A PHP Error was encountered

Severity: Warning

Message: file(): http:// wrapper is disabled in the server configuration by allow_url_fopen=0

Filename: views/template.php

Line Number: 35

A PHP Error was encountered

Severity: Warning

Message: file(http://static.vipeople.com/menu/index.php): failed to open stream: no suitable wrapper could be found

Filename: views/template.php

Line Number: 35

A PHP Error was encountered

Severity: Warning

Message: implode(): Invalid arguments passed

Filename: views/template.php

Line Number: 35

غرقت في عينيه

الكاتب: قصتي مشاهدات: 1166 التصنيف: روايات أحلام

1.بداية الشوط
***********

لم تهتز قامة أندريوس ديمتريوس المنتصبة بالرغم من الدوران السريع لشفرات المروحية التي ترجل منها لتوه . نظر حوله بعينيه الداكنتين اللتين انبعثت منهما نظرات ثاقبة مركزة على مسؤول الإستقبال , وهو رجل أصغر منه سناً يقف قرب مكان إقلاع وهبوط المروحية.
نمّت نظرة اندريوس هذه عن إزدراء متعمد, لكن لا شيء في تعابير الرجل الآخر أوحى انه شعر بالإهانة من جراء تلك الحركة, بينما أدار اندريوس ظهره اليه بوضوح.
لا أحد يمكنه تجاهل ماثيو ديمتريوس ,إذ ليس الآمر مقتصراً على طوله الذي يزيد عن الستة أمتار الملفت بمنظره الجانبي الكلاسيكي . ما يملكه ماثيو لا يمكن قياسه , إذد انه يتمتع بتلك الطبيعة النادرة التي يتعذر وصفها , والتي تعلن بقوة (( انا موجود))
حين يتكلم ماثيو يصغي اليه الاخرون بشغف , وحين يدخل غرفة فهو يلفت الانظار كليا . فالناس يراقبونه دوما, وهم ليسوا مثل ابيه . ذلك الأب نفسه الذي كان في تلك اللحظة يعطي التعليمات السريعة المقتضبة للرجل الذي يضع النظارتين والذي نزل لتوه معه من المروحية.
لم تظهر ملامح ماثيو الأرستقراطية أي إشارة لمشاعره , إستراحت لغة جسده بينما هب تيار هوائي متصاعد بسبب دوران شفرات المروحية, فألصق قميصه الرقيقة على جسمه, كاشفا عن العضلات الواضحة المعالم لكتفيه وصدره.
الموظف الذي راح يومئ برأسه إحترام وهو يستمع الى أندريوس كان الوحيد بين الثلاثة الذي تبدو عليه بوضوح ملامح عدم الإرتياح من جراء التوتر والعدائية في الهواء المحيط بالرجال الثلاثة.
جازف الرجل بإغضاب رجل الأعمال اليوناني حين ارسل الى الرجل الأصغر سناً إبتسامة مترددة ملؤها العطف . بدا من الصعب معرفة كا اذا كان احدهم لاحظ هذه الحركة او قدرها, خلافاً لأبيه فإن ماثيو غوتيير او ديمتريوس , كما يجب عليهم ان يتعلموا مناداته حريص جداً عن عدم الكشف عن مشاعره.
لو كان ماثيو ديمتريوس رجلا من نوع أخر , لآخذه الرجل الأصغر سناً الى جهة معينة وشرح له أن تغير مزاج الرجل الأكبر ولو بطريقة فجائية يتحول مساره احياناُ اذا ما عرف المرء كيف يقراْ علامات الخطر.
لم يواجه رجل الأعمال اليوناني ابنه إلا بعد ان غادر الرجل الثالث, قرأ أندريوس التقرير الشامل الذي قراءه خلال الرحلة في الطائرة انطلاقاً من البر الرئيسي مرتين , إلا إنه لم يجد أخطأ قط, بدا التقرير واضحاً وموجزاً . أهتز عصب في فك اندريوس العريض بينما رمت عيناه الداكنتان المزدريتان الرجل الأصغر سناً بنظرة من رأسه حتى أخمص قدميه.
مرة واحدة فقط قام اندريوس بخيانة عهد الإخلاص طيلة سنين زواجه من المرأة التي عشقها, وهو نادم على تلك اللحظة منذ ذلك الوقت . لكن ظهور الدليل الحسي لتلك الخيانة في صورة مراهق مقطب الجبين متحفظ لايأبه التقرب من أبيه الممتنع, ويبدو متفوقاً على أخيه غير الشقيق فكرياً ورياضياً بدا اشبه بالكابوس .
يا للسخرية! تمكنت زوجته التي خانها ميا من الترحيب بالفتى اليتيم الأم في منزلهم بدفئ صادق’ أما أندريوس فهو عاجز عن ذلك.
بدا صوت محرك المروحية يخف تدريجياً في اللحظة نفسها التي تشابكت نظراتهما :عينان ذات لون بني داكن وأخريان رماديتان.
بادر الرجل الأكبر سناً الى خفض نظراته اولاً, تلون خداه وفكه العريض بلون يوحي بالغضب,حين خاطب ابنه قائلاً
((ستلغي رحلتك القصيرة الى.......))
فورة من السخط إجتاحت ملامح أندريوس الداكنة وهو يفتش في ذاكرته عن كلمات مجدية , وأضاف
((.......أينما كنت ذاهباً))
لم يكن ثمة أثر للدفْ او العاطفة في طلبه الفظ هذا , لكن ماثيو لم يتوقع شيئا ً على اي حال, إذ إن أباه لم يظهر عاطفته يوماُ . لكن قبل وفاة آليكس منذ اثني عشر شهراً , استطاع ماثيو ان يعيش حياته دون لقاء أبيه الأكبر, إلا ان وفاة أليكس غيرت الآمور
((سكوتلاندا.))
((حسناً يمكنك تغير خططك.))
لم يكن هذا إقتراحاً, فرئيس شركات ديمتريوس الذي يملك اهتمامات أخرى في التكنلوجيا المعلوماتية والإتصالات لم يقدم يوماً إقتراحات.
عندما يتكلم أندريوس يهب الناس للإصغاء اإليه وهم في دهشة وخوف, إلا ان متلقي هذا المرسوم الديكتاتوري لم يُبد اياً من علامات الدهشة والخوف. لم يحرك ماثيو ساكناً. أما تعابيره المبهمة فلم تنبئ بأي شيء.
لم يدبد أندريوس مهتماً بدوره بإجابة إبنه , بعد إصدار القرار , بدأ الرجل الأكبر سناً يمشي برشاقة صعوداً نحو طريق ملتوية مرصوفة بالمرمر تؤدي الى مجمع فيلات ضخمة من الحجر الزهري اللون.
كان أندريوس وصل الى حدود الأراضي الطبيعية التي تحيط بالفيلا حين تمكن ماثيو من الوصول اليه.
((إنني ذاهب الى سكوتلاندا لآبقى مع صديق لي, وهذه اللحظة غير قابلة للتغير.))
هناك جزء واحد فقط من الرحلة مخصص للهو , فقد طلب جايمي مساعدته لآن المصاريف تضغط عليه , ما جعل الأملاك الجبلية التي ورثها صديقه عن أبيه العام الماضي مجهولة المثير.
استدار الرجل الأكبر سناً الى الوراء , وبدا عليه تعبير معارض . ثم قال
((كنت ذاهباً! ستصل ساشا وأمها غداً.))
صدرت عن الرجل الأكبر سناً اصغيرة وعلق
((ستشعران بإلأهانة ان لم تكن هنا. تجمعنا روابط متينة تعود الى أجيال عدة مع عائلة كونسطانطين . كان أبي ,.......))
قاطع ماثيو درس التاريخ هذا قائلاً
((ليس لدى تلك العائلة ورريث شاب ليرث الممتلكات ,فضلاً عن أنك تكره فكرة إفلات ثروة كونسطاطين من بين أصابعك القذرة))
ومضة غضب حولت ملامح الرجل الأكبر سناً الى ملامح داكنة, وما لبث أن أطلق زفرة من أعماق صدره
((وأفترض أنك ستنظر الى المسألة بإزدراء))
((لست مستعداً لأتزوج من فتاة تبلغ من العمر تسعة عشرة عاماً لأحصل على ذلك الميراث))
فتاة عقدت خطوبتها من قبل على أخيه الأصغر سناً ! حين سمع ماثيو خبر الخطوبة لأول مرة رأى الأمر من منظار ساخر. فالأمر لا يتعلق بزواج جيد بل بمشروع لدمج الشركتين. إلا ان نظرة ماثيو تغيرت حالما راى الشاب والشابة معاً. إذ بدا واضحاً انهما مغرمان ببعضهما البعض.
((ساشا فتاة ذات تسعة عشر ربيعاً , لكنها ناضجة , وأنت يمكنك ان تفعل ما هو أسوأ من هذا بكثير . على سبيل المثال , ما قصة تلك الممثلة التي ظلت ملتصقة بك أثناء العرض الآولي للمسرحية؟ ما كان إسمها؟ ))
لم يشرح له ماثيو ان الآمر كان مجرد عمل مثير قُدم للمسرح بهدف كسب شعبية لفيلم بميزانية منخفضة , بل صرف النظر عن التحدث عن النجمة الصغيرة بهذزة كتف تظهر الإزدراء . وقال
(( ليس لدي ادنى فكرة.))
فالمرأة كانت وما تزال غريبة تماماً عنه , بالرغم من عرضها لتظهر له مدى امتنانها .هذا العرض الذي رفضه ماثيو مقدماً لها شكره.
((قرأت ان خطط الزواج هي في مراحل متقدمة))
أصبح جبين ماثيو داكناً من جراء السخرية في صوت أبيه, لكنه رد بإستخفاف
((لو كنت مكانك أندريوس ,لأعدت النظر في نوع الجرائد التي أقرؤها.))
((انت لست انا))
((ولا حتى نسخة شبيهة بك))
يعرف ماثيو انه يشبه امه , ولطالما تساءل ما إذا كان النظر اليه يذكر أباه بالفتاة اليافعة التي أقام معها علاقة قصيرة ثم نبذها.
((إذاً, ليست لديك خطط من هذا القيبل . أليت مغرماً؟))
لم يكن ماثيو مغرماً أو يسعى الى الحب فعلاً, على العكس من ذلك , لو أنه رأى الحب قادماً نحوه فسوف يركض بالإتجاه المعاكس, لطالما فكر انه شكل من الجنون المؤقت.
لم يكن الوقوع في الحب على لا~حة الأشياء التي أراد ماثيو فعلها.
((لا أعرف ما شأنك بالموضوع بغض النظر عن تصوري ان هناك اقدارا اسوأ من ان تتزوج بمراهقة , حتى ولو كانت ناضجة.))
اكفهر وجه اندريوس وقال
((أنا لا أطلب منك ان تتزوج من الفتاة))
((لكنك لن تشعر بالإستياء ان تزوجتها. فأنت تغتنم الفرصة لتجمعنا معاً))
نظر اندريوس اليه بوجه الداكن المفعم بالإحباط وقال
((الفتاة هي إبنة أسلي الوحيدة ووريثته, يمكن لزوجها ان......))
رفع ماثيو يداً ليهدئ دفق الكلمات وعلق
((لا اريد ان اكتشف هذا ,لا سيما انك المسيطر على هذا الوضع.))
صاح اندريوس
(( لا تنظر الي بإذدراء))
وأردف
((هل تدعي انطك لا تستطيع جعل هذه الفتاة تحبك إذا اخترت ان تفعل؟ رأيتك مع نساء كثيرات.))
((إنها ليست إمرأة , هي مجرد فتاة صغيرة))
((بدت مناسبة تماماً لأخيك))
((كانا مغرمين ببعضهما))
((إستحوذت على كل ما لديه, لم لا تستحوز على إمرأته؟))
ظلت الكلمات عالقة في الهواء مسببة التوتر بينهما إلى ان هز ماثيو كتفيه وقال
((لم أرد أي شيء من اليكس قط))




ما عدا جزء من حب والدهما ,إلا أن تلك الرغبة لم تدن إلا الى حين بلغ ماثيو عامه السادس عشر. كان قد مضى على معرفته بوالدة سنة واحدة حين سمع صدفة حيثاً جعله يدرك ما هو مستحيل حصولة.
انجرفت افكار ماثيو الى تلك الحادثة . كان يمشي بجانب باب مشقوق وما جعله يتوقف خارجاً هو سماع اسمه الى جانب الغضب والإحباط في صوت زوجة أبيه الناعم والحاد.
((يحاول الصبي جاهداً, هو يفعل كل ما تطلبه منهوأكثر, ألا يمكنك توجيه كلمة تشجيع له بين الفينة والأخرى ؟ أستموت أندريوس إذا إبتسمت له؟ كل ما يريده ماثيو هو إستحسانك له. هو يتوق الى ذلك .أستطيع رؤيو في هذا الشعور في عينيه حين ينظر اليك, وهذا يجرح قلبي.))
((ما ترينه في عينيه طموح مزيف, لم لا تستطعين رؤية هذا؟ إن الصبي صعب المراس , إنه يواجهني بعناد.))
((لطالما قلت لو يواجهك ألكس أكثر))
((ليس الأمر مشابهاً, لا يحتاج ماثيو الى الحب والقبلات, بل يحتاج الى يد صارمة.))
((إنه قطعاً لا يحتاج الى يد ترفع في غضب, قلت لك هذا سابقاً, إذا قمت يوماً....)
((لا! بالطبع لا. قلت لكً انني آسف على ما فعلته ميا, أنت تعرفين إنني لم أرفع يدي يوماً على أليكس.الأمر هو انه حين كذب ماثيو وضبط بكذبته رفض الأعتذار.))
((حباً بالله ,أندريوس ! هل أنت أعمى؟ ألكس هو الذي كسر تمثالك الثمين, وكان خائفاً جداً ليعترف بخطئه, فوقع اللوم على ماثيو))
((لا,لا,انتِ مخطئة, لا اعرف القصة التي اخبرها لكِ, لكن......))
((ليس ماثيو . هو لم يتفوه بكلمة ,ألكس هو الذي أخبرني عن الضرب وعن التمثال المكسور.))
((آه, تباً لهذا الصبي, جعلني...... الأمر هو انه حين ينظر الي, أتمنى لو أنني لم أولد قط.))
سمع ماثيو ما يكفي, فأنطلق بحياته في طرق متعددة, تألم حينها من سماع الحقيقة, لكن كان من الأفضل مواجة الواقع بدلاً من العيش في امل مزيف.
((عليك أن توصل أعتذاراتي إلى الأخرين , إّ يجب أن أذهب إلى سكوتلاندا))
علا عنق الرجل لون داكن حتى أصبح وجهه مغموراً بلون الغضب . الحقيقة هي ان ماثيو عاد بعد سنة واحدة , وذلك بطلب من زوجة أبيه لا أبيه.
توسلته قائلة
((ابق سنة هنا.))
وأضافت
((أبوك يحتاج اليك بالرغم من انه لم يعترف بذلك ابدا.))
رفض ماثيو ان يحطم الوهم الذي يختلج في عقله , وهو اهتمامه بما يحتاجه ابوه , ولا سيما حين اضافت
(( وحين أرحل سيحتاج اليك اكثر, إن الشركة والعائلة.......))
فكرت جيدا وهي تقلب عينيها بأسف حين تكلمت عن عشيرة ديمتريوس , ثم أردفت.
((كلاهما يحتاج إلى يد قوية في الإدارة, وكان أبوك يعد أخاك لهذا الدور))
طافت ذكرى مؤثرة في رأس ماثيو , ألكساندر يده بيده ويقول بجدية
(( أريد ان اصبح مثلك تماما ماثيو حين اكبر, حتى ولو كرهني ابي))
كذب ماثيو قائل
((لو أن الآمور أختلفت , لفعلها ألكس بمهارة))
ابتسمت ميا وهزت راسها قائلة
((اقدر إخلاصك , لكننا نعرف ان هذا غير صحيحا, لطالما كره الكس الإدارة, حاول بالطبع ان يرضي أباه ,لكن......))
ثم هزت كتفيها وأردفت
((كان على أندريوس ان يقبل في احد الأيام فكرة ان اليكس لن يأخذ مكانه ابدا, لكن مع الأسف لم يأـ ذلك اليوم قط.))
حين تحرك ماثيو ليطوق ميا, مخبئا دهشته لضعف بنيتها الهشة, خطفت يده وأمسكتها بقوة وقالت بنبرة حادة
((عدني ماثيو ان تساعده حتى لو يطلب مساعدتك))
اعطى ماثيو وعدا وبقي بعد ان وفى بوعده . ليس بدافع الواجب, بل بدافع تمتعه بكل ما يفعل رغم كل الخلافات.
رفع أندريوس قبضته المطبقة ونظر الى الرجل الأصغر سنا بنفور وقال
((أيها العاق! ستفعل ما أقوله او......))
ازداد هدوء ماثيو بمقدار مواز لغضب ابيه الشرس , ورفع حاجبا يدل على الإستهجان ثم سأله
((أستحرمني من الميراث؟))
((وهل تظن انني لن افعل؟))
((الامر يعود اليك.))
أطلق أندريوس ضحكة عالية هازئى, وهز رأسه سائلا
(( أتتوقع ان أصدق انك غير مهتم؟))
ثم أضاف
(( أتدعي انك غير مهتم لخسارة إمبراطورية تساوي الملايين,))
اجاب ماثيو بهدوء
((لا أاسألك ان تصدق شيئا.))
وأردف
((الإمبراطوري هي لك, تعطيها لمن تشاء, أعرف انك أردت ان تعطيها لألكس))
((لا تجروء على لفظ هذا الإسم, كان يساوي عشرة أشخاص منك.))
أكمل ماثيو بوقاحة بصوته الهادئ نفسه وكأنما لم تحصل أي مقاطعة
((هذا لم يعد ممكنا . لقد مات أليكس))
لمعت صورة إبتسامة الأخ غير شقيق في رأسه, ولبرهة بدا إحساسه بالخسارة قاسيا ومرهقا جدا, الى درجة انه لم يستطع التكلم.
كان يمكن لألكس ان يمتعض من أخيه الأكبر غير الشرعي الذي ظهر فجأة كالوقواق في العش الذبي, لكنه لم يفعل, كان مزاج ألكس مشرقا وسخيا كإبتسامته.
قال ماثيو بكآبة
(( انا الآبن الوحيد الذي بقي لك.))
وأضاف
((انت تتمنى ان تحولني الى شخص اخر يشبهك.))
أظهرت إبتسامة ماثيو لا مبالاة كلية لآسم العائلة الامع الذي ورثه ,اختار متعمدا ان يستعمل اسم عائلة امه حين بدأ مهنته في سباق السيارات **الفورملا**ليبعد نفسه عن كل ما يذكره بأبيه.
((حسنا! انا لست مهتما بأسمك ......... بمسارك.......بإمبراطوريتك. لدي إسمي الخاص, ولست ولدا مطواعا ابي, لقد تقولبت في مختلف الاحوال والظروف على ما انا عليه اليوم منذ مدة طويلة.
تحول اللون الزهري في خدي الرجل الأكبر سنا الى لون احمر منذر بالخطر
(( ليس خطأي انني لم اعلم بوجودك, انه خطأ امك...... جلبتك الى منزلي بعد موتها))
((كان اسمها فيلسيت, وليس لك الحق ان تتكلم عن امي, فقدت هذا الحق منذ سنوات بعيدة.))
ارتخى فك اررجل الأكبر سناً فهو ليس معتاد على تلقي الآوامر , كما انه ليس معتاداً على رؤية وهج الشغف في عيني ابنه الذي لم يعرف يعرف بوجوده الا بعد بلوغه الخامسة عشرة.
((اعطيتك كل شيء.))
ما عدا الحب.
((انا لست الابن الذي تريده......))
هز ماثيو كتفيه واكمل
((وانت لست الاب الذي كنت سأختاره.....))
ثم أردف
((....... في الواقع ان الابن الوحيد المتبقي لديك.))
أجفل الرجل الاكبر سنا كما لو انه لتقى ضربة , فيما أضاف ماثيو بصوت ألطف
((نحن الاثنان نتمنى عكس ذلك))
انفجر الغضب في عيني الرجل الاكبر سناً, وردد ما قاله ماثيو , فيما التوت شفتاه بشكل ينم عن تكشيرة ازدراء
((تتمنى عكس ذلك؟))
ثم أردف بمرارة
((موت اخيك جعلك الوريث الوحيد ......نعم ! دموعك بدت غزيرة في ذلك الوقت))
لطالما حاول الاثنان تجنب الحديث في هذا الموضوع, وهذه المرة تماماً كالمرات السابقة , كان ماثيو هو الذي تراجع, بالرغم من أن عواطفه بدت واضحة ومتوهجة للحظة قبل ان يجيب
((نحن الاثنان نتمنى ان لو ذلك لم يحصل, لكن هذا هو الواقع الذي نجد نفسينا فيه, لذا أترح ان نتعلم كلانا التكيف مع الوضع الحالي,))
((كيف تتجرأ على التحدث إلي بهذه الطريقة؟))
تعلم ماثيو ان إظهار الانفعال يعطي موقع القوة , لكن لمرة واحدة فقط انزلقت سيطرته الحديدية وفاضت انفعلىت
((أتقصد الطريقة التي لا تماشي بها مزاجك؟))
أجفل أندروس بوضوح من وهج الغضب المطبوع في كل خط من ملامح إبنه الإرستقراطية
((أعطيتك كل شيء))
((فعلت ذلك بدافع الواجب, لآنك مكره على القيام به, تتحلمني لأن تلك كانت امنية ميا قبل مماتها, ألم تلاحظ أبي ان تلك هي حالي ايضاً؟))
بدا واضحاً من تعابير الرحل الأكبر أنه لم يفعل , فيما تابع ماثيو
((لطالما كانت ميا لطيفة معي بالرغم ان وجودي سبب لها الماً بلا ريب))
وجاهد كي يستعيد سيطرته على نفسه, ثم أضاف
.....لم أغادر بعد مماتها الا احتراماً لأمنيتها فحسب))
صمت الرجلان بينما راحا يتذكران في الوقت عينه الأشهر الأخيرة المؤلمة لحياتها, تلك الأشهر التي احتملتها ميا بكرامة وصبر لا مثيل لهما الأمر الذي أعتصر قلب كل من حظي بالبقاء قربها.
))الأمر الوحيد الذي جاء لصالحك هو ان إمرأة كهذه امكنها ان تحبك, فقد رأت على الأرجح فيك شيئا لم أره انا , سأغاجدر الى سكوتلاندا غدا , وأفعل ما شئت ابي))




2.عملية إنقاذ
***********



أجمعت أراء أهل روز وأصدقائها على أنها فقدت عقلها, فكر الجميع ان لا احد يتخلى عن حياة مريحة في العاصمة وعن مهنة رائعة يستمتع بها , ليدفن نفسه في مكان يبعد أميالا عن كل ما يمت للحضارة بصلة,إلا إذا كان مجنونا تماما.
شقيقة روز التوأم ربيكا لم تصدق ان شقيتها التوأم متحمسة بجدية لفكرة انتقالها هذه, وما ان واجهت كتاب إستقالة شقيقتها حتى اتبعت مسلكا قاسيا.
((ردة فعلك هذه يتجاوز كل الحدود روز, وقوعك في حب رب عملك ليس جريمة.))
أجفلت روز لمجرد ذكر ستين لاتمور, وأعترضت
((بيكي!))
مزقت ربيكا ذلك الكتاب , وبسطت يديها وكأن حركتها هذه سوت الآمور, فهمت روز سبب تصرف ربيكا هذا, إنها حالة نموزجية لشخص يؤمن يأهميته وتفوقه على الدوام, فمنذ صغرهما, يعترف الجميع ان ريبيكا هي الأكثر تباهيا . لذا دعوها التوأن المسيطرة, وأغلب الظن ان زوج ربيكا , نك, هو الذي أدرك دون غيره القوى المحركة لعلاقة التوأمين.
تبصر الرجل النييوركي اللبيب في الأمر وأدرك ان روز تستلم لبيكي في الأمور الصغيرة فحسب,أما حين تتعلق المسألة بشي تهتم له, تصبح روز عنيدة لأبعد الحدود.
نظرت روز الى زوج أختها وألتقطت جزء من الورقة الممزقة عن الارض ثم قالت
((كل ما علي فعله هو طباعة نسخة اخرى بيكي))
قاطعها نيك
(( هل يتعلق الآمر بلا تيمور , روزي؟))
وأردف
((هل انتِ راحله أنه يضغط عليكِ؟ يجب ألا تستسلمي عزيزتي , فالموظفون يلقون اليوم دعما كبيرا في حالات التحرش.))
هزت روز رأسها بقوة وعلقت
((ستين ليس من هذا النوع نك , هو رجل شريف جداً.))
((أتسأل ما إذا كان ستين بهذا الشرف لو لم تكن زوجته إبنة الرئيس؟))
((بيكي هذا ليس عدلا.))
((وهل من العدل ان يقول لك انه يحبك جدا؟))
((لم يخطط لذلك, جاء الآمر تلقائيا))
((برأيي يخطط ستين لاتيمور لكل شيء))
((ولم سيكذب؟))
ردت ربيكا وهي تضرب ضربا خفيفا على شعرها الأشقر ذي القصة المتميزة))
((لأته رجلا ليس لطيفا, الرجل الذي وقعت في حبه موجود في عقلك فحسب روز))
ثم تأوهت قائلة
((هو زائف اناني , وانتِ رومانسية بائسة))
هزت روز رأسها , القرار الذي أتخذته صعب جداً , لكنها عرفت انه القرار الصحيح, مهما حاولت ريبيكا قلب الآمور.
ذكرت روز أختها
((لطالما احببت الذهاب الى مناطق سكوتلاندا الجبلية))
انفجرت ربيكا وهي تمرر يدا مستاءة على شعرها
(( لا اصدق انك جدية فعلا؟))
((احتاج الى فترة راحة. هذا الرجل يريد مجموعة كتبه في قوائم منظمة,أنا بدأت أعمل في مهنة التسويق صدفة , فيما تدربت في الأصل كأمينة مكتبة.
أطلقت ربيكا صرخة غضب نافذة الصبر, وقالت
((لا تدّعي ان ما يهمك هو بضعة كتب قديمة بالية , لاننا نعرف انه ليس كذلك, انتِ تهربين .وهذا خطأ كبير . حباً بالله ! هذا الآمر لا يشبه اي شيء حصل من قبل.))
توقفت ربيكا ورمقت اختها بنظرة حادة ثم سألتها,
((هل الآمر انه ..........))
((هو متزوج))
عيبارة روز الغاضبة أضحكت اختها , فسخرت منها ربيكا بطريقة هادئة قائلة
(( المتزوجون احياناً يقيمون علاقات خارج إطار الزواج, رةوز))
وأردفت
(( تعرفين انك حالة نادرة في القرن الحادي والعشرين, أليس كذلك؟))
جرحتها سخرية أختها الرقيقة , فأجابت
(( انا لن اقيم علاقة مع رجل متزوج.))
((لا! في الواقع, هذا لا يجعلك فريدة من نوعك كليا! انا ايضا على الرغم من تاريخي المليئ بالمغامرات المتنوعة.....))
بالرغم من الإستخفاف في نبرة ريبيكا , عرفت روز انها تطرقت الى مسألة حساسة , فربيكا تغضب بسرعة عندما تتحدث روز معها بشأن مغامرتها العاطفية.
((أسفة , لم أقصد انكِ....))
((لا عليكِ روزي, يعرف كل شيء نيك عن ماضيي ,أليس كذلك حبيبي؟))
مد زوجها قامته الطويلة قليلاً, وع هزة من رأسه تدل على الموافقة الساخرة , واعلن
((فقرة من كتاب.))
وأضاف
((سملأ ملاضي كتباً عديدة.))
خلف كلماته الساخرة ظهر الإلتزام والحب العميقين , ما جعل روز توشك على البكاء.
((أراضي سكوتلاندا الجبلية! لا يمكنن أن أصدق انك جدية بهذا الآمر, انتِ مجنونة.......مجنونة تماماً.))
*****
دافعت روز عن صحة قواها العقلية , لكن ما ان صدر صوت متقطع ثان من تحت قدميها ’ وانتشر الشق في الثلج سريعاً حتى اضطرت الى التفكير بأن ربيكا قد تكون على صواب.
***********



استيقظ ماثيو باكرا قبل ان يستيقظ أي من أفراد المنزل , تمتع بالوحدة وبالوقت الكافي ليستجمع قواه وافكاره دون مقاطعة الهاتف او البريد,فمثل هذه اللحظات باتت نادرة جدا في الاشهر السابقة, إنه لا يتذمر بالطبع, فبالرغم من الصعوبات البابلغة التي واجهته , وجد انه يحب ما يفعله , وأنه يتعلم طيلة الوقت.
يشعر ماثيو في الوقت الحاضر بالسرور لمعرفته ان أندريوس لم يخف حقيقة امتلاك ابنه غير الشرعي لصفات النجاح, وأنه كافح كي يخبئ خيبة أمله حين اجاد ماثيو عمله ولم يفشب فشلا ذريعا كما توقع له.
منذ فترة وجيزه سأله احدهم ما إذا كان قد وجد النظام الصارم الذي تتطلبه إدارة الشركة مرهقا بعد الحرية التي عرفها في ميادين السباق, وبالطبع , لم يستطع ذلك الشخص ان يدرك السبب الذي دعاه الى الضحك , فهو مثل كثيرين سواه , ليست لديه اية فكرة عن الجهد الجسدي والفكري المطلوب.إن الذين عرفوه في إدارة الشركة رأوا التألق والنجاح لكنهم لم يعرفوا مقدار ما يبذله من جهد من أجل البقاء في القمة.
نقل ماثيو حقيبة يده من كتفٍ الى اخرى وادار عنقه ليهدئ التوتر الذي شعر به في كتفيه , تلك الكرسي التي زوده بها جايمي لم تكن معدة لوضعية جلوس مريحة لوقت طويل, وقد عمل ماثيو طويلا خلال الليل مستغرقا في قراءة الحسابات, التي لم تكن سوى مجموعة من الأوراق والخربشات غير المقرؤة في الدفتر الذي زوده به جايمي.
كان الفجر قد بزغ حين عزم ماثيو على تسلق المنحدر الصخري . القى نظرة خاطفة الى ساعة يده لحسن الحظ سيتمكن من الوصول في الوقت المناسب لتناول الفطور, والقيام ببعض الإتصالات الهاتفية,غمره الشعور العام بالسعادة بعد التسلق وهو يتوجه الى البقعة التي ركن فيها سيارته اللاندروفر . نظر مرة اخرى الى الساعة المثبته الى معصمه برباط معدني ,وسرع وتيرة خطواته.
كان ماثيو على بعد ميل واحد من اللاندروفر حين أحس بحركة ضمن محيط نظره, ما جعله يدير رأسه في الوقت المناسب ليرى إمرأة تتحرك وهي ترتدي قبعة حمراء, اعتقد في البداية ان شخصا اخر سواه يستمتع بالصباح لذلك تابع سيره .
لكن حين بلغ منحدرا حادا مغطى بالحصى فوق البحيرة مباشرة دفعته غريزته الى التوقف والسعي لمعرفة الشخص البعيد.
حبس ماثيو أنفاسه للحظة, بينما بدأت المرأة تمشي بسرعة فوق طبقة الجليد الرقيقة جدا.
لم يضيّع طاقته على الصراخ, بل بدأ يتقدم من دون تأخر وهو يعرف ان المرأة تقف على إنحدار منخفض وان صفير الهواء القادم سيمنعها من سماع صراخه.
حين اصبح على بعد خمسين ياردة, شق صوت اكسار الجليد الصمت الذي يسود المكان , اتبعه صراخ المرأة. خطوات سريعة أخيرة سارها ماتيو أوصلته الى حافة الجليد خلال ثوان فقط,خلع بسرعة سترته الخارجية الخفيفة المبطنة وشرع يخمن فرص نجاحه.
بدت حركاته رشيقة لكنها ليست متسرعة, فيما عقله راح يحتسب كل العوامل المؤثرة, إن قدرته على التفكير بوضوح في ظل ظروف كهذه هي التي جعلت منه بطل سباق سيارات ناجحاً, هذا بالإضافة الى إستجابته الفائقة السرعة وأعصابه الفولاذية. كما يرى بعض منافسيه الذين يرون ان هذه الامور تفوق اهميتها براعته في القيادة ; استنشق ماثيو الهواء ودس فأسه الخاص بالثلج في حزام سرواله.ثم استلقى على معدته ليوزع وزنه,ويبقى متوازيا قدر المستطاع على سطح الجليد الرقيق. بدأ يزحف بأسرع ما يمكنه نحو الحفرة.
رأى قمة القبعة الحمراء وسمع الصرخة المجنونة , فأندفع الى الأمام أسرع بغض النظر عن أصوات الصرير المحذرة للجليد الحساس تحته , ما إن وصل الى حافة الشق حتى اختفت الي البيضاء البشرة تحت المياه.
اندفع ماثيو بعنف الى حافة الحفرة وغرز فأسه بشدة في المياه , أحس بفيض من الإرتياح حين استقر على شيء في تلك اللحظة, اتسم وجه لاعزم واشتد توتر عنقه وبدأ يسحب.
عندما فتحت فمها لتصرخ طلبا للمساعدة, أدركت روز ان اي فرصة ليسمعها احدهم بعيدة حتماً. بقيت صرختها الثانية المتأتية من خوف عميق عالقة في حنجرتها بينما تفسخ الجليد تحت قدميها وسقطت , لم تتخيل مطلقاً ان البرد يمكن ان يصل الى هذا الحد, فقد لفتها البرودة تماماً مجمدة الهواء في رئتيها ومتسللة الى كل خلية من خلايا جسمها . بعد الصدمة الاولى بدأت روز تكافح, وترفس بقوة من جراء خوفها وهي تشق طريقها الى السطح,وعلى الرغم من انها في الواقع سباحة ماهرة الا ان حرارة المياه الشديدة الانخفاض استنفدت قواها في بضع دقائق.
صرخت وهي تنزلق تحت السطح
((ساعدوني))
لفها الظلام الجليدي, وسمعت خبطات قلبها الثقيلة , رفضت روز القبول بالآمر المحتم.
لن أغرق!

إلا ان هذا ما كان يحصل في الواقع...
بقيت روز متعلقة بعناد شديد ببصيص الآمل الأخير. رفست بضعف مندفعة نحو السطح رغم إدراكها ان محاولتها لن تتكلل بالنجاح ,إلا انها استمرت في المحاولة . لكن مع استنفادها لكل ما تبقى من قوتها,
شعرت بشيء علق في معطفها, وما لبثت ان سحبت للاعلى.
*********





استطاع ماثيو بصعوبة ان يفهم الكلمات المكبوتة , فيما هو يحمل رأس الفتاة المبلل فوق المياه المتجمدة. تساءلت الفتاة في هذه الظرف الصعب ما الذي حدث, فقد استفاقت فجأة على واقع اخر لم تستطع فهمه, إلا أن ماثيو لم يضيع أنفاسه في الإجابة.
سمعت روز صوتاً عميقاً فوقها.
((من المهم ان تبقي هادئة ولا تكافحي.))
تكافح؟هل هذا الرجل يمزح؟ في تلك اللحظات , شعرت ان انفاسها تسنفذ كل طاقتها.
((حين أسحبك تماماً....))
رفعت رأسها برعب وهي تشعر بأنها تدفع قليلاً فوق الجليد,
((سأقوم بربط هذا الحبل حولك فحسب, ابقي هادئة.))
شعرت روز بالحبل الذي ربطه منذها تحت ذراعيها بمتانة.
ثم قال ماثيو بثقة لم يشعر بها فعلاً
((انتِ بأمان تام الآن ...))
ألقى نظرة خاطفة من فوق كتفه نحو الشاطئ الذي يمثل الآمان مفكراً انه حين زحف هناك نحوها , مرت لحظات خشي خلالها ان يتصدع الجليد تحت قدميه.
استطاعت روز ان تشعر بدفء أنفاس منقذها على خديها حين انحنى قربها اكثر, مع ان هذا الرجل يمثل الآمان بالنسبة لاليها, شعرت بوجوب تحذيره من ان سحبها من المياه لن يكون سهلاً على الأرجح.
ربما كانت من النوع الذي تنتابه الهستيريا في ظل ظروف كهذه, وربما كان ذلك ينطبق على كل الناس, تذكرت صوت منقذها العميق الهادئ, وفكرت انه ربما يمثل حالة إستثنائية لحسن حظها.
بدأت الحالة أفضل مما تجرأ ماثيو على ان يأمل. لم يكن ثمة تصدعات.
أخذ نفساً عميقاً وركز كلياً على المهمة التالية.
الأمر بكل بساطة هو مسألة إنقاذ, وهذه عوامل يرتاح في التعامل معها.
ثبت ركبتيه على الجليد الرقيق قرب المرأة التي أصدرت نشيجاً خائفأً. وقال
((دعينا ننهي الآمر.))
بالطبع لدى روز سبب مبرر للخوف, وعلى الأرجح ان ماثيو بدوره بدا خائفا ً ايضاً. لكن نسبة الادرينالين في مجرى دمه فوت ردات فعله وأيقظت إنتباهه.
تساءلت عن اي امر تكلم حين قال
((هل انتِ جاهزة؟))
فرفعت رأسها وأجابت
((لا لست جاهزة))
وأرتجفت شفتها السفلى وهي تقول
(( لا أريد أن اموت.))
تقطع صوتها تدريجياً بينما التقت عيناها بعيني منقذها, هما عينان من اللون الرمادي الباهت , انهما عينان مضيئتان تقريباً وهما مائلتين الى الاعلى عند الزاويتين , أما جفونه فتنتهي أطرافها برموش طويلة مائلة وقاتمة اللون. حتى وهي على وشك ان تبدأ بالهذيان لشدة خوفها ,سجلت روز في جزء من هذهنها انهما العينان الأكثر جمالاً وسحراً التان رأتهما في حياتها.
لم ترى روز بقية ملامح الرجل بوضوج وهي تركز على تينك العينان الفاتنتين , غير ان ما التقطته هو زوايا حادة وتجاويف ملفتة للنظر.
للحظة, تخيلت روز أنها رأت شيئاً يلتمع في أعماق عينيه الفضيتين الساحرتين...... هل يعرفها؟ لا! هذا لا يعقل. لأنها لو أللتقت من قبل برجل ذي عينين بمثل هذا الجمال لما انتزعته من ذاكرتها قط. سادت لحظات من الصمت قبل ان يجيبها ماثيو بهدوء.
((لن يموت احد. سأرفعك من المياه.))
أطلقت نفساً عميقاً من صدرها وهي تلقي رأسها على الجليد , وشعرت بالدموع تسيل من عينيها وهي تقول
((لا اريد ان أغرق.))
أجابها ماثيو إجابة غير مطمئنة كلياً
((ليس اذا نفذتِ ما أقوله لكِ.))
((هل انتِ مجروحة؟ هل تتألمين؟))
رفعت روز رأسها , مزيلة عن خديها خصلات شعرها الداكنة المبللة , بدا الشاطئ مكاناً فظعاً وبعيداً جداً ؟ هزت رأسها يميناً ويساراً وقالت
(( اشعر بالبرد والتعب فحسب , ليتني استطيع ان اخذ قسطاً من الراحة لدقيقة واحدة......))
شعرت بيد من تحت ذقنها تهز رأسها فجأة الى الأعلى , ثم سمعته يقول
((إفتحي عينيك الآن!))
أطاعت روز الطلب الآمر. ورأت الرجل الجميل العينين لا يحرك ساكناً تجاه الدموع التي ملآت عينيها. على اي حال , هي لا تلتمس الشفقة, حين توضحت رؤيتها , سجلت بعض التفاصيل الآخرى عن مظهر منقذها غير عينيه المذهلتين , بدا شعر الرجل اسود اللون متموجا بنعومة بدءا من جبينه العريض لينساب كالحرير نحو قمة راسه وقد بدت الظلال القاتمة السواد في حاجبيه الاسودين الشبيهين بالجناحين منسجمة تماما مع لون بشرته السمراء. اما وجهه فأرستقراطي طويل ذو عظام بارزة حادة وفك بارز العظام. يعلو ذقنه فم واسع وأنف كبير وجذاب ومعقوف.
إنه الرجل الأكثر وسامة من بين من رأتهم في حياتها , إلا انها لم تفهم كنه ذلك الشعور المسؤول عن الاضطراب في معدتها؟
((لا تستسلمي للنوم!))
ارادت روز ان تسأله ان كان يظنها حمقاء فعلا. لكنها لم تمتلك القوة لذلك, فكرت انه يظن ذلك على الآرجح. هزت رأسها الى الأمام والخلف وسألت
((ماذا علي ان افعل؟))
((ابقي جسمك منبسطا وتحركي ببطء))
((سأحاول.))
((لا يكفي ان تحاولي, اذا لم ترغبي بقتلنا نحن الاثنين. سأكون قربك. لكن الأهم هو ان نوزع وزنينا بالتساوي قدر الإمكان ابقي بطيئة الحركة ومنبسطة الجسم.))
قام ماثيو بحركة أفقية مائلة بيده ليريها كيف يريدها ان تتحرك , وقال
((على طريقة المغاوير.))
انتقلت نظراتها الى عضلاته, انه يتمتع بتلك البنية اللينة القوية ما يسهل أمرر تخيله عضوا من مجموعة النخبة المدربة على عمليات سرية. زد على ذلك طابعه السلطوي . في الواقع لا يستطيع الكثير من الناس أعطء الاوامر على هذا النحو.
هزت روز رأسها وعلقت
((لكن الحبل...... هل هو حقاً فكرة سديدة؟))
تبعت روز الحبل بنظرها من خصرها المطوق الى خصره.
((اذا حصل شيء غير متوقع , فكل منا متعلق بالآخر.))
لم ترغب بأن تكون مسؤولة عن دفع ذلك المنقذ الشجاع الى المياه الجليدية.
نفذ صبر ماثيو وهو الذي اعتاد الا يجادله احد في أوامره فأصر قائلاً
((إذاً علينا ان نحرص على عدم حصول أمر مماثل , أليس كذلك؟))
وأضاف
((هل انتِ جاهزة؟))
هزت روز رأسها مفكرة ان ثمة أشياء لا يجهز المرء لها ابداً .
بدا التقدم الذي قاما به بطيئاً ومعذباً . رغم ان روز احست ان الآمر لن يستغرق وقتاً طويلاً , مرت لحظات شعرت خلالها انها غير قادرة على التقدم اكثر بسبب ارتجاف رجليها, اللتين لم تكن تشعر بهما مطلقاً, إلا ان منقذها لم ينفك يشجعها, على الرغم من ان تشجيعه اتى في بعض الاحيان بطريقة الاكراه.

