأبه فالفستان محا الصورة العملية، الأكثر نقاوة من الثلج،والبارعة في لعب دور ماما نويل وأظهر كريستن في حلة جديدة: فتاة جريئة،مثيرة، ناضجة ولاتقاوم. زهرة البنفسج

================

8- امرأة مختلفة
عشرة ايام قبل حلول عيد الميلاد..
لم يرتدِ مايكل بذلة رسمية منذ حفل زفاف صديقه براد,ما جعله يشعر بالغرابة الان.وسمع صوتا في داخله يقول له:*انها ضريبة الحب*.أليس صحيحا ان الحب المتأجج في قلبه دفعه لان يقصد بائع الزهور,مرتدياٌ هذه الملابس المضحكة,ويشتري باقة صغيرة من الورد؟
سيقام الليلة الحفل الخاص بالمتطوعين في إحدى أصغر القاعات في فندق(تريمونت) الراقي,وقد تبرع الفندق بكافة تكاليف الحفل تقديراً للجهود التي يبذلها المتطوعون في جمعية بابا نويل السرية.
لم يكن تنظيم حفل مماثل في مكاتب الجمعية ممكناً فكل شبر فيها مكدس بالهدايا والعلب.وكان مايكل يعاني من الصداع كلما فكر في وسيلة لنقل هذه العلب كلها الى المركبة.
لم تكن المسألة وحدها تشغل باله بل شغله الغموض الذي أحاطت كريستين نفسها به.فعلى الرغم من أنه أخبرها قصة حياته كلها,إلا أنه يشعر يوماً بعد يوم أنه لا يعرف عنها إلا القليل القليل.فهي لم تفتح له قلبها او حتى تعطيه بعض التلميحات البسيطة.هل مشاعرها نحوه مغايرة لمشاعره نحوها؟ تلك المشاعر التي دفعته لشراء تمثال (الفارس ذو الدرع اللامع) بثمن باهظ جداً,ليهديها إياه في عيد الميلاد.
وفيما هو يتجه إلى شقتها, بقي مايكل مشغول البال لشدة ما خشي ألا يكون اهتمامها به بقدر اهتمامه بها...
لكن ما إن وقعت عيناه عليها حتى زال قلقه إذ لا يمكن لأمرأة ان ترتدي فستاناً مماثلاً لرجل لا تأبه لأمره.وقف مايكل مذهولا يحدق في المرأة التي فتحت له الباب.
لم تكن كريستين التي عرفها في جمعية بابا نويل السرية,تلك الفتاة التي تحاول إخفاء مفاتنها تحت ملابسها الفضفاضة .
كلا,كريستين هذه بدت رائعة الجمال بشعرها الرفوع وتبرجها الخفيف الذي أبرز عينيها الواسعتين ,وجعل خديها يبدوان متألقين وفمها مغرياً.
كان الفستان ينساب على جسدها النابض بالأنوثة ,مظهراً مفاتن فاقت توقعاته سحراً وجمالاً.
بدا مايكل كتلميذ صغير وهو يتأملها كالأبله.وأخيراً ,قال لها:
(تبدين مدهشة...جمالك يخطف الأنفاس...رباه!تبدين متألقة).
-كفى!
وإحمر خداها فشعر مايكل بالارتياح بعد ان لمح طيف كريستين التي يعرفها تحت هذه الطبقة الشديدة التأنق.
قال لها محاولاً ان يغيظهالا يفترض بك أن ترتدي فستاناً مماثلاً إن كنت لا تتحملين الإطراء.هل ألهمك الكتاب الذي أعارتك إياه لولو؟)
أراد مايكل أن يصبح خداها بلون فستانها ,ونجح في تحقيق مراده!
لم يخبرها عن باقة الورد الصغيره التي اشتراها لكن بائع الزهور نصحه باللون الابيض إن كان لا يعرف لون فستانها.مد يده يبحث عن العلبة ,وتمكن في نهاية الأمر من أن يخرج الباقة الصغيرة ويحملها بين يديه وهو يحدق في الجزء العلوي من فستانها.
قال متمتماً:
-يا للهول! دقت ساعة الخطر.
ضحكت كريستين وازداد توهج خديها حدة... حمل الباقة الصغيره والمشبك,ولمس قماش الفستان الذي كان ناوعماً ومثيراً.
تراجع خطوة إلى الخلف ليتأمل عمله فلاحظ أن باقة الورد الصغيره غير مستوية لكنه أبى أن يصلح وضعها.وفقد فجأة رغبته في الذهاب الى الحفل وتمنى لو يستطيع أن يقنعها بالدخول إلى شقتها والاستماع إلى الموسيقى الرومانسية الناعمة على ضوء الشموع...
-شكرا لك ... إنها المرة الاولى التي أحصل فيها على باقة ورد صغيرة لتزيين الصدر.
-ماذا؟ لا بد انك وضعت واحدة في حفل تخرجك.
-كلا,لم افعل.
ولم يعد يرغب فجأة في تمضية الليلة برفقتها فحسب بل أراد أكثر من ذلك بكثير .أراد أن يوفر لها كل ما حُرمت منه في الماضي, وأحس أن واجبه يحتم عليه أن يعوض عليها في هذه الليلة, عن كل تصرف صدر عن أي شاب سطحي استخف بفتاة مثلها وألحق بها الأذى.
مد يده لها ورافقها إلى سيارته ثم فتح لها الباب وساعدها على وضع ذيل فستانها الطويل في ركن صغير.
كان الحفل ممتعاً للغاية فالطعام شهي,والألعاب مسلية .كما اختيرت لولو لتمثل شخصية بابا نويل لهذه السنة.
ولما حان موعد الرقص,أراد الكل الرقص مع كريستين ,لكن مايكل أبى إلا أن ترقص معه وحده.
قالت له ساخرة بعد أن وضع ذراعه حولها وجذبها إليه أرى أن أداءك في الرقص تحسن.)
لم يكن ذلك صحيحاً. جل ما في الامر هو أنه راح يرقص كما اعتاد أن يفعل في الماضي,فضمها إليه بقوة ليتمكن من الاحساس بخفقات قلبها المتسارعة عبر قماش فستانها الرقيق.
كان مايكل قد نجح في مقاومة الإغراء لفترة طويلة جداً,
مع أن رجلاً مثله لا يصبر عادة هذه المدة كلها .كما أن لولو أخبرته أنها لم تعر كريستين أي كتاب ما أثار فضوله.
شدها إليه وعانقها بشغف.ولم يعد واثقاً ما إذا توقفت الموسيقى أو ما إذا توقفا عن الرقص ,لكنها لفت ذراعيها حول عنقه وبادلته العناق بقوة.
قال لها هامساًأنت تثيرين الرعب في قلب هذا النجار والصياد المسكين)
-لماذا؟
-تبدين مثل امرأة تنتظر مجيء فارس ذي درع لامع.. أميرة تنتظر مجيء أميرها.
-وهل من خطب في هذا؟
- إنني رجل عادي يا كريستين,ولست ثمرة من ثمرات خيالك..
حرص على أن يكون صريحاً وواضحاٌ معها.
-أكره هذه البذله فربطة العنق تكاد تخنقني.
أمسكت بربطة العنق,وفكت عقدتها ورمتها على الارض.
ابتسم لها وهز رأسه ثم استطرد قائلاً أنا من النوع الذي لا يتوانى عن أن يدوس على أرضية نظيفة لامعه بحذاء مغطى بالوحل..إنني معتاد على الشتم باستمرار وأعاني من فقدان الإحساس.أملك سروالين من الجينز,أحدهما للعمل والاخر للمناسبات الرسمية, فضلاً عن سترة من الجلد لا أنوي الانفصال عنها ابداَ.لست راقصاً بارعاً والجميع يعلم أنني معتاد على ايقاع الفتاة التي ترقص معي عند الانحناء).
وتابع يقول وقد فسر صمتها على أنه دعوة ليواصل حديثه عندما أراعي مشاعر الاخرين ,أكون جاداً في ذلك.أجيد طهي جوانح الدجاج بطريقة رائعة , كما أنني أحب أن أغسل ملابسي بنفسي ولا أتوقع من أحد أخر أن يقوم بهذه المهمة عني).
أومأت برأسها برزانة وسألت لمَ تخبرني هذه الأمور كلها؟).
نظر في عينيها الصافيتين ووجد بأنها اللحظة المناسبة ليصرح عن مشاعره ويتأكد ما إذا كانت تبادله الشعور.
علا صوت عبر المذياع قائلاًحان الوقت).
أجفل مايكل وقد خيل إليه أن أحدهم قرأ أفكاره,لكنه شاهد السيد تامبل يعتلي خشبة المسرح وقد بدا متألقاً في بذلته الزرقاء اللامعه التي تعود حتما إلى زمن بعيد.
- هلا أتيت يا كريستين من فضلك؟
رمت مايكل بنظرة أسف ثم لامست أنفه مداعبة وقبلت يده قبل أن تفلتها.
انضمت إلى السيد تامبل على خشبة المسرح ,وتظاهرت بالانفعال عندما قدموا لها تمثالاً من مجموعة (ليتل) واغرورقت عيناها بالدموع.
ألقى السيد تامبل خطاباً وقال أود أن أشكرك شخصيا يا كريستين لأنك مصدر إلهام لنا جميعاُ.ولا يخفى على أحد أنك تحليت بالكثير من الشجاعة لتحولي مأساتك الشخصية إلى أعمال تخدم مصلحة هذه المدينة.أشكرك بأسم الجميع لأنك ساهمت في تحويل هذا الحدث الذي كان من الممكن أن يثير في قلوب العديد منا إحساساً بالكره ,إلى فرصة للحب).
أحس مايكل بشيء من السكون يخيم عليه وسط التصفيق الحاد. عن أي مأساة يتحدث؟ صحيح أن كريستين أبت أن تفضي إليه بأسرارها,لكنه ظن أنه نوع من التحفظ الطبيعي. لمَ سمحت له بأن يخبرها كل شيء من دون أن تحاول ولو لمرة واحده أن تخبره أي شيء؟ ما شعر به كان أعمق من الإحباط وأقرب إلى الخيانة.
كاد يفشي لها الليلة سره الأكبر,وشعر فجأة بالارتياح لأنه لم يفعل.
كان على وشك أن يأتمنها على أسراره كلها مع أنه ليس متأكداً ما إذا كانت تعتبره جديراً بثقتها.
كانت كريستين تختلس النظر إليه بين الفينة والفينة, وهما في طريق العودة إلى المنزل.بد وسيماً جداً في بذلته الرسمية, وازداد إثارة بعد أن خلع ربطة العنق وفك أزرار قميصه العلوية.
إلا أنه التزم الصمت في نهاية السهرة.أيعقل أن يكون ذلك العناق قد أثر فيه إلى هذا الحد؟ علماُ أنه ترك أثراً كبيراً فيها.
لم يسبق لأي رجل أن نظر إليها كما فعل مايكل هذا المساء,كما أن الأحاسيس التي غمرتها كانت مسكرة. لكن عندما نظرت إلى وجهه تحت ضوء إشارة المرور,تساءلت في سرها عما فاتها إذ بدا متجهماً,مستغرقاً في أفكاره.
سألته: ( هل كل شيء على ما يرام؟)
وعندما اكتفى بهز كتفيه بلامبالاة, أدركت أن شيئا ما قد حصل.
أوقف السيارة أمام شقتها,وساعدها على الترجل منها ,ثم أخرج هديتها من الصندوق. ولاحظت كريستين أن تجهمه اشتد حدة.
فتحت باب الشقة,ودخلت إلى المنزل فلحق بها ووضع التمثال الصغير على طاولة القهوة.
في الماضي, كانت تعجز عن الابتعاد عن تمثالها الصغير الجديد, لكن اهتمامها به فتر أمام النظرة التي رماها بها عندما التفت نحوها.
- ما الخطب؟
- ما كان عليهم أن يأتوا على ذكر الأمر.
