A PHP Error was encountered

Severity: Warning

Message: file(): http:// wrapper is disabled in the server configuration by allow_url_fopen=0

Filename: views/template.php

Line Number: 35

A PHP Error was encountered

Severity: Warning

Message: file(http://static.vipeople.com/menu/index.php): failed to open stream: no suitable wrapper could be found

Filename: views/template.php

Line Number: 35

A PHP Error was encountered

Severity: Warning

Message: implode(): Invalid arguments passed

Filename: views/template.php

Line Number: 35

غجرية بلا مرفأ

الكاتب: قصتي مشاهدات: 821 التصنيف: روايات أحلام

1/ فاتنة الضباب

انسل الضباب بخفه حتى خيم على سطح المحيط الأطلسي بكامله ، ةلكن ذلك لم يزعجه البته فهو يهوى سكون الضباب ويحب أن ينعزل بنفسه، بعد أيام طويلة يقضيها في معاينة مرضاه
ستة أشهر مرت على مزاولته الطب , وتسلمه زبائن الدكتور فليت فحفظ مارك المعابر بين جزيرة ميريت والجزر الصخرية المتناثرة حولها عن ظهر قلب لهذا لم يستأ حين تعطل جهاز الرادار في وقت سابق من عصر هذا اليوم
تنشق مارك هواء البحر الرطب ملء رئتيه ثم ابتسم كان الليل قد أرخى ستاره والسكون سيطر على المكان لا يعكره إلا هدير خفيف لمحرك المركب العائد أدراجه إلى المرسى
بدا له المحيط هادئا وأحس أن الحياة تبتسم له إلا أن ابتسامتها لم تُزل شعورا بسيطاً بالوحدة في قلبه كانت الغيمة الوحيدة التي تعكر صفو سمائه المشرقة في جزيرة ميريت هي افتقاره لامرأة مؤهلة في عملها كانت أورسولا آخر ممرضة عملت في عيادته تتمتع بقدر من الجاذبية وقد بدت متحمسة لإضفاء بعد آخر على علاقتهما المهنية ولكنها مُنيت بالخيبة حين لم يرحب مارك بهذه العلاقة
وكانت النتيجة أن استقالت بكل بساطة رحلت في طرفة عين !!
وبما أنه لم يوظف بعد أي مساعدة جديدة فقد بات يجهد نفسه في العمل ولكن أليست هذه حال كل طبيب ؟؟ وما لبث أن سلك منعطفاً آخر صغير وهو يركن إلى حاسته لا إلى بصره في سبيل الإهتداء إلى وجهته في صباح هذا اليوم نشر إعلانا في مجلات طبية محلية عدة يطلب فيه ممرضة ولم يغفل عن ذكر الراتب الخيالي الذي عرف أنه سيجذب مساعدة جديدة في غضون أسابيع وسرعان ما أجفل وهو يفكر في أسبوعين أو ثلاثة لا يلقى فيها مساعدة, ثم تنهد بسأم
وفجأة أحس بشيء يرتطم بمركبه ارتطاماً مدوياً , انتشل مارك من أفكاره الحائرة , وافلت شتيمة وأضاء المصباح ثم وثب من مكانه ليكشف أي أخرق اصطدم به
ما إن انتقل إلى الجانب المتضرر حتى حملق بالضباب الذي اخترقته أنوار المركب لم يكت من الصعب عليه أن يميز زورقاً صغيراً لاحظ أن المجاديف تحطمت على جانب سفينته وأن الطلاء اللماع أتلف
كتم مارك شتيمة أخرى وسرعان ما لمح شخصاَينهض ببطء وهو يحاول أن يستند إلى الصاري عساه يستعيد توازنه علت تقطيبة عميقة جبين مارك حين أدرك أن الشخص الذي تسبب بهذه الأضرار ما هو إلا شقراء صغيرة ترى ماذا تفعل هنا وحيدة في الضباب ؟
بعدما ألقت المرأة نظرة سريعة مرتاعة على هيكل زورقها , أطلقت عويلاً وقبضت بيدها على شعرها المسترسل
- آه ,لا!
وما لبث أن حولت نظرها إلى مارك , تحدق فيه وهي تشير بأصبعها إلى مقدمة المركب المتضررة :
- أنظر إلى ما فعلته بمركبي !
فرمقها مارك بمزيج من الغضب وعدم التصديق : - يالطيشي !! لقد جنحت بمركبي متعمداً لأصطدم بمقدمة قاربك !
بدت في ملاحظة نبرة سخرية لا لبس فيها ثم أضاف : حاولى أن تسامحيني
مررت يداً مرتجفة في شعرها وقد تملكها هيجان واضح وقالت : لكنه لكنه ليس حتى بقاربي !!
- وهل افترض أنك كنت تمرين بالجوار عندما سمعت صوت الارتطام وقررت تقصي الأمر؟
فحولت نظرتها عن المركب المتضرر وسددتها إلى وجهه قبل أن تصرخ : لا أنفي أنني أقدر الهجاء اللاذع لكنه ليس مفيداً في الوقت الحالي
ثم كشفت تعابيرحزينة وهزت رأسها : ما العمل ؟ لا يمكن أن أبحر بهذا الحطام حتى شاطئ البحر !سيغرق بالتأكيد
فأجابها مارك : أشك في ذلك كل مافي الأمر أنك لن تستطيعي قيادته
فجأة بدأ سائل قاتم ينز من جبهتها مما أثار قلقه فأشار إلى البقعة على وجهها وقال : إنك تنزفين لابد أن رأسك قد أصيب
-بالطبع أصيب رأسي ! فقد تعرضت لحادث !
ثم لامست قطرات الدم وكشرت للون الأحمر على أناملها قبل أن تضيف : هذا ما كان ينقصني !!
سحب حبلاً وقد عرف أنه لا يملك خياراً إلا أن يربط زورقها بمركبه فمن المحال أن يترك امرأة جريحة لا بل تعاني ارتجاج في المخ وحدها في الضباب على متن مركب محطم
لكنها نادته : لا تقلق بشأني يا سيد بمقدوري الاعتناء بنفسي
بعد أن ثبت الحبل تسلق المركب بجهد وهو يحاول أن يصل إليها فسألته : ماذا تفعل ؟
- قادم ؟لأفحص الرأس المصاب
-لا داعي لقد تحطم كلياً !
فقال وهو يحاول أن يحافظ على رباطة جأشه فالمرأة لاشك مشوشة : لا أقصد رأس المركب بل رأسك أنت
-قلت لك بمقدوري
فقاطعها – سمعتكذ
ثم حاول أن يصل للشراع عله يربط الحبل بوتد ما وبعدا عقده واجهها قائلاً : أثبيي مكانك فيما أفحص جرحك
فأجابته بعبوس : أنت حقاً قبطان رائع ماذا تفعل أيضاً؟ هل تزوج الناس في عرض البحر؟

حاول جاهداً السيطرة على أعصابه , ثم أشار على سطح يغطيه قماش من القنب
-اجلسي بينما أعاينك
- من تظن نفسك لتصدر الأوامر؟
- أنا الرجل الذي صدمت مركبه
ثم أردف – اجلسي
- حسناً ولكن لن أجلس إلا لأنني أشعر بقليل من التعب
ونفذت أوامره رغم الممانعة الجلية التي أبدتها أما هو فأحس بنبرة صوتها يشوبها الارتجاف
- تقصدين الدوار أليس كذلك ؟
ردت ك لا بل قصدت التعب فمنذ مدة وأنا هائمة على وجهي وقد أضاعني الضباب عن وجهتي
- ومن الممكن أن تفقدي الوعي في غضون دقائق في حال أصيبت بارتجاج في المخ
وركع بجانبها وأزاح خصلات شعرها ليفحص أصابتها لكنه لم يغفل عن لون شعرها فالخبير مثله يدرك أن هذا اللون الأشقر الذهبي نعمة من الله وبقد جمال خصلاته الكثيفة الناعمة وسرعان ما عاد إلى رشده وهو يذكر نفسه : أنت طبيب يا رجل هيا مارس مهنتك !1
أما هي فردت بضحكة ساخرة قصيرة وقالت : ارتجاج في المخ من جراء هذا الورم البسيط؟ صدقني لقد أصبت بارتجاجات أعنف خلال اعتماري قبعة من القش
لم يستطع مارك أن يكتم ابتسامه صغيرة افترت عن ثغره الحق يقال لهذه الوقحة جرأة واضحة
- حين كنت في مخيم باستراليا اضطررت لتجبير ساقي المكسورة مرة, وقد نجحت في ذلك باستخدام بضعة أغصان وحزام لا غير كما ترى إذاً استطيع الاعتناء بنفسي
لما سمع رواية ساقها المكسورة تفاجأ وقدر أنها أما تهذي وإما أ،ها تتمتع بموهبة في رواية القصص سألها : إنك واسعة الحيلة حقا أخبريني كيف تعالجين نفسك إذا وقعت في غيبوبة مثلاً ؟
- ولكنني قلت لك إن هذا الجرح بسيط

- أنت تحتاجين إلى قطبة ]ا أنسة
في هذه اللحظة بالذات تلاقت عيونهما وكان ذلك كافياً ليلاحظ حدقتيها المتسعتين , وذلك اللون الفضي الرمادي الذي يؤثر في النفس أيما تأثير ولحسن الحظ لم يلاحظ عليها أي علامة على أرتجاج المخ
تمتمت بصوت أقل جرأة : باتيست , ميمي بايتست
-حسناً يا آنسه ما مدى براعتك في تقطيب الجرح ؟
فجأة أجفلت وضاقت العينان في آن فسألها :
- هل آذيتك ؟
ثم سارع يبحث في جيبه عن منديله المطوي فيما تمتمت : نعم عندما أ‘ترضت طريق مركبي ليس إلأ
ضغط على جرحها بالنمديل النظيف وعندما تلاقت النظرات مجدداً , وجه للأنسة صاحبة العينين الفاتنتين إحدى أقسى عباراته المهنية : امسكي هذا فيما انقلك إلى قاربي
فحدقت فية : ماذا؟
هز رأسه وهو ينظر إليها ثم أجابها ألا تذكرين أنك بحاجة إلى القطب ؟ ليس باستطاعتي أن أداوي جرحك هنا
وجهت إليه رداً حاسماً وقوياً : بالتأكيد لا يمكنك هذا ! فليس من عاداتي أن أترك الغرباء يغرزون الأبر في رأسي
لكنه لم يكترث لردها وسألها : أيمكنك السير
إلا انها ظلت على عنادها وأجابته : لن أسير إلى أي مكان معك
ولم يكن هذا العناد من القوة بحيث يحررها من قبضته
راح يقنعها ولما أصرت على موقفها , أخذ يحثها على السير
- إذا لم نسرع فسيمنى كلانا بحمام مالح أمسكي هذا الجانب وسأرفعك
حدجته بنظرة هي أ[عد ما يكون عن التعاون : أنا لا أعرفك يا أخي !! إن كنت تظن أنني سأصعد معك لهذا المركب فأنت أكثر جنوناً مما يبدو عليك
هنا أمسك بالحافة العليا من المركب ليحافظ على توازنهما . قبل أن يواجهها :
- اسمي مارك ميريت وأعيش على جزيرة غير بعيدة من هنا وأنا طبيب
أحنى رأسه بتحية مشبوبة بسخرية طفيفة , وأضاف : كيف حالك ؟ والأن تمسكي بالحافة اللعينة واصعدي إلى القارب قبل أن أفقد رباطة جأشي وأرمي بك إلى الجانب الأخر كأي صخرة
- أريد أ، أرى بطاقتك
فحملق فيها غير مصدق : ماذا تردين ؟
- بطاقتك بالمكان أي انس أن ]دعي أنه طبيب أي قاتل يستطيع الإدعاء بذلك
- فعلاً يمكن للقاتل أن يكون طبيباً
انتزع محفظته من جيبه وفتحها بعنف ليظهر لها البطاقة التي تحتوي عضويته في الإتحاد الطبي الأمريكي , وتابع : أما البطاقة التي تحوي أنني قاتل فما زالت تحت الطبع
منحت البطاقة نظرة متمعنة , ثم مدت يدها لتقلب بقية الأوراق حتى وجدت رخصة القيادة بقيت لدقيقة طويلة تحدق في الكلمات التالية : ماركوس ميريت , طبيب أخيراً سألها بتملق : ما رأيك ؟
وجهت إليه نظرة جانبية ثم فتحت فمها وكأنها تفكر في حجة قوية وما لبثت أن تذمرت : حسناً أنت طبيب ولكن الأطباء كما قلت من الممكن أن يكونوا قتله
أغلق مارك محفظته وأعادها إلى جيبه وأجاب : ولكن فرصة مصادفة طبيب تهمه رعايتك تفوق إحصائياً [أكثر من النصف فرصة مصادفة طبيب يود أن يقطعك أرباً أأرباً
- كم هذا رائع !
ثم عضت على شفتها السفلى وعيناها لاتفارقانه . وأحس أنها تحدد خياراتها :
- لا أحبذ الأمر ولكن أظن أن مابيدي حيلة
اتكأت على الحافة وهي تنقل رجلها , ولكنها عجزت عن تثبيتها فهرع مارك إليها ولكنها تمكنت من تثبيت رجليها وما لبث أن أمسك بالحافة بدروره كي يتجنب السقوط في المحيط
ما ‘ن أصبحت ميمي على متن المركب حتى استقامت واستعادة توازنها
- اجلسي وإذا غبت عن الوعي فلا بأس , أنت الأن على متن المركب
مع أنه لم ينظر إليها مباشرة إلا أنه شعر بأنها تحملق فيه وهو يرشدها إلى المقعد بجانب الدفة
وتمتمت : إن طريقتك مع المرضى ساحرة يادكتور إين تلقيت تعليمك ؟ في الكلية الوطنية للآداب واللياقة ؟!
سدد إليها نظرة فيها من الغضب ما يلذع إنها فعلاً أ:ثر النساء اللواتي التقاهن إثارة للغضب وسرعان ما قال : لقد تحطم قاربي والفضل لك فأي درجة من الابتهاج تريدين مني أن أبدي ؟
أحس أن ذكرى الحادث قد اجتاحتها مجدداً حتى الإجفال فتحت فمها لترد عليه بالمثل , ولكنها عادت وأغلقته, ثم اشاحت بجهها بعيداً
- لا ضرورة لأن تكون سريع الغضب على هذا النحو
- بما أن سرعة الغضب كامنة فيك فلا بد أنني التقطت العدوى منك
ما إن أفلتت منه هذه العبارة حتى أجفل أما كفاها الجرح الذي أصابها والصدمة التي ألمت بها ؟ معظم الناس الذين في حالتها يصبون غضبهم على أي هدف متوفر وغالباً ما يكون الطبيب كانت ترتدي وحين بدأت شفتها السفلى في الإرتعاش شعر بالغباء لفضاضته معها
بد لها فعلا أنها لا تملك القرب الذي ابحرت به وحانت من التفافة إلى ملابسها كانت ترتدي الجينز وكان باهتاً وأبعد ما يصفه المرء بالجديد تعلوه سترة بيضاء من النيلون أما معصمها الأيسر فتضطيه عصابة وقدر مارك أنا تخفي ساعة أو سوار لكن أن لم يكن هذا السوار مرصعاً بالماس فيبدو أنها لا تملك ما يكفي من المال لتصلح القارب المتضرر
سألها : لمن هذا الزورق؟
-إنه لرجل لا غير كنت أتدرب لاشترك في سباق المحلة الأسبوع القادم
- أي سباق هذا ؟
عادت لترمقه بنظرة لم تدمطويلا ولكنها كانت كافية ليرى الدموع في عينيها
- إنه سباق الزوارق المنظم لبناء موطن جديد للدبب القطبية في حديقة بور تلاند للحيوانات وتعود رسوم الدخول لريع البناء
لم يكن مارك قد سمع بالموضوع , لكن عقداً من الزمان قد مضض على آخر زيارة له لحديقة الحيوانات وباتت قراءة الصحف ترفاً نادراً ما يستطيع أن يدلل نفسه به ظل ينظر لوجهها المضطربلمدة ليست بالقصيرة ثم سألها : كيف حال رأسك ؟
أغمضت عيبيها وتهالكت على الكرسي حتى بدت صغيرة الحجم منعزلة ثم غمغمت : رائع
عاجلها بسؤال وقد ساوره القلق : لن تنامي أليس كذلك ؟
وجهت إليه نظرة لا تدل على السعادة : لا تجزع يادكتور إن غبت عن الوعي , سأنبطح على ظهري , فتكون أنت أول من يعرف
أحس بضحكة خافتة تكاد تفلت منه نتيجة لفطنتها الساخرة , لكنه كتكها وراح يركز على المحرك وهو يهدر في الضباب
ولمحها وههي تدني رأسها عساها يميزه مما ترك في نفسه أثراً غريباً فاستبد به قلق لاسع وحين التفت لينظر في عينيها مباشرة لم يرف لها جفن ولم تحرج !!
في الواقع كان قد وقع في أسر هذه المرأة التي يخالط غضبها شغف عظيم لم يشح نظرة عنها وراح يتأمل شفتيها المكتنزتين لو كانت ممرضته الأخيرة لها مثل هاتين الشفتين
أطلقت تنهيدة وقالت : كنت أنوي أن أهب قسماً من مال الجائزة لحديقة الحيوانات فيما استخدم الباقي لأذهب إلى جاوا
وأنطفأت شعلته الأفكار التي ساورته فسألها : إلى أين ؟
- أنا عضوة في جمعية حماية القردة , وهي تنظم رحلة لمجاهل جاوا خلال أسبوعين وأريد أن أفوز لأستخدم المال للوصول لهناك
بدأ مارك غير مصدق وما لبث أن ضحك وقال : أنت تمزحين
- لماذا أمزح ؟
تابع – حتى لوفزت فلم تقدمين على عمل كهذا
- لأن العالم بأجمعه بيتي فماذا عنك ؟
راح يدرس عينيها اوشفتيها اللتين رقتا بعد اكتناز علامة التحدى وإذا باحساس بالخيبة يجتاحه, من المؤسف أن تكون امرأة بهذا الجمال وهذا النشاط خرقاء طائشة
لم تتوقم ميمي أن تقضي الليل في كوخ عند شاطئ أحد الجزر المعزولة , فيما يقطب رجل رجعي فظ يعتقد أن إنقاذ قردة جاوا أمر مضجك
لكن كان عليها أن تقر بفضل الطبيب . فضله الوحيد إن جاز القول لعله معتوه لكت لمسته شافية فعلاً
وفيما هو يقطب جرحها , اختلست النظر إليه بدا تفكيره منصباً على عمله وكأنه طبيب بلدة صارم كئيب لكن من قال أن هذا يعد صفة إيجابية ؟ فالأطباء الصارمون الكئيبون مملون جداً
بم انه لم يكن أمامها ما تفعله إلا التفكير بإبرة تغرز في لحمها , قررت أن تصرف تفكيرها لأمور أخرى ، كعيني هذا الطبيب مثلاً أنهما باهرتين لم يخطر في بالها يوماً أن البني يستحيل إلى لون مثير ، غير أن هذا الطبيب ،نجح في اقناعها بالعكس لعل أهدابه الطويلة السوداء هي ما أحدث هذا الفرق ولكن قلما يهمها السببن فلهاتين العينين تأثير غريب استمر حتى وهو يرسم تقطيبة ويلقي بالأوامر ربما ما كانت لتتوقف عن احتجاجها لولا هذه النظرات ولعلها توقفت بسبب الدوار الذي ألم بها وإلا لماذا خيل لها أنه أضحى بثلاثة رؤوس ؟
- هاقد انتهينا أشك في أن يخلف الجرح ندبة
رفعت يدها بدافع غريزي لتتحسس الجرح ، ولكنه منعها ، وارتفع صوته محذراً : حاولي ألا تلمسيه لمده غداً يمكنك أن تغتسلي كالعادة أما هذه الخيوط فستتحلل تلقائياً بعد سبعة أو عشرة أيام
ثم أنزل ذراعها فردت باستهزاء : شكراً يا دكتور ما كانت يدي لتجد طريقها إلى حضني لولا مساعدتك
سألها : بالمناسبة ماذا تخفين تحت العصابة التي حول معصمك ؟
فاخفضت بصرها ، ثم أحاطت العصابة بذراعها بحذر وأجابت : ممتلكاتي الأغلى
وما لبثت أن كشفت عن سوارين من الفضة مرصعين بحلي صغيرة
- اهداني والدي هذين السوارين كل واحدة من هذه الحلي تمثل الأماكن التي زرناها
ابتعد قليلاً ليخلع قفازيه ثم تمتم وهو يرمي بهما في سلة المهملات : أخبريني
- لا أملك بوليصة تأمين أن كان هذا ما تلوح إليه ولا يمكنك الحصول على السوارين
فواجهها وهو يرمي ها بنظرة حادة : رغم أن بعض زبائني يدفعون لقاء خدملتي بالمقايضة إلا أنني لا أريد سواريك
لم تدرك أن كانت تعابير وجهه تنم عن التسليه أو الاحتقار ثم تابع : كما أنني لا أسألك عن بوليصتك رغم أن السؤال يتعلق بالمال
فردت : لا أملك قرشاً حالياً قلت لك لا أحتاج لمساعدتك ألا تذكر ؟ ولكنك فرضت نفسك علي
- أنا انسان وحشي والأن اصمتي لبرهه ودعيني أتحدث
رفعت يديها كأنما تدعوه : أعذرني ! أرجوك! تفضل بالكلام كيف أنسى المبجلين من أمثالكم أكثر أهمية منت نحن المخلوقات العادية ؟
كانت النظرة التي حدجته بها محملة بكل الحقد الذي ملأ قلبها منذ الحادث
- هل كنت صادقة عندما أدعيت أنك جبرت ساقك ؟
بلغت وقاحته حد انتزع منها شهقة ذهول وردت : لماذا ؟ أتؤمن بأن تجبير رجل مكسورة حكراً على الأطباء دون سائر البشر؟
- أهذا نفي ؟
- ليس نفياً ! كان والداي مصورين ، برعا في تصوير نماذج عن الحياة البرية جابا العالم وأشرفا على تعليمي وأخضعاني لتجارب قلما يختبرها غيري من التلاميذ وبما أننا عشنا وحدنا كان يجب علينا أنعتمد على أنفسنا وما لبثت أن استقامت وقد ملئت فخراً بالحديث عن أبوين مشهورين ثم أردفت : في أحد الأيام وبينما كنت في المخيم أغسل ملابسي زلت قدمي ولما عاد أبي وأمي كنت قد جبرت قدمي بنفسي
نظر إليها بتمعن وشعرت أنه يدرس كلامها وصدقها وإن كان على مضض فأحست بالرضا ونظرت إليه بتحد : والآن أليس لديك ما تقول ؟
- أخبريني هل ستشكل عليك تصليحات المركب عبئاً؟
توقعت منه أي شيء عدا هذا السؤال فقطبت وأجابت :- هذا لا يعنيك
أعرف ذلك يا أنسة ولا يهمني أن لا يعنيني ولكن كوني لطيفة معي
فقدت قدرتها على الشجار لم تكن تعاني صداعاً فقط بل كانت مفلسة ولا تملك مكاناً تأوي إليه إلا أنها أجابت :- قابلت هذا الشاب في سباق نُظم لتنظيف الأرض قبل يومين , فأخبرني عن هذا السباق وأنه يملك زورقاً ومستعد لإعارتي إياه إن أردت الإشتراك
سرعان ما سرت قشعريرة في جسدها ترى ماذا تفعل ؟
- لم يكن هذا الشاب صديقاً حميماً وليس لدي أدنى فكرة عن ردة فعله حين يرى بأي حاله أصبح زورقه
لم يعد أمامها إلا العثور على عمل مؤقت كي تتمكن من اصلاح الأضرار وخوض مغامرتها التالية
ظل الطبيب طويل القامة عديم النظر هادئاً لمدة خيل لها أنه دهراً وتناهت إليها دقات الساعة فجالت ببصرها حتى عثرت عليها كان المكان نظيفاً جداً على أي حال أليس الرجل طبيباً ؟
أخير ا كسر الصمت قائلاً :- اسمعي يا آنسة
حولت نظرها إليه كان يصر على أسنانه عرفت ذلك ما إن لمحت التواء في عضلة خده
- لا أملك وقتاً للمماطلة والتلميح لقد استقالت الممرضة بالأمس , وأنا أحتاج للعون فهل تقدمين لي يد المساعدة إن أصلحت المركب على نفقتي ؟ ما رأيك في أسبوعين ؟
فغرت فاها فقد ذُهلت فلم تخطر هذه الفكرة في ذهنها أبداً ولكنه يعرض عليها عملاً وسواء كان سيء الطباع أم لا فهي بحاجة للراتب – أعتقد أنه يمكنني أن أطهو وأغسل
-رد متعجباً – ولكنني أحتاج لممرضة
أجفلت وقالت – ولكنني لست ممرضة
هز رأسه متفهماً / اطمئني فأنا احتاج لنسمها مساعدة ترافقني في جولاتي وتزودني بالملفات وتعين لي المواعيد لن أطلب منك أن تساعدينني أثناء جراحة في المخ
ترى لماذا تعجز عن التفكير؟ لا بد أنها الإصابة في رأسها
فجأة مال عليها قائلاً :- أنت تحتاجين إلى عمل أليس كذلك ؟
اكتفت بهز رأسها
ظهر على وجهه تعبير كان أبعد ما يكون عن السعادة ، ثم أضاف :- إنني احتاج للمساعدة وأظنك تفين بالغرض امنحيني أسبوعين من وقتك وسأتأكد من عودة الزورق إلى حالته الأصلية فما رأيك ؟
تمتمت :- أولاً لم يكن الزورق جديداً
فقاطعها :- حسناً سأتأكد من عودته لسابق عهده عاقبيني جزاء غلطتي !
سددت إليه نظرة خارقة وأجابت :- لماذا أنت بغيض هكذا ؟
مرر يده في شعره وقال :- اسف ما رأيك إذاً؟
تسألت بكآبة هل ستعمل لصالح هذا الرجل الكئيب لمدة أسبوعين ؟
- هذا مبلغ كبير يا دكتور يبدوا أنك تدفع مبلغ خيالي لمساعديك
أجاب بجديه :- من الصعب على القاتل أن يحصل على مساعدين فعالين
حاولت جاهدة أن تكتم ابتسامة عريضة واكتفت بتوجيه نظرة منتقدة له ترى ما مشكلتها معه ؟ أنه وسيم للغاية لكنه بغيض حقاً وتراهن بكل ما تملك على أن قضاء أسبوعين معه يفوق طاقة كل إنسان عاقل
وفجأة لمعت في ذهنها فكرة فطرحت سؤال وهي لا تعرف أتهلل فرحاً لموافقته أم تنفرج أساريرها لرفضه :- فضلاً عن إصلاح المركب هل أنت مستعد لدفع نفقات رحلتي ؟
يا لجرأتها فعلاً!!
حملق فيها وسأل :- وأين تذهبين ؟
- لست لست أدري سأقرر وجهتي في الوقت المناسب
- يالها من خطة رائعة !!
أدركت أنه يعتبرها مجنونه ولكنها تقبلت كلامه بصدر رحب فالمعارضة التي يبديها أصحاب العقول الضيقة هي مديح بالنسبة لها
- فلنجعلها ثلاثة أسابيع وسأتكبد مصاريف رحلتك أي كان وجهتها
- ثلاثة أسابع ؟
- لن يضرك أسبوع أضافي فما قولك ، اتفقنا ؟
كانت تدرك مشقة الحصول على عمل لذلك أجابت وهي تكشر بالموافقة
قال وهو ينظر للساعة :- هل أنت جائعة ؟
لم تكن غبية فترفض أن تسد جوعها فأقرت :- بإمكاني أن آكل
-وهل بإمكانك الطهو ؟
-طبعاً
تملكها الاضطراب من جراء اقترابه منها مما دفعها إلى الابتعاد عن المائدة قليلاً :- أستطيع أن أطهو فوف رماد الحمم البركانية إن اضطررت لذلك
كان قد خلع معطفه الأبيض ليعلقه فألتفت إليها مقطباً :- لا ضرورة لذلك فأنا أملك فرناً
أحست أن هذا الطبيب الرزين بحاجة للاسترخاء فبدأت تمازحه :- ياللأسف أين روح المغامرة في هذا ؟
فاتكأ على المنضدة خلفه كانت وقفته طبيعية جداً وجذابة لحد مقلق فكرت في أولئك الممثلين السينمائيين الذين يتدربون لساعات على هذه الوقفة الذكورية المختالة ، بل جدوى ثم أدركت أن في تعابير وجهه لمحة من الاستهجان
- إذاً أنت تعتبرين الحياة مغامرة كبيرة ، أليس كذلك ؟
الطريقة التي تكلم بها أغضبتها فأجابت :- الحياة بحد ذاتها مغامرة يادكتور وعليك أن تستفيد من الوقت الذي تقضيه فيها
ثم أضافت وهي تراه يطبق على أسنانه :- أتواجه مشكلة في تقبل ذلك ؟
- أبداً طالما لن تستقيلي قبل نهاية الأسابيع الثلاثة
أنه يظن أنها امرأة لاتفي بوعدها ردت بغضب :- إن قلت سأبقى فسأبقى
-أهذا وعد؟
أطبقت على أسنانها بدورها :- وهل ستصلح المركب وتدفع ثمن بطاقة سفري ؟
رمقها بنظرة حادة فعرفت ميمي أن الطبيب الرزين غير معتاد على أن يشك في كلامه أحد
أجابها بحدة :- طبعاً آنسه باتيست
فعاجلته بالإجابة :- إذاً اتفقنا ، نفذ وعدك ، وسأبقى ثلاثة أسابيع إنما لن أبقى يوماً واحداً بعد ذلك


*******************

2/ زوجته !