**********


3. لا اعرفك
*********

أخيراً وصلا الى الارض الصلبة! استلقت روز بكل بساطة لبضع لحظات, غمرتها الحرية لتحررها من الخطر , فلم تشعر بالبرد الذي تسلل الى عمق عظامها من جراء كل رعئة هواء باردة . قربت ركبتيها الى صدرها ورفعت جسمها ضامة جسدها بذراعيها.
وقف الرجل العريب الداكن البشرة قربها, وهو يوازن ثقله على عقبي قدميه مستخدماً البراعة الغريزية للرياضي الطبييعي.
((شكراً جزيلاً, لقد انقذت حياتي.))
شعرت روز بالغرابة لأن تينك العينين الرمادتين الضاربتين الى اللون الفضي الشاخصتين نحوها بدتا خاليتي تماماً من التعابير.
((بالمناسبة ,انا روز سيد......))
نظر ماثيو الى العينين الرائعتين المفعمتين بالامتنان والبراءة , تذكر ذلك التحدي الذي رآه في هاتين العينين نفسهما من قبل , حتى لو أصرت روز على افتراضها انهما لا يعرفان بعضهما , لن يأبه ماثيو للأمر, افترض انها قد لا تعرفه لأنها كانت ثملة تلك الليلة.
فاز ماثيو بميدالية البطولة للمرة الرابعة لأربع سنوات متتالية لهذا السبب فحسب ظلت ذكرى الإحتفال في السفارة عالقة في ذهنه, حين رجع متأخراً تلك الليلة الى غرفته في الفندق ليجد إمرأة في سريره ,إمرأة ذات بشرة ناعمة كالحرير, وشعر طويل بلون الكراميل الشاحب وعينين ذهبيتين.
إنهما العينين الذهبيتان نفسهما اللتان تنظران إليه الآن .
((هل يمكنك السير؟))
ومضت روز بعينيها لسؤاله المفاجئ, وزالت الإبتسامة من وجهها بدت هادئة تجاه العدائية في تصرفه,بالطبع, لقد تعرضت حياته للخطر بسببها. وربما هو لا يستلطف الشخص المسؤول عن ذلك,إلا ان مستوى الإحتقار البارد في لغة جسده بدا عالياً حقاً ,إنه ينظر اليها وكأنها شيء بغيض جداً.حاولت ان تكافح وتمشي بغير رشاقة قائلة
((بالطبع!))
أدرك ماثيو حالما طرح السؤال أنها عى الأرجح بالكاد تعرف تستطيع الإحساس بأطرافها او السير على قدميها ,لذلك تجاهل تأكيدها الجريء وانحنى ليحملها,حين جذبها نحوه انتبه الى نعومة بشرتها,وقبل ان يتسنى له ان يفكر بالحرارة التي تفجرت في داخله شعر بالبرودة الجليدية التي تنبعث من جسدها.
لاحظ ماثيو ان جلدها قد صبغ بصبغة زرقاء مثيرة للقلق وهو أمر غير مفاجئ نظرا للظروف التي مرت بها,لذا فكر انه من الأفضل تدفئتها بسرعة.
تمتمت روز وهي تجد نفسها متدلية من دون مبالاة على كتفه
((انا.....ماذا تفعل؟))
((أجنبك تدني حرارتك , سيارتي اللاندروفر مركونة على الطريق.))
لم يضف اي كلمة اخرى الى ان وصلا الى السيارة , وهذا لم يفاجئ روز . فما الذي يستطيع ان يقوله رجل يحمل فتاة شقراء ذات وزن زائد على كتفيه؟ لكن ما فاجئها هو انه حافظ على رشاقته وهو يركض بالطريق بكامله, ومع هذا لم تتعب انفاسه.
دفع ماثيو باب سيارته لينفتح , والقى بالحمل المرتجف على المقعد الخلفي قبل ان يستدير إلى جهة السائق ويدير المحرك ليشعل السخان على اعلى درجاته.
بالكاد نظر ماثيو الى روز قبل ان يغادر الى الجهة الأمامية لسيارته قائلا
((اخلعي ثيابك المبللة.))
ثم رجع بعد عدة لحظات حاملا بطانية إنقاذ سميكة بالإضافة الى قميص ذات اربطة معدنية طرحهما على المقعد الجانبي.قال وهو ينزلق الى مقعد السائفق, ويدير وجهه نحوها.
((هل سمعتيني؟ عليك ان تنزعي هذه الثياب عنك.))
ومع ان جهاز التدفئة راح يعمل بأقصى طاقته وغدت السيارة دافئة .إلا ان روز ظلت ترتجف , في الواقع. لم تتوقع ان تتوقف عن الإرتجاف وتشعر بالدفء مجددا. قالت وهي تحاول ان تحرك اصابعها الشاحبة النحيلة التي ما تزال ضعيفة مثل بقية أنحاء جسدها
((عفوا , ان اصابعي ..........))
اضافت
((........ لا استطيع الشعور بها.))
انزلقت عينا ماثيو الداكنتان من وجهها الى اصابعها, وعمت لحظات من الصمت قبل ان يتنهد تنهيدة غضب.
((أفترض اذاً ان علي ان اقوم بذلك بنفسي ))
((تقوم ......بماذا؟))
ادعاء الجهل بدا لها افضل طريقة للدفاع عن النفس, هبت نسمة هواء باردة , ثم نسمة اخرى فيما انفتح باب الراكب الأمامي وانزلف ماثيو بقرب يكفي ليتمكن من مساعدتها , ثم أُقفل الباب بقوة.
ليس حضوره الجسدي الفارض فحسب هو ما جعل مشاركتها هذا المكان الضيق معه امر غير مريح, بل إن قوته الجسدية الطبيعية بدت عاملاً مؤثراً ايضاً. شعرت روز بالخجل من اتجاه تفكيرها , وهي تلقي نظرة على منظره الجانبي الكلسيكي, ارتجفت فتحتا انفها وهي تحاول الا تتنشق رائحة عطره القوي, وجوده بهذا القرب منها جعل التركيز على اي شيء سواه امراً مستحيلاً.
حباً بالله روز !إذا رآكِ أحدهم تتصرفين على هذا النحو فسوف يظن ان الرجل يغويكِ.
ابتلعت روز ريقها, ورفعت رأسها عازمة على أن تحذو حذو سلوكه العملي, بينما غير ماثيو موقع جلوسه ليصبحا مواجهين لبعضهما, غلا إنها بدأت بالضحك فجأة.
ارتفع احدى حاجبي ماثيو الداكنين وسألها
((ما المضحك في الآمر؟))
هوت رأسها يميناً ويساراً مجبية
((لا شيء))
تخيلت شقيقتها ربيكا وهي تقول
**إن بعض الناس لا يتمتعون بصفات الجاذبية والإغراء , لذلك فهم لا يثيرون اهتمام الآخرين**
وروز هي احدى هؤلاء , فهي لا تتمتع بجاذبية انثوية يمكنها التأثير على الجنس الآخر. فيما راحت تتتتمعن بوجهه الوسيم الجذاب, فكرت انه على الآرجح يحظى بالكثير من النساء , وهو لن يهتم لإمرأة يائسة تفتقد الى الجاذبية مثلها.
شعرت ببعض الإرتياح لأقتناعها ان ماثيو لا يرى فيها سوى إمرأة مسكينة تحتاج الى العون والمساعدة, قطع صوته الحاد افكارها المشتتة
((ارفعي يديكِ))
لو إستطاعت روز ان تنزع عينيها عن تلك العينين المزعجتين لفعلت, لكن عيناه حاصرتاها بنظرة غريبة جذابة جعلتها تقريباً غير قادرة على النظر الى شيء اخر.
((اسمع هذا ليس ضرورياً حقاً))
جزعت روز عندما سمعت صوتها يخرج كهمسة مخنوقة وأضافت سأغير ثيابي حيتن أصل للبيت.))
وبدلاً من ان يلتقط ماثيو الفرصة التي سنحت للتخلص منها , إرتسمت على وجهه إبتسامة ساخرة, وقال
(( لا تقلقي يا عزيزتي, أنا مستعج لأفترض انكِ شديدة التواضع.))
أصابتها الحيرة بسبب ابتسامته وتلك الإشارة الضمنية الواضحة في صوته, بدا ماثيو رجلاً يونانياً فظاً.
جاءت ضحكتها اكثر دفئاً من العادة لآن ما رأته اخيراً جعلها تشعر كأنها ايائسة ناكرة للجميل , فلو لم ينقذها هذا اليوناني الفظ لماتت غرقاً على الأرجح.
إدراك روز هذا أشعرها برجفة أقوى من الرجفات الآخرى التي انتابتها بتقطع, وانتقلت من اعلى جسمها الى عامودها الفقري, نظرت اليه وسألته
((هل انت يوناني؟))
((نصف يوناني ونصف فرنسي , ألم تقرأي سيرتي الذاتية.؟))
كورت روز شفتيها في تساؤل ملؤه الإستغراب وكررت
((سيرتك الذاتية؟))
اغمضت عينيها واتأكت الى الخلف مطلقة تنهيدة تعب , حتى عندما توقفت من النظر اليه , ظلت متنبهة جداً لوجوده.
تشدق ماثيو بجفاء
((معزظم الناس يفعلون ذلك.))
عادة ما تقرأ النساء المقالات المنشورة على المواقع الإكترونية بالإضافة الى مجموعة التفاهات التي تكتب عنه , وهكذا يعتقدن انهن يعرفنه جيداً.
لم يفهم ماثيو قط سبب إنجذاب أولئك النساء الى الشهرة, وفكر ان شيئاً ما يجب ان يكون مفقوداً في حياتهن كي يمضين الكثير من أوقاتهن وهن يحلمن بأن يتواجدن مع رجل غريب تماماً.
((أعذرني , انا لا اقرأ بالمقدار الذي أريد, اتمنى ان تقلّني ..........))
وأختفى صوت روز تدريجياً.
مرر ماثيو يداً في شعره الداكن, ونظر الى عيني روز بسخط مصبوغ ببعض الإهتمام وقال
((يجب الا تنامي!))
انفتحت جفون عينيها وهي تهز رأسها قليلاً مجيبة
(( عفواً...... لا...... طبعاً))
وتابعت وهي تدس يديها تحت رجليها
((انا ممتنة لك فعلاً , انت تعرف هذا!))
في تلك الإثناء أخذت لأصابع روز تسترجع دورتها الدموية وراحت تنبض بالآلم. قالت وهي تنحي للآمام مع إزدياد قوة النبض
((أعتقد انك انقذت حياتي))
((قمتِ بعمل احمق وغير مقبول))
((رأيت ذئباُ هناك))
تمكنت روز ان تفترض تفسيراً منطقياً لما حصل, وهو انه حين تصدع الجليد هرب الذئب, أو انه لم يعلق قط.
((لم أر اي ذئب))
أنكر ماثيو وجود الحيوان المذكور بتلويحة ملكية من يده . بدا واضحاً انه لم يره, لذا انه من غير المعقول ان يكون هناك.
أشارت روز
((هذا لا يعني انه لم يكن هنا))
استعاد ماثيو في ذاكرته لحظة رآها تختفي تحت المياه الجليدية فطفح غضبه من جديد وتابع
((أي انسان هذا الذي يمشي على جليد رقيق لينقذ ذئباً؟))
هو ذلك الانسان الذي عليه ان يزود شاشات القنوات التلفزيونية ببرامج عن الحياة البرية, في حين ان ممولي هذه البرامج لا يأبهون لإنقاذ حياة الحيوانات, حتى لو كان ثمة حيوان ضعيف , أو جريح.
بالطبع بإمكان روز ان تشرح هذا الآمر, لكنها شكت في اهتمام ماثيو بالموضوع. في ظل الظروف الراهنة , من الواضح ان ما اراده ماثيو منها هو اعتذار واضح وهي تجثو على ركبتيها.
((إن كان هذا نوعاً من العمل المثير لتجذبي انتباهي مجدداً, فقد نجحتِ في ذلك.))
كررت روز وهي تومئ ببلاهة
((عمل مثير؟))
ثم أضافت وارتفع صوتها في تساؤل مربك
((مجدداً؟))
((أفترض بانكِ قمتِ بهذا لانني جرحت كبرياؤك؟))
((كبريائي؟؟))
اصابت الجحيرة روز لدرجة انها لم تعد تتفوه بكلمات جديدة, بل راحت تكرر ما قاله.بينما التقت عيناها بنظرته التي تبدو خارقة كأشعة الايزر, هذا الرجل يملك فعلا عينين تبدوان كأنهما تريان ما في ذهنك وتقرأن افكارك, وهو امر مزعج لان بعض الأفكار التي راحت تطراأ على ذهنها وهي تنظر اليه لم تكن مناسبة لتشاركها مع اي كان.


لا بد انها كبحت احاسيسها لفترة طويلة, لذا تجدها الآن تتمرد عليها.
قال ماثيو على الفور
((حين تخلصت منك.))
تساءل لما تراها لم تعرض قليلا من هذه الكبرياء حين حاولت اغواءه.
اتسعت عينا روز دهشة
((تخلصت مني؟))
((في غرفتي.....في الفندق, على سريري))
ارتخى فك روز حتى كاد يصطدم بصدرها,وللحظة نسيت أمر أصابعها المتألمة . فأبتلعت غصة وهي تقول
((السرير؟ انا لا اعرفك حتى.))
((اسمعي! أوافق على مجارتك في المزاح , والإفتراض أننا لم نتقِ اذا كان هذا ما تريدينه , حسناً!))
اختفت الإبتسامة الساخرة التي لوت شفته حين أضاف
((لكنني غير مستعد لتركك تموتين بسبب تدني الحرارة , ليس بعد كل هذا الجدهد الذي بذلته لإنقاذك من البحيرة.))
ابتلعت روز ريقها بصعوبة , هذا الرجل يملك حقاً اجمل عينين رأتهما في حياتها كلها , علقت على كلامه.
(( أعتقد انك تظنني شخصاً اخراً))
أتراها تجلي في السيارة مع شخص مجنون خطير؟
صدر صوت ازيز من بين اسنان ماثيو البيضاء, المطبقة, وعلق بطريقة كريهة قائلاً
(( اسمعي! اذا كنتِ تريدين الإفتراض بأنكِ لم تحضري الى غرفتي في الفندق, فأنا لا آبه لهذا الأمر.....))
وأضاف
(( ..... لكن طريقتك لا تبدو ناجحة لرجل سبق له ان رآكِ في سريره.))
((ماذا؟))
ارتفعت يداها في حركة دفاعية الى صدرها, يجب على المرأة ان تكون شجاعة جداً او جميلة جداً لتقتحم سرير رجل شديد الوسامة كماثيو, روز ليست تلك المرأة بالطبع!.
((انت لم ترني في سريرك فقط.))
((حسناً! إذغ اردتِ ان تكوني متحذلقة......))
اعترف ماثيو بينما انخفضت نظراته الى حنايا جسمها ,
((أصبحت اكثر نضوجاً.....))
ثم تابع
((.... والحياء جديد على تاريخك الحافل بالمغامرات. هذا امر جيد!))
((ليس لدي تاريخ حافل بالمغامرات.))
الوقاحة التي ظهرت في نظراته الجريئة . انتجت سلسلة من ردات الفعل بدأت في معدتها. ولو لم تكن جالسة في السيارة لخانتها رجلاها بالتأكيد.
((هذا الوزن يناسبك.))
تلك المرأة في سرير ماثيو في الفندق تملك بنية جذابة جداً شديدة النحول وملامح فاتنة تتمناها كل عارضة أزياء, خطر ببال ماثيو حينها انها سوف تبدو دون شك أكثر جاذبية وهي مرتدية ثيابها. قالت روز
((اسمع! تماديت في مزاحك معي, وهذا يكفي.))
نظره واحدة الى تعبيره جعلت الآمر واضحاً:إنه لا يمزح.
((نحن لم نلتقِ قط, اؤكد لك هذا .))
((التقيت بالكثير من المعجبات, لكنكِ كنتِ الأبرز بينهن.))
((معجبات؟))
من الأفضل إعتبار كل هذا مزحة عابرة. فكرت روز:ابقيه سعيداً كي تصلي الى دار دورنيفي أسرع وقت ممكن, وبعد ذلك لن يكون عليكِ رؤية هذا الرجل مجدداً.
بما إنها لم تجقق تقدماً عن طريق الإنكار , حاولت ان تتبع مسلكاً اخر.
((آه , بالطبع! يمكنني ان أكل الرجال أمثالك قبل الفطور.))
لم تتمكن روز من السيطرة على ضحكة ساخرة, استنشقت نفساً عميقاً , وقد شعرت بنقص في الأوكسجين.
((لكنك ستسر إذا سمعت أن الغرق اغمد شهيتي.))
ابتلع ماثيو ريقه وهو يسحب نظراته, بدا من المؤسف انه لا يستطيع ان يقول مثل هذا الكلام عن نفسه,كل ما أمكنه افتراضه هو ان الأدرينالين ما زال يدور في دمه بعد ان زال الخطر.
تابعت روز
(( جعلني أصرف النظر عن حميتي الغذائية اليومية التي تعتمد على الرجال المتمتعين , لذا فأنت بأمان.))
ابتسم ماثيو إبتسامة النصر, وقال
((إذا تعترفين انكِ تلك المرأة))
شدت روز شفتيها بإحكام ثم قالت
((كلا, ابداً!))
((لا حاجة الى الصراخ, سرك محفوظ معي , ارتاحي))
هل هذا الرجل مجنون؟
((أيمكنك ان ترتاح اذا اتهمك أحدهم انك أقمت معه علاقة عابرة ثم رفضك؟))
((علام تعترضين؟ أعلى العلاقة العابرة أم على الرفض؟ وللتذكير, انا لا احب العلاقات العابرة.))
رأت روز لة الغضب في عيني ماثيو, وفكرت انه لآمر عظيم ان يشعر بالإهانة.
(( هذا ما أقوله...... ولا حتى انا. انا لا.......))
توقفت روز عن الكلام , وظلت دون حراك فيما انحنى ماثيو الى الأمام وفتح زمام سترتها
بعدئذٍ رفع رأسه والتقت عيونهما, ومن دون اي كلام سحبها من فوق كتفها.
((ارفعي يديك !))
من دون تفكير أطاعت روز أمره هذه المرة , فخلع عنها السترة المشبعة بالماء, أبعدت بسرعة خصلة كثيفة من الشعر الرطب عن عينيها, ثم نظرت الى سترتها وهي تسقط على ارض اللاندروفر, وسقطت معها القميص التي ارتدتها تحت السترة.
جلست روز بسكون وهي تشعر بإرتعاشات كبيرة في جلدها من جراء خوفعها , ثم رأت نظرات ماثيو تجتاحها فجأة كالمد, فأكتست بشرتها لون الخجل والإهانة.
علقت بحدة حين انقضت اللحظة المخجلة التي شلتها.
((ظننت انك تحاول إنقاذي فقط!))
نظرته الضبابية أثارت إرتجافة في جسمها , بدا هذا الآمر أشبه بتجربة الموت الوشيك،إذ انها لم تتجاوب على هذا النحو مع الرجال قط, ولا حتى مع ستين, مع انهما عملا بشكل متقارب معظم الأيام.
عملا متقاربين جدا احياناً. وهذا شكل جزاءاً من سبب رحيلها, لكنه جزء صغير فقط, لآنها لم تخف قط عدم قدرتها على السيطرة على نفسها , أما السبب الحقيقي فهو شعورها بالذنب والخجل لآنها امتلكت أحاسيس تجاه رجل متزوج.
((آه بالطبع.))
يا له من رجل بغيض!. نظرت اليه نظرة ثابته ثم قالت.
((انت لست لطيفاً جداً))
((لا لست كذلك, لست لطيفاً مطلقاً.))
سمرت نظراتها في عينيه الغاضبتين والباهتتين للحظة, ثم ارتجفت وأخفضت نظراتها , إنها تصدقه بالفعل.
متجاهلة ماثيو بقدر ما يمكنها, سحبت روز قميصها التي كانت جافة لحسن الحظ فأرتدتها وغطت بها جسمها, بحيث وصلت الى ركبتيها, بعدئذٍ خلعت سروالها الجينز بحركة لا تخلو من القلق والإنفعال.
وقبل ان تتمكن روز من سحبه حتى كاحليها, فتح ماثيو الباب ورجع الى مقعده الأمامي من دون التفوه بأي كلمة, وما لبث ان ادار المحرك , متوجهاً اليها بكلمات فقط مقتضبة بأن تشد حزام الآمان.
فكرت روز انه على الأرجح يعني ان تشد حزام الأمان وتصمت في آن, ولم يكن لديها مشكلة في كلا الأمرين. وإذا لم يكن مزاجها مؤتياً للمحادثة قط.
مضى على سيرهما بالسيارة بضع دقائق قبل ان تدرك انه لم يعرف بعد اين تسكن.
((سأنزل عند دار دورني. انه المنعطف الأخير قبل.....))
قاطعها صوت ماثيو النافذ للصبر
((لن أخذك الى هناك))
التقت نظراتهما ثم تابع
(( تحتاجين الى كشف طبي. ثمة مستشفى صغير في موبر))
((لا احتاج الى رؤية طبيب))
جاء ردة فعل ماثيو سريعاً بنظرة ملؤها الإستبداد.
((سواء كنتِ تحتاجين الى هذا ام لا, فهذا ما ستفعلينه.))
لن تقفز روز من سيارة متحركة بالطبع, لذا لم يكن لديها الكثير من الخيارات إلا ان تقبل خطته.
((هناك بطانية على المقعد الخلفي , لكنك قد تجدين عليها بضع شعيرات كلب, سنصل بعد خمس دقائق تقريباً.))
وجدت على البطانية ثلاث شعيرات, لكنها لم تبال بذلك. التفت بها ملتمسة الدفء , عرفت انه يجدر بها عدم هدر طاقتها , لكن كيف ستسمح لماتيو بالذهاب وهو يظنها شخص اخر.
((انت تعلم أنني لم أُقم علاقة معك.))
أو مع أي شخص أخر.......
لسوء حظها فإن الرجل الوحيد الذي تخيلت ان العلاقة معه لن تكون عملية آلية باردة كان رجلاً متزوجاً ولا يحق لها التفكير به. تجعد جبينها وهي تتذكر تلميح ربيكا ان وقوعها في حب رجل لا يمكن الوصول اليه ليس مجرد صدفة, وجدت روز نفسها تتذكر تلك المرة الوحيدة التي عانقها فيها ستين,ولم يكن ذلك العناق هو ما توقعته . لم يجرفها الشغف في الواقع, بل شعرت انها غريبة عن الحدث تماماً.
((لأنني تخلصت منكِ فحسب.))
مرّ تعليق ماثيو الساخر هذا كالشفرة على أفكار روز المشتتة.
((لماذا ؟ ما كان عيبي؟))
أعلن ماثيو بغطرسة ملؤها الإزدراء
(( لا اقيم علاقات عاطفية مع معجبات ثملات.))
الدم الذي عاد يجري في أطرافها الباردة اندفع الآن الى رأسها وردت
((انتظر! اعرف انك انقذت حياتي, لكن هذا لا يعطيك الحق لتختلق القصص وتدعونني بالمومس.))
((لم استعمل هذا المصطلح ,لكن ماذا تسمين انتِ إمرأة تلاحق رجالا مشهورين بهدف إضافة إنجاز او نصر أخر الى مغامراتها؟))
كررت روز ما قاله ماثيو وقد زادت حدة غضبها
((مشهورين؟))
ثم أكملت
((هل يفترض بي أن اعرف من انت؟))
قذفها بنزظرة ساخرة , قبل ان يسألها.
(( أتحاولين ان تقولي إنكِ لا تعرفينني؟))
ردت روز بحدة
((لم تقع عيناي عليك مطلقاً قبل اليوم.))
((حسناًً!))
تنهد ماثيو تنهيدة تدل على الضجر , وكما لو انه مضطر لمجاراتها تابع يقول معرفا عن نفسه
((انا ماثيو غوثيير.....))
بالطبع! عرفت روز الإسم بالرغم من عدم متابعتها لأخبار الفورميلا! على اي حال هذا يشرح الغطرسة والاعتداد اللذين يتصفا بهما هؤلاء السائقون, وهو امر سخيف جدا, يبدو ان ماثيو على الأرجح يصدق ذلك التملق الذي تنشره الصحف.
((هل يعني هذل شيئاً؟))





بدا واضحاً من النظرة الخاطفة التي قذفها ماثيو بإتجاه روز من فوق كتفه أنه لم يصدق تجاهلها له للحظة, ظهرت التسلية واضحة في نبرته وهو يقول
((لربّما يعني شيئاً اذا كنتِ معجبة بالفورميلا!))
((ظننت انك يوناني, لا يبدو اسم غوتيير يونياً!))
تلاشت الإبتسامة الكسولة من وجهه حين قال
((انا نصف يوناني . استعملت شهرة أمي مهنياً.))
((إذاً انت في الواقع.......))
((ماثيو ديمتريوس. اسمعي! لستِ بحاجة لأن تفعلي هذا. لن أخبر احداً بالآمر اذا كان هذا ما يقلقك. ربما تقدمتِ بحياتك, وأصبحت تخجلين من ماضيكِ, على الرغم من اعتقادي ان من الأفضل ان تعترفي بخطتكِ لمن انتِ على علاقة معه اياً يكن.))
لم يشك للحظة أن هناك رجلاً في حياتها, فالنساء أمثالها هن على علاقة مع احدهم دائماً.
اجابت روز بثبات
((شكراً على النصيحة.))
وتابعت
(( لكني لست خجلة, لم أفعل شيئاً في ماضيّ اخجل منه.))
وأردفت
((لا اعرف حتى اين ومتى يفترض انني حاولت...... إغوائك.))
((موناكو.))
((حسناً لم أذهب قط الى مون.....))
توقفت روز عن متابعة جملتها. لم تكن هي التي ذهبت الى موناكو بل ربيكا, ولديها البطاقة البريدية التي تثبت هذا, أغمضت عينيها, وأخرجت من شفتيها تنهيدة صامتة لم تكن المرأة التي كان يتكلم عنها ويسخر منها . المرأة التي حاولت إغواءه إلا اختها التوأم ربيكا التي تم هجرها بكل ما للكلمة من معنى في المذبح.فمسها ضرب من الجنون. بدا كل شيء واضحاً الآن . المكان , التوقيت.....التشابه! لطالما تكلمت الشقيقتان عن ذلك
>>الصيف الذي ترغب ربيكيا بنسيانه<<
حين اعترفت انها قامت بأشياء كثيرة ترغب في نسيانها,يبدو ان تصرفها الطائش على سرير بطل سباق الفورميلا احد هذا الاشياء.
آه! يا الله عليكِ يا ربيكا, كيف امكنك؟ شعرت روز بالذنب من جراء السؤال الأناني لحظة خطر في بالها.
كان سايمون ذو الشعر الناعم الأملس والإبتسامة اللطيفة , الشاب الذي يقطن بجانب ربيكا تماماً. أحبا بعضهما منذ ايام الطفولة , وبدأ يتواعدان منذ عمر السادسة عشرة ثم خطبا في عمر التاسعة عشرة.
وبدأت التحضيرات, وبدت ربيكا مذهلة ساحرة كعروس الآحلام , لم ينقص الحفل سوى العريس!
انطلقت روز بسرعة في سيارة القس الصغيرة إلى بيت سايمون, إستجابة لإتصال هاتفي بائس, فوجدت العريس يقف مذهولاً على الطريق الخاص بمنزله, سألته
((هل انت متوتر؟))
نظر سايمون إليها, وأجاب نفياً بهزة من راسه, ثم طلب سيجارة, ذكرته روز بأنه لا يدخن , ثم دخلت الى البيت, حين علمت منه بعد جهد جهيد السبب الذي دعاه الى عدم قيامه بدور العريس, تمنت لوقت قصير لو أنها تدخن هي نفسها.
((عليكِ ان تخبريها بنفسك روز. انا لا استطيع القيام بضلك. قولي لها انني اسف وإنني احبها, لكن.....ليس بهذه الطريقة.))
((آه طبعاً .هذا سيشعرها بتحسن اكبر, وهل أذكر لها قبل ذلك او بعده ان خطيبها انتظر حتى يوم زفافه كي يعترف بأنه شاذ؟))
توقعت بأن تنهار ربيكا او تجن بالكامل حين نعرف بشأن سايمون , لكن شقيقتها ظلت هادئة بطريقة تفوق التوقع.
بدت ربيكا مسيطرة على نفسها, ما بدا امرا جيدا نظرا لأن اباهما اصيب بنوبة إغماء وتصلب. وبدت امهما قلقة ومضطربة جدا بشأن إرجاع الهدايا إلى أصحابها.
أصرت ربيكا على إخبار الحاضرين شخصيا. لن تنسى روز ابدا منظر شقيقتها وهي تقف كملكة جليلة بفستانها الآبيض لتشرح للموجودين ببضع جمل مشرقة ان الزفاف لن يتم .انعصر قلبها على شقيقتها وهي تراقبها عالمة كم تتألم.
مضت أرعة أيام قبل ان تبدو ربيكا مصعوقة فعلا بالخبر, فانهمرت الدموع وثار الغضب....بعدئذ, اعلنت انها نجحت في إستعادة ما دفعته من مال لشهر العسل وبعضا من تكاليف حفل الزفاف , فقررت ان تسافر لبضعة اشهر وتتمتع بالمال, ويبدو واضحا ان اسفارها قادتها الى غرفة نوم ماثيو غوثيير.
قال ماثيو بصوت رقيق ساخر
(( أرى انك التزمت الصمت, ايعني ذلك ان ذاكرتك المفقودة رجعت اليكِ؟))
تجاهلت مدى رغبتها في إخراج كلمة اعتذار بالقوة من فم ذلك الرجل البغيض, وتغلب إخلاصها لشقيقتها التوأم على رغبتها تلك.
هزت رأسها يمينا ويسارا وقالت
((لم أذهب الى موناكو قط.))
((إذا لديك شقيقة توأم في مكان ما هناك))
اصابتها إرتجافة بينما ادارت راسها لتنظر من النافذة وهي تقول
((إن كان هذا ما تقوله.))
وتابعت
((لا اعتقد ان في المستشفى قسما للمصابين))
((إنه مستشفى , ولا بد ان يكون هناك طبيب , وإن لم يكن, فلا بد ان هناك ممرضات يمكن الإعتماد على خبرتهن.))
((انا بخير, كما انني تأخرت......))
التقطت روز مقبض الباب لتثبت نفسها بينما اتخذ ماثيو منعطفا ظانا نفسه في سيارة الفورملا1, لا في سيارة لاندروفر قديمة بالية.
((سنترك الآمر للشخص الذي تدرب ست سنوات كي يقرر إذا كنت بخير ام لا . هل يمكننا ذلك؟))
**********
اتضح ان ماثيو على حق, كان هناك طبيب في المستشفى الصغير , هو احد اطباء الصحة العامة المحليين, قال الطبيب انهما قاما بالفعل الصحيح حين سردت له روز ما حدث.
حين عادت الى صالة الانتظار بعد بضع دقائق اعتقدت لاول وهلة ان منقذها , بطل سباق السيارات قد رحل, في اللحظة التي بدأ التوتر يزول من عمودها الفقري, فصل ماثيو نفسه عن حائط التصق به.
((آه لم أرك في الظل.))
عاد التوتر الى روز مع رغبة بالثأر . لم تلتق قط بشخص أثار فيها مشاعر الكراهية مثله, إنها محظوظة حقاً, فلو أعجبها ماثيو لشعرت بطريقة غير عقلانية انها غير مخلصة لشقيقتها التوأم.
((قلت لكِ انني سأنتظر.))
انعقد حاجبا ماثيو في خط مستقيم حين ارتجفت روز لرؤيته.
((وانا قلت إن هذا غير ضروري , فأنا قادرة تماما على ان ارجع ادراجي بمفردي.))
رفع ماثيو حاجبه وقال
(( بهذه الثياب؟))
اقرت روز ان لديه وجهة نظر ,واخفضت بصرها . كانت القميص تغطي جسدها كالفستان. لكنها بدت قصيرة وفضفاضة, اما الجوربين السميكين الكبيري القياس اللذين بقيا في قدميها , فلم يكونا مثاليين للتنقل بين الناس, هذا بالإضافة الى عدم امتلاكها للمال, مع انها كرهت بأن تكون مدينة له, لكن هل لديها خيار اخر؟
((اسفة لانني سببت لك المتاعب, انا واثقة بأن لديك اشياء اهم تنشغل بها.))
((نعم.))
((آسفة))
ارتجفت شفتا ماثيو. فعلى الرغم من قولها كلمة اسفة لكن الشعور الكامن وراء تلك الكلمة بد له""اذهب للجحيم""
((ماذا قال الطبيب؟))
وجد ماثيو روز جذابة بثيابها هذا اكثر مما كانت عليه في غرفة نومه تلك الليلة, وتساءل, ألا يجعله هذا التفكير منحرفا عقليا.؟
((قال ما قلته سابقا :انا بخير, قال ايضا انني محظوظة))
اخذت روز نفسا عميقا . إذا كان الرجل لا يروقها , فهذا لا يبرر تصرفاتها السيئة تجاهه فقد خاطر بحياته لينقذها, اضافت
((وانا كذلك حقا. شكرا لك.))
نظر ماثيو لحظة الى اليد التي مدتها روز نحوه, وحين اعتقدت انه سيتجاهلها, امسك بيدها وصافحها.
من الصعب على المرء نكرانه انجذابه القوي الى شخص تفاعل معه بهذه الطريقة لمصافحة عادية بسيطة , ابتلعت روز ريقها وهي تتساءل عن سبب الرعشة الكهربائية التي ضربت جسمها.
هل احس بها هو ايضا؟
دفعت الفكرة بعيداً , ومررت لسانها على شفتيها الجافتين وهي ما زالت تشيح ببصرها عنه. وجهت كلماتها الى الحائط فوق كتفع الأيسر قائلة بصوت متهدج
((أحتاج فعلاً الى العودة.))
لوى ماثيو رأسه الداكن الشعر قبولاً لطلبها وسألها
((هل قلتِ دار دورثي؟))
ضاقت عيناه وهو يركز تفكيره , على خريطة للمكان في ذهنه..
((هذا صحيح.))
((يقع المكان بجانب طريق أنيرنس, أليس كذلك؟))
رفعت يداً الى رأسها وقالت
((أظن ذلك.))
فيما لاحظ ماثيو حركة روز الدالة على إنهاكها الشديد, تفاجأ لشعوره بغرائز الحماية لديه تتحرك بقوة . ذكر نفسه بحقيقة تلك المرأة, لكن وجد من الصعب ان يوفق بين المرأة المغامرة في ذاكرته وهذه القامة المنهكة البيضاء البشرة التي تغلبت على الموت لتوها..... من دون ان تذرف اي دمعة.
((مرت بكِ احداث شاقة في هذا الصباح, تعالي!))
لا بد انها تشعر بالتعب لآنها لم تعترض حين امسكها من ذراعها ليرشدها على الطريق.





4.إمرأة وثلاث رجال
**************

سأل ماثيو حين جلس الى مقعد السائق بجانب روز
((هل انتِ متأكدة من ان الطبيب طمأنك انك بخير لتغادري المستشفى؟))
لا بد من التساؤل عن جدارة ذلك الطبيب الذي ارسل إمرأة تبدو على وشك الانهيار الكلي الى المنزل.
هوت روز رأسها إيجاباً , لكنها لم تذكر له ان الطبيب سمح لها بالمغادرة على شرط ان يها احدهم في المنزل.المنزل...... يا للسخرة! بعد ان تخاصمت مع أفراد عائلتها بسبب إصرارها على المغادرة , هاهي تعاني من الاشتياق الى موطنها منذ وصولها الى هنا.
((هل انتقلتِ للعيش هنا ام انك تزورين احدهم؟))
لو ان المتحدث شخص اخر لظنت روز انه يحادثها ليمنحها وقتا تستجمع في قواها. رفعت يديها لتمسح الرطوبة من زاوية احدى عينيها , قائلة
(( لدي عمل هنا, فأنا أنظم مجموعة كتب السيد سميث في بيانات.))
((تنظمين كتباً في بيانات؟))
لم يتخيل ماتيو مطلقاً جواباً مفاجئاً كهذا.
((نعم حين لا انشغل بإغواء الرجال في غرفهم في الفنادق, أعمل أمينة مكتبة))
انفجر ماثيو بالضحك فشعت عينا روز الصفراوان الضاربتان الى الحمرة بضوء قوي.
((ما المضحك في الأمر؟))
نظر ماثيو الى روز نظرة جانبية سريعة.
((حسناً .عليكِ الإعتراف انه ليس..... حسناً! من يراكِ لا يتصور انكِ....))
أدار ماثيو رأسه مجدداً موجه عينية الى الطريق مجدداً, وهز رأسه الى اليمين والى اليسار, وقال
((....حسناً..... انكِ امينة مكتبة , صغيرتي))
بدت الكلمة الأخيرة حميمة لانه قالها باللغة الفرنسية مع انه قصد بها التهكم
((يبدو انك تمتلك فكرة سيئة عن امينة المكتبة! سيد ديمتريوس.))
ثم تابعت في سرها:حسناً روز! لن تعرفي ماذا يفكر به هذا الرجل بالتحديد, آه , سوف تحتاج الى علاج نفسي بعد لقائها بهذا الرجل.
((اتمانعين إن مررت بالمنزل الريفي لأخبر جايمي عما حدث؟))
من دون ان ينتظر إجابة روز , توجه بسيارته الى منعطف حاد, بدت بوابة المدخل التي مر بها كبيرة جداً, لكن الطريق الخاص المحاط بالأشجار من كلا الجانبين , كان مليئاً بالحفر.
قضت روز وقتاً كافياً في ذلك المنزل الريفي, لتعرف ان مليونيراً سكوتلندياً يملكه, ةهة شخص مهم جداً, افترضت ان شخصاً كماثيو يعرفه حق المعرفة.
((هل تقيم هنا؟))
هز ماثيو رأسه وهو يجتاز بصعوبة حفرة على الطريق, وقال
(( شارك جايمي في سباق واحد فقط.....))
((هل أصيب؟))
شرح لها ماثيو
((لا هو فقط يحتاج..... جايمي سائق ذكي, لكنه يفتقر....أفترض انه ليس قاسي القلب بما يكفي , جايمي.....))
توقف قليلاً ثم أردف
(( هو ألطف مني.))
((هذا الشرح غير ضروري , اؤكد لك.))
جوابها هذا أضحك ماثيو. ولم تستطع روز إلا ان تلاحظ مدى جاذبية ضحكته.
*******
قاد ماثيو السيارة الى منطقة مرصوفة بالحصى أمام المنزل. في الواقع , لم يتبق الكثير من الأعشاب الضارة,رغم ان المنزل نفسه, هو مبنى ضخم الطراز مبني من الحجارة المتراصف , بدا مؤثراً.
بدا كأن ماثيو يقرأ أفكار روز حين قال
((يعود الحجر الأصلي ألى القرن الخامس عشر’ وأعتقد انه تعرض للحريق, انتظري هنا , سأخبر جايمي.....آه ! ها هو......))
أدارت روز رأسها في الوقت المناسب لترى رجلين يمشيان حول المنزل, أحدهما طويل القامة, أشقر الشعر, أفترضت انه مالك الارض, أما الآخر فكان رب عملها. بدأت تشد بمقبض الباب كي تفتحه , وفي تلك اللحظة عرفت لماذا بدت لها السيارة المتوقفة في مكان قريب مألوفة.
انحنى ماثيو والتقط ذراعها ثم قال
((ماذا تفعلين؟))
ردت روز وهي تبتعد عنه أكبر مسافة ممكنة
((هذا السيد سميث.))
وأردفت
((أنا انظم كتبه))
أدار ماثيو رأسه في الإتجاه الآخر , صورة رب عمل روز التي تشكلت من قبل هي صورة رجل يكبر هذا الذي يتكلم مع جايمي بعشرين عاماً على الآقل.
((هل تقطنين لديه؟))
هزت روز رأسها إيجاباً. متفاجئة بالتغير الغريب في وتيرة صوته, إلا انها ارتاحت لأن ماثيو لم يعد يضغطها الى مقعدها بذراعه, لم يخطر ببالها قط ان ماثيو لربما يتساءل عن ترتيبات نومها, ولو أنها عرفت ما يجول بخاطره لضحكت بالتأكيد.
روبرت سميث, بالرغم من انه شاب وحسن المنظر , إلا انه ليس جذاباً على نحو مميز, كما انه غير ودود, ولا يملك حس الدعابة.
((ابقي هنا . سأشرح ما حدث))
حياة جايمي بمزاجه المرح الاعتيادي النابع من صميم قلبه.إلا ان ملامحه انقبضت حين شرح له ماثيو ما حدث.
((انت محظوظ لأنك ما زلت على قيد الجحياة , يا صديقي.))
وافقه روبرت سميث
((نعم , هذا من حسن حظك.))
وتابع
((لكنك تقول إن الآنسة هول لم تتأذى , وإن الطبيب أفاد أنها في حالة جيدة . أليس كذلك؟))
((من الواضح انها ما زالت تحت تأثير الصدمة.))
((انا متأكد انها ستنسى الآمر كلياً , حالما تبدأ بالعمل.))
((العمل؟))
توردت وجنتا الرجل الآخر من جراء النظرة التهكمية التي رمقه بها ماثيو))
((في الواقع.....اعتقدت.....لدي جدول أعمل و....))
((تحتاج المسكينة إلى فترة إستراحة.))
تراجع روبيرت سميث بوضوح من وهج الغضب في عيني الرجل الآخر.))
((آه, إن كان هذا ما أوصى به الطبيب , سأحرص على أن.....))
تشدق جايمي قائلاً وهو يضع يده برفق على ظهر الرجل
((روبيرت! لم لا تدخل وتلقي نظرة على تلك الكتب؟ تركتها على الطاولة في الرواق.))
قبل الرجل الآخر الدعوة إلا أنه أندفع نحو اللاندروفر برشاقة قائلاً
((سأذهب لأطمئن على الآنسة هول اولاً.))
قال جايمي بنبرة منخفضة ملؤها التسلية بينما بدأ الرجل الآخر يمشي بإتجاه اللاندروفر
(( أظن أنك أخفته))
قال ماثيو بإزدراء
((أظن أن الرجل ......غبي))
قال جايمي بنبرة جافة
((نعم, هذا ما يبدو))
ثم نظر الى اللاندروفر بفضول وقال
((هو غبي , لكنه جنى الكثير من المال في المدينة, وتقاعد وهو ما يزال شاباً أظن انني سأبيعه بعض الكتب القديمة كسباً للمال , إذ يبدو مهتماً بشأنها , حسناً ّ ماذا عن الفتاة ؟ هل عرفتنا ببعض؟))
استأنف كلامه فيما اقترب من اللاندروفر,
((لم لا احصل على فرصة كي العب دور الفارس المنقذ للفتيات في الأوقات الصعبة؟))
تبعت نظرة ماثيو اتجاه تحديق جايمي, فرأى رزظ تترجل من اللاندروفر بناء على إشارة من سميث, تجعد جبينه وهو براها تهز رأسها الى الأمام والى الخلف متحدثة الى الرجل الآخر , ثم بدأت تمشي بإتجاههما.
((تغيرت كثيرا...... منذ وجودها في موناكو.))
لم يدرك ماثيو انه تفوه بما فكر به إلا حين تكلم جايمي
(( أتعرفها؟ يا الهي, كم يبدو الآمر غريباً




اتسعت عينا جايمي تقديراً , ثم صفر بصوت منخفض بينما اقتربت روز منه , قال لصديقه
((هل من فرصة لتعرفني بها مات؟))
رمقه ماثيو بنظرة ملؤها السخط, ثم رد
(( بالكاد أعرفها ..... التقينا.....))
توقف بعد ان أصبحت روز على مسافة تسمح لها بأن تسمعه, بالرغم من لباسها غير المألوف وشعرها الاشعث, وقفت ونظرت اليهما بكرامة وجمال يكفيان لإيجاد عذر لإندفاع جايمي الطفولي.
قالت وهي تهز رأسها نحو جايمي فيما أضمحلت إبتسامتها حين نظرت الى ماثيو
((مرحبا.))
ثم قالت على نحو مرتبك
(( سيوصلني السيد سميث. أريد أن أشكرك .....لأنك أنقذت حياتي, وآسفة لأنني سببت لك الكثير من المتاعب.))
قاطعها جًايمي متقدماً بخطواته وماداً يده ليعرفها بنفسه
((إنقاذ حياتك؟))
ثم تابع
(( قللت من اهمية انجازك مات))
فيما روق صديقه بنظره جانبية ملؤها التسلية قائلاً
((لكن هذا ما عهدناه في ماثيو, البطل المتواضع.))
بدا هذا البطل المتواضع غاضباً وهو غير مرتاح على الآقل, فيما اتسعت إبتسامته,
أضاف جايمي
((بالرغم من تواجدنا في مكان بهذا الحجم , إلا اننا لم نلتق بسبب عامل الوقت فحسب, انا جايمي.))
((أعرف.....مالك الآرض.))
((في الوقت الحاضر. لكنني اتمنى ان يقوم مات هنا بعمل خارق, ويبقي وكلاء الأراضي بعيداً.))
صعب على روز ان تعرف من نبرته اذا كان يمزح ام لا,لكن ما بان بوضوح هو ثقته بقدرة ماثيو على تحقيق المعجزة . وجدت نفسها تتمنى ان يتمكن ماثيو من القيام بذلك, إذ وجدت ان من الصعب الا يحب المرء مالك الارض الشاب اللطيف,
القت نظرة معبرة على ثيابها قبل ان تحرر يدها. وتلف ذراعها حول جسمها قائلة
((انا روز.... أرجوك أعذرني..... سأذهب وأنتظر في السيارة انها اكثر دفئاً.))
ابتسمت روز للمرة الأخيرة قبل ان تدير رأسها وتنطلق.
قال جايمي بصوت منخفض وهي تعود الى السيارة في مكان قريب
((أظن انني أعجبتها.))
((إذاً ما نوع الكتب التي تود بيعها؟))
بدا للحظة ان تغيير ماثيو للموضوع ناجح, لكن جايمي توقف عن الكلام ووجه نظرة حادة الى صديقه قائلاُ
((موناكو....؟))
هز ماثيو كتفيه وتظاهر بتجاهله الموضوع
((يا الهي انها هي. أليس كذلك؟ الشقراء التي دخلت غرفتك ليلة الإحتفال في السفارة.))
لم تظهر تعابير ماثيو اي شيء زكذلك لسانه الذي امتنع عن الكلام, رغم انه شك في وقت لاحق ان يكون ذلك مجدياً .
((أأعتبر هذا السكوت علامة الرضى؟))
أطلق جايمي صفرة خافتة , أتبعها بضحكة متقطعة, وأقر بأسف
((إمرأة كهذه لا تبدو مناسبة للعمل مع سميث....لأكون صادقاً , لا تبدو روز من النوع الملائم له.))
وأضاف
((ليس لدي الكثير من التجارب فيما يخص النساء اللواتي يحاولن إغراء رجال لم يلتقينهم من قبل. هل كانت عارية تماماً.))
رمق ماثيو جايمي بنظرة جافة خاطفة, فرفع جايمي يده ليهدء من روع صديقه قائلاً
((حسناً! لا حاجة الى الغضب, هل انت متأكد من انه لم يحث شيء؟ أعني , ألم تنشأ بينكما مشاعر محمومة على الجليد؟))
اتسعت إبتسامة جايمي ورفع حاجبه متسائلاً.
لم يرد ماثيو الإبتسامة, بل قال بطريقة غير ودودة
((لديك خيال مفرط, جايمي))
هذه المرة قرأ جايمي مؤشر الإنذار في تعابير الرجل الآخر. فرد بطريقة هادئة
(( إن كان هذا ما تقول.....))
وأضاف
((لكنني أعتقد انك احد الرجال القلائل في الكون اللذين يغضبون كثيراً لرؤية إمرأة جميلة شقراء في سريرهم.))
تحول حاجبا ماثيو الداكنان الى خط مستقيم فوق أنفه المعقوف . ثم قال والسخط في صوته موجه على الأغلب الى نفسه
((لا أعرف ما الذي دهاني لكي أخبرك عن الموضوع؟))
ذكره جايمي
((لم يكن لديك خيار بعد ان سمعتك توبخ طاقم الفندق لتقصيره في حماية خصوصية غرفتك.))
وتابع
((ألم تشعر بالإغراء لتأخذ ما عرض عليك؟ أعني, تبدو روز جذابة حقاً.))
تبعت تنهيدته الطواقة إبتسامة وقحة؟ إبتسامة أثارت لدى ماثيو مشكلة ما, إلا ان جايمي استكمل تفكيره بالشقراء غافلاً عن حقيقة مواجهة صديقه لدوافع عنيفة
((أتساءل اذا كانت ترغب بأن تأتي وتنظم مجموعة كتبي بعد ان تنهي عملها مع سميث؟))
فجأة أضمحلت نظرة جايمي الماكرة الهزلية والموحية امام ومضة الغيظ الشديدة التي ظهرت على وجه صديقه.
في تلك اللحظة تنحنح روبرت سميث معلناً وجوده.
استدار الرجلان بإتجاهه في اللحظة نفسها
((انا متأسف جايمي , لآن الكتب.... حسناً ! ليست هي ما ابحث عنه.))
تقبل جايمي الخبر بهزة من كتفه تعبر عن هدوء باله وقال
((حسناً! ليس بالآمر المهم.))
((لدي صديق قد يبدي اهتماماً بها, سأذكر له الموضوع إذا احببت. بالرغم من ذلك اخشى انها غير قيمة حقاً))
سمع ماثيو نفسه يقول
((سسأشتريها؟))
تفاجأ جايمي بالعرض بقدر ما تفاجأ به ماثيو. فقال
((لا تعرف اي نوع من الكتب هي.))
((لدي رف كتب فارغ.))
((حسناً إذاً سأنصرف.))
تجعدت شفتا ماثيو في إبتسامة إزدراء وسأله
((ماذا بشأن الجدول؟))
كافح الرجل الآخير ليرد الإبتسامة
((سوف نرى....أشكرك مجدداً لمساعدتك الآنسة هول.))
ضاقت عينا ماثيو فيما راقب سميث وهو يركب السيارة قرب روز؟ وعلق قائلاً
((لا احب هذا الرجل.))
قاوم جايمي إبتسامة وقال مربتاً على كتف ماثيو
((وقد أخفيت هذا الآمر بشكل جيد.))
ثم تابع
((بما انك تحقق نجاحاً مع أصحاب رؤوس الأموال , ماذا عن وضعي المالي, هل ثمة بصيص امل؟
مدركاً هم صديقه الحقيقي, ذلك الهم الكامن وراء إستخفافه وطيشه, حوّل ماثيو مسار تفكيره عن أمينة المكتب , وهي احتمال بعيد, الى وضع صديقه المالي مجدداً.



5.أريد عملاً
********

((أنا آسف, آنسة هولي. إنني مضطر إلى تركك تذهبين.))
أطبقت روز فكيها , وأدارت رأسها , وراحت تحدق خارج النافذة من دون ان ترى مشعهد هايلاند الساحر المغطى بقشرة من الثلج, ضغطت عينيها بقوة ,هزت رأسها يميناً ويساراً. لم تكن لديها أدنى فكرة عما سيحدث بعد هذه الكلمات, لكنها لم تكن تتوقع ان تؤمر فجأة بمغادرة المكان.
((تركي أذهب؟))
((أعتقد إنه لم يعد بإمكانننا العمل معاً.))
((هل تصرفني من عملي؟))
طغى الشعور بالإندهاش على شعور روز بالغضب, وعلى الأرجح أن هذا الأخير سيأتي لاحقاً...... وهذا ما حصل فعلاُ. تابعت تقول
((لكنني لا أفهم. هل لديك أي شكوى على عملي؟ أتقول ذلك بسبب قضائي بقية النهار في لبسرير البارحة؟ في الواقع, كنت لأعمل لو.........))
أقر روبيرت سميث بصرامة
((كان عملك جيداً((
ثم أردف
((إلا ان أموراً اخرى لفتت إنتباهي.))
((أي أمور؟))
بدأ روبرت يحرك أشياء على طاولته من دون ان يوجه نظراته إليها.
وأجاب
((فكرت بالآمر قليلاً البارحة.))
ثم تنهد ورفع رأسه وأردف
((ولسوء الحظ, أستنتجت انه من غير الملائم لإمرأة مثل......))
توقف روبيرت عن الكلام وتنحنح
((لإمرأة مثل ماذا؟))
زم روبيرت شفتيه, وأخفض نظراته الخالية من الحماسة وراء نظارتيه ذات الإطار العظمي, وقال
((هذا مجتمع صغير, وليس ثمة أسرار تخفى, إن مغامراتك الباهرة روز , ستصبح شائعة على كل لسان.))
كررت روز وهي لا تزال جاهلة عما يتكلم
((مغامراتي الباهرة؟))
اعترف روبيرت
((إن الناس هنا ذو أفكار قديمة الطراز, وبما إنني أخترت السكن هنا, علي ان احترم قيمهم, ساورني بعض القلق في البداية بالنسبة إلى بقاء فتاة يافعة مثلك هنا......))
فكرت روز , يا إلهي, هل يظن كل رجل ألتقي به أنني أنوي أغواءه؟ فيما تابع روبيرت
((لكن بما انكِ كفوءة ازحتِ قلقي جانباً. أما الآن , أصبح هذا غير ممكن مع تاريخك المشكوك فيه.))
ضحكت روز ولم تتمكن من كبيت نفسها, إذ بدت الفكرة مثيرة للضحك حصقاً, وما لبثت ان صعقتها بومضة ساطعة, ضاقت عيناها وسألته بصوت هادئ خطير
((هل تحدثت الى ماثيو ديمتريوس؟))
لم يكن من داع لقوله""سرك محفوظ عندي"" فهو لم يُطق إنتظاراً لينشر أكاذيبه الوضيعة.
يا له من حقير ! لم يكتفِ بإهانتها شخصياً, بل عقد النية على التصرف بخبث متعمد ليقضي على سمعتها, أو بالأحرى سمعة ربيكا. يا له من مغفل مخادع حقود.
((بالطبع سأدفع لكِ أجركِ حتى نهاية الشهر))
إلا ان روز وجدت نفسها غير قادرة على الإمتناع عن إخبار رب عملها السابق انها لن تمس ماله , ولم يُبدِ روبرت إستعداداً لتكرار العرض عليها, لا سيما بعد ان صارحته برأيها فيه.
******
طلبت روز من سائق السيارة ان ينتظر, وبدا ذلك قراراً متهوراً نظراً إلى وضعها المالي لكنها لم تشأ ان تلتمس من احدهم ان يوصلها الى المحطة بعد ان تفجر قنبلتها في الداخل.
من قتح لها الباب الضخم المصنوع من خشب السنديان لم يكن خادماً مرتدياً زيه الرسمي , بل شقيقة جايمي ماكغريغور التي تمضي إجازتها المدرسية في المنزل . تحولت نظرة الصدمة في عيني الفتاة الى إبتسامة حذرة. وقالت بإرتباك.
((آه مرحباً, رأيتك البارحة, ربما انتِ لم ترينني.))
كانت روز منشغلة البال جداً لتسأل عن سبب تصرف المراهقة الغريب.
((لا , لم أركِ))
((تعملين للسيد سميث؟))
((لم أعد كذلك.))
((هل تريدين جايمي؟))
((أريد ماثيو.))
لاحظت الفتاة الصغيرة عزم روز من خلال خديها المتوردين وعينيها الغاضبتين , وأسنانها المطبقة بقوة , فأطلقت ضحكة متوترة
((انا آسفة....... الأمر إنه..... لا أظن ان......))
قاطعتها روز
((لا أكترث إذا كان مشغوزلاً او غير مستعداً أو أي شيء آخر, لآنني أنوي رؤيته سواء أراد رؤيتي أم لا.))
((انا حقاً.....؟ إنهما....))
((أريد ماثيو.))
((كم أشعر بالإطراء!))
استدارت روز على عجل وهي تدير رأسها مستعدة للجدال لدى رؤية قامة ماثيو الطويلة تظهر فجأة بالقرب من كتف الفتاة, ارتفعت نظراتها من حذائه المصقول المصنوع يدوياً إلى شعره اللامع, كانت هذه المرة الآولى التي تراه فيها بثياب رسمية جداً عبارة عن بذلة وربطة عنق, عليها ان تعترف بأن ماثيو ببذلته هذه بدا رائعاً وشديد الوسامة, فقد بدا طويل القامة جذاباً. وأبرزت الخياطة المتقنة لسترته الداكنة ذات القصة الأنيقة عرض كتفيه الواسعتين كما ان سترته المفتوحة أظهرت تحتها قميصاً بيضاء مصنوعة من قماش رقيق.
((ما الذي تقصده من وراء إختبائك بهذا الشكل؟))
رفع ماثيو أحد حاجبيه بسخرية , ثم أرخى عقدة ربطة عنقه, وسمح لعينيه ان تجولا فوق ثنايا جسدها, ففي الواقع هو لم يستطع ان يكبح نفسه عن هذا الآمر, قال شارحاً
((انا في طريقي إلى إدنبرغ.))
وبما ان ماثيو يملك النفوذ الإقتصادي, الذي يتماشى مع اسم ديمتريوس , استطاع ان ينظم لقاء مع المصرف الذي يهدد بآلا يمد جايمي بالمال , خلال بضع ساعات فقط.
أعترض أصحاب رؤوس الأموال على الفكرة في بادء الأمر, ولكنهم أحبوا خطته بعد حين, وأعتبروها مبتكرة وجريئة.
وضع ماثيو شرطاً واحداً فقط, وهو ألا يعرف جايمي مطلقاً هوية المستثمر الجديد.
نظر بحرص إلى وجه زائرته المحمر غضباً ولوى رأسه , ثم قال من دون ان يصرف نظره عن روز ,
((أفيونا أظن ان جايمي كان يبحث عنكِ))
بعد لحظة من الإمتناع وبعض النظرات الفضولية , أنصرفت الفتاة اليافعة.
((هل يمكنني ان ادخل ام علي ان التف كي أدخل من مكان أخر؟))
انحنى ماثيو قليلاً وخطا بضع خطوات إلى الوراء ليسمح لروز بالدخول, ثم دفع أحد الأبواب التي تؤدي إلى الردهة ليفتحه قائلاً
((يمكننا ان نحصل على بعض الخصوصية هنا.))
همهمت روز وهي تتبعه الى داخل الغرفة
((أصبحت تقدر الخصوصية فجأة , اليس كذلك؟))
راقبته وهو ينحني ليرمي حطبة من كومة الحطب الموضوعة قرب الموقد الحجري الكبير على النار , ما أعطى بريقاً إلى الغرفة المعتمة, قرقعت الحطب في النار الملتهبة , كذلك فعل مزاجها حين إستدار ماثيو, اسند كتفيه إلى رف الموقد الحجري الناتئ , ثم قال بتهذيب
((كيف يمكنني ان أساعدك؟))
((اتركني وشأني.))
أطبقت روز على شفتيها لتمنع انفلات المزيد من الردود الطائشة التي أعطته فرصة لينظر اليها بتلك الطريقة القوقية.
تحسّر ماثيو وعيناه تلمعان بسخرية , بينما راح يفك ربطة عنقه بلا مبالاة
((كم تتغير الأمور.))
ثم أضاف
((ظننت بأنكِ مختلفة روز.))
نظرت الى وجهه بحقد متجدد
((كنتِ معجبة بي أكثر فيما مضى, لكن المرء يعرف من هم أصحابه الحقيقين حين يخلف وراءه سحر حلبات السباق.))
((أنا متأكدة من انه ما زال لديك جمهور من الطفيلين المستعدين ليعتبروا كل رأي أحمق لك ذكياً ورائعاً, فالرجال أمثالك محاطون دائماً بأشخاص كهؤلاء.))
((هل عرفت رجالاً كثؤاً مثلي؟))
((لا لحسن حظؤي! لو أحسست بأحدهم يقترب من جهتي , لأبتعدت للجهة الاخرى.))
زم ماثيو شفتيه وأصدر صفرة خافتة وقال
((أحدهم يعاني من مزاج سيء هذا الصباح.))
((هذا الصباح كان لدي مكان آوي إليه.))
ابتعد عن رف الموقد الحجري, وخطا بإتجاه روز
((والآن ألم يعد لديكِ واحداً ؟))
((لا, لامكان آوي إليهِ ولا عمل.))
(( هل استقلتِ؟))
((لا, تم صرفي من العمل.))
((هل صرفكِ سميث؟))
بدا على تعابيره الإذدراء وهو يفكر فب الرجل الأخر ثم أضاف.
(( لم أتوقع حصول هذا.))

هذا الأمر يفسر مزاجها السيء بالطبع, لكنه لا يفسر وجودها هنا.
أغضبتها نبرة التسلية في تعبيره وقالت
((كاذب.))
تجمد ماثيو. سألها
((بماذا نعتيني؟))
رفعت روز ذقنها وهي مستعدة لمحاربته , ووضعت يديها على وركيها , لن تسمح له بأن يخيفها , بالرغم من تلك النظرة التي أوحت بأنه أشبه بحيوان غاب مفترس على وشك الإنقضاض.
رفعت ذقنها أكثر. وردت
((سمعتني.))
ثم أضافت
((لديك صفات كثيرة لكنك لست أحمق.))
أجاب ماثيو وصوته يقطر سخرية
((شكراً))
((كان يجب عليك ان تفكر بالنتائج حين أخببرت الجميع أنني إمرأة مستهترة.))
((لم أقل شيئاً من هذا النوع لأي كان))
توقف ماثيو وبدا على وجهه ملامح فهم مؤلمة , بينما صفع جبينه بيده وشتم.


رفعت روز رأسها بعنف وقالت
((حسنا أفترض انه نوع من الكلام الذي يمكن ان ينساه اي كان.......))
نظر اليها وهو مقتطب الجبين قلقاً وقال
(( لا أصدق إنه صرفك.))
أجابت روز
((ولا أصدق انك مهتم.))
ثم تابعت
((لكنني لا اعرف حقاً لما يصعب عليك تصديق الفكرة , ماذا توقعت ان يفعل رب عملي حين أخبرته أنني إمرأة فاسقة ........أن يزيد راتبي؟))
ارتجفت شفتاها , وأنزلقت دمعة من زاوية عينها, همهمت روز وهي تزيلها
((اللعنة,))
انخفض رأسها وهي تكافح لتستجمع قواها , بينما تأمل ماثيو انحناء رأسها وراقب كتفيها النحيلتين المحدودتين وهما ترتجفان :احس بحاجة غريبة حثته ليأخذها بين ذراعيه , تبعتها حاجةمماثلة قوية جداً ليخنق رب عملها الغبي.
((أنا لم أخبره القصة.))
توقع ماثيو ان تقاوم روز حين وضع يداً عند أسفل ظهرهها ووجهها تجاه الكرسي الأقرب , لكنها لم تفعل , قال
(إجلسي قبل ان تسقطي على الارض.))
نفاذ صبره اخفى القلق الذي لم يشأ ان يحس به, لم عليه ان يشعر بالمسؤولية ؟ ليس خطأه أنها عملت عند شخص محدود النظر الى الأمور وغير متسامح, مهما كان ظنه بها, فماثيو لم يختلق حكايات بشأنها, ظهر الشك على وجهه ثم قال
(( لم أخبره القصة قط, أفترض انه سمع شيئاً مما قاله جايمي.))
ازالت روز شعرها عن وجهها بساعدها , ونظرت عالياً الى ماثيو, غير مصدقة ما تسمع, وصاحت
((يا إلهي , هل من احد لم تخبره بعد؟))
((كان جايمي في الفندق تلك الليلة . سمعني أتذمر من أمن الفندق وأنتزع الخبر مني بالحيلة حين رآكِ خمن......))
قاطعته روز
((لا بد انك اخبرته ببعض التفاصيل.))
((جايمي لا يفوته شيء, وإذا كان يريحك , فقد سقطت منزلتي من عينيه منذ رأكِ))
مع إبتسامة جافة, رفعت روز رأسها وقالت
((أشك في هذا.))
((أعتقد أنني انا.....المذنبة.))
التفت الأثنان في وقت واحد بينما تأرجح الباب إلى الداخل لتظهر منه فيونا, وقد بدت على وجهها إمارات الشعور بالذنب.))
انتفض ماثيو في إستنكار وسألها
((فيونا! هل كنتِ تسترقين السمع؟))
((نعم......لا, الآمر هو انه..... لم يكن الآمر مقصودا في تلك المرة.))
ارتفع حاجبا ماثيو تعجباً
((تلك المرة.))
انزلقت عينا فيونا من عيني ماثيو , بينما مشت متثاقلة بائسة وهمهمت
((سمعتك وجايمي تتكلمان عن موناكو وعن الفندق و.....))
ثم رفعت عينيها بإتجاه روز ةتابعت
((....عنكِ ....قالت غرايس....))
مرر ماثيو يداً على فكه وتساءل
((من هي غرايس؟))
كررت فيونا وهي تبدو ناقمة
((من هي غرايس؟))
وتابعت
((انت تعرف من هي , لطالما كانت صديقتي المفضلة , منذ كنت في سن الرابعة , على اي حال.... يدير أبوها مركز التسلق. أخبرتها بالآمر عبر رسالة إلكترونية , وهي راسلت إيلي, وعلى الأرجح ان إيلي ارسلت ارسلت بريدا إلكترونيا الى بضعة أشخاص اخرين.))
تنفست روز بإرتجاف وقالت
((آه , يا إلاهي, ليس سميث وحده من عرف بهذه القصة.))
سمع ماثيو النبرة الهستيرية في صوتها لأنه نظر اليها بغرابة قبل ان يهز رأسه بعنف بإتجاه المراهقة ويصيح
((اخرجي))
خرجت فيونا من الغرفة بسرعة, فيما ارتفع صوت روز وهي تقول
((طالما انني اعمل جاهدة, فحياتي الخاصة لا تعنيه, هذا المتزمت المنافق, قال إن الناس قد يأخذون فكرة خاطئة عن علاقتنا, هي تتخيل ذلك؟))
ثم أضافت مع ضحكة مريرة
((علاقة مع ذلك الغريب البارد ..... يا إلاهي.))
وهمهمت
((أفضل العلاقة معك.))
((آه , اشعر بالإطراء.))
فكرت روز ان المقابلة لا تسير كما هو مخطط لها.
نصحته قائلة
((لا تشعر بهذا.))
وأردفت
(( إن كان من شخص أحتقره اكثر من متزمت منافق, فهو رجل يتباهى بفتوحاته امام الرجال الأخرين.))
ارتفع حاجبا ماثيو الداكنان , وسألها مستغربا
((فتوحات؟))
وتابع
((لا شك ان ذاكرتك للمناسبة مبهمة, لكننا في الواقع , لم......))
((لآنني لم اكن مناسبة كفاية.))
على الرغم من إحساسها بالمذلة لرفضها بإسم أختها, أحست بالإرتياح ايضا لأن ماثير قاوم تقرب ريبيكا, لأنه لو لم يفعل لشعرت بالغيرة!
خطفت روز نظرة الى الرجل المسؤول عن إحساسها الغريب هذا, لم تشعر قط بالغيرة من شقيقتها التأم بالرغم من وجود سبب لذلك. لطالما كانت ريبيكا هي الموهوبة , والنحيلة والشغوفة . وهي التي ينجذب اليها الرجال. إلا ان ماثيو لم يكن واحدا منهم.
((كنتِ ثملة.))
بغضب شديد قالت روز من وراء صرير أسنانها
((لم أكن انا.))
وتابعت
((كم مرة علي ان اقول لك ذلك؟ يا الهي ! ألم يخطر ببالك انه ربما كان هناك سببا لتصرفها ذاك؟ سبب لا علاقة له بكونك لا تقاوم. ما دفعها لتفعل ما فعلته تلك الليلة؟ ألم يخطر ببالك أنها ربما كانت تمر بوقت حرج في حياتها؟ ربما اكتشفت ان خطيبها الرجل الذي تخلص منها في المذبح , شاذ.)
راقبها ماثيو بينما توقفت عن الطلام لتحبس أنفاسها, فكر ان استعمال روز صيغة الغائب هو على الأغلب نوع من إنكار الذات.....
((أكنتِ مخطوبة وعلى وشك الزواج؟))
ظهر تغير في صوت ماثيو العميق لم تسطع روز ان تفهمه تماما. لكنها عرفت فورا انها ارتبكت خطأ تكتيكيا.
أغمضت عينيها يقوة, وهمهمت ساخرة في سخط مطلق, بعدئذ رفعت صوتها عاليا وقالت
))لست انا. لسنا نتكلم عني.))
لكن بدا على ماثير انه يتكلم عنها.
((بالطبع , لا.))
قال هذا بطريقة غير صادقة ما حثها على الصراخ, أخفض ماثيو بصره لينظر الى يديه, فوجد انه مشدودتان في قبضتين من كلا الجانبين, أخذ نفساً عميقاً وأجبر عضلاته المتوترة ان ترتاح.
من كان خطيبك؟))
((اسمع لا اريد حقاً مناقشة حياتي الخاصة معك.))
((على الأقل تعترفين الآن انها حياتك الشخصية.
قلبت روز عينيها في سخط , ما نفع نكرانها ما دام ماثيو لن يقتنع؟
أما هو فأردف
((لا بد انها كانت صدمة لك,و أفهم هذا, لكنني متأكد من انك لو تأملت في الاحداث الماضية , ستوافقين على ان الثمالة وإغواء الغرباء ليس رد الفعل الآذكى.))
((من الواضح انك لم تقع في الحب قط))
تأملت روز وجهه في نفور, وفكرت بأنه رهان آمن بوجود حشد من النساء اللواتي يحمن حوله مبهورات بإرثه, وملامحه الداكنة الجذابة وإبتسامته الساحرة.
زم ماثيو شفتيه وومضت عيناه الداكنتان بطريقة لا تثق روز بها. وقال,
((لا يجدني البعض لا أقاوم كما تجدينني انتِ.))
((شخص مثلك يمتلك القوة والمركز والمال , يجد الكثير من النساء المستعدات ليتغاضين عن عيوبه الكثيرة.))
((لست مترفقة في الحكم على النساء.))
((أشك في ان يكون لدي اي قاسم مشترك مع معجباتك.))
التفكير بهؤلاء المعجبات لم يحسن مزاجها على الإطلاق. ذعرت روز حين بدر من ماثيو ضحكة خالصة وجذابة, شعرت بالحذر بسبب شعور التوتر الذي أصاب معدتها.
سارعت الى القول
((قلت ما جئت لأجله, انا ذاهبة الآن وسوف.....لا....))
توقفت روز عن الكلام ورفعت عينيها المتوهجتين إلى عينيه قبل ان تضع حقيبة كتفها بثبات شديد قرب الكرسي, وقالت
((لست ذاهة الى اي مكان.))