- هذا صحيح, ربما كان عليك أنت أن تفعلي.حملتني على أن أفشي لك أسراري كلها فيما حرصت على ألا تأتمنيني على أي من أسرار حياتك. طننت أننا صديقان.
صديقان؟ عادت كريستين بالذاكره إلى أحداث الأسبوعين الماضيين ووجدت أن عبارة الصداقة لا تكفي لوصف ما يجمع بينهما , ما جعلها تشعر بخيبة الأمل.لقد ضحكا سوياً,وخططا معاُ لتحويل الأحلام المستحيلة إلى حقيقة, ورقصا معاً,وتبادلا العناق,وكشفت لها عن أسراره... صديقان؟ ومع ذلك, اعترفت في سرها بأنه على حق.
قال لها مدمدماً عرفت أسراري كلها, وقدمت لك روحي على طبق من فضة.
وأنا لا أعرف عنك أي شيء).
لطالما قلت لك إنني مملة.
أرادت أن تدافع عن نفسها ,لكنها أدركت أن دفاعها لا جدوى منه.
ففي حين تخلي مايكل عن مخاوفه كلها, بقيت الشكوك راسخة في داخلها وتحولت إلى امرأة عصبية مليئة بالشكوك.
- رفضت حتى أن تقولي لي إنك ترغبين في الحصول على تمثال الفارس ذي الدرع اللامع في عيد الميلاد.
هل كان يحثها على المجازفة؟ فليكن له ما يريد.
- خشيت أن تعتبر الأمر سخيفاً... لقد رأيت النظرة في عينيك وأنت تحمل تمثال ( غرام مراهقة). ثم ما فائدة إخبار الجميع أنك ترغب في شيء لا يمكنك الحصول عليه؟ علمت أن التمثال نفد بعد ساعات من طرحه في الاسواق.. وبثمن باهظ جداُ لا يستطيع أحد من معارفي دفعه. لكن كيف علمت أنني أرغب في الحصول عليه؟
- لاحظت أن الطباعة زالت عملياً عن تلك الصفحة.أقصد تلك الصفحة من الكتيب الذي تحتفظين به في الدرج العلوي من طاولة المكتب .
- هل كنت تتجسس علي؟
- ربما من الضروري أن يتجسس المرء على الأشخاص الذي لا يثقون به بما يكفي لإطلاعه على شؤونهم الخاصة...
لم تظهر على وجهه أي تعابير تدل على أنه نادم على ما فعله بل حدق فيها ساخطاً.
بعدئذ, خلع حذاءه من دون أن يستأذنها فخطر لها أنه سيرتمي على الأريكة التي بدت لها فجأة صغيرة.
لكنه توجه فجأة نحو الخزانة وأخذ منها تمثال (العناق الأول) فصرخت كريستين لا تلمسه).
-أتخشين أن أحطم التمثال يا كريستين؟
وساورها في تلك اللحظة إحساس غريب بأنه لا يقصد التمثال الصغير بكلامه بل قلبها.
فأجابت همساَ أجل... أخشى أن تحطمه).
قلب مايكل التمثال ليتفحصه وقال متهكماً مصنوع في الهند.. ربما على يد فتيان فقراء,مقيدين,يرتدون ملابس رثة).
وصرخت ساخطةكفى .. ستحطمه).
-هذا ما يفعله الواقع الأليم.. يقضي على الأوهام الجميلة..لكن الواقع قد يكون أفضل بكثير في بعض الاحيان.
- كلا,هذا غير صحيح.
وتابعت تقول بصوت مذعورمنذ اربع سنوات خلت,تعرض ابن أختي صبيحة عيد الميلاد,لحادث سير. كان يومها في السادسة من عمره,وهو اليوم مقعد على كرسي بعجلات.صدمه فتى في الحادية عشرة من عمره ,أقدم على سرقة سيارة, ليس لأن بابا نويل لم يقصد منزله فحسب,بل لأن أخته الصغيره كانت تبكي من شدة الجوع...
لم يكن لديهم حليب في المنزل.أتريد أن تعرف كل شيء عني؟ هذا هو السبب الأساسي الذي دفعني إلى العمل في جمعية بابا نويل السرية ...لأنني لم أشأ أن يقدم أي طفل من أطفال تريمونت على تصرف مماثل ..هذا ما أسعى إليه.. لا أريد أن يستقيظ أي طفل صبيحة الميلاد ولا يجد الهدايا في انتظاره... هذا ما كنت حريصة على أن أحققه).
كان يدرك أنها لم تخبره الحقيقة كاملة وقد قرأت كريستين هذا في نظراته العميقة الثاقبة.
-أخبريني البقية...
أعاد التمثال الصغير إلى مكانه والتفت أليها فأحست كريستين برغبته الشديدة في أن يمسكها ويهزها لكنه امتنع عن ذلك مكتفياً بشبك ذراعيه على صدره النابض بالرجولة.
- لا ترغبين في هذا فعلاً...أخبريني ما تبقى...
كانت تعلم هذا منذ اللحظة الأولى فمايكل رجل شديد الخطورة ولا
يكتفي بما يقدمه له الشخص الاخر: فإما أن يحصل على كل شيء أو لا يقبل بأي شيء على الإطلاق.
أخذت نفساً عميقا وقالت له حسناً,ما أريده حقاً هو أن تعود حياتي إلى ما كانت عليه في الماضي...وهذا أمر مستحيل,مفهوم؟).
- ما الذي تغير؟
لا,قالت له الكثير ولم تعد ترغب في إضافة أي كلمة أخرى.
لكن المشكلة هي أن رجلاَ مثله لا يكتفي أبداً بما تريد أن تقدمه له ولن يرتاح باله قبل أن تسلمه أسرارها كلها, حتى وإن كانت تفضل الاحتفاظ ببعض منها لنفسها.
-انتقلا أختي للعيش مع ابنها في أريزونا حيث لا يستاقط الثلج ما يجعل التنقل على الكرسي بعجلات أسهل.
نظر إليها عن كثب.لم تكن واثقة ما إذا مر شخص مثله في حياتها, شخص قادر على قراءة ما يختلج في صدرها.
- لن يتمكنا من العودة هذه السنة لنمضي عيد الميلاد معاً.
كيف سمحت لنفسها بأن تتذمر من حياتها على مسمع من هذا الرجل الذي كانت خسارته كبيرة جداً؟ وشعرت بالخجل من سلوكها ,وتابعت تقول على أي حال, لن تتوقف الحياة هنا ).
- كلا... ثمة المزيد.. ما الذي تغير؟
أبت ان تسمح لنفسها بالبكاء.. أبت أن تتذكر تلك الأيام والسنوات التي مرت عليها قبل وقوع الحادث.
- انفصل والداي بعيد تخرجي من المدرسة الثانوية.
غمرها إحساس بالخجل وهي تعود بالذاكرة إلى تلك القصة القديمة, لكن الحقيقة تكمن في تلك الحقبة من حياتها, حتى وإن رفضت الاعتراف بذلك.
- عندما دخلت الجامعه,بدأت بالخروج مع شاب هو الأكثر وسامة بين الطلاب..
فأغدق علي الكلام المعسول حتى فقدت القدرة على التمييز بين الصح والخطأ.
وجافاني النوم,وفقدت شهيتي على الأكل وأصبحت لا أفكر إلا فيه.
- جايمس!
انزعجت كريستين عند إدراكها أنه لم ينسَ اسمه... انزعجت لأن هذا يعني أنه كان يصغي إلى كلامها ,ويهتم لامرها.
- لم تدم هذه العلاقة طويلاً. ستة أسابيع فقط.
إنها فترة كافيه كي يتحطم قلب فتاة مثلها, حساسة ورومانسية إلى حد ميؤوس منه.
- كنت متيمة به فطلب مني أن أغش في مسابقة الرياضيات ليتمكن من البقاء في فريق كرة القدم.
قال لها مايكل من دون أن يبدي ذرة تعاطف معها كم أنت محظوظة... هذا ما كان يسعى للوصول إليه).
- في هذه الاثناء, بدأت أختي بيكي بمواعدة شاب طيب القلب يدعي كين بايكر فأعادت علاقتهما الأمل إلى قلبي. كان زفافهما أقرب إلى قصة خيالية... وقد أرسلا لي صورهما في رحلة شهر العسل.أذكر كم كانا فرحين عندما حملت أختي, وأذكر البهجة التي غمرتها عندما اشتريا أول منزل لهما.... فأستعدت عندها ثقتي في الحياة وفي المفاجأت الجميلة التي يمكن أن يحملها إلينا القدر..
انتشلت كريستين نفسها من دفء تلك الذكريات الجميلة ونظرت في عيني مايكل.
وأخيراً قالت وهي تبذل ما في وسعها لتكبح دموعها:
( انفصلت أختي عن زوجها بعد الحادث الذي تعرض له غرانت..كان على علاقة بامرأة أخرى..في اللحظة التي كنا بأمس الحاجة فيها إلى وجوده, ارتمى بين أحضان امرأة أخرى).
فكر ملياً في كلماته وبدا واضحاً أنه لن يكتفي بها فقد كان عازماً على تعرية روحها بالكامل..
- كلا... ما الذي تغير فيك؟
حدقت فيه لبعض الوقت ثم أطلقت تنهيدة عميقة وقررت أن تفضي إليه بالحقيقة وبسرها الدفين كنت في الماضي أؤمن بالحب .. ولكنني لم أعد أفعل..هذا ما تغير في).
وأدركت في تلك اللحظة السبب الكامن خلف إصرارها على إخفاء أسرارها عنه.إذا ما تورطت بعلاقة مع رجل مثله فستجد نفسها مرغمة على التخلص من مخاوفها, وإعادة النظر في قناعاتها ,والتأقلم من جديد مع عالم أمن, خالً من أي مخاطر.
بدا أخيراً راضياً عن الحقيقة التي كشفتها له فقال لها بصوت هادئ:
(منذ حوالي الشهر ,عهد إلي السيد ثيودور بمهمة مستحيلة.طلب مني العثور على
شخص يتعذب أكثر مني كي أمد له يد العون. لم أكن واثقا يومها من أنني سأعثر على شخص يتألم أكثر مني, لكن يمكنني القول الان, أن هذا غير صحيح .أتعلمين يا كريستين ؟ أتمنى أن أستعيد ما كنت أملكه من قبل ... أريد عائلة ومنزلا وكل ما يمكن أن يجعل لحياتي معنى .. ولا أقصد بذلك ما تجسده تلك التماثيل الصغيره السخيفة بل أقصد أن نحمص الخبز في الصباح ونتشاجر حول ما نزغب في مشاهدته.. أن نختار معاً اسم الطفل الذي سننجبه ولون طلاء غرفته...
أقصد أن نعمل معاً , ونتشاجر ثم نتصالح ,ونزرع الاشجار ونعلق الأرجوحة ,
ونتبادل العناق بشغف ,وتذهب في إجازة معاً . المهم هو أن يدرك الإنسان أنه لن يكون وحده مهما حصل .
(فقدت أفراد عائلتي كلهم ,لكنني لم أفقد يوماً إيماني بالحب .إنه الكنز الوحيد الذي ورثته عنهم فقد علمتني الأيام أن الحب هو الشيء الوحيد في هذا العالم الذي يستحق أن يناضل المرء في سبيله).
نظر إليها وهز رأسه ثم أردف لكن الحب كان بالنسبة إليك أسوأ ما في الوجود).
قال له والدموع تغشي بصرهالكنك قلت لي إنك مرتبط).
- لكنني توقفت لا حقاُ عن الفرار وأدركت أنني بحاجة إلى ما كنت تهربين منه.
- لمَ تقول لي هذا؟
- أرادت أن تسمعه يقول لها إنه يحبها.. لكن كيف تتوقع منه أن يجازف إلى هذا الحد في حين أنها رفضت المجازفة بأي شيء من أجله؟
حتى أسرار قلبها.
-بالمناسبة. أنا لا أصفح عما فعله زوج أختك لكنني أتفهمه.
-حقا؟
سرها أن يقول هذا.لماذا؟ فقد كانت على وشك الوقوع في حبه.