اشتبكت عيون ميمي والدكتور بنظرة طويلة معبرة
كانت مشاعر ميمي تتراوح ما بين الغضب والخيبة ولكنها عرفت طعم الرضا !! فلا يحتاج المرء لخبير ليعرف
أن هذا الأمر يضايق الطبيب الساحر كما يضايقها
وفجأة صدح صوت قوي فاعتذر منها الدكتور وتوجه لباب الكوخ الأمامي وتسألت ميمي من يحتاج الدكتور في ساعة كهذه ؟ ثم سارت بتمهل حتى بلغت غرفة الطعام حيث أخذت تراقب الطبيب يمشي بتشامخ نحو المدخل
حين فتح الباب على مصراعيه طالعته فروة بيضاء ، تنبح وتلوح بذيلها القصير بشدة ماكاد هذا المخلوق الصغير يقفز للداخل ، حتى ظهرت امرأة جذابة بشعر ضارب للحمرة يصل حتى الكتفين ، ونمش غزير يغطي وجهها الجميل
حيت المرأة الطبيب ثم قالت :- رأيت المنزل مضاء ، وتصورت أنك ترحب بعودة فوفو
بادلها مارك التحية قبل أن يتكلم :- إن الضباب ينقشع
- لكن الريح ازدادت قوة
ولما رأت ميمي ، سكتت ثم استدركت :- لم ألحظ أنك تستقبل مريضة
وفي الوقت نفسه انتبهت كتلة الزغب لميمي فأخذت تنبح وتقفز مرحبة بحماس
وإذا بالمرأة تنادي :- اهدئي يافوفو ! لا يجدر بك مضايقة المرضى
التفت مارك للمرأة وفسر لها :- إنها ليست مريضة يا سوزان بل هي مساعدة مؤقتة عثرت عليها الليلة
بعدئذ أشار لميمي :- سوزان ميريت أعرفك إلى الآنسة باتيست
أدركت ميمي أنه نسي اسمها لكنها استغربت للإحساس الذي احتاج صدرها ترى هل تضايقت لأنه متزوج ؟ بالطبع لا فهي حتى غير معجبة بهذا النكد البغيض
حين أدركت أنهما اقتربا منها مدت يدها أخيراً وقالت :- أنا ميمي ميمي باتيست تشرفت بلقائك
شدت سوزان على يدها ثم نظرت لمارك وقالت :- أعرف أنه من الصعب الحصول على مساعدة ياعزيزي لكن ألا تعتقد أنه من المخالف للقوانين أن تضرب النساء على ر}وسهن لتنال مرادك ؟
ابتسم مارك ابتسامه عريضة كان لها وقع الصدمة على ميمي فقد بدلت ابتسامته ملامحه حتى أضحت وسامته باهرة وإذا بها تبتلع ريقها بصعوبة أدركت أنه سيصعب التعامل مع ابتسامته , حتى وإن كان يجيد إخفاءها
- كم هذا مضحك يا سوزان
ظلت الكلبة تقفز حول ميمي فأمرها مارك :- اهدئي يافوفو حان وقت العشاء
توقفت فوفو عن القفز واتجهت للمطبخ
سأل مارك سوزان :- كيف حال كايل ؟
ابتسمت سوزان وتوردت وجنتيها :- إنه ألطف طفل على وجه الأرض
أضافت :- أشكرك على هذا الطفل الرائع
وما لبثت أن تنحنحت وكأنها تقاوم الانفعال الذي استبد بها وقالت :- لم لا تزورنا أحياناً ؟
فغمز بعينه وقال :- هذا وعد
التفتت سوزان لميمي ونبهتها :- إياك أن تدعي وحش الشغل هذا أن يرهقك بالعمل ، وذكريه أن يأكل دائماً اتفقنا
ورمقته بنظرة مؤنبة وهي تضيف :- أنت هزيل جداً
فإذا بمارك يطلق ضحكة ملأت أرجاء الغرفة بالدفء :- ألن تتوقفي عن مضايقتي ؟
- حسناً حسناً أنا ذاهبة، أظن أن كايل متى كبر قليلاً سيسرق فوفو منك
-إذا أخذ كايل فوفو مني فعليك أن تمنحيني حق الزيارة
- وكأنك تملك وقت للزيارات
التفتت لميمي وسألتها :- إذا لم يكن مارك قد ضربك فكيف أصبت ؟
أحست ميمي برغبة في أذيته فردت :- بل ضربني !!
وبعد أن سددت له نظرة توبيخ ساخرة أردفت :- تعرضت للقرصنة في عرض البحر لقد صدم قاربي بقوة ، ثم قام باختطافي لقد كانت تجربة رهيبة
خيل لها أن ابتسامته استحالت عدائية ولكنه قال :- لقد أنعم الله علي بامرأتين خفيفتي الظل في غرفة واحدة يالحظي!!
علقت سوزان :- كنت أجهل أنك قرصان شرير
سارعت ميمي للقول :- ها أنت ترين الجانب الشرير من شخصيته ومما زاد الطين بلة إصراره على أن أعمل لحسابه ثلاثة أسابيع كاملة ، مقابل أن يدفع ثمن التصليحات
قالت سوزان :- خلف هذا القناع الرزين ها أنا أكتشف أنك متورط في أعمال خطف وابتزاز
أخذ مارك ينقل نظراته بين سوزان وميمي حتى استقر أخيراً على سوزان :- فضحت أمري أنا مجرم خطير كسفاحي القرن التاسع عشر
رغم أن ابتسامته كانت موجهة لسوزان إلا أنها أثرت بميمي تأثير لم ترغب فيه فليس في هذا الطبيب صفة واحدة من الصفات التي تعجبها في الرجل حسناًتقر أن فيه بعض الصفات الأساسية كالذكاء والوسامة غير أنه أولا وأخيرا ليست أهم الصفات
قهقهت سوزان :- وهل أنت جاك السفاح ؟ آسفة يا مارك ولكني لا أصدق ذلك فما أنت إلا الطبيب ميريت الذي يرفض الفساد والرشوة
ثم واجهت ميمي وأردفت :- ألم يخبرك لماذا استقالت الممرضة الأخيرة؟
هزت ميمي رأسها نفيا فقالت سوزان غير عابئة باعتراضات مارك :- لأنه لم يرض أن يلعب معها لعبة الطبيب والممرضة ، إن فهمت ما أعنيه
اختلست ميمي نظرة لمارك وقد أجفلها هذا التلميح الجريء
وأخيرا تمتم :- شكرا جزيلا سوزي يبدو أنني نسيت أن اذكر هذا التفصيل الصغير
حيت سوزان ميمي بمزاح :- أنه إنسان لا يقبل المساومة ولكننا نحبه على أي حال
كان التورد الذي علا سمرته قد كشف عن حساسية مغرية لعله فظ ، لكنه جذاب حين يصاب بالاحراج لاحظت ميمي أن زوجته لم تشك في إخلاصه وهي تغيظه عن أولئك النسوه عشيقاته ربما
زمجر مارك :- أرحلي يا سوزان يتناهى إلي بكاء طفل
قهقهت وأجابت :- أحبك أيضا ياعزيزي
قالت لميمي :- إننا نسكن فوق التلة ، لذا آمل أن أرك باستمرار أني أعاني من قلة النساء على هذه الجزيرة وكم أتوق لمحادثة امرأة ! هذا إذا افترضنا أن القبطان الشرير قد منحك إجازة
هتفت ميمي :- لن أتوقع ذلك منه بتاتا
ضحكت سوزان وهي تغلق الباب بهدوء فجأة وجدت ميمي أنها تواجه تلك التكشيرة العابسة مجددا قال وهو يشير للمطبخ :- سأدلك لغرفتك إنها في الخلف هناك
ضربت له سلاما مرحا وقالت :- حاضر أيها القبطان ترأس المسير يا سيدى
تقدمها عابسا :- اخبريني عن مكان حاجياتك ، وسأطلب تسليمها إليك في الغد
- حسناً سأكتب لك العنوان
- ستنامين هنا
وسرعان ما شرع بابا وأضاء الكهرباء ليكشف عن غرفة صغيرة بسيطة الأثاث بدت جذابة قديمة الطراز ونظيفة للغاية
ثم أمسك بمقبض باب مزخرف بالقرب منها وأضاف :- وهذه غرفتي!!
تسمرت لبرهة ثم استدارت لتواجهه :- أقلت غرفتك ؟
بدا سؤلها محملا برعب لم يسمعه من قبل :- هذا منزلي آنسة باتيست ظننتك فهمت ذلك ؟
وإذا بخوف شديد يخالجها فقالت :- لكن ألا تعيش فوق التلة ؟
- كلا كنت أعيش هناك في الماضي ، إنما هذا منزلي الآن
يجدر بها ألا تهتم إن كان متزوج أم لا لكنها وجدت تصريحه باعثا على الدهشة فقد أحست أن علاقة ودية تجمعه بسوزان وما لبثت أن هزت كتفيها استهجانا وتمتمت :- هذا مؤسف جدا
سألته :- أنت منفصل إذا ؟
- ماذا ؟
- أقصد منفصل عن زوجتك وطفلك
كتف ذراعيه وكرر :- زوجتي وطفلي ؟
- أتعاني من مشكلة في السمع يادكتور ؟
أشارت لغرفة الجلوس وأردفت :- أتحدث عن سوزان ، أي السيدة ميريت وطفلكما هما يعيشان فوق التلة فكيف تعيش هنا ؟
تجهمت فهذا الرجل قد يكون وقحا للغاية لكنه بدا متفانيا مع سوزان
- ترى لماذا انفصلتما ؟ أبسبب ساعات عملك الطويلة أم بسبب الكم الكبير من الممرضات العاشقات ؟
راقبها بفضول قبل أن يهتف :- عفوا ؟
أطلقت تنهيدة ساخطة كيف لرجل أن يكون دكتور وأبلها في نفس الوقت ؟ وأخيرا قالت بوضوح :- لم لا تعيش وسوزان تحت سقف واحد ؟
لوى شفتيه وعلق :- لم لا أعيش ؟
يالازعاجه ! – أتحول إخباري أن الأمر لا يعنيني ؟
لقد نشأت في البرية لذلك هي تفتقر للباقة واللطافة
- أنت محقة هذا لا يعنيك يا آنسة لكن ما من سر في الموضوع وستعرفين الأمر لاحقاً
أكمل – تسأليني عن السبب اعتقد لأن زوجها لن يوافق
اختلط الأمر على ميمي :- زو ولكن أليست السيدة ميريت ؟
- بلى إنها زوجة أخي
شعرت بالهلع فقالت :- لم شكرتك على الطفل ؟
ما إن تلفظت بتلك الكلمات حتى شعرت بالهلع ، فلوحت بذراعيها :- لا انس سؤالي أحيانا أتمنى ألا أتدخل في أمور الآخرين
أجاب بسخرية :- وتفعلين دائما العكس على ما يبدو لكن حرصا على أحاسيسك المصدومة ، اعلمي أن سوزان لم تشكرني إلا لأنني ساعدتها على تبني الطفل
شعرت بالغباء وتمتمت أخيرا :- كلامك منطقي
- إذاً سأنام قرير العين
أجفلتها سخريته أما هو سار نحو المطبخ وقال :- ماذا تودين أن تأكلي ؟
غمغمت :- طبق الأغبياء ! أحست ميمي أنه يقاوم ضحكة خفيفة يالهذا الرجل ! لم يكن أبله ولم يعان من ضعفا في السمع ! بل كان يتمتع بوقته وهو يراها تنسج خيوط حكاية وهمية ! لابد أنه تسلى وهو يتفرج على
هذه الحمقاء الصغيرة !
أخذت نفساً عميقاً عساها تستعيد نشاطها ، قبل أن تقرر أن تتبعه

حين دخلت المطبخ أخيراً كان يضع قدراً على النار
سألها :- ما رأيك في السباغيتي ؟
في الواقع كانت قد فقدت شهيتها ولما لم تجبه ، اختلس النظر إليها وقد عقد حاجبيه :- لا تقولي لي أن إعداد السباغيتي يخلو من المغامرة ، وإنك تفضلين أن تجوبي الأدغال بحثاً عن فريسة تصطادينها بيديك ؟
وما لبث أن أشاح بوجهه وتابع :- الوقت متأخر وأنا منهك ، كما أننا نعاني من نقص الطرائد على هذه الجزيرة ، فإما أن تأكلي السباغيتي وإما لا شيء
تحول ذلها إلى غضب شديد :- لم أنبس بكلمة يادكتور سآكل السباغيتي
تناولت القدر قبل أن تضيف :- اذهب وأزعج أحد غيري ، وسأناديك حالما يجهز الطعام
تراوحت ملامحه بين الانزعاج والحيرة ، حتى استقرت أخيراً على الكآبة فهز رأسه وقال :- أنا آسف ياآنسة كان يومي طويلاً ومرهقاً
أحست بدافع غريب على أن تزيح الخصلة المتدلية على جبينه ، لكنها ثبتت يديها بإحكام على مقبض القدر لن تفقد عقلها بسبب رجل لا يتمتع بروح المغامرة مثلها ومن الغباء أن تضيع في سحر هاتين العينين التي لن تملآها حين يحين الرحيل إلا حزناً
هربت نحو المغسلة وقالت :- أما أنا فكنت آكل الحلوى طيلة النهار ، لذا أحس بالانتعاش كزهرة الربيع ، هذا إذا ما استثنينا الجرح في رأسي طبعاً ، والآن اذهب !
يوجد ميزه أخرى مزعجة جداً للدكتور فمن الصعب أن يتجاهله المرء
ولما لم يكن باستطاعتها أن تراه أو تسمعه ، افترضت أنه لم يحرك ساكناً لكن بعد لحظات تناهى إليها صوت البراد وهو يفتح فاختلست النظر إليه ورأت مارك يخرج علبة الهمبرغر سألته :- ماذا تفعل ؟
- غداً يوم الأحد وهو يوم عطلة ، إن لم تطرأ أي حالة طارئة سيتسنى لك الوقت لتتعرفي على الجزيرة
أخرج مقلاة وقال :- سأترك لك هذه الليلة قميص اً وجوارب لترتديها بعد الحمام
سارعت للقول :- شكراً
كان التوتر بينهما يظهر للعيان وملا لبثت أن أجبرت نفسها على مواجهته ، وتلفظت بالكلمات الصعبة :- اسمع يادكتور
فكرت أن تعتذر منه أما هو فلم يلتفت إليها بل واصل تحضير الطعام فهمست :- مارك
وهنا توقف وقد رفع حاجبه متسائلاً
هزت بكتفيها قائلة :- أنا آسفة بشأن مركبك
أخذت الشوكة من يده :- ستدفع أمولاً طائلة لإصلاح الزورق وأخبرتك أنني سأعمل لأفي ديوني فدعني أعد العشاء على الأقل
لو لم يكن عبوساً ويعيش حياة تقليدية لظنته الرجل الذي انتظرته والذي سيحبها كما أحب والدها أمها
وما لبثت أن لامت نفسها لهذه الأفكار السخيفة وسألته :- أرجوك ؟ دعني أقوم بذلك واذهب
- كلا يا آنسة لست مضطرة لتقومي بأعمال إضافية ، بخلاف ساعات العمل
هتفت :- هذه سخافة ! اذهب ! استحم ! خذ قيلولة ! اثقب الجدار! افعل ما يحلو لك ودعني أفي بوعدي
تابعت :- هيا ، تحرك!
فصاح :- توقفي ! فلست فيلاً غائصاً في مستنقع !
- هل أنت متأكد يادكتور
تمدد مارك مرهقاً ما به؟ لقد بدأ يومه في الخامسة صباحاً وهاهي الساعة تقارب الثانية صباحاً لم لا يداعب النعاس جفنيه ؟ كان في العادة يغط في النوم قبل أن يتهالك على الوسادة
أطبق عينيه دون فائدة علم أن امرأة تدعى ميمي باتيست هي ما يشغل عقله وتمنعه من النوم
ما أن وقع نظرة عليها على متن ذلك القارب حتى انقلبت أفكاره رأساً على عقب
أمسى أكثر طيشاً وتسارعت دقات قلبه لم يختبر في حياته شعوراً كهذا وهذا ما يخيفه !
لقد عاد لجزيرة ميريت لأنه اكتشف أنه لا يصلح لأن يكون طبيباًَ في مدينة كبيرة لقد اشتاق لأهله وأصدقائه وذلك النمط التقليدي الذي تعود عليه لم يرغب في إدارة شركة العائلة ،ولهذا سر سروراً بالغا عندما تولى جاك الأمر لكن جزيرة ميريت مسألة أخرى لم يذق طعم السعادة إلا في هذه الجزيرة حيث الموطن الذي يحلم به
كان ينوي أن يختار زوجة من أحدى الجزر القريبة ويؤسس عائلة ، سيما وأن معظم أصدقائه قد تزوجوا وأنجبوا
فالطبيب يحتاج للاستقرار ، وميمي باتيست هي أبعد ما يكون عن الاستقرار أنها أشبه بطائر جميل يتوق للطيران وهو لا يجرؤ على أن يحبها ، لأن الطائر حين يطير يرحل بعيداً
لماذا يتصرف كرجل لا كطبيب حينما يلامس شعرها صدفة ولماذا يرتبك كلما سمعها تناديه بوقاحة
إنها مزيج من السخط والبهجة ، من الإزعاج والسحر وهي بالتأكيد ليست المرأة التي يتمناها !
عليه أن يسحق هذا الشعور الذي يخالجه ووعد نفسه أن يكافحه مهما كان قويا وألا يتورط في هذه العلاقة كان من السهل عليه أن يصد أورسولا وأمثالها ، فدولاب العمل لايدور إذا نشأت علاقة غير مهنية بين الموظفين
لكن كيف يكافح المشاعر التي يكنها لميمي ؟
أنه يريد هذه المرأة وبما أنه يعلم تاريخ آل ميريت فهو يعلم أن قلوبهم لا تتعلق بحبيب أو تخسر وليف من دون أن تعتصر ألماً ودموعاً فوالده لم يعد لسابق عهده منذ وفاة أمه أما جاك فعانى الأمرين منذ سنوات حين فقد تاتيانا ، قبل أن تظهر سوزان في حياته منذ سنتين
نعم أنه يريد زوجه لكن لن تكون ميمي باتيست ! لن تكون هذه الغجرية التي ما تحط رحالها حتى تسافر مجددا ً
دعك منها ميريت !! واخلد للنوم
انزعج مارك من نفسه لانشغاله بامرأة سريعة الغضب، فنهض من فراشه وسار بخطى خافته نحو الباب.
حين وصل إلى الرواق ، اصطدم جسده بشدة بشيء ما
لم يكن الطيف المتسلل الذي ارتطم به طويل القامة ، بل بدا ناعماً إلى حد لم يتوقعه كل ما استطاع فعله هو أن يتمنى أن يكون المجهول مجرد سارق



****************


3/ لماذا لا تحبني ؟



لم تستطع ميمي أن تتيبن طريقها في عتمة الرواق ، لكنها اعتمدت على حاسة اللمس القوية التي تمتاز بها وفجأة ارتطمت برجل متين البنين ! ولما تناهى إلى مسامعها شتيمة مكتومة ، عرفت أن الطبيب يعبر عن سعادة الغامرة بلقائهما الليلي
تمتمت وقد أغضبها امتعاضه الواضح :- هذه المرة صدمتني فعلاً يادكتور !
وفجأة أحست بالدفء الذي يلفه والقوة التي يتمتع بها وياليت الأمر اقتصر على ذلك بل سرعان ما تسارعت دقات قلبها
طردت الصور التي داعبت مخيلتها وهي تذكر نفسها بأن هذا ليس في صالحها
همست :- حسناً لن يغمى على لقد واجهت مشاكل أكبر
قاطعها بوقاحة :- حين صدمك غيري من الرجال ؟
ردت بغضب – حين صدمتني سمكة قرش نتنة !
سكتت وهي تتسأل كيف يتدخل في حياتها العاطفية ؟ وتابعت :- لكن لنعتمد إجابتك يادكتور فهي أكثر نبضاَ بالحياة
عاد الصمت ليلف المكان وتوقف عقلها عن التفكير لكنها تمسكت بعقلها وتركت غضبها يحررها :- إن كان هذا اغراء يادكتور ، فابذل مزيداً من الجهد في المرة القادمة إن رأسي يؤلمني ، لذا اعذرني إني على موعد مع خزانة أدويتك وحبة أسبرين
ثم ابتعدت عنه والدوار يتملكها مشت بترنح وهي مستندة على الجدار فسارع للقول :- اسمعي يا آنسة أنا آسف لم أكن بكامل وعيي في مكتبتي تجدين الدواء الناجح لصداعك
أشار للمطبخ مبتسما :- أنا جائع ماذا عنك ؟
ابتسم ابتسامة صغيرة كان لها تأثير بالغ عليها فضلت ميمي ألا تفكر في العواقب إذا ما رسم ابتسامة عريضة على وجهه لها وحدها
هزت كتفيها بلا مبالاة وردت :- حسناً ،قد آكل رطلين من اللحم مع كيس كبير من الخبز
اتسعت عيناه لبرهة ، حين تبينت ميمي بوادر روح مرحة حقيقية في نفسه فأجابها :- رائع ، أعدي أنت السندويشات وسأحضر الدواء
أوصلها للمطبخ ، وحين أضاء الكهرباء ، أجفلت ، وقد أعماها النور المتوهج الذي سطع فجأة , وآلمها بشدة
اختلس مارك النظر إليها ثم بادر بإطفاء النور وسأل :- ألا تتحملين الضوء ؟
آسفه يا جماعة ينادووووووني للعشاة إلى اللقاء