لا مجال لذلك . رات الان انه من السخيف ان تتوقع منه حتى القليل من الندم. هذا الرجل بعيد كليا عن الرآفة.
((قلبت حياتي رأسا على عقب , ويمكنك ان تصلح الآمور.))
انجلت الإبتسامة على وجه ماثيو وأجاب
((وكم سيكلفني إصلاح الأمور؟))
حدقت روز بماثيو بحيرة
((يكلفك؟))
وبعد ان إستوعبت ما قصده , اضمحل اللون من وجنتيها, في الوقت الذي إجتاحتها موجة من السخط الثائر, هذا الرجل الكريه لا يتفوه بكلمة من دون اهانتها.
صرخت بصوت مرتجف
((أتظن انني اطلب منك مالا؟ لن أخذ المال منك ولو كنت مايتة))
نظر ماثيو اليها اخذا بعين الإتبار وقال.
((في هذه الحالة لن ينفعك المال, لكن بما انك على قيد الحياة....))
انتقلت نظراته من الغيظ المتوهج في عينيها المشعتين لتتأمل ملامح وجهها الناعمة.
أعلنت روز
((لا اريد مالك, اريد عملا.))
بدا على ماثيو الإرتباك قبل ان يردد خلفها
((عملا؟))
((نعم اريد عملا , اريد ان استعيد ما كان متوفرا لي قبل ان تقرر تشويه سمعتي امام كل من يستطيع الاستماع اليك.))
((لم افعل هذا, قلت لك....))
قاطعت روز شرحه المضجر بتلويحة من يدها تنم عن مللها قائلة.
((نعم, نعم, يبدو لي في ظل الظروف الراهنة ان هذا اقل ما يمكنك فعله, تشويه سمعة الآخرين يعبر جريمة.))
هزت كتفيها ةابعدت نظارتها عن وجهه , وفكرت ان وسامته الخطيرة المغرية التي لا تقاوم ينبغي ان تعتبر جريمة ايضا.
تابعت قائلة
((وانا متأكدة ان لديك فريقا من المحامين الذين يهمهم الا يقال او ينشر عنك كلام لا تحبه.))
أقر ماثيو
((ليست بقفكرة سيئة جدا.))
سألت روز متأملة تعبيره المهيب بإرتياب
((هل تسخر مني؟))
تقدم ماثيو خطوة من روز ونظر اليها وهو يميل برأسه الداكن الشعر الى جهة واحدة, اقترح بنعومة.
((يمكنك مقاضاتي.))
لازمت روز مكانها بالرغم من ان كل غريزة تملكها راحت تصرخ في داخلها وتدفعها للركض,فالتواجد بهذا القرب منه جعلها تشعر بوخز خفيف في أصابع رجليها وبإرتعاش في معدتها.
((لا تظن انني كنت لا اتوانى عن فعل ذلك لو.....))
توقفت روز عن الكلام وهي تعض شفتها .
((لو.....ماذا؟))
صرخت
((إذا كنت تملك ذرة من الأخلاق فإنك لن ترضى بأن تسبب في قطع ارزاق الآخرين, يجب ان تقر بأن خسارتي وظيفتي هي خطؤك, وأن تفكر بتسوية الآمر.))
راقبها ماثيو وهي تتنشق بغضب ما سبب لها رجفة لا يستهان بها. راحت العينان الذهبيتان المتوهجتان اللتان التقتا عينيه تلمعان تحت تأثير دموع الغضب , ابتلع ريقه وكرر بصوت اقل ارتفاعا من المعتاد
((تسوية الآمر؟))
في تلك اللحظة بالضبط, الشيء الوحيد الذي اراد ماثيو فعله هو سحبها الى ذراعيه ومعانقتها.قبل اربع سنوات, قدر ماثيو جمال المرأة التي قدمت نفسها له , لكنه لم يشعر بالإغواء,, لم يكن من انسجام بينهما, والآن هو لا يحتمل ان يتواجد في الغرفة نفسها معها. او حتى يسشم رائحة عطرها من دون ان يشعر برغبة جامحة تجاهها.
ظهر بين حاجبيه الداكنين المحددين ثلم مذهل, وانجرفت نظرته المتأملة بإتجاه ملامح وجهها الناعمة. لقد اشتهرت عنه قدرته على السيطرة على نفسه, ولطالما التقى نساء اكثر جمالا , فما هو سر هذه المرأة؟ ما الذي يجعلها قادرة على التأثير فيه؟ ولماذا الآن, وبعد اربعة اعوام؟
((لكن بالطبع شخص مثلك لن يفهم ما عنى ان يخسر المرء مهنته.))
ازدادت نظرة روز الغاضبة حيرة وهي ترتاح على وجه ماثيو الداكن, تابعت تقول بحدة,
((انت شخص يعرف معنى خسارة مهنة ما, ليس لكل منا دخل خاص يعتمد عليه.))
((لديك عائلة تعودين اليها, لن تموتي جوعا.))
((لدي عائلة. ولدي مدخرات , لكن لا يكمن لب الموضوع هنا , انا في السادسة والعشرين من عمري , ولا اريد ان اترك اهلي ينفقون علي, ))
كذلك لم تكن روز تريد ان تسمع من احدهم: الم نقل لك هذا؟.
((تفترضين اني عشت غنيا مدللا اليس كذلك؟))
من الصعب ان تتخيل أي شيء اقل دلالا من حياته الى حد بلوغه الخامسة عشر من عمره, إلا ان تلك السنوات حين كان ماثيو وامه فحسب يعيشان الحياة التي يعتبرها البعض حياة محرمة كانت الفترة الاكثر سعادة في حياته.
لم تكن لدى ماثيو اية طموحات مادية حين ادرك اندريوس انه ابنه, لكن في السنة الاولى بعد إدراكه هذا , مرت مناسبات عديدة تمنى فيها ماثيو ان يعرض عليه احدهم فرصة الرجوع الى الحياة التي عاشها قبل معرفة اندريوس , ولو حصل ذلك لقبل العرض دون تفكير.
شعرت روز بفورة غضب . تشدقت بكلامها ساخرة
((سأفترض هذا وانت تقف ببذلتك المزخرفة الفاخرة وحذائك الإيطالي اليدوي الصنع.))
وأضافت
((ر افترض انك قضيت الليالي قلقا بشأن دفع الفواتير.))
أقر ماثيو معترفا
((لا, لكنني كنت بحاجة الى....... ما هي العبارة؟ أن اقترض من شخص ما لآرد ما أقترضته من شخص اخر.))
نظرت روز اليه بإنزعاج وقالت
(( آه, نعم, انا متأكدة ان هذا كان عسيرا جدا.))
لمعت في عيني ماثيو ومضة لهو ساخرة, فيما رفع كتفيه في هزة خفيفة جدا لكنها معبرة وقال
((ربما انتِ متفاجئة.))
نظرت روز إليه بإشمئزاز , فبادلها النظرة مع إبتسامة خافتة وثقة جذابة تغلغلت الى داخل عظامها.
رفعت رأ
سها اليه فجأة وردت
((متفاجئة بالطبع لآن رجلا يضع ساعة يد تكفي لشراء بضعة منازل يعرف ما معنى ن تمتلك القليل من المال.))
ثم عقدت ذراعيها فوق صدرها وتابعت بسخرية
(( بصراحة, نعم , انا متفاجئة.....متفاجئة جدا..... فأنت وريث لثروة ضخمة......لثروة خيالية.))
عادت تقول بمرارة
((أتفاجأ اذا كانت معلقتك الفضية مغطاة بالماس.))
ثم سألته بحنق كردة فعل على ضحكته الجافة
((ما المضحك في الآمر؟))





اختفى البريق الساخر من عيني ماثيو تاركا تعبيره كئيباً وهو يقول.
((لم تكن لدي ملعقة فضية دائماً يا روز.))
قذفته روز بنظرة ساخطة ومالت بعيداً, او انها كانت ستفعل لو لم يمسكها ماثيو من كتفيها
((هل تمانع؟))
اجبرت نفسها على ألا تنظر الى الصورة المزعجة لآصابعه النية الملتفة حول الجزء الأعلى من ذراعها. طالبته بالرغم من ان جسمها الخائن بكليته كان يقوم بأفضل ما لديه ليكذبها
((لا استمتع بلمسة يدك علي.))
لحسن الحظ ان ماثيو لن يعرف عن الشعور بالدفء والليونة والخفقان التي راح يتخبط في معدتها.
((ولدت في شقة مكونة من غرفة واحدة في منطقة في باريس لا يزورها السياح.))
الكلمات التي صدمتها حرفياً وأسكنتها انفجرت من بين شفتي ماثيو بقوة جعلتها تخطو لا إرادياً خطوة الى الخلف, في جزء من الثانية , رأت روز ومضة من الصدمة في عينيه , بدا تقريباً منفاجئاً مثلها بما تفوه به من كلمات
((في الواقع لا يقوم احد بزيارة تلك المنطقة إلا إذا لم يجد خياراً اخر.))
لم تبلغ إبتسامته القلقة عينيه, فيما أضاف
((لكن هذا لا يمت الى الموضوع بصلة.))
اشارت الكلمات وكذلك تصرفه ألى نيته بإقفال الحديث عن ههذا الموضوع , مع انه هو من أثاره.
اشتد فكا ماثيو على خلاف جسده, لم يفهم اي نبض حثه على ان يتفوه بمعلومات شخصية بهذه الطريقة.
بدا الآمر غريباً , لقد قال أندريوس ما هو اسوأ , ومع ذلك فشل تماماً في ان بحصل على إنتباهه. لكن لسبب ما , ذكرها الملعقة الفضية ضايقه ودفعه الى هذه الإعترافات , منذ متى يعطي ماثيو اهتمامه لما يفكر عنه الآخرون ؟ ما الذي يهمه إذا إعتبرته روز هول ولداً غنياً مدللاً شُب ليصبح رجلاً مدللاً فاسداً؟
ارتفعت رموشه عن عظام خديه البارزين وقال
((لا شيء. انسي ما قلته.))اعترضت روز
((لا تستطيع ان تقول شيئاً كهذا وتتركه معلقاً ))
هز ماثيو كتفيه هزة فرنسية الطابع وأجاب
((لم لا؟ أنا لست موضوع هذا الحديث.))
من المحتمل ان تكون صحته العقلية هي الموضوع, للمرة الأولى في حياته شعر ماثيو بالقلق كم انه بدأ بالكلام , فلن يهعرف متى يتوقف, أعطى هذه المرأة لمحة عن نفسه كان يجب ان تظل خاصة.
((أبوك هو أندريوس ديمتريوس ,أليس كذلك؟))
الرجل الأغنى تقريباً في أوروبا, وماثيو هو وريثه, كيف يمكن ان يكون ما يقوله صحيحاً.
صدر عن شفتي ماثيو المطبقتين بإحكام همهمة , ثم كشف عن أسنانه بإبتسامة مفترسة, وأخفض بصره نحوها,أما روز فلم تكن لديها فكرة عما فعلته لتستحق غيظاً كهذا.
((أرتيدين التفاصيل المشوقة؟))
ضرب الهواء بقبضته في حركة تنم عن إحباط . وأضاف
((أندريوس هو أبي. لدي نتائج الحمض النووي كإثبات , لكن امي ......))
وتابع بنفس الطريقة العازمة
((.....لم تكن زوجته, كانت امي فتاة يافعة أنجبتني بعد تسعة أشهر من ليلة عابرة.))
((إذاً انت.......))
((ولد غير شرعي, نعم))
احمرار وجنتيها خجلاً جعلت إبتسامة ماثيو الساخرة تظهر على وجهه.
علقت روز
((ألم تكن على اتصال معه.....مع ابيك..... حين كنت صغيراً؟))
برزت ثنية على جبينها الناعم وأضافت
((لا شك انه أعطى امك دعماً مادياً؟))
((لم أعرف من هو ابي إلا بعد وفاة أمي.))
((ألم تسأل ؟ ألم تكن فضولياً؟))
لم يتكمن عقل روز من تقبل فكرة ان طفلاً مثله لم يكن يود معرفة جذوره.
هز ماثيو رأسه الداكن الشعر مجيباً بالنفي وأجاب
((كنا على ما يرام , نحن الاثنين فقط.))
((هل كان يعرف؟))
((عني؟ من الواضح انه لم يعرف , انتقلت للعيش معه بعد وفاتها بستة اشهر.))
قال ماثيو هذه المعلومة بنبرة جافة غير معبرة, لكن ما أفصح عنه حتى الآن جعل من الصعب عليه ان يكبت مشاعره. يا الله ! ما السر الكامن في تلك المرأة كي تجعله يتفوه بأسرار إحتفظ بها طويلاً؟
علقت بحزن
(( من المحزن ان تكون امك لوحدها......))
((لم تكن وحيدة, كنت معها..))
((كم كان عمرك حين توفيت؟))
((خمسة عشر عاماً تقريباً.))
((واين كنت خلال الستة اشهر قبل ان تنتقل للعيش معه؟))
مرر ماثيو يداً على فكه وهز راسه.
((بقيت في الشقة وعملت كعامل بناء لأدفع الإيجار.))
لم يتلفظ بهذه الكلمات لأحد قبلها, ولا حتى لجايمي , صديقه المفضل.
صاحت روز وقد اتسعت عيناها من الصدمة
((لكنك كنت في الخامسة عشرة من عمرك فقط.))
((كنت طويلاً بالنسبة الى عمري.))
((ليس هذا ما عنيته, كنت صغيراً..... ما كان يجب ان تترك وحدك هكذا, كان يجب ان تتواجد في المدرسة.))
((حين مرضت امي لم أعد اذهب الى المدرسة, ثم.....))
هز ماثيو كتفه هزة تنم عن الإستهتار ,ثم قال مغيراً الموضوع فجأة ,
((إسمعي ! سواء صدقتِ ام لم تصدقي, أنا اسف لأنكِ خسرتِ عملك لكن ليس لدي مكان شاغر يناسب اهليتك.))
((انا امينة مكتبة كفوءة , لكنني لم أعمل في الكتب دائماً.))
لم تستطع روز ان تزيل صورته من رأسها وهو حبي صغير وحيد مجبر في بادئ الأمر على الإهتمام بأمه التي تحتضر , ثم على إعالة نفسه بنفسه , آلمها قلبها الرقيق فكرت بالأمر.
علق ماثيو وعيناه تتمهلان فوق ملامح وجهها الرقيقة, فيما غمرته حاجة قوية زالى معانقتها
((اعرف ما انتِ بارعة فيه.))
وتابع
((يمكنني ان أخذه مجاناً.))
أمل رأسه الى الجهة الاخرى قبل جزء من الثانية فقط من وصول صفعة يدها الى خده, التقط رسغها, وفاجأها كما فاجأ نفسه برفع يدها الى فمه وتمريرها على شفتيه.
اطلقت روز صرخة قصيرة وأندفعت الى الوراء, ازال ماثيو قبضته وراقبها وهي تضع يدها على صدرها اللاهث.
((آسف , كانت هذه هفوة.))
وقد قام بها ليزيل عن وجهها نظرة التعاطف, إن كان هناك شيء لا يستطيع تحمله , فهو الشفقة.
ارتفع رأس روز وبدا صوت ماثيو ندماً خاصاً فيما تابع.
((وما قلته ليس صحيحاً , لا شيء يعطى مجاناً في هذا العالم.))
دفعت يدها بعيداً , لكن بشرة يدها الحساسة استمرت في وخزها,
((أتقدم لي إعتذاراً وانت مرغم؟))
ذلك كثير على ماثيو ديمتريوس , الذي عاش حياة لا يلام عليها بمختلف المقاييس.
تابعت روز مع إبتسامة تنم نفاق مذهل
((هذا عظيم منك حقاً. لكن لمعلوماتك, لم أفعل شيئاً اندم عليه قط..... حسناً! ليس ذلك الشيء الذي تكلمت عنه على اي حال))
توقفت روز عن الكلام وسألته
((هل تسمعني؟))
ارتعشت زاويتا شفتي ماثيو من جراء إبتسامة روز المزعجة, فيما هز رأسه يمناً ويساراً واعترف
((لا, لأنني أهتديت الى المناسب.))
((لم تنظر الي بهذه الطريقة؟))
((فكرت في مركز يناسبك...... نعم, كلما أفكر فيه اكثي.....))
سرحت عينا ماثيو الضيقتان من رأسها ذي الشعر الاشقر اللامع الى اخمص قدميها, ثم عادتا الى رأسها مجدداً . هز رأسه الى الأمام والى الخلف ببطء, وقال
(( نعم يمكنك فعل هذا.))
((فعل ماذا؟ ما الذي تتكلم عنه؟))
((انتِ تريدين عملاًوانا اريد.....))
توقف ماثيو مظهراً إبتسامة اشعرتها بعدم الثقة بسبب التفكير العميق الذي ينتش في ملامحه النحيلة, ثم أردف
(( لدي مكان شاغر.))
((مكان شاغر....لآي عمل؟))
طلبت روز عملاً بسبب إندفاعها, ولم تتوقع للحظة ان ينزل ماثيو عند طلبها, لم تكن متأكدة بعد اذا ما كان يعبث معها.
((أريد زوجة.))
كانت روز تزيل خصلة من شعها عن خدها, لكنها في تلك اللحظة تجمدت كلياً . كررت بنبرة جافة
((أتريد....... خطيبة؟))
قالها ماثيو بالطريقة نفسها التي يقول فيها شخص اخر انه بحاجة الى المزيد من البترول او المعدات الصناعية.
((الوظيفة مؤقتة بالتأكيد))
لجزء من الثانية , سمحت روز لنفسها ان تأخذ عرضه بعين الإعتبار . لكن التفكير بالموضوع بأي طريقة كان يقلقها.))
((إذا كنت تريد زوجة اقترح عليك ان تضع إعلانا في الصحيفة ضمن العمود الذي يعرض الوظائف الشاغرة او ان تضع إعلاناً في اي زاوية على الطريق, وسوف تتجمهر النساء حولك, ))
فكرت روز بذلك وهي تشاهد شفتيه تلتويان في إبتسامة خطيرة. لا يقل خطرها عن ذلك البريق الذي ظهر في عينيه الرائعتين ذات اللون المعدني, فيما تباطأت نظرتها على قسمات وجهه الوسيم, انفجرت الحرارة في احشائها.
لم تستطع روز إخفاء موجة اللون التي إجتاحت بشرتها , بل جل ما استطاعت فعله ان تأمل ان يسند ماثيو تغير لونها الى الغضب.
((دعيني اشرح الآمر.))
لم ترغب روز بسماع شروحاته, كل ما ارادته هو تهدئة ذلك الإضطراب في معدتها الذي سبب لها التوتر وسبب الجفاف لفمها.
نصحته بإيجاز
((لا تكلف نفسك عناء الكلام, فأنا لا استمتع بالمزحة))
((هذه ليست مزحة, ثمة فتاة يرغب ابي في تزويجي اياها.))
نظرت الى ماثيو بغضب شديد, لم يكن يحاول حتى ان يجعل الآمر مقبولاً.
قالت وهي تحمل حقيبتها
((لا....))
وتابعت
((لا تقل كلمة اخرى, انا راحلة.))



6.مكالمة هاتفية وقرار
******************

همهمت روز وهي تقفل بابا سيارة الأجرة بقوة
((المحطة من فضلك.))
بدت نصف الساعة الماضية امراً يفوق التصةر , لا تزال روز غير متأكدة كلياً ما اذا كان ماثيو جدياً في عرضه ذاك, إذ إن أحداً لا يطلب من الآخر التظاهر بالزواج.
أبعدت نظرتها العابسة عن واجهة البيت الحجرية الرمادية الكالحة, وتناولت هاتفها النقال من داخل حقيبتها.
((هل هذا وقت مناسب للحديث؟))
((روز....؟ طبعاً! كنت افكر بكِ لتوي, كيف تسير الأمور في سكوتلاندا الجميلة؟))
لم تضيع روز ةقتاً في أخقاء ما حصل, وقالت
((فظيعة, انا عائدة إلى المنزل, بما انكِ ونكِ باقيان في نييورك حتى شهر آذار , هل يمكنني ان ابقى معكما لبضعة اسابيع؟))
عم السكون برهة, ثم طال اكثر
((توقعت ان تقولي :"قلت لكِ هذا""تتبعها فوراً"لا استطيع الإنتظار لرؤيتك""))
((بالطبع لا استطيع الإنتظار لرؤيتك.))
((لكن......؟))
((الآمر هو انني كنت سأتصل بكِ, لكن نك قال انه يجب ان ارحل وحدي, والأمر هو.......زوجة ستين تطلقه.))ضيقت عينيها وهي تقوم بمجهود لتتخيل وجهه , هل على الإنسان ان يقوم بمجهود لتذكر وجه الإنسان الذي قرر أنه يحبه من طرف واحد؟ حتى وهي تتخيل صورة ذهنية تتوافق واسم ستين, بقيت عينان تتأرجحان من الأزرق الى الرمادي المائل الى الفضي وبقي فم آخر أنيق في وجه وسيم يفرض نفسه عليها.
((هل ما زلتِ على الخط روز؟))
هزت رأسها قليلاً وأجبرت نفسها على الإبتسام بالرغم من انه لم يكن هناك من يراها, وأجابت
((نعم إذاً ستين على أبواب الطلاق؟))
هذا الأمر يجعله متوفراً , كما ينبغي ان يجعلها شديدة الفرح, إلا انها لم تكن كذلك, وهذا يعني ان ربيكا كانت محقة طوال الوقت, مهما كانت المشاعر التي تكنها روز لستين لاثيمر فهي ليست حياً.
((زوجة ستين تطلقه لأنها اكتشفت انه على علاقة غرامية مع مربية الأطفال.))
هبط فك روز , وسألت متعجبة
((مربية الأطفال؟))
((الأمر هو روز......حسناً! الأمر هو ان تلك العلاقة بدأت منذ سنتين , ما كنت لأخبرك , لكن بما انكِ عائدة الى لندت , فسوف تكتشفين الأمر بنفسك.))
أغمضت روز عينيها
((لقد حذرتماني , ولم أسمع, ألم تفعلا؟))
بدأت تستعيد في ذاكرتها إحدى المحادثات التي أجرتها مع نيك وربيكا قبل ان تغادر.
كانت ريبيكا ونك يريان حقيقة ستين طوال القوت , قالت
((حسناً! من السهل فهم سبب إبقاء يديه بعيدتين عني.))
إذ كانت متشبثتين بمربية الأطفال تلك, أغمضت روز عينيها وأحنت رأسها الى الأمام , ثم أردفت
((((ظننت ان حبه كان خالصاً. قولي لي ريبيكا, هل من الجنون يفوق هذا الجنون في العائلة؟ يا الهي , حين افكر انه كان يسخر مني.......))
اشتدت عضلات وجه روز وضاقت عيناها وهي تبتلع شعورها بالملل الذي يحترق في حنجرتها,
قالت ريبيكا من الجهة الاخرى للخط
((استطيع ان اقتله.))
اطلقت روز سراح ضحكة مخنوقة , ورفعت راسها فيما ضغطت الهاتف الى اذنها , ودفعت بشعرها بعيدا عن وجهها بمرفقها, قالت ملقية براسها على السنادة الخلفية
((ليس اذا وصلت اليه اولا.))
((لا تفعلي اي شيء مجنون , سأستقل الطائرة التالية الى هناك , الا تصل الطائرات الى هناك ؟ سأسأل نك. نك......))
استطاعت روز ان تسمع صوت حديث مكتوم, فيما أردفت ربيكا
((يقول نك.......))
قاطعتها روز قائلة.
((إهدائي ! لا حاجة لأن تسافري الى هنا من نيويورك. انا بخير))
((كاذبة, لكن اذا كان ما ستسمعينه يشعرك بالتحسن, فقد صرف من عمله....حتى قبل ان يعرف عن امر العلاقة.))
ارتكب خطأ اساسيا ومكلفا , ولم تكن روز موجودة لتغطي هذا الخطأ.
ردت روز بزمجرة, وهي تفكر بالوقت الإضافي غير المدفوع الذي صرفته لتتأكد من انه يبدو ماهرا في عمله,
((لطالما غطيت أخطاءه, اليس كذلك؟ ))
وتابعت
((لا بد انك تفكرين انني حمقاء.))
((من تعتقدينني لألوم, روز؟ وكأنه ليس لي سدجل حافل حين يتعلق الأمر بالرجال.))
هي لم تحب ستين, في الواقع ستين الذي احبته لم يتواجد الا في مخيلتها الخصبة. لكنها لا تستطيع ان تقول هذا لريبيكا, اذ سيذهب مجهودها عبثا , كلامها لن ينفع البتة , والشفقة والتفهم هما اخر شيئين نحتاج اليهما الآن, فهما سيذكرانها بالحماقة التي تصرفت بها.
لكن إلام تحتاج فعلا؟ هذا السؤال الأهم.
((ما اذي ستفعلينهالآن؟))
((لا استطيع البقاء هنا, فقد صرفت من عملي.))
بالكاد لاحظت روز شهقة اختها من جراء صدمتها, فقد اخذت تفكر بخيارتها التي بدت محدودة جدا, فهي اجرت شقتها كما انها لا ترغب بأن تعود اختها من الولايات المتحدة بسببها, بالإضافة الى عدم رغبتها بالتعرض لأسئلة اهلها الدقيقة, من جهة اخرى هي لا تستطيع الاعتماد على مدخراتها القليلة.
هل كانت اللحظة المناسبة لان تتجاهل المخاطر. حسنا, ان وعيها وقيامها بالفعل الصحيح لم يجذيها نفعا حتى الان.
ثمة مخرج لها لاح لهما في الافق الغريب, هو ذاك الذي قدمه ماثيو اليها, لكنه مخرج مجنون جدا.
تنشقت نفسا حاسما وقالت
((سأقوم بالآمر.))
((تبدين غريبة, ليس لدي فكرة عما ستقومين به , روز, ماذا.....))
هتاف روز غير المتوقع جعل اختها التوأم تبعد الهاتف عن اذنها بإجفال, وتابعت
((انت محقة بيكي . انا جبانة , لكنني لن ابقى كذلك بعد اليوم.))
عارضت اختها التوأم.
((لم أقل شيئا.))
((حين تفكرين أكثر بالامر يمكنك ان تقومي بعلاقة مع شخص لا تأبهين لأمره البتة لانه لا يستطيع ان يجرحك.))
زمجرت ربيكا من الطرف الآخر للخط
((آه, يا إلهي.))
ثم نصحتها بحذر.
((اسمفي روزي, ربما ليس الوقت الأفضل لإتخاذ القرارات الأفضل.....انت مجروحة المشاعر و.....))
((انا لست مجروحة المشاعر.))
((بالطبع لست كذلك؟))
اطبقت روز أسنانها بتكشيرة محبطة, ما من شيء ستقوله يمكن ان يقنع ريبيكا.
((صحيح....... انا لست محطمة القلب, انا غاضبة فحسب,واشعر انني حمقاء كليا.))
((اسمعي, لا تدعي امامي انك سعيدة, فقد مررت بهذا قبلك, ان اشياء كهذه تأخذ وقتا قبل ان تصبح على النسيان.))
((ليس بالنسبة لي, لقد التقيت شخصا اخر,))
في اللحظة التي خرجت الكلمات من فم روز, ندمت لانها افصحت عن وجود عاشق يحفظ لها ماء الوجه, حتى ولو اتيحت لها الفرصة لذلك, فلن تصدقها ريبيكا على اي حال.
(( لم تذكرينه سابقا.....؟))
((لا يزال الوقت مبكرا , لم اشأ المخاطرة.
ارتجلت روز هذه الكلمات عن ذكاء, مدعية انها لم تسمع نبرة الشك في صوت اختها.
((اذا صفيه لي.....))
((أصفه.....؟))
((نعم..... أهو طويل, قصير القامة, أسمر , ابيض البشرة؟ متزوج ام اعزب؟))
اغمضت روز عينيها واتأكت على مقعدها, لوت شفتيها بإبتسامة خافتة, ثم قالت
((طويل القامة , وأسمر جدا مع عينين رماديتين ودائرة داكنة حول القزحتين ورموش طويلة جدا , اما فمه... حسنا, لديه إبتسامة رائعة..... حين......يبتسم....اي....))
((اوه , هل لديه اخ؟))
السؤال المضحك جعل روز تجفل وتصحو من تأملاتها.
((اسمعي ريبيكا , علي القيام بشيء ما, ولا تقلقي, ليس بشيء جنوني.....حسنا, انه كذلك, لكنه جنون جيد كما اظن, سأعاود الإتصال بك.))اعادت روز الهاتف الى حقيبتها مجددا, وانحنت الى الأمام كي تكلم السائق الذي كان يسترق السمع من دون خجل ثم قالت
((هل تستطيع ان تستدير وتعيدني الى المنزل الريفي , من فضلك؟))


7. مفاجأت غير متوقعة
****************

((اذاً هل تريدينني ان انتظرك؟))
تناولت روز ما تبقى من نقود من محفظتها وسلمتها للسائق مجيبة
((لا, شكراً))
كانت تقوم بشيء , لا تستطيع الرجوع بعده الى وضعها السابق , ولم يكن من مخرج يسمح لها بأن تتراجع عن قرارها. وقفت وحقيبتها بجانب قدميها, ةراقبت سيارة الأجرة وهي تختفي عن الأنظار , حين توارت السيارة بقيت مكانها محدقة بإتجاهها .
بعد لحظات إستدارت واضطرب قلبها حين نظرت الى ماثيو......انه يجسد الجاذبية التي تجنبتها طوال حياتها.
((لقد عُدت......))
((هل من مشكلة؟))
((ليس تماماً.))
إلا اذا كنت تعتبر ان إصابتي بالجنون هي المشكلة, كررت
((لقد عدت.))
((أيعني هذا انكِ ستغيرين معاملتك الفظة لي؟))
((هل تجدني جذابة؟))
بدا ان السؤال اربكه على خلاف العديد من الأسئلة الاخرى كما لاحظت روز.
شألها ماثيو
((هل هذا نوع من الاختبار المتعدد الخيارات, ربما؟))
((لا يهم, فقط فكرت....))
تمهلت قليلاً ثم تابعت كاشفة عما في داخلها
((هل كنت جاداً؟))
اعترف بوقار
((الى اقصى حد))
وتابع
((لكن قلة من الناس يقدرون روحي المرحة))
رمته روز بنظرة غاضبة وقالت
((بالنسبة الى الوظيفة.))
((هل ستقبلين بها؟))
((افكر بالامر.))
راقب ماثيو شعر روز يتطاير في الهواء, وقاوم كي يسيطر على دافع مسيطر ومفاجئ ليمرر اصابعه في خصل شعرها الذبية, فيستطيع عندها ان يرفع راسها اليه و..... اخذ نفساً عميقاً.
((اتفكرين بحسب؟ لِم غيرت موقفك فجأة؟))
هزت روز كتفيها وأجابت
((أفترض انها تدر مالاً وفيراً.))
ضحك ماثيو ضحكة مفترسة كاشفاً عن اسنانه البيضاء, وقال
((هل تتوقعين ان اصدق ان دوافعك منية على الطمع المادي فقط؟))
((وما المضحك في هذا؟))
((التقي كل يوم اشخاصاً مستعدين ليبيعوا انفسهم في سبيل المال, اشم رائحة الجشع على بعد اميال.))
لم يكن ماثيو مدركاً الا لرائحة الشامبو الخفيفة التي تستعملها روز. تجعد جبينه وهز راسه ايجاباً قائلاً
((لا, لا يتعلق الامر بالمال))
((لتأثرت لو انك لم تتهمني بمحاولة خداعك لسرقة مالك منذ عشرين دقيقة.))
اقر ماثيو فيما مرر يده على فكه.
((انتقلت الى الاستنتاج الخاطئ))
((يبدو ان الاستنتاج الخاطئ هو اسلوبك في الحياة, اسمع, هل تريدني ان افعل ام لا؟))
لمع شيء ما في عينيه لم تستطع روز تحديد ما هيته, توقف ماثيو برهة ثم اجاب
((اريد.))
ابتلعت روز ريقها, وحذرته
((سأضع شروطا.))
ومضى بريق اللهو في عيني ماثيو, لكن تعبيره بدا كئيبا فيما هز راسه الى الامام والخلف , وتساءل من او ما الذي وضع البريق الطائش في عينيها الذهبيتين , اجاب
(( حسنا.))
ردت روز
((لا تستطيع ان تجيبني هكذا وانت لا تعرفها.))
((حين يرغب رجل في شيء بكل جوارحه, يكون مستعدا تماما ليقبل القساوة والليونة معا.))
((وهي لينة ورقيقة , رقيقة جدا , وهو يتوق اليها ,نظر ماثيو الى ساعة يده واجرى حسابات سريعة, وقال
(( علي ان اكون في ادنبرغ هذا المساء, وانت عليك ان تذهبي الى لندن , سأحجز لك على الطائرة و.....))
((اليوم؟ لكنني فكرت....))
ذكرت نفسها, لا روز , لم تفكري وتلك هي الفكرة الاهم في الموضوع, انتِ متهورة.
قال ماثيو ممسكاً مرفقها ما اجبرها على التقدم نحو المدخل,
((ومن ثم الى نيكسياس في غضون اسبوعين , سأحضر الخاتمين ودليل الرحلة.))
عارضت روز فيما راح يدفعها بقوة الى الأمام.
((ماذا؟ لكن؟))
وأضافت
(( ما هي نيكيساس؟))
((هي المكان الذي سأتباهى فيه بعروسي الخجولة امام عائلتي.))
((لكن اسبوعان, ظننت.......))
دس ماثيو حقيبتها الثقيلة تحت ذراعه, فيما امسك الباب الكبير الذي تأرجح للداخل بصرير قوي وقال وهو ينظر اليها متسائلاً عن التعبير الذي قد يراه في عينيها حين يلامس بشرتها برقة ويعانقها.
((تتمتعين بعينين معبرتين جداً.))
قالت روز, متقدمة خطوات نحو الممر المرصوف
((يبدو كل هذا سريعا جدا.))
واردفت
((لم اتوقع ان تجري الامور بتلك السرعة.))
((ماذا يمكنني القول , الرجل العاشق لا يرضى باي تاخير.))
همهمت روز وهي تشعر بفورة الدم في خديها
((حسناً , حاول الا تقول هذا مجدداً.))
ضحك ماثيو ثم قال
(( على الاقل, لن يكون لكِ متسع من القوت كي تعيدي التفكير بالأمر.))
وكان محقاً بالفعل.
مرت الساعات التالية بشكل غير واضح بدءاً من الرحلة الخاصة الى لندن, حيث نزلت روز في جناح في فندق فخم وصولاً الى إجراءات الزفاف التي لم تستغرق وقتاً طويلاً, حيث اختفى ماثيو بعدها ليعود الى ادنبرغ ويتركها كي تتناول العشاء.
في الصباح التالي , بدت ذكريات احداث النهار السابق كالحلم, إلا ان احساسها بالحلم اختفى حين حمل لها موظف الفندق علبة حمراء صغيرة مع ظرف كتب عليه اسمها بخط يد مخربش لكنه واضح, فتحت الظرف اولاً, فوجدت فيه كتابة موجزة ومباشرة.
::""كوني جاهزة للعشاء عند الساعة التاسعة والنصف, ضعي هذا,.""
وضع ماثيو توقيعه في الاسفل , بدا ما كتبه رسميا مثل الشيك , ولم يشكل هذا لها مشكلة, اذ انها لم تتوقع منه ان يرسل لها القبلات, لكن اسمه كان ليبدو اجمل من خربشة توقيعه.
كانت لا تزال تعبس بغير رضا حين فتحت العلبة, وأرسلت شهقه تركت رئتيها في لهثة مرتعشة.
على الحرير الأحمر رقد خاتم, وهو ليس مجرد خاتم عادي, غذ تتوسطه قطعة زمردة مربعة الشكل محاطة بالماس وقد بدت ساطعة ورائعة الجمال.
شعرت برجفة صغيرة في أصابعها وهي تضع الخاتم الذي ناسب مقاس إصبعها بشكل مثالي. بدت الدموع التي ملأت عينيها سخيفة, وكاأنها تخدع نفسها بالتمني لو ان الأمر حقيقي.
المرأة التي ستصبح زوجة ماثيو ديمتريوس ستتركز عيون العالم على كل خطوة تخطوها, ولن تفاجأ روز اذا واجهت محاولات لإلتقاط صور لها تباع بألاف الدولارات.
لقد امضت حياتها على نظام غذائي عادي, وانتابها خدر في وجهها وهي تراقب النساء اليافعات اللواتي يجوعن انفسهم بغية إرتداء تصاميم رائعة.ولم يبد هذا امرا مناسبا لشخصيتها.
اتصلت روز بريبيكا , الا انها لم تصارحها كلياً خشية ان تحجز شقيقتها تذكرة على الطائرة التالية القادمة اليها, اما والداها , اللذان يتمتعان بشهر عسل اخر في سفينة خاصة بالعطل خارجاً , فيمكنها ان تتعامل معها لاحقاً.
***********