لكن أن يتفهم موقف زوج أختها؟ وعادت نيران السخط والنقمة تتأجج في داخلها وتزداد حدة..
- عندما يتملك الرجال الإحساس باليأس والبؤس والدمار ,لا يتوانون عن القيام بأي شيء على الإطلاق للتخلص من هذا الإحساس ... وهذا لا يعني أنهم سيحسنون التصرف دائماً..
- وهذا يفسر لما أفضل سميدلي على الرجال الاخرين..
-قد لا يسيئون التصرف إن عثروا على حضن دافئ , وكتف حنون.
وإذا لم يشعروا بأنهم ملزمون بأن يكونوا أقوياء ويهتموا بكافة الامور.
أنت تريدين أن تظهري زوج أختك بصورة المجرم. لكن من يدري؟
ربما لم تقف أختك بجانبه..
- أخرج من هنا!
كيف يجرؤ على حشر نفسه في أمور عائلتها؟ كيف يجرؤ على تعرية روحها في حين أنها ليست مستعدة لذلك ؟ كان الصراخ في وجهه أسهل من التأمل في ما قاله .
لسوء الحظ أنه لم يشعر بالإهانه بل بدا سعيداً لمغادرته المكان.
قال قبل أن يخرج من المنزل أشعر بالأسف نحوك).
عندما فتحت كريستين باب قلبها على مصراعيه أمام مايكل, توقعت أن يعلن لها حبه لكن رد فعله خيب أمالها فانفجرت بالبكاء وقد شعرت بالصدمة, والغضب, و اليأس والألم.فهذا الرجل الذي خسر كل شيء في حياته يشفق على حالها.
لكن, وسط عاصفة المشاعر المتضاربة هذه,سطح فجأة نور الحقيقة. لم يقل مايكل إلا الحقيقة, ولم يخطئ عندما أدرك أنها تتألم أكثر منه لأانها فقدت إيمانها بالحب .
لكنها شعرت بقشعريرة قوية تسري في جسمها وهي تنظر إلى البقعة الخالية حيث كان يقف للحظات خلت, قشعريرة هي ثمرة حياة اختارت أن تعيشها من دون حب ..حياة أمنة لكن لا طعم لها ولا لون.
كان مايكل يطالبها بأن تقتح قلبها وأن تتحلى بالشجاعة التي أظهرها لتكون جديرة به.
قالت بصوت عالٍ وقد تملكها الغضب: لست مستعدة لذلك..
وتناهى إلى مسمعها صوت هادئ, عميق صادر من أعماق ذاتها, يقول لها: "بلى...أنت مستعدة لذلك...." .
================

9- ينبوع الماء العذب
تسعة أيام قبل حلول عيد الميلاد ....
ركن مايكل سيارته أمام المبنى الواقع عند طرف الشارع على مقربة من مكتب جمعية بابا نويل. لم يكن وكيل العقارات قد وصل بعد فجلس مايكل ينتظره في السيارة وهو يفكر ملياً في ما جرى بينه وبين كريستن مساء أمس. . مرمورية
كان راضياً جدا عما آل إليه شجارهما الأول مع أنه شعر بشيء من الندم لأنه لم يستفزها بشكل كاف.
عندما كان والداه يتشاجران، كان التوتر يخيم على المنزل لكن ما إن تمر بضعة أيام، حتى يسارع والده إلى طلب الغفران فيشتري لها الورود وتعود الأمور إلى مجاريها. يقول البعض إنه لا ينبغي أن يتشاجر الأهل أمام الأولاد لكن مايكل ليس واثقاً ما إذا كان يوافقهم الرأي. فالتوتر الذي كان يسود علاقة والديه بين الحين والآخر علمه أن الحب ليس سريع العطب وأن الخلافات بين الزوجين مسألة طبيعية.
نظر إلى ساعته، مازال أمامه متسع من الوقت ليلقي عليها التحية قبل أن يصل وكيل العقارات. .
ترجل من سيارته وقطع الشارع مسرعاً. كانت كريستن جالسة في مكتبها، ما إن لمحت طيفه حتى أعادت كتيبها المفضل إلى الدرج العلوي من مكتبها، وشبكت يديها على الطاولة، ثم نظرت إليه بتكلف وقد بدت عيناها شديدتي الحمرة، وسألته قائلة: " نعم؟ ".
- هل انت بخير؟
- طبعاً. إنني على أحسن مايرام . . ولم لا أون بخير؟
اجتاحته رغبة ملحة في أن يتكئ على طاولة مكتبها ويعانقها بشغف، لكنه فضل أن يتعامل معها بطريقة أقل حدة.
- طرأ علي عمل ضروري هذا الصباح ولم أتمكن من الحضور.
أجابته وهي تحاول أن تتظاهر بأنها متفاجئة: " حقاً؟ "
- هل ظننت أنني لم آت لأنك طرتني من منزلك؟ ....... من الصعب التخلص مني. مرمورية
- حقاً؟
ثم أضافت على عجل: " حسناً . . شكراً لأنك أعلمتني . . . الوداع ".
أجابها محاولاً ألا يفقد صبره معها: " هذا ليس وداعاً ".
- لست مجروحة القلب . . . ولا أحتاج إلى شفقتك.
إنها الكلمات التي تفوه بها قبل أن يغادر منزلها ليلة البارحة. كان يشعر بالأسف نحوها. أشاحت بنظرها بعيداً عنه، وخيل إليه أنها تحدق بتوق كبير في الدرج حيث وضعت كتيبها المفضل.
أطلق مايكل تنهيدة طويلة. إنها امرأة صعبة المراس ومعقدة. لم اختارها قلبه من بين نساء العالم كلهن؟ لأنها امرأة صعبة المراس ومعقدة، ولأن فتنتها لا حدود لها، ولأنها تبذل جهدها لزرع الفرح من حولها مع انها محطمة الفؤاد.
لم تكن امرأة عادية. . لم تكن امرأة سطحية. . كانت أشبه بينبوع ماء عذب متفجر من قلب الأرض، ومن يتذوق مياهه، يجد صعوبة في تذوق أي شيء آخر. مرمورية
- اسمعي كريستن. .
نظرت إليه بعينين خاليتين من أي تعبير، وقد افتر ثغرها عن ابتسامة زائفة. وتراءت له الحقيقة فجأة: هي تحب ارتياد النوادي الأدبية وهو شاب خشن وقاس، عمل طوال حياته على كسب رزقه من عرق جبينه، ولن يتمكن أبداً من إيجاد الكلمات المناسبة لإقناعها.
أراد أن يطلب منها أن تثق به، لكن الثقة هي من الأمور التي فقدتها يوم تعرض ابن أختها لحادث سير، وانهار عالمها الوردي الجميل. لقد فقدت قدرتها على أن تثق بأحد. واختارت من كلامه الكلمات التي أرادت أن تصدقها وقررت أن تصدق أنه يشفق على حالها.
- من الصعب على المرء أن يشفق على شخص يرغب في خنقه.
واجتاز الغرفة الصغيرة متوجهاً مباشرة نحوها، لم يكن بإمكانها الهرب منه فكرسيها تستند إلى الحائط في ذلك المكنا الضيق. مرمورية
مال نحو مكتبها، ووضع راحتي يديه عليه فسارعت إلى تغطية حنجرتها بيديها وكأنها تريد أن تحميها، ما أثار انزعاجه. هل تصورت أنه ينوي خنقها فعلاً؟
استغل فرصة انشغالها بحماية الجزء الخطأ من جسمها وانقض عليها كالطائر الكاسر. . . أراد أن يخرجها من تزمتها فوجد جسدها الرقيق المتردد يذعن لعناقه ويستسلم له.
لم يكن مايكل تواقاً إلى عناق مفعم بالشغف والدفء واللهفة البدائية بل عناق بسيط يؤكد له أن المرء قد ياتقي نصفه الآخر على حين غرة. حمل عناقه رسالة واضحة تدعوها إلى أن تثق به وتضدقه. وجاء الرد على قدر التوقعات. مرمورية
ابتعد عنها قائلاً: " عليَ أن أنصرف ".
فأومأت برأسها من دون أن تتفوه بكلمة.
- بالمناسبة، هل أخبرتك أنني أعدت النظر في الموضوع؟ لم أعد مرتبطاً الآن.
- سأحرص على تعليق الخبر على لوحة الإعلانات.
عادت تراوده الرغبة الشديدة في خنقها. لو كان يملك متسعاً من الوقت للقنها درساً، إنما يبدو تلقين كريستن درساً سيكلفه ارتباطاً مدى الحياة.
في هذه اللحظة، تنتظره مهمة أعظم وأكثر إلحاحاً فقد أراد أن يمنح كريستن ما خيل إليها أنه من الصعب جداً الحصول عليه. أراد أن يثبت لها أن الخير يولد من الشر وأن الحب ينتصر في النهاية.
عاد مايكل أدراجه إلى المبنى المهجور حيث وجد في انتظاره وكيل العقارات الذي تربطه به صداقة ترقى إلى أيام الدراسة.
قال له إيد: " أكره هذه النظرة الخبيثة. كنت أراها في عينيك كلما أردت أن تسحقني في ملعب كرة القدم. لابد أن الأمر يتعلق بامرأة ".
- امرأة صعبة المراس.
- لكن المرأة السهلة لا تجدي نفعاً.
- أنت تتكلم الآن مثل أمي.
دخلا المبنى حيث عبقت رائحة العفن والغبار. كانت الأرضية باردة، والجدران قذرة، والمصابيح مكسورة، وعلى الرغم من ذلك، أذهلت صلابة البناء مايكل. مرمورية
- سأحول هذا المكان إلى مركز غرانت بايكر للمطالعة.
وعلى الرغم من الفوضى التي تعم المكان، تراءت في ذهنه صورة المركز الذي ينوي افتتاحه: الرفوف المصفوفة بالكتب، الجدران الزاهية اللون، الأرضية المغطاة بالخشب الصلب فضلاً عن الآجر المصقول ونظام الإضاءة الحديث.
سأله إيد بنبرة لا تخلو من الإرتياب: " ماذا؟ ".
- سيقصد الأولاد هذا المكان للمطالعة.
- سيكون الأمر ممتعاً شرط ألا يضطروا للعب لعبة شد الحبل مع الفئران.
- لم أنا محاط بأشخاص متشائمين؟
ثم تابع يقول متذمراً: " سأصلح المكان وزأغير الأرضية، وأطلي الجدران وأقوم بتركيب نظام حديث للإنارة. وسأبني هنا مدفأة، ومطبخاً صغيراً هناك ". مرمورية
كان بحاجة إلى معجزة في عيد الميلاد لكنها الوسيلة الوحيدة ليعيد إلى كريستن قلبها.
قال إيد بحزم:
- ستفتتح المكان يوم عيد الميلاد.
وفي لحظة من لحظات الخيال الجامح، رأى مايكل المكان أمام عينيه كما يتخيله تماماً: قاعة كبيرة تعج بالأولاد المسترخين على الوسائد يطالعون الكتب ويلتهمون التفاح.
كان مايكل يعي أن الهدية الحقيقية هي أن يعطي الإنسان بلا حدود ومن دون أن يستثني أحداً. لكن الحياة لا تقدم للمرء إلا هدية واحدة حقيقية تأتي بأشكال مختلفة. لكن مهما كان الغلاف، يبقى الحب الهدية الحقيقية الوحيدة. مرمورية
غادرت كريستن المكتب في ساعة متأخرة وأصرت لولو على مرافقتها إلى السيارة رافضة الاعتراف بأنها تلتزم بما أوصاها به مايكل.
وعلى الرغم من مرور بضعة ساعات، بقى عناقه في ذهنها وكأنه وسمها بطريقة بربرية، بدائية لذيذة. عندما قال لها إنه شديد الانشغال، كانت واثقة من أنه يودعها، بعد أن وجد عذراً مقنعاً لعدم الحضور إلى المكتب والتواجد قربها. لكنه عاد وفاجأها بعناق رقيق، يتسم بالمسامحة والترحيب. . أتراه عناق وداع؟
كم يثير سخطها!
شغلت محرك سيارتها وقررت ألا تسلك الطريق المعتاد إلى منزلها لتمر قرب المبنى الذي تحلم بشرائه. رأت نوراً مشعاً من النوافذ ولفت انتباهها أن لافتة " للبيع " التي علقت منذ فترة طويلة اختفت وحلت مكانها لافتة أخرى تقول " مباع " . . وتناهت إلى مسامعها أصوات العمال. مرمورية
زادت سرعة سيارتها وقد غمرها إحساس بالغثيان.
هذه هي نتيجة التردد. . هذه هي نتيجة التريث . . . لقد تعرضت أحلامها للسرقة على يد شخص صاحب رؤية، وقلب لا يهاب شيئاً. لايمكنها أن تستمر في انتظار أن تأتي الحياة إليها.
كان مايكل على حق فالحياة ليست مثالية. أليس صحيحاً أنها فقدت المل حتى في العثور على جني وكان المسألة عسيرة إلى هذا الحد؟. . . ما الذي ستفعله؟ هل ستنتظر حتى يعثر لها على جني وتعتمد عليه كلياً؟
يمكنها ان تلعب هي دور الجني بنفسها، يمكنها أن ترتدي بزة خضراء وتوزع الهدايا. هذه الفكرة غمرت قلبها بموجة من السعادة، وتساءلت في سرها لما لم تفكر في ذلك من قبل؟
إنها رسالة مباشرة لها، مع أن الدرس الذي تعلمته قاس جداً.
عند وصولها إلى المنزل، ستتصل بمايكل وتثبت له أنها تخلصت من مخاوفها كلها. حسناً، الأمر ليس صعباً إلى هذا الحد، فهي تريده أن يترجم لها نواياه، وليس نواياها. لم يعد مرتبطاً؟ لا بأس، هي أيضاً ليست مرتبطة. وعقدت العزم على اغتنام أهم فرصة في حياتها، متجاهلة الدروس التي تعلمتها، وبذل مافي وسعها لتستعيد إيمانها بإمكانية أن تعيش " في ثبات ونبات مدى الحياة ". مرمورية
قررت أن تضغي إلى الصوت الصارخ في داخلها والتي عجزت عن إسكاته، صوت يدعوها إلى الثقة بالآخرين، والتحلي بالشجاعة، والتخلث من تحفظها لتكون جديرة برجل مثل مايكل.
إن كانت ستستعيد إيمانها بالمعجزات، فما المانع في أن تتمنى عودة الأمور إلى مجاريها بين بيكي وكينت؟ كيف يمكنها أن تؤكد أنهما لن يتصالحا أبداً؟ ما معنى بضعة آلاف من الأميال إن كان مقدراً للمعجزة أن تحصل؟
لم تخلع كريستن سترتها عند دخولها شقتها، كما لم تسارع إلى إلقاء نظرة على مجموعة " ليتل " كما اعتادت أن تفعل.
قلبت صفحات الدليل إلى أن عثرت على رقمه. ما الذي ستقوله له؟
لكن ذاتها الجديدة بقيت مصممة على أن تكون عفوية في حديثها. ستطلق العنان لنفسها لتقول كل ما يخطر لها. مرمورية
بقى هاتفه يرن من دون أن يجيب أحد. . لم يكن بالمنزل. أحست بالغثيان يزداد حدة . . أتراها ستفقده كما فقدت ذلك المينى؟
- مرحباً. . . أنت على إتصال بمنزل مايكل. . اترك رسالة صوتية وسأتصل بك لاحقاً.
سرى صوته على طول عمودها الفقري وكأنه مسها وأحست بالارتباك ولم تجد ما تقوله حتى لآلة التسجيل.
فقالت على عجل: " لا تبحث عن جني فقد عثرت على واحد ".
وأقفلت الخط وقد انزعجت كثيراً من نفسها. . . أهذه هي فكرتها عن المجازفة؟
طلبت الرقم من جديد وأحست بنفسها مشلولة الحركة عن سماعها الطنين. مرمورية
- نسيت أن أترك اسمي فلعلك تبحث عن جني لشخص آخر. . . أنا كريستن. . .
وأقفلت الخط بسرعة. . .كيف تكون المجازفة الحقيقية؟ أن تخبره الحقيقة كاملة وتعلن له عن حبها؟ كانت واثقة من أنه سيكتشف الأمر بنفسه بعد هذه الرسالة المشوشة.
جلست قرب الهاتف تحدق فيه، هنا تكمن المجازفة التي لم تكن مستعدة بعد لمواجهتها، وليس في الإعلان عن حبها. فمشاعرها باتت علنية، بطريقة أو بأخرى، ومن دون إذنها.
كانت مشاعرها قوية وكبيرة وحقيقية، مساعر تكاد تمزق قلبها. وكأنها فقزت من فوق جرف وهي لا تعرف ما ينتظرها في الأسفل أو مدى عمق الهاوية التي وقعت فيها. مرمورية
أحست بنفسها حية من جديد وكأنها كانت غارقة في سبات عميق واستفاقت منه للتو لتستمتع بكل لحظة جميلة في هذه الحياة. كانت تشعر بنفسها أميرة من أميرات القصص الخيالية وقد قبلها أميرها قبلة بعثت فيها الروح.
وتساءلت فجأة ما تراه يفعل خارج المنزل في هذه الساعة المتأخرة من الليل. وخطر لها أنه يكون برفقة امرأة أخرى. .
وفجأة هجرت الرياح أشرعة مركبها ما أثار سخطها. لن تتريث بعد اليوم. إن كانت تريده لنفسها، فعليها أن تناضل من أجله بكل ما أوتيت من قوة. مرمورية
سمعت صوتاص في داخلها يقول لها هامساً: " ثقي به. . فهذه هي الخطوة الأهم ".
كانت تثق به فعلاً لكن لعلها لا تثق بنفسها وبقدرتها على التمييز ما بين الرجل السيء والرجل الصالح.
استيقظت صباح اليوم التالي على رنين الهاتف فقفزت من سريرها بسرعة، وصدمت قدمها من شدة لهفتها للإجابة على الهاتف.
- هذه أنا كريستن.
بدا صوت أختها مفعماً بابهجة وهي تضيق: " سنأتي أنا وغرانت لنمضي عيد الميلاد برفقتك ".
- حقاً؟
- وأحمل لك خبراً سعيداً، لكن ساحتفظ به حتى أراك. لا تقلقي بشأن إقامتنا فأنا أعرف أن منزلك صغير. مرمورية
لم تشأ أن تقول لها بصراحة إنه لا يتسع للكرسي بعجلات.
- لقد حجزنا غرفة في الفندق.
وضعت كريستن سماعة الهاتف وغرقت في الكرسي المجاور. قررت اختها المجيء لتمضية العيد برفقتها. كيف استطاعت أن تتدبر أمورها مع أنها تمر بأزمة مالية؟
ساورتها بعض الشكوك في هذا الشأن، قالت لها إنها تحمل لها خبراً سعيداً..... لابد أنها تعرفت إلى رجل ما فنبرة صوت أختها أثرت فيها أكثر من خبر مجيئها لتمضية عيد الميلاد برفقتها.
على الرغم من غضبها الشديد من زوج اختها، أو زوج أختها السابق، ألم تكن تأمل أن تصطلح الأمور بينهما؟ ألم تكن تتمنى في أعماق نفسها أن تعود الأمور بينهما إلى سابق عهدها؟ مرمورية
لم يكن من المناسب أبدأً أن تطلق كريستن العنان لأحلامها فهي تميل إلى الإنغماس في أحلام لا رجاء منها، أحلام قد تترك قلبها محطماً. . وإذا بالثقة التي ملأت قلبها الليلة الماضية وجعلتها مصممة على ألا تتريث بعد اليوم، وتسعى للحصول على ما تريد، تتلاشى شيئاً فشيئاً.
****************
سبعة أيام قبل حلول عيد الميلاد. . .
- أترغبين في رؤية مشهد جميل؟
وضعت لولو إصبعها على ثغرها وقادت كريستن إلى الغرفة في الجهة الخلفية فإذا بها تجد مايكل نائماً داخل العربة الجليدية. . . كان قد أخبر كريستن أنه منشغل بمسألة مهمة يريد إنجازها قبل عيد الميلاد. وعلى الرغم من ذلك، كان يجد متسعاً ليمر كل ليلة ويتاكد بنفسه من أن المور تسير على ما يرام. لم تكن كريستن غبية فقد حرص مايكل على ألا يتركها تتوجه إلى سيارتها بمفردها.
لم يكن الأمر يزعجها على الإطلاق، فقد اعتاد أن يمسك بيدها وينفخ عليها في بعض الأحيان، ليبعث الدفء ليس في يدها فحسب بل في قلبها أيضاً. مرمورية
رافقها مرتين ألى منزلها ولعبا الورق معاً، لكن عندما نجحت في التغلب عليه، أدركت أن الإرهاق بلغ منه مبلغاً.
غمرتها موجة من الحنان والشوق وهي تتأمله مستغرقاً في النوم. وكانت هذه المرة الأولى التي ترتبك فيها كريستن إلى هذا الحد.
عليها أن تتأكد بنفسها. عليها أن تحصل على إجابات صريحة.
أخذت نفساً عميقاً، ثم تسلقت المركبة وجلست بقربه ومررت يدها على شعره وخده.
استفاق ببطء، وقد بدا مترنحاً ونكداً، فعادت ولامست خده من جديد.
أدناها منه وعانقها بشغف ولهفة وكأنهما يبحثان معاً عن حقيقة أعظم منهما، وأعظم من الألم الذي عانيا منه، وأعظم من القصص الخيالية. وسمحت لنفسها بأن تتخيل شكل حياتها إذا ما قدر لها أن تستفيق كل صباح بقربه. مرمورية
كيف يمكن أن يكون شكل حياتهما معاً؟ هل يمكن أن يقرآ الصحف معاً في السرير؟ ويشربان القهوة من الفنجان نفسه؟ ويذهبان في إجازات طويلة؟ ويسيران وياهما متشابكتان؟ ويحرقان الخبز أثناء تحميصه؟ وينجبان الأطفال؟
أحست بنوع من الدفء وهي تفكر في تلك اللحظات اليومية الروتينية، دفء نابع من ثقتها بانها عثرت على أميرها الذي سيشاركها تفاصيل حياتها اليومية. .
قال لها وهو يمد يده ليلامس خدها: " احمر خداك خجلاً ".
- أعلم هذا.
ولم تتكبد عناء التفكير: " هذه أنا. . أحمر خجلاً ".
- هل راودتك أفكار عابثة؟
- كلا.
وضحكت ثم استطردت قائلة: " حسناُ، ربما ".
نظر إليها بعينيه الناعستين وكانه يتأمل الشمس وهي تشرق وليس خديها المتوهجين. .وفجأة، ومض شيء في عينيه، شيء عابث ومغرِ.
- لو كنت فتاة سيئة، لسهل الأمر أكثر.
- يمكنك أن تعلمني. تذكر أنني تعلمت لعبة الورق من دون جهد.
كلا. . آسف. . عقدت العزم على أن أغير نمط حياتي. كم الساعة الآ،؟
قطبت كريستن جبينها، لا يفترض به أن يسأل عن الساعة في لحظة مماثلة. مرمورية
- تجاوزت الساعة منتصف الليل وغادر الجميع إلى منازلهم.
رباه! هل بدا تعليقها وكانه دعوة صريحة لتمضية المزيد من الأوقات الحميمة معاً؟ لم يكن أمامها خيار آخر وازداد احمرار خديها حدة، غير أنه لم يلاحظ الأمر.
- تجاوزت الساعة منتصف الليل؟
وطار النوم من عينيه فأبعدها عنه ليتمكن من الجلوس، ثم هب واقفاً على قدميه قائلاً: " تباً، عليّ أن انصرف ".
إلى أين يمكن أن ي1هب بعد منتصف الليل؟
توقف قليلاً، والتفت إليها وعلى ثغره ابتسامة دافئة مثيرة.
- عليّ أن أذهب كريستن، مع أن الأمر صعب علي. .
ومال نحوها وعانقها عناقاً سريعاً وودوداً. ولم تغفل عن إمارات الندم البادية في عينيه، غير انها لم تكن كافية لحثه على البقاء.
بقيت تراقبه إلى أن توارى عن ناظريها ثم قفزت إلى المركبة، وأصلحت ثنايا الفستان الجديد الذي ترتديه. مرمورية
لعل أكثر ما تكرهه في مايكل برويستر هو أنها تحبه إلى درجة حملتها على منح القصص الخيالية فرصة أخرى.
لبضعة أسابيع خلت، كانت حياتها مختلفة كلياً: غير أنها انقلبت اليوم رأساً على عقب. لبضعة أسابيع خلت، كانت قادرة على التحكم بتفاصيل حياتها من دون أي عناء.
لكن مشكلتها مع مايكل هي أنها لن تتمكن بعد اليوم من الإمساك بزمام الأمور. . هل كانت قادرة على تحمل هذا؟
لم تكن واثقة تماماً لكنها واثقة من أنها لن تتمكن بعد اليوم من الاكتفاء بما كانت قانعة به من قبل. وهذا ما تكرهه في الحب: فهو يدمر كل شيء. . مرمورية
=================

10- وعاد نبض الحياة
ليلة عيد الميلاد
بدا مايكل برويستر مترنحاَ من شدة التعب .سيحرص في المرة المقبلة على الا يتباهى بقدرته على ترميم مبنى قديم, مهمل ومهجور خلال هذه الفترة الزمنية القصيرة جداً حانت ساعة الحسم وشارفت الاعمال على نهايتها لتكشف عن معجزة هي ثمرة روح الجماعة والكرم. عندما ينتهي بابا نويل من تسليم الهدايا على متن مركبته الجليدية ,يمكنه العودة الى هنا ليتأكد من أن المبنى اصبح جاهزاَ ليفتح ابوابه امام سكان الحي.. وكريستن.. . رومانسية
وجد مايكل نفسه مرغماً على التخلي عن غروره امام تكاتف المتطوعين لجعل مركز المطالعة حقيقة واقعة. فقد انضم اليه في بادىء الامر, عدد قليل منهم لكن سرعان ما اخذوا يتوافدون جماعات... شبان وشابات استفاقوا من حلم بابا نويل الوردي, وجاؤا ليقدموا يد العون من دون مقابل. جاؤوا يعرضون المساعدة مع انه تحول الى طاغية مستبد يخرجهم عن طورهم من شدة عصبيته. رومانسية
وما لبثت الاحكام المسبقة التي اطلقها على هذا الحي ان تلاشت فهؤلاء الفتيان كانوا بحاجة ماسة للعمل واظهروا توقاً شديداً لتعلم كافة المهارات التي يتمتع بها من دون ان يتهربوا من اي شيء: من صف القرميد الى الإسمنت مرورا بأعمال الادوات الصحية والنجارة وطلاء الجدران. ولم تتوانَ الفتيات ايضا عن حمل المطارق الثقيلة والمناشيرالدائرية إلا أن الاعمال تطلبت الكثير من الوقت لان العمال متحمسون إنما تنقصهم الخبرة والمهارة.
ولكن حصل مالم يكن بالحسبان, فقد اراد مايكل ان يقدم مركزغرانت بايكر للمطالعة لشخص معين .اراد ان يهديه لكريستي, عل هذه الهدية تجعلها تستعيد ثقتها بالحياة, وتنقل اليها رسالة مفادها ان الناس يمكن ان يبعثوا الخير من الشر اذا ما حافظوا على صلابة ايمانهم. إلا ان هذه الهدية ما لبثت ان تحولت الى شيء مختلف كلياً, تحولت الى هدية لكل شاب يافع يجتاز عتبة هذا الباب ,ويقدم كل ما عنده من دون ان يطلب اي مقابل. رومانسية
وشعر مايكل بأنه تلقى اعظم هدية على الاطلاق فقد اعترف في قرارة نفسه بأن الحياة لم تدب في جسده يوم انتشلوه من عرض البحر بل يوم دخل مكتب جمعية بابا نويل السرية .فمنذ ذاك اليوم, استعاد أنفاسه ومشاعره ورغبته في الضحك .كما عاد يشعر بالبرد, واضطر الى شراء سترة شتوية .كانت هذه الامور كلها تدل على أنه مازال ينبض بالحياة.
لكن البقاء على قيد الحياة لا يكفي وحده...عليه ان يذهب الى كريستي حاملاً قلبه بين يديه, و يسألها ما إذا كانت مستعدة للمجازفة والوقوع في حبه: فهذه المسالة تفوق من حيث اهميتها مسألة البقاء على قيد الحياة. رومانسية
قبل بضعة أيام من حلول رأس السنة ,بات مايكل قادرا على رؤية ما يخبئه له المستقبل .كان يحلم بمنزل صغير وامرأة فاتنة رمادية العينين, والكثير من الاطفال. كان يحلم بأطفال يستيقظون باكراً صباح الميلاد ويفتحون الهدايا فيما اصوات الفرح والحماسة تملأ المنزل. كان يحلم باللحظة التي يحين فيها موعد فتح الهدية الأخيرة والتي تتمتع بأهمية خاصة...لهذا السبب بالذات, اولى مهمته الجديدة اهتماماً خاصاً واظهر, بطريقة او بأخرى كفاءته اكثر من اي وقت مضى. في الماضي كان رجلاً ساحراً سهل المعشر. كان يحب اللهو, والحفلات, والرحلات مع شقيقه واصدقائه, ومباريات كرة القدم فضلًا عن اللقاءات مع افراد العائلة .وكان قانعاً بكل ما قدمه له العالم ,ولايبحث عن شيء يفوق ماهو قانع به. كان عالمه يدور حوله فقط.
وفجاة, ظهرت كريستي في حياته كريستي التي تختلف عنه من نواح عدة فعالمها يتمحور حول مساعدة الاخرين, وتغير العالم وجعله اكثر اماناً وزرع الحب في الاماكن القاحلة في حين أنها تحاول أن تقنع نفسها بأنها لا تؤمن بالحب.. رومانسية
لقد نسيت, في مكان ما, على درب حياتها حاجاتها ورغباتها, وأصبحت تخشى أن تسال عنها. كان عليها أن تكون أكثر أنانية ,وهو أقل أنانية .وجعله العمل الذي يقوم به يشعر بأنه جدير بحب تلك المرأة ,وجدير بأن يصبح اباً ويعلم اولاده ان يكونوا مواطنين في عالم اكبر.
ما افتتاح مركز غرانت بايكر للمطالعة الذي سيقام في الغد سوى البداية .وهو ينوي ان يستعمل النقود التي تلقاها من شركة التأمين وورثها عن والديه وشقيقه, للصالح العام فقد أدرك, اخيرا أنها نعمة وليست نقمة ,ووجد السبيل المناسب لاستثمارها. لن يشتري اجهزة تلفزيون او سيارة فخمة او ملابس جديدة. كلا سيستثمرها في مشروع اكثر اهمية: سيشتري المبنى الشاغر في الجهة المقابلة. صحيح ان حالته اسوأ من حال هذا المبنى لكنه سيتمكن من تعليم الشبان كيف يهدمون البناء ويعيدون ترميمه اثناء هذه العملية, سيتسنى لهؤلاء الفتيان الذين تبددت امالهم بسبب الفقر, وانعدام الفرص, وسوء التعليم, ان يطوروا انفسهم من جديد. رومانسية
كان ينوي ان يحول المبنى الجديد إلى مركز ال برويستر للتدريب على المهارات, ليتمكن من تعليم هؤلاء الشبان أصحاب الأحلام الكبيرة, كل مايرغبون في تعلمه. يمكنه الاستعانة بخبراء لتعليمهم المهارات التي يجهلها .وقد اكتشف خلال الأسبوعين الماضيين أنه مدرس بارع, خاصة مع الأشخاص التواقين الى هذا الحد من التعلم.
انما عليه ان يضع احلام المستقبل جانبا في الوقت الحالي اذ تنتظره مهمة مختلفة مهمة لا يملك ادنى فكرة عنها.
تجمهر عدد كبير من المتطوعين أمام مكتب جمعية بابا نويل السرية لنقل الهدايا المتبقية الى المركبة الجليدية, بينما جلست لولو في المقعد المخصص لبابا نويل ,كانت كريستن قد طلبت منه ان يوافيها مشيرة الى انها تحتاج اليه ليتولى مهمة هي الاكثر اهمية في تلك الامسية. ولكن أين كريستن؟ وفجأة فغر فمه... متى تغير شكل الجن الى هذا الحد؟ الا يفترض بهم أن يكونوا قصيري القامة وسيئي الطبع؟
خرجت كريستن من مكتب جمعية بابا نويل السرية متنكرة بزي جني يصل الى نصف فخذيها ,فبدت ساقاها في الجوارب الخضراء البراقة وكأنها تمتد الى ما لا نهاية ,أما الزي المصنوع من كيس الخيش فصبغ بألون الاخضر, وثبت على الخصر بحزام فكان الاكثر اثارة بين ملابسها كلها بما في ذلك الفستان الاحمر الطويل الرائع. رومانسية
بدت كريستن موريسون وكأنها ولدت لتكون جني بابا نويل, ألم تكن كذلك فعلا؟ أليست الجندي المجهول الذي يحول الاحلام الى حقيقة؟
- لقد وصلت
واندفعت نحوه مضيفة" اذهب وبدل ملابسك بسرعة"
- اشتقت اليك
بدأت الحمرة تزحف الى خديها فيما قالت " ابدو مريعة لا تنظر الي بهذه الطريقة "
- أي طريقة؟
وشبك ذراعيه على صدره, ومال قليلا الى الوراء ليتمكن من تأملها جيداً
_ انت تعلم ما أقصده
- كلا لا أفعل
حدق في الكيس الذي أعطته اياه والشكوك تملأ عينيه أنه زي جني بحجم كبير.
- لن ارتدي الجوارب
- لم اجد جوارب تناسب مقاسك تحل بروح رياضية يا
مايكل... أتذكر يوم دخلت المكتب للمرة الاولى؟ قلت أنك تستطيع أن تلعب دور الجني.
-قد يتفوه الشاب بأمور كثيره ليحاول الفوز بقلب الفتاة
- رباه! اذهب وبدل ملابسك
اطلق تنهيدة عميقه ثم نادى لولو قائلا"ابدئي بغناء أغاني الميلاد المزعجة ". رومانسية
أراد أن ينتظر حتى الغد ليبوح لها بحبه لكن قدرته على ضبط النفس تلاشت امام ساقيها المثيرتين.
-ضفدعتي الصغيرة ...أريد ان أقول لك شيئا ......احبك
ولم يكد ينطق بتلك الكلمة, حتى أصبح لونها بلون البزة التي ترتديها لولو فأمسك بمعصمها وجذبها نحوه وعانقها فبادلته العناق بشغف.
رفع مايكل رأسه ليلتقط انفاسه فوجد المتطوعين يصفقون ويضربون الأرض بأقدامهم ويطلقون الصيحات استهجاناً, ....انحنى أمامها فتراجعت خطوة الى الوراء, لم يكن مايكل مخطئا بدت حمرة وجهها داكنة أكثر من لون زي بابا نويل. رومانسية
- احسن التصرف ,وصلت اختي وابنها, اقدم لك اختي بيكي....
بيكي ....هذا مايكل
ارتدت بيكي زي جني ايضا, راحت تتباهى به أكثر من اختها وعلى الرغم من الشبه الواضح بينهما وارتدائهما الزي نفسه بدا واضحاً, ان بيكي اقل تحفظا من اختها, صافحته بيكي بحرارة وقد حرصت على ألا تخبر أحد بأنه أرسل
لهما تذكرتي السفر وحجز لهما في الفندق. التقت عيونهما فأدركت على
الفور أنه متيم بأختها ,لم تصعب اختها الامور عليه؟
لانها فتاة صعبة المراس وتحب التحدي فتاة معقدة ,يمكن ان يمضي الشاب برفقتها مئة عام او اكثر من دون ان تتوقف يوما عن مفاجاته وهويراهن على أنه قادر على جعل وجهها يتوهج خجلا, حتى عند بلوغها التسعين من العمر. وسمع صوت صرير كرسي بعجلات. رومانسية
- هذا ابن اختي غرانت ..هيا.. اذهب وبدل ملابسك بسرعة
صافح مايكل غرانت ثم خرج مسرعا ليبدل ملابسه لم يكن الزي الذي خاطته له سيئا ,فهو عبارة عن كيس اخضر مزود بقبعة من الفرو ارتداه فوق سرواله الجينز وقميصه القطني لكن مظهره لم يكن يوحي ابداً بأنه جني.
نظر الى نفسه في المرأة وابتسم, غريب ما يمكن أن يفعله الرجل من اجل من يحب! ليس حب المرأة فحسب بل حب أعظم وأكبر حب. مجتمعه وابناء حيه حتى من لايعرفهم او لم يسبق له أن التقى بهم.
ماهي إلا لحظات قليلة حتى وجد نفسه على المركبة وأدرك على الفور انه ما كان ليفوت هذه اللحظة مهما كلف الثمن. رومانسية
في هذه اللحظة تحولت كريستن الى رسول الحب النقي انها المرة الأولى التي يراها في هذه الصورة ,كان الفرح ينبعث من عينيها حتى ليخال للناظر اليها ان قديسة هذا العيد اختارتها لتنبعث من خلالها. .... وكانوا قد تمرنوا مراراً وتكراراً فبعد أن يتلو بابا نويل الاسماء, يتوجه الذين يلعبون دور الجني إلى الصناديق الضخمة الموزعة بشكل منظم, على المركبة ويسلمون الرزم للمتطوعين, الذين يسلمونها بدورهم الى الأطفال المنتظرين بحماسة في الشوارع .فالشوارع التي تبدومهجورة في الأيام العادية تعج هذه الليلة بالاطفال وأمهاتهم وأجدادهم وعماتهم وعمومتهم وابائهم واخواتهم واخواتهم. رومانسية
رأى مايكل وسط الحشود المتجمهرة المعجزة نفسها التي رأهاعلى وجه كريستن المشع ,رأى الدموع تمتزج بالضحك, وسمع صراخ الاولاد حين كان بابا نويل يناديهم بأسمائهم, ونظرات التعجب والامل التي تظهر على تلك الوجوه الصغيرة وهي تتأمل العلب المغلفة وتعانقها بلهفة ريثما يتسنى لها ان تفتحها في صباح اليوم التالي.
سمع مايكل أسم اماندا واتسون, فألتفت ليرى فتاة قصيرة القامة مقارنة بسنواتها الست, شعرها مصفف بشكل جميل جداً وقد اتسعت عيناها الجميلتان عندما سمعت بابا نويل يناديها بأسمها. رومانسية
بحث مايكل عن علبتها الكبيرة وحملها بسرعة وقفز عن المركبة ليسلمها إليها بنفسه. حدقت الفتاة فيه ودست يدها في يد الرجل الواقف بقربها, ثم استدارت ورفعت نظراتها نحوه وقالت له بصوت رقيق متردد
-من أجلي انا؟
لم تستطع حمل العلبة الكبيرة فسارع الشاب الذي جاءت برفقته الى رفعها عن الارض ووضعها على كتفه لعله شقيقها او عمها, لكن مايكل تمكن من التعرف عليه لأنه كان من ضمن مجموعة الشبان الذين ساعدوه في ترميم المبنى.... أما الفتاة الصغيرة فراحت ترقص حوله وتشد على يده الاخرى وهي تصرخ فرحاً.. اقسم مايكل على أن ذكرى هذه اللحظة المميزة ستبقى محفورة في ذهنه الى الابد, لحظة امتزجت فيها مشاعر الأمتنان والأجلال بالاحساس بالاخر. رومانسية
عادت المركبة الى الامام, مكتب جمعية بابا نويل السرية وخيم سكون غريب على المتطوعين اذا راح كل منهم يتأمل في تلك اللحظات النادرة حيث قدر له المشاركة في أحدث اعظم منه.
حملت لولو المذياع للمرة الأخيرة وقالت "انتظروا مازال بابا نويل يحتفظ ببعض الهدايا في كيسه "
كانت تلك اللحظة التي ينتظرها مايكل بفارغ الصبر.. انها اللحظة التي جهز لها لوائح سرية والمهمة التي اعادت اليه قلبه وعلى الرغم من ذلك لم يستطع البقاء, فسارع الى المغادرة قبل ان تبدأ بتوزيع الهدايا هدايا بابا نويل السرية لكل المتطوعين غادر المكان وقد احس بأن قلبه امتلأ بالفرح حتى كاد ينفجر, لم يعد امامه سوى عشر ساعات لأنجاز الأعمال المتبقية في المركز قبل ان يطلع الصباح .فقد حرص على أن يضع في كافة العلب التي وزعت هذا المساء دعوة للحظور في يوم عيد الميلاد والمشاركة في رفع الستارة عن المفأجاة التي يعدها للحي كله. رومانسية
عليه ان يضع اللمسات الاخيرة على الطلاء ويخرج الاثاث من الغلاف, ويرتب الكتب التي أرسلت إليه كهبات على الرفوف دس يديه في جيب سرواله وتابع سيره.
كانت لولو قد تركت المذياع مفتوحاً فسمعها وهي تصرخ قائلةٍ " يارب السماوات ! سيتسنى لي ان اقلم اظافري في اريزونا وسأقصد المكان وانا أنتعل حذاء صممه مصمم مشهور."
وقفت كريستن تحدق في المتطوعين وهم يفتحون هداياهم وقد تفاجأت مثلهم تماماً بضخامة هذه الهدايا التي تنم عن الكرم, وحظيت اختها بيكي وأبنها غرانت بنصيبهما من الهدايا ايضا, كان غرانت قد احرز تقدماً ملحوظاً لجهة تنقله على الكرسي بعجلات. ففي وقت ابقَ من هذا اليوم ,لاحظت بيكي ان كريستن كانت تراقبه فقالت لها " عليك ان تتخلي عن الاحلام الكبيرة التي رسمتها له وتنظري إليه على أنه فتى يتمتع بقلب كبير وعزيمة لا توصف ,ولن يرضى بأن يهزم لمجرد فقدانه القدرة على المشي لعله كان ليكتسب هذا العزم من دون ان يحصل الحادث ...وربما لا... عليك ان تثقي ان الامور تحصل لسبب معين " رومانسية
مضت اربع سنوات على الحادث ولم تنفك كريستن تفكر في ما فقدته متناسية ما تبقى لديها, صحيح انها تتوق الى العيش بثبات ونبات لمدى العمر لكن أتراها فوتت عليها فرصة العيش بسعادة؟ ماذا عن الثقة؟ تمكن الجميع من تخطي الامر وتقبلوا حياتهم الجديدة على ماهي عليه, وليس كما كانوا يحلمون بها كانت اختها سعيدة وابنها ايضا .اختار الجميع العيش بسعادة إلا هي استفاقت من احلام اليقظة على صوت لولو وهي تنادي أسم غرانت وتناوله كرة السلة لتقدمها له
- انها موقعه من احدى الفرق المعروفة
وبينما كانت كريستن تسلم أبن اختها هديته احست بموجة من الجليد تجتاحها ... من اشترى الهدايا لغرانت واختها ؟من كان على علم بمجيئهما سواها؟ ومن كان على علم بأهتمامه الشديد بكرة السلة؟ لم تكن كريستن على علم بالامر. رومانسية
وما ان سمعت اسمها عبر المذياع حتى ادركت من يقف وراء هذا كله فراحت تبحث عنه بين الحشد احست بحاجة ماسة لرؤية عينيه والتواصل معهما والتأكد من انه حقيقة كانت بحاجة ماسة الى ان تجعله يدرك أنه تثق به بكل جوارحها لكنه ترك هداياه واختفى تماماً مثل بابا نويل
اخذت العلبة من لولو وراحت تحدق فيها. في هذه الليلة قال لها مايكل برويستر كلمة كانت تتحرق شوقاً لسماعها قال لها (احبك) ولن تجد خير اثبات على صحة ماقاله إلا في محتوى هذه العلبة
صرخ المتطوعون جميعا " افتحيها "
وبدؤا بالغناء والتصفيق وفتحت كريستن العلبة بيدين مرتجفتين، مستحيل كانت تنظر الى علبة مميزة من علب مجموعة ليتل...
كيف تمكن من العثور عليه؟ كيف تمكن من العثور على تمثال الفارس ذي الدرع اللامع ؟ قيل لها ان الكمية نفذت كلها بعد عشر ساعات من طرحها في الأسواق ,وما سبب هذا الاحساس بخيبة الأمل الذي غمر قلبها مع أنها تحمل بين يديها القطعه التي لطالما حلمت بامتلاكها؟ ماذا تريد منه؟ انها هدية جميلة جدا اشتراها لأرضائها مع ان ذوقه يختلف كليا عن ذوقها. رومانسية
ولكن المشكلة هي أنه لم يتقبل يوماً هذا الجانب من شخصيتها كان يرى فيها اشياء كثيرة ويتوقع منها ان تعطي اكثر لم يتقبل يوما الحاجب الضبابي المريح الذي اختبأت خلفه.
أصيب الجميع بالذهول عند رؤيتهم هديتها لاسيما وأنهم يدركون مدى تعلقها بهذا التمثال, بذلت كريستن جهداً كبيراً لتبتسم مع ان خيبة أملها كانت كبيرة جداً ما جعلها على شفير الانفجار بالبكاء. كيف تسمح لنفسها بإصدار الأحكام والهدية التي اختارتها له لا تعبر مطلقاً عما تشعر به؟ فقد اختارت ان تدفع له رسم الاشتراك في صف للرقص واشترت له في اللحظة الاخيرة احدى تلك الالات الحديثة لحفظ الاغاني والاستماع اليها, كما اشترت له بعض الحلوى فضلاً عن سروال داخلي رسم عليه بابا نويل وأحمر خداها خجلاً لمجرد تفكيرها في الامر. رومانسية
اقتربت اختها منها وألقت نظرة على الهدية وهي تبذل جهداً بالغاً لتخفي اشمئزازها ......
-هل قلت لك من قبل كم اكره هذه التماثيل؟
سألتها مصعوقة "تكرهين مجموعة ليتل؟"
-الم تدركي السبب بعد؟
نظرت كريستن الى الصورة على العلبة التي تحملها صورة تجسد شخصين متيمين ببعضهما البعض ما الذي تمقته اختها فيهما؟
هزت اختها رأسها قائلة "سميدلي يشبه كينث تماما؟"
حدقت كريستن في الصورة على العلبة مصعوقة كيف فاتها هذا الامر؟ انها الحقيقة.... سميدلي يشبه كينث كثيراً.... فتحت العلبة بأصابع مرتجفة وأخرجت التمثال الصغير بحذر من الاطار الوثير الذي صنع خصيصاً من اجله.... رومانسية
كان كينث المتجسد في سميدلي يحدق فيها فنظرت بطرف عينها الى اختها وهي ترمي كرة السلة لغرانت كانت كريستن الشخص الوحيد الذي تمسك بأمل ان تعود المياه الى مجاريها بين كينث وبيكي ...واذا بهذا الامل يموت في داخلها لقد انتهى كل شيء ولن يتصالحا ابداً
-التقطيها يا امي
رمى غرانت الكرة ولكن الضربة كانت قوية فمالت بيكي لتلتقطها وفقدت توازنها صرخت في محاولة منها لتحذيرها لكن الأوان كان قد فات. عندما رفعت كريستن نظرها فأصطدمت اختها بها بقوة ولاحقاً عندما راحت تفكر في الامر ملياً.
خطر لها انه كان بإمكانها ان تمسك هارييت وسميدلي بشكل محكم اكثر, لكنها اختارت ان تفلتهما.... اختارت ان تنقذ نفسها بدلا منهما .... وقع التمثال من بين يديها وطار في الهواء وافلت من السيد تامبل الذي حاول التقاطه وتحطم على الارض حدقت كريستن في القطع المبعثرة وهي تعي ان أنظار الجميع مسلطة عليها ولم تغب عنها الدموع المترقرقة في عيني غرانت لكن كريستن ادركت ان كل شيء انتهى. رومانسية
ضاع الحلم وتحطم شر تحطيم ولم يعد بالامكان اصلاحه وبينما كانت تقف في ذلك المكان تحدق في قطع الزجاج المحطمة ادركت انها امام خيارين يمكن ان يكون هذا اسوأ عيد ميلاد في حياتها رغم انه يبدو واضحاً ان اختها تخطت ازمتها او قد يكون افضل عيد ميلاد في حياتها............. رومانسية
كان عليها ان تتخذ قراراً بشأن ما تنوي ان تفعله في حياتها ضاعت احلامها كلها لكنها قررت الا تدع الحزن يستولي عليها ...عليها ان تفرح لأنها وللمرة الاولى منذ اربع سنوات يساورها شعور لذيذ بأنها حرة ..حرة...ومشرقة ومستعدة..
مستعدة لتقبل حقيقة رجل يكره التأنق ويغفو في مؤخرة المركبة الجليدية ويختفي في اللحظة التي يفترض ان يسطع نجمه فيها ويستمتع بالمجد والأمتنان..رجل ينبهر بها سواء ارتدت ملابس شبيه بملابس الاميرة او زي جني رجل تغمره البهجة عندما يتغير لونها ويصبح بلون ثمرة الشمندر في فصل الخريف رجل تزرع نظراته الخوف في داخلها وتشعل يداه النيران في قلبها وأدركت فجأة حقيقتها المرة كان الخوف من الوقوع في الحب الذي استولى عليها طوال السنوات الاربع الماضية يترافق مع خوف من الا يقع احد في حبها تمكن مايكل من ادراك حقيقتها قبل ان يتسنى لها ان تفهم ذاتها ما حثها على استجماع شجاعتها لتتمكن من الوقوع في حب شخص حقيقي. رومانسية
أحست بالأشراق تملأ قلبها وراحت تتذكر وجوه كل الأولاد الذين قدمت لهم الهدايا هذه الليلة وسمحت لنفسها بأن تشعر بفرحهم ووجعهم وأمالهم وأحلامهم كما لم تفعل طوال السنوات الماضية
أنفجرت كريستن بالضحك وقد دقت الساعة منتصف الليل فأستقبل شارع واشنطن الميلاد بالضحكات الرنانة المفعمة بالأمل والفرح والتي طغت على كافة الاصوات الاخرى.
سألت كريستن اختها " هل يمكنك العودة بمفردك الى الفندق؟ علي
ان أبحث عن مايكل ". رومانسية
==================
11-إنه الحب
يوم عيد الميلاد...الساعة الثانية عشرة وعشر دقائق بعد منتصف الليل..
سمع مايكل صرير الباب فرفع عينيه ليرى من القادم. دخلت لولو المكان مسرعة وجذبته إليها بقوة حتى كادت تسحقه بعناقها.
قالت له معاتبة:" كان عليك ان تبقى. عرف الجميع أنك بابا نويل السري, وأرداوا أن يشكروك على ما فعلته من أجلهم".
-يمكنهم أن يشكروني في الغد...
وأضاف بلامبالاة:" هل تلقت كريستين هديتها؟"
- وقد تحطمت
-ماذا؟
- نعم , كان ابن أختها يلعب بكرة السلة وحاولت والدته أن تلتقطتها
لكنها اصطدمت بها فتحطم التمثال.
وناولته لولو العلبة واستطرت قائلة: " احتفظت بالحطام في العلبة... خطر لي أنهم قد يوافقون على إرجاعه".
ما كان رد فعل كريستين؟
أخذ العلبة منها وهو يدرك تماماً أنه لن يتمكن من استبدالها أبداً...
-ضحكت.
على الرغم من أنه دفع مبلغاً كبيراً ثمناً لذلك التمثال السخيف,الا
أن مايكل تنفس الصعداء في سره. لا شك أنها لن تكف عن مفاجأته
بتصرفاتها حتى بلوغ التسعين من العمر...
وتسلل إلى المكان فتى يافع يعشق الأعمال الجدارية ,فناداه مايكل
قائلاً:"اسمع يا فتى..هل يمكنك أن تقوم برسم الصورة التي على العلبة على الحائط؟"
أثارت هذه المهمة الحماسة في قلب الفتى فسارع إلى الرسم...ولم تكد تمر لحظات ,حتى وصل شاب أخر يدعى مالكوم ,فسأل مايكل:
"هل يمكنني المساعده؟"
- إنها ليلة عيد الميلاد. عد إلى منزلك وامضِ بعض الوقت مع أفراد عائلتك.
-إنه يوم الميلاد. تجاوزت الساعه منتصف الليل منذ أكثر من ربع ساعه.
ثم ابتسم ابتسامة عريضة وأضاف :" انت الان عائلتي".
وفتح الباب من جديد فصرخ مايكل بنبرة قاسية :"بارني,طلبت منك والدتك المشاركة في قداس منتصف الليل"
لكن بارني هز رأسه بعناد وقال:" علي أن أنهي العمل الذي بدأته".
طبعت لولو قبلة على خده قائلة: "لطالما رغبت في تقبيل بابا نويل.
والان,أين تضع مساحيق التنظيف لأنظف النوافذ".
واستمر أفراد طاقمه أو بالأحرى أفراد عائلته بالتوافد ليكونوا معه في هذه الليلة المميزة. فقال لهم: "أظن أن لديكم أموراً أخرى تقومون بها صباح عيد الميلاد ,بدلا من العملِ هنا ".
لكن أحداً منهم لم يحرك ساكناً.
- حسناً ,لكن أرجو ألا تكون هذه بداية تقليد جديد في عيد الميلاد .
فلنتكاتف يا أصحاب ولنبدأ الطلاء.
عيد الميلاد.. الساعة الواحده بعد منتصف الليل...
تناهى قرع الاجراس إلى مسمع كريستين من بعيد ,معلناً انتهاء قداس منتصف الليل ..أين مايكل؟ كيف سمحت له بالأختفاء بهذه الطريقة؟
كانت تدرك أنه يبذل قصارى جهده لإرضائها إذ أرسل في طلب عائلتها ,
وحرص على أن يشتري لها الهدية الأحب إلى قلبها ,مع أن خيبة أملها كانت عظيمة لأنها لم تثر فيها المشاعر التي توقعتها .ربما لأنها تحبه...
أراد مايكل أن يشعرها بالامان وبأنها محبوبة. وماذا قدمت له في المقابل ؟
كيف شكرته على كل ما فعله من أجلها؟ تركته أسير وحدته.
إنه أول عيد ميلاد يمر عليه وفاة عائلته ولم تسنح لها الفرصة في خضم انهماكها بمشاكلها كي تفكر في المشاعر التي تتخبط في داخله.
وخطر لها في تلك اللحظة أن الأعمال التي تقوم بها جعلت الأخرين ينظرون إليها على أنها فتاة لا تعرف الانانية. إنما تبين لها أنها الأكثر أنانية : إذ شكلت مشاعرها محور الامور كلها ,كما حرصت على اختيار هدايا الأولاد بنفسها لتحافظ على إحساسها بالسيطرة .
كانت بحاجة إلى نوع من الهدنة ,وقد شعرت بنفسها مستعدة للانتقال ‘إلى مرحلة جديدة...هذا هو الحب الذي يتطلب منها أن تبذل جهداً أكبر من ذي قبل.
لم تكن تعرف عنوان منزل مايكل لكنها تعرف عنوان السيد ثيودور,
لأن اجتماعات النادي الأدبي تقام في منازل أعضائه بالتعاقب .وقد سمعت مرة مايكل يقول إنه جاره.
توجهت إلى المكان بسرعة .ولاحظت كريستين أن معظم المنازل في الشارع مضاءة باستثناء منزل واحد,مظلم,يلفه الحزن فأدركت في الحال أنه منزل مايكل مع أنها لم ترَ أي لافتة على البوابة.
كان مايكل شديد الحرص على تحقيق أحلام الجميع ,بمن فيهم كريستين ,ومع ذلك تركته يعود إلى منزله الكئيب الموحش...
أخذت نفساَ عميقاً ,وحاولت أن تشد زي الجني الذي ترتديه نحو الأسفل ,ثم توجهت إلى الباب وقرعت الجرس .لم يجبها أحد. قرعت الجرس مرة أخرى,لكن من دون جدوى.. وقفت على رؤوس أصابعها وحاولت أن تختلس النظر من النافذة التي تعلو الباب..
- مايكل
-كريستين؟
ارتعدت فرائصها هلعاً..
-سيد ثيودور.. ما الذي تفعلينه هنا؟؟؟ تجاوزت الساعه منتصف الليل.
وقف الرجل في الممشى خلفها
- كنت على وشك أن أطرح عليك السؤال نفسه.. مايكل ليس هنا ..
لم يرجع إلى المنزل بعد.. فهو معتاد على ركن سيارته أمام الباب.
غمرها إحساس فظيع بخيبة الأمل , لكن وعلى الرغم من ذلك,
اكتشفت تحولاً جديداً في دخلها . فلو قصدت منذ شهرين منزل الرجل الذي تحب في منتصف الليل ولم تجده فيه, لتذكرت على الفور ما فعله كينت وقدرت الأسوأ. لكن مايكل مال نحوها الليلة وهمس في أذنها أنه يحبها.. لم يكن يمازحها مع أنه ناداها ضفدعتي الصغيرة.كما وافق على ارتداء زي الجني من أجل إرضائها ..
إنه الحب بالتأكيد.
قررت في تلك الليلة أن تهدي نفسها أعظم هدية على الإطلاق.. ستستعيد ثقتها بالاخرين من جديد.
سألته:" هل تعرف أين يمكنني العثور على مايكل؟ انا قلقة عليه فهذا أول عيد ميلاد يمضيه من دون عائلته ولا أريد أن أتركه وحده".
-أظن أنه سيجد صعوبة كبيرة في العودة إلى منزله هذا المساء...
وصمت لحظة ثم أضاف:" اعتادوا إقامة حفلة كبرى عشية عيد الميلاد.. كانت والدته امرأة مميزه وتعشق عيد الميلاد".
- وخير دليل على ذلك هو الرجل العظيم الذي ربته.
نظر إليها السيد ثيودور والرضا بادٍ في عينيه.
- لو كانت ايلين على قيد الحياة, لبدا هذا المنزل مختلفاً.فقد اعتادت منافستي بشكل ودي على زينة الميلاد.. لا أظن أن مايكل زين شجرة الميلاد.
ابتعدت كريستين عن الباب ووضعت يدها على النافذه لتتمكن من إمعان النظر . كان السيد ثيودور محقاً: لا أثر لشجرة الميلاد أو لأي زينة أخرى . في الواقع بدت لها تلك الغرفة الأكثر وحشة على الإطلاق إذ اقتصر أثاثها على كرسي بذراعين وجهاز تلفزيون ضخم...
قالت له بنبرة حزينة:
-أتساءل ما إذا كان بالإمكان أن أعثر على شجرة العيد مثل هذه الساعه.
تجدين العديد منها في أخر الشارع. لا أظنهم سيبيعون أي منها بعد اليوم. أحتفظ بمفتاح منزله في مكان ما للحالات الطارئة.
كان ميدان أشجاء الميلاد مهجوراً, فراحت كريستين تتجول فيه والإحساس بالذنب لا يفارقها لحظة واحدة. اختارت أفضل شجرة بين المجموعة المتبقية, وشعرت أنهم سيلقون القبض عليها عاجلا أم أجلاَ
قهقهت ضاحكة حين تخيلت صورة رجال الشرطة وهم يلقون القبض عليها في الجرم المشهود في زي جني.