اختلس مارك النظر إليها ثم بادر بإطفاء النور وسأل :- ألا تتحملين الضوء ؟
استمرت تراوغه وهي تعلم أن الذنب ذنب هذا الصداع :- كيف أتحمل ضوء بمعدل 5 واط
- أظن بإمكاني تدبير ضوء ملطف لآلام الرأس
ثم أفلتها وتناول شموع وأعواد ثقاب وبع ثوان كانت شعلة خفيفة قد ملأت الغرفة بنور خفيف
- أهذا أفضل ؟
انعكس الضوء عليه وبدت صورته من الجاذبية بحيث شكت في أن تفي كلمة نعم بالغرض فأومأت برأسها قائلة :- شكـ شكراً
- لن يستغرق الأمر إلا دقيقة
تمتمت – خذ وقتك
من الأفضل أن يكون دواؤه شافي وإلا ذهبن رباطة جأشها أدراج الرياح بسبب المشاعر التي تتملكها أهي فعلاً بحاجة لهذا النوع من المشاعر في الوقت الحالي ؟
حين عاد بدا شعرها مشعثاً ، منسدلاً حتى كتفيها كانت أشبه بفتاه صغيرة ترتدي قميص أبيها وجواربه لكن مارك استدرك لكنها ليست صغيرة أبداً فنور الشمعة أظهر بغموض تقاسيم جسدها بشكل مغري لحد العذاب !
حين اقترب منها أمسكت بطبقين ، واستدارت قائلة : ها قد جهزت الشطائر الموظ التي أمرت بها مسيو !
لكن تعابير وجهها تجهمت عندما رأت مافي يده :- ماهذا ؟
-إنها حقنة وسيظهر مفعولها أسرع
لم يخف على مارك أنه حرصت على إبقاء مسافة كافية بين المقعدين ثم رآها تلتفت إليه وهي تقول :- ظننتك ستأتيني بحبة يادكتور !
رفع حاجبه علامة التحدي قائلاً :- لن تضرك إبرة بسيطة
كشفت ذراعها وقالت :- لقد طعنتني بإبر ما فيه الكفاية اليوم ، الم تسأم من استخدامي كوسادة للدبابيس ؟
- بلى وأحاول جاهداً مقاومة هذا الشعور
ما إن تلفظ بهذا حتى تعجب منذ متى أصبح يمزح في المسائل الطبية ؟
حدقت فيه بكآبة ورفعت إليه ذراعها قائلة :- حسناً استمتع بوقتك
تابعت بوقاحة – أبهذه الطريقة تكافئني وقد أعددت لك ساندويش ؟
- ستصبحين أفضل حالاً أخبريني ، هل أنت حساسة تجاه أي نوع من المسكنات ؟
- الفراولة !
أحس برغبة في الابتسام لكنه سيطر على نفسه وأجاب :- لحسن الحظ أنني لا استعمل الفراولة كمسكن
كشرت في وجهه وقالت :- أقلت مسكن ؟ إذاً الجواب لا ، على الأقل على حد علمي
انهمك بتطهير مساحة صغيرة في ذراعها وسألها :- ماذا تسبب لك الفراولة ؟
- موجة عارمة من الحكاك الشديد
- هممممم
ضحكت ، فحدق فيها بارتباك :- لما ضحكت ؟
- لاشيء ولكن بدوت مثل الطبيب الصارم بهذا التعليق أيعلمونكم هذا في مدرسة الطب ؟ أن تكتفوا بهذا التعليق حين تجهلون الحل ؟
تمالك أعصابه وصب اهتمامه على الحقنة المنتظرة
- لكني أعرف الحل جيداً يا آنسة
- أحقاً ما هو ؟
- لا تأكلي الفراولة
قهقهت مجدداً فأرسل صوتها قشعريرة في بدنه يله من شعور غريب ومثير لم يختبره من قبل !
حانت منه التفافة إليها كانت مغمضة العينين فقال :- ها قد انتهينا !
جلست ورددت – إياك أن تتخذها عادة موافق ؟
أشارت للسندويشات وقالت :- هيا ، كل يادكتور
رمى الحقنة وجلس قبالتها وألقى نظرة على الطعام :- قات لحم الموظ ، لا ؟
- طبعاً مع كيس كبير من الخبز !
هنا غمره فضول لمعرفة محتوى السندوتش فرفع قطعة الخبز الأعلى ، ونظر وهو عاجز عن التصديق :- هل أعددت ساندويش من السباغيتي الباردة ؟
أومأت برأسها وابتسمت بمكر
- كيف حال رأسك ؟
زمت شفتيها و غطت وجهها بكفيها بحركة قوية وكأنها تفكر ملياً في الجواب ثم قالت :- جيد جداً
هذه المرة عندما حاول أن يكبت ابتسامته مني بالفشل فهتف :- هذا رائع !
- اسمع يادكتور
أجابها وهو يغطي السباغيتي بالخبز :- نعم ؟
- لا تقلق !
لم يكن متأكد مما سمعه فكرر :- لا أقلق ؟
- أجل
- على ماذا يا آنسة باتيست ؟
مالت إليه بدورها وقالت :- لن ألاحقك في أرجاء مكتبك !
إنه بالطبع لا يسمعها جيداً فهتف مجدداً :
- ماذا ؟
ارتمى في كرسيه غير مصدق لم يصدمه أنه ليس رجل أحلامها ، بل أحفلته وقاحتها بدا واضح أنها لا تشعر بألم لكن المفارقة أن تصريحها آلمه في الصميم ، ليس لأنه يود أن تلاحقه في المكتب ، بل لأنه فكر مسبقاً في استلطاف متبادل بين الطرفين ، أخيراً تكلم :- أنا أشكركك على صراحتك
همست – فلنلخص الواقع يادكتور لن أطيل البقاء هنا وليس من هواياتي الانقضاض على الرجال
صر بأسنانه لقد خطرت له هذه الفكرة أليس كذلك ؟ تقدم واستعد للكلام وفجأة لمح العبرات في عينيها فتسمر مكانه وقد فغر فاه
- أنت لا تحبني يادكتور
لم تكن تطرح سؤال
تنحنح وأجاب :- طبعاً طبعاً أحبك آنسة باتيست
وتابع في سره :- لكني لا أريد أن أحبك وأود أن ترحلين فأرتاح
ثم أضاف على مسامعها :- ولترتاحين ، أنت لست المرأة التي أبحث عنها
- هذا رائع
ألقت برأسها على شطيرتها وعادت وتمتمت :- هذا رائع
سأل بنعومة :- آنسة باتيست ؟
لكنه لم يلق جواباً
لقد غرقت في النوم راح مارك لدقيقة يراقبها كان شعرها يتلألأ في النور الخافت أما يداها
فموضوعتان برشاقة جانب الشمعة وقع نظره على الحلية الصغيرة حول معصمها الأيسر واستعاد ذكرى عينيها الجميلتين هز رأسه بذهول ثم قام
وأطفأ الشموع مظهرها هذا جعل شجاعته تخونه للحظة ، لكنه عاد وذكر نفسه بأنه طبيب أولا وأخيرا ، وهي مريضته ، ولن تكون موظفة إلا من الغد ، ومن الأفضل أن يهمل أي شعور بالحب قد يثره نحوه
تنهد وتمتم :- نعم نحن محظوظان فعلاً
في الصباح كانت ميمي تحس بالانتعاش فقد نامت لفترة طويلة فجأة شعرت بوخزه صغيرة ّإذ أدركت مكانها تمتمت :- حسنا أنا عبده الطبيب النكد ابتداء من اليوم
قفزت من السرير قائلة :- لن ينفع البكاء على أطلال زورق !
ثم وجدت حقيبتها الخضراء بجانب الباب كيف وصلت هذا الحقيبة إلى هنا ؟ انتشلت قميصاً قطنياً وسروالا نظيفاً ، ثم اندفعت نحو الحمام وعندما انتهت ، راحت تبحث عن السجان الوحشي
كان يجلس إلى المائدة يشرب كوباً من القهوة وهو يطالع الصحيفة وإلى جانبه فوفو
قالت في نفسها :- يل لهذا المشهد العائلي اللطيف ! رجل وكلبه اللطيف ! ورفع رأسه وحياها بأدب
- صباح الخير يا دكتور ماذا تحب أن تفطر ؟
صحح كلامه :- إنه الثانية بعد الظهر يا آنسة ، أشكرك ولكن قد أنهيت غدائي لتوي
بدا كلامه كعاصفة هزتها ردت بذهول :- الثانية ؟ لا ! لا! يعقل
فما كان منه إلا أن اثنى صحيفته ووضعها أمامه وأجاب :- لكنها الثامنة في هاواي ، إن كان هذا يخفف عنك
هب من كرسيه وتابع :- لقد أحضرت سوزان الغداء طبقك في البراد أترغبين بالقهوة ؟
هتفت وتكشيرة تعلو وجهها :- لكن كيف نمت ؟
وإذا بفكرة تمر في خيالها :- إنه الدواء الذي أعطيتني إياه ، لقد غبت عن الوعي كمن صدمته شحنة كهربائية !
- النعاس من أبرز عوارضه إنما بما أن الليل كان قد تجاوز منتصفه ظننت أنك لا تمانعين
اشتعل غضبها وفتحت البراد وقالت :- أهذا الطبق المكسو بغلاف من البلاستيك ؟
حملته للمائدة وجلست مواجهة له :- هل أحضرت سوزان هذا بنفسها ؟
فرد يديه على الطاولة وأجاب :- نعم
أحست أن نظراته الثاقبة تخترقها فما كان منها إلا إن شغلت نفسها بنزع الغلاف عن السلطة
- لطف منها أن تعد لنا الغداء
- لم تعده بنفسها إنما لطف منها أن تحضره إلى هنا بنفسها
اختلست إله نظرة حائرة
- جرت العادة أن يحضره أحد العاملين لكن سوزان لم تطق صبراً حتى تراك
ارتشف من فنجانه وتابع :- إننا مدعوان على العشاء
توقفت عن الأكل :- ماذا ؟
- إلى العشاء لاشك أنك سمعت به إنه الوجبة التي تلي الغداء بعدة ساعات !!
ردت بغضب :- أفهم هذا التسلسل جيدا ً ، فحتى أنا آكل من وقت ولآخر لكنني ظننت أنني هنا لأعمل ، كيف سأفي بديني إن كنت تتركني أقضي نهاري في النوم ، فيما تقوم سوزان بالعمل كله ؟ ماذا يجدر بي أن أعمل ؟
- أخبرتك أن الأحد يوم عطلة ، إلا إذا طرأت حالة مستعجلة وبما أن سوزان دعتنا للعشاء قبلت ، متوقعاً أن تكوني جائعة
نظرت إليه لقد خلت ملامحه من المدح لكنه على الأقل لم يكن يحملق فيها كعادته سألته :- ماذا عنيت بقولك إن أحد العاملين في المطبخ يحضره ؟
التوت شفتاه بسخرية :- ظننت أن لغتك الأصلية هي الإنكليزية يا آنسة ! فأي كلمة لم تفهمينها جيد اً؟
- أعلم أنني إلى جاني الإنكليزية أتكلم أربع لغات بطلاقة إحداها البانتو وهي لغة الشعب السواحلي ولغة تنزانيا كما أتكلم الفرنسية والألمانية والأسبانية فماذا عنك يا دكتور كم لغة تجيد ؟
- أتكلم القليل من اللاتينية والانكليزية وجوابا إ على سؤالك ، إنه منزل واسع
استوضحت :- عما تتكلم ؟
- عن المكان الذي تعيش فيه سوزان
- تذكرت سؤالها إلا أنها بقيت محتارة :- أتعيش في منزل يحتاج لعشرين خادم ، أهو فندق ؟
- لم تري المنزل فوق التلة من قبل أليس كذلك ؟
- كان الضباب يخيم على المكان حين سجنتني رغما عني ، فيما أنا أطلق الشكاوي والصراخ ،الا تذكر ؟
أحنى رأسه بإيماءة عميقة ُوانتصب واقفاً :- أذكر الضباب ،إنما بالنسبة للشكوى والصراخ فلا اذكر شيئاً
مد إليها يده بثقة قائلاً :- تعالي !
تأملت أنامله الطويلة لبضع لحظات وقد راح قلبها يخفق ، ثم استجمعت قواها ورددت أنه لن تناوله يدها أبداً
- إنني آكل !
اخفض ذراعه وبدا أن الفكرة راقت له :- لن يستغرق الأمر ثوان أريدك فقط أن تنظري من الباب الأمامي
وسرعان ما التفت متوقعا أن تتبعه لكنها قررت أن تتسمر في مكانها وظلت تأكل أما هو فناداها :-يا آنسة ؟ فهمت منك أنك لن تتخلصي من اهتياجك العصبي حتى تدفعي دينك ، ! إن كان اللحاق بي إلى الباب يفوق قدرتك ن ما رأيك أن تدفعي لي المال الذي تدينين به لي ، وتمضي في سبيلك ظ
وهنا علقت اللقمة في حلقها وأخذت تسعل لقد ضرب على الوتر الحساس 1 ما بها تجلس كما لو أنها ملكة عظيمة ن وقد تبجحت للتو بضرورة العمل ؟ لماذا لا تلحق به ؟ ماهي
مشكلتها ؟ من الضروري أن تتحكم بأعصابها
تمتمت في سرها :- ميمي حددي أولوياتك 1 تقدمي وتجنبي الطبيب إنما نفذي أوامره ن حتى تحصلي على بعض المال
توجهت نحوه وأرادت أن تخفف بدعابة من حدة التوتر :- هل طلبتني يادكتور ؟ لم لم تقل ذلك بكل بساطة ؟
رأته يستند للباب أومأ برأسه بتكاسل :- شكراً سأحاول إن أتذكر هذا في المرة القادمة
تقدم للشرفة وأشار للتل البعيد :- هاهو !
لمحت ميمي قصر بثلاثة طوابق من الحجر والخشب لا يطل على المحيط فحسب بل له فيه بركة متسعة تسبح فيها طيور التم
نظرت للحدائق المخملية حوله وقد أزهرت فتها آلاف والآف من النباتات وفاح عطرها وارتفعت الأشجار لتعانق السحاب وتظلل الأرض بظلال رحبة
أخذت نفساً عميقاً وقالت :- يالها من أشجار جميلة !
سرعان ما انتشلتها من أفكارها ضحكة خافتة ، ولمحت نظرة مريبة على وجهه :- شكراً يا بنت الطبيعة ، لكنني أدلك على البيت
- آه طبعاً إنه جميل ، أتعيش سوزي هناك ؟أدار ظهره للمنظر الطبيعي قائلاً :- يعيش كلاً من سوزان وجاك وطفلهما بالإضافة أبينا جورج وحوالي درزيتين من الخدم
- أيعيش أبوك وأخوك هناك ؟
- نعم
- وأنت لاتعيش هناك حتى عائلتك نفسها لا تطيق شخص كثير التذمر مثلك !!
هزت رأسها تأسفاً مضيفة :- أراهن أنك اضطررت لمتابعة دروس في الأخلاق الحميدة والتصرفات اللائقة ، قبل أن يسمحوا لك بتسلم شهادتك
فقال وهو يحملق في وجهها :- لست كثير التذمر
- أنت محق وأنا لا أقف أمامك وأربعون قطبه في رأسي
- بل ست
- في الواقع بدت لي أربعين من جراء تذمرك وهذا يثبت وجهة نظري
- سلوكي غاية في التهذيب يا آنسة
ضحك بخفوت لكن السخرية فاقت التسلية في صوته :- لم أتلقى في حياتي أي شكوى لابد أنك تثيرين في هذا الطبع السيئ
- مشاعرنا متبادلة يادكتور لاسيما وأن معظم الناس يمدحون لطافتي
وبخها ساخراً :- هذا على حد قولك ! أما في معرض الإجابة على سؤالك ، فإنني أقيم هنا لأنه كوخ الطبيب إنه أقرب للميناء وهو مقصد المرضى منذ خمسين سنة
لم تقتنع – وماذا في ذلك ؟ هذا لا يفسر سبب سكناك هنا
- أسكن هنا لأني الطبيب يا آنسة باتيست
وجدت في ملاحظته تحبباً مقلقاً ولكنها كبتت مشاعرها وتابعت :- أعني يمكنك السكن في المنزل الكبير والمجيء لهنا ساعات العمل
- هذا صحيح لكني أحب العمل هنا
إنها نقطة لصالحه ، قد يكون الدكتور مارك وحشاً نكداً لكنه ليس متكبر كفاها استسلام للأوهام مالها وله ؟
مدت ذراعيها فوق رأسها مدعية الملل :- إن وصلت الجولة إلى ختامها فأود العودة إلى غدائي
اكتفى الدكتور بنظرة سريعة من عينية الضيقتين ، ثم التفت إلى ساعته بمزيج من السرعة والعنف وقال :- أمامنا أعمال كثيرة هذا العصر سأكون شاكراً إن أنهيت طعامك في غضون ربع ساعة
صرت على أسنانها :- ظننت اليوم يوم عطلة
- لقد غيرت رأيي ماذا تنتظرين أتأكلين أم لا ؟
لازمت مكانها وهي تقاوم رغبة شديدة في دفعه من على الشرفة ثم زمجرت وهي تتذكر مسألة الدين :- أنا ذاهبة ! أرجو أن تظل حياً بعد كل هذا
- أقلت شيئاً آنسة باتيست ؟
انفجرت قائلة :- الاسم يادكتور ميمي ليس صعباً يتألف من كلمتين : الميم والياء !من المفترض أن يسهل عليك ذلك حفظه مي، مي أفهمت ؟
كانت تنهيدتها من القوة بحيث خالها شتيمة رد بنعومة :- واسمي مارك ، لا دكتور ولا متوحش ولا النكد ولا سريع الغضب
سمرتها نظراته فأحست بالخجل حاولت أن ترد بلا جدوى بدا لها دعوته بهذه الأسماء أشد سوء من نسيانه لاسمها الصغير
لا ضير أن دعاها آنسة باتيست لاضير أبداً بل أنها الوسيلة الأفضل للتعامل بينهما :- لقد أعدت التفكير ادعني الآنسة باتيست ، فهذا أكثر أمناً
رد متشككاً :- أكثر أمناً ؟
أجفلت : بالنسبة غليك طبعاً
وراحت تتخبط للبحث عن جواب منطقي غير الحقيقي :- سأناديك الدكتور ميريت فيما تناديني الآنسة باتيست وهكذا ، تقل زلات اللسان فلا أناديك بالنكد أمام المرضى
حمد لله كانت المصيبة وشيكة ! وهي التي ظنت أنها فضحت نفسها بعفويتها
عكست نظرته استياء بالغ :- هذا كرم بالغ منك يا آنسة!
نظر لساعته كأمر أخرس للذهاب
- حسناً أنا ذاهبة يا نكد
وما إن همت بالمسير حتى سددت إليه ابتسامة وقحة ، وقالت :- فلتكن هذه زوادتي للأيام المقبلة ، موافق؟
- بل قولي الطبيب النكد
رغم الانزعاج المتجلي في عينيه إلا أن ثغره افتر عن ابتسامة صغيرة هل حدث ذلك فعلاً؟
لقد تلاشت الابتسامة سريعا عن وجهه ، حتى ظنت ميمي أنها مجرد خيال انتظرته طويلاً طويلاً
لما دقت الساعة الرابعة ، كان مارك قد أطلع ميمي على عملية إدارة المكتب وما إن فرغ حتى أعلن أن البند الثاني على جدول الأعمال هو نزهة في أرجاء الجزيرة ، وقال مضاعفاً دهشتها :- ألديك حذاء رياضي ؟
في الواقع السير حافية كان يمنحها راحة ما بعدها راحة نظرت لقدميها وقالت :- طبعاً لدي إنما
- انتعليه!
سددت إليه نظرة نكده وقالت :- ياللعسل الذي يقطر من لسانك يادكتور ! كيف لي أن أرفض وفي سؤالك عذوبة مستني في الصميم
أشاحت بوجهها وتلفظت بكلمات من لغة البانتو تثير الخجل في نفوس أكثر التنزانيين وقاحة
ناداها :- لم أفهم ذلك تماماً يا آنسة باتيست
بعد أ، انتعلت حذاءها ، استعدا للتوجه إلى الريف الأخضر كانت فوفو تعدو إلى جانبهما فراحت ميمي تراقبها لا سيما أن الطبيب لم يكلف نفسه عناء الترويح عنها أثناء مسيرهما
وفيما هما يعبران حائق القصر أخذت فوفو تنبح فقد رأت جندباً فقالت :- أتعرف يادكتور ؟ من المضحك كيف أن رجلاً فظاً ونكداً مثلك: ، أقصد حكيماً وشافياً طبعاً ، يملك حيوان صغير ومرح كهذا كنت أعتقد أنك من النوع الذي يقتني كلب قوي أو ذئب أو كلب استرالي يلتهم الكلاب الصغيرة وتسميه الصاعق
رمقها بنظرة واجمة وقال :- أيعقل هذا ؟ ألم تتخيليني مع نمر بأسنان حادة يدعى كاسر ؟
تصنعت التركيز :- لقد نسيت أمر القطط البرية ! بلى بإمكاني أن أتخيلك برفقة نمر أو أسد لا بل قطتين بريتين مفترستين أيضاً إذاً لم اقتنيت هذا الحيوان الصغير ؟
- تركته لي مريضة تدعى أنيتا لاندسبوري
دُهشت ميمي ك- تركته؟ أتعني في وصيتها ؟
- ليس تماما كانت أنيتا بلا عائلة ن وقد طلبت مني قبل مدة قصيرة من وفاتها أن أعتني بفوفو فوافقت
فكرت في كلامه :- كان باستطاعتك أن تعثر على منزل لهذا الكلب فالاعتناء به لا يعني أن تربط مصيرك بمصيره!
كان في عينيه شفقة بعثت فيها الاضطراب :- كان ذلك يعني لي ألم تربي حيوان أليف من قبل
- بلى فعلت طبعاً
- لم يبد لي أنك تحبين الحيوانات
- بل أعشقها ! ألا تعلم أنني ناشطة في سبيل حقوق الحيوانات ! بل أنا متطرفة لأبعد الحدود لكن السفر المتواصل يمنع الإنسان من الاختلاط بالحيوانات هذا كل ما في الأمر
- إذاً أنت تحبين الحيوانات إنما لاتودين أن تغدقي عليها مشاعرك
- ماذا تقصد
- لا شيء أبداً
سألها بفضول :- إذاً أي نوع من الحيوانات ربيت ؟
أزعجتها نظرته فتمتمت :- خفاش
قاطع أفكارها :- أقلت طير بريش أي نوع هو ؟
لما حملق فيها قهقهت :- قلت خفاش يادكتور !
كانت ردة فعله كلاسيكية وجذابة وعلمت أن الطبيب الصارم قلما التقى نساء يتخذن من الخفافيش حيوانات أليفة
أضافت :- كان خفاش صغير وقع من أحدى الثقوب في الحدران لو أن أبي لم يحضره ولو لم نطعمه لمات بكل تأكيد
واجهها قائلا : هذه قصة مليئة بالحب والحنان يا آنسة شكراً جزيلا لأنك رويتها لي !
اتخذت موقف عدائي من سخريته المرة :- اسمع من الواضح تماما أننا لا نتفق في أمور كثيرة أنت تجب العيش في منطقة حيث الكل يعتمد عليك أراهن أنك لم تفكر في الإجازات لأنك تفكر أن يحتاجك مريض أثناء غيابك لم اقض في مكان فترة تزيد عن شهور قليلة فالعالم بأجمعة موطني يادكتور أريد أن أرى كل شيء وأخوض كل التجارب أستطيع أن أتخلى عن كل شيء
ثم رفعت الذراع التي تزينها السوار وأردفت :- عدا عن هذه الحلي ، وصور تجمعني مع والدي فماذا لو لم أملك حيوان أليف ؟ لكني عشت تجارب لن تعيشها أيداولن تفهمها لقد خلقت أنت على هذه الصورة وخلقت أنا على هذه الصورة ! أنت أسير على هذه الجزيرة فيما نفسي تتوق للرحيل حتى أنني أكاد اشعر بوجز في رجلي فلنتفق على أننا لن نتفق أبداً ولنحاول أن نتعايش ما أمكننا طوال هذه الأسابيع الثلاثة فما رأيك ؟
نقل نظره بين أصابعها ووجهها ، ثم قال بصوت عميق :- أملك مرهما ً لشفاء هذا
تملكتها الحيرة :- لشفاء ماذا ؟
- الوخز في رجليك تابع سيره على الطريق المتعرجة :- هل أنت آتية ؟
صرخت :-لا أريد أن اشفي الوخز الذي في رجلي ، ألم تسمع كلمة مما قلت ؟
شعرت بأنه يستخف بها :- حقا ؟ هذا يناسبني تماما! !
وجدت برودة الدكتور مهينة فهي لم تتعود أن يقلل أحد من شأنها توجه نحو المنحدر وهو يقول :- يقع بيت الموظفين خلف الأشجار ونحن ، نستقبل العديد من المشاغبين الجرحى بعد منتصف الليل
أجابته بتجرد :- نعم دكتور ميريت كما تشاء دكتور ميريت
- أنا سعيد لهذا التحسن في سلوكك
تحسن ! أغمضت عيناها وقد أعياها الغضب أما أن هذا الرجل لا يدرك السخرية حين يسمعها وإما أن حس دعابته غريب
فليذهب للجحيم ! لن ينجو بفعلته ! ستلقنه درساً!
ثم نظرت لظهره العريض ، ولحقت به على طول المنحدر :- أراهن أنك يادكتور لم تواجه أروع تجربة في حياة الإنسان ، برأيي في الغا آآآآآه!
وإذا بقدمها تزل ، فتنزلق حتى ترتطم بالأرض أخذت تصرخ وهي تسعى باهتياج شديد إلى وسيلة للخلاص كانت ترضى بأي وسيلة صخرة ! أم جذور ناشئة ! وما هي إلا خطوات قليلة وتسحق سحقاً
فجأة اصتدمت بجسم صلب ، وبدافع غريزي تعلقت به بكل ما تملك من قوة لكنها مع الأسف جرته معها نحو الأسفل فراحت تصرخ حين بدت لها النهاية وشيكة مجدداً غير أن صراخها لم يدم إلا لثوان ، قبل أن يوقفها هذا الجسم عند حدها حين اختنق صراخها في داخلها أخيراً تناهت إليها شتيمة خافتة من قريب
بسرعة تفحصت جسمها ، واكتشفت أنها نجت بأعجوبة ، باستثناء رضة في ظهرها وأخيراً فتحت عينيها فأكد لها بصرها حقيقة أن ما اصتدمت به ليس شجرة كما كانت ترجو بل طبيب شديد الاستياء بدا ساخطاً فعلاً فأجفلت وسألته بصوت ضعيف :- هل أنت من أمسكت يادكتور؟
حدق فيها كأنه لم يسمع مثل هذا السؤال السخيف في حياته
تمتمت من غير تفكير للدفاع عن نفسها :- أعتقد أن عيني كانتا مغلقتين ولكنك لم تكن ثابتاإ وإلا لما وقعت حين أمسكت برجلك !!
بدا وسيماً جداً في غضبه فهتف :- بل كنت ثابتاً ! إنما لم أتوقع أن تخلعي الجل التي أستند إليها وإذا بها تضحك وكادت تنتابها نوبة هستيرية
- أتظنين ذلك مضحك ؟
أفلتت منها ضحكة أخرى ، عبس في وجهها لكن تعابير وجهه لم تكن عدائية هذه المرة
- هل أنت بخير ؟
أومأت برأسها :- في ما خلا
لكن الحرارة اجتاحتها ومنعتها من المتابعة أحست بمشاعر لم تعجبها مطلقاً لم تشأ أن يتعلق قلبها برجل مقيد بجزيرة ولا تريد لمشاعرها أن تتحرك نحوه أنه لا يحفل بها اصطنعت الامبالاة :- دكتور أنا مرمية أرضا
بقيت تعابير وجهه مضطربة وهمس بصوت أجش :- أعرف
أحست بدوار يتملكها وما إن سمعت همساته الهادئة حتى سرت فيها قشعريرة
في نظراته لاحظت ما يفوق الشغف الجامح جنوناً ، كما لمست مشعر غضب عنيف الغضب ! صُدمت فقد علمت أنه لم يرد لمشاعرهما أن ترى النور كحالها تماماً لم يكن هو الرجل الذي تبحث عنه ولم تكن هي المرأة التي يبحث عنها لكن سحراً خفياً جذبهما وأجبرهما على الانصياع كلاً للآخر لقد وقعت في الشرك ووقع معها صرخت في سرها :- لست ضحية ياميمي بل أنت سيدة قرارك أنت امرأة بلا قيود وتعلمين أن هذا الرجل سيعميك جسداً ورمحاً حتى تعجزي عن التحرر من سلطته تعلمين أنك راحلة فلا تمنحي قلبك غلا لرجل كأبيك يتوق للمغامرات أنقذي نفسك قبل فوات الأوان
استجمعت ما استطاعت من قوة ولجأت لشجاعتها وهتفت بصوت بالكاد يسمع :- دعني وشأني
حاولت أن تقف أنما بلا جدوى إلا أنها واظبت على محاولتها ، وهي تتحدى جاذبيته بما تبقى لها منقوة
وبسرعة ابتعد عنها مارك وجلس على الأرض ، هل كان غاضباً منها أم من نفسه ؟ كان قد أدار ظهره لها وراح يمرر يديه الاثنتين في شعره ، ثم أحنى رأسه وحاول أن يستعيد رباطة جأشه
أحست بلمسة باردة على خدها فاستدارت لتجد الكلب وهو يتشممها ، فأجفلت وأبعدت الحيوان عنها وهي تتذمر :- لست ميتة فليبق أنفك البارد بعيداً عن وجهي
تمتم مارك -:- أعرف ! أقل ما يمكنني فعله هو مساعدتك
هل ستجرؤ على البقاء بقربه مجدداً هزت رأسها ثم استندت بيديها إلى الأرض ورفعت نفسها حتى كاد أن يختل توازنها
- أتحتاجين لأي مساعدة ؟
- لا تلمسني !
ابتعدت عنه وتعثرت :- سر في المقدمة وحسب
أنبأها وقع حذائه أنه بدأ يمشي بتثاقل وعندما أصبح بجانبها قال :- أنا آسف ما كان علي أن أكون فظاً معك
قاطعته :- معك حق أنس الأمر ولنتكلم في موضوع آخر
كادت أن تبكي فقد ظل واقفا ينظر نحوها :- اذهب اذهب وحسب
بعد برهة أمسى في مرمى نظرها فكان كل نفس تتنفسه كأنه سكين تخترق صدرها واشتد الثقل في قلبها وأحست بفراغ كبير
ياللسخافة كيف تتحكم بها مخيلتها وهي صاحبة التاريخ الحافل بالمغامرات والأعمال الشقية ؟
لن تكون عبده جميلة لأي رجل ! ولن تترك تصرف طائش يزرع الاضطراب في حياتها
أخيرا تكلمت بصوت أجش :- عما كنا نتحدث ؟
كان مستغرق في التفكير فرفع رأسه وصرخ :- وكأني أعلم !!
ردت :- لا تصرخ في وجهي فالذنب ليس ذنبي إذا وقعت!
رفع رأسه وواجهها وبدا قريباً منها لحد مقلق :- أنت
وسكت وهو يصر على أسنانه لم تعلم ماذا أراد أن يقول لكنه بدا واضح أنه عاجز عن التعبير أطلق أنيناً خافتاً وهز رأسه واستعد لمواصلة المسير لكنه توقف فجأة وقد كسا الاضطراب ملامح وجهه أحست بالتوتر الحاد بعد وقت طويل ن قال بصوت خال من التعبير :- أظن أنك كنت تخبرينني عن أروع تجربة في حياة الإنسان
كتف يديه :- إذاً ياآنسة قصي علي أروع التجارب في حياتك
لم تعرف لماذا أحست أن دموعها ستنهمر لكنها سحقت قلبها كيف يمكن لشعور بدا منذ دقائق أن يكون غالياً على قلبها بلعت ريقها وقالت :- تذكرت كنت أٌول أرهن أنك لم تواجه ما اعتقدت ماأعتقد أنه أروع تجربة يعيشها الإنسان
ثم فركت عينها بيد مرتجفة ، وهي ترجو أن يبدو الأمر كأنها تزيح خصلة عن وجهها لا كأنها تمسح دمعة
حمدت الله أن صوتها بدا طبيعياً رغم العذاب الذي يحرق أحشاءها تابعت :- تخيل أنك تسير وسط سكون الطبيعة النزهة في هذه الطبيعة البدائية الخلابة هي لا شك أروع تجربة يعيشها الإنسان في الحياة
أخذت نفس مرتجف وهي تجبر نفسها على مواجهة نظراته وإذا بوميض سخرية يجتاح عينيه تدريجيا
قال ببطء :- كلا أنت مخطئة يا آنسة باتيست
مضى وقت قبل أن تستوعب ميمي المعاني التي يخفيها في طيات كلامه..



***********************

5/ ارحلي يا آنسة !


لم يصدق مارك ماحصل في الغابة لا، إن كلمة عاصفة تافهة لوصف ما حصل بينهما بعد كل العظات التي رددها على نفسه وبعد التحذيرات من مغبة التورط مع رحالة مشاكسة هاهو يتعلق بها ، صحيح أنه لم يخطط لذلك إلا أنه لا ينفي تهوره المرعب ، ما الذي تملكه ؟
كان السؤال من السخافة بحيث أجفله فالجواب محفور في ذهنه لقد بات أسير عينين رماديتين ، وشفتين توبخانه بابتسامة ماكرة ، كل هذا يجذبه إليها ويغويه وفجأة فلت زمام الأمور
لقد استغرق في عمله السنين الماضية كلها حتى انصرف عن الحياة الاجتماعية ومازال على هذه الحال حتى اليوم لاشك أنه كبت من المشاعر ما يهدد بالانفجار لقد صد الممرضة أورسولا لأسابيع ومن سوء حظ ميمي أنها تواجدت في المكان الغير مناسب في الوقت الغير مناسب
تذمر في نفسه :- واجه الأمر ميريت ! أنت ترغب في هذه المرأة وإن لم تتمالك نفسك ستنجرف إلى ما تندم عليه لاحقاً
مازالت ذكرى مواجهتهما تبعث فيه مشاعر مجنونة كانت رائحتها أشبه برائحة الطبيعة بعد أن يغسلها المطر
- مارك !
سمع اسمه فعاد للواقع كأنه سقط من السماء التفت ليجد الجميع يحدقا فيه لقد فاته أنه في القصر يستمتع بعشاء عائلي كما استمتع رغماً عنه بوجه ميمي المفعم بالنشاط وهي تجلس قبالته على المائدة !1تعمدت تجاهله طيلة الأمسية وكأنها تثأر منه مع العلم أنها تبادلت الحديث مع جاك وسوزان وجورج وتأملت كايل طويلاً وهو يلعب بسعادة في حضن أمه
ولما ألقى نظرة للأطباق أدرك أن العشاء على وشك أن ينتهي أيعقل أن ينجرف مع أفكاره لهذا الحد ؟
- عد للعبة ياميريت !
سأل:- ماذا ؟
ضحك جاك :- ما بالك يا أخي الصغير ؟ أفقدت السمع ؟
واجههم بملامح أرادها لامبالية وكذب :- آنا آسف كنت أفكر في حالة مرضية
مال لأخيه باهتمام وقال :- ماذا كنت تقول ؟
- كنت أقول أني سمعت أنك تخطف مساعداتك هذه الأيام
وغمز ميمي ، فلاحظ مارك أنه أجابته بابتسامة ساحرة لا تمت بصلة لأحاديثها معه
وتابع جاك : - يمكنني أن أجزم من خلال الدليل على رأسها ، أنك لجأت للعنف مع أني لا أحبذ أسلوبك ، لكن اسمح لي بأن أهنئك على ذوقك الرفيع
قهقهت ميمي وقالت لجاك :- شكراً يا جاك يسرني أن أحد رجال ميريت لا يستقوي على النساء الأضعف منه
ثم حدقت في مارك بحنق وحولت انتباهها لجاك وتابعت :- لكن لقاءك أنت وسوزان وجورج والطفل عوض حظي العاثر
سددت لمارك نظرة شعر بلسعتها الحادة
كتف ذراعيه وهو يجبر نفسه بالنظر لأخيه وقال :- صدقني يا جايك أنني أكفر عن جريمتي ، فنادراً ما التقي بأنثى بهذا الغضب
وبهذه الثرثرة
تلاقت عيونهما فابتسم وهو يراها تحمر بمهانة
قهقهت سوزان وقالت :- كل ذلك ممتع يا شباب ، لكن ابني بحاجة إلى بعض الرعاية في قسم الحفاضات
حول مارك نظرة لجاك الذي وقف قائلاً :- دعيني أقوم بذلك عنك عزيزتي
نقلت ميمي بصرها لجورج كان ميريت الأكبر المتجهم دائماً مستغرق
ً في مراقبة جايك وهو يحمل حفيده فكر مارك
لقد ورثا ولدي ميريت وسامة أبيهما وطبيعة أمهما الودودة تذكر مارك هذا أنما هل توافقه ميمي باتيست الرأي ؟ ضحك مارك بخفوت ، غير أنه نجح في إخفاء ضحكته بسعال
حيت تأمل والده صدم بالرقة التي ارتسمت على ملامحه الصارمة المستبدة فمنذ وفد المولود الجديد كايل إلى حياتهم وحال هذا العجوز تتغير
توجهت ميمي بالحديث إلى جورج :- جورج ، أخبرتني سوزان أنك تلعب الشطرنج
حملق جورج في الضيفة :- نعم لم تسألين ؟ هل تحبين اللعبة ؟
- بل أنا مهووسة بها كنت اقضي ساعات الليل وأنا العب هذه اللعبة على ضوء مصباح
أعجب مارك بالخجل الذي اجتاح وجهها وسمعها تضيف :- لن أكون لاعبة شطرنج محترفة لكن إن كنت تستمتع باللعبة فأود أن العب معك
هتفت سوزان ومارك معاً :- إن كان يستمتع
ثم انفجرا بالضحك فيما تابع مارك :- إني أبي يا آنسة الشطرنج يجري في دمه وإن وافقت على منازلته فمن الأفضل أن تكوني شجاعة ومن الأفضل أن تكوني لاعبة ماهرة وإلا ألتهمك حية
- التهمني ؟
صرخ جورج :- إنها مجرد أكاذيب ، أكاذيب خسيسة لست إلا شخص يهوى الشطرنج ويأمل أن يجد في يوم من الأيام شخص ينغمس معه في لعبة ممتعة
وحدق في مارك :- وأنت توقف عن مضايقتها لفد آذيتها ما يكفي !
- ادخلي عرين أبي بمحض إرادتك وعلى مسؤوليتك آنسة باتيست

وأضافت سوزان :- و اعتمري قبعة سميكة !
ثم قهقهت وهي ترى النظرة الصارمة التي سددها إليها حموها ، رفعت يديها علامة الاستسلام

- حسناً ، حسناً جورج ، لن انبس ببنت شفة
- عما ؟
كان هذا صوت جاك وهو يعود للغرفة مع كايل
- عن والدك وسلوكه الرديء عندما يتعلق الأمر بالشطرنج
انحنى جايك ليضع كايل في ملعبه الصغير لكنه تسمر في مكانه ، ثم اختلس النظر إليهم بريب واضح :- لا تقولوا أن الملك جر ميمي لمنازلته في اللعب
نظر لميمي وتابع :- آمل على الأقل أنك لم تعرضي اللعب بنفسك ؟
سددت إليهم ميمي نظرة وقحة فيها من السحر ما أرسل قشعريرة في جسد مارك ثم وقفت وأخذت يدجورج قائلة :- هيا يا جورج ، فلنتخلص من هؤلاء المملين ولنستمتع بوقتنا
قدم العجوز ذراعه لميمي في حركة مسرحية
همس في إذنها ببضع كلمات قهقهت لها ميمي وظل صوتها يتردد في ذهن مارك حتى بعد إغلاق الباب بوقت طويل
وأضافت سوزان :- و اعتمري قبعة سميكة !
ثم قهقهت وهي ترى النظرة الصارمة التي سددها إليها حموها ، رفعت يديها علامة الاستسلام

- حسناً ، حسناً جورج ، لن انبس ببنت شفة
- عما ؟
كان هذا صوت جاك وهو يعود للغرفة مع كايل
- عن والدك وسلوكه الرديء عندما يتعلق الأمر بالشطرنج
انحنى جايك ليضع كايل في ملعبه الصغير لكنه تسمر في مكانه ، ثم اختلس النظر إليهم بريب واضح :- لا تقولوا أن الملك جر ميمي لمنازلته في اللعب
نظر لميمي وتابع :- آمل على الأقل أنك لم تعرضي اللعب بنفسك ؟
سددت إليهم ميمي نظرة وقحة فيها من السحر ما أرسل قشعريرة في جسد مارك ثم وقفت وأخذت يدجورج قائلة :- هيا يا جورج ، فلنتخلص من هؤلاء المملين ولنستمتع بوقتنا
قدم العجوز ذراعه لميمي في حركة مسرحية
همس في إذنها ببضع كلمات قهقهت لها ميمي وظل صوتها يتردد في ذهن مارك حتى بعد إغلاق الباب بوقت طويل

وتحول التعبير المرتبك على وجه سوزان إلى ابتسامة رقيقة :- يا إلهي ! أمثل هذا الشغف يصدر عن طبيب بارد الأعصاب
ثم التفتت لزوجها وتابعت :- أتعرف ياحبيبي ؟ أظن أنك محق مارك مفتون بامرأة فريدة من نوعها ، وهذا ضد ميله الفطري
ثم واجهت سلفها وقالت :- يا لمارك المسكين ! لقد أراد ربة منزل هادئة الطباع ، فحظي بامرأة مثيرة غريبة الأطوار
- لم أحظ لم أحظ ، ولا أرغب فيها أهذا واضح ؟
أجاب جايك وهو يرفع حاجبيه بسخرية :- نعم هذا واضح بالنسبة لي ن ماذا عنك ياسوزان ؟
أومأت برأسها من غير أن تتوقف عن الابتسام لمارك :- طبعاً أنت لا ترغب فيها وأذكر أنك كنت تكن المشاعر نفسها لأروسولا
أجاب مارك بالموافقة رغم أنه علم بأن كلامها لم ينته بعد
- إنما كنت تدعو أورسولا باسمها
شعر مارك بسحابة ثقيلة تمر أمام عينيه إلا أنه صرخ :- لا !
ثم عض على شفته وهو يحاول أن يقنعهما بفكرة لم يكن مقتنع بها :- إني لا أشعر بأي انجذاب نحو ميمي إن الفكرة مجنونة بل مثيرة للضحك فعلى المرأة التي تكون جديرة بحبي أن تكون متزنة ن وهي في اتزانها تشبه القنبلة الموقوتة
- قنبلة إذاً ؟
وجه مارك نظرة قلقة نحو الباب الذي يؤدي للحجرة المجاورة ، فاعتراه الغضب حين رأى ميمي على عتبته فجأة بدا له أن الأصوات قد خفتت ، حتى النسيم قد توقف عن الهبوب كان على وجهها تعبير مهلك وبعد دقيقة من التوتر أشاحت بوجهها واتجهت لمائدة الطعام قائلة :- لقد نسي جورج نظارته
وبعد أن التقطتها سارت حتى توقفت أمام مارك وسددت له نظرة مميتة :- لمعلوماتك يادكتور لن لن أقبل برجل ثقيل نكد مثلك وإن قدموك لي على طبق من فضة
ثم التفتت نحو سوزان وجايك وتابعت بصوت جاهدت لضبطه :- شكراً على العشاء كان رائعاً
رمقت مارك بنظرة سريعة :- في أغلب الأحيان
حين ذهبت ارتفعت ضحكة مارك تدريجياً حتى خرقت الصمت المخيم
صرخ مارك :- ما المضحك ظ
أجاب جايك :- يبدو أننا وجدنا المغناطيس الجاذب ، بعبارة أخرى ميمي ومارك ، أم أقول الفاتنة والشرس ؟
- يا لظرفك ! ربما من الأفضل أن تنتقل بمسرحيتك إلى فيغاس وألان
- مهما كان ما اقترفته بحقها ، فقد نفذته بدهاء لاذع إنها تستشيط منك غضباً بكل ما في الكلمة من معنى
ستكون هذه الأسابيع الثلاثة ممتعة
زمجر مارك :- نعم ، تماماً كالمرض
توجه نحو الحديقة وقال لجايك :- إن لم يكن ذلك يثقل على برنامج الآنسة باتيست الاجتماعي ، قل لها أن عليه أن تستيقظ عند الخامسة

كان اليوم الأول الذي تمضية كمساعدة في عيادة مارك متعباً ، فقد وفد للعيادة العديد من المرضى لكنها صارت تعرف أن هذه الكتلة البحرية تسمى جزيرة ميريت وسمعت المرضى يتكلمون عن منجم للزمرد على الجزيرة يبدو أن مارك ميريت يملك ثروة هائلة لم تكن ميمي قد التقت ملياردير في حياتها لذلك وجدت نفسها تتسأل لم يكلف نفسه عناء العمل ؟ لاسيما بهذه الوتيرة القاسية والمجهدة !!
في نهاية النهار كان التعب قد بلغ منها مبلغاً عظيماً ولكن كان عليها إعداد العشاء كان مارك قد استحم وغير ملابسه وجدته منهمك في تقطيع الخضار تجاهلته قدر الإمكان وكان يلقي عليها الأوامر طيلة الوقت
لم تعمل في حياتها بهذا الجهد لقد استيقظا في الصباح وبعد فطور سريع توافد عليهم المرضى ومنذ ذلك الحين لم تتوقف للراحة أو لتناول الطعام وظلت كذلك حتى غادر آخر مريض العيادة لم يبدو عليه التعب مثلها !! كيف يتعب وهو يلعب دور الطبيب الشافي ستة أيام في الأسبوع ؟
كان ناجحاً في عمله فطول النهار واظب على توزيع ابتسامته على كا لمرضى ماعداها والكل يحبه حتى موظفي الجزيرة وزملائه في الجزر المجاورة
كانت قد اكتفت بمناداته بـ الطبيب ميريت بلباقة منذ 12ساعة خلت
- اسمع يادكتور ماذا كان تشخيصك للمرأة الأخيرة التي جاءت في هذا العصر ؟
- أي امرأة ؟
لم تزر العيادة إلا ثلاث نساء اليوم قالت :- تلك التي كانت ترتدي سترة صفراء وتنوره جلدية سوداء لاشك أنك تذكرها تلك التي اشتكت ألما في الحنجرة
تمتم :- تقصدين مادلين
صرت على أسنانها وقد سمعته يستخدم اسمها الأول :- أي كان اسمها ما كان تشخيصك لحالتها ؟
- ألا يعتبر ذلك سر من أسرار المهنة بين الطبيب ومريضته؟
- كل مافي الأمر أنني لم أجد مايستوجب انتقالها بالزورق ، كي تفحص حنجرتها
حافظ على صمته فتابعت :- ترى ما هي القاعدة التي يتبعها الطبيب مع مريضته في المواعدة ؟
رد بغضب :- أتلمحين أنني افتقر للاحتراف خلال ممارستي لمهنتي ؟
- لا داعي لسرعة الغضب هذه يادكتور فما تفعله خلف ستار مهنتك يعنيك وحدك كل مافي الأمر أنني أحسست أنها لاتعاني تشنجاً في الفك بقد ما تعاني حرارة في الجسد
التفت إليها فجأة بطريقة ارتعدت لها فرائصها وهتف والشرر يتطاير من عينيه :- ما رأيك لو نتكلم في الموضوع بصراحة فنعالج المسألة قبل أن ننساها برمتها ؟
أومأت بقلق ترى ماذا سيقول ؟ أسيخبرها بأنه يقيم علاقة مع مادلين ؟ أم يقول بأنه لاشأن لها بمن يغازل ؟ تمنت لو لم يدفعها فضولها لهذا السؤال السخيف
غير أنه فاجأها إذ غير الموضوع :- أظنك تدركين الآن أنني لم أتهور بسببك كما أنني لا أغازل مريضاتي
أحست بأنه يجاهد ليمنع نفسه من الصراخ بعد سؤالها البذيء حين التقت عيناهما بدا أنه استرجع هدوءه ، إنما ظلت الكآبة نفسها على وجهه
- ليس من عاداتي أن أقدم على ذلك
رمت الشوكة بعنف وغضب :- لاتقلق يادكتور لقد نسيت حادثة الغابة منذ وقعت ماذا ستفعل ؟
نظر للأرض :- علينا أن نحاول أن تتفق على ما اعتقد
همهمت بازدراء من غير أن تلتفت إليه لقد زرع فيها مارك القلق والاضطراب إنها تعرف تمام المعرفة أنها تعرف تمام المعرفة أنها لم تنس ذاك الموقف رباه كم تكره نفسها لأنها احتفظت بهذه الذكرى الغبية في قلبها
- قصدت أن اسأل ماذا تريدني أن اعد للعشاء يادكتور ؟ يكاد الدجاج ينضج
- إني أجهل آداب العشاء في الأدغال ، لكن حضارتنا المحلية ترتب علينا أن نرتب المائدة ، وتتلخص هذه العملية في وضع أدوات معدنية ، تسمى
قاطعته وهي تتجه نحو خزانة الأطباق ك- يالذكاءك الخارق! إن موهبتك ضائعة في الطب إذا ذهبت إلى لاس فيغاس ، فإن مواهبك ستؤمن لك ملا يسعني تخيله!!
أمسكت بطبقين وأضافت :- أتريد القهوة ؟
- ماذا ؟
تمتم وهو يهز رأسه :- انسي الأمر
وضعت الأطباق مكانها محدثة ضجة كبيرة استدارت ووجدت أنها تقابل مارك وجه لوجه لم يكن يفصل بينهما إلا انشات قليلة تراجعت خطوة للوراء بدافع غريزي وبادلها بالمثل ثم بقيا يحدقان يبعضهما والتوتر يزداد شيء فشيء أخيراً أشار مارك للخزانة وقال :- سأحضر كوبي قهوة
اجتاحها شعور بالانتصار لما سمعت صوته يتشنج ، وارتسمت على وجهها ابتسامة
فتحت درج وهي تحاول أن تصرف النظر عن الموضوع ، ولم تدرك أنها تعد مائدة لأثني عشر شخصاً إلا بعد فوات الأةان
كادا يصطدمان يبعضهما مجدداً وهي تعيد بقية الأطباق للخزانة غير أنها حافظت على هدوئها وأشارت للطاولة :- تفضل
-راحت ترتب الأدوات الفضية وهو يضع الكوبين بجانب الأطباق :- كيف جرت مباراة الشطرنج مع أبي ليلة أمس؟
- لقد ربح لكنني سأنتقم هذه الليلة ن فأنا لم العب منذ وقت طويل
استدارت فسألها :- الليلة ؟
- أتواجه مشكلة أن لعبت الشطرنج مع والدك هذه الليلة ؟
دس يديه في جيبي الجينز وقال :- أنت من سيخسر ساعات نوم لذيذة
سكت ثم أضاف :- لا شك أنك تحبين الشطرنج ؟
نعم ولم لا ؟
هز رأسه بلا مبالاة :- مامن سبب معين
ظل نظره يجول على غير هدى حتى استقر أخيراً على المائدة
- قلت أنك لم تمارسي اللعبة منذ فترة طويلة ، أليس كذلك ؟
علقت الكلمات في حنجرتها ثم همست :- منذ توفي والدي
لم ينبس ببنت شفة ومرت دقائق اكتفى فيها من الوقوف أمام القدر وأخيرا قال:- إن كنت لا تمانعين سؤالي كيف توفي والداك ؟
رغم أنها أثارت الموضوع بنفسها إلا أن السؤال وقع عليها وقوع الصاعقة كانت ذكرى ذلك النهار الرهيب لا تزال حية في ذهنها
- في فيضان
أسندت مرفقيها للطاولة وأراحت رأسها بين يديها وبعد تنهيدة طويلة أضافت :-
- كنا نعبر نهراً في كينيا ، ولم نعرف أن النهر فاض في الجبال وإذا بسيل يجرفنا من الأعلى كنت الأقرب للساحل فنجوت
سرقت منها الصدمة القدرة على الكلام وبعد أن أخذت نفساً عميقاً واصلت :- كانا
لكن سرعان ما توقفت عن الكلام ، وابتلعت ريقها عدة مرات فمي محاولة لتستعيد رباطة جأشها
- كان هذا قبل عشر سنوات
سألها برقة :- كم كان عمرك ؟
- سبع عشرة سنة
ساد السكون لبرهة طويلة , أخيراً تمتم :- أنا آسف
أحست بالرأفة في صوته فتمتمت بدورها : شكراً! إني آسفة أيضاً
لبث واقف بجسده الطويل ، ترى لم خيل لها أن سبب عبوسه ليس استياء بقدر ما هو صراع داخلي يتحكم به ؟
لم يكن أمامها إلا أن تعد دقات الساعة لئلا تصرخ كالمجنونة وراحت تعض على شفتيها وتصر على أسنانها وكأنها حيوان بري جريح
لماذا يستطيع هذا الرجل أن يدفعها للجنون ؟ ويثير فيها الاضطراب ؟ بل الخوف الشديد هذا مالا تملك له جواباً
بعد صمت طويل تكلم وإمارات الجد بادية على وجهه :- اسمعي يا آنسة باتيست، لقد غيرت رأيي سأدفع ثمن الضرر الذي لحق بزورق صديقك كما سأدفع مصاريف رحلتك أياً كانت وجهتها
ثم استقام ، وأرجع يديه إلى جيبيه قبل أن يضيف أخيراً :- يمكنك أن ترحلي في الغد



*********************


6/ المتهورة الفاتنة



وقع الخبر على ميمي وقوع الصاعقة ، فعجزت عن الكلام ، بل عجزت عن تقبل الفكرة نفسها استقامت في جلستها ، وحدقت فيه قائلة :- أتريد أتريد مني أن أرحل في الغد ؟
أومأ برأسه ببطء
اجتاح معدتها شعور حارق غريب أهو الغضب أم الاضطراب ؟
- لماذا ؟ ألم أؤد عملي بشكم مرض اليوم ؟ هل وظفت مساعدة جديدة ؟
أشاح بنظره عنها :- بل كان عملك جيداً لكني أعتقد من الأفضل أن ترحلي هذا كل ما في الأمر
تعجبت مابالها مكفهرة بدل أن تقفز فرحاً بالمناسبة ؟ألم تتمنى أن يحررها من هذا السجن ومن عينيه المثيرتين ؟
لم تشعر وكأنها مستأجرة ساخطة طردت من شقتها للتو؟ رمقته وهي تتمتم :- لقد عملت كجمل اليوم يادكتور
بادلها النظر لكنه التزم الصمت
- لا يمكنك أن تتحمل عبء كل هذا العمل بمفردك طيلة ثلاثة أسابيع ، وأنت تعرف ذلك ؟
ماذا تفعل ؟ كيف تحاول إقناعه بإبقائها ؟
صرخت بغضب :- اسمع يادكتور ، أدرك أننا ضايقنا بعض كثيراً ، وافترض أنك تملك المال لإصلاح الاضرار لكنك أهنتني وتستمر في إهانتي إن كنت تعتقد أني سأقبل إحسانك بصدر رحب وأديرظهري
خطت نحوه ببطء ثم وجهت نحو صدره لكمة خفيفة :- أنا لا اضرب الرجال ، لكن اعتبر أني صفعت وجهك إنني أدافع عن طريقتي وإياك أن تنسى ذلك
تكلم بنبرة محذرة :- آنسة باتيست تابعي عرضك هذا وستلعبين الشطرنج واقفة على قدميك
كانت عيناه تومضان بمعنى خفي ، فغرت فاها ، وارتدت للوراء
تلعثمت :-أنا إن النساء يقاومن الاعتداء الجسدي في هذه الأيام يادكتور
جاهدت لتتغافل عن خفقان قلبها
- لعلمك يا آنسة
سكت وأطبقت على أنفاسها حتى أحست بأوردتها تتمزق ازداد منها اقترابا وهمس :- كذلك هي حال الرجال
ابتعدت عنه بسرعة وعندما التفتت كان قد اختفى عن ناظريها
كان الأسبوع الأول الذي قضته كمساعدة للدكتور ميريت متعباًللغاية وهي تملك الآن سبب حب هذا الطبيب لمرضاه، وبقائه في هذه الجزيرة
مشت بتثاقل نحو موضع منعزل خلف الكوخ تطل عليه من نافذتها وكم من مرة فكرت في أن تسبح فيه لكنها الآن متعبة والمياه باردة عموماً هي تحتاج للبرودة
مدت منشفتها على الرمل ثم خلعت خفيها ثم خاضت غمار الأمواج وغاصت بقوة في المياة وراحت تسبح فرحة ً أخذت تطلق صيحات الفرح حتى أحست بتوترها يذهب أدراج الرياح
كانت ميمي تأمل أن تنفرد بنفسها لبعض الوقت ، بعيداً عن مارك
تناهى إليها نباح فوفو من الشاطئ فتقدمت إليها لكن ما إن لامست قدماها الرمل حتى كبحت جماح غضبها ، وأزاحت الشعر عن وجهها وكشرت في وجه الكلبة :- قلت لك ألا
سرعان ما ماتت كلماتها عندما أدركت بأن فوفو ليست وحدها لحسن الحظ كانت المياه تغمرها ولا يبدوا إلا وجهها المغطى بشعرها
أخيراً أرتدت قناع الثقة الكاذبة ولوحت من بعيد :- جيد ،أنت هنا
كان مارك بعيد عنها وضوء القمر خافت فلم تتبين معالم وجهه جيداً لكن وقفته لم تكن عادية :- أنت سعيدة بمجيئي إذاً
-بالطبع فقد أمرت فوفو بالعودة ولكنها ترفض إطاعتي
- أنها تشبه شخص أعرفه
- كم أنت ظريف يادكتور
شعرت بالمهانة وأضافت :- خذ كلبتك وغادر المكان أريد أن أكون وحدي
لم يغادر بل هتف :- بشأن رغبتك في الانفراد أخشى أنني أحمل لك أخبار سيئة
عبست :- أرجو ألا تقصد أنك تنوي البقاء في الجوار؟
عرفت حين استدار أنه ينظر لمنشفتها وثيابها
صرخت :- أي عذر تستخدمه لملازمة المكان؟
مرر يده على فكه ونمت حركته أما عن إحباط أو تسلية
صاحت :- آمل أنك لاتجد الأمر مضحكا ؟
- غير مضحك البتة !!
- ماذا إذاً ؟
أشارت للكوخ :- اذهب بعيداً
انحنى ليداعب فوفو :- حسناً لكنني سأشعر بالذنب إذا لم أخبرك بأمر واحد أولا
نادت بغضب :- حسناً هيا ، افرغ مكنونات صدرك يادكتور لا أريدك أن تشعر بالذنب اخبرني وارحل
رأته يخرج شيء من جيبه ولما أبصرت نوراً يومض ثم يخفت ، أدركت أنه مشعل كهربائي سرت الرجفة في أوصالها بسبب المياه الجليدية فصرخت :- أ أسرع أني أتجمد برداً
غير أنه لم يجب وظل يوجه المشعل نحو الأشجار وحين أطفأ النور ، أبصرت جسما معدنياً يرسل إشارات ضوئية من خلال الأغصان
- أترين ذلك ؟
-ن نعم ، ما قصدك ؟
شعرت بمزيج من الحيرة والقلق ، وإذ بموجة تغمرها هاهي المياه التي منحتها منذ برهة حياة جديدة قد باتت الآن باردة لحد الإزعاج
سلط الضوء على موقع مرتفع لم تره ميمي من قبل وكرر سؤاله :- أترين هذا ؟
راحت ترتجف من البرد ولكنها تمكنت من الصراخ :- وماذا في ذلك ؟
استقام وأجاب :- ابتسمي إذاً ياآنسة !!ففي هذا الموقع كاميرات مراقبة أيهمك أن تعرفي ماذا تصور هذه الآلات في الوقت الحالي ؟
سار للكوخ بخطى متثاقلة بعد أن أضاف :- استمتعي بوقتك
مرت ثوان قبل أن تستوعب كلامه ماذا يقول ؟ كاميرات ؟ تصوير ؟ابتسمي ؟
كادت أن تنفجر من وقع الإهانة كيف يجرؤ على أن لا ينبهها من كاميرات التصوير ؟
حدقت فيه وهو يمضي وكأن شيء لم يكن ثم هتفت :- لن تتركني هنا ، أليس كذلك ؟
أختلس النظر إليها :- ظننت أن هذا مرادك
انحنت بتذلل قبل أن تغمرها موجة وتخل بتوازنها أطلقت شتيمة قبل أن تصيح :- يمكنك على الأقل أن ترمي لي بالمنشفة
واجهها ك- حتى لو خضت الماء ورميتها لك , فلن تصل إليك أبداً
- إني أتجمد من البرد ألا يمكنك الاقتراب من الماء أكثر ؟
لكنه سار متمهلا وهو يعود للشاطئ :- وهل أعرض سترتي للبلل؟
صرخت :- حسناً ! لانفعل! لكن ، إن أجبرتني على السير للبيت بثوب السباحة ، فلن أوجه لك الكلام مجدداً !!
كتف يديه :- عرضك مغر جداً يا آنسة
توقف عن الكلام متململا ثم هز رأسه ليفك شريط حذائه :- إياك أن تعتقدي أني أقوم بذلك خوفاً من عدم التحدث إليك بعد اليوم
- لن تخطر هذه الفكرة في راسي مطلقاً
ما إن خلع جوربيه حتى اندفع نحو الماء فاستوقفته قائلة :- مهلاً وماذا عن المنشفة ؟
- ستحتاجين إليها ما أن تبلغي الشاطئ
- لكن لكن ماذا
تذمر :- اخرسي بآنسة باتيست إني أنقذك فاقبلي عرضي أو ارفضيه
لزمت مكانها وقد جمد البرد أطرافها وراحت تلوم نفسها على قرار آخر من قراراتها المتسرعة
حين دنا منها حدقت فيه بحذر وسألته :- ماذا ستفعل ؟
- كما قلت لك تماماً
بدا يخلع قميصه ، ثم أضاف وهو يرى الإجفال مرسوم على وجهها :- البسي هذا!
أمسكت القميص وتركته ينسدل فوق رأسها ، ثم جاهدت لتدخل ذراعيها في الكمين، فيما الأمواج حولها تتلاطم وجسمها يرتعش حين نجحت أخيراً كانت قواها قد خارت تماماً ، والنسيج قد تشرب الماء
_ أيمكنك أن تقفي ؟
- ط طبعاً
لكنها انهارت وغاصت تحت الماء
وبخها :- كان ذلك ممتعاً للغاية لكن الأسلوب الذي تعتمدينه للعودة للشاطئ قد يستغرق وقتاً طويلاً
كانت تسعل بقوة وتتنفس بجهد وأغضبتها سخريته
فيما هي تعود للشاطئ غمرتها المياه وأخذ جسدها يرتجف وأسنانها تصطك تلعثمت :- شكـ شكراً يادكتور كان هذا غـباء مني
ظل صامتاً ،لكنها أحست به يصر أسنانه
- أهذه دولة عسكرية يصر الرئيس على مراقبة كل شبر منها ؟
- بل تقتصر المراقبة على الشاطئ، وذلك لاكتشاف الزوار الغير شرعيين ، قبل أن ينتشروا على الساحل للتنقيب على الأحجار الكريمة
بدا كلامه منطقيا كيف لم تتسأل عن وسائل الأمن في إمبراطوريتهم ؟ فهذه جزيرة زمرد وهي لا تقدر بثمن !

وما لبثت أن شتمت نفسها لتسرعها مرة أخرى ولعدم تفكيرها
ولما خطت خارج المحيط ، راحت تمشي حتى تجاوزت كومة الثياب
- ماذا عن الـ المنشفة
-أيمكنك أن تقفي بمفردك إن عدت لإحضارها ؟
- ليس بعد
- ينبغي أن تصلي للبيت أولا
- كيف وجدتني؟
لم تعد تشعر كأنها جبل جليدي فالحرارة التي يبعثها فيها هذا الرجل
فجأة صرخت في نفسها محذرة :-لا ياميمي ، لن نخوض في هذا السجال مجددا
- استعنت بنباح فوفو!
قالت وهي تشعر بالخزي:- إني محرجة للغاية ، هل تعتقد أن أحدهم رآني ؟
كانت ضحكته عميقة وساخرة رغم ذلك استقبلتها بسرور
- لا يتلقى قسم المراقبة راتبه كي ينقطع عن العمل لفترة طويلة
تمتمت بأنين :- لاشك أنهم اجتمعوا لحضور المشهد ، حاملين معهم الفشار وهم يقهقهون بلا توقف قد أضطر لقتل نفسي
- من جانب آخر , إنهم يتلقون رواتبهم كي يحافظوا على السرية
إن كنت قلقة من أن تبث مواقع الانترنت شريط مغامرتك البحرية، فلا عليك!
رفعت عينيها تحق فيه بهلع ك- أهي مسجلة ؟
ازدادت ملامحه ارتباكاً لما بادلها النظرات :- استنتج أنك غير ملمة بالأجهزة الأمنية
في هذه اللحظة لم يكن مارك وحده من يتقد بالحرارة في الواقع شعرت بخجل شديد ، تنهدت بعمق ومدت يدها لشعرها المبلل
- سأقتل نفسي بكل تأكيد
بعد قليل أشار للكوخ قائلا:- قبل كل شيء ، هلا فتحت الباب ؟
باضطراب أدرت مقبض الباب ، حتى شعرت بحرارة الغرفة على جسمها المرتجف
تركها وحيدة فأجفلت ، واشتد ذهولها لما راح يتابع السير بخطى واسعة
- إلى أين تذهب ؟
- إلى الحمام أنت بحاجة إلى الدفء

أحست بوخزه من الخوف فسارعت تقول :- ولكني أشعر بالدفء
فتح باب الحمام وفتح الماء على المغطس ، ولم يمر وقت قليل حتى استقام ومرر يده في شعره ، بحركة تنم عن توتر عضلات صدره وذراعه ، سألها بصوت تشوبه الخشونة :- أيمكنك تولي الأمر من هنا ؟
على أي حال من يلومه إن كان عصبياً ؟ فقد كان الماء يقطر منه ولن تندهش ميمي إن انهار على الأرض بعد العناء الذي تكبده في انقاذها
فجأة ، حانت منها التفافة وقد اتخذت قرارها كانت يداها تشدان القميص الفضفاض إلى الأسفل غير أنها أرخت قبضتها بغتة ، وأومأت للطبيب بإصبع منها :- اقترب لحظة يادكتور
أخفض حاجبيه ثم رفعهما ثانية في تعجب ملحوظ :- ما المشكلة ؟
أومأت بإصبعها مجدداً وتوسلت :- أرجوك !!
أقترب والشك يرتسم في عينيه :- ماذا تريدين الآن ؟
صمتت لحظة ، ثم همست :- شكراً
وانسحبت بسرعة لم تبال إن كانت هذه الخطوة هي أحدى بنات أفكارها المتهورة فقد كان شهما ودوداً معها ، ولم تستطع أن تكبح جماح نفسها
وما لبثت أن أردفت :- أعلم أننا لا نتفق كثيراً ، لكنني أقدر ما فعلته من أجلي الليلة
ولم تكن ميمي تملك أدنى فكرة عما توقعه ، ولكن بدا واضحاً أنه لم يتوقع ما سمعه ، بقي صامتاً وهو يرمقها ، بوجه ساحر حتى في ذهوله



وضع مارك المولود الجديد بين ذراعي ميمي
وارتسم على وجه مساعدته المعارضة أبداً ، تعبير جديد لم يلحظه عليها من قبل كانت ملامحها رقيقة وقد ترقرقت الدموع في عينيها بدا أن في زاوية من زوايا هذه البوهيمية شرارة أمومة
حاول مارك أن يبعد نظره عن وجه ميمي ، ولكنه لم يستطع، بدت وكأنها تماثل مراهقة
كان مارك قد تلقى اتصال رايف عند الواحدة يوم الأحد ولم يكن النوم قد وجد إلي سبيلا، لاسيما أنه عجز عن طرد مغامرة المساء من ذهنه بدت مهمة الإنقاذ تلك أسوأ أربع ساعات مرت علي في حياته فلهذه المرأة قدرة عجيبة تقضي على رباطة جأشه، وتضاعف من توتره وتسهره الليالي
في العادة قلما يفرح بالاتصالات الطارئة في منتصف الليل لكن حين رن الهاتف أمسكه وكأنه حبل النجاة ينتشله من نار مستعرة
بعد أن انهي مارك وميمي عملهما عادا للجزيرة كان ستار الليل يخيم على المحيط والسماء مرصعة بالنجوم جلست ميمي بسكون إلى جانبه، وهي تحدق عبر النافذة المقابلة ، ود لو يعرف الأفكار التي تشغل بالها !! وفي حركة جنونية ، استدار ليواجهها :- ما رأيك في الولادة الأولى التي ساعدت فيها ؟
لما التفتت إليه فوجئ بالدمع يترقرق في عينيها أخذت نفساً وطرفت بعينيها حتى محت العبرات
تمتمت بهدوء لا أثر فيه لتبجحها المعتاد :- كانت تجربة فريدة من نوعها يا دكتور
ابتسمت بضعف وهزت رأسها هامسة :- ميمي لغيت هذه الفتاة الصغيرة ستشق مصاعب الحياة ، وتنعم بأفراحها ، وهي تحمل اسمي أنا!!
راح مارك ينظر إليها وهو يفكر في كلامها لاحظ أن شفتها السفلى ترتعش حول انتباهه إلى عينيها ، فأذهله بحر المشاعر العنيف المتلاطم فيهما التجربة اخفت المتسكعة الثرثارة ، لتحل محلها حساسة فاتنة في تأثيرها وجهت إليه نظرة ساحرة واحدة مسته في الصميم
أدرك إنها تشعر بالامتياز والتفاهة في آن واحد فابتسم وقال
:- ستكون ميمي لغيت امرأة مميزة إذا امتلكت نصف شجاعتك فقط
رغم أنه تفاجأ حين أفصح عن مكنونات صدره ، غير أنه لم يأسف قفد قدمت له ميمي بهدوئها وسيطرتها على أعصابها ،عونا كبيراً وتستحق منه تشجيعاً
لدى سماعها مديحه اتسعت عيناها المتلألئتين فجأة
بدأت دمعة ترتعش على أهدابها ، وشقت طريقها أخيراً على خدها
في تلك اللحظة بالذات ، سيطرت على مارك رغبة مجنونة في غزالة المسافات بينهما ، حتى يشعر بدمعتها الندية
إن كنت قلقة من أن تبث مواقع الانترنت شريط مغامرتك البحرية، فلا عليك!
رفعت عينيها تحق فيه بهلع ك- أهي مسجلة ؟
ازدادت ملامحه ارتباكاً لما بادلها النظرات :- استنتج أنك غير ملمة بالأجهزة الأمنية
في هذه اللحظة لم يكن مارك وحده من يتقد بالحرارة في الواقع شعرت بخجل شديد ، تنهدت بعمق ومدت يدها لشعرها المبلل
- سأقتل نفسي بكل تأكيد
بعد قليل أشار للكوخ قائلا:- قبل كل شيء ، هلا فتحت الباب ؟
باضطراب أدرت مقبض الباب ، حتى شعرت بحرارة الغرفة على جسمها المرتجف
تركها وحيدة فأجفلت ، واشتد ذهولها لما راح يتابع السير بخطى واسعة
- إلى أين تذهب ؟
- إلى الحمام أنت بحاجة إلى الدفء

أحست بوخزه من الخوف فسارعت تقول :- ولكني أشعر بالدفء
فتح باب الحمام وفتح الماء على المغطس ، ولم يمر وقت قليل حتى استقام ومرر يده في شعره ، بحركة تنم عن توتر عضلات صدره وذراعه ، سألها بصوت تشوبه الخشونة :- أيمكنك تولي الأمر من هنا ؟
على أي حال من يلومه إن كان عصبياً ؟ فقد كان الماء يقطر منه ولن تندهش ميمي إن انهار على الأرض بعد العناء الذي تكبده في انقاذها
فجأة ، حانت منها التفافة وقد اتخذت قرارها كانت يداها تشدان القميص الفضفاض إلى الأسفل غير أنها أرخت قبضتها بغتة ، وأومأت للطبيب بإصبع منها :- اقترب لحظة يادكتور
أخفض حاجبيه ثم رفعهما ثانية في تعجب ملحوظ :- ما المشكلة ؟
أومأت بإصبعها مجدداً وتوسلت :- أرجوك !!
أقترب والشك يرتسم في عينيه :- ماذا تريدين الآن ؟
صمتت لحظة ، ثم همست :- شكراً
وانسحبت بسرعة لم تبال إن كانت هذه الخطوة هي أحدى بنات أفكارها المتهورة فقد كان شهما ودوداً معها ، ولم تستطع أن تكبح جماح نفسها
وما لبثت أن أردفت :- أعلم أننا لا نتفق كثيراً ، لكنني أقدر ما فعلته من أجلي الليلة
ولم تكن ميمي تملك أدنى فكرة عما توقعه ، ولكن بدا واضحاً أنه لم يتوقع ما سمعه ، بقي صامتاً وهو يرمقها ، بوجه ساحر حتى في ذهوله



وضع مارك المولود الجديد بين ذراعي ميمي
وارتسم على وجه مساعدته المعارضة أبداً ، تعبير جديد لم يلحظه عليها من قبل كانت ملامحها رقيقة وقد ترقرقت الدموع في عينيها بدا أن في زاوية من زوايا هذه البوهيمية شرارة أمومة
حاول مارك أن يبعد نظره عن وجه ميمي ، ولكنه لم يستطع، بدت وكأنها تماثل مراهقة
كان مارك قد تلقى اتصال رايف عند الواحدة يوم الأحد ولم يكن النوم قد وجد إلي سبيلا، لاسيما أنه عجز عن طرد مغامرة المساء من ذهنه بدت مهمة الإنقاذ تلك أسوأ أربع ساعات مرت علي في حياته فلهذه المرأة قدرة عجيبة تقضي على رباطة جأشه، وتضاعف من توتره وتسهره الليالي
في العادة قلما يفرح بالاتصالات الطارئة في منتصف الليل لكن حين رن الهاتف أمسكه وكأنه حبل النجاة ينتشله من نار مستعرة
بعد أن انهي مارك وميمي عملهما عادا للجزيرة كان ستار الليل يخيم على المحيط والسماء مرصعة بالنجوم جلست ميمي بسكون إلى جانبه، وهي تحدق عبر النافذة المقابلة ، ود لو يعرف الأفكار التي تشغل بالها !! وفي حركة جنونية ، استدار ليواجهها :- ما رأيك في الولادة الأولى التي ساعدت فيها ؟
لما التفتت إليه فوجئ بالدمع يترقرق في عينيها أخذت نفساً وطرفت بعينيها حتى محت العبرات
تمتمت بهدوء لا أثر فيه لتبجحها المعتاد :- كانت تجربة فريدة من نوعها يا دكتور
ابتسمت بضعف وهزت رأسها هامسة :- ميمي لغيت هذه الفتاة الصغيرة ستشق مصاعب الحياة ، وتنعم بأفراحها ، وهي تحمل اسمي أنا!!
راح مارك ينظر إليها وهو يفكر في كلامها لاحظ أن شفتها السفلى ترتعش حول انتباهه إلى عينيها ، فأذهله بحر المشاعر العنيف المتلاطم فيهما التجربة اخفت المتسكعة الثرثارة ، لتحل محلها حساسة فاتنة في تأثيرها وجهت إليه نظرة ساحرة واحدة مسته في الصميم
أدرك إنها تشعر بالامتياز والتفاهة في آن واحد فابتسم وقال
:- ستكون ميمي لغيت امرأة مميزة إذا امتلكت نصف شجاعتك فقط
رغم أنه تفاجأ حين أفصح عن مكنونات صدره ، غير أنه لم يأسف قفد قدمت له ميمي بهدوئها وسيطرتها على أعصابها ،عونا كبيراً وتستحق منه تشجيعاً
لدى سماعها مديحه اتسعت عيناها المتلألئتين فجأة
بدأت دمعة ترتعش على أهدابها ، وشقت طريقها أخيراً على خدها
في تلك اللحظة بالذات ، سيطرت على مارك رغبة مجنونة في غزالة المسافات بينهما ، حتى يشعر بدمعتها الندية

إن كنت قلقة من أن تبث مواقع الانترنت شريط مغامرتك البحرية، فلا عليك!
رفعت عينيها تحق فيه بهلع ك- أهي مسجلة ؟
ازدادت ملامحه ارتباكاً لما بادلها النظرات :- استنتج أنك غير ملمة بالأجهزة الأمنية
في هذه اللحظة لم يكن مارك وحده من يتقد بالحرارة في الواقع شعرت بخجل شديد ، تنهدت بعمق ومدت يدها لشعرها المبلل
- سأقتل نفسي بكل تأكيد
بعد قليل أشار للكوخ قائلا:- قبل كل شيء ، هلا فتحت الباب ؟
باضطراب أدرت مقبض الباب ، حتى شعرت بحرارة الغرفة على جسمها المرتجف
تركها وحيدة فأجفلت ، واشتد ذهولها لما راح يتابع السير بخطى واسعة
- إلى أين تذهب ؟
- إلى الحمام أنت بحاجة إلى الدفء

أحست بوخزه من الخوف فسارعت تقول :- ولكني أشعر بالدفء
فتح باب الحمام وفتح الماء على المغطس ، ولم يمر وقت قليل حتى استقام ومرر يده في شعره ، بحركة تنم عن توتر عضلات صدره وذراعه ، سألها بصوت تشوبه الخشونة :- أيمكنك تولي الأمر من هنا ؟
على أي حال من يلومه إن كان عصبياً ؟ فقد كان الماء يقطر منه ولن تندهش ميمي إن انهار على الأرض بعد العناء الذي تكبده في انقاذها
فجأة ، حانت منها التفافة وقد اتخذت قرارها كانت يداها تشدان القميص الفضفاض إلى الأسفل غير أنها أرخت قبضتها بغتة ، وأومأت للطبيب بإصبع منها :- اقترب لحظة يادكتور
أخفض حاجبيه ثم رفعهما ثانية في تعجب ملحوظ :- ما المشكلة ؟
أومأت بإصبعها مجدداً وتوسلت :- أرجوك !!
أقترب والشك يرتسم في عينيه :- ماذا تريدين الآن ؟
صمتت لحظة ، ثم همست :- شكراً
وانسحبت بسرعة لم تبال إن كانت هذه الخطوة هي أحدى بنات أفكارها المتهورة فقد كان شهما ودوداً معها ، ولم تستطع أن تكبح جماح نفسها
وما لبثت أن أردفت :- أعلم أننا لا نتفق كثيراً ، لكنني أقدر ما فعلته من أجلي الليلة
ولم تكن ميمي تملك أدنى فكرة عما توقعه ، ولكن بدا واضحاً أنه لم يتوقع ما سمعه ، بقي صامتاً وهو يرمقها ، بوجه ساحر حتى في ذهوله



وضع مارك المولود الجديد بين ذراعي ميمي
وارتسم على وجه مساعدته المعارضة أبداً ، تعبير جديد لم يلحظه عليها من قبل كانت ملامحها رقيقة وقد ترقرقت الدموع في عينيها بدا أن في زاوية من زوايا هذه البوهيمية شرارة أمومة
حاول مارك أن يبعد نظره عن وجه ميمي ، ولكنه لم يستطع، بدت وكأنها تماثل مراهقة
كان مارك قد تلقى اتصال رايف عند الواحدة يوم الأحد ولم يكن النوم قد وجد إلي سبيلا، لاسيما أنه عجز عن طرد مغامرة المساء من ذهنه بدت مهمة الإنقاذ تلك أسوأ أربع ساعات مرت علي في حياته فلهذه المرأة قدرة عجيبة تقضي على رباطة جأشه، وتضاعف من توتره وتسهره الليالي
في العادة قلما يفرح بالاتصالات الطارئة في منتصف الليل لكن حين رن الهاتف أمسكه وكأنه حبل النجاة ينتشله من نار مستعرة
بعد أن انهي مارك وميمي عملهما عادا للجزيرة كان ستار الليل يخيم على المحيط والسماء مرصعة بالنجوم جلست ميمي بسكون إلى جانبه، وهي تحدق عبر النافذة المقابلة ، ود لو يعرف الأفكار التي تشغل بالها !! وفي حركة جنونية ، استدار ليواجهها :- ما رأيك في الولادة الأولى التي ساعدت فيها ؟
لما التفتت إليه فوجئ بالدمع يترقرق في عينيها أخذت نفساً وطرفت بعينيها حتى محت العبرات
تمتمت بهدوء لا أثر فيه لتبجحها المعتاد :- كانت تجربة فريدة من نوعها يا دكتور
ابتسمت بضعف وهزت رأسها هامسة :- ميمي لغيت هذه الفتاة الصغيرة ستشق مصاعب الحياة ، وتنعم بأفراحها ، وهي تحمل اسمي أنا!!
راح مارك ينظر إليها وهو يفكر في كلامها لاحظ أن شفتها السفلى ترتعش حول انتباهه إلى عينيها ، فأذهله بحر المشاعر العنيف المتلاطم فيهما التجربة اخفت المتسكعة الثرثارة ، لتحل محلها حساسة فاتنة في تأثيرها وجهت إليه نظرة ساحرة واحدة مسته في الصميم
أدرك إنها تشعر بالامتياز والتفاهة في آن واحد فابتسم وقال
:- ستكون ميمي لغيت امرأة مميزة إذا امتلكت نصف شجاعتك فقط
رغم أنه تفاجأ حين أفصح عن مكنونات صدره ، غير أنه لم يأسف قفد قدمت له ميمي بهدوئها وسيطرتها على أعصابها ،عونا كبيراً وتستحق منه تشجيعاً
لدى سماعها مديحه اتسعت عيناها المتلألئتين فجأة
بدأت دمعة ترتعش على أهدابها ، وشقت طريقها أخيراً على خدها
في تلك اللحظة بالذات ، سيطرت على مارك رغبة مجنونة في غزالة المسافات بينهما ، حتى يشعر بدمعتها الندية



******************


7/ حديث المساء


لم تغمض ميمي جفنيها طيلة الليل ، رغم ذلك لم تكن تبغي أن تلازم الكوخ طيلة النهار لكن عندما شاهدته منكباً على خزانة الملفات لم تستطع إلا أن تعرض عليه المساعدة
اعلمها أنه ينهي أعمال سريعة وأنه يوم عطلتها بعدئذ أشار للباب وعاد يصب اهتمامه على الملفات ، خاتما بذلك حديثهما
وافقها سلوكه تماما ، فمساء أمس طالعها في عيبيه سحر غامض ، بل عذاب جعلها تتقلب على فراشها طيلة الليل
لا لن تدعي الدكتور يغرز سهامه في قلبك بملامحه الريفية البريئة ! إن هذا الرجل لا يستريح خوفاً من أن يحتاجه مريض ! إنه لا يناسبك ياميمي فانسي أمره
إن آخر ماتريده هو أن تستسلم لمشاعرها وضعفها ل1ا فمن الواجب عليها أن تحافظ على سلامة عقلها وتبتعد عنه قدر الإمكان، فهو قادر على دفعها للتصرف بغباء وتفاهة
ظلت ميمي تحاول أ، تطرد مارك من ذهنها فقد شغل أفكارها فيما هي جالسة مع كايل كان جايك وسوزان يرغبان بقضاء العصر في بورتلاند فسارعت ميمي لعرض خدماتها
وعند المساء ن دعتها سوزان لتناول العشاء معهم فوافقت كانت تعلم أن مارك قد واظب على رفض دعواتهم للعشاء يوم الأحد فإذا حالفها الحط وبقي مسمراً إلى كرسيه وسط كومة الملفات ، ستتمكن من تجنبه طيلة المساء
لقد اكتشفت أن كلاً منهما يكن للآخر شعور قل مثيله و فمن الصعب أن يذوق المرء حلاوته لبرهة ثم ينساه
فإن تجلى هذا الشعور !! فكيف لكل منهما أن يمضي في حياته من دون أن يتذكر الماضي بمزيج من الألم والندم ؟
في يوم من الأيام ستنسى هذه المشاعر وسينير حياتها الرجل المناسب ، كما وجدت أمها أبيها وسيجوبان العالم معا ويعيشان مغامرات مثيرة
كل هذا حلم يستحق أن تسهر لأجله ليالوتنتظر أيام
لاح لها الكوخ من بعيد ، فاستدارت وهمها أن تبتعد عن مارك وعن ملفات عمله قدر الإمكان!!
وجدت نفسها في منطقة لم يقع عليها نظرها من قبل ، سارت بتمهل يدفعها الفضول وهي تتأمل الأرض بتمعن حين وصلت حافة حفرة حدقت فيها ووضعت يديها على خصرها ، وهتفت :- إذاً ،هذا هو منجم الزمرد العظيم في جزيرة ميريت 1 برأيي ، ليس إلا فجوة كبيرة
- على الأقل نحن نتفق على أمر واحد ياآنسة باتيست
اعتراها إجفال شديد ، لم تعرف ما إذا سيغمى عليها أم تصاب بنوبة قلبية ؟ استدارت ناحية الصوت ، ويدها على قلبها
:- لقد أخفتني بشدة يادكتور ، حتى كاد كبدي يتفتت!
رمقها بنظرة متفحصة بعد أن ظهر من بين الأشجار وأشار إلى يدها التي فوق قلبها وقال :- بصفتي طبيب ياآنسة ، أؤكد لك أن هذا ليس كبدك
حدقت فيه قبل أن تجيب :- لماذا كنت متواريا خلف الأشجار ؟
اسند ظهره لشجرة ضخمة وقال :- كنت أراقب
أصيبت بالإجفال فقد توقعت طل شيء إلا هذا :- تراقب ؟ ماذا ، أو من ، كنت تراقب على وجه التحديد ؟
أومأ برأسه بعيداً :- الطائر الطنان
اختلست النظر للجهة التي أشار إليها ، وتفاجأت فعلا بالطائر الطنان يطير بين الأزهار البرية
هتفت :- وكنت من الاستغراق في مراقبة الطائر ، حتى أنك لم تلحظ وجودي ؟
- بل لاحظتك لكنني جئت هنا طلباً
استعاد قناع الامبالاة وأضاف :- للعزلة
ثم ابتعد عن الشجرة :- إذاً ، أنت تظنين المنجم مجرد فجوة كبيرة ؟
لما غير الموضوع فجأة ؟ تباً لهذا الطبيب وأساليبه المشوشة!
- في في الواقع ليس منظراً يسر العين
ما إن أقرت بذلك حتى تمنت لو تفوهت بجواب أكثر ذكاء من هذا الهراء
تقدم نحوها بضع خطوات فبلعت ريقها وحاولت أن تحافظ على توازنها أكان عليه أن يبدو بهذه الوسامة ؟لا ن أنه مجرد رجل رجل يرتدي سروالا من الجينز وسترة بلون الصوف الطبيعي ، وينتعل حذاء ً رياضياً كالف رجل غيره أما شعرة الأبنوسي الأسود فهو مجرد شعراً ، والخصلة المتدلية على جبينه مجرد خصلة لا هي مسبوكة بالذهب ولا مغزولة بالحرير !!
وهل هاتين العينين الامعتان غير عينين فحسب ؟ لا شك أن في العالم ملايين العيون مثلها ! فما بالها إذاً ؟ وسرت في جسمها قشعريرة سمرتها مكانها
حين أصبح على بعد خطوتين منها وقف وركع عند قدميها والتقط حجرة صغيرة وحين استقام أخيراً عرض ما بيده قائلاً :- هذه زمردة / أو أنها ستكون كذلك ما إن تصقل
حين رفعت يديها غريزياً ، ترك الحصاة تسقط في كفها تأملتها حتى تبينت النور الأخضر المتلالي فيها تمتمت برقة :- رائع
وما لبثت أن التفتت وتابعت :- إن حدث وفشلت كطبيب بإمكانك العمل بمنجم الزمرد!
ضحك بخفوت وقال :- شكراً ، سأدرس هذا الاحتمال إذا فشلت حياتي المهنية
ظلت تقلب الحصاة بين يديها وسألته :- أيمكنني الاحتفاظ بها ؟
ثم رفعت سوارها وأضافت :- إني أجمع بعض التذكارات من مغامراتي
سكتت ثم أضافت :- إلا إن كانت نفيسة جداً ، فآخر ما أرمي إليه هو إفلاس الشركة
- هز رأسه بتعبير ساخر وأجاب :- تسرفي على رسلك فلا أظن أننا على شفير الافلاس
- لست متأكدة من ذلك يادكتور ، فمع حياة الترف والرفاهية التي تعيشها في الكوخ لا استطيع أن امنع نفسي من القلق
هزت رأسها بسخرية وأضافت :- إن استخدامك لهذا العدد الكبير من الخدم ، وانغماسك في الملذات ، يدفعاني للشك ، واخشي أن ينتهي بك المطاف تحت جسر المسألة مسألة وقت ليس إلا
حتى تكشيرته كادت تخطف لبها :- يالهذا الانتقاد القاسي !
راعها ما تخلفه جاذبيته فيها من أثر !!

سرعان ما أشاحت بنظرها عنه والرعب يتملكها
أرادت أن تثرثر حول أي موضوع تافه لتنفلت منه
ابتلعت ريقها وهي تقاوم لتتجاهله و جاذبيته
وقد عقدت الفرصة على الهرب في أقرب فرصة ممكنة راحت تثرثر وتثرثر للتخلص من تأثيره عليها صرخ بها :- تباً ، ميمي ! ميمي اصمتي!
لما اكتشفت أنه قريب منها قرب شديد سألته بحدة :- ماذا ؟
كيف أقترب منها ؟ وهي ما انفكت تبتعد عنه !!
عادت لتسأله بصوت هامس :- ماذا ؟
كان الاضطراب يكتنف ملامحه زمجر :- أعفيني من هذه التفصيلات المطبخية لا أريد إلا شيء واحد ، وأريده في الحال !!
كانت تفضل ألا تعرف ماذا يريد
اخترقتها نظراته حتى عرفت أنها تطلب منها ما لن تمنحه بسهولة
- ماذا ستمنحينني كتذكار على زيارتك ؟
رغم أنه طرح السؤال بهدوء بالغ ،إلا أن تغييراً ما طرأ على وجهه
وسرعان مافهمت أنه لم يسألها إلا كارهاً كانت تحس بالصراع داخلة وأن رغبته في التورط مع غجرية طائشة تماثل رغبته في التهام حشرة!!
كما لاحظت بحر الانفعالات المتناقضة الذي يغرقه ، لأنها سبق وغرقت فيه
أقسمت ميمي ، على ألا تسمح لنفسها بالانجراف ستتحكم بتصرفاتها ، وتكون مسئولة عنها مسؤولية تامة
وأخيراً تمالكت أعصابها وقررت ألا تعير طلبه أي اهتمام
ولمزيد من الاهتمام ، ابتسمت ابتسامة وقحة ، ثم قالت بهدوء ظاهري :- حسناً دكتور ، ماذا تريد لئلا تنساني ؟
أطلقت حنجرة مارك صوت مخنوق ، وإذا بجيشان من المشاعر
يسري في شرايينها كالنار الهشيم
وما هي إلا ثوان حتى همس ك- لاترحلي يا ميمي أبقي معي
أثار كلامه فيها عذاباً لا يوصف
إن الالتماس في صوته لا بل الطلب الآمر ، أرسل نوبة ذعر في جسمها
ماذا يقول ؟ دار العالم في عينيها واكتسى لون أسود منذراً بالسوء, وأحست أنه رمى بها في فراغ لا نهاية له
أيتها المرأة الغبية ماذا كنت تتوقعين ؟ ألم تعرفي أن الحال ستؤول لذلك ؟ الم تعرفي لماذا كنت تخشين الاقتراب منه ؟
إن مارك قد اتخذ لنفسه موطناً ، مأوى يلتمس فيه الراحة ، ولا يرغب إلا في حياة تقليدية ، وزوجة مثالية ، انه يفتقد روح المغامرة ، بل هو إنسان مسمر في مكانه ! يخفف عبء من حوله ليل نهار ! وكتن تعرفين ذلك تمام المعرفة من البداية أيتها الغبية !!
استبد بها الغضب لأنها سمحت للضعف أن يتحكم بها
صرخت :- دعني وشأني اذهب لتدرس ملفاتك !
تركها بسرعة ولما تعثرت قدمها سددت له أصبع الاتهام
- أنت تعرف طبيعتي يامارك ، وتعرف طموحي ! كنت تعرف ذلك من البداية
أخذت نفس عميق وتابعت :- إن حياتي مرسومة بالتفصيل وحياتك كذلك أعترف أن سحراً غريباً فيك ن أوفي يشدني إليك ، أويجذبك إلي إنما لاتقع أسير هذا !!فأنا لست من النوع الذي يحب الحياة المنزليةالآمنة
دفنت يد مرتجفة في شعرها ولم يعد يسمع إلا خشخشة الحلي في سوارها أطبق مارك على أسنانه
حذرته وقد أزعجته نبرة الالتماس في صوتها :- إياك أن تطلب مني البقاء ، ماذا كنت تقول لو طلبت منك الرحيل ؟
ومض الغضب في عينيه وسألها بخشونة ك- وأين عساي أذهب ؟ ولماذا ؟ إن حياتي هنا
- هذا ما أعنيه تماما
ثم ولت مدبرة صحيح أنها كانت تمشي ببطء وبشق الأنفس ، لكنها رحلت أخيرأ
ظل مارك مستلقياً مدة طويلة حين أدرك ماذا اقترف وأين هو ، كانت الشمس تشرف على المغيب هز رأسه وقد راعه تصرفه لقد جاهد على أن يتجنب ميمي وحين فرغ من أعماله ، راح يهيم في الجزيرة على غير هدى لماذا كلمها ؟ ولماذا أعلن عن حضوره ؟ كان ذلك خطأه الأول لماذا طلب منها تذكار ؟هذا خطؤه الثاني
أغمض عينيه وأفلتت منه شتيمة لقد أرادها أن تبقى بقربه
لم يتخيل نفسه رجلاً مندفعاً أو متهورأً، لكنه أقدم للتو على طلب يد هذه المرأة !!
_ أنت رجل مريض ! مالك نفسك لا يطلب الرجال من النساء الزواج على نحو غير متوقع، لاسيما حين يدركون تفاهة الفكرة !!
- إلى من تتكلم ؟
رفع مارك عينيه فوقع بصره على جايك وهو يتأبط ذراع سوزان كانا ينظران إليه بفضول
قال مارك محاولا استعادة رباطة جأشه :- لم أتوقع أن أراكما هنا في مثل هذه الساعة
أفلتت سوزان ذراع زوجها واتجهت لمارك :- ماذا جرى لك ؟ أكنت تتقلب في الوحل ؟
حين سمع كلامها أحس بحرارة تجتاح عنقه ، وارتجل جواباً :- لقد وقعت!!
ارتفع صوت جايك بنبرة مريبة :- أحقاً ؟ وعلى من وقعت ؟
سأل ليبدل الموضوع :- ماذا تفعلان هنا الآن ؟ إن الظلام يخيم على المكان
كشفت إمارات جايك عن تسلية هددت راحة بال مارك وقال :- يبدو أن ميمي وقعت بدورها
أخذ جايك يراقب أخيه بابتسامة من كشف سراً , وأردف :- من العجيب أن كلاكما أخرف بهذا الشكل !!
منحت سوزان مارك نظرة رقيقة وبعد برهة تمتمت :- عزيزي مارك لم لا تنضم إلينا على مائدة العشاء
ابتلع ريقه بصعوبة ثم دس يديه في جيبيه وأجاب بسرعة :- لا أظن ذلك على أن أحضر ملفات عمل ما
وسرعان ما أجفل صحيح أنه تلفظ بأول فكرة خطرت على باله لكنها كانت فكرة سيئة جداً
التفت جايك لسوزان وما لبث أن أومأ ، وفي عينيه وميض مكر جلي
- أقلت ملفات ؟ حسناً ، إن أسرعت ، بإمكانك أن تعد ( ملفها ) فيما هي تستحم
أجتاح العبوس وجه مارك ، أحس أنه يخسر شجاعته شيء فشيء صر على أسنانه لماذا يشعر أنه أكبر أحمق في العالم ؟ إنه يستحق هذه السخرية !! كيف طلب يد أقل من يلائمه في هذا العالم ظ لم تخطيء ميمي في صراخها وغضبها عليه ، بل في رفضها لغبائه إنما مهما حاول أن يبرر رفضها أو يقنع نفسه به ، فما زال يولد في قلبه ألواناً من العذاب!!
*******************

8/ ضحية الفراولة




جلست ميمي عند الشاطئ ، بعد أن أضرمت النار كانت بحاجة للدفء ولتبقى لوحدها فقد انقلبت حياتها رأس على عقب ، وساد فيها الاضطراب والفوضى وهاهي عالقة في جزيرة يسكنها أصحاب ثروة طائلة أنى لها أن تعرف أنهم سيكونون بهذه الطيبة والتواضع ؟ لم تحس بهذه الراحة مع الناس منذ وفاة والديها
ومما يثير الاستغراب أن أي من آل ميريت لم ينشد المغامرة خلف البحار رغم الأموال الطائلة التي يملكونها والتي تسمح لهم بالسفر لأي مكان تشتهيه نفوسهم
فجأة أحست بحكة في رجلها ، فدفنت قدميها في الرمل وعلا العبوس وجهها فكرت في مارك كم هو مختلف عنها ، لا يعقل أبداً أن تغرم به!
أنها بحاجة ماسة لمجالسة النجوم ، فقد خاضت اليوم تجربة عنيفة وأدركت أن تعلقها بهذه العائلة لن يجر عليها إلا المزيد من المشاكل
فركت ميمي وجهها بعد أن شعرت بوخز خفيف ، ثم تنهدت وهي تحاول أن تطرد طيف الذكرى تباً لها أنها تشعر بالراحة والرضا في هذا المكان عليها أن تعود لأسفارها
تمتمت :- ياللمصيبة التي ألمت بك ياميمي ! أكان من الضروري أن تصطدمي بـ
تركت الكلمات تموت على لسانها ، وأغمضت عينيها بقوة ، لتمنع أفكارها من الهرب نحو مارك
ثم أطلقت تنهيدة تنطوي على مزيج من الكآبة والتعب ،
تباً له لقد طلب منها ذلك الوغد
ارتفع صوت محذر في داخلها : كفى يا ميمي ! توقفي عن التفكير في هذا الرجل !فكري فيما تريدين عدا هذا الرجل !
- ماذا تظنين نفسك فاعلة ؟
أجفلها سؤال مارك الفظ فاستدارت نحوه وأجابت :- يا إلهي يا دكتور! أعليك أن تظهر دائما كالشبح ؟ ستسبب لي نوبة قلبية !
كانت تحاول أن تتبين مكانه في هذا الليل المعتم عندما عاودتها الحكة مجدداً ، لكن عندما كشفت النار عن قامة مارك الفارعة , نسيت أمر حكاكها ونسيت أمر مغادرة الجزيرة ، ولم يبق في ذهنها إلا منظره وهو يخرج من العتمة
كان وهج النيران قد أضفى عليه جاذبية لا توصف ، فأضاءت وجهه وصدره كان حافي القدمين فخيل لها أن طارئا انتشله من سريره على وجه السرعة فما كان منها إلا أن استقامت في جلستها ، وهي تنفض الرمل عن يديها :- هل طرأت حالة مستعجلة يادكتور ؟ أمن مريض يحتاج إلينا ؟
- كلا
حين أمسى على بعد خطوات منها توقف وحدق بالنار المشتعلة قبل أن يعبس قائلاً:- ماذا تفعلين ؟
بادلته العبوس ومررت يدها على كتفها حيث شعرت بوخزه خفيفة ردت :- إني أهتم بشؤوني الخاصة يادكتور كثير من الناس يقومون بذلك يجدر بك أن تحاول ذلك في بعض الأحيان
- يسعدني ذلك ، لكن رجال المراقبة لا ينفكون يتصلون بي بشأن مغامرتك الأخيرة
قاومت رغبة في التقدم نحو الكاميرا والصراخ أمام العدسة
- إني لا ألفت نظر سفينة القراصنة ! أمن الخطأ أن احظي بقصد من الراحة ؟ألا تستطيعون رجالك المجانين أتركني وشاني ولو لمرة واحدة ؟
أطلق زفيراً يعتريه التعب وتقدم نحوها قائلاً :- هل تنوين أن تقضين الليل في العراء ؟
مدت يدها بشرود إلى كاحلها ، وأخذت تفركه وهي تتمتم :- لست أدري وماذا لو فعلت ؟
أجاب بهدوء :- اسمعي يا ميمي إني آسف بشأن ماحدث هذا العصر
ساد سكون عميق لم يقطعه إلا صوت الموج في البعيد قال أخيراً :- لا أدري ماذا انتابني ؟!
فكرت قليلاً وتمتمت :- إنه ماض انقضى , ما كا ن يجدر أن أتصرف بعصبية
ظلت تحدق فيه وهي عاجزة عن الإشاحة بوجهها يا لتلك الهفوة التي ارتكبتها !
أضافت :- إن كنت لا تمانع , أفضل أن ابقي لوحدي
لما لم يجبها ، التفتت نحوه حتى التقت عيناهما شيئأ فشيء ، بدأت ملامحه تتغير ، فاتسعت عيناه واكتسى وجهه بالهم والتجهم ، ولما فتح فمه أخيراً ، أبصرها وهي تفرك ذقنها بشدة
قرب وجهها من النار ، وهتف :- لا تتحركي
- في ماذا تحدق ؟هل طال أنفي ؟
وفجاه تذكرت هذه النظرة فبعد العمل معه أصبحت تعرف نظرة الطبيب المعاين
أنعم النظر في ذراعيها وساقيها ُثم أجابها :- إن البثور تكسو وجهك هل تشعرين بحكاك
التفتت لذراعيها وقدميها فصرخت :- آه ، لا !
رفعت رأسها لمواجهة عينيه القلقتين وأضافت :- لا شك أن النحلية احتوت على الفراولة !
راحت تلوم نفسها لأنها أغفلت هذه المسألة مررت يدها في شعرها وأجابت :- إنه ضرب من ضروب الذكاء اقترفته فيما الدواء يكاد ينفذ مني
- لا تخافي من حسن الحظ أنني طبيب وأملك أدوية أيضاً
سار نحو الكوخ ، فيما أخذت تحك عنقها ، وهي تسير في أعقابه باضطراب
ما إن دخلا الكوخ ، حتى ادخلها أمامه للحمام وهو يقول :-اصمتي أرجوك ولآن ، خذي حمام معتدلا ، ونظفي عنك الرمل ، قبل أن أعاينك
كانت كل ثانية تمر تزيد من حدة الحكة فما كان منها إلا أن طردته بمزيج من العنف والشر للخارج :- حسناً دكتور ، لكن على أن أحذرك أني أمسي غريبة الأطوار حين أشعر بتوعك ولن أتخلص من هذا الخبل إلا بمعجزة !!
ابتسم بسخرية :- يالسوء حظي هذا هو سبب غرابتك إذاً
وقبل أن يتوارى خلف الباب لمحت التواء مريباً في شفتيه بعد عشر دقائق سرحت شعرها المبلل كانت تشعر كأنها ضحية هجوم نحل ساحق
لا شك أن ملمس الثياب على جسدها سيعذبها عذاباً مريراَ ، لكن مع وجود الطبيب الجذاب في الجوار ، أتملك خياراً ؟
لما خرجت من الحمام توقفت فجأة عندما رأته مستنداً على الجدار وفي يده حقنة تقدم منها وراح يعاينها
- يبدو أن الحالة تشتد سوءاً
كشرت :- لا أهذه حقنة أخرى ؟
- من الأفضل أن أحقنك في المطبخ حيث الإضاءة جيدة
ولما استدار تبعته متمتمة :- يالسعادتي !!
أكان من الضروري أن يراها بتلك البثور الممقرفة ؟
قبضت على منشفتها بإحكام وجلست حتي الجلوس بات في نظرها مشقة !
- لن يستغرق الأمر إلا ثوان
أسندت مرفقها للطاولة ، ثم أرخت رأسها فوق يدها قائلة :- بما أنني على وشك الموت لا أظن أن وخزة إبرة ستحدث فرقاً
لفتت انتباهها ضحكته الخافتة لكنه سرعان ما تجهم ليصب اهتمامه على عمله أغمضت عينيها وانتظرت بترقب
- انتهينا ينبغي أن تشعري بتحسن ابتداء من الآن
حركت يدها :- أتمانع إن جلست هنا مستسلمة للموت ؟
- أخشى أنني أمانع ، فنحن لم ننته بعد
- إلى أين نحن ذاهبان ؟
- إلى غرفة المعاينة
أرغمها على الوقوف ، وسألته :- لماذا ؟
ابتسم ابتسامة تفتقر للظرف :- أملك مرهما ً موضعيا قد يشفي:
- أحقاً؟
- لقد شهد الطب تطور ملحوظ ياميمي , إن تجرأت على الخروج من البرية ، لعرفت ذلك بنفسك
أعادت تثبيت المنشفة حول عنقها وتبعته
- سأعطيك أنبوبين ، لتأخذيهما معك عند رحيلك ، بالإضافة إلى بعض الحبوب التي تعطي نتيجة فعالة ، أنما ليس بالسرعة نفسها
أحست بمشاعر متخبطة في داخلها بدا كأي طبيب محترف إنما مع فارق بسيط كان في غاية الروعة فعلاً ( إنه طبيب الروعة ) هذه الكلمة تصف احساسها
التفت نحوها بعد أن كان يبحث في خزانة الأدوية وقال :- أقلت شيئاً؟
شتمت نفسها في سرها :- لا كنت أتألم وحسب
ماذا لو سمعها فعلاً ؟أنها لا تحتاج في الوقت الحالي إلا إلى
طبيب صارم متحفظ
أضاف :- هذا دواء فعال
نظرت إليه بارتياب وقالت م- سأدهن المرهم في غرفتي فلا تتعب
قاطعها :- اهدئي ياميمي لن أهاجمك سبق واعتذرت عما حصل اليوم فماذا تريدين مني بعد ؟ أن أكتب اعتذاري بريشة مغمسة في دمي ؟
حاول أن يتكلم من جديد ، لكنه ضم شفتيه وكأن ذهنه استقر على الصمت أخيراً
لاطفته قائلة :- ماذا ؟
رمقها بنظرة أوقفت خفقات قلبها ، ثم هز رأسه وأجاب :- ضعي المرهم وحسب لقد تأخر الوقت وغدا يوم عمل
قبل أن ترد كان قد غادر الغرفة
حين استعادت رشدها لم تملك إلا أن تحدق في الباب المغلق ، وفجأة , وجدت دمعة طريقها لخدها وانسابت حتى حطت على الطاولة
من حسن حظ ميمي أن العيادة لم تزدحم بالمرضى يوم الاثنين ولما حلت الساعة الخامسة اغتسل مارك ن واستعد ليعد العشاء فيما راحت ميمي تضع المرهم على جسدها
ألقت نظرة على صورتها المنعكسة في المرآة عشرات من البثور كانت تغطي وجهها حتى شوهته لكن على القل نجا شعرها من هذه البثور ن أما جفناها فمنتفخان ، حتى يخيل للمرء أنها تلقت لكمة على عينيها ولم يقتصر الأمر على ذلك بل انبعثت منها رائحة المرهم فاحست كأنها وقعت في وعاء كبير من الليموناضة الفاسدة
لقد بعث منظرها المرعب ورائحتها السامة الخوف في أكثر من مريض اليوم , لكن ما إن قيل لهم أنها ما تعانيه وحساسية حتى تنفسوا الصعداء
أرادت أن تعد العشاء لكنها تفضل إن تسير على الجمر المتقد على التواجد بقرب مارك !!
قررت ارتداء قناع لامبالاة فخرجت من الحمام نحو المطبخ وعندما دنت من الغرفة توقفت فجأة وقد أبصرت زائرة جالسة إلى مائدة المطبخ تفحصتها ميمي من رأسها لأخمص قدميها ن فلم تغفل عن شعرها الرائع ن وقد عقصته بعناية ، ولم تنس أن تتأمل حذاءها اللماع العالي الكعبين
لاحظت ميمي أنها وضعت ساقيها الطويلتين الرشيقتين رجلاً فوق رجل بطريقة مغرية أما رأسها فملتفت نحو مارك الذي اتكأ بتكاسل إلى الخزانة ن وبدا مستغرق في حديث رسم ابتسامة عريضة على وجهه
وبدل أن تحييها ميمي أكتفت بتساؤل :- ألديك ضيوف ؟
ولكن كم ودت أن تصرخ في وجهها :- ارحلي !!
ما أن التفتت المرأة نحوها ن حتى تلاشى تعبيرها المرح واتسعت عيناها وكأنها أبصرت وحشاً
ولما أدركت أن ردة فعلها تعتبر اهانة ، سارعت للقول بابتسامة :- سامحيني ، لقد اجفلتني
أشار مارك لميمي وقال :- إينيد ، هذه مساعدتي المؤقتة ن ميمي باتيست ميمي أقدم لم انيد بلاك لقد عملنا سويا ً في بوسطن
ابتسمت ميمي بتكلف قائلة ك- حقا ؟
أما إينيد فمدت يدها لميمي وكأنها تنتظر منها أن تقبلها ، ثم قالت بتهذيب :- تشرفت بلقائك ياميمي علمت ان لديك حساسية من الفراولة سلمت عليها ميمي مكرهة ثم ردت بمزاح ك- حساسية على الفراولة ؟ ظننت أن هره تصيد الجرذان قد عضتني بين عينيي
سألها مارك ك- كيف حال الحكة ؟
- إنها محتملة
الحق يقال لقد قلص عذابها إلى الثلث !
سألته :- إنه دواء ناجح ، كيف اكتشفت وجوده ظ
لوى فمه بابتسامه :- غني أجمع المعلومات من هنا وهناك ن كمدرسة الطب مثلاً
كم أحست بالغباء البالغ لعل ظهور إينيد المفاجئ قد أثر فيها لسبب و آخر
توجه مار لإينيد وابتسم لها بحميمية طعنت ميمي بسكين الغيرة
- لقد عرجت إينيد علي وهي في طريقها لحضور زفاف اختها
رمقتها ميمي وهتفت :- أحقا
أمرت نفسها بصمت ك- قولي أن هذا رائع عليك أن تهنئي ضيفة مارك !
لكن سرً غامضاً أطبق فكها ترى لم تتصرف كامرأة غيورة ؟
اقتربت أيند من مارك ورفعت وجهها إلية ومنحته ابتسامة رقيقة
- رغم أن بيتك لم يكن في طريقي ن إنما كان علي أن أعرج عليك ، وأتفقد حالك في حياة الريف لقد حطم مارك الكثير من القلوب عندما ترك المدينة
تمتمت ميمي ك- حقاً
في الواقع كانت تقاوم رغبة في أن تسألها إن كان مارك قد جرح قلبها أيضا، فإن فعل فيبدو أنها لم تستسلم للحسرة!!
أحست ميمي أن هذه المرأة قد تسلحت جيداً لاصطياد مارك فثوبها المثير وزينتها وحليها أشارات من الوضوح ما أدهش ميمي أن مارك لم ينتبه لها لكن الرجال لايلاحظون عادة نوايا النساء
لما ضاقت عيني الصهباء أدركت ميمي أن إنيند عرفت أن ميمي كشفت سرها فابتسمت ميمي سألتها :- إذاً ، كم ستمكثين ؟
- هذا المساء فقط!
رمقت مارك وهي تطرف بأهدابها وأكملت :- أرجو ألا تكون مشغولاً
فغمزها وسارع يجيب :- أنا حر كالعصفور
شعرت ميمي بالاشمئزاز فقد مر أسبوعان على وجودها لم يكن فيها مارك حراً ولا ليلة واحدة أما الآن فقد أصبح بسحر ساحرحراً يله من ساذج مغفل أبله !!
ذكرت نفسها : لا هذا جنون مارك ليس أبله وهو لم يقع في المصيدة إلا لأنه يريد ذلك ألم يوضح لها أنه ماعاد إلى جزيرة ميريت إلا للاستقرار والزواج وانين تنفع لذلك!!
عادت إينيد تكمل :- إليك فكرتي ما رأيك بتناول العشاء في بورتلاند ؟ وغن حالفني الحظ ، بإمكانك أن توصلني للمطار لن تقلع الطائرة إلا عند منتصف الليل
تناهى إليها صوت مارك :- من الفضل أن أبدل ملابسي
سمعتها ترد :- لا تكن سخيفاًن فأنت رائع!
ثم مررت يدها على ثوبها وأردفت :- كما أنني ألبس هذا الرداء القديم
حملقت فيها ميمي فإن لم يخب ظنها ، فإن رداءها القديم هذا لايعود إلى أبعد من الأمس
ابتسم مارك ابتسامة عريضة لإينيد ن فأعتصر اللم قلب ميمي اختلس مارك النظر إليها فكادت ان تتراجع للوراء
- سأحمل معي هاتفي الخلوي ن فإن طرأت حالة مستعجلة ن أعلميني
رمقها منتقداً وتابع :- يبدو أن التورم حول عينيك زاد سوءاً لن يضرك عن أويت للفراش باكراً
- حاضر يا والدي!!
نظر إليها لثوان ، قبل أن يقول إينيد :هل أنت جاهزة ؟
- طبعاً
راقبتهما ميمي وهما يغادران المطبخ ن فارتمت على احد الكراسي ، فجأة قفزت ميمي لحضنها بقوة أرسلت موجات من الألم فيها فعبست ميمي
وتمتمت ك- عن أي رجل عاقل يفضل الخروج بصحبة امرأة جميلة شغوفة به ن على أن يلازم البيت مع امرأة كثيرة التذمر لها شكل الوحش ورائحته!!لم تبرح مكانها لفترة طويلة ن محاولة بلا جدوى أن تطرد صورهما وهما يتغازلان لكنها سرعان ما باتت ضحية موجات من الغيرة قضت على تعقلها
تمتمت :- ها اعتبر سيئة إن تمنيت أن تكسر ذراعها هذه المرأة في هذه الليلة ؟
عطست الكلبة ، فما كان من ميمي إلا أن تنهدت بحزن وتمتمت :- ظننت ذلك أيضاً



************************

9/ كيف أنساه



أدرك مارك أن الغباء وحده دفعه للخروج على العشاء مع إينيد وما إن استلم سيارته من المر آب ، حتى راح يشتم نفسه على تصرفه المتهور كان غاضبا لأنه يدرك تماما هدف إينيد ولأن فكرة اللهو مع فتاة لعوب راقت له حينها فعلى أي حال لقد نبذته ميمي ن حيت تصرف كالمعتوه وناشدها حبها وهي أثبطت عزيمته وورطته في مشاكل هو في غنى عنها وهذا ارتأى أن العلاج الأنجع هو قبول عرض إينيد المغري
تباً ! كيف قضى الأمسية وهو يفكر ماذا كانت بحاجة لحقنة إضافية ، أو لمساعدة في إعداد العشاء ن وخائفاً عليها من ألم في جلدها أو مشاكل في عينيها ظ
دخل الكوخ ن وإذا به يرى نوراً يتسلل من المطبخ لابد أن ميمي نائمة ! نظر لساعته فوجدها تشير إلى الثانية وعشر دقائق الم يأمرها بالخلود للنوم مبكراً ؟
وما لبث أن هز رأسه هازئاً من حماقته وتمتم :- هل تسمع كلامك يا ميريت ظ متى رضخت لأي أمر أعطيتها إياه ؟
لم يتفاجأ حين دخل المطبخ ووجدها غير أنه أندهش من المكان الذي اختارته للجلوس كانت حافية القدمين ، وتجلس على الرف بجانب البراد أما يدها فممتدة للأمام وكأنها تمسك طبقاً شهياً للغاية وفوفو تقفز على قدميها وكأنها كلبة سيرك مدربة
سأل :- ماذا جرى ظ
قالت من دون أن تبتسم :- محباً أوصلت للتو ؟
استند للباب وأجاب ك- أبدا ً فأنا هنا منذ ساعات لكني أهوى الاختباء في غرفة الطعام
زمت شفتيها ونادت :- هيا يا فوفو ن بقيت قطعة أخيرة
أجاب- آمل أنك لا تطعمينها الحشرات
رغم تعبه ابتسم ، ما هذا الحظ السعيد الذي انعم عليه بوجه منقط وعينين منتفختين ، في مطبخه وسط الليل ؟
رمت قطعة من الطعام ، قفزت فوفو في الهواء لتلتقطها وهنا صفقت ميمي بيديها وضحكت بابتهاج ك- أحسنت فوفو 1 والآن آمل أن تنالي قسطاً من النوم
نظرت لمارك وأضافت :- كانت معدة فوفو تكركر بصوت عال ، فأيقظتني ، وأعددنا طبقاً من البيض تملكت مارك رغبة هائلة في الدنو منها ، سألها :- أعددتما البيض ؟
قفزت ميمي للأرض وحكت ظهرها وقالت :- إن فوفو صعبة الإرضاء ، وهي ترفض أن تتناول لقمة غلا إذا رميتها إليها من العالي
أشارت للأرض الملوثة ببقايا الطعام :- تطلب منها التقاط الطعام في الهواء وقتاً لابأس به!
- في العادة تأكل فوفو طعامها في وعائها الخاض
تقدم للمطبخ فتفاجأ بميمي ترفع يدها في وجهه :- إياك أن تدخل قبل أن أنظف هذه الفوضى !
سحبت مكنسة وقالت :- أيعقل إنها كانت تأكل طعامها في وعائها ؟ بالله عليك أين روح المغامرة في ذلك ظ
أعادت ملاحظتها الأمور لنصابها ! تلاشت ابتسامته وكأنها وجهت إليه صفعة عنيفة نزع المكنسة من يدها وقال :- سأتولى الأمر أما أنت ، فاذهبي للنوم تبدين رهيبة
كان شعرها ينسدل بفتنة حول وجهها المنتفخ ،
فيما عيناها اللوزيتان متورمتان رغم ذلك ساورته في هذه اللحظة ، مشاعر رقيقة تجاهها
رفعت وجهها إليه وقد خلا من تعبير الوقاحة أو الجرأة ، بدت متعبة فهمست ك- تصبح على خير يادكتور اراك في الصباح
- ميمـ آنسة باتيست ظ
- التفتت إليه وقد استحالت كآبتها لتسأل حذر :- نعم ؟
- كيف حالك ظ
كان سؤال فارغ لا يهدف إلا إلى تأجيل رحيلها بضع ثوان بدا في تلك اللحظة طبيبها المداوي ، وهذه هي أكبر درجة من الحميمية يمكن أن تكتنف علاقتهما
تنحنح قليلا قبل أن يضيف :
- أتريدين مني أن أعالج ظهرك بالمرهم ؟ فهذا لن يؤذي !
تبدلت ملامحها ببطء ن والتوت شفتاها بضعف :- بل يؤذي يامارك ، يؤذي جداً


كان الأربعاء يوم عمل عادي في المكتب أما آثار الحساسية التي عانتها ميمي فقد بدأت تتلاشى ، فيما عاد جفناها إلى طبيعتهما كما أن أسرها شارف على نهايته !!فقد قابل مارك المرشحات اللواتي أتين إلى الجزيرة وسيتخذ قراره بين لحظة وأخرى ، فتبحر هي بحلول يوم الاثنين المقبل ثم تطير إلى أي مكان
جلست ميمي وصبت اهتمامها على عملها حتى أنها بالكاد سمعت الباب يفتح ومن غير أن ترفع نظرها قالت :- سأتفرغ لك بعد دقيقة
فارتفع صوت أنثوي مألوف : لا داعي للعجلة فكرت أن أحضر لك ولمارك غداء بسيط
رفعن ميمي وجهها وإذا به يقع على سوزان ، وسلة غداء في يدها ابتسمت لها وأجابت : شكراً ياسوزان ، أني أموت جوعا ً
- سأضع هذه السلة في المطبخ على الطاولة فكرت فكرت في أن أشاركك الغداء ، إن كنت لا تمانعين
استغربت ميمي تردد سوزان :- طبعاً نود ذلك كثيراً
- سأعد المائدة
في معظم الأيام كان غداؤهما يتألف من أي وجبة سريعة يستطيعان إعدادها ، لكن غداء سرزان هذا كان وليمة لذيذة
جلست سوزان بينهما ، مما سهل عليهما تبادل الحديث إلا أن سوزان كانت تسكت بين الفينة والفينة ، فأحست ميمي أن أمراً يشغلها تنحنحت سوزان ، وكسا الجد ملامح وجهها فتوجست ميمي شراً
:- اسمع يا مارك كنت أتساءل إن أعرف أنها استراحة الغداء ، لكن كنت أشعر بالتوعك مؤخراً ، وتسألت إن كنت
تورد وجهها وتابعت :- هل تمانع في أن تكشف علي ؟
راقبتها ميمي من الخلف وهما يخرجان ، وقد أثر فيها عطف مارك على زوجة أخيه
وفجأة انتشلها صوت من أحلامها :- ميمي ؟
- نعم
- أحتاج للقيام ببعض الفحوصات
- سأحضر حالاً
بعد ساعة تقدم مارك والغموض لا يفارق وجهه وتمتم بهدوء :- لا أدري كيف أنقل إليك الخبر يا سوزان
ابتلعت ميمي ريقها بشدة وسمعته يتابع :- إن هذا نادر اً ما يحصل ، لا سيما في حالتك فمع أن بطانة رحمك ملتهبة ، لكن
افتر ثغره عن شبه ابتسامة :يبدو أنك حامل
لم تكن تتوقع ميمي هذا ، التفتت لسوزان التي كانت تحملق في مارك وهمست سوزان : إني ماذا ؟
- إن هذا نادراً ما يحدث ، ولكنه يحدث أحياناً هنئيني ، سأغدو عماً
- امتلأ قلب ميمي فرحاً فقفزت من مقعدها وهي تهتف بهجة وتبادل مارك مع سوزان التهاني :- سأنجب طفلاً؟
غمز مارك وأجاب :- انطلاقاً من خبرتي وثقافتي ، أجيبك بنعم
- متى ؟
- نهاية شباط القادم حسب تقديري أرجو ألا تكوني قد خططت لشيء آخر!
أجهشت بالبكاء وهي تمسك بميمي :- أنا لا أصدق ذلك !
بعد أن احتضنتها راحت تردد : سأنجب طفلا ً!
وجدت ميمي نفسها أسيرة بحر من الإثارة فقبلت سوزان ،وراحتا تصرخان معا وتقفزان بسعادة التفتت ميمي لمارك وهي تصرخ :- هذا رائع ، شكراً! شكرا!
قهقه مارك قائلاً : رغم أن الفضل لا يعود لي ، ولكن على الرحب والسعة
ردت ميمي- بل يعود لك ! لقد قمت بالفحوصات وشخصت الحالة، وزفيت الخبر لنا أنت رائع
ضاقت عيناه : استقري على رأي ! يا فتاة أنا رائع ، وطوراً منفي من حياتك ! ما1ا أمثل بالنسبة لك ؟
شحب وجهها لكن سعالا قطع عليهما حديثهما
كانت سوزان :- يجدر بي أن أنبئ الوالد العتيد أكملا ما كنتما تفعلانه
رحلت سوزان وبقيا لمدة طويلة يتبادلان النظرات الصامته
تناهت إليها همساته ، فيما عيناه تتأملانها : ميمي
ارتعشت أوصالها فقد كانت تتوق إليه وتخاف منه في وقت واحد :- نعم ؟
سألها بلطف :- أيمكن أن تحطي رحالك ذات يوم ؟
تملكها دوار عظيم فقد أدركت أنه سيطلب منها الزواج لكنها لن تمنح نفسها فرصة لتضعف فتقبل بمنزل وأسرة في مكان منعزل
حذرته بصوت مرتعش :- إياك أن تبدأ مجددا يامارك ! إن عقليتك الرجعية تدفعك للاعتقاد أن أي إنسان قد يجد السعادة في هذه الحياة الراكدة!
أكفهر وجهه وأجاب :- من الناس من يعيش حياة سعيدة ، يحقق فيها كل آماله ، من غير أن يسافر طيلة حياته
صرخت في وجهه :- سم لي واحداً منهم ! أما أنا ، فيمكنني من جهة أخرى ، أن اسمي لك المئات بل الآلاف ممن اشتهروا باكتشافاتهم
ضاقت عيناه :- إذاً ، أنت تسعين وراء الشهرة لم أكن أدرك ذلك
رغم أنه وجه إليها الاتهام بصوت خافت إلا أنه دوى كالرعد في أذنيها
لم تخطر لها هذه الفكرة من قبل ولكن لعل شهرة والديها وحاجتها لإثبات نفسها قد أثرا على قراراتها ردت وهي تمرر يد مرتعشة في شعرها :- كل كل ما أريده هو إحداث فرق
لماذا يستنزف قواها ويخلف في قلبها هذه اللهفة ؟
- ألا تظنين أنني أحدث فرقاً؟
أسدلت جفنيها تسعى للهروب من الألم في عينيه
_ أنت تحرف كلامي
لما عجزت عن إيجاد الكلمات للدفاع عن نفسها، حاولت أن تتأمل وجهه وتبحث في عينيه عن الاضطراب غير أنه أشاح بوجهه وزمجر قائلاً:
- حسناً كما تريدين
ثم أشار للمكتب بنظرة سريعة وحادة وأردف :
- أمامنا عمل كثير
خرج بتشامخ وتركها أسيرة للارتعاش والعبرات أربعة أيام فقط تفصلها عن موعد سفرها عليها أن ترحل بعيدا عن جزيرة ميريت وعن مارك
- آنسة باتيست !
أجفلت ميمي كان مارك غاضباً لكن أيمكنها أن تلومه ؟ ففي غضون أسبوعين أقدمت على نبذه أكثر من مرة
تناهى إليها صراخه :- ميمي ، إني احتاج إليك !!
هرعت للباب وتمتمت :- ستتغلب على مشاعرك
من الصعب أن يقضي مارك بقية حياته وحيداً
لكن ترى ، كيف تتغلب ميمي هي على مشاعرها



********************

1 / هبطا إلى الأرض



إن كان من أمر تعلمته ميمي من مارك خلال الأسابيع الثلاثة المنصرمة ، فهو أنه لا يقبل الرفض جيداً ولعل رفضها له يعد الأول من نوعه في حياته ولكن مارك سيتعامل مع الوضع الجديد
وأمست الأيام القليلة المتبقية صعبة للغاية ، إذ راح يرميها بنظرات غاضبة ، ويزعق بالأوامر وباتت ميمي أسيرة للكآبة
أملت ميمي أن تساعدها هذه الأمسية في الترويح عن أفكارها كان قد راق لها أن سوزان وجايك قررا إقامة حفلة على شرف المولود الجديد الذي سينضم لشجرة عائلة ميريت
ومع أن مارك – ثقيل الظل – سيكون حاضر ، لكنها مصممة على الاستمتاع بوقتها
تزينت بأبهى حلة استعداداًللحفلة ولما وقع نظرها على مارك في المطبخ ،ظنت أنه غادر الكوخ ، بدت ملامحه حادة أما ملابسه فغير رسمية ومثيرة في آن حين تناهت إليه خطواتها ، رفع بصرع إليها فخطف أنفاسها
- هل أنت جاهزة ؟
- جاهزة يادكتور ظننتك غادرت منذ فترة
رفع حاجبيه وأجاب :- نسيت أن أطعم فوفو لا أدري لما بت بهذا الشرود!
أما هي فتدري أنطلقت أمامه
علمت أنه يتبعها لأنها تنشقت عطره حين بلغا الباب الأمامي تمتم :- اسمعي يا ميمي
رمقته بنظرة سريعة :- أستمع لماذا؟
ابتسم بسخرية وأجاب :- فلنحاول أن ننسجم الليلة فعلى أي حال ، إنها حفلة
- أنا لا أواجه مشكلة في الانسجام ، لكن أنت من يواظب على التذمر وكأنك
قاطعها :- حسناً ، حسناً فلنتصرف كصديقين ، من أجل سوزان وجايك فخبر الحمل أثلج صدرهما ، ولا أريد لخلافاتنا أن تعكر صفو الحفلة
أملت رأسها بتبجح وقالت :-أنا في مزاج جيد للغاية