اظهرت روز حماستها قائلة
((هي فرصة مدهشة.))
((لكن ما الذي ستفعلينه على الجزيرة اليونانية؟ ما اسم تلك الجزيرة؟))
بدت ريبيكا مرتابة جداً. فقد قاطعت شقيقتها عدة مرات خلال حديثها المشتت, ووصفها الغامض المتعمد لفرصتها الجديدة الشيقة.
((لمن قلتِ انكِ ستعملين بالتحديد؟))
لم تقل روز لمن ستعمل, ولم يكن هذا صدفة, كشرت على الهاتف وقالت
((آه, ربما لم تسمعي به..... اسم العائلة هو جيمتريوس.))
((ديمتريوس ! انتِ تعملين لعائلة ديمتريوس؟))
((هو اسم شائع على الارجح في اليونان؟))
((هل يملكون الجزيرة التي ستذهبين اليها؟))
اقرت روز بعدم ارتياح
((اظن انهم يملكون.))
((ولأي فرد من افراد العائلة تعملين , روز؟))
قالت في عجلة
(( الابن على ما اعتقد, علي الذهاب حقاً, ريبيكا.))
وأضافت بذكاء
((لكنني سأظل على إتصال.))
غمرها الرعب والصدمة فيما قالت ريبيكا بكآبة
((يا إلهي, روز, انتِ تعملين لصالح ماثيو ديمتريوس, الذي كان يعرف باسم ماثيو غوثيير.))
اقرت روز بعدم إرتياح
((اظن ان ذلك كان اسمه.))
سمعت على الهاتف تنهيدة ارتياح, وأضافت ريبيكا
((اذا انتِ لم تلتقيه بعد..... لو إلتقيته لما نسيتِ اسمه او اي شيء اخر عنه.))
همهمت ريبيكا ذلك التعليق, الساخر, واردفت,
((الامر انه..... روز , ثمة شيء علي ان اقوله لكِ.....))
كانت روز في حاجة ماسة لتجنب اختها الخجل, فقاطعتها قائلة,
((في الواقع التقيت به, لكنني حقاً لا اظن اني اثرت انتباهه, اشك ان اراه كثيراً حين نصل الى هناك.))
((أحقاً؟))
بدا الإرتياح في صوت ريبيكا.
اقفلت روز الخط راغبة في الخلود الى النوم في وقت ابكر من المعتاد, وكانت ترجع الهاتف الى حقيبتها حين سمعت ضربة قوية على بابها.
((هل انتِ مستعدة.؟))
استدارت ورأت ماثيو واقفاً في الممر,كان يرتدي سروال جينز فاتح اللون, وقميصاً سوداء وسترة جلدية بالية, اندفعت الأحاسيس الهائجة في جسدها بأكمله بقوة, ما تركها للحظات غير قادرة على التنفس والكلام.
تعمق الفراغ بين حاجبيه الداكنين المحددين وهو يراقب وجهها الشاحب, ثم سألها
(( هل انتِ مريضة؟))
اخذت روز نفساً عميقاً ,آه, ليس لديك فكرة كم انا مريضة! لكن جسدياً فحسب, قالت ذلك في نفسها مصممة على ان تبقى موضوعية في ما يتعلق بإرتجاف ركبتيها وتسارع نبضها اللذين تعاني منهما في وجوده.
تلون خداها بسبب إحساسها بالذنب الذي انتابها, فأشاحت بصرها عنه.
زحفت عينا ماثيو اللتان احتجبتا عن روز خلف رموشه الكثيفة فوق جسدها في مسح شامل, ثم نبذ على الفور فكرة ان يشرح لها انها من نوع النساء اللواتي يبدون جميلات مهما كان ما يرتدينه.
وكأنها لا تعرف مسبقا ما سيقوله , لا بد انها سمعت ذلك من رجال اكثر قبله...... إن تفكيره بأن هؤلاء الرجال تمتعوا قبله بإقامة علاقة حميمة معها جعله يعبس بغير رضا.
((إنها مناسبة, فكرت ان نتناول العشاء في مكان غير رسمي في الليلة الأولى, اما بقية ايام الاسبوع, فكرت...... في الواقع .... انظري, حضرت لكِ نسخة عن دليل الرحلة.
كررت فيما راحت تنظر الى الورقة التي سلمها ماثيو لها وهي تخطو نحو الممر من بعده,
((دليل الرحلة))
((لسوء الحظ , لدي فكرة مكتظة بالمواعيد للأيام العشرة القادمة. لكن يجب ان نشاهد العرض الاول للمسرحية, بالإضافة الى تناول الغداء لثلاثة ايام , وهناك بضع وجبات عشاء.))
سألته فيما اقفل باب المصعد وراءهما
((لكن الم يرانا الناس؟))
ثم اخذت نفساً عميقاً , يا الهي, ان الاماكن المغلقة تبدو اكثر انغلاقاً.
نظر ماثيو الى روز من الاعلى مستفيدا من طول قامته وهز كتفيه مجيباً.
((الفكرة هي ان يرانا الناس, هذا يقدم فرصة لإلتقاط الصور التي ستظهرنا زوجين رائعين قبل ان تقابلي افراد عائلتي.))
((آه.))
((غذا ما الذي ظننته؟ كي تعرفينني على حقيقتي؟))
تلون خداها بلون الغضب, وردت
((ولكن اذا كنت سطحياً كما تبدو , فيجب الا يستغرق هذا الآمر وقتاً طويلاً.))
((حسناً إذا بذلت جهداً ستجدين على ظهر الصفحة وقئع وثيقة الصلة بالموضوع.))
علقت روز بسرعة
(( انت تفكر بكل شيء.))
بدا من الجيد ان تبعد روز فكرة الإغواء عن ذهنها, لأن ماثيو بدا مهتما بهذه الوظيفة بطريقة رسمية جداً وتجارية الأهداف من دون إعطاء فرصة لأي فعل أكثر عفوية , اشارت وهي تضارب ضربة خفيفة بسبابتها على طرف الورقة التي سماها ماثيو دليل الرحلة.
((لكنك في الواقع لا تفعل, اذ ليس لدي ما أرتديه لهذا النوع من الأماكن.))
((حجرة الملابس سوف ترسل اليكِ في الصباح.))
ارتفع ذقن روز واستفسرت
((حجرة الملابس؟))
بدا كأن ماثيو لم يلاحظ النبرة الخطرة في صوتها.
((ان كان هناك شيء اخر تحتاجينه , فلا تترددي في طلبه .... في الخارج , أخذت روز نفساً عميقاً ليساندها, وعدت الى العشرة, آه , سوف تبقى غاضبة حتى لو وصلت الى العشرة آلاف.
قالت
((إسمع , لأنني سأقول هذا لمرة واحدة فقط , لن أقبل الثياب منك, لن اخذ اي شيء منك.))
ارجع ماثيو راسه بقوة الى الخلف وضحك, ثم تشدق قائلاً.
((لم لا, أيتها الحلوة القديمة الطراز؟ يا صغيرتي, هذه الثياب ليست هدية , إنها ثياب العمل, لا تفهميني بطريقة خاطئة , احب مظهر امينة المكتبة المثير, لا يملك الجميع مثل مخيلتي الواسعة.))
ثم أضاف موضحاً
((سيتوقعون منكِ ان تظهري على شكل معين كونك زوجتي العتيدة, حين نكون وحدنا , يمكنك ان ترتدي ما يحلو لك.....او لا شيء على الإطلاق..... بالرغم من اننا سنحظى بالقليل من الوقت لنا وحدنا قبل ان نغادر الى نيكسياس.))
تمكنت روز من سماع ضحكته فيما صعدت الى السيارة التي تنتظرهما, أطبقت اسنانها ولم تتوقف عن فعل هذا طوال الأمسية ألى ان تمنى لها ماثيو ليلة سعيدة على باب جناحها.
قال ماثيو
((لا, لن أدخل.))
تعمقت إبتسامته الساخرة في تعبير وجهها واضاف
(( اريد ان يدرك ابي انك لست إمرأة عادية للعلاقات العابرة , بل المرأة التي اريدها ان تكون زوجتي.))
((لا تنوي إقامة علاقة حميمة مع المرأة التي تزوجتها؟))
((بعد فترة تودد ملائمة, انوي ان استمتع بالأمر مطولاً.))
توهج وجه روز خجلاً. وقبل ان تدفع الباب بقوة في وجهه الضاحك زمجرت قائلة
((ليس معي..... لن تفعل.))
اكتشفت روز ان ماثيو لم يكن يمزح, بالكاد تمكنت من رؤيته, وفي كل المناسبات كانت اعين الصحافة مسلطة كلياً عليهما. ولم يكن الآمر مريحاً تماماً.
ذات صباح جاء موعد رحلتهما الى نيكسياس وكانت تلك المناسبة الوحيدة التي رات فيها احد وجوه الرجل الحقيقي, ام ان ذلك كان تمنياً بالنسبة لها,))
كان ماثيو وروز يصعدان الى السيارة بعد تناولهما وجبتهما, والمصور الذي يلاحقهما يلتقط الصور فرحاً حين ظهر كلب تائه فجأة, حاول احد المصورين ان يبعد هذا المخلوق الأجرب عن طريقه, فكان هذا على الأرجح اخر شيء عرفه قبل ان يسحبه ماثيو بعيداً ةيلقيه ارضاً, وقد غابت إبتسامته, وهو يقول شيئاً ما جعل اللون يختفي من وجه الرجل الآخر.
اعاد ماثيو إهتمامه الى روز وإبتسم بشراسة, ثم قال ببساطة
((أكره الرجال الذين يبعدون عنهم كا ما هو ضعيف وغير قادر على المقامة.))
لو اقترح ماثيو تلك الليلة ان يدخل الى جناحها حين رجعا الى الفندق لما مانعت , لكنه لم يفعل.
وصلا الى المطار في الساعة العاشرة صباحاً تقريباً. ارتفع حاجب ماثيو فيما القى نظرة شاملة على وجه روز بعينيه اللامعتين قبل ان يمسك يدها اليسرى ويعلق
(( لم تضعي خاتمك.))
((ليس خاتمي..... بل الخاتم. لو أنه خاتمي , لأحتفظت به حتى بعد انتهاء العقد , لم أضعه خلال الرحلة لانه ثمين..... ماذا لو أضعته؟))
قال ماثيو, مرشداً اياها الى المبنى الآخير
((ستمضين بقية حياتك وانتِ تردين لي الثمن.))
هرولت بكعبيها اللذين يبلغان اربعة انشات كي تستطيع اللحاق به, وقالت
((انا أتكلم بجدية ماثيو , أولئك الذين يتجولون بحلى كهذه يستعينون بحراس.))
((ما الذي يجعلك تظنين انني لست جدياً؟))
التقت نظرات روز نظراته الامعة مأحمرت وجنتها , وتوترت معدتها , تذمرت بغضب
((آلا تتفو مطلقاً بجواب مباشر عن السؤال؟))
((إستريحي , فهي مجرد حلى))
((اتعني انها ليست حقيقية.؟))
لم تعرف روز ان كان عليها ان تشعر بالإرتياح ام بخيبة الأمل.
((يستطيع ابي ان يكتشف المزيف عن بعد عشرين قدماً))
((يبدو ابوك مخيفاً.))
إذا أخذنا بعين الإعتبار , تبدو هذه نتيجة معروفة مسبقاً.
قال ماثيو
((هذا يمكنه ان يساعدك.))
نظرت روز بعبوس الى الملف الذي وضعه في يدها, وسألته
((ما هذا؟ أهو دليل آخر.))
((بعض المعلومات عن أبي..... ما يحبه وما يكرهه , معلومات قد تجدينها مفيدة.))
هزت رو رأسها الى اليمين والى اليسار. وقالت بطريقة فظة
((هل انت متأكد من انك لا تريدني ان اتعلم اللغة البونانية أثناء الرحلة ايضاً؟ لو كنت زوجتك, لما كنت مهتمة بأن أرضي أباك أو أؤثر فيه.))
((ستهتمين بي فحسب.))
ادعت روز انها لم تسمع تعليقه الماكر, وردت
((الأمر الىكثر إفادة على الأرجح هو ان اعرف شيئاً عنك, ةلا اعني فقط كيف تحب ان تأكل زوجتك ومدى جمال إبتسامتك امام آلات التصوير, فكل هذا......سطحي جداً.))
قال ماثيو وهو يبدو غير مهتم
((أهذا ما يبدو سطحياً ام انا؟))
وأردف
((انا آسف اذا كنت تشعرين بأنني أتجاهلك, لكن يمكنك تمضية بقية النهار وانتِ تكتشفين اعماقي التي لم يسبر اغوارها بعد.))
قلبت روز عينيها فيما قلب قلبها مرتين, ثم قالت بصوت اجش.
((بالكاد استطيع الإنتظار.))
ما الذي ورطت نفسها به؟
قبل ماثيو الملف من دون اي تعليق حين اعادته اليه روز بإشمئزاز بالرغم من انه بدا جديا حين قال
((الديكِ وجهة نظر. ربما من الأفضل ان تكوني على سجيتك قدر المستطاع.))
((حسناً اذا.....))
توقفت روز كلياً حين رات الطائرة النفاثة الخاصة التي كانت بإنتظارهما, وهمهمت
((آه , يا إلهي.))
وأضافت
(( هذه ليست انا, لن انجح في القيام بذلك, لست اصلح كعروس لبليونير.))
ضحك ماثيو من خوفها. وهز رأسه محيياً الرجل الذي حياهما, ثم قال لها
((لا تتخلي عن شيء قبل ان تجربيه , صغيرتي.))
رمته روز بنظره ساخطة, وقالت
((كما تعلم, بعض الأشياء لا تلائمك , فلم عليك ان تجربها.))
((آه, اعتقد اننا نلائم بعضنا تماماً))
كامعتاد,صمتت روز وقد احمرت وجنتاها بفعل تعليقه المثير, وهو صمت لم يكن ماثيو مستعجلاً لمقاطعته.
بعد خمس ساعات, استدارت المروحية الخاصة حول الجزيرة, ولم يكونا قد تبادلا اكثر من اثنتي عشرة كلمة, فقد انشغل ماثيو بكومبيوتره النقال طوال الرحلة, غافلاً كلياً عن حنق روز.
في الواقع , توقعت ان يأخذها بيدها, لكنها لم تتوقع قط ان يتجاهلها, ف كل مرة كانت تحاول ان تبدأ حديثاً كان يرد بأجوبة أحادية المقاطع, بنظرها, اي شخص يملك ولو مقداراً قليلاً من الإحساس سوف يفهم انها متوترة وتحتاج الى القليل من الإطمئنان.
رفع ماثيو نظره اليها, وكأنه تذكر وجودها اخيراً.
((إذاً ها نحن هنا))
نظرت روز الى الجهة التي اشار اليها ماثيو, فرأت الفيلا الفخمة الرابضة بمحاذاة الرصيف الحجري الممتد بموازاة البحر, والمحاطة بمساحات واسعة من الأراضي المزروعة بعناية.
الطائرة الخاصة التي اوصلتهما الى اثينا والإنتقال بالمروحية, ولأن الجيرة الخاصة , هذا كله جعل روز تدرك حقاً مدى الثروة الطائلة التي تملكها عائلة ديمتريوس.
غضنت جبينها, فيما أخذت شفتها السفلة بين اسنانها, وبدأت تقضمها بتوتر, فهذا العالم الذي يعيش فيه ماثيو يختلف تماماً عن العالم الذي عاشت هي غيه.
كافحت لتحافظ على هدوئها فيما اخذ الرعب ينهش رباطة جأشها رويداً رويداً.
رمقت رفيقها بنظرة جانبية, فلاحظت انه ترك الكومبيوتر وراح ينظر من النافذة كذلك, افترضت روز ان امر امتلاكه لهذه الثرة كان يجب ان يؤخذ بعين الإعتبار, لم تفكر بالأمر مسبقا لآن ماثيو خلافاً للعديد من الناس الذين يتباهون بغناهم وموقعهم لم يجهد نفسه في الإفصاح عن ثروته المذهلة.
لا, ماثيو ليس بحاجة الى تذكير الناس بموقعه لأنه من هؤلاء الاشخاص النادرين الذين يتمتعون بالثقة المتغلغلة في العظام. تلك الثقة التي كان ليتمتع بها حتى ولو لم يكن يملك فلساً واحداً.
((استطيع ان افهم الآن لما لا تقول لأبيك ان يهتم بشؤونه الخاصة...... الصدق هو السياسة الأفضل من حيث المبدأ , لكن اي رجل ذي عقل راجح لن يخاطر بفقدان كل هذا.))
قال ماثيو بصوت عال يكفي لتسمعه روز فوق كل الضجة المحيطة بهما
(( لا مجال لأن أخسر الجزيرة, فأنا املكها.))
استدارت روز وامالت براسها الى الخلف لتنظر الى وجهه , كررت وقد جردت الصدمة صوتها من اي تعبير
((أتملك الجزيرة......))
انزلقت عينا روز الى المشهد البادي بين صفي الأشجار من تحتها وابتلعت ريقها من الدهشة, ثم أضافت بوهن
(( كلها.))
هز ماثيو راسه ايجابا وشرح
(( لم تكن قط ملك اندريوس, بل ملك عائلة زوجة ابي, نوت من الأصل ان نتشاركها انا والكس, لكنه....))
توقف عن الكلام مبتلعاً ريقه ثم تابع
((انتقلت الملكية الي فوراً بعد وفاتها.**
تصرف اندريوس بشراسة, فقد اعتبر هذا الآرث إاهانة له, بدأ راس روز يدور, وسألته
((الم يخطر ببالك ان تذكر هذا لي من قبل؟))
رفع ماثيو حاجبيه وبدا متفاجئا قليلاً بالحماسة التي ظهرت في سؤالها , وسألها
((لم علي إخبارك؟لا علاقة لهذا الأمر بموضوعنا.)
((أستغرب ذلك, مع العلم انك ظننت انه يجدر بي ان اعرف لون ابيك المفضل لكنك لم تفكر انه من المفيد ان تذكر انك تملك جزيرة كاملة اشبه بالجنة.))
اشارت روز بيديها عاليا بسخط شديد ونظرت الى ماثيو
تشدق هذا الاخير بكلامه وهو يضع يداً واحدة على صدره بطريقة لافتة
((أصبحت جنة الان لأنكِ موجوجه فيها يا قلبي.))
وجهت روز اليه ضربة عنيفة حانقة. تملص ماثيو منها بضحكة, وحذرته
(( اذا استمريت بهذا , كيف يمكنني ان احترمك؟))
فضلت من كل قلبها ان تتصرف معه بتلك الطريقة على ان تشعر بالضعف الشديد في جميع اطرافها , تجاه تحببه الساخر.





8. تحد وعناق
***************



قالت روز وهي تبدو مرتاحة
((ليس هناك من يستقبلنا.))
وافقها ماثيو ولم يبد عليه انه يشاركها ارتياحها
((لا))
رمقته بنظرة فضول وسألته
((هل انت مستاء؟))
مرر ماثيو عينيه بسرعة على وجه روز فيما بدت نظراته باردة كالفولاذ وقال
(( انت زوجتي, وعدم وجود احد لإستقبالك هو إزدراء متعمد.))
هو لا يبالي بالطريقة الفظة يحب اندريوس ان يعاملها بها, لكنه اراد ان يضمن ان يعامل ابوه زوجته بالإحترام الذي تستحقه.
((لكنني لست كذلك.))
رمقها ماثيو بنظرة غريبة, ورد عليها
((هو لا يعرف هذا.))
سيعرف على الأرجح بعد خمس دقائق تقريبا من رؤيتنا معا.
فكرت روز وهي تضغط بيدها على معدتها المتقبلة.
((ما من حاجة لان تشعري بالتوتر.))
حاولت روز ان تبتسم ثم قالت هازئة
((اعتقدت انني اخبئ التوتر جيدا.))
((ادخلي......كان يوما طويلا, ستشعرين بالتحسن بعد الإستحمام ))
عرفت روز ان الأمر سخيف, لكن الضغط الخفيف ليده على اسفل ظهرها مدها بثقة اكبر .
في منتصف الطريق صعودا الى الفيلا التقيا برجل يرتدي زيا رسميا , انحنى الرجل قليلا لروز, ثم استدار الى ماثيو ووجه اليه ـ كما بدا لروز اعتذارا مسرفا.
رد عليه ماثيو باللغة نفسها , ومشى الرجل أمامهما بقية الطريق. حين وصلا الى المدخل , وهو عبارة عن ردهة زجاجية تتشعب منها اروقة عدة , استدار ماثيو الى روز وقال,
((سيقودك سايبرس الى غرفتك.))
((ألست قادماً؟))
((علي ان اكلم اندريوس.))
راقبته وه يمشي بخطوات واسعة , وحاولت الا تشعر بأنها مهجورة , بعدئذٍ إستدارت الى الرجل ذي الزي الرسمي الذي راح يبتسم لها بجرأة , وتبعته الى داخل الفيلا.
كان والد ماثيو في مكتبه, رفع بصره الى ماثيو حين دخل الغرفة , ثم اعاد انتباهه فوراً الى الجريدة التي كان يقرأها.
مشى ماثيو بإتجاهه , وأنتزع الجريدة منه وطرحها ارضاً.
نظر اليه الرجل العجوز فاغراً فاه مندهشاً, وقال متوعداً
((ماذا تظن نفسك فاعلاً؟))
((أضع بعض القواعد الأساسية , أندريوس.))
رد العجوز بسخرية
((أتضع القواعد لي؟))
أوضح ماثيو , خاطفاً إبتسامة باردة ما جعل الرجل الآخر يشعر بالحذر للمرة الاولى.
((القاعدة لاولى..... في الواقع, ثمة قاعدة واحدة فحسب.))
واضاف
((في المستقبل , لن تتجاهل روز بأي طريقة ابداً ,ستعاملها بالإحترام الذي تستحقه.))
قام أندريوس عن كرسيه وقال
((أصبحت حساساً فجأة , من هي روز هذه على اي حال؟))
هي المرأة التي تضع خاتمي......هذا كل ما عليك معرفته, هل تفهمني؟))
((آه, افهمك, تأتي الى هنا وكأنك تملك المكان.))
(انا املكه فعلاً.))
صلابة ماثيو زادت من حدة اللون في بشرة الرجل العجوز الذي قال معلقاً
((لو كان الكس حياً, لما حدث شيء من هذا الآن.))
((الكس ليس حياً.))
اتهمه اندريوس. موجهاً أصبعه نحو ابنه البكر.
((لطالما كنت تغار منه))
أذعن ماثيو
((لو كان شخصاً اخر لفعلت, لكنه كان الكس.))
في الواقع من الصعب شرح الامر ,لكن لم يكن بإمكان اي شخص ان يغار من اليكس ,إذ انه لم يوحِ بأحاسيس سلبية الى الناس على الإطلاق.
رسمت تلك الذكرى على وجه ماثيو عبوسا داكن
((والآن لست مستعدا لان ارى خزائن عائلة ديمتريوس تبتلع ثروة كونستانتين ,سأتزوج بالمرأة التي اخترتها لا بإمرأة اخترتها انت لي.))
((ساشا مغرمة.))
((هي تعتقد هذا. ))
هذه هي المشكلة! تعذبت المسكينة بعد موت اليكس ,وكان ماثيو موجودا. اظهر لها القليل من العطف فتعلقت به. في المسار الطبيعي للأمور, كان لهذا الولع ان يخمد طبيعياً, لكن اهلهما عززاه عبر ايجاد الوسائل لجمعهما معاً.
الفتاة المسكينة ما تزال ضعيفة جداً, ألم يستطع المحتالان العجوزان ان يريا مدى وحشيتهما تجاهها؟
استدار ماثيو وهو يضع يده على مقبض الباب ,وقال
((لا تحاول ان تتلاعب بي اندريوس , لا احد يستطيع خداعي.))
**********
خارج الغرفة, كاد ماثيو ان يصطدم بكتلة جامدة, وقبل ان يدفعها بحزم بعيداً عنه, ثبت روز واضعاً يديه على كتفيها كي يستطيع النظر الى وجهها.
((ماذا تفعلين هنا؟))
((ابحث عنك.))
سألها وهو يهز رأسه بإتجاه الباب خلفه
((هل سمعتِ الحديث؟))
((سمعت عكل شيء.))
سمعت بما يكفي لكي تعرف كم أحب ماثيو أخاه, استطاعت ان تسمع هذا في صوته . اندهشت روز لان اباه يبدو متجاهلا كليا لألم ابنه المتتبقي على بقيد الحياة, اما بالنسبة لعلاقة ماثي بأبيه ,فبدت لها أقسى حتى مما توقعتها ان تكون . فكرت بسخرية لولا تدخل اندريوس ,لأمكن ان يقع ماثيو بحب ساشا.
أتراه كان مغرما بها من قبل؟
((لم أصقد كان الباب مفتوحا و........))
((قررت ان تسمعي.))
لم يبد ماثيو متضايقا وهذا ما فاجئها, أجابت
((حسنا, لم تكن هادئا كليا.))
((حسنا,لما تبحثين عني؟))
((كنت اشحن هاتفي في الطائرة ,ووضعته انت في جيبك, والان اريد ان اتصل بأختي.))
اخرج ماثيو الهاتف من جيبه واعطاه إياه قائلا
((ها هو))
شهقت روز شهقة خفيفة حين لمست اطراف اصابعه اصابعها.
((ألديك اخت؟))
هزت روز رأسها إيجابا , متسائلة عن ردة فعل ماثيو اذا ما اكتشف انه التقى ربيكا من قبل.
((وهل انتما مقربتان من بعضكما؟))
وافقت روز
((كثيرا جدا.))
وأضافت
((بالرغم من انها متزوجة الآن, ونحن لا نرى بعضنا كثيرا.))
قال ماثيو شيءاً لسابيرس الذي سرعان ما توارى عن الأنظار, ثم وجه كلامه الى روز
((تعالي, انتِ منهكة ,يجب ان تستلقي قبل الغداء.))
لم تستطع روز ان تدعي ان الفكرة ليست جذابة, فقد بدأ النهار يلقي بعبئه الثقيل عليها.
((هذا هو جناحي))
دفع ماثيو الباب ليفتح وتقدم روز الى غرفة جلوس كبيرة مرتبة ومفروشة, وقال
((غرفتك هناك.))
واشار الى باب مقفل الى يسارها واضاف مشيراً الى الغرفة التالية
((وهذه لي.))
وأردف
((والداكِ.....هل هما على قيد الحياة؟))
أجفلت روز وهي تسمع نفسها تقول
((هل ساشا جميلة؟))
((نعم هي جميلة.))
تساءلت وهي تنظر الى اللوحات المعلقة على الحائط,
((إذاً لما لا تريد ان تتزوج بها؟))
وأضافت
((هل هذه كلها حقيقية؟))
رد ماثيو من دون ينظر الى اللوحات
((نعم هي حقيقية.))
كان السروال الذي ترتديه روز بتفصيلته الواسعة ينزل بطريقة إنسيابية فوق فخذيها ووركيها كلما تحركت.
((انتِ إمرأة جميلة ايضاً.))
أسعرتها كلماته بالصدمة, فأستدارت والحرارة تتسارع الى خديها, وسألته
((هل تحاول تغيير الموضع؟))
جمالها لم يكن موضوعاً بعيداً جداً عن افكاره , لكنه قرر انها ليست اللحظة المناسبة لذكره, همهم ماثيو وهو يتقدم اليها
((لا, انا احاول ان اعطي إطراء, من كان يظن......ان الآمر سيكون بهذه الصعوبة ؟))
أردفت روز بحذر
(حسناً.... شكراً))
وتابعت تسأله
((لم لا تتزوج بها؟))
تنهد ماثيو وغرق في كرسي,اسند ذقنه على أصابعه الممشوقة ,ثم نظر اليها وقال
((هل نتكلم عن ساشا مجدداً؟))
فكرت روز. وعلى ملامحها الناعمة عبوس ينم عن عدم رضا , فيما رست افكارها على صورةذهنية لأولاد ذوي بشرة ذهبية وعيون رمادية وشعر اسود غامق,
((إذا كانت جميلة, فسوف يكسب اولادك إرثاً جينياً مزدوجاً ))
كذلك وسا تعثرها على بنات صغيرات ذوات شعر مجعد وأفواه لطيفة منحنية.
((سأعتبر هذا إطراء.))
اجابته وهي تشعر بالحرارة تتدفق في عروقها,
((وكأنك غير واعٍ تماماً الى انك حسن المظهر.))
ركزي روز ! قلت ذلك لنفسها وهي تأخذ نفسهاً عميقاً وتقول غاضبة فيما امسك ماثيو رسغها وجذبها الى ذراع الكرسي
((ماذا تفعل؟))
فسر لها بجفاف
((أنظر الى عنقك.))
((حسناً لا تفعل, لاحب هذا ))
لم تستطع روز ان تجد الكلمة المناسبة لتصف الحرارو البطيئة التي راحت تغزو كل خلية في جسدها.
((أتريدين ان تعرفي عن ساشا؟ سأخبرك, كانت تحب اخي , وبعد وفاة الكس ارادت شخصاً تحبه وكنت انا موجود))
((قال ابوك انها تحبك.))
أجاب ماثيو والغضب باد عليه
((مجرد ولع ليس إلآ.))
ارخى قبضته عن ذراع روز فوقفت بسرعة , وقالت وهي ترجع سريعاً الى الباب
((اظن انني سآخذ قيلولة كما قلتِ لي.))
************




8. تحد وعناق
***************



قالت روز وهي تبدو مرتاحة
((ليس هناك من يستقبلنا.))
وافقها ماثيو ولم يبد عليه انه يشاركها ارتياحها
((لا))
رمقته بنظرة فضول وسألته
((هل انت مستاء؟))
مرر ماثيو عينيه بسرعة على وجه روز فيما بدت نظراته باردة كالفولاذ وقال
(( انت زوجتي, وعدم وجود احد لإستقبالك هو إزدراء متعمد.))
هو لا يبالي بالطريقة الفظة يحب اندريوس ان يعاملها بها, لكنه اراد ان يضمن ان يعامل ابوه زوجته بالإحترام الذي تستحقه.
((لكنني لست كذلك.))
رمقها ماثيو بنظرة غريبة, ورد عليها
((هو لا يعرف هذا.))
سيعرف على الأرجح بعد خمس دقائق تقريبا من رؤيتنا معا.
فكرت روز وهي تضغط بيدها على معدتها المتقبلة.
((ما من حاجة لان تشعري بالتوتر.))
حاولت روز ان تبتسم ثم قالت هازئة
((اعتقدت انني اخبئ التوتر جيدا.))
((ادخلي......كان يوما طويلا, ستشعرين بالتحسن بعد الإستحمام ))
عرفت روز ان الأمر سخيف, لكن الضغط الخفيف ليده على اسفل ظهرها مدها بثقة اكبر .
في منتصف الطريق صعودا الى الفيلا التقيا برجل يرتدي زيا رسميا , انحنى الرجل قليلا لروز, ثم استدار الى ماثيو ووجه اليه ـ كما بدا لروز اعتذارا مسرفا.
رد عليه ماثيو باللغة نفسها , ومشى الرجل أمامهما بقية الطريق. حين وصلا الى المدخل , وهو عبارة عن ردهة زجاجية تتشعب منها اروقة عدة , استدار ماثيو الى روز وقال,
((سيقودك سايبرس الى غرفتك.))
((ألست قادماً؟))
((علي ان اكلم اندريوس.))
راقبته وه يمشي بخطوات واسعة , وحاولت الا تشعر بأنها مهجورة , بعدئذٍ إستدارت الى الرجل ذي الزي الرسمي الذي راح يبتسم لها بجرأة , وتبعته الى داخل الفيلا.
كان والد ماثيو في مكتبه, رفع بصره الى ماثيو حين دخل الغرفة , ثم اعاد انتباهه فوراً الى الجريدة التي كان يقرأها.
مشى ماثيو بإتجاهه , وأنتزع الجريدة منه وطرحها ارضاً.
نظر اليه الرجل العجوز فاغراً فاه مندهشاً, وقال متوعداً
((ماذا تظن نفسك فاعلاً؟))
((أضع بعض القواعد الأساسية , أندريوس.))
رد العجوز بسخرية
((أتضع القواعد لي؟))
أوضح ماثيو , خاطفاً إبتسامة باردة ما جعل الرجل الآخر يشعر بالحذر للمرة الاولى.
((القاعدة لاولى..... في الواقع, ثمة قاعدة واحدة فحسب.))
واضاف
((في المستقبل , لن تتجاهل روز بأي طريقة ابداً ,ستعاملها بالإحترام الذي تستحقه.))
قام أندريوس عن كرسيه وقال
((أصبحت حساساً فجأة , من هي روز هذه على اي حال؟))
هي المرأة التي تضع خاتمي......هذا كل ما عليك معرفته, هل تفهمني؟))
((آه, افهمك, تأتي الى هنا وكأنك تملك المكان.))
(انا املكه فعلاً.))
صلابة ماثيو زادت من حدة اللون في بشرة الرجل العجوز الذي قال معلقاً
((لو كان الكس حياً, لما حدث شيء من هذا الآن.))
((الكس ليس حياً.))
اتهمه اندريوس. موجهاً أصبعه نحو ابنه البكر.
((لطالما كنت تغار منه))
أذعن ماثيو
((لو كان شخصاً اخر لفعلت, لكنه كان الكس.))
في الواقع من الصعب شرح الامر ,لكن لم يكن بإمكان اي شخص ان يغار من اليكس ,إذ انه لم يوحِ بأحاسيس سلبية الى الناس على الإطلاق.
رسمت تلك الذكرى على وجه ماثيو عبوسا داكن
((والآن لست مستعدا لان ارى خزائن عائلة ديمتريوس تبتلع ثروة كونستانتين ,سأتزوج بالمرأة التي اخترتها لا بإمرأة اخترتها انت لي.))
((ساشا مغرمة.))
((هي تعتقد هذا. ))
هذه هي المشكلة! تعذبت المسكينة بعد موت اليكس ,وكان ماثيو موجودا. اظهر لها القليل من العطف فتعلقت به. في المسار الطبيعي للأمور, كان لهذا الولع ان يخمد طبيعياً, لكن اهلهما عززاه عبر ايجاد الوسائل لجمعهما معاً.
الفتاة المسكينة ما تزال ضعيفة جداً, ألم يستطع المحتالان العجوزان ان يريا مدى وحشيتهما تجاهها؟
استدار ماثيو وهو يضع يده على مقبض الباب ,وقال
((لا تحاول ان تتلاعب بي اندريوس , لا احد يستطيع خداعي.))
**********
خارج الغرفة, كاد ماثيو ان يصطدم بكتلة جامدة, وقبل ان يدفعها بحزم بعيداً عنه, ثبت روز واضعاً يديه على كتفيها كي يستطيع النظر الى وجهها.
((ماذا تفعلين هنا؟))
((ابحث عنك.))
سألها وهو يهز رأسه بإتجاه الباب خلفه
((هل سمعتِ الحديث؟))
((سمعت عكل شيء.))
سمعت بما يكفي لكي تعرف كم أحب ماثيو أخاه, استطاعت ان تسمع هذا في صوته . اندهشت روز لان اباه يبدو متجاهلا كليا لألم ابنه المتتبقي على بقيد الحياة, اما بالنسبة لعلاقة ماثي بأبيه ,فبدت لها أقسى حتى مما توقعتها ان تكون . فكرت بسخرية لولا تدخل اندريوس ,لأمكن ان يقع ماثيو بحب ساشا.
أتراه كان مغرما بها من قبل؟
((لم أصقد كان الباب مفتوحا و........))
((قررت ان تسمعي.))
لم يبد ماثيو متضايقا وهذا ما فاجئها, أجابت
((حسنا, لم تكن هادئا كليا.))
((حسنا,لما تبحثين عني؟))
((كنت اشحن هاتفي في الطائرة ,ووضعته انت في جيبك, والان اريد ان اتصل بأختي.))
اخرج ماثيو الهاتف من جيبه واعطاه إياه قائلا
((ها هو))
شهقت روز شهقة خفيفة حين لمست اطراف اصابعه اصابعها.
((ألديك اخت؟))
هزت روز رأسها إيجابا , متسائلة عن ردة فعل ماثيو اذا ما اكتشف انه التقى ربيكا من قبل.
((وهل انتما مقربتان من بعضكما؟))
وافقت روز
((كثيرا جدا.))
وأضافت
((بالرغم من انها متزوجة الآن, ونحن لا نرى بعضنا كثيرا.))
قال ماثيو شيءاً لسابيرس الذي سرعان ما توارى عن الأنظار, ثم وجه كلامه الى روز
((تعالي, انتِ منهكة ,يجب ان تستلقي قبل الغداء.))
لم تستطع روز ان تدعي ان الفكرة ليست جذابة, فقد بدأ النهار يلقي بعبئه الثقيل عليها.
((هذا هو جناحي))
دفع ماثيو الباب ليفتح وتقدم روز الى غرفة جلوس كبيرة مرتبة ومفروشة, وقال
((غرفتك هناك.))
واشار الى باب مقفل الى يسارها واضاف مشيراً الى الغرفة التالية
((وهذه لي.))
وأردف
((والداكِ.....هل هما على قيد الحياة؟))
أجفلت روز وهي تسمع نفسها تقول
((هل ساشا جميلة؟))
((نعم هي جميلة.))
تساءلت وهي تنظر الى اللوحات المعلقة على الحائط,
((إذاً لما لا تريد ان تتزوج بها؟))
وأضافت
((هل هذه كلها حقيقية؟))
رد ماثيو من دون ينظر الى اللوحات
((نعم هي حقيقية.))
كان السروال الذي ترتديه روز بتفصيلته الواسعة ينزل بطريقة إنسيابية فوق فخذيها ووركيها كلما تحركت.
((انتِ إمرأة جميلة ايضاً.))
أسعرتها كلماته بالصدمة, فأستدارت والحرارة تتسارع الى خديها, وسألته
((هل تحاول تغيير الموضع؟))
جمالها لم يكن موضوعاً بعيداً جداً عن افكاره , لكنه قرر انها ليست اللحظة المناسبة لذكره, همهم ماثيو وهو يتقدم اليها
((لا, انا احاول ان اعطي إطراء, من كان يظن......ان الآمر سيكون بهذه الصعوبة ؟))
أردفت روز بحذر
(حسناً.... شكراً))
وتابعت تسأله
((لم لا تتزوج بها؟))
تنهد ماثيو وغرق في كرسي,اسند ذقنه على أصابعه الممشوقة ,ثم نظر اليها وقال
((هل نتكلم عن ساشا مجدداً؟))
فكرت روز. وعلى ملامحها الناعمة عبوس ينم عن عدم رضا , فيما رست افكارها على صورةذهنية لأولاد ذوي بشرة ذهبية وعيون رمادية وشعر اسود غامق,
((إذا كانت جميلة, فسوف يكسب اولادك إرثاً جينياً مزدوجاً ))
كذلك وسا تعثرها على بنات صغيرات ذوات شعر مجعد وأفواه لطيفة منحنية.
((سأعتبر هذا إطراء.))
اجابته وهي تشعر بالحرارة تتدفق في عروقها,
((وكأنك غير واعٍ تماماً الى انك حسن المظهر.))
ركزي روز ! قلت ذلك لنفسها وهي تأخذ نفسهاً عميقاً وتقول غاضبة فيما امسك ماثيو رسغها وجذبها الى ذراع الكرسي
((ماذا تفعل؟))
فسر لها بجفاف
((أنظر الى عنقك.))
((حسناً لا تفعل, لاحب هذا ))
لم تستطع روز ان تجد الكلمة المناسبة لتصف الحرارو البطيئة التي راحت تغزو كل خلية في جسدها.
((أتريدين ان تعرفي عن ساشا؟ سأخبرك, كانت تحب اخي , وبعد وفاة الكس ارادت شخصاً تحبه وكنت انا موجود))
((قال ابوك انها تحبك.))
أجاب ماثيو والغضب باد عليه
((مجرد ولع ليس إلآ.))
ارخى قبضته عن ذراع روز فوقفت بسرعة , وقالت وهي ترجع سريعاً الى الباب
((اظن انني سآخذ قيلولة كما قلتِ لي.))
************




8. تحد وعناق
***************



قالت روز وهي تبدو مرتاحة
((ليس هناك من يستقبلنا.))
وافقها ماثيو ولم يبد عليه انه يشاركها ارتياحها
((لا))
رمقته بنظرة فضول وسألته
((هل انت مستاء؟))
مرر ماثيو عينيه بسرعة على وجه روز فيما بدت نظراته باردة كالفولاذ وقال
(( انت زوجتي, وعدم وجود احد لإستقبالك هو إزدراء متعمد.))
هو لا يبالي بالطريقة الفظة يحب اندريوس ان يعاملها بها, لكنه اراد ان يضمن ان يعامل ابوه زوجته بالإحترام الذي تستحقه.
((لكنني لست كذلك.))
رمقها ماثيو بنظرة غريبة, ورد عليها
((هو لا يعرف هذا.))
سيعرف على الأرجح بعد خمس دقائق تقريبا من رؤيتنا معا.
فكرت روز وهي تضغط بيدها على معدتها المتقبلة.
((ما من حاجة لان تشعري بالتوتر.))
حاولت روز ان تبتسم ثم قالت هازئة
((اعتقدت انني اخبئ التوتر جيدا.))
((ادخلي......كان يوما طويلا, ستشعرين بالتحسن بعد الإستحمام ))
عرفت روز ان الأمر سخيف, لكن الضغط الخفيف ليده على اسفل ظهرها مدها بثقة اكبر .
في منتصف الطريق صعودا الى الفيلا التقيا برجل يرتدي زيا رسميا , انحنى الرجل قليلا لروز, ثم استدار الى ماثيو ووجه اليه ـ كما بدا لروز اعتذارا مسرفا.
رد عليه ماثيو باللغة نفسها , ومشى الرجل أمامهما بقية الطريق. حين وصلا الى المدخل , وهو عبارة عن ردهة زجاجية تتشعب منها اروقة عدة , استدار ماثيو الى روز وقال,
((سيقودك سايبرس الى غرفتك.))
((ألست قادماً؟))
((علي ان اكلم اندريوس.))
راقبته وه يمشي بخطوات واسعة , وحاولت الا تشعر بأنها مهجورة , بعدئذٍ إستدارت الى الرجل ذي الزي الرسمي الذي راح يبتسم لها بجرأة , وتبعته الى داخل الفيلا.
كان والد ماثيو في مكتبه, رفع بصره الى ماثيو حين دخل الغرفة , ثم اعاد انتباهه فوراً الى الجريدة التي كان يقرأها.
مشى ماثيو بإتجاهه , وأنتزع الجريدة منه وطرحها ارضاً.
نظر اليه الرجل العجوز فاغراً فاه مندهشاً, وقال متوعداً
((ماذا تظن نفسك فاعلاً؟))
((أضع بعض القواعد الأساسية , أندريوس.))
رد العجوز بسخرية
((أتضع القواعد لي؟))
أوضح ماثيو , خاطفاً إبتسامة باردة ما جعل الرجل الآخر يشعر بالحذر للمرة الاولى.
((القاعدة لاولى..... في الواقع, ثمة قاعدة واحدة فحسب.))
واضاف
((في المستقبل , لن تتجاهل روز بأي طريقة ابداً ,ستعاملها بالإحترام الذي تستحقه.))
قام أندريوس عن كرسيه وقال
((أصبحت حساساً فجأة , من هي روز هذه على اي حال؟))
هي المرأة التي تضع خاتمي......هذا كل ما عليك معرفته, هل تفهمني؟))
((آه, افهمك, تأتي الى هنا وكأنك تملك المكان.))
(انا املكه فعلاً.))
صلابة ماثيو زادت من حدة اللون في بشرة الرجل العجوز الذي قال معلقاً
((لو كان الكس حياً, لما حدث شيء من هذا الآن.))
((الكس ليس حياً.))
اتهمه اندريوس. موجهاً أصبعه نحو ابنه البكر.
((لطالما كنت تغار منه))
أذعن ماثيو
((لو كان شخصاً اخر لفعلت, لكنه كان الكس.))
في الواقع من الصعب شرح الامر ,لكن لم يكن بإمكان اي شخص ان يغار من اليكس ,إذ انه لم يوحِ بأحاسيس سلبية الى الناس على الإطلاق.
رسمت تلك الذكرى على وجه ماثيو عبوسا داكن
((والآن لست مستعدا لان ارى خزائن عائلة ديمتريوس تبتلع ثروة كونستانتين ,سأتزوج بالمرأة التي اخترتها لا بإمرأة اخترتها انت لي.))
((ساشا مغرمة.))
((هي تعتقد هذا. ))
هذه هي المشكلة! تعذبت المسكينة بعد موت اليكس ,وكان ماثيو موجودا. اظهر لها القليل من العطف فتعلقت به. في المسار الطبيعي للأمور, كان لهذا الولع ان يخمد طبيعياً, لكن اهلهما عززاه عبر ايجاد الوسائل لجمعهما معاً.
الفتاة المسكينة ما تزال ضعيفة جداً, ألم يستطع المحتالان العجوزان ان يريا مدى وحشيتهما تجاهها؟
استدار ماثيو وهو يضع يده على مقبض الباب ,وقال
((لا تحاول ان تتلاعب بي اندريوس , لا احد يستطيع خداعي.))
**********
خارج الغرفة, كاد ماثيو ان يصطدم بكتلة جامدة, وقبل ان يدفعها بحزم بعيداً عنه, ثبت روز واضعاً يديه على كتفيها كي يستطيع النظر الى وجهها.
((ماذا تفعلين هنا؟))
((ابحث عنك.))
سألها وهو يهز رأسه بإتجاه الباب خلفه
((هل سمعتِ الحديث؟))
((سمعت عكل شيء.))
سمعت بما يكفي لكي تعرف كم أحب ماثيو أخاه, استطاعت ان تسمع هذا في صوته . اندهشت روز لان اباه يبدو متجاهلا كليا لألم ابنه المتتبقي على بقيد الحياة, اما بالنسبة لعلاقة ماثي بأبيه ,فبدت لها أقسى حتى مما توقعتها ان تكون . فكرت بسخرية لولا تدخل اندريوس ,لأمكن ان يقع ماثيو بحب ساشا.
أتراه كان مغرما بها من قبل؟
((لم أصقد كان الباب مفتوحا و........))
((قررت ان تسمعي.))
لم يبد ماثيو متضايقا وهذا ما فاجئها, أجابت
((حسنا, لم تكن هادئا كليا.))
((حسنا,لما تبحثين عني؟))
((كنت اشحن هاتفي في الطائرة ,ووضعته انت في جيبك, والان اريد ان اتصل بأختي.))
اخرج ماثيو الهاتف من جيبه واعطاه إياه قائلا
((ها هو))
شهقت روز شهقة خفيفة حين لمست اطراف اصابعه اصابعها.
((ألديك اخت؟))
هزت روز رأسها إيجابا , متسائلة عن ردة فعل ماثيو اذا ما اكتشف انه التقى ربيكا من قبل.
((وهل انتما مقربتان من بعضكما؟))
وافقت روز
((كثيرا جدا.))
وأضافت
((بالرغم من انها متزوجة الآن, ونحن لا نرى بعضنا كثيرا.))
قال ماثيو شيءاً لسابيرس الذي سرعان ما توارى عن الأنظار, ثم وجه كلامه الى روز
((تعالي, انتِ منهكة ,يجب ان تستلقي قبل الغداء.))
لم تستطع روز ان تدعي ان الفكرة ليست جذابة, فقد بدأ النهار يلقي بعبئه الثقيل عليها.
((هذا هو جناحي))
دفع ماثيو الباب ليفتح وتقدم روز الى غرفة جلوس كبيرة مرتبة ومفروشة, وقال
((غرفتك هناك.))
واشار الى باب مقفل الى يسارها واضاف مشيراً الى الغرفة التالية
((وهذه لي.))
وأردف
((والداكِ.....هل هما على قيد الحياة؟))
أجفلت روز وهي تسمع نفسها تقول
((هل ساشا جميلة؟))
((نعم هي جميلة.))
تساءلت وهي تنظر الى اللوحات المعلقة على الحائط,
((إذاً لما لا تريد ان تتزوج بها؟))
وأضافت
((هل هذه كلها حقيقية؟))
رد ماثيو من دون ينظر الى اللوحات
((نعم هي حقيقية.))
كان السروال الذي ترتديه روز بتفصيلته الواسعة ينزل بطريقة إنسيابية فوق فخذيها ووركيها كلما تحركت.
((انتِ إمرأة جميلة ايضاً.))
أسعرتها كلماته بالصدمة, فأستدارت والحرارة تتسارع الى خديها, وسألته
((هل تحاول تغيير الموضع؟))
جمالها لم يكن موضوعاً بعيداً جداً عن افكاره , لكنه قرر انها ليست اللحظة المناسبة لذكره, همهم ماثيو وهو يتقدم اليها
((لا, انا احاول ان اعطي إطراء, من كان يظن......ان الآمر سيكون بهذه الصعوبة ؟))
أردفت روز بحذر
(حسناً.... شكراً))
وتابعت تسأله
((لم لا تتزوج بها؟))
تنهد ماثيو وغرق في كرسي,اسند ذقنه على أصابعه الممشوقة ,ثم نظر اليها وقال
((هل نتكلم عن ساشا مجدداً؟))
فكرت روز. وعلى ملامحها الناعمة عبوس ينم عن عدم رضا , فيما رست افكارها على صورةذهنية لأولاد ذوي بشرة ذهبية وعيون رمادية وشعر اسود غامق,
((إذا كانت جميلة, فسوف يكسب اولادك إرثاً جينياً مزدوجاً ))
كذلك وسا تعثرها على بنات صغيرات ذوات شعر مجعد وأفواه لطيفة منحنية.
((سأعتبر هذا إطراء.))
اجابته وهي تشعر بالحرارة تتدفق في عروقها,
((وكأنك غير واعٍ تماماً الى انك حسن المظهر.))
ركزي روز ! قلت ذلك لنفسها وهي تأخذ نفسهاً عميقاً وتقول غاضبة فيما امسك ماثيو رسغها وجذبها الى ذراع الكرسي
((ماذا تفعل؟))
فسر لها بجفاف
((أنظر الى عنقك.))
((حسناً لا تفعل, لاحب هذا ))
لم تستطع روز ان تجد الكلمة المناسبة لتصف الحرارو البطيئة التي راحت تغزو كل خلية في جسدها.
((أتريدين ان تعرفي عن ساشا؟ سأخبرك, كانت تحب اخي , وبعد وفاة الكس ارادت شخصاً تحبه وكنت انا موجود))
((قال ابوك انها تحبك.))
أجاب ماثيو والغضب باد عليه
((مجرد ولع ليس إلآ.))
ارخى قبضته عن ذراع روز فوقفت بسرعة , وقالت وهي ترجع سريعاً الى الباب
((اظن انني سآخذ قيلولة كما قلتِ لي.))
************




8. تحد وعناق
***************



قالت روز وهي تبدو مرتاحة
((ليس هناك من يستقبلنا.))
وافقها ماثيو ولم يبد عليه انه يشاركها ارتياحها
((لا))
رمقته بنظرة فضول وسألته
((هل انت مستاء؟))
مرر ماثيو عينيه بسرعة على وجه روز فيما بدت نظراته باردة كالفولاذ وقال
(( انت زوجتي, وعدم وجود احد لإستقبالك هو إزدراء متعمد.))
هو لا يبالي بالطريقة الفظة يحب اندريوس ان يعاملها بها, لكنه اراد ان يضمن ان يعامل ابوه زوجته بالإحترام الذي تستحقه.
((لكنني لست كذلك.))
رمقها ماثيو بنظرة غريبة, ورد عليها
((هو لا يعرف هذا.))
سيعرف على الأرجح بعد خمس دقائق تقريبا من رؤيتنا معا.
فكرت روز وهي تضغط بيدها على معدتها المتقبلة.
((ما من حاجة لان تشعري بالتوتر.))
حاولت روز ان تبتسم ثم قالت هازئة
((اعتقدت انني اخبئ التوتر جيدا.))
((ادخلي......كان يوما طويلا, ستشعرين بالتحسن بعد الإستحمام ))
عرفت روز ان الأمر سخيف, لكن الضغط الخفيف ليده على اسفل ظهرها مدها بثقة اكبر .
في منتصف الطريق صعودا الى الفيلا التقيا برجل يرتدي زيا رسميا , انحنى الرجل قليلا لروز, ثم استدار الى ماثيو ووجه اليه ـ كما بدا لروز اعتذارا مسرفا.
رد عليه ماثيو باللغة نفسها , ومشى الرجل أمامهما بقية الطريق. حين وصلا الى المدخل , وهو عبارة عن ردهة زجاجية تتشعب منها اروقة عدة , استدار ماثيو الى روز وقال,
((سيقودك سايبرس الى غرفتك.))
((ألست قادماً؟))
((علي ان اكلم اندريوس.))
راقبته وه يمشي بخطوات واسعة , وحاولت الا تشعر بأنها مهجورة , بعدئذٍ إستدارت الى الرجل ذي الزي الرسمي الذي راح يبتسم لها بجرأة , وتبعته الى داخل الفيلا.
كان والد ماثيو في مكتبه, رفع بصره الى ماثيو حين دخل الغرفة , ثم اعاد انتباهه فوراً الى الجريدة التي كان يقرأها.
مشى ماثيو بإتجاهه , وأنتزع الجريدة منه وطرحها ارضاً.
نظر اليه الرجل العجوز فاغراً فاه مندهشاً, وقال متوعداً
((ماذا تظن نفسك فاعلاً؟))
((أضع بعض القواعد الأساسية , أندريوس.))
رد العجوز بسخرية
((أتضع القواعد لي؟))
أوضح ماثيو , خاطفاً إبتسامة باردة ما جعل الرجل الآخر يشعر بالحذر للمرة الاولى.
((القاعدة لاولى..... في الواقع, ثمة قاعدة واحدة فحسب.))
واضاف
((في المستقبل , لن تتجاهل روز بأي طريقة ابداً ,ستعاملها بالإحترام الذي تستحقه.))
قام أندريوس عن كرسيه وقال
((أصبحت حساساً فجأة , من هي روز هذه على اي حال؟))
هي المرأة التي تضع خاتمي......هذا كل ما عليك معرفته, هل تفهمني؟))
((آه, افهمك, تأتي الى هنا وكأنك تملك المكان.))
(انا املكه فعلاً.))
صلابة ماثيو زادت من حدة اللون في بشرة الرجل العجوز الذي قال معلقاً
((لو كان الكس حياً, لما حدث شيء من هذا الآن.))
((الكس ليس حياً.))
اتهمه اندريوس. موجهاً أصبعه نحو ابنه البكر.
((لطالما كنت تغار منه))
أذعن ماثيو
((لو كان شخصاً اخر لفعلت, لكنه كان الكس.))
في الواقع من الصعب شرح الامر ,لكن لم يكن بإمكان اي شخص ان يغار من اليكس ,إذ انه لم يوحِ بأحاسيس سلبية الى الناس على الإطلاق.
رسمت تلك الذكرى على وجه ماثيو عبوسا داكن
((والآن لست مستعدا لان ارى خزائن عائلة ديمتريوس تبتلع ثروة كونستانتين ,سأتزوج بالمرأة التي اخترتها لا بإمرأة اخترتها انت لي.))
((ساشا مغرمة.))
((هي تعتقد هذا. ))
هذه هي المشكلة! تعذبت المسكينة بعد موت اليكس ,وكان ماثيو موجودا. اظهر لها القليل من العطف فتعلقت به. في المسار الطبيعي للأمور, كان لهذا الولع ان يخمد طبيعياً, لكن اهلهما عززاه عبر ايجاد الوسائل لجمعهما معاً.
الفتاة المسكينة ما تزال ضعيفة جداً, ألم يستطع المحتالان العجوزان ان يريا مدى وحشيتهما تجاهها؟
استدار ماثيو وهو يضع يده على مقبض الباب ,وقال
((لا تحاول ان تتلاعب بي اندريوس , لا احد يستطيع خداعي.))
**********
خارج الغرفة, كاد ماثيو ان يصطدم بكتلة جامدة, وقبل ان يدفعها بحزم بعيداً عنه, ثبت روز واضعاً يديه على كتفيها كي يستطيع النظر الى وجهها.
((ماذا تفعلين هنا؟))
((ابحث عنك.))
سألها وهو يهز رأسه بإتجاه الباب خلفه
((هل سمعتِ الحديث؟))
((سمعت عكل شيء.))
سمعت بما يكفي لكي تعرف كم أحب ماثيو أخاه, استطاعت ان تسمع هذا في صوته . اندهشت روز لان اباه يبدو متجاهلا كليا لألم ابنه المتتبقي على بقيد الحياة, اما بالنسبة لعلاقة ماثي بأبيه ,فبدت لها أقسى حتى مما توقعتها ان تكون . فكرت بسخرية لولا تدخل اندريوس ,لأمكن ان يقع ماثيو بحب ساشا.
أتراه كان مغرما بها من قبل؟
((لم أصقد كان الباب مفتوحا و........))
((قررت ان تسمعي.))
لم يبد ماثيو متضايقا وهذا ما فاجئها, أجابت
((حسنا, لم تكن هادئا كليا.))
((حسنا,لما تبحثين عني؟))
((كنت اشحن هاتفي في الطائرة ,ووضعته انت في جيبك, والان اريد ان اتصل بأختي.))
اخرج ماثيو الهاتف من جيبه واعطاه إياه قائلا
((ها هو))
شهقت روز شهقة خفيفة حين لمست اطراف اصابعه اصابعها.
((ألديك اخت؟))
هزت روز رأسها إيجابا , متسائلة عن ردة فعل ماثيو اذا ما اكتشف انه التقى ربيكا من قبل.
((وهل انتما مقربتان من بعضكما؟))
وافقت روز
((كثيرا جدا.))
وأضافت
((بالرغم من انها متزوجة الآن, ونحن لا نرى بعضنا كثيرا.))
قال ماثيو شيءاً لسابيرس الذي سرعان ما توارى عن الأنظار, ثم وجه كلامه الى روز
((تعالي, انتِ منهكة ,يجب ان تستلقي قبل الغداء.))
لم تستطع روز ان تدعي ان الفكرة ليست جذابة, فقد بدأ النهار يلقي بعبئه الثقيل عليها.
((هذا هو جناحي))
دفع ماثيو الباب ليفتح وتقدم روز الى غرفة جلوس كبيرة مرتبة ومفروشة, وقال
((غرفتك هناك.))
واشار الى باب مقفل الى يسارها واضاف مشيراً الى الغرفة التالية
((وهذه لي.))
وأردف
((والداكِ.....هل هما على قيد الحياة؟))
أجفلت روز وهي تسمع نفسها تقول
((هل ساشا جميلة؟))
((نعم هي جميلة.))
تساءلت وهي تنظر الى اللوحات المعلقة على الحائط,
((إذاً لما لا تريد ان تتزوج بها؟))
وأضافت
((هل هذه كلها حقيقية؟))
رد ماثيو من دون ينظر الى اللوحات
((نعم هي حقيقية.))
كان السروال الذي ترتديه روز بتفصيلته الواسعة ينزل بطريقة إنسيابية فوق فخذيها ووركيها كلما تحركت.
((انتِ إمرأة جميلة ايضاً.))
أسعرتها كلماته بالصدمة, فأستدارت والحرارة تتسارع الى خديها, وسألته
((هل تحاول تغيير الموضع؟))
جمالها لم يكن موضوعاً بعيداً جداً عن افكاره , لكنه قرر انها ليست اللحظة المناسبة لذكره, همهم ماثيو وهو يتقدم اليها
((لا, انا احاول ان اعطي إطراء, من كان يظن......ان الآمر سيكون بهذه الصعوبة ؟))
أردفت روز بحذر
(حسناً.... شكراً))
وتابعت تسأله
((لم لا تتزوج بها؟))
تنهد ماثيو وغرق في كرسي,اسند ذقنه على أصابعه الممشوقة ,ثم نظر اليها وقال
((هل نتكلم عن ساشا مجدداً؟))
فكرت روز. وعلى ملامحها الناعمة عبوس ينم عن عدم رضا , فيما رست افكارها على صورةذهنية لأولاد ذوي بشرة ذهبية وعيون رمادية وشعر اسود غامق,
((إذا كانت جميلة, فسوف يكسب اولادك إرثاً جينياً مزدوجاً ))
كذلك وسا تعثرها على بنات صغيرات ذوات شعر مجعد وأفواه لطيفة منحنية.
((سأعتبر هذا إطراء.))
اجابته وهي تشعر بالحرارة تتدفق في عروقها,
((وكأنك غير واعٍ تماماً الى انك حسن المظهر.))
ركزي روز ! قلت ذلك لنفسها وهي تأخذ نفسهاً عميقاً وتقول غاضبة فيما امسك ماثيو رسغها وجذبها الى ذراع الكرسي
((ماذا تفعل؟))
فسر لها بجفاف
((أنظر الى عنقك.))
((حسناً لا تفعل, لاحب هذا ))
لم تستطع روز ان تجد الكلمة المناسبة لتصف الحرارو البطيئة التي راحت تغزو كل خلية في جسدها.
((أتريدين ان تعرفي عن ساشا؟ سأخبرك, كانت تحب اخي , وبعد وفاة الكس ارادت شخصاً تحبه وكنت انا موجود))
((قال ابوك انها تحبك.))
أجاب ماثيو والغضب باد عليه
((مجرد ولع ليس إلآ.))
ارخى قبضته عن ذراع روز فوقفت بسرعة , وقالت وهي ترجع سريعاً الى الباب
((اظن انني سآخذ قيلولة كما قلتِ لي.))
************




كان الباب الذي يربط غرفتيهما مفتوح جزئيا , وافترضت روز ان الخادم الذي احضر لتوه ازهارا نضرة الى غرفتها هو من تركه كذلك .
ضغطت على شفتيها ,ثم دقت على الباب المشترك بطرقات قوية, شعرت بالغرابة لمجرد ان تعرف ان يامكان ماثية الدخول الى غرفتها منى شاء حين تكون نائمة,
((الباب مفتوح))
خطت روز الى الداخل,وقالت
((لدي مشكلة بسيطة مع هذا الامر.))
كان ماثيو يقف بجانب النافذة يحدق بالبحر.
((هناك مفتاح ,اذا كنت قلقة على طهارتك.))
فيما هو يتكلم ,استدار اليها فراح نبضها القوي يضرب قفصها الصدري بضربات عالية الصوت. بدا ماثيو جذابا جدا في بذلته الداكنة الرسمية , انزلت رموشها في حركة وقائية, وابتلعت ريقها وهي تشعر بالخجل من الحرارة الناعمة التي تغزو جسدها من دون رحمة .
((ولا تعتقد انني لن استعمله))
مال ماثيو براسه قليلا , ونظر اليها من اعلى راسها الى اخمص قدميها , وكافحت كي تسيطر على توترها.
((هذا يدعو للاسف))
انزلقت عيناه مرة اخرى على فستانها الحريري الازرق الباهت الفضفاض التي اعتنت في انتقائه
((انت تبدين حسنة المظهر))
ظهر حنقها الشديد وهي ترمقه بنظرة عدائية , وسألت بصوت هادئ وخطر
((هل ابدو حقاً بمظهر حسن؟))
لم تشأ ان تبدو حسنة المظهر فقط, ارادت ان تبدو رائعة الجمال, النبرة الخطرة في صوتها ايقظت بريقا من المرح في عينيه الرماديتين العاقدتي العزم, لكن تعبيره بقي جديا وهو ينظر اليها ويقول متأسفا.
(( آسف لانك لم تختاري فستانا يظهر.........))
ترك ماثيو نظراته تنزلق الى انحاء جسمها الذي يتمايل تحت ثوبها الأنيق.
يظهر ماذا بالضبط؟))
((اجزاء من جسمك, قد تشتت افكار ابي اذا ما سئل اسئلة غريبة, ))
((ألم تسمع قط......بأداب الكلام؟))
((سمعت عنه , ولكن ليس لدي الوقت الوفير له, لا تأخذي الامر شخصيا, روز, أحاول ان اكون عمليا فحسب))
ردت روز عليه بسرعة , وهي ترتعش من الحنق تقريبا
((عمليا؟))
((اعتقد ان ما من شيء خاطئ في استعمال مصادر القوة التي تمتلكينها , ولا تقولي لي انك لا تفعلين.))
ذلك الاقتراح الساخر جعل مزاج روز يفور , فأجابته
(( لا,لا أملكها.))
عرفت روز انه يفترض بها الا تجيب على هزة كتفه التي تنم عن شكه, إذ بدا من الواضح انه يحاول ان يستفزها , لكنها لم تسطع اقفال فمها
قالت
(( في ما يتعلق بتشجيع اي فرد من افراد عائلة ديمتريوس على النظر الي بوقاحة, لا اظن ذلك..... ان مجرد التواجد مع اي شخص يحمل ذلك الاسم ولأي مدة من الوقت كاف ليجعلني ارغب بأن استلقي في غرفة هادئة مظلمة.))
((لم تكن لدي اي فكرة عن احساسك هذا.))
نظر ماثيو الى ساعة يده وتنهد قائلا
(( لسوء الحظ, لا يحب ابي التأخير , وإلا كنت مستعدا تماما لتنفيذ رغبتك هذه.))
اندفع اللون الى وجهها بسرعة . انه يملك مقدرة خارقة على قراءة أفكارها , قالت شارحة
((أقصد وحدي في غرفة مظلمة مع كمادة باردة على راسي , ولا علاقة لك بالامر.))
لكنها تساءلت كيف تراها تشعر لو انه عانقها في غرفة مظلمة؟
لا شك ان جاذبيته الطبيعية هي ذات تأثير مرعب عليها, شعرت بوجهها يتوهج بالحرارة بسبب الخجل, فضربت يدها بقوة على جبينها الذي بدأ بدوره ينبض بقوة وهي تتكلم منظرا بالخطر.
((اذا كنت تريد تشتيت افكار الاخرين , ماثيو, مستخدما ما تملكه من جاذبية.......))
بالطبع هو يملك الكثير, اخذت نفسا عميقا ثم اقترحت
((لم لا تخلع قميصك ونذهب لتناول الغداء؟))
عقدت روز ذراعيها على صدرها , ما جعل القماش الحريري حول جسمها يشتد.
((لنرى كيف تشعر اذا كنت محط الانظار وسببا لتشتيت الاخرين ))
((لا اظن ان الامر مشابه مطلقا.))لاحظ ماثيو ان الطريقة التي يثبت فيها النسيج الرقيق البراق بثنايا جسمها الأنيق مذهبة للعقل.
ضحكت روز بتوتر , فيما اشاحت ببصرها بعيدا وهي تحاول ان تسيطر على مشاعرها.
ابتسمت قليلا وقالت
((يا ايها الرجل! إنهم جميعا متشابهون.))
ما الذي تسطيع قوله غير ذلك؟
ابتلعت ريقها بصعوبة , ورفعت ذقنها ثم رسمت على وجهها ابتسامة ثابتة
((اذاً هل تشعرين بالملل؟))
اعترفت وموقفها يتأرجح بين الغيظ والإحباط.
((لم يكن هذا تحياً, انت رجل رائع الوجه والجسد.))
وأضافت
((إلا انني لسن من نوع النساء اللواتي يحببن الرجال الجذابين جدا بعضلاتهم الضخمة, فالمعدة المشدودة والعضلات لا تعني لي شيئا.))
ربما لا ينطبق هذا الامر على ماتيو بالتحديد, فالرجال الجذابون جدا الذين يتباهون بمظهرهم ينسون فورا, لم يكن ماثيو واحدا منهم, فيما لا تزال ابتسامة خطرة مندسة خلف عينيه الرماديتين تتشبث بنظراتها , جعل ماثيو ربطة عنقها المفكوكة تنزلق من حول عنقه, وقال
((لن يزعجك الامر اذا......))
راقبته روز وعيناها واسعتان كالصحن من الخوف الذي انتابها. فيما بدأ ماثيو يفك ازرار قميصه مبينا في غضون ثوان جزء من البشرة الذهبية المغطاة بشعيرات جسده الداكنة , بللت روز شفتيها بلسانها واخذت نفسا مرتعشا فيما توترت عضلاتها , وامتد التوتر حتى اصابع قدميها المتشنجة ,إلا انها قالت بصوت اجش
((اذا كان ابوك لا يحب التاخير, فقد لا تكون هذه اللحظة المناسبة لتعبر عن ميولك الاستعراضية.))







ا
اظهر قميصه المفتوحة قسما كبيرا من صدره القوي المشدود العضلات . وقفت روز بإتزان على قدميها لتفر من المكان ,لكنها لم تقدر على استجماع قوتها لتترك عينيه الداكنتين اللتين استحوذتا على كل انتباهها . اخيراً نجحت في ان تدير راسها . انقبضت يداها وهي تكافح لتهدئ من روع انفاسها غير المنتظمة وتدفع كمية هواء كافية الى رئتيها لتوقف راسها عن الدوران .
قالت بصوت اجش
((لا احب تلك الالعاب التي تقوم بها.))
((لا امارس الالعاب , روز))
لحظت روز نبرة صوت ماثيو لم تسمعها مسبقاً,جعلتها ترغب بان تتفحص وجهه ,لكنها عرفت انها فكرة سيئة, قطع ماثيو المسافة التي تفصلهما عن يعضهما في ثوان, ثم احاط وجهها بأصابعه , ولوى رأسها بإتجاه راسه.
ارتخت ركبتا روز لرؤيتها تلك الإلتماعة المميزة في عينيه , واندفعت الأحاسيس بقوة مؤلمة في خلايا جسمها كافة سوف يعانقني ! تبع هذا الإدراك المنذر بالخطر ادراك اكثر خطورة , أريده ان يفعل!
فكرت ان من السهل ان تحاول لتلطيف الأجوء ,إذ بإمكانها الضحك في وجهه , او الإبتعاد عنه او القول انه يأخذ الأمر على محمل الجد كثيراً. إلا انها لم تفعل اياً من هذا . إتخذت خياراً ليس موجوداً على اللائحة ,وبدأت ترتجف كأنها مصابة بالحمى, وما لبثت ان غرزت أصابعها في الخصل اللماعة السوداء لشعره.
بقيت أصابعها مشبوكة في شعره بينما ضمها ماثيو اليه في عناق قوي, أخذت روز نفساً حين اشتد ضغط ذراعيه حولها وهو يقربها برفق منه.
حرر ماثيو إحدى يديه ليمرر إصبعاً واحداً على خدها وهو يقول
((عناقك جعلني أشعر بالسعادة,))
ابتلع ماثيو ريقه, وتحركت عضلات رقبته وهو يمرر يده بلطف على حدود فكها السفلى فأرتعشت روز وتأوهت بلطف ,تابع بصوت منخفض أجش
((إنها سعادة تفوق الوصف))
بعينين متسعتين ومفعمتين بالشغف , رفعت روز يداً الى خده, وإنزلقت أصابعها على طول الخط الصلب لخده وفكه, وما لبثت ان لمحة حركة بطرف عينها.
وعيها بوجود مشاهدين سرى في جسدها كقشعريرة باردة, لم يكونا وحدهما, لو لم يكن ماثيو متمسكا بها لسحبت يدها بعيدا عن وجهه, قال بنبرة سطحية وهو ينظر الى شخص ما وراءها
((مرحباً, ساشا))
((ع.......عفواً, لم اعرف.....))
بدت الفتاة الجميلة بائسة وخجولة حين نظرت اليهما, لو لم تكن روز مشغولة بالتعامل مع خجلها ,لشعرت بالآسف حيالها.
((جئت لأقول إن الغداء......ابوك ينتظر))
((سنأتي بعد قليل.))
أقفل الباب ولم يقم ماثيو هذه المرة بأي محاولة ليمنعها من الإبتعاد عنه, حسناً لن يعفل, أليس كذلك؟ ما من احد يقف الآن ليرى مشهد العناق اللطيف.
اندفعت موجة من الاشمئزاز الذاتي في معدة روز وهي تتراجع ونظرها مركز على ماثيو في قرف.
لن تقع في حب ماثيو, قالت لنفسها ان ما حصل بينهما هو مجرد انجذاب حسي, وهو انجذاب تستطيع السيطرة عليه , انها تبلغ السادسة والعشرين من عمرها, ولطالما نجحت في السيطرة على مشاعرها.
((والآن اين كنا؟))
*******
تراجعت روزبسرعة وكادت تتعثر فوق طاولة منخفضة , اعادت الطاولة والتمثال الخزفي الصغير الذي كاد يقع والذي كاد يقع والذي أنقذته لتوها الى مكانهيهما , ثم قومت وضعيهما, ورفعت حافة قبة فستانها بضعة سنتيمترات قبل ان تلمسه, أغمضت عينيها , وعدت حتى العشرة ببطء عندما فتحتهما , كان ماثيو يحدق بها.
سألته
((هل كان هذا ضرورياً حقاً؟))
فيما ساتمر ماثيو في التمعن في وجهها المحمر بطريقة مزعجة, فكرت روز , ما الذي يراه؟ لو عرف ما الذي تشعر به, فذلك يعني انه متقدم عليها بطوات, إذ إنها بالتأكيد لم تكن تعرف حقيقة ما يصيبها , فهي لم تشعر بالحيرة طوال حياتها كما تشعر بها الآن.
صدر صوت من خارج النوافذ على الرواق فتشتت انتباه ماثيو قليلا.اطلقت روز نفسها الذي كانت تحبسه بغير وعي في تنهيدة ارتياح مرتعشة.
فجأة استدار ماثيو فيما كانت هي تجلس بتثاقل على الكرسي,وقال
((لم استطع مقاومة نفسي.))
بدا مصدوما لإدراكه مدى اندفاعه ورغبته بمعانفتها بالطبع , هو ليس من الرجال الذين لا يبالون بالنساء الجميلات , لكنه لم يسمح لغرائزه بأن تقوده يوما.
بدت روز حازمة جداً وهي تجلس على طرف الكرسي ويداها ملتفتان بأناقة فوق حضنها , أما شفتاها فبدتا مزمومتين , قال ماثيو مفسراً
((شعرت إنني مدفوع للقيام بذلك.))
زاغت نظراتها بسبب الشوق الملتمع في عينيه ,إذ لم ينظر اي رجل اخر اليها بالطريقة نفسها قط.
((أنا أضع خاتمك))
رفعت يدها المعنية حيث عكس الزمردة المحاطة بطبقات الماس النور الساطع حولهما, وتابعت معلقة وهي تفكر بساشا.
((اعتقد انها فهمت الرسالة, مع ان ذلك بدا قاسياً.))
((انت ترتجفين.))
صوته جعلها ترتعش لكن ليس بقدر لمسته فيما حدقت الى اصابعه الطويلة الداكنة جدا على بشرتها الباهتة, وهي تحيط برسغها , اعترتها رعشة امتدت على طول عامودها الفقري , تبعتها رعشة ثانية وثالثة, فيما جفت حنجرتها, أجابت بسرعة, رافعة ذقنها في دفاع غاضب,
((لا يعجبني ان تستخدمني لإغاظة صديقتك.))
((حين عانقتك بدا ان الامر اعجبك)
رغبت أصابعها بقوة في صفع الإبتسامة المتكلفة الراضية التي ظهرت على وجهه والتي عكست إعتداده بنفسه.
لم تستطع روز تجاهل مراقبته من دون ان تبدو غبية تماما, سلكت الطريق الآمن وتجاهلت تعليقه , سألته بمرارة
(( ما الخطب في؟))
وتابعت
((إستخدمتني لأنني حمقاء جدا وانا على وشك ان اقول لك شكرا.))
فكر ماثيو بالرجل الذي تخلى عن روز في المذبح, وممضة من الإزدراء بانت في عينيه الضيقتين وهو يفكر بذلك الخاسر المسؤول عن الوجه ذي الملامح الدفاعية التي بدأت الآن ترتجف تماما.
مهما كانت اخطاؤه , لم يقدم ماثيو اي وعود لا يستطيع ان يفي بها , سأل نفسه, أي نوع من الغباء هذا الذي يجعل شخصا يتراجع في اللحظة الاخيرة , بعد ان يقنع الاخر انه يريد مشاركته بقية حياته؟ تساءل ,أتراها ما زالت تحب هذا الحبيب السابق الذي هرب؟ لم يكن على وجه روز أي دليل على عاطفة رقيقة فيما أشارت بإصابعها بإتجاه صدره وزمجرت.
((حسنا, خبر عاجل, انا لست حمقاء,هل تظن انني لم اعرف انك عانقتني لان ساشا كانت واقفة هناك؟ يا الهي, لا اعتقد انه كان من الضروري ان تصل الى ها الحد لتعبر عن فكرتك.))
((هل انت غاضبة لانك تعتقدين انني عانقتك بهدف التظاهر امام ساشا؟))
ظهرت بقعتان من اللون على خدي روز وهي تقلب عينيها, وقالت بصوت ملءه التهكم.
((لا اظن انك عانقتني لان الجنس الآخر لا يستطيع مقاومتي؟))
تنشقت روز نفسا عميقا وعقدت ذراعيها فوق صدرها , وده ماثيو نظره على حافة عنق فستانها المحتشم وقال
((لا استطيع ان اتكلم باسم كل الرجل, لكن لديك تأثير مهلك علي يفقدني السيطرة على نفسي.))
أطلقت روز ضحكة غاضبه وسألته
((ما هي الكلمة الأخيرة المضحكة؟))
مرت برهة من الوقت التقت فيها اعينهما بعدئذ جاء صوت ماثيو بعيدا عن النبرة الساخرة حين قال
(( هذه ليست مزحة))
أو ربما كانت كذلك بالنسبة الى رجل لطالما افتخر بنفسه لعدم انصياعه لغرائزه, وهاهو يجد نفسه وقد وقع فجأة تحت تأثير إمرأة لا تزال معلقة برجل حطم قلبها.
انقبض فكا ماثيو فيما كافح ليسيطر على فورة الغضب غير المنطقية التي اجتاحت جسده لفكرة ان روز ما زالت راغبة في رجل اخر , ثم قطع المسافة التي تفصلهما بخطوة كبيرة.
حدق اليها بتوهج فيما غطى جهة واحدة من وجهها بيده, بدت بشرة روز ناعمة ودافئة الملمس......
قال ماثيو فيما رآها تميل بعيدا عنه
((وانت تشعرين بالمثل.))
جمدت روز , وتطايرت شرارات غضب من عينيها, ثم استدارت ببطء الى الخلف ووضعت يديها على وركيها فيما رفعت ذقنها , وأجابته بسرعة
((كيف تتجرأ وتحدثني عنا أشعر به؟))
وأردفت
((ليس لديك أقل ......))
قاطعها ماثيو قائلا بنبرة متوسلة

((أروجك , لا تكلميني عن تلك السخافة...... كان يمكن ان تتواجد جوقة من عشرين شخصا يرتلون بأعلى أصواتهم من دون ان تلاحظي))
قضمت روز شفتها وهي تدرك انها مهما ستقول فإن الحرارة ستتسارع الى خديها , اي إمرأة في مثل عمرها , ما زال خداها يحمران خجلا ؟ اما من حبة دواء تعالج ذلك التقلب؟
((لا اعلم لما يصعب عليك الآن القبول بما هو واضح , نحن مرتبطان والعلاقة بيننا امر طبيعي.))
لم تتفوه روز بكلمة لأنها لم تستطع ذلك, انحسر احمرار الخجل من وجهها , وتركها شاحبة اللون كالمتى , فيما طارت نظرتها المصدومة اليه.
((فكري بالآمر.))
مرة اخرى بدت تصرفات ماثيو إرتجالية, فما اسهل ان يقرر إقامة علاقة حميمة مع إحداهن ......... كردة فعل على ضغط يده على اسفل ظهرها, بدأت روز تتوجه نحو الباب
************




((نحن آسفان على التأخير.))
رأت روز سبعة أشخاص يجلسون حول الطاولة , بقيادة الشخصية القوية ذات الشعر الرمادي: أندريوس ديمتريوس , الذي جلس على رأس الطاولة ووقف الرجال بلباقة فيما إقتربت روز منهم.
قام ماثيو بتقديمها الى الحاضرين, فيما وضعت روز على وجهها إبتسامة وهي تفكر أن ذا الإبتسامة الملتصقة قد يحتاج نزعها لاحقا الى تدخل جراحي.
لطالما كان الدول الى غرفة ملأى بالغرباء امرأ مثيراً للتوتر, أما حبن تدعب انك شخص آخر فإن مخاطرة التوتر تتضاعف مئة مرة .
رمقها اندريوس بنظرة تقيمية قاسية , فإبتسمت روز له, لو لم تكن مشتتة الفكر بالمشهد الذي حصل قبل فليل ,لإستطاعت ان تظهر القليل من الإحترام الذي يعتبره والد ماثية القوي انه يستحقه.
((حسناً))
توقفت روز ونظرت الى مضيفها وهي على وشك ان تأخذ مكانها, ورأت ومضة الغضب في وجهه.اللعنة!
((سأل ابي إذا كنا قد أستمتعنا برحلة جيدة؟))
((بالطبع لست معتادة على السفر بهذه الطريقة الفخمة.))
أدارت روز رأسها وجلست على الكرسي الذي قدمه لها ماثيو, التقت عيونهما للحظة قبل ان يسوي وضعيته , ووجدت ان من الصعب قراءة تعابير وجهه , لكن بدا عليه التوتر, هل اعتقد انها بذلت مجهوداً لتغضب الرجل الأككبر سناً؟
إلى جانب والدا العم اللذان كانا نختين اكثر شحوبا وأقل ضخامة من أندريوس, كان اندريوس نفسه والمحامي الذي تم التعريف عنه كصديق للعائلة. وساشا اللطيفة وامها.وإمرأة كانت تحرك طعامها في صحنها.
نظرت الأم الى روز بنظرة تفتقر الى الدفء والحيوية اللذين كانا ينضحان من وجهها حين وجهت الكلام الى ماثيو الذي يجلس قبالة روز. بدت مشاعر ساشا واضحة جدا تجاه ماثيو وهي تنظر اليه , وجدت روز صعوبة في التصديق ان بإستطاعة ماثيو ان يبقى غي مبال لإفتتانها الخجل به, بدت الفتاة الأصغر سناً رائعة الجمال بفستان أظهر كتفيها الناعمتين ذات البشرة الذهبية الباعتة, في اللحظة التي وقعت فيها عينا روز على الشقراء اليافعة, شعرت أن ملابسها هي نفسها تبدو رثة وثقيلة.
بعد ان تم تقديم طبق السمك, تبدل إحساس روز الأولي بعدم الإرتياح الى احساس بالإهمال القلق. تساءلت اذا كان احدهم سيلاحظ حقاً مغادرتها اذا فعلت, حين قاطع صوت اندريوس حديث الطاولة الغداء الهادىء
((إذاً قال لي ابني إنكما التقيتما في موناكو.))
رفعت روز عينيها عن طعامها , ووضعت الشوكة على صحنها , إنتقلت عيناها من اندريوس الى ماثيو الذي كان جالساص الى جانبها.
سمعت ساشا تقول متحمسة فرحة.
((آه, احب موناكو.))
ثم تابعت
((هي المكان المفضل لي في العالم كله تقريباً))
قالت روز بصوت واضح سمعه كل من على الطاولة
((لم اذهب الى هناك قط.))
لم يظهر على ماثيو الرعب او حتى اي اهتمام بسيط لانها لا تقوم بدورها كما يجب , ورأت في عينيه بريقاً يظهر عدم إكتراثه قبل ان يحني رأسه مركزاً انتباهه مجدداً الى صحنه.
نقل أندريوس إنتباهه الى إبنه, وسأله مستجوباً
((هي تقول.....))
ارتفع رأس ماثيو المغطى بالشعر الداكن , وانعكس التحذير في عينيه على صوته العميق , حين أجاب
((إسمها روز....... وهي جالسة بالقرب منك.))
تحركت عيناه بإتجاه روز وقال لها
((آمل يا صغيرتي ان تسامحي أبي فهو لا يقصد إهانتك, لكنه يدير الأمور كيفما اتفق.))
فتح أندريوس فمه ليوجه تحذيراً قاسياً , لكن روز تمكنت من ان تسبقه, مذكرة نفسها بأن ماثيو يلعب الدور المطلوب منه فحسب في دفاعه عنها
(( من الواضح انها الجينات نفسها.))
وكأن روز تحتاج الى من ينقذها, انها تستطيع الدفاع عن نفسها , إلا ان ثمة إستثناء وهو حين كانت على وشك ان تسقط في وسط البحيرة الجليدية , في الواقع تمر لحظات تنسى روز فيها انها تدين له بحياتها.
((لنزل الأمر علي كصدمة صاعقة لو أتضح ان تصرفات ابيك منزهة عن الخطأ.))
هذا الإستهزاء رسم على وجه ماثيو إبتسامة كبيرة ملتوية جذابة, أما ابو فبدا ابعد ما يكون عن استيعاب تعليقها, وحين فهمه انخفض فكه بقوة, لم يسبق لأندريوس ان صادف ضيوفاً يصفونه بالفظ.
(( التساء الشابات.....))
قاطعه ماثيو
((روز....))
((روز , تبدين شابة صريحة, هذا بلا شك ما انجذب اليه ابني , لكنني لا احب...))
قاطع تشدق ماثيو الواهن توبيخ ابيه
(( لا, أنا سطحي التفكير, وقدرتها على التعبير عما يدور في ذهنها هي خارج القائمة.))
توسعت إبتسامة ماثيو فيما انزلقت عيناه بنظرات معبرة الى جسدها, توهج وجه روز خجلاً , سقطت الشوكة من يدها على الارض محدثة قرقعة, وقال
((لا أظن ان أباك مهتم))
((يا لك من بريئة ! بالطبع هو مهتم, روز, سأكون متغاجئاً الى اقصى حد اذا لم يشكل مجموعة تضم محققين خاصين يعملون على مدار الساعة بحثاً عن ادق التفاصيل بشأنك. ستجدينه غداً على علم بمقياس حذائك ولونك المفضل, يمكنني ان اوفر عليك العناء أندريوس , ما من شيء ستقوله لي عن روز سيصدمني.))
ظنت روز انه يمزح إلى حين رأت تعبير الرجل اليوناناي الاكبر سناً , أختفى اللون عن وجهها بسبب تلك الفكرة.
قال أندريوس من دون ان ينكر ما اتهمه به ابنه
((إذاً لم تلتقيا في موناكو؟ أفترض إنكما لستما متزوجين.))
ركزت روز نظرتها على الرجل الأكبر سناً وقالت من بين أسنانها المطبقة
((لا يمكنك إفتراض اي شيء , فنحن لسنا حتى .......))
((ليس حتى ماذا؟))
علق ماثيو بسرعة
((حبيبين))
إن الإرتياح الصريح في صوت ماثيو الخفيض الناعم الدافىء, والذي أوحى بوجود علاقة حميمة ينهما جعل اللون يتسارع الى وجه روز, هذا الأمر خفف من حدة التوتر على الطاولة إذ بدأ الحاضرون يأكلون مجدداً.
أما ماثيو فلم يتأنف الأكل, بل وضع شوكته , ونظر الى روز مباشرة , أخذ قلبها يدق بقوة وهي تقرأ الرسالة التي تلتمع في عينيه الرماديتين , إنها مزيج من التحدي وشيء اخر صعب عليها فهمه.
بعد ان رمقته بنظرة إشمئزاز اخيرة الى وكزت نظرها على صحنها, لم تستطع روز ان تمييز ما الذي تناولته من طعام خلال الوجبة التي بدت لها دون نهاية.
بعد الإنتهاء من تناول الطعام لمس ماثيو كنف روز وترك يده هناك, كأنه بهذه الحركة يعلن انها ملكه, لم تشك روز قط انه يفعل ذلك لكي تراه النساء الأخريات , قال لها
((أمضينا وقتاً طويلاً.))
هزت روز رأسها إيجاباً , وتساءلت ان كت=ان هناك من وسيلة تجعله يرفع يده عنها من دون ان توضح له ان لسمته تسبب الإضطراب لجهازها العصبي.
أعلن كانه حبيب ملهوف
((سننام باكراً.))
أطبقت روز أسنانها , وهي تحاول جاهدة ألا تفكر بما حصل في وقت مبكر من هذه الليلة بينها وبين ماثيو , استجابت روز لضغط اليد تحت مرفقها, ووقفت على قدميها.
في تلك اللحظة انسابت صورة الى مخيلتها و..... لم تعد روز متأكدة ..... هل صدر الأنين من ذهنها ام من فمها فعلاً؟ الطريقة التي نظر الجميع اليهما اجابت على تساؤلها.
أصبحت نبرة صوت ماثيو العميقة الناعمة أكثر خشونة جراء قلقه. فيما تمعن في وجه روز وسألها
(( هل انت بخير؟))
هزت روز كتفيها مبعدة يده عنها , وقالت له
(( هل خطر ببالك انني قد لا ارغب بالنوم باكرا؟ أنا قادرة تماما على ان اقرر الساعة التي اريد ان اخلد فيها الى النوم.))
اعترف ماثيو
(( أتريدين الحقيقة؟ لا, لم تخطر الفكرة ببالي.))
ثم أضاف
((لكن لا تقلقي , فأنا أتقبل الرفض.**
عضت لسانها لتمنع نفسها من التفكير بإستثناء عن القاعدة, بالرغم من هذا , فكرت انها زوجة ماثيو , وهاهي الآن تبدو إمرأة مشاكسة كثيرة الإعتراض.
شرح ماثيو للنساء اللواتي كن يجاهدن ليلتقطن كل مقطع من هذا الحديث السريع كالبرق,
((روز.... تحاول إصلاحي.))
كررت ساشا, وخصل شعرها المجعدة المموج بجاذبية وهي تدير رأسها بسرعة منقلة نظرها بينهما
((تحاول إصلاحك؟))
استطاعت روز ان ترى حيرة الفتاة , وكأن المسكينة لم تستوعب ما يدعو الى هذا الإصلاح في رجل يبدو مثاليا.
شرح ماثيو لها
((طموحها هو ان تحولني الى رجل عصري))
احمر خدا ساشا , وأخفضت بصرها حين وجه ماثيو ابتسامته الساخرة اليها. اما امها فلم تتمكن من لجم لسانها , كررت هيلينا كونستانتين, رافعة حاجبيها المخططين بفن فيما ابتسمت ساخرة
((رجل عصري؟))
وأضافت
((بغض النظر عما يقال...... النساء يفضلن الرجال الأقوياء لا الضعفاء.))
من خلال نظراتها المليئة بالإعجاب, لم يكن من الصعب معرفة الشخص الذي عنته.
قلبت روز عينيها وعلقت
((بربك! كأنه يحتاج الى تشجيع.))
أطبقت المرأة المسنة شفتيها القرمزيتي اللون كرد فعل على عبارة روز, ثم نظرت الى ماثيو وبدد على وجهها خيبة الآلم حين رأت انه لا يشعر بالسخط بل بالتسلية . قالت بصراحة,
((على الرجل ان يقود , وعلى المرأة ان تتبعه.))
علقت روز وقد أعجبها ان تجد نفسها وللمرة الاولى تأخذ دور الأنثى القوية
((ليس ه المرأة, لست من النوع الذي يتبع.))
قال ماثيو , وهو ينظر مباشرة نحوها بتعبير لا يناسب إلا غرفة النوم,
((لحسن الحظ , أنني أفضل النساء الرائعات الجمال على الذكيات منهن.))
أجبرت روز نفسها على ألا تبعد نظرها عن ماثيو بالرغم من ان معدتها كانت تهتاج بمزيج متقلب من الإثارة والخوف, وقالت
((بالنسبة الى تحويلك الى رجل عصري,.....فأنا واقعية جداً.))
وكإمرأة واقعية عرفت انه يمثل دوراً, فهو لا يرغب حقاً بأن بغازلها أو يقيم معها علاقة حميمة , آه, نعم روز , إحتفظي بهذه الفكرة في رأسك سنساعدك حقاً كي تظلي هادئة ومسيطرة على نفسك.
((ماذا لو......؟))
البريق الذي ظهر في عينيه أخبرها انه على وشط ان يقول شيئاً , يجعلها ترغب بأن تلتف على نفسها وتموت من شدة الخل.
لسوء الحظ, أتتضح ان قراءتها لذل البريق صحيحة.
((بإمكانها إبقاء باب غرفة النوم مقفلاً وسأترك لها الحرية في مراقبته.))
تمنت روز فكرة ان تفتح امام قدميها حفرة عميقة داكنة لتختفي فيها, فهي لم تشعر قط بالخجل في حياتها كلها كما شعرت في تلك اللحظة. رمقت ماثيو بنظرة إفتتان , إستجاب لها ماثيو بإبتسامة لطيفة دافئة, بعدئذٍ أخفضت بصرها , وتثائبت بصموت ملفت قبل ان تقر بأنها متعبة فعلاً. لم تنظر روز الى عيني أحد وهي تتمنى للضيوف على نحو مستعجل ليلة سعيدة, وما لبثت ان توجهت الى الباب الأقرب.


9. خيار مثالي
***********

مشت روز مئتي ياردة قبل يلحق بها ماثيو , قال بنبرة ملؤها الرضا,
((حسناً! أظن ان الآمور سارت بشكل جيد , لا تظنين هذا؟))
توقفت روز تماماً واستدارت لتواجهه.
((لا أظن أها سارت بشكل جيد , أظنها كانت كابوساً حقيقياً. وذلك انت.))
إنخفضت رموش ماثيو لتخفي عينيه جزئياً . لكن ليس قبل ان تلتقط روز اللهو الخبيث الذي يتراقص في أعماقهما, وسألها
((هل قلت شيئاً أغضبك؟))
ذلك التصرف البريىء جعل روز تصر اسنانها , سألته
((ما الذي جعلك تظن هذا الآن؟))
ساد صمت مروع قبل ان تنفجر ضحكة ماثيو الدافئة, يقول معترفاً
((أقر بأنني اعاني من رؤيتك الشريكة الاقوى في العلاقة السادية الماموشية.))
اتسعت إبتسامته الساخرة حين رفعت روز يديها الى خديها الملتهبتين . شعرت بضيق قوي في نفسها, وردت عليه
((اخرس))
نصحها ماثيو
((إهدائي, أتخيل انهم يفكرون ببساطة اانا نتمتع بعلاقة حميمة سطحية.))
سألته روز
((هل تظن ان هذا يشعرني بالتحسن؟))
ثم تابعت مؤنية
((ربما تحب انت مناقشة شؤون حياتك الخاصة مع أي كان , لكنني أفضل ان تبقى حياتي بمنأى عن الاخرين.))
((لا استطيع ان اكون بعيداً عن حياتك الخاصة , من هو حبيبك ,روز؟))
زاد احمرار البقعتين البراقتين على خدي روز لتصبحا بلون القرنفل الاحمر.
وأعترفت من دون تفكير
((لا حبيب لدي , لم يكن لدي قط.......))
أصغت روز الى ماثيو وهو يضحك بنعومة على الفكرة, فيما أطبقت أسنانها على بعضها بقوة , وقالت له
((أصبحت تعرف الآن سري الصغير.))
((لا تقلقي! لم أخذ كلامك على محمل الجد.))
((لكنني اتكلم بجدية.........بجدية تامة.))
واجهت روز صعوبة في الحفاظ على رباطة جأشها في وجه نظرته الثابتة , لكنها بالكاد استطاعت ذلك, وقالت له
((اسمع ماثيو, انت لا تدفع لي الكثير.))
التوت شفته العليا وأجابها
((كم تريدين؟ ربما انا مستعد للدفع.))
انتفض شيء ما في داخلها, وجاء رد فعلها انعكاساص لا ارادياً بحتاً, بحيث رفعت يدها لتصفعه على خده, إلا انها لم تتوقع قط ان يتحرك ماثيو بسرعة ليمسك بيدها ويلصقها بجانب وجهه.
آه, يا إلهي, انا اسفة.))
انهمرت الدموع بغزارة من عينيها فيما رأته يفرك يدها على بقعة من خده, ما لبثت ان اضافت
((لا , انا لست آسفة, فأنت تستحق ذلك.))
أنزل ماثيو يدها وقال
((نعم, أستحق ذلك , إنه خطأ لا يغفر , وانا آسف.))
أضمحل الغضب على وجه روز, وسألته
((أحقاً؟))
هز ماثيو رأسه , وأجاب
((ما سأقوله ليس عذرا , لكنني ساخط الى أقصى الحدود.))
وضع يدا على الحائط بجانب رأس روز واتكأ عليها, وعيناه الجذابتان تنجرفان ببطء على وجهها.
انقبض صدر روز, حتى انها بالكاد استطاعت ان تأخذ انفاسها,فيما تصارعت بداخلها غريزتان متضاربتان, راحت المنطقة العاقلة في رأسها تحثها على التراجع, والمنطقة الآخرى تحثها على الإنحناء نحوه, على اي حال , لم تستطع التراجع لانه ما من مكان اخر تذهب اليه . كان ظهرها ملاصقا تماما للحائط.
تأوهت روز وهي تدير راسها بعيدا عن الأصبع الذي مرره على خدها الناعم
((ماثيو .......انت......... هذا......))
ابتلعت ريقها وعقدت نظرات عينيها ضبابية, كان ماثيو على وشك ان يعانقها عندما ارتفعت الاصوات المختلفة في ضحكات قادمة من الرواق.
ما الذي دهاها؟ أطلقت صرخة قصيرة حادة بسبب رعبه, وتملصت من ذراع ماثيو الضاغطة , وأخذت تمشي بسرعة , راجية من الله الا ترتخي ركبتاها وتسقط ارضاً.
راقبها ماثيو وصدره يرتفع وينخفض في انسجام مع وتيرة تنفسه السريعة, يستطيع تخيل بعض النساء وهن يتمايلن بتكلف في محاولاتهن لتلفت انظار الرجال لكن روز ليست كذلك, لم يكن هناك اي اثر للتكلف او للمكر في مشيتها.
إنه امر لا يصدق, إلا ان روز تجهل تماما انها تجسد المثال الأنثوي الأكثر روعة بالنسبة للجنس الآخر, ذلك النوع من النساء الذي يتمن الرجل ان يستفيقوا بقربه في الصباح.
لكن روز بدت كتلة من التناقضات, وجدها في تلك الليلة مرتمية على سريره, والآن يحمر خداها خجلاً كمراهقة غير خبيرة إذا ما تحول الحديث بينهما الى نقطة حميمة جداً.
أظهرت روز له وجهاً بارداً , وأدعت انها لا تهتم به,لكن ماثيو عرف انها تكذب, عرف انها تشعر بجيشان التوتر الحسي بينهما بنفس القوة التي يشعر هو بها, رأى عينيها تتمددان فتصبحان بركتين سودلويين , وشعر بجسدها يرتجف حين التقت اصابعهما بالصدفة , كذلك شعر بالحرارة تحت مظهرها البارد ذاك.
لا شك ان حبيبها السابق أحمق, فجراء إهانته فقدت روز ثقتها بنفسها, وحاولت ان تستعيدها من خلال إقامة علاقة عرضية مع غريب محض......معه. هل كان رفضه لها تلك الليلة الدافع الذي جعلها تتراجع؟
ناداها ماثيو بصوت مرتفع قائلاً لها
((ألم تقرأي تفاصيل العقد روز؟ لا وقت للراحة, ولا حتى للتصرفات الحسنة, لنواجه الآمر..... انتِ لم تتصرفي بطريقة جيدة هناك.))
التفتت الى الخلف, وأتسعت عيناها حين رأته واقفاً بجانبها تقريباً , قالت له
((لم يُذكر قط انني سوف أقيم علاقة حميمة معك, وليس هناك اية إشارة الى ذلك, أو حتى تفصيل بهذا الشأن , انت تختلق القوانين بحسب أهوائك.))
تاقت لأن تمسح تلك الإبتسامة الساخرة عن وجه ماثيو
((أتعلم ما أفكر فيه؟))
((أرتعد من التوقع.))
كانت ترتعد هي ايضاً , هذا ما أدركته روز , وهي تلاحظ بعبوس خائف هذا التطور الجديد.
((أعتقد أن الآمور تجري حسب خطتك, انت لا تريد ان يوافق ابوك على عروسك.))
((نظرية مثيرة, لِمَ اريد ان يرفض ابي زوجتي؟))
((لأنك تستمع بلذة سادية حين تقوم بعكس ما يريدك ان تفعله.))
لم يكن لروز ادنى فكرة عما كانت ستقوله, لكنها عرفت من خلال حدسها ان ما تقوله كان صحيحاً.
((إن أبي......))
((آه, هو سيء بقدرك تماماً, أستطيع رؤية هذا , وانا حقاً لست مهتمة بمعرفة تفاصيل علاقتكما.))
سماع ماثيو الحديث عن علاقته بأبيه جعله يصمت في ذهول.
قضمت روز شفتها المرتجفة , وتنحنحت , ثم أضافت بصوت جاف
((أخترتني لانك عرفت انني لا اناسبك.))
آه, لماذا ألمتها هذه الحقيقة كثيراً؟
هز ماثيو رأسه يميناً وشمالاً , ومد يده نحوها, تراجعت روز وقد بدت عيناها واسعتين وحذرتين, بدت نظراته جامدة كالصوان وهو يقول رافضاً ان يعتبر الآمر جدياص
((انا لم أخترك, كان هذا إتفاقاً ذا فائدة لكلينا, بالرغم من انني اعترف انه لم يبد مناسباً بقدر كبير حتى الآن, تكمن السخرية في انني اكتشفت انكِ الخيار المثالي.))
((أتعرف ؟ لا شيء في الاتفاق الرسمي موضوع لمصلحة الطرفين معا, إذا اخترت ان ارحل, لا يمكنك فعل شيء لإيقافي......))
((انت تستخفين بدهائي.....))
رفعت روز ذقنها وقالت
(( لكن ليس بفظاظتك وخشونة كلامك.))
التقى حاجبا ماثيو بخط داكن, وقال
((هذا ما يقوله معظم الناس عن ابي))
((لم يسبق لأشخاص قبلي ان يجبروا على تمضية القدر نفسه من الوقت برفقتك كما افعل انا.))
ادعى ماثيو انه لم يسمع مقاطعتها , والقى على وجهها نظرة فضول وسألها
((أبي....... انت لست خائفة منه, أليس كذلك؟))
ومضت في راس روز صورة رجل الأعمال اليوناني الضخم الكتفين , وأجابته
((لِم عل ان اكون خائفة؟))
أما إبنه فهذا شيء اخر.
ادارت رأسها بقوة , وأرتجفت قليلا فيما التقت عيناها بنظرته الجانبية
((هو غني وقوي.))
((ليس لديه ما اريده او احتاج اليه, لم علي ان اخاف منه؟ أما انت, من جهة اخرى.....))
((هل تظنين أنني خائف من ابي؟))
((أفترض انك تعتقد ان الخوف علامة ضعف.))
((لا , اعتقد ان الخوف يدل على التفكير السليم.))
((آه, هلا تتوقف عن الظهور وكأنك تسيطر على أحاسيسك جعلت همك محصوراً بعلبة معدنية مجنونة , فيما يدفع الناس المال لشراء البطاقات ويقفون صفوفاً بإنتظار ان تشق طريقك إليهم,إن من يختار ان يرتزق بهذه الطريقة.......))
ضربت روز جهة من رأسها برفق وأكملت
((إنه مس من الجنون))
((كنت بارعاً في القيام بذلك.))
رفعت روز عينيها في دهئة ساخرة, وقالت
(( أتعني ان ثمة أشياء لم تكن بارعاً فيها؟ ظننت انك لامع في كل شيء , ما عدا......))
أضافت روز بإبتسامة ملتوية بشفتيها
((......التعامل بلطف مع أبيك.))
((انا..... اتظنين انه خطأي؟))
ظهر على وجه ماثيو الحنق وأطبق فكيه
((حسناً ربما يقع الخطأ عليكما أنتما الأثنين , اليس كذلك؟ لا تستطيع ان تنكر انك لا تبذل مجهوداً لتكون لطيفاً . حين تتواجدان معاً.يعم جو من الغضب.))
((هو يظن ان الإبن الذي مات هو من كان يجب ان يبقى حياً, والعكس صحيح.))
ماثيو؟! الرجل الأكثر حيوية بين الرجال الذين التقتهم في حياتهم....يموت؟ هزت روز رأسها في إعتراض صامت عنيف على الفكرة, ثم رأت الأرض تتحرك نحوها.
تنهدت إرتياحاً حين استقر العالم من حولها لكنها لم ترخ قبضتها عن العمود المزخرف الذي تثبتت به.
بالطبع ندم ماثيو على ما قاله فور خروج الكلمات من شفتيه, إذ بدا كأنه يفتش عن التعاطف او الشفقة وهذا ابعد ما يكون عن رغبته, ندم على ما قاله اكثر حين رأى عيني وز ذات اللون الكهرمائي ممتلئتين بالشفقة.
شعرت روز برغبة في ان تلف ذراعيها حوله وتجذبه نحوها, لكنها عرفت انه لا يقدّر هذه الحركة تماماً , فهذا يعني الإعتراف بأنه شخص مظلوم تماماً.
تساءلت عن السبب الذي جعل بعض الرجال, يواجهون صعوبة في الإفصاح عن مشاعرهم, قالت
((انا متأكدة من انه لا يعتقد هذا.))
توقفت برهة وعيناها تجولان على وجه ماثيو الداكن. ثم أكملت
((قال لك ذلك بالفعل , أليس كذلك؟))
تحول تعبيرها المهدئ الى نقمة غضب, كيف يمكن لأي رجل أن يقول شيئاً كهذا لإبنه؟ تمنت لو إنها تستطيع ان توضح فكرتها للرجل الكبير الأناني.
((كان اليكس عكسي تماماً.))
قصد ماثيو بهذا ان يجد سبباً او عذر لتصرف أبيه.
سألت وز غاضبة
((لِمَ تركتما ذكرى اخيك لتشعركما بالنوفور من بعضكما؟هي الشيء الوحيد الذي يجمعكما معاً.))
وأضافت
((أنتما الاثنين أحببتماه))أكثر.
((إسمعي ! لم أجلبك إلى هنا لتصالحيني مع أندريوس , لا أدفع لكِ لتكتبي في عامود الإعلانات الشخصية في الصحيفة.
رأى ماثيو إجفال روز, لكنه قسى قلبه إزاء الألم الظاهر في عينيها الذهبتين . تصلبت روز في مكانها.وقالت
((لا تقلق , لن أنسى مكاني مجدداً.))
((مكانك ليس في عقلي.))
ثبت ماثيو يداً على رأسه وتأوه ساخطاً قائلاً
((آه, بحق السماء , لا تنظري ألي هكذا. ))
((أين هو مكاني ماثيو, ؟اود ان اعرف فحسب))
جالت عيناه اللاهبتان على وجهها وأجابها وهو يستدير ليغادر بخطوات واسعة
((اللعنة , في سريري))
************

عرفت روز ان ماثيو في الغرفة حتى قبل ان تتسع فتحتي انفها إستجابة لرائحة جسده العطرة.
((كنتِ تبكين.))
الألم الواضح والعينان المتوهجتان باللون الأحمر وأثار الدموع على خديها جعلت شبئاً ما داخل ماثيو يضطرب. ردّت روز , فيما بقيت نظراتها متجهة إلى الأمواج المتهامسة على الشاطئ المضاء بنور القمر
((انا أبكي دائماً حين أغضب.))
خلف عظام الجهة اليسرى من صدرها راح قلبها ينبض كالعصفور المحجوز.
((هل بكيتِ لأنكِ اعتقدتني لن أرجع؟))
اتى صوته الدافئ كالعسل من ورائها تماماً, شعرت بالشلل بسبب الضعف الغدار الذي انتشر فيجسدها باكمله, إلا انها استطاعت ان تهز كتفيها , وتسأله ببرود
((هل نسيت شيئاً؟))
وفيما أدارت روز رأسها وهز ماثيو رأسه إيجاباً. أرادت ان ترفع نظرها عنه لكنها لم تستطع ان تتوقف عن التحديق به , بدا شعره الداكن اللامع مبعثراً بطريقة مثيرة بالرغم من انه مرر أصابعه لتوه فيه, لكن عينيه هنا اللتين جعلتا معدتها تذوب , فقد بدتا متوهجتين كالفضة الذاتية.

تنحنحت روز إلا ان الكلمات ظلت عالقة في حنجرتها.
هبت نسمات ريح نفشت شعره وجعلت روز ترتعش.
أدارت ظهرها بإتجاه ماثيو وأغمضت عينيها وقالت
((إذاً , خذ ما شئت وارحل.))
((هذا هو هدفي.))
شعرت روز بدفء انفاسه على عنقها , سرت رجفة مخدرة على إمتداد عامودها الفقري.
((ما الذي تنتظره؟))
فتحت عينيها فجأة حين أمسكها ماثيو بعد لحظة من كتفيها وأدارها كي تواجهه, بدت خطوط وجهه مشدودة بالغضب والسخط.
((أنتظر ان تتوقفي عن الإدعاء بأن ما يحدث ليس موجوداً))
نظر ماثيو إليها فيما أرسلت الأشواق الملتهبة في عينيه الرائعتين موجة عنيفة من المشاعر التي تذيب العظام في جسدها.
((لا شيء يحدث ,إلا إنني ألتقط البرد وانا واقفة في هذا التيار الهوائي.))
رفع ماثيو يده ورسم خطاً حول محيط رأسها من دون ان يلمسه , بالرغم من ان اطراف أعصابها إستجابت وكأنه قد فعل , لم يكن في صوته عادة اي نبرة قوية , إلان انه حين تكلم في تلك اللحظة بدا صوته مضخماً.
((يبدو شعرك براقاً في هذا الضوء.))
إبتلعت روز ريقها وهزت رأسها إذا إستمر على هذه الوتيرة , فسوف يصصلان الى نقطة اللارجوع من دون ان تسنح لها الفرصة كي تشرح ان ليس هذا ما تريده...... بل هو ما تريده لكنه غير مناسب.
((وبشرتك تبدو كضوء القمر, ناعمة جداً..... رقيقة جداً.))
هذا الصوت الخفيض الخشن الصادر من حنجرته تغلغل في داخلها ببطء, وبالرغم من مكافحتها , لم تستطع ان تحرر نظرها من عينيه العميقتين المشعتين اللاهيتين وهما تلتهمانها, تذبذبت رعشة داخل جسدها فيما مست أطراف أصابعه جانب خدها مساً رقيقاً.
أغمضت روز عينيها وهزت رأسها يميناً ويساراً وهي تحاول بشدة ان تتمسك بمظهر يوحي بالسيطرة على نفسها وسلامة عقلها, لكن عبثاً....
((لا اعرف لما تحاولين ان تحاربي هذا, نحن لا نستطيع السيطرة على أحاسيسنا , إنه شيء مطبوع في حمضننا النووي.))
((هل توهم الكثير من النساء بأن الآمر مجرد تفاعل كيمائي ماثيو؟ ))
اتسمت خطوط وجه ماثيو الواضح المعالم بالغضب, وقال لها
((انا اقول إن ما نشعر به هو اساسي مثل لون عيوننا ,قد لا تحبينه لكن عليكِ ان تعيشي معه.))
ردت روز
((لا بد انه تفسير ملائم لك, لكنني لست مجبرة على العيش معك , وليس علي بالتأكيد أن أقيم معك علاقة حميمة.))
توهجت عينا ماثيو فيما انحنى بالقرب منها ليهمس في أذنها
((سوف يكون ذلك رائعاً))
أمسكت روز حافة قبة فستانها فيما غزت الحرارة بشرتها , وبقلب ينبض بالتوتر , ابتلعت ريقها وهزت رأسها يميناً ويساراً.
أطلق ماثيو صوتاً اشبه بالدمدمة من صدره فيما هو يمسك ربطة عنقه غير المحكمة الربط ويرميها على الارض , وقال لها
(( هل تحاولين ان تقولي انكِ لا تريدينني ان تشاركيني السرير؟))
حاجته الملحة ليشعر بها بالقرب منه, ليغمرها بذراعيه ويدفن وجهه في أنحاء عنقها ,جعلته نافذ الصبر , إن لم تتجاوب روز معه فمن الممكن ان يخسر ما بقي له من رجاحة عقله.
قتلت كلماته الإنكار على شفتي روز في اللحظة التي برز فيها التحدي القوي في كلماته, ابتلعت ريقها وقومت كتفيها.
((إن مجرد رغبتك في شيء ما لا يعني انه فكرة جيدة.))
((لكنك تتوقعين إلي كما أتوق إليك تماما. إذا كنت لا تريدينني اقفلي الباب فحسب.))
سحب مفتاحا من مكان ما وقدمه اليها.
التقطت روز شفتها السفلى بين أسنانها فيما راحت تنظر إليه, وبعد لحظة إنطرح المفتاح أرضا.
((بالكاد تستطيعين الوقوف . انت ترتجفين بكل ما للكلمة من معنى, ولم ألمسك بعد.))
ابتلع ماثيو ريقه وهو يضيف
(( ألديك اي فكرة ماذا يفعل بي هذا الإحساس؟ ان اعرف انك ضعيفة تجاهي؟))
((انا كذلك.))
حدقت روز في عيني ماثيو وهي ترى انعكاس صورتها بالإضافة الى المزيج الملتهب للعواطف التي تظهر فيهما, راح قلبها ينبض بإهتياج شديد, وبالكاد إستطاعت ان تتنفس فيما رفعت يدا لتلمس البقعة الحمراء على خده الجذاب حيث انتفض عصب, أدار ماثيو راسه والتقط يدها , ثم جذبها الى شفتيه.
خرجت من شفتي روز تنهيدة قوية مفاجئة ومقطوعة,
((هل انت بخير؟))
قالت روز وهي تطمر راسها بين زاوية ذقنه وكتفه,
((أشعر بالذهول.))
((حسنا, يا روز المذهولة , اظن انه علينا ان نأخذ هذا النقاش الى غرفة النوم.))
وضع يده الأخرى حول خصرها وسحبها الى مستوى اعلى والى درجة اقرب منه.
لم تشعر روز قط من قبل بمثل هذا الإندفاع وتلك المشاعر تجاه اي رجل من قبل , لكن شعورها تجاه ماثيو ديمتريوس , ومنذ اللحظة الأولى التي وقعت عيناها عليه بدا مختلفا.
أدركت بإحساس من الراحة انها تخطت حدود الخوف والتفحص المعقد لأحاسيسها ومحاولة فهمها. حتى لو كان هذا اسوأ قرار تتخذه في حياتها, فإنها ستتخذه حتى ولو بقيت طوال حياتها نادمة عليه. إنها تتوق الى ماثيو كثيرا, وبدا ذلك اهم من التنفس , بل إنه يمثل بقائها على قيد الحياة.
لأول مرة في حياتها , فهمت روز المعنى الحقيقي للشغف الذي تملكها كلياً, لقد التقت حب حياتها , وحتى لو لم تستطع ان تمضي بقية أيامها معه , فإنها مصممة على الإشتمتاع بكل لحظة تمر بها.
((أنتِ تعرفين كم أريدك!))
همست روز بصوت أجش كان على ماثيو ان يجاهج ليسمعه
((قل لي.))
((لطالما تخيلتك مرتمية على سريري وشعرك مبعثر على الملاءة الحريرية........ منذ اليوم الذي التقيتكِ فيه.))
آه! هل يتخيلها واحدة من العاشقات الخبيرات؟بدأت الأحاسيس المتزعزعة تجتاحها, عليها انم تقول له حقاً منذ البداية إنها ليست خبيرة....إنها المرة الآولى......
((ما الخطب؟))
((انت تقول هذا الآن لكن.....))
((أخرسي.))
قربها منه وعانقها فلم يكن لديها خيار اخر. على اي حال بعد مضي ثانيتين فقط , نسيت روز ما كانت تريد ان تقوله , وبعد ثانية اخرى نسيت اسمها نفسه.
حلها ماثيو عبر الغرفة الى سريره وعيناه مثبتتان عليها.
جلست روز وذراعيها ممدودتان نحوه, فلم يستطع ماثيو مقاومة الدعوة التي ظهرت في عينيها الذهبيتين الرائعتين لحظة اخرى, فأنحنى وجلس بقربها على السرير.
فكرة واحدة سيطرت على ذهنها:أحبك.....آه , يا إلهي! أحبك...
تراجعت قليلاً ونظرت اليه , فإبتسم إبتسامة بطيئة أشعرتها كأنقبضة تشتد في أعماق أحشائها....
((أنتِ جميلة يا حبيبتي....))
إجتاحت جسدها حرارة ملتهبة , وهمست تسأله , وهي تجبر الكلمات على الخروج من حنجرتها المفعمة بالعاطفة المؤلمة,
((أبهذه الطريقة بدوت في تخيلاتك؟))
إبتسم ماثيو إبتسامة عنيفة أثارتها في أعماقها, وقال
((أنتِ تخيلاتي الجامحة, يا صغيرتي.))
بقي تأوه حاد عالقاً في حنجرة روز فيما تحركت يده لتعبث بخصلات شعرها , فكرت روز , لا شيء يمكن ان يكون أفضل من هذا وكانت مخطئة....
أخذ رأسها يدور ممتلئاً بخدر ممتع لم تشعر به من قبل, حين حملها ماثيو الى عالم من الإنسجام والإتحاد لم تزره يوماً حتى في أحلامها.


10. عذراء
********

فيما كان ماثيو وروز ممددين على السرير, إبتسمت ومررت يداً على ظهر ماثيو.
((انا الرجل الأول الذي عاشرته.))
شرحت روز بأولى علامات الإنزعاج ترشح الى نعيمها, فتحت عينيها لتنظر اليه من خلال حجاب رموشها.
رفعت يداً الى خدها وتذوقت طعم دموعها الملحة, لم تكن واعية الى بكائها وأجابته
((نعم,انت اول .......وهل يهم الامر))
نظر ماثيو اليها في اندهاش وكرر مصدوماً
((هل يهم الأمر؟))
وأضاف
((كنتِ عذراء))
قالت روز في محاولة للتخفيف عنه.
((أعتقد حقاً انك تعطي لهذا الامر أهمية أكثر مما يستحق.))
أجابها من بين اسنان مطبقة
((كل كلمة تقولينها...... تزيد الآمر سواءاً))
((حسناً لن أقول شيئاً))
شعرت روز برفضه كالألم الجسدي في صدرها, فعلا الشحوب وجهها, شعرت بالبرد يغزو عظامها, وأخذت ترتعش.
وجدت روز علاقتهما رائعة, ولم يرد في ذهنها أن ماثيو سوف يتذمر لآنها ما زالت عذراء , أتراه وجد انها عديمة الخبرة؟
سحب ماثيو يداً على عينيه وتأوه
((يا الهي , ما الذي فعلته؟))
أتريدنني ان اشرح لك؟ ظننت انني انا العديمة الخبرة.))
دار ماثيو رأسه والغضب يلتهب في عينيه , لم تره روز بمثل هذا الغضب من قبل , وقال لها
((لا اظن ان هذه هي اللحظة المناسبة لتمازحيني.))
علقت الضحكة الجافة في حنجرة روز
((صدقتي لست امازحك, , اذا كنت تتوقع ان اعتذر منك بسبب عدم خبرتي , فانسى الموضوع.))
قال لها بحدة
((عليكِ ان تشرحي لي بعض الاشياء))
ردت وهي تقوم جلستها
((لآ))
لفت جسمها بالغطاء جيداً وأنزلت رجليها عن حافة السرير , ما جعل ظهرها مقابلاً لماثيو تماماً.
((لم تكن المرأة التي وجدتها على سريري في موناكو عذراء))
رجع ماثيو بأفكاره الى مشهد الاغواء القديم , فيما قطب حاجبيه الداكنين في خط مستقيم وهز رأسه يميناً ويساراً مقتنعاً بالامر وقال
((بالطبع لا.))
((كيف لك ان تعرف؟ ظننت انك رميتها عن سريرك!))
أطلقت روز صرخة اعتراض طويلة وحادة حين طوقت يد ماثيو ومن دون انذار محيط خصرها, تمسكت بشدة بالغطاء ,فيما ارتمت على ظهرها على حضن ماثيو ,ونظرات عينيها موجهة الى وجهه الجذاب.
((الرجل يعف هذه الاشياء.))
ذكرته رز
((لم تعرف هذه الاشياء عني.))
انتفض عصب في فك ماثيو وقال
((انا منتظر روز.))
قالت له بصوت اجش وصدرها يرتفع بتناغم مع الانفاس اللاهة السريعة التي تركت شفتيها للتو
((لا ادين لك بشيء , ولا بشرح ما.))
نضال روز الغضب جعل ماثيو يحدق فيها قائلا بمشاعر جياشة
((كنت عذراء.))
((هلا تتوقف عن قول هذا, وكأنني انا التي خططت لأن أكون عذراء في عمر السادسة والعشرين, أردت فحسب ان اتأكد......))
توقفت روز مدركة المعنى الضمني لكلامها, ثم لطفت الجو حين أضافت
((........أفترض انني مللت الإنتظار.))
((وكنت انا موجودا حينها. تعرفين كيف تجعلين الرجل يشعر انهمميز يا حبيبتي.))
ردت روز بنزق
((توقف عن مناداتي هكذا.))
آلمه ان ماثيو كان ليفضل المرأة الخطرة الجذابة الذي اتضح انها ليست روز, إنه يفضل ريبيكا, ما يجعله غير مختلف عن اي رجل آخر, وتابعت تقول
(( بحق السماء, يكفي انك تشعرني كأنني علاقة عابرة رخيصة, أعليك ان تزيد الأمر سوءا وتشعرني إنني إمرأة لا نفع لها في السرير؟ لو عرفت انك لا تعاشر إلا نساء يحملن شهادات عالية في إقامة علاقات حميمة, لكنت........))
((لا يتعلق الأمر بخبرتك في السرير))
نظر ماثيو اليها نظرة ملؤها الشك, النساء اللواتي اقام علاقات معهن كن انانيات مثله, عرف معهن ما يشعرن تجاهه , ما أغاظ ماثيو ان روز استطاعت ان تتصرف وكأن ما أعطته ليس مهما, أما هي فأخر شيء أرادته هو ان يشتبه ماثيو انها باتت تشعر انها محطمة كليا, أشارت من دون ان تنظر الى مكان محدد
((آه, بحق السماء, هل توقفنا عن التكلم بالموضوع, واتفقنا على انها ......كانت غلطة))
ويا لها من غلطة, التوت شفتاها الناعمتان في إبتسامة ملتوية مريرة, فيما أضافت
((لست المرأة التي أردتها, لست المرأة التي رأيتها في غرفتك في الفندق.))
((لم أرد تلك المرأة ولم أرغب بها......انت.....))
تجعد جبينه فيما حاول ان يحلل الأحجية التي قدمت إليه
وتابع
((أنتما متماثلتان.......حتى صوتكما......))
إمرأة يتوق اليها واخرى تركها ترحل وهو غير متأثر بها.توقف ماثيو تماما, وفي عينيه شرارة من الفهم المجفل, وقال
((هناك اثنتان منكما.........توأمان))
تفادت روز نظرة ماثيو الغاضبة,وأخذت تثني الغطاء بين أصابعها .
همهم ماثيو شيئا بالفرنسية بصوت خفيض, وأدارها بيد واحدة لتواجهه, مرجعا خصل الشعر التي غطتت وجهها باليد الخرى . بقيت يده هناك تحيط بوجهها , فيما أمرها وهي تميل بذقنها نحوه
((أنظري الي))
سألها
((تلك المرأة في موناكو شقيقتك........شقيقتك التوأم. أليس كذلك روز؟))
هزت روز رأسها إيجابا . ما الفائدة من نكران الأمر؟
زفر ماثيو نفسه في تنهيدة طويلة خرجت على شكل صفير
((وهي التي تم التخلي عنها في المبح.))
جالت عينا ماثيو على وجه روز , فهزت روز راسها الى الأسفل قليلا,أضاف وصوته وتصرفاته تزداد عصبية
((هي التي بدأت تتصرف بطريقة غير مقبولة))
((هي متزوجة الآن من رجل لطيف جدا.))
((وهل تعرفين هذا من تجربتك الشخصية ايضا؟))
هزت روز رأسها يمينا وةيسارا في حيرة وقالت
((انا لا افهم.))
((حسنا يبدو انكما تتشاركان في معظم الأشياء))
طافت على وجهها موجة من الغضب حين فهمت تلميحه , وقالت
((يا لتفكيرك القذر, تعرف هذا , أليس كذلك؟))
قال وهو ينظر اليها بكآبة.
((لا اعرف شيئا عنك))
وأضاف
((لست الشخص الذي ظننتك إياه))
كررت روز, وفقاعات الغضب تثور في داخلها
(( الشخص الذي ظننتني إياه؟))
من المفترض ان تبقى هذه الذكرى لحظة رائعة تتذكرها لسنوات عدة, وقد أفسد ماثيو كل شيء, سألته
((كيف أمكنك ان تكون منافقا على هذا النحو؟))
((لقد خدعتيني , ويتضح الان انها غلطتي انا؟))
صرخت روز
((كررت لك مرارا الى ان بح صوتي انني لم التق بك قط, ولا ارى اين المشكلة, هل تريد ان تعرف تاريخ الفتاة قبل ان تقيم معها علاقة حميمة؟ انت منافق كبير......قبل خمس دقائق , لم تكن مهتما بشخص على الإطلاق, لم تهتم سوى بجسدي.))
بدا من إتجاه نظرات ماثيو ان هذا الأمرلا يزال صحيحا.
((أفترض انني تعبت من إنتظار الرجل المثالي, ارأيت؟ ظننت انني اغرمت بأحدهم , لكن تبين انه متزوج , ظننت انه شريفا لكنه كان يستغلني فحسب.....))
ضحكت روز ضحكة مرتجفة فيما انزلقت نظراتها إلى أغطية السرير المبعثرة, والتي ما زالت دافئة, وتابعت
((قد تكون هذه الفكرة جننونية, لكنني ظننت انه من الجيد إقامة علاقة مع رجل لا أهتم لآمره))
((إذاً تعاملتِ مع هذه الامر كتجربة علمية؟))
هتفت روز
((حباً لله! أقر بأنني كنت فضولية لإكتشاف ما يتكلم الجميع عنه, ما أحاول قوله إنني لست حقاً في الموقع المناسب لأحكم على دوافعك.))
من الواضح ان ماثيو لم يشعر بالإقتناع مثلها
((لستِ الشخص الذي ظننتك إياه.))
((هل تسمع نفسك؟ لست الشخص الذي ظننتني إياه ......وكأنك ستعرف الفرق.))
أطلقت روز ضحكة صغيرة بصعوبة وسألته
((لا تعرف الشخص الذي كنت عليه...... لم تعرف شيئاً عني....... ماذا تستطيع ان تعرف عن الشخص الذي انا عليه الآن؟))
وأضافت ضاغطة يدها على صدرها اللاهث
((لم تقم علاقة معي لأنك أحببت ما انا عليه, أو لآنك حسبتني شخصاً اخر, أو لأنني الشخص الذي طالما فتشت عنه طوال حياتك, أقمت علاقة معي لآنني موجودة ومتوفرة , ولأنك ظننت ان دفاعي ضعيف, حسناً, يمكنك الإسترخاء الآن.))
لم يبد ان نصيحتها اعطت اي تأثير فوري مهدئ ,إذ ظهر ماثيو على وشك الإنفجار في داخله
مشكلة الحزر هي انك لا تستطيع مغادرتها بمثل تلك السهولة. سحبت روز الملاءات عن السرير والتفت بها ثم وقفت ومشت نحو المرحاض.
بعد ان أوصدت الباب من الداخل, انزلقت من الحائط الى الأرض الباردة الرخامية , وأجهشت بالبكاء حتى لم تبق في مقلتيها دمعة واحدة.
لم تعرف ما اذا كانت ستفتح الباب لو طلب منها ماثيو ذلك, لكن تصميمها لم يختبر مطلقاً , لأن ماثيو لم يطرق الباب , وحين زحفت الى الخارج في ساعات الصباح الاولى ,كان الجناح فاراً
بعد قليل غادرت الجزيرة بالمروحية من دون ان تنظر الى الوراء مطلقاً.





11. يا حلوتي , يا ملاكي
******************

((أهذه أول صورة صوتية لكِ؟))
هزت روز رأسها إيجابا@ فيما أرخت جسمها . كانت تشعر بمزيج مضطرب من الإثارة والرعب. ربما بدا عليها الرعل لأن المرأة بالرداء الأبيض شرحت بأسلوب مهدئ
((الغينا الموعد الذي يلي موعدك . يمكني إنتظار الأب ليصل إذا احببتِ؟)
ابتلعت روز ريقها فيما غمرت عينيها دموع واهنة , كافحت كي تستعيد رباطة جأشها.وقالت
(لا, لن يأتي.....هو......))
((انه هنا تماماً))
أدارت روز رأسها بتعبير مصدوم خال من العاطفة والفهم, جمدت الصدمة قدراتها الذهنية فيما حدقت بعدم التصديق الى القامة الطويلة التي تسد الباب
((اتراها جنت تماما\ً؟ هل تنتابها الوساوس؟))
اشتبكت عيناها بعينين فضيتين كالبلاتين, وتسارع اللون الى ودهها في اللح-ة التي اخ\ \هنها يعمل بسرعة,هذه ليست هلوسة ....... انه حقيقي . دار في رأس روز مئة سؤال وسؤال. إتخذت الخيار الحذر وسألت مشككة.
((ماذا تفعل هنا ماثيو؟))
ارتفع حاجبا ماثيو وأجاب
((اين يمكن لرجل ان يكون حين تخضع زوجته لأول صورة صوتية للحمل؟))
((ألست في اميركا؟))
أخذت نفساً عميقاً ليساعدها على تحمل الوضع , وهي تقنع نفسها بقدرتها على القيام بهذا. في الواقع, لم يكن بمقدورها إلا التحديق في عيني ماثيو , والخوف ينهشها من ان يختفي اذا ما طرفت عينها.
((أميركا؟ كلا , كما ترين.....انا هنا))
في تلك اللحظة دوى جهاز الإتصال الذي كسر الصمت السائد في الغرفة, فوضعت أخصائية التصوير الصوتي يدها في جيب ردائها الأ[يض , وقالت
((انا آسفة, يجب ان اجري هذه المكالمة......لن اتأخر.))
رفعت روز جسمها لتستوي في جلستها, وراقبت المرأة تذهب بعيداً.
((لا اظن ان تواجدك هنا فكرة سديدة ماثيو.
ابتسمت روز قليلاً ولمست معدتها ثم أضافت
((انا حامل , ويبدو انك تعرف هذا , كانت مفاجأة فعلا.))
ضحك ماثيو ضحكة جافة , مر يداً غير ثابته تماماً في شعره الداكن, ثم أجاب.
((لي ايضاً , روز, تعرفين انك لا تستطيعين القيام بهذا وحدك.))
امرأته تنجب مولوداً وحدها, وتستحوذ على طفله وحدها, إنتفخ صدر ماثيو فيما راح يجاهد ليسيطر على مشاعره,لا يمكن لهذا ان يحدث,ليس وفي صدره نبض واحد. إذا لم تكن روز تحبه, سيجعلها تفعل....... وإذا لزم الآمر سيتغير هو.
((يا إلهي , لا , انا لا اعرف شيئاً عن هذه الآمور, لكن الموظفين هنا رائعون جداً, وسأتعامل مع القابلة نفسها الى حين ولادتي , وأبقى على إتصال........))
كبت ماثيو همهمة غضب, لو ان روز تتصرف بعدائية , لسهل عليه التعامل مع الأمر, أما ان يتعامل مع هذا التهذيب المتكلف.........؟ رد عليها
((أظن ان علاقتنا هي التي يجب التركيز عليها , الا تظنين هذا, روز؟))
لا تزال روز غير متأكدة كلياًمن ان ماثيو هذا ليس من نسج خيالها, لكن حين انحنى الى الأمام , لم يكن شيء خيالي بالنسبة للشفتين اللتين لامستا جبينها لمساً خفيفاً قبل ان يضمها اليه معانقاً.
((ليست بيننا علاقة ماثيو.))
وقف ماثيو , ويداه تستريحان على جانبي وجهها , وقال لها
((ولكن لدينا طفل.))
ردت روز بسرعة
((حسناً! لكن الم تجدني مرة مثيرة للاشمئزازا كثيراً؟))
شع في عيني ماثيو بريق اللهو ثم إضمحل, وحلت محله حرارة متوهجة, اشتعل الشوق في عينيه وهما تجولان على وجهها, قال لها
((انتِ المرأة الأكثر جاذبية التي عرفتها في حياتي.روز))
اشاحت ببصرها بعيداً عن الدفء المتدفق من عيني ماثيو, ثم أذعنت بإرتجاف
((لو انك وجدتني مثيرة للاشمئزاز , افترض اننا لما كنا هنا الان.))
وأضافت على عجل
((حسناً لم تجبرني على اي شيء , أليس كذلك ؟ ونحن لم نقصد......))
علق ماثيو بهدوء
((لكن هذه الأمور تحصل.))
ثم تابع بنبرة مطمئنة
((لست غاضبا بسبب حملك ,روز, اذا كان هذا ما تعتقدينه.))
اتهمته بصوت مرتجف
((كلا, انت مستسلم للامر الواقع))
مستسلم بما يكفي ليطلب منها ان تبقى زوجته طوال العمر, فهل تراها توافقه في تفكيره هذا؟
((اعرف روز انك لم تقومي بعلاقة مع رجل اخر غيري , ليس من طبيعتك ان تقبلي بعلاقة عابرة. العلاقة العاطفية ليست فعلا ميكانيكيا بالنسبة لك, كما انك لا تريدين رجلا اخر....... تريدينني انا فحسب.))
هذا العرض من الغطرسة الرجولية اخرج ضحكة جافة من حنجرة روز المتألمة , وسألته
((هل تعلم كيف يبدو هذا؟))
((يبدو حقيقيا.))
رفعت روز نظرها الى ماثيو
((انت تظن انك أفسدتني وسأبقى طوال حياتي اقارن كل الرجال بك.))
حسنا لم يفكر بهذا مسبقا, لكنه يفكر به الآن من دون شك, عمل رائع, روز.
((ليس عليك فعل هذا , سأكون هنا دائما.))
مرر ماثيو إصبعا من اعلى خد روز الى اشفله , فأنتفضت بقوة شاعرة بوخز في بشرتها وبألم في قلبها.
((بالطبع........ستكون))
يعرف كلاهما السبب , فكرت روز بفتور, لطالما قدرت ان هذا سيحدث حين يعرف ماثيو عن الطفل, سوف يفعل كل ما يقوى عليه لكي يمنع طفله من النشوء من دون اب كما نشأ هو, من الواضح ان ماثيو مستعد ليفعل كل ما يتطلب الامر لينجح هذا, انه مستعد حتى ليحب روز, ومضة من الكرب القوي بانت على وجهها حين خطر ببالها تلك الفكرة.
أطبقت فكها وأخذت نفسا عميقا داعما لها . طفلها يستحق افضل من هذا , افضل بكثير من ام محتاجة بطريقة مثيرة للشفقة لحب رجل لا يبادلها المشاعر التي تكنها له.
(( لا استطيع إنتظار رؤيتك تزدادين جاذبية ولطافة وانت تحملين طفلنا.))
مرر ماثيو يديه على امتداد ذراعي روز العاريتين فأرتعدت, قال لها
((سنفعل هذا معا, يا حلوتي.))
انه يسمعك ما ترغبين بأن تسمعيه, ذكرت روز نفسها بذلك.
((كيف عرفت حتى ان هناك طفلا؟))
تجعد جبين روز , كان ينبغي ان يكون هذا سؤالها الأول
((أتقصدين انه كان سرا؟))
ارتفع حاجبا ماثيو في شك ساخر, لكن خلف الإبتسامة الساخرة التهكمية التي لوت شفته, رأت روز الغضب يلتهب على وجهه.
(( لم أخبر احدا. بالكاد اعتدت على الفكرة انا نفسي.))
شعرت روز بالغيظ لسماعها نبرة الإعتذار في صوتها.
فكر ماثيو قليلا ثم قال
((بحسب قول اختك, علمت بالأمر منذ مدة تكفي لآن تقرري إن كنت تريدنني في حياتك من جديد ام لا))
وتابع
((هذا ما قالته تقريبا, مرافقة كلامها بشتيمة ضخمة.))
هبط فك روز وقالت
((هل جاءت ريبيكا لتراك؟ لكنها تعيش مع نك في نييورك.))
((كنت انا نفسي في نييورك في الشهريين الماضيين روز.))
دفنت روز وجهها في يديها, وتأوهت ثم قالت
((آه, يا الهي, سأقتلها......لقد وعدتني.))
((ذكرت شيئا من هذا القبيل, لكنها شعرت ان الحالة تستحق القليل من المخاطرة, وأظنها على حق نظرا للظروف الراهنة, متى بالضبط كنت تنوين ان تخبريني عن سرك هذا؟ ام انك لم تخططي بالأصل لأن تفعلي؟))
أطبق ماثيو فكيه. وكافح كي يسيطر على غضبه
((اسمع,كنت لأخبرك اولا, لكن ريبيكا هي اختي التوأم ر.......عرفت فحسب))
علاقة التوأمين ببعضهما يصعب شرحها قليلا لشخص لم يختبرها شخصيا.
أضافت روز
((لا بد انها كانت صدمة نوعا ما.))
((لم اتلق الخبر مباشرة من اختك, اتصل اندريوس بي ليخبرني انك حامل.))
في اللحظة التي ادركت فيها روز معنى كلمات ماثيو,, اختفى اللون من وجهها, سألته
((أبوك؟))




هز ماثيو رأسه بالإيجاب, وقال
((من الواضح ان ريبيكا قصدت الفندق بحثا عن شخص من عائلة ديمتريوسلتؤنبه, والتقت بالشخص الخاطئ. وصلت الى الفندق المنشود في اللحظة التي كنت اغادر فيها لأسافر الى هنا.....و......أظن انني أغضبتها))
رمقته روز بنظرة فضولية وتساءلت
((كيف أغضبتها؟))
((أردت ان الحق بطائرتي , والوقت تأخر, وأختك تتكلم كثيرا, لذا كان علي ان انهي الحديث في وقت ما...))
((لا تقل لي انك رميتها خارجا مجددا؟))
بالرغم من كل شيء, التوت شفتا روز حين تخيلت الصورة في ذهنها.
((دللتها على الباب فحسب.))
وما ان اقفل الباب حتى طرقه اندريوس بقوة, بدا لماثيو حينها ان القدر يتآمر عليه ليفوت طائرته , لكن بفضل سائق سيارة الأجرة, استطاع ماثيو ان يلحق بطائرته في الموعد المناسب.
وأضاف
((لم يكن الامر سهلا.))
((لماذا؟))
((أصرت اختك على انني أقمت علاقة معك لأنني ظننتك ......))
((ظننت انني هي حقا))
اجتاحت وجه ماثيو الجذاب موجة من الغيظ فيما احاط وجهها بيديه الكبيرتين وقال
((حسناً! هناك شيء واحد مشترك بينكما, انتما الاثنتان حمقاوتان))
أما الامر الاكثر حماقة الذي فعله ماثيو في حياته فهو السماح لروز بأن تتركه فجأة, لكن هذا لن يحصل مجدداً. قبل ان تتمكن روز من الإعتراض على هذه الرؤية المريرة, أضاف ماثيو
((قلت لأختك انني لو أردت إقامة علاقة معها, لفعلت حين جاءت الي من قبل.))
((لا تعتقد ان ريبيكا كانت تتصرف بصورة طبيعية حين........))
توقفت روز عن الكلام وهي تتحرك بعدم إرتياح في كرسيها تحت تأثير نظرات ماثيو الساخرة.
أقحم ماثيو كلماته مساعداً روز
((حاولت إغوائي . أظن ان هذه الكلم التي تفتشين عنها.))
وأضاف
((لا تقلقي ........ كانت ريبيكا متحمسة لتخبني لحقيقة, من الواضح انها لم تكن في عقلها السليم حينها, لأنني لست من النوع الذي يعجبها.))
امتنعت روز عن نعت اختها بالكاذبة, بنظرها, ماثيو من النوع الذي يعجب كل النساء.
((طمأنتها ان هذا الشعور متبادل, وأن سبب رفضي لما عرضته علي هو انني **لم أكن**و **لست**منجذاً اليها.))
التوت شفتا روز قليلا فيما افصح ماثيو
((بدا لي ان ريبيكا لم تصدقني.))
ولا روز ايضاً, لم تكن روز قادرة على التصديق انه لم ينجذب الى ريبيكا, بغض النظر عن اعتراضاته, بدت مقتنعة من ان ماثيو مفتون بريبيكا , أليس كل الرجل كذلك؟
قال ماثيو وكأنه يحدث نفسه
((ذاك شيء لا تتشابهان فيه.......))
راح يمرر طرف سببابته بنعومة بالغة على التواء شفة روز العليا, ما جعل من الصعب عليها ان تتكلم على الإطلاق لكنها استطاعت ان تقول بصوت أجش
((ما هو ذاك الشيء؟))
ماثيو يعرف حق المعرفة تأثيره على روز, لكن أتراه ادرك انها واقعة في حبه؟ تنهدت من جديد , إن لم يكن ماثيو يحبها فسوف تنتظر ان يحصل ذلك, إلا ان الأمر قد يتطلب بعض الوقت.
((يبدو ان أختك تظن انها لا تقاوم امام الرجال.))
لم يكن ما يقوله غير جديد بالنسبة لروز))
((انت...... من جهة اخرى))
ارتسمت على وجهه ببطء ابتسامة فائقة الرقة جعلت قلب روز يسارع دقاته.
همست تساءله
((ماذا عني؟))
لا يضرها ان سمعته ولو انها تعتقد ان لا شيء من هذا صحيح. كل ما يهدف اليه ماثيو هو ان يبرهن ان الطفل طفله, ويتأكد من ان التاريخ لا يعيد نفسه.
سرعان ما ابدى ماثيو رأيه وفي صوته بحة أجشة
((انت يا حلوتي....... لا تملكين ادنى فكرة عن تأثيرك على الرجال.))
ليس تأثيرها على الرجال ما تهتم روز له. بل تأثيرها على رجل واحد فقط.
انتقلت يد روز الى معدتها, هل سيرث طفلهما ملامحه المدهشة؟
((اسمع , لا تزعجني فكرة ان ريبيكا هي الاكثر جاذبية, ولمعلوماتك, لا احلم مطلقا بأن أقصيك مطلقا عن حياة طفلك.))
ارتفعت زاويتا فم ماثيو في إبتسامة تركت عينيه الرماديتين خاليتين من اي لمحة شفقة , وقال
((اود ان اراك تحاولين))
رفعت روز يديها الى الاعلى , ثم تمسكت بقوة بتنورة ثوبها, ووقفت وهي تقول
((آه, حبا بالله, أحاول ان اكون لطيفة وماذا حصل في المقابل؟ روح قتالية تبحث عن المشاكل.))
((أتتوقعين مني الا اتحداك حين ننفوهين بالحماقات؟))
اعترضت روز فيما مرر ماثيو يدا غاضبة في شعره
((انا اقصد ما قلته.))
وأضافت
((لا احاول ان أقصيك , يمكنك ان تكون جزءا......))
((من قال لك ان ريبيكا هي الاكثر جاذبية؟))
((ظننت انك هنا بسبب الطفل.تبدو مهتما اكثر بريبيكا.))
((انا هنا بسبب الطفل...... لكن الأهم هو انني هنا لأنني لا اقدر .....))
توقف ماثيو وتفحص وجهها وقال
(( يا الهي, انت تغارين.))
((لم أكن قط غيورة من ريبيكا سابقا, لم يكن لدي مانع يوما من ان تكون ريبيكا هي الأكثر جاذبية بيننا.))
((هذه تفاهات وانت تعرفين ذلك.))
اشتد توتر فك روز وردت
(( كيف يمكنك ان تعلم؟ ليس لك أخ توأم. تظن اننا بصفتنا متطابقين , ما عدا الخمسة عشر باونداً , تكون الاخرى جذابة إذا كانت الاولى كذلك, لا تتعلق الجاذبية بالمظهر فحسب....بالرغم من انها لن تتأذى اذا اصبح جسمها بقياس ثمانية.))
سمع ماثيو كل ما قالته روز ولكن بدا نفاذ صبره واضحاً , فسألها
((هل انتهيت؟ هل هذه نهاية المحاضرة؟ أتظنين انني لا اعلم ان هذه الاشياء ليست سطحية؟))
ابتلعت روز ريقها, ارادت ان تسمع الصدق, وليس من المنطقي ان تنجرح حين حصلت عليه.
((انا متأكد من ان اختك إمرأة لطيفة جداً, لكن حتى لو حاولت ان تخبئ ذلك المظهر الهزيل, لن يتحسن مزاج نهاري اذا سمعت صوتها.
هبط فك روز وقالت
((لكن روز تتمتع بالجسد المثالي.))
خالفها ماثيو بشدة قائلاً
((لا))
وتابع
((انتِ التي تتمتع بالجسد المثالي.))



جاء إعتراض روز تلقائيا لكن ليس شديدا, فيما قرأت الشوق في تعبير ماثيو المتوتر. وقالت
((انا واقعية فحسب.))
هز ماثيو كتفيه هزة معبرة فرنسية الطابع وقال
((لم علي ان اكذب, روز؟ قلت لي انك ستعطينني ما تظنين انني هنا من اجله.))
))أتقول بأنك لست هنا بسبب الطفل؟))
لم تستطع روز ان تبي النبرة المرتجفة بعيدة عن صوتها, وهي تضيف
((اذا كان الامر كذلك, لم انتظرت عشرة اسابيع؟))
عشرة اسابيع أمضتها هي بالإنتظار المشوب بالأمل , ثم واجهت الحقيقة في النهاية, ماثيو لن يأتي اليها.
وافقها ماثيو بهدوء
((الطفل هو جزء من سبب قدومي, لكن ليس السبب كله.))
مرر يدا على عينيه وتنهد, وهو يعرف تماما كيف يبدو الامر.تابع شارحا
(( عقدت النية على ان اتبعك في اليوم التالي, لكن......))
تصلب وجه روز فيما انزلقت عينا ماثيو على وجهها , بدا من الواضح انه لم يستطع ان ينظر في عينيها وهو يبرر تأخيره عنها.
سألته
((هل حصلت مشكلة ما؟))
((نعم منذ ثماني سنوات وقع لي حادث.))
ارتفع راس ماثيو وابتسم بعدم ارتياح متابعا
((حادث مهني))
لم تبتسم روز في المقابل, فكرة ان ماثيو يخاطر بحياته على حلبة سباق لم تبعث البسمة على وجهها, بل جعلت عضلات معدتها الحساسة تنقبض, قام ماثيو بحركة موجهة قليلا الى ظهره, وقال
(( نجوت منه امنا تقريبا, بضعة جروح وبضعة اضلاع مكسورة, و..... كسر طفيف في العامود الفقري.))
رأى ماثيو عينا روز تتسعان خوفا, فأضاف بسرعة
((كان الضرر بسيطا ولا يستوجب العلاج, فلقد شفيت بعد مدة قصيرة, وبدا كل شيء مستقرا.))
ابتلعت روز ريقها وقلبها ينبض بقوة وسألته
((وهل تغير شيء؟))
((شعرت باللآلم من جديد))
في الواقع عاوده اللآم حين يضرب قبضة يده تكرارا بالحائط الحجري لأنه سمح للمرأة التي أحبها ان تتركه,من دون عراك.أضاف
((وحين ركبت المروحية في اليوم التالي لألحق بك......))
قالت روز متسائلة
((لحقت بي؟))
((انا أحمق بما يكفي لأسمح لك بالذهاب, لكنني لست احمق الى هذا الحد.بالطبع لحقت بك,يا حبيبتي, لكن حين وصلت الى اثينا شعرت بخدر بسيط في يدي))
راقبت روز ماثيو والرعب يجتاحها
((ساءت الأمور في الواقع بسرعة كبيرة.))
لا شيء في نبرته ألمح الى الرعب والإشمئزاز اللذين شعر بهما حين خذله الجسد الذي ظنه قويا, ما أجبره على التسليم بإحتمال بقائه على تلك الحالة, اكمل شارحا
((اتضح ان الكسر اصبح يضغط على بعض الأعصاب.))
حين قال للأطباء انه لا يستطيع إجراء عملية جراحية لأن ثمة أشياء عليه فعلها, أخبروه بصراحة فظة ان التأخير قد ينجك عنه ضرر دائم, ذكرها ماثيو بإبتسامة ملؤها الإستخفافى
((أفضل جراح وأفضل عملية تأهيل كانا في نييورك, وأنا من عائلة ديمتريوس..... نحصل على الأفضل دائما.))
((هل كنت في المستشفى؟))
شعرت روز بأنها مخدرة عاطفيا , فيما جاهدت لتستوعب ما يقوله, بدأت تلاحظ للمرة الاولى تفاصيل فوتتها خلال الصدمة الأولى لرؤيته.
على الرغم من تأنقه المعتاد بدا ماثيو وكأنه لم يحلق ذقنه منذ يومين, وقد ظهرت ظلال هلالية الشكل لم ترها روز قط من قبل تحت عينيه العميقتين, أبرزت هذه الظلال لون عينيه غير العادي, وجعلتها تبدو أخاذة الجمال. كما اكتسبت العظام القوية المتحوتة بأناقة لوجهه الضيق البيضاوي حافة أكثر حدة, كانحة عظام خديه نتوءا يشبه السكين.
ماثيو مريض, مريض حقا. ولم تكن روز هناك بقربه.
وافق ماثيو وهو يهز رأسه إلى الامام والخلف
((لفترة قصيرة.))
وأضاف
((شرفني أندريوس بزيارته , بالرغم من انه امضى معظم الوقت يخبرني ان ساشا قبلت مكانا في السوربون لأنني حطمت قلبها.))
بالكاد سمعته روز. فقد كان رأسها يطن, سألته
((كنت في المستشفى , ولم اعلم ولم تخبرني.))
راح صوتها يرتفع تدريجيا مع كل إضافة تنم عن عدم نصديقها قبل ان تتنهد بصوت أجش وتضيف
((ولديك الجرأة لتقول إنني أعني لك شيئا؟))
((أخبرط؟))
مرر ماثيو يده في شعره الداكن, وتابع
((كيف يمكنني ان اخبرك؟ على الرغم من ان الطبيب الذي اجرى العملية بارع وهو يقوم بعشرات العمليات المماثلة اسبوعيا , الا انه لم تكن من ضمانة ان العملية ستنجح.كان يمكن ان اصاب بالشلل.))
تشنج وجهه الجذاب فيما ألقت عيناه اللامعتان نظرة خاطفة على وجهها , سألها
((كيف يمكنني ان اطلب منك ان تقبلينني هكذا روز؟))
عارضت روز بشراسة
((كيف يمكنك ان تقول هذا؟ لم أكن لأعتبرك........ كيف يمكن ان تفكر للحظة ان ذاك قد يغير مشاعري؟يمكنني ان أقتلك لقيامك بهذا لوحدك.))
بدأت روز تشعر بقوة بتنهيدة عميقة من أعماق داخلها, وأردفت
((كيف خطر على بالك ان هذا قد يهمني ماثيو؟))
((هذا يهمني انا , أود ان اكون رجلا كاملا لك.))
أخذ ماثيو رأس روز بين يديه وتوسل اليها
((ارجوط لا تبكي.))
وأضاف
((إبتسمي, حلمت بإبتسامتك طوال هذه الأسابيع, إذا مر يوم ولم أر إبتسامتك. أشعر إنني لا اعامل بإنصاف, ولا أحصل على ما أستحق , روز))
مع خدين مبللين بالدموع , وقلب ممتلئ بالحب, بالكاد استطاعت ان تأخذ أنفاسها, وبالكاد تمكنت من الوقوف بثبات قبل ان نجد ركيزة تتشيث بها . أطبق أصابعه الدافئة على أصابعها. ووجدت يدها مشدودة إلى صدره.
خارج الباب , سمع صوت جهاز الاتصال يدوي بالإضافة الى صوت أقدام تجري , لكن روز لم تلاحظ هذا الصخب, وسألته
((أتحب إبتسامتي؟))
((أحب ليست بالكلمة الصحيحة.......))
ابتلعت روز ريقها, وهي ما زالت غير قادرة على تصديق ما تراه مطبوعا في تلك الملامح الصارمة الجميلة((لطالما اعتقدت ان حياتي مثيرة ومثمرة.
ظهرت على زاويتي شفتي ماثيو لبرهة إبتسامة يسخر فيها من نفسه فيما هو يتأمل سذاجته, تابع يقول
((لطالما فكرت ان الحاجة الى احدهم هو ضعف , أما الأن فأدركت ان العكس صحيح. ان تهتم لآمر أحدهم , وتضع بين يديه قدرة الجرح والشفاء أمر يتطلب القوة وربما القليل من الجنون.))
إمتلأت عينا روز بالدموع العاطفية وهي تطوف بعينيها تجاهه,وسألته
((اتحتاج الى احد..... انا.....؟))
((انت مزعجة وعنيدة بطريقة سخيفة ومحبوبة ايضاً. عرفت إنني احببتك منذ البداية تقريباً . كنت خائفاً جداً فحسب لأعترف لنفسي بذلك.))
مرر إصبعاً على تجعيدة في وجه روز بين حاجبيها الناعمين وهز رأسه إلى الامام والى الخلف قائلاً
((قبل ان التقي بكِ كنت متعجرفاً بما يكفي لآتخيل انه يمكن لرجل ان يختار من يحب.))
((إذاً انت تحبني بالرغم من انك تظن ان هذا ليس امرا جيدا.))
وأضافت
((لأنني لا الائم حياتك.))
هز رأسه يميناً ويساراً ومرر يده بتثاقل على فكه المكسو بالشعيرات وقال لها
((انتِ حياتي, تعرفين هذا بالتأكيد؟))
جالت عيناه المليئتان بالشك على وجهها
((عليكِ ان تعرفي هذا روز))
علقت روز وهي تضحك بإستغراب
((لا اظن انني اعرف اي شيء , غير انك تبدو مريعاً.))
وأردفت
((أعرف انك لا تؤيد نصيحتي , لكن ألا يجب عليك ان تكون في المستشفى؟))
رد ماثيو عليها مغطياً يدها بيده,
((ليست لديكِ فكرة عما اريد.))
ثم تأوه, رافعاً يدها الى شفتيه وأضاف
((يا إلهي! اعرف انني تصرفت كأحمق كبير, لكن ليست لديكِ فكرة عن الصدمة التي تلقيتها حين اكتشفت انك عذراء.....))
أغمض عينيه جراء الذكرى , وأطبقأصابعه حول أصابع روز حتى أجفلت, وبينما راح يهمهم معتذراً , أفلت أصابعها من قبضته.))
((الحقيقى هي ...... كنت أقول لنفسي مجرد إنجذاب جسدي وانِ تشعرين بالطريقة نفسها, لكن حين إكتشفت ما منحتني إياه من هدية قيمة, كان علي ان اواجه حقيقة مشاعري تجاهك.))
ترنح قلب روز , وهي ترى الصدق الذي يشع من عينيه اللامعتين , حثته على المتابعة
((استمر في الكلام ماثيو))
قال وهو يراقب وجهها
((احبك روز , وأريد ان نبقى متزوجين.))
بصرخة واحدة ارتمت بين ذراعيه فأحتضنها ماثيو وراح يعانقها بنعومة وشغف, ما بدد كليا كل شكوكها وترددها.))
قالت له حين انفصلا
(( اتعلم؟ سيتطلب الأمر الكثير من تلك.......))
أصبحت عينا روز داكنتين أكثر وهي تتبع خط فكه بإصبعها. وحذرته بصوت أجش.
((.......الكثير, الكثير.))
وتابعت
((.....لمحو ذكرى الاسابيع الماضية.))




انزلقت نظرته الجذابة على وجهها , وقبل ان تدرك نيته, وضع خاتم الزمرد مجددا في مكانه ,
((سأقوم بأفضل ما عندي, ))
ثم قال برضى
(( هذا هو المكان الذي ينتمي اليه.))
((وإلى اين انتمي انا؟))
((أتسألين؟ إلى قلبي طبعاً.))
فيما جذب ماثيو روز إليه, صدرت عنها ضحكة مفاجئة.
((فكرت.....ماذا سيقول والدك حين يكتشف اننا سنبقى متزوجين؟))
(( وهل يهم؟ لقد فرقتنا اميال , إلا انكِ لم تكوني للحظة واحدة بعيدة عن قلبي وعن أفكاري.))
مفتونة بإعترافه الرومنسي, لفت روز ذراعيها حول عنق ماثيو فيما راحت تتأمل عينيه وعيناها مليئتان بالحماسة, قالت
((العملية...... لا اريد ان يؤلمك الجرح......))
وعدها ماثيو بنظرة جعلت الحرارة تدب في خديها
((لدي ندبة سأريكِ إياها لاحقاً.))
وأضاف بصرامة وهو يهز كتفيه,
((لكن انا لست ضعيفاً او قابلاً للإنكسار, سأسبب للمكشاف المعدني في المطارات بعض الإرباك, إلا ان العملية نجحت تماماً)
كافحت لكي تحتفظ بسيطرتها على نفسها , لف ماثيو يديه حول وجهها وقال
((أتعلمين؟ لجزء من الثانية , حين دخلت ريبيكا من الباب ظننتها انتِ.))
شعر ماثيو بالفرح يتدفق في أعماق روحه, تلت ذلك الخيبة المريرة والإحساس بالخسارة حين ادرك خطأه, أضاف
((ثم عرفت انها ليست انت.فكأنما الجنة انتزعت ممي, انا غير كامل من دونك ,روز))
غطت روز فمها بيدها بينما تدفقت الدموع الى عينيها, وعلقت
(أرجوط ى تقل هذا إذا كنت لا تعنيه,ماثيو))
((لم أكن اكثر صدقا مما انا عليه الآن في حياتي كلها.))
ذلك الصدق التام الذي يرن في عبارته لم يكن فيه مجال للشك
((في حياتي , أحببت أشخاصا......))
أنزلقت عيناه عن عيني روز فيما قال بصوت أجش
((أمي.....))
راقبت روز العضلات في حنجرة ماثيو البنية اللون تعمل وهو يبتلع ريقه ويكافح بوضوح ليسيطر على عواطفه القوية, بقلب متألم مدت روز يدها والتقطت يده, فيما رفع ماثيو يدها الى فمه, ارتفعت نظراته واتصلت بنظراتها العابقة بالعاطفة, الرقة في تعبيره وفي حركته جعلت حنجرة روز تنقبض من شدة التأثر.
حين اخفض ماثيو يد روز, لم يطلق سراحها,لكنه ابقاها مطوقة بيديه الكبيرتين.
((انت تذكرينني بها احيانا..))
((احقا؟))
هز ماثيو راسه ايجابا. وارتفعت زاوية فمه في إبتسامة مائلة عصرت قلب روز وأجاب
((ليس بالمظهر, كانت سمراء جدا))
جالت نظرات ماثيو على شعر روز الفاتح وسمح لخصلاته الحريرية ان تتموج بين أصابعه.ثم قال ومسحة من الظلال تكسو وجهه
((كانت محاربة مثلك وعنيدة ايضا, وطرامتها احيانا.......))
أقر ماثيو وهو يمرر يدا في شعره الداكن
((......جعلتها تعاني اكثر مما يجب, لكنها لم تكن غيورة او عصبية))
وأردف
((ما احاول ان اقوله روز هو انني احببت بعض الاشخاص ........أمي , ثم زوجة ابي وأخي......وخسرتهم كلهم.))
أكمل بنبرة ملؤها الاسى
((كان ذلك مؤلما جدا, فقررت ان اتجنب تلك الماعر, لذا اقفلت علي عواطفي.))
ارتاحت نظرة ماثيو المتأملة على وجه روز, وولت عنه الكآبة , ثم أردف
((.....ثم ظهرت انت, ولم تعد لدي اي مقدرة على السيطرة على مشاعري....))
بدا غير قادر على مقاومة مشاعره القوية, ضمها اليه في عناق حميم أودعه عمق أحاسيسه وحبه الخالص, عناق استنفذ انفاس روز من جسدها.
حين انفصلا عن بعضهما , شعرت روز براسها يدور , إلا ان وجهها كان ينضح بإبتسامة رضا.))
لهث ماثيو في صوت ينبض بعاطفة طبيعية قوية,
((ما شعرته تجاهك يا صغيرتي , ليس لديه حدود......عرفت ان خسارتك....... لا تطاق, وهكذا.......))
مرر ماثيو يداً على خده ليخد نار ذكرى الاسابيع العشرة الأخيرة.وأردف
((سأظل ممتناً لآختك على الدوام لأنها نقلتني من جحيمي الخاص.))
أقرت روز
((وأنا أيضاً.))
وأضافت
((لا استطيع اناتخيل ماذا قال والدك عنها))
((ذكر ان الأمر سيسؤ ومن الأفضل ان نبقى معاً.))
سخرت روز وهي تمرر يداً حنونة محبة على خده, الجذاب.
((من الجيد معرفة انه يستحسن الآمر.))
أقر ماثيو وهو يطبع قبلة دافشة في راحتها الصغيرة,
((قد تكون كلمة إستحسان قوية قليلاً.))
حين اتهم ماثيو بإهمال مسؤوليته الأبويه , رد أن ذلك التعليق لم يكن إلا رياء.
في وقت لاحق حصل نقاش مرير بين الأب وإبنه, قاض الغيظ الملتهب وتم التطرق حتى الى حادثة إستراق السمع التي حصلت منذ سنين عدة, اتهم أندريوس ماثيوبأنه خسيس ناكر للجميل, غير قادر عى إظهار العاطفة, وبأنه يفتش دئماً عن فرصة ليقابل كرمه بمعاملة فظة, في النهاية , رفض ماثيو المساعدة وأعلن إنه سيرحل الى الأبد, وكان سيفعل, إلا انه عاد ليقول راياً نهائياً
لم يتفوه ماثيو برايه هذت ولم يغادر فجأة , إذ فوجئ بأندريوس دمتريوس الرجل الذي يخيف الرجال الأقوياء بنظرة واحدة, واقفاً وقسمات وجهه ملتوية بالحزن الشديد, والدموع تنهمر بغزارة على خديه.
توقف ماثيو لبرهة قبل ان يتحرك ليهدئه , أصغى اليه وهو يقول له إنه لو بقي خارج الباب لفترة أطول بكثير لسمع بقية الحديث.
حديث أقر أندريوس فيه الى زوجته انه يدرك انه يلوم الطفل بشكل غير عقلاني على آثامه هو, وأن شعوره بالذنب هو الذي جعله غير قادر على إظهار عاطفته لأبن الأكبر, بالإضافة الى إعتقاده ان الصبي يكرهه, من المبالغ فيه القول ان مشاكل الماضي انتهت, لكن ما حصل كان البداية. وذا جيد لآن ماثيوافترض ان روز لن ترتاح حتى تراهما يتبادلان القبل يتصالحان.
ضحكت روز وعلقت
((إذاً انت هنا لأن والدك يقول إن.......))
أصبحت عينا روز داكنتين أكثر فيما دمدم ماثيو
(( أنا هنا لأنني أعشق كل شعرة على راسك الراسع, لقد إكتشفت إكتشافاً مثيراً لتوي))
سألته روز
((أحقاً فعلت؟))
((إكتشفت ان عودة عن هذا الزواج))
وضع يداً على خصرها فأطلقت روز صرخة إعتراض, وتراجعت محذرة ماثيو
((إبق بعيداً عني, نحن في المستشفى وقد تأتيإخصائية التصوير الصوتي في اي لحظة))
جلست روز على الأريكة مجدداً وأعادت ترتيب البطانية بأناقة على قدميها وحذرته
((انت.....ابق مكانك))
نظر ماثيو اليها وومضة مزعجة لكن مسلية تبرق في عينيه , وسألها
((ألا تظنين ان طفلنا سيسعده ان يبقى والداه متعانقين؟))
راقبها ماثيو وهي تحمر خجلاً ......يا إلهي انه يخب ذلك الإحمرار
((لا! ليس في المستشفى.))
إمتلأت عينا روز بالشغف فيما وضع ماثيو يداً على بطنها, وقال
((هذا الطفل....... هل انتِ سعيدة به يا حبي؟))
أجابته بصدق صريح أبعد أخر أثر للك عن وجه ماثيو
((أكثر مما تتصور.))
قال ماثيو بعد ان سحب كرسياً ووضعها بالقرب منها
((إذاً اخبريني عن التصوير الصوتي؟ هل الصورة ثلاثية الأبعاد؟ هل نحصل على شريط يديو مصور؟ هل.....))
رفعت روز يدها ضاحكة, وقالت
((آه, لا, يبدو انك من اؤلئك الرجال الذين يتخلون في كل شيء, اليس كذلك؟))
الى شفتيه , وأقسم لها بوقار
((وظيفتي هي ان احميكِ يا صغيرتي وسأفعل.....))
ثم تابع
((حتى اخر نفس من جسدي هذا.))
((آه ماثيو!))
عادت إخصائية التصوير الصوتي بعد بضع دقائق, ووقفت برهة مصدومة على عتبة الباب قبل ان ترجع بخطواتها بهدؤ.))
إنتظرت وقتاً كافياً قبل ان تعود أدراجها محدثة بعض الضجة كي يتمكن الزوجان العاشقان من سماعها تقترب
إبتسمت الأم العتيدة المتوردة الوجنتين والمبعثرة الشعر وقالت بذكاء
(( كنا نتساءل فحسب ما الذي حدث لكِ؟))
إبتسم شريكها وقال
((ليس هذا ما كنتِ تتساءلين عنه يا ملاكي.))
رمقته المرأة الأخرى بنظرة لوم, لكنها تخلت عن تحفظها حين رأت الدموع في عيني ماثيو وهو يرى الصور الأولى لطفله غير المولود.
((نحن فريق رائع))
تنهدت روز تنهيدة إطمئنان ووافقت وهي لا ترى حدوداً لما يمكن ان ينجزاه معاً,
((تماماً))
شعرت انها المرأة الأكثر حظاً في هذه الحياة.



تمــت

مشاركة