منذ شهر ونصف ,كان هذا الامر بعيد الاحتمال في حياتها المنظمة خير تنظيم .وهذا ما تعشقه في الحب: فهو قادر على أن يقلب حياة المرء المنظمة بدقة رأساَ على عقب.
وخطر لها أن ما من مفر من سرقة الشجرة ,فلمَ لا تختار الافضل بينها؟
عندما وصلت إلى منزل مايكل,وجدت المصابيح مضاءة ,والسيد ثيودور يتصرف بحرية في المنزل. بدا مطبخ مايكل وكأن أحداً لم يستعمله منذ فترة طويلة جداَ.
تأملت كريستين الجدران حيث عٌلقت صور تروي تاريخ عائلة مايكل كله فأحست بموجة من الحب تجتاحها.
-أحضرت بعض الأغراض من منزلي إذ لم أجد حتى زجاجة حليب في الثلاجة.
اختلست كريستين النظر إلى الثلاجة فوجدتها حزينة تماماً مثل المنزل .أمضى أياماً طويلة يبذل ما في وسعه لجعل الميلاد مميزاً
للجميع,ولم يفكر حتى فر شراء علبة من الزبدة ليضعها في ثلاجته
-أحضرت بعض الأشياء الأخرى أيضاَ...
وقصد بذلك مجموعة كبيرة من علب الزينة, والشرائط الملونة والشموع.
واستمرار في العمل جنبا إلى جنب إلى أن لفت روح الميلاد المكان.
نظر السيد ثيودور من حوله وتنهد قائلاَ: "أظن أنه سيتخطى محنته يا كريستين.كنت أشك في الأمر في بعض الأحيان".
- لمَ أنا؟ لمَ أرسلته إلي؟ كيف علمت أنني أتعذب أكثر منه؟
أجابها السيد ثيودور وقدا بدا عليه الذهول :" لم أكن أعلم هذا يا عزيزتي.. أرسلته لمساعدة الأطفال الذين يحتاجون إلى هدايا.وبمناسبة الحديث عن الهدايا,
لا أرى شيئاَ تحت الشجرة..سأعود على الفور".
خرجت إلى سيارتها وأحضرت الهدايا التي اشترتها لمايكل ووضعتها تحت الشجرة فيما عاد السيد ثيودور بعد قليل ,حاملاَ معه صورة موضوعه في إطار.
قال لها وهو يمد يده ليعطيها صورة العائلة السعيدة مجتمعة أمام هذا المنزل:
-التقطت لهم هذه الصورة قبل مغادرتهم إلى ألاسكا للمرة الأخيرة.
لفت انتباهها شقيقه الأقصر منه قامة, مع أنه أكبر منه سناً ,والذي تعلو وجهه إمارات عابثة مرحة. وظهرت الإمارات نفسها على وجه والده بيننما بدت والدته قانعة بما لديها .
كانت والدة كريستين تردد دائماً أن وجوه الناس تدل على ما يستحقونه.. وعندنا نظرت كريستين إلى وجه والدة مايكل, رأت وجهاُ ينبض بالقوة والرقة, وجهاًمشرقاً بالسعادة التي تدل على أنها كانت تنعم بحب رجال حياتها وليس بحب فرسان بدروع لامعة.
إلا أن لغة أجسادهم التي تعكس شدة حرصهم على حمايتها ومدى حبهم لها,أكدت أن هؤلاء الرجال كانوا فرسانها بكل ما للكلمة من معنى.
مررت أصابعها برقة على وجه المرأة التي لن تتمكن من مقابلتها إلا من خلال ابنها ثم توجهت نحو شجرة الميلاد ووضعت الصورة تحتها.
بعد الانتهاء من تزيين المكان,تمنى لها السيد ثيودور عيد ميلاد سعيد وغادر المنزل.
ارتمت في كرسي مايكل الكبير المريح للغاية على الرغم من شكله المريع,واستسلمت للنوم قبل أن تعي ذلك..
استيقظت على رنين صوت هاتفها الخلوي..
-كريستين؟
بدا صوت أختها مضطرباً.
-أين أنت؟
استفاقت كريستين من سباتها العميق ... كان نور الصباح قد أضفى على شجرة الميلاد رونقاً ذهبياً . ما زالت في منزل مايكل .. أتراه لم يرجع بعد؟ هل هو بخير؟
- هل تعرفين مكان مايكل؟
ترددت أختها قليلاً ثم قالت لها برقة: "أختي العزيزة..إن تعلقت بحب هذا الرجل أكثر ,فسنضطر لأن نلغي عيد الميلاد, لأنه لن يتمكن من منافسة العرض الذي تقدماه لنا".
عيد الميلاد! كان يفترض بها أن تتوجه في الصباح إلى الفندق لتفتح الهدايا. سألت أختها من جديد : "هل تعرفين مكان مايكل؟"
عليها أن تبحث عنه وتفضي إليه بمكنونات قلبها .أردات أن تقول له إن الحب يعني أن يتوق المرء إلى مشاطرة عالمه مع الأخر ,بعيداً عن أي أسرار.
قالت لها أختها :" أعرفت مكان مايكل. صدرت إلى الأوامر بأن أصطحبك إليه. هل يمكنك موافاتي إلى هنا؟"
لم تكن كريستين قد خلعت زي الجني بعد لكنها لم تأبه للأمر.
خرجت من الباب مسرعةً وتمكنت من الوصول إلى الفندق في أٌقل من خمس دقائق.
قالت لها أختها بنبرة الأمر : " استديري .! هيا,أسرعي قليلاَ .. سأقع في ورطة كبيرة إن تأخرنا".
- لم أعد أريد أي مفاجأت منه. جاء الان دوري.
- اصمتي واستمتعي بالأمر.
- معصوبة العينين؟ هل تمزحين؟
بدا واضحاً أنها لم تكن تفعل..
أعادت أختها إلى السيارة , وتولت القيادة عنها .
توقفت السيارة , وتناهى إلى مسمع كريستين ضجيج حشد من الناس, وأحست بهواء الصباح البارد يلفح خديها..
ولم تكد تمضي ثوانٍ قليلة حتى ضمتها ذراعاه وعبقت رائحته في أنفها...
- الجني المفضل لدى بابا نويل.
- ما الذي تخطط له؟
نزع العصابة عن عينيها, وإذا بعينيه تغمرانها بحنانهما..
لم تكن عينا رجل هجر منزله ليلة عيد الميلاد. بعد أن تغلب عليه الإحساس بالوحدة واليأس..
- لدي هدية لك.
-قدمت لي الكثير .
وضع إصبعه على شفتيها,ولمس كتفها ثم ساعدها على أن تستدير فوجدت نفسها عند منعطف شارع واشنطن الذي بدا مزدحما بالناس,
تماماً كما كان ليلة البارحة... ولفت انتباهها الأولاد الذين راحوا يتباهون بمعاطفهم الجديدة, وبالهدايا التي تلقوها.
وجدت كريستين نفسها تحدق في المبنى الذي بيع من دون علمها, وقبل أن يتسنى لها أن تحقق حلمها .. وتفاجأت لدى رؤية المبنى وقد رُمم بالكامل وعلقت لافتة فوقه مغطاة بقطعة من القماش.
- غرانت ..اسحب الحبل.
سحب غرانت الحبل فطارات قطعة القماش وحطت على الأرض فانفجر الأولاد بالضحك وابتعدوا من المكان..
قرأت كريستين ما كُتب في الشارع في كرسيه صارخاً بصوت مفعم بالحماسة:" مبنى يحمل اسمي".
أحست بوهن في سياقها وكادت تقع أرضاً لكن مايكل سارع إلى الإمساك بها.
-أتريدين رؤيته من الداخل؟
اكتفت بأن تومئ برأسها فعبرا الشارع معاً واجتازا الأبواب التي فُتحت لهما.
بدا المكان من الداخل أشبه بجنة على الارض : رفوف من الكتب,
أنوار خافته ’أرضية خشبية ,سجاد سميك .. وما لبث أن امتلأ المكان بأعداد كبيرة منهم,جاؤوا يبحثون عن كتب,ومكان يرتاحون فيه.
ولم تكد ترفع عينيها لتنظر إلى الجدران حتى صرخت لاهثة..كانت الجدران الأجمل على الإطلاق: هنا فرس البحر يرقص مرتدياً تنورة زهرية ,وهناك فأر مغمى عليه قرب مصنوع من الجبنة . أما قصر الأميرة النائمة فمحاط بخندق مليء بالماء.
وفجأة , ظهر سميدلي في الوسط ,على ظهر حصان أبيض,وقال مال نحو الأمام ليقبل يد هارييت ... لكن سميدلي لم يكن يشبه سميدلي الذي عرفته بل يشبه مايكل. وهارييت تشبهها هي.
- لا تتوقعي مني أن ألعب دور الفارس الآن في هذه الصورة.
افتر ثغرها عن ابتسامة واهية وقد تجلت لها حقيقة مختلفة , فالفارس الحقيقي يحمل قوته واتسقامته في داخله , ولا ينزع درعه إلا لشخص واحد مميز كاشفاً له بالتالي عن قلبه..
ودعت أختها وغرانت والتفتت نحو مايكل قائلة: " جاء الان دورك .. حان وقت العودة إلى المنزل ".
صعق مايكل لدى رؤيته منزله فلزم الصمت.
- هل أزعجك ما فعلته يا مايكل؟
-أبداً ؟
وجذبها نحوه وعانقها إلأ أنها أرغمته على الجلوس وفتح هداياه.
ضحك كثيراً عند رؤيته الاشتراك في صف الرقص وأكلا معاً الحلوى على الفطور. لكن عندما فتح علبة السروال الداخلي الذي اشترته له, لم يتفوه بأي كلمة واكتفى بالتحديق فيها حتى احمر وجهها وتوهج بقدر النجمة المعلقة في أعلى الشجرة.
ضحك بعدها وقال :" هذا ما أردته في عيد الميلاد .. توهج كريستي".
شغل الموسيقى وسألها : " هل ترغبين في الرقص؟"
- أجل.
ورقصا متلاصقين وهما يستمعان إلى الموسيقى
وأخيرا,قدمت له الصورة التي بقيت وحيدة تحت الشجرة ,قائلة:
"هذه هدية السيد ثيودور".
تأملها مايكل بإمعان ومرر أصابعه فوق وحيدة الوجوه التي لن يتمكن من رؤيتها ثانية.
وقفت كريستين تتأمل يديه: منذ أن وقعت عيناها عليهما للمرة الأولى, قالتا لها أشياء كثيرة عنه.إنهما يدا رجل قوي صاحب مهارات عالية , يدان توقظان في المرأة إحساساً بالوحده, وتجعلانها تتوق إلى حقيقة مختلفة .وضع الصورة جانباً’ليس تحت الشجرة بل,على رف المدفاة فقالت له برقة: " أهلاً بك في منزلك ".
يحتاج إلى الكثير ليصبح منزلاً.
-حقاً؟
ونظرت من حولها لترى ما الذي نسيت أن تضيفه الى الزينة لكنه أمسك بذقنها ورفع رأسها لتلتقي نظراتهما ..
-يمكنك أن تمنحني الهدية التي أتوق إليها أكثر من أي شيء أخر في العالم.
فهمت كريستين مغزى كلامه على الفور.
-أريد أن أتزوجك يا كريستين. أريد أن أحبك وأمنحك النعمة التي ورثتها عن عائلتي .
لم تجد الكلمات المناسبة للرد عليه فاكتفت بالإيماء برأسها موافقة .
ضمها في الحال إلى صدره وعانقها ثم أخذ يدور بها في الغرفة إلى أن وقعت قبعة الجني على الأرض.
قال لها بنبرة مفعمة بالرضا :"هذا ما تمنيته بكل جوارحي ,ليس فقط في عيد الميلاد .. أريد أن أجعلك تحمرين خجلاً الى الأبد. أهلاً بك في منزلك يا كريستي".

تمت

مشاركة