وهرعت وهي تصر على أسنانها ، فمواجهته عسيرة
تابع :- كلا ، لست كذلك ، بل وجهك مكفهر كسماء تنذر بعاصفة
سددت له نظرة غاضبة وصاحت :- دعني وشأني!
تذمر بوجه متجهم :- سنتصرف الليلة كصديقين ، وإن قادنا ذلك إلى حتفنا!
هزت يدها بعنف وهتفت :- من غير الضروري أن تنلكم لبعضنا البعض
- لكننا سنفعل
- ومن قال ذلك ؟
- أنا !
رفعت رأسها لأعلى وقد أذهلها الغضب في عينيه :- أنت ؟ ومن تكون أنت لتملي علي أي نوع من الأصدقاء نحن ؟ إلا يحق لي أن أشارك في التصويت ؟
- كلا
أجبرت على الالتفاف لمواجهته :- بل سأصوت !! وبما أننا نعمل معاً من غير أن نصرح بمشاعرنا أصوت أن نتظاهر بالصداقة
تمتم بهدوء :- لا يحق لك أن تصوتي ياميمي
لم يعجبها هذا الهدوء فهتفت :- ولم لا ؟
التفت بعيدا وهو يقول :- لأنني لا أرغب في منحك صوتا!
-ماذا تعني بأنك لا ترغب في ذلك ؟
- أعني ما قلته تماماً
مشت وراءه وهي تكاد تتعثر :- هذا لبس بعدل
- لقد أخبرتني أنت بنفسك أننا معشر الأطباء نتصرف على هوانا
وفجأة تعثرت ووقعت فعلاً
اصطدمت قدمها بصخرة ووقعت أحنت رأسها للتفحص ساقها ، وقد أجفلها الألم كانت ساقها جريحة وتنزف منها الدماء بغزارة
لم تعرف أن مارك بجانبها إلا حين سمعته يشتم :- آنا آسف ، إني أحمق
كانت على وشك أن تفتح فمها لتوافقه القول ،حين علمت أن ذلك لن يكون إلا سخافة حاولت أن تقف إلا أن الألم حال دون ذلك
- سأساعدك
- لا شكراً، فلنقم بما علينا فعله
وجهت للقصر نظرة وهي تشعر بالضعف شعر مارك بالاشمئزاز من غبائه وحين وصلا للحفلة كان يشتم نفسه للمرة المائة
هل أصيب بالجنون ، لقد أوضحت له أنها لا تبادله نفس المشاعر نهاية النقاش وكيف تصرف حضرة الطبيب العظيم ؟
تمتم :- كأحمق يعوزه التفكير السليم ، هكذا تصرفت!!
- هل أصبحنا نكلم أنفسنا الآن ؟"
أجفل مارك ونظر للوراء فأبصر أخاه :
- أنت تسير كالهرره
ابتسم جايك وقال :- ماذا تفعل وحدك هنا ؟ إن الحفلة في الحديقة
عرف مارك أن هروبه للمكتب ضرب من الجنون هل بات الآن أحمق وجبانا في نفس الوقت ؟
- أنا آسف جايك إنها حفلة رائعة ولكنني متعب وحسب
- إذاً لم تدعو نفسك بالأحمق؟
اختلس مارك النظر لشقيقه وقال :- هلا نسيت الأمر
سرعان ما تهالك على الأريكة الجلدية بجانب الموقد ، وأغمض عينين ، وأطلق تنهيدة طويلة قال بعدها :- اسمع ياجايك ، عد للحفلة ، وسأوافيك حالاً كل مافي الأمر أنني
تنهد بإحباط وأضاف :- أحتاج
دوى صوت في عقله متابعاً : ميمي ! أنت تحتاج ميمي
جلس جايك بجواره :- أفترض أن قصة الحب العنيفة آلت بالفشل ، أليس كذلك ؟
أجفل مارك وأحس بصداع يتملكه فتمتم :- أما زلت هنا ؟
-تابع جايك :- لكن ميمي تبدو سعيدة ومرتاحة
عبس مارك في وجه أخيه :- نعم ، هذا ما لاحظته أيضاً
- هل بحت لها بمشاعرك ؟
لم يستطع مارك كتم ضحكة ساخرة
- لديها فكرة عن الموضوع
حدق مارك في السقف وأحس بيد شقيقه على كتفه ، وكأنه يبدي تفهماً صامتاً
- حسناً، أنت لا تريد الخوض في الموضوع هيا انضم للحفلة يارجل ! فإطالة الكآبة تزيد الطين بلة أكلمك بصفتي خبير فقد كنت ملك العبوس سنوات عديدة ، قبل أن تظهر سوزان في حياتي لكن تأمل حالي اليوم !!
التفت مارك لأخيه :- إنك تشعرني بالاشمئزاز جوكو ماذا فعلت لتستحق الشعور بالسعادة؟
ضحك جايك ووقف :- لقد حالفني الحظ
أراد أن يفيض في الكلام ، غير أنه سكت فجأة وعلى ملامحه الجد وتناهى الصوت لمسامع مارك كذلك
- بدا لي أنه ذكر
لكن مارك لم يتابع بل حدق في المذياع غير مصدق
- وهي الابنة الوحيدة للسناتور لورانس نوردستورم من كاليفورنيا وتبلغ أوليفيا نوردستورم الثالثة والعشرين من العمر وقد تعرضت اليوم لحادث كاد يودي بحياتها ، خلال ممارستها لرياضة القفز في الهواء
عند خروج السناتور من مبنى الكونغرس علق على هذه التجربة :- إني وزوجتي ندين لزاكري ميريت بفضل كبير فقد جازف بحياته لينقذ أوليفيا حين عجزت عن فتح مظلتها لقد شاهدت الشريط الذي صوره أحد الهواة وأقشعر بدني حين رأيت هذا الشاب يقفز في الهواء معرضاً نفسه للخطر ،ليمسك بابنتي فيما هي تنهار وبفضل شجاعة ومهارة السيد ميريت هبط الاثنان للأرض سالمين سنحرص على شكر الشاب شخصياً
- ها أنتما إذاً
همس جايك وهو يوقفها بيده :- انتظري لحظة ياحبيبتي إنهم يبثون خبراً عن زاك
اختلس مارك النظر لسوزان التي تلاشت الابتسامة عن وجهها وعن بعد خطوتين منها وقفت ميمي والحيرة على ملامحها
حين تابع مذيع الأخبار التعليق على عملية الإنقاذ
تكلم مارك : قد تبث السي إن إن المشاهد
وماهي إلا ثوان وأدار التلفاز فظهر على الشاشة رجل يناهز الخمسين أما التعليق أسفل الشاشة فكان السيناتور نوردستورم وزوجته من كالفورنيا
ظهرت على الشاشة مشاهد الانقاذ
كشفت الصورة عن رجل هو زاكري ميريت وقد ابتعد عن المجموعة
فيما الرجل يهبط إلى الأسفل كسهم ناري , سمع مارك شهقة وأدرك أن سوزان اقتربن منه ثم همست بخوف : أهذا أخوك ؟
أومأ مارك : يبدو ذلك
انضم جايك إليهم وهو يوجه حديثه لمارك :- أتذكر حين كان زاك في الحادية عشرة من عمره ؟ لقد قفز عن سطح الدكتور فليت ، أليس كذلك ؟
رسمت الذكرى طيف ابتسامه على شفتي مارك := نعم ، وقد أحسن اختيار المكان ، بما أنه كسر ساقه
قهقه جايك :- من كان يظن أنه يتدرب ليكون بطلاً؟
عرض الشريط هبوط زاك الصاروخي نحو المرأة التي تهوي وبحركة سريعة كالبرق أمسك بها وقبض عليها بإحكام ، قبل أن يفتح المظلة بعد ذلك هبطا محدثين موجة عظيمة من التراب
كان مذيع الأخبار يعلق على المشهد ، حين ظهرت على الشاشة الصورة نفسها من زاوية أخرى بدا زاك تحت الحبال ، وهو يحاول أن يتخلص من قطعة قماش المظلة الذي أعاق تحركه
أظهرت الكاميرا بسرعة وجهه ، وهو منهك في استخراج عدته
تعجب مارك كيف تغيرت ملامح أخيه منذ أن رآه للمرة الأخيرة لقد أصبح أطول قامة وأمتن بنية لكنه مازال له نفس الابتسامة الساحرة ، والشعر الأسود الكثيف
كان يكبر زاك بسنة واحدة فعمره الآن 36عاماً
بينت الكاميرا زاك وهو يساعد أوليفيا نوردستورم على الوقوف رغم أن ساقها أصيبت راحت تشكر زاك بحرارة
قالت سوزان : للسيناتور ابنة جميلة جداً
ضحك مارك :- من غير زاك لينقذ الجميلات ؟
أضافت سوزان :- إنهما يشكلان ثنائي لطيف
أجاب مارك :- نعم ثنائي لطيف ومجنون
عندها قالت ميمي :- لا أظن أنهما مجنونان ، بل يتجرعان كأس الحياة حتى نهايته
- ولكن أحدهما كاد أن يتجرع السم اليوم
- ولكنها لم تمت ، وهذا هو المهم
ارتفع صوت سوزان :- أظن أن زاك يشبهك يا مارك
تنفس مارك الصعداء حين تغير الموضوع فهو يعرف فلسفة ميمي في الموضوع ، وأقل ما يتمناه هو اثارة الموضوع من جديد فما الفائدة ؟!قال جايك ممازحاً : بما أنك أثرت الموضوع ، أظن أن زاك ومارك يشبهان بعضهما كثيراً ، فكلاهما يحب الحياة العائلية البسيطة
دفعت سوزان زوجها بمرفقها وأجابت :- يل لآرائك الشخصية الساخرة في الواقع ، عنيت أن لمارك ابتسامة زاك ولكن زاك يملك أيضاً غمازة ، وهذا مالا تملكانه أنتما الاثنان
اقتربت ميمي من مارك وقالت :- لا أصدق أن هذا أخوك لـم لم تذكره قط ؟
أطفا مارك التلفزيون والتفت إليها محاولا إلا يقع في أسر عينيها التي اتسعتا مع دهشتها :- زاك أخونا الأوسط لم يتفق والملك جورج يوماً لذا غادر المنزل قبل وقت طويل يقولجايك أنه حضر مأتم أمي ، لكنه اختفى سريعاً كان ذلك منذ ثماني سنوات
كانوا يفتقدون ذلك المتشرد رغم أن رجال ميريت لا يظهرون عواطفهم
- باستثناء الاتصال في الأعياد ، فإننا إجمالا لا نتلقى منه خبر
- فلنواجه الأمر ، إن البطاقات البريدية ، ليست مثيرة بقدر عمليات الإنقاذ
قهقهت سوزان وأمسكت بيد زوجها قائلة :- والآن يا عزيزي ، فلنذهب إلى الحديقة حيث ينتظرنا قالب الحلوى يحرسه جورج وكايل بحياتهما إني أرفض أن ألتهم نصفه وحدي يكفي أن وزني سيزداد قريباً! - حسناً ياحبيبتي تعرفين أني أكره أن أخيب آمالك ولكني أظن أن جورج وكايل لا يقومان بالحراسة وحسب
راقبهما مارك يخرجان فيما مزاجه الكئيب يتحول لغيرة سوداء
تمتمت ميمي :- هذا مثير للاهتمام لقد تبين أخيراً أن في عائلتك جينات شهوة السفر
ابتعد عنها ليخلص نفسه من عذاب تنشق شذاها ثم اختلس النظر إليها وقال :
- قد تلتقين به ذات يوم في مجاهل أفريقيا أو القطب الجنوبي ، إن فعلت أخبريه أن عائلته ترغب في رؤيته ثانية
بقيت تراقبه ، واختفت ابتسامتها ثم قالت :
- حسنا ً
نظرت ناحية الباب ، وكأنها لا تطيق صبراً حتى تخرج ، فدفعته كآبته المجنونة إلى القيام بإيماءة ساخرة ، ثم ضحك وقال :
- اذهبي ، فأنت لست سجينتي
استدارت نحوه وأجابت :- بل تسجنني يا مارك، حتى صباح الاثنين
حين تذكر أنها تتحرق شوقاً لمغادرة جزيرة ميريت وعن مصدر الإزعاج فيها خانته شجاعته فأدار ظهره لها وأسند يديه إلى عتبة النافذة
- تبا! يا ميمي لقد تم إصلاح زورقك ، ويمكن لوكيل سفريات جايك أن يرسل لك بالفاكس بطاقة سفر في غضون دقائق ز إن كنت متلهفة للرحيل فارحلي!
أحنى مارك رأسه وهو يشتم نفسه على تفوهه بهذه الكلمات ، فهو لا يريدها أن ترحل ! لا بل يفضل قطع يده على أن
تمتمت بهدوء :- حسناً رائع
شيئاً فشيء تلاشى وقع خطاها ، حتى انقطع نهائياً
سرت في بدنه قشعريرة مخدرة ودوى في أذنيه صوت له من ريح الشتاء هديرها
تلك الريح التي تغلغلت في شعرك وتظل تتردد في رأسك حتى بعد أن تحط العاصفة رحالها وتموت



************************

11 / كيف ينساها

خشيت ميمي أن تكون أفسدت الحفلة بنفسها ،فمارك لم يخرج لتناول الحلوى مما هدد بالقضاء على سعادة سوزان وجايك تباً لها !!أكان عليها إن تتسم بهذه الأنانية وتقبل دعوتهما ، بالرغم من مشاكلها مع مارك؟إنهم عائلته أما هي فكان عليها ملازمة الكوخ ببعيد عن آل ميريت وحفلتهم الخاصة
في غضون ساعة كان جايك قد دبر لها تذكرة لجاوا ، كما وعدها مارك وبات رحيلها أمر لا بد منه كان الظلام يخيم على الكوخ ، فافترضت أن مارك قد خلد للنوم
ولما كانت الليلة منعشة صافية ، قررت ميمي أن تشرع نافذتها على مصراعيها ، عسى نسيم المحيط يلفحها ورائحته تتغلغل فيها وما إن فعلت حتى لمحت شعلة بين الأشجار ظلت لبرهة تحملق علها تكتشف أمر وأخيراً بدا لها وكأن أحد أضرم النار في العراء
ترى من ، ذاك المرابط فوق الرمال ؟
تقدمت ميمي نحو الباب الأمامي واندفعت نحو الشرفة بفضول ترى هل يخيم عمال المنجم على الشواطئ ؟لا يمكن بالطبع !! ولا يعقل أن يكون الطبيب الموسوس وراء ذلك ، وإلا نظف الساحل بأكمله أولاً بدأت تكتشف الحقيقة التي لا تصدق كان الرجل يجلس وحيداً ، لا رفقي له إلا ضوء النار والبحر وهذا الرجل هو مارك فعلاً!!
كانت النيران قد أكسبته لوناً برونزياً غريباً تمهلت في سيرها ، وقلبها يخفق بشدة ففي منظره من الإثارة ما لا يصدق
استدار إليها وفي عضلاته المفتولة تشنج واضح وما لبث أن ناداها :
- هل من حالة طارئة ؟
- لا
جلست بقربه ، ثم حانت منها التفاته إلى وجهه كانت نظراته شاردة في البعيد أيحق لها أن تلومه لأنه غفل عن النظر إليها ؟
- ماذا تفعل هنا ؟
رمقها بنظرة قاتمة وأجاب :- اهتم بشؤوني الخاصة كثير من الناس يقومون بذلك يجدر بك
تابعت بابتسامة :- أن أحاول ذلك في بعض الأحيان أعرف ذلك
ثم أراحت ذقنها فوق ركبتيها وتابعت :- وأفترض أن رجال المراقبة لا يواجهون مشاكل معك، أليس كذلك ؟
أرادته أن يبتسم ، رباه كم اشتاقت لابتسامته لكن كل ما فعله هو رميها بنظرة ضيقة ، وأشاح بوجهه
سأل :- لم ما زلت هنا ؟ اعتقدت أنك تتلهفين للرحيل ؟
أصابتها كلماته القاسية بالغضب :- لن تنفجر الجزيرة !كان على أن أغسل ملابسي ومن ثم يفترض أن أحزم أمتعتي هل سبق وفعلت ذلك ؟
حاولت ألا تفكر في الألم المتفاقم في أحشائها وكأنه حداد على شعور مات واندثر
- كما أن الطائرة تقلع غداً ظهراً لكن لا تقلق يادكتور ، إني راحلة مع أولى ساعات الصباح
مرر أصابعه في شعره بذهول ، ثم أنزل يده واستند إليها كان لتقلص عضلاته أثر من عذاب لا يحتمل
كان وقعه على ميمي أشبه بنار محرقة ، وأحست بنبضها يتسارع حتى كاد أن ينفجر
كانت تتوقع منه كل شيء إلا أن ينحني نحوها ويتسأل بوجد :- من هو صديقك المفضل ياميمي ؟
أذهلها سؤاله فتلعثمت :- في الواقع أصدقائي كُثر ز
تفحص وجهها :- سم لي واحد
أجابته بتحد :- لا تكن سخيفاً لي أصدقاء منتشرون في كل أنحاء العالم بل الآف من الأصدقاء
هز كتفيه استهجاناً:- إذاً، لا داعي لاتخاذ هذا الموقف الدفاعي
حدقت فيه وقالت :-لست دفـ
قاطعها وهو يوجه لها نظرة تساؤلية أخرى :- كيف التقى والداك ؟
استغربت أسئلته أهي وسيلة لتمضية الوقت من دون تبادل أحاديث حميمة ؟ أم يسعى لمضايقتها ؟
- كانت أمي تقضي إجازتها في مصر ، مع بقية المعلمين حين
بنظرة سريعة :- أقلت معلمين ؟ ألم تكن مصورة في البراري ؟
-كلا , لماذا ؟
- مجرد فضول
عادت تحملق فيه عابسة ، فيما هو يحدق في المحيط أطبق أسنانه بإحكام إذاً لم يكن غير مكترث كما أرادها أن تظن
- هل كانت تحب التعليم ؟
- بل كانت تعشقه
همهم ثم وجه إليها نظرة متأملة لم تعجبها وشيئاً فشيء لمعت في ذهنها فكرة
- إن كنت تحاول أن تبرهن أن أمي هجرت عملاً عزيزاً على قلبها من أجل أبي، وأنها قتلت أحلامها لتعيش معه ، فأنت مخطئ تماما، لقد أنجبتني وعلمتني ، لم أكن تلميذة حمقاء ، بل أنا أفضل ممن تلقوا تعليماً منهجياً! وهذا يثبت أن أمي لم تتخل عن حلمها !
بعد أن فرغت من حجتها ، أحست بارتياح شديد ، ثم هتفت بنبرة جافة وهي تسعى للانتقام منه :
- ماذا بوسعك أن تقول الآن ؟
أحنى ظهره وراح ينفض الرمل عن يديه ، ثم وقف وقال :
- فهمت
بقي مدة يحدق في المحيط القاتم ، وأخيراً تمتم برزانة:
- لقد قدمت لي يد المساعدة خلال هذه الأسابيع ، وأنا أقدر ذلك أتمنى أن تعثري يوما على ما تبحثين عنه
صمت للحظات ، ثم أضاف بهمس :
- تصبحين على خير يا ميمي
واختفى
كان مارك يتناول طعامه الذي أرسلته سوزان بشرود تام ففي هذه الأيام ، بات الطعام بلا نكهة ولا طعم أما حياته الخاصة ففارغة تافهة لكن لحسن الحظ كان المرضى يتدفقون على عيادته ، فيحولون دون أفكاره تلك
بذل في الشهرين اللذين تليا سفر ميمي ، جهداً ملحوظاً لمواعدة النساء وحين حل شهر تشرين الأول واجه الحقيقة المرة إنه يحب ميمي باتست ، ولا فائدة من إضاعة الوقت في مواعدة غيرها حتى يطردها من قلبه ، وينتزع جذور حبها العميق ولكن كيف لرجل أن يطرد امرأة من قلبه ، إن لم يسع لاستبدالها بأخرى ؟ لكن قلبه يرفض الانخراط في البحث عن ضالته المنشودة من هنا قرر أن يمنح نفسه المزيد من الوقت عله ينسى
قضم قضمة أخرى من شطيرته ، ثم أعادها للطبق لم يكن يشعر بالجوع ليته جائع فعلاً ليته يشعر بالجوع أو الظمأ أو الإثارة أو الاهتمام
- مرحبا يا أخي
التفت مارك ، وإذا به يرى جايك عند باب المطبخ ، فما كان منه إلا أن رفع حاجباً ، وهو عاجز عن الابتسام سأله :- ما الأمر ؟
- كنت أنا وسوزان نفكر في الذهاب إلى بورتلاند ، لتناول العشاء ومشاهدة فيلم ، ما رأيك لو تتصل برفيقة ، فنذهب نحن الأربعة ؟
تنهد جايك كمن عيل صبره وأضاف :- اسمع ، أتمانع إن وضعت النقاط على الحروف ؟
نعم يمانع فالحديث عن تعلقه بميمي ولإطلال لا يفيد إن عقله يدرك هذا تماماً ، لكن قلبه لا يدركه
تمتم :- ليتك تنسى الموضوع ياجايك ، فأنا على ما يرام
سارع جايك بالقول :- لكنك لست سعيد
هز كتفيه وقال :- أنا أهذي من السعادة!
زم جايك شفتيه وقال :
- لا أريد أن أنعتك بالكذب ، ولكنك لا تبدو سعيداً
سارع مارك للإجابة بابتسامة عريضة :-إني أحاول إلا اظهر ذلك ، فأنت تعلم ما يقال عن الرجال الذين ينعمون بسعادة فائقة
قطب جايك وتمتم :- نعم يحسدون كأن يكون المرء باهر في الجمال أو فاحش الثراء ، أو سليم العقل
اكتفى مارك بالابتسام وهو يعلم أن أي كلمة يتفوه بها لن تكون في صالحه
قال جايك بتعاطف :- إن تعليق الآمال على امرأة مضيعة للوقت فإما إن تبحث عنها أو تطردها من رأسك
أقلع مارك عن ابتسامته البلهاء، وتمتم :- كيف ابحث عنها ، وأنا لا اعلم لها مكان؟
حدق جايك في أخيه فترة طويلة ، فمن يعرف الأحزان أكثر من الأخ الأكبر في عائلة ميريت ؟
إنما من حسن حطه أن وجد ضالته أخيراً في سوزان
تبادلت عيونهما حديث صامت ، احني بعده جايك رأسه ثم هز كتفيه لا مبالاة واستسلاماً



**********************

12- التاريخ يعيد نفسه


صار بوسع مارك أن يبحر إلى جزيرة ميريت ، حتى وإن كان الضباب مخيما ً وحتى وإن كان بهذا الشرود
لقد ازدادت أفكاره تيهاً وسبح في عالم خيالي بعيد عن أرض الواقع
لم يعد مسحوراً بمعالم الطبيعة فهذا الضباب المخيم فوق المياه وهواء البحر المثقل بآلف رائحة ورائحة ، وسكون الليل هذا ماعاد يحتل في نفسه المكانة المميزة أما مشاعره فما عاد يخالطها أي فرح وفؤاده لا يحفل إلا بصحة المرضى وحسب ترى أهذا حال المرء حين تموت مشاعره ، ويفقد الجمال في نظره كل معنى ؟
تطلع للأمام بعينين لا تبصران ، وراح يجاهد لينزع من قلبه ألما زرعته امرأة لن يراها مجدداً كم يكره العيش في مملكة الخيال يلاحق شبحاً
تباً ياميريت لا تتصرف كأرمل باكي ! فهذا لا يليق بك !
وفجأة أحس بشيء يرتطم بمركبه ارتطام مدوي ، انتشله من أفكاره الشاردة
وضع يده فوق عينيه وحدق في الضباب تباً له ! لقد كان غارقاً في أحزانه حتى أنه لم ينتبه للرادار
أحس بمزيج من القلق والعذاب ، ثم أشعل أضواء المركب وهو يشعر أن هذه الحادثة مألوفة ما أن انتقل للجانب المتضرر ، حتى لأخذ يحملق في الضباب الذي اخترقه أنوار المركب
لم يكن من الصعب عليه أن يميز مقدمة زورق صغير لاحظ أن المجاديف تحطمت على جانبيه وطبقة الدهان اللماع أتلفت
كتم مارك شتيمة
هل مركبه هدف للمراكب الأخرى ؟
لمح مارك من زاوية عينيه شخص ينهض ببطء ويحاول أن يثبت ذراعه على الصاري عساه يستعيد توازنه
عبس مارك كيف لهذا الشخص الذي تسبب في تلك الضربة العنيفة لمركبه أن يشبه ميمي لهذا الحد ؟
أخذ مارك يفرك عينيه وهو غير مصدق لا يعتقد أنه وصل لهذه الدرجة من الهلوسة !!
أطلقت المرأة عويلا ، وقبضت على شعرها المسترسل
ثم حولت نظرها لمارك ، وأشارت بإصبعها لمقدمة الزورق المتضررة
- أنظر إلى ما فعلته بزورقي ؟
رمقها مارك وهو لا يدري أهو في الواقع أم في الخيال إن صوتها يشبه صوت ميمي أيضاً!
بعد مرور دقيقة ، وضعت يديها على خصرها ونادته :- أليس لديك ما تقوله ؟ كأن تلوم طيشك لأنه جعلك تجنح بمركبك لتصطدم بمقدمة زورقي ؟
حدق فيها ثم همس بشك :- ميمي ؟
تقدمت منه بحذر وتابعت :- ومن ثم أقول : لكنه حتى ليس بمركبي
- يا الهي !
- كلا ، لا يفترض بك أن تقول هذا الآن ، بل عليك أن تسأل بنبرة ساخرة : وهل افترض أنك كنت تمرين بالجوار حين سمعت صوت الارتطام , وقررت تقصي الأمر ؟
دنت بسرعة من المجاديف المحطمة وحين أصبحت قريبة منه رفعت إليه ناظريها كانت عينيها متيقظتين وشعرها مسترسل وقد انبعث منها عطر لطيف ، أحيى فيه ذكريات حلوة مرة في نفس الوقت
همس :- ماذا تفعلين ؟
ابتسمت بضعف وقالت :- كلا ، من المفترض أن تخبرني أن رأسي قد أصيب ، وأنك ستفحصه ، ثم تدعوني لمركبك
تملكته الحيرة ، لكن الغمامة بدأت تنقشع إلا أنه لم يرغب بالمزاح فلعلها ترغب بمغامرة جديدة
أجابها بصوت حذر :- أنت لا تنزفين ياميمي
رفعت يدها لرأسها :- يبدو أنني أتعلم من أخطائي
وما لبثت أن ابتسمت له وكأنها تشجعه :- ولكني حطمت مركبك ، ولا يمكنني الإبحار بزورقي وهو على هذه الحالة ، اعتقد أن علي أن أعمل لحسابك يادكتور مجدداً
ومن غير أن تنتظر ، رفعت نفسها حتى أصبحت على متن مركبه وبجواره ، اختل توازنها :- يالطيشي ! كم أنا آسفة!
لم يعرف ماذا يفعل اعتدلت في وقفتها وابتعدت عنه خطوة
- ما قولك ؟
- ما قولي ، في ماذا ؟
ترى هل أصيب رأسه هذه المرة ؟!!
- ما قولك في أن أعمل لحسابك حتى أدفع الأضرار؟
مرر أنامله في شعره وهو يحس أنه فقد قدرته على التركيز
- لقد وظفت ممرضاً ياميمي
- إذاً كيف تقترح أن أسدد ثمن الأضرار يادكتور ؟
لاحظ سلسلة تلمع حول عنقها ، وحجرة الزمرد حولها الذي منحها إياه ، رفع السلسلة بيده وقال :
- هذه تفي بالغرض
هزت رأسها وعينيها لا تغادران عينيه :- آسفة !لا استطيع أن أتخلى عنها ، فهي تذكرني برجل عرفته يوماً
ارتبك وسمع نفسه يقول :- رجل أعجبك ؟
- لا !
ابتسمت بوقاحة فتخبط قلبه بين أضلعه
تابعت :- بل رجل أحببته
حرمه كلامها كل قدرة على التعبير ،وشعر بالغيرة فرمقها بذهول
ساد صمت طويل فابتلعت ريقها و تابعت :- إنه طبيب محافظ ، فيما أنا رحالة كان من الطبيعي ألا تنجح علاقتنا
راقبها بوجه علاه التقطيب أي لعبة تلعب ؟ هل خططت لتدفعه للجنون ؟
- أليس لديك ما تقول ؟
أيريد فعلاً أن يتسبب بمزيد من الأضرار، سألها بشك :- مثل ماذا ؟
صرخت :- مثل أنك تحبني أيها الأحمق ، مثل أنك تريدني أن ابقي أيها الغبي ، مثل أنك كنت تعيساً من دوني
هل يجرؤ ويؤمن أن عذابه قد وصل للختام ؟ هل يجرؤ ويجازف بالإفصاح عن مشاعره ، والتعرض لمزيد من الأذى؟
قال في سره : بلى يا رجل ، هل تريد أن تتابع حياتك كطيف بشري ؟هل تريد ميمي ؟ تباً! إنها هنا قل شيئاً ، حتى وإن كانت تمارس معك لعبة سخيفة ، وإلا ندمت طوال حياتك
تمتم برزانة :- حسناً ، أريدك أن تبقي ياميمي ، لقد كنت تعيساً من غيرك ، وأنا أحبك أكثر من حياتي
ذُهلت وتسألت وقد اتسعت عيناها :- أنت أنت تحبني ؟
رأى دموع تترقرق في عينيها وارتجاف في شفتها السفلى فأدرك أن وقاحتها لم تكن إلا قناع اجتاحته سعادة غامرة تمكن من الابتسام
- بالطبع أحبك أيتها الحمقاء الصغيرة
مسحت دمعة منسابة وتمتمت :- حسناً ، ماذا نفعل في هذا الصدد ؟
شعر بوخز في قلبه :- ماذا يمكنني أن أفعل ، إن كنت لا تكتفين بالمرور من هنا ، وتحطيم المراكب ؟
سألته بصوت مرتجف :- ماذا لو لم أكن مكتفية ؟ ماذا ستقول حينها ؟
همست :- كنت أنانية،فعجزت عن رؤية الحقيقة ، فيما هي ماثلة أمامي بعد أن تركتك أدركت أن السفر حول العالم ليس الحلم الذي أنشده، بل كنت أتوق للانتماء لعائلة محبة
خاف أن يتحرك فيتلاشى الحلم
- حين عشت معك ومع عائلتك , بدت لي أمنيات قريبة المنال ، غير أنني لم اسمح لنفسي بالاعتراف بذلك ، إلا عندما
سكتت فجأة وقد تملكها الاضطراب
تمتم :- ياميمي أريدك أن تصبحي زوجتي
كانت كلماته البسيطة حافلة بالوعود
- هل تتزوجيني ؟
مازحته دافعة به إلى جنون عاصف :
- لا يمكنني أن أتزوج وأنا أدين لك كيف تريدني أن أسدد لك ثمن الأضرار التي لحقت بمركبك ؟
أطلق ضحكة من كل قلبه ، وأجلسها على مقعد خشبي وهو يحذرها بابتسامة :- يستحسن أن يكون هذا رداً بالإيجاب
أطلقت تنهيدة عميقة وتمتمت :- نعم نعم يامارك ما أجمل أن يعود المرء لبيته !
وأردفت :- حبيبي سيكون حبك سلسلة من الاكتشافات الجميلة طالما أننا معا ولن نفترق
ما إن قرأ الحقيقة في عينيها حتى أحس أنه يتجرع من كأس السعادة وإذا بالمشاعر تشتعل بعاطفة مجنونة جديدة عرف أنها لن تخبو أبداً
أنها المرأة التي أحب ، وأحس بالأمان في أعماق روحه لقد وصلت ميمي إلى بيتها أخيراً ، وبلغ حبه المنشود


تمت

مشاركة