عينان في الأسر

الكاتب: قصتي مشاهدات: 3547 التصنيف: روايات أحلام

فتاة العقل

-اليكس.....إذا لم تقرري الزواج قريبا اقسم أن التحق بالدير أو اعزل نفسي حتى أموت..أو...
-أو اتخذت التمثيل مهنة؟ إن من قال الدنيا مسرح كبير، كان دون شك يفكر في أمثالك!
قست أسارير ساشا المتوسلة ثم اعتلتها تكشيرة متجهمة فيما كره لأختها الكبرى:
-"بابا" يقول دائما انك يجب أن تكوني صبيا..لكن مهما حاولت جاهدة فلن تعوضي عنة الصبي الذي يرزق به.
كان ينقص ساشا الإدراك السريع فهي غارقة في عالمها الأناني إلى حد يجعلها لا تتأثر بمعاني تعليقها.
التفتت الكسندرا إلى شقيقتها، فسطعت أشعة الشمس المشرقة المطلة من نافذة القصر المبني على قمة صخرة على بحر ايجة وهب هواء مشبع برذاذ البحر فحرك شعرها البني الأصهب وأضاف لمعانا إلى العينين الزمرديتين اللتين كشفا في تلك اللحظة عن قساوة الجوهرة، وهما تقعان على وجه أختها. عندما تقدمت إلى الأمام لم يستطع حتى غضبها نزع الرشاقة من جسدها الذي يبدو لوهلة الأولى صبيانيا نحيلاً، لكن سرعان ما يكشف الناظر خطأ اعتقاده وذلك حالما يلاحظ ثوبها الحريري الملتصق بحنايا جسدها، والمظهر استدارة ساقيها ونحافة خصرها وارتفاع صدرها..قالت ساخرة تبرز عن عمد لهجة أختها الانكليزية ذات اللكنة الثقيلة:
-عزيزتي ساشا..لقد حققت ما تريدين من طموح..لقد جعلت "بابا" يتجشم عناء تدبير زواج بينك وبين رجل يوناني.. بعد مفاوضات جرت خلف الستار بين العائلتين المحترمتين وبعد لقاءات عديدة جرت بينك وبين العريس الموعود. ولا أنسى أنني انزعجت من وجودي كرقيب عليكما. اعتقد الآن أن العريس الموعود يهنئ نفسه لأنه أصبح على قاب قوسين أو أدنى من ملايين عائلة كورديس. فلماذا يتقطر لسانك عسلا، ولماذا لا تغلفين مخالبك الحادة بالقطيفة؟
هبت ساشا السوداء الشعر والعينين واقفة:
-تظهرين الأمر خسيسا.....! لم يكن إطلاقا كما تصورينه.. أنت تعرفين أننا انجذبنا إلى بعضنا بعضا منذ النظر الأولى.
-و هذى مكافأة إضافية له.....لأنه من المؤكد كان سيتزوجك ولو كنت مقوسة الساقين ناتئة الأسنان. بل حتى لو كنت تنظرين إليه من خلال نظارة سميكة.
وصل طبع ساشا البركاني، إلى ذروة الانفجار..فحدقت فيها من علو قامتها المديدة..فاعترفت اليكس للمرة المليون بالتشابه القائم بين شقيقتها الصغرى وبين والدهما اليوناني.
فكلاهما اسمر، متفجر الطبيعة، طافحا بالولاء المتشدد لمعتقداته وكلاهما يتأرجح بسرعة مع العاطفة، لكنهما رغم ذلك يمتلكان نزعة واقعية مادية ونوع من التصميم كان العامل الأساسي وراء وصول نقولاس إلى أن يصبح أغنى الصناعيين في أميركا، وأميركا بلد ليس كريما مع المفلسين والمعدمين من المهاجرين.
-كيف تلمحين إلى أن ما جذب فيتار هو ثروة "بابا" اعرف أنه يحبني كما أحبة بقوة وإخلاص..و نحن نعيش بانتظار ذلك اليوم الذي سنتزوج فيه..أما أنت فالشقيقة العديمة القلب الخالية من الشفقة الأنانية.. التي تبقينا متفرقين!
هزت اليكسندرا كتفيها بغير اكتراث:
-كلام هراء.
و عادت إلى النافذة فضربت ساشا قدميها الصغيرة فوق السجادة صائحة:
-ليس هراء! تعلمين جيدا أن التقاليد في عائلة أبي تقتضي تزويج البنت الكبرى أولا.. وبابا يصر على هذا التقليد.. لذا، وهو السعيد بخطوبتي لفيتار لن يقبل أن نحدد موعد الزفاف حتى تعلن خطوبتك.. أوه.....إنه عطوف!
و ضحكت بحده تفتح ذراعيها بطرقة مسرحية تنم عن اليأس على الطريقة الإغريقية.
-أنه يتوسل إلينا أن نصبر.."انتظرا قليلا يا ولديّ" اسبارطة..بلد الأبطال الغني بالرجال الجذابين..فعاجلا أم آجلا ستجد اليكس لنفسها...".
صمتت.....لكنها تأخرت عن لجم لسانها، فنظرت إلى شقيقتها مذعورة من زلة لسانها وانتظرت بصمت مستعدة لمواجهة هجوم شقيقتها الوشيك.
-إذن!
كان هسيس صوت اليكسندرا مخيفا أكثر من الصراخ.
-فهمت الآن سبب إصرار "بابا" على انضمامي إليك في هذا المكان..! فأنا سأعرض للبيع في أسواق اسبارطة.....سأعرض على أنني جائزة ثرية أمام كل أنوف النبلاء المفلسين في المدينة الذين ينقصهم المال الذي يحافظون به على مستواهم اللائق من العيش وعلى قصورهم الآيلة للسقوط!
صاحت ساشا باحتجاج:
-لا يا اليكس.. كل ما يريده لك بابا السعادة، سعادة كالتي اشعر بها أنا مع فيتار أو سعادة كالتي شعر بها مع "ماما"....
-ماما.. ليتها مازالت على قيد الحياة. فلو كانت بيننا لناصرت كرهي للعادات اليونانية البالية.
أحست ساشا بالارتياح لأن مسار العاصفة تغير واجتازها.
فهمست:
-أنت دون شك تفتقدينها. كنتما متشابهتين ولأنني أشبه أبي أفهم مشاعرك وأتعاطف معها. حين ماتت "ماما" كانت خسارتي كبيرة إلا أن خسارتك كانت اكبر.....
لوت رأسها فوق كتفيها وقالت بجبن:
-أنت أميركية يا اليكس.....لا يمكن لأحد أن يصدق أن فيك نقطة دم يونانية. أنت كأمي تماما، ورثت عنها شعرها الأصهب الأحمر وبشرتها البيضاء وطريقتها الأنيقة في الكلام ورشاقتها واقتصادها في تحركها، وفوق ذلك كله رجاحة عقلها المنطقي. أتذكرين أنها كانت ترفض أن تقرأ لنا القصص الخرافية حين كنا طفلتين، وتصر على قراءة مقالات مناسبة من الصحف؟ كانت تقول أنها تريدنا حتى ونحن في المهد أن نكون على علم كامل بشؤون البلاد حتى نعرف كل شيء عن أميركا والحياة فيها. أعتقد أنها كانت تخشى أن ننجرف وراء الرباط اليوناني الضيق، الذي كان يحيط بنا.. كانت قرأتها تجعلني أنام.. أما أنت يا اليكس فكنت تتشربين كل كلمة أذكر مناقشاتكما وحواراتكما اليومية.....و كانت"ماما" سعيدة بما اخترت من مهنة أما أبوك فحار فيه وما اشد ما كان عليه سرورها وهي ترى في العائلة طبيبة.
نظرت اليكس إلى أختها وقررت أن تكون لطيفة فابتسمت:
-كاذبة.. أنت وبابا لم تكونا حائرين فقط، بل مذعورين قولي الحقيقة! الم تريا أنني اخترت مهنة لا تليق بأنثى؟
أبعدت ساشا نظرها:
-حسنا.. قد تليق هذه المهنة بأميركية لا بيونانية.
عاد اللمعان التحذيري إلى عيني اليكسندرا:
-بالضبط! وأريدكما أن تتذكرا أنني قبل كل شيء وأهم من أي شيء أميركية. قد تفضلين يونانية لكن لا تضغطي علي لأصبح مثلك.. والآن هل تتفضلين عليّ بمنة فتحرري هذه الرسالة إلى البابا..و أرجوك قولي له بكلمات صريحة مباشرة بسيطة حتى يقتنع لآخر مرة أنني، وتحت أي ظرف من الظروف لن انظر بامتنان إلى زوج يوناني.. أو إلى أي زوج على الإطلاق. فالزواج بالنسبة لي ممنوع.. فلا مكان لرجل في مستقبل اخترته لنفسي.
صاحت ساشا وكأنها تولول:
-لكن اليكس.. هذا يعني أنني وفيتار لن نتزوج!
-لا يعني هذا شيئا.. لو أن السيد بروماليس رجل بكل ما في الكلمة من معنى لتزوجك بدون "الدوطة" التي وعده بها بابا.. في الواقع أنا أقدم لك معروفا بجعل هذا الرجل موضغ الاختبار.....ردة فعله ستساعدك على معرفته.
حين صمتت ساشا عابسة عادت اليكس إلى النافذة، لتتأمل المنظر في الخارج.. كان الشاطئ الممتد على طول الساحل المواجه لجزيرة"كثيرا" يحتوي على عدة أماكن مميزة بجمالها منها الفيلات المنتشرة حولها..والفيلا التي استضيفوا فيها حاليا هي أكثر الفيلات سحرا ورونقا. وهذه الفيلات جميعها كبيرة وقد تساءلت مرارا: لماذا لا يهتم اليونانيون بالمساحات الواسعة علما بأن ساحلهم كبير وممتد؟ ولماذا همهم فقط التفاخر على بعضهم بعضا وذلك بالعرض أمام القاصي والداني زخارف نجاحهم..
تقلص انفها المستقيم نفورا.. لقد وصلت مع أبيها وأختها إلى اسبارطة منذ بضع ساعات فقط..ولم تتح لها فرصة بعد لتأمل الفيلا التي سيقيمون فيها خلال زيارتهم.. لكن حين وصولهم وخلال ترجلهم من السيارة التي أقلتهم من المطار، سمعت والدها يتمتم بالإعجاب وهو يخطو أمام الفيلا إلى ساحة مرصوفة واسعة، وجودها يدل بحسب رأيه على عراقة وثراء مالكها الذي لا شك في أن أسلافه كانوا نبلاء أثرياء.
أشاحت بصرها عن المنظر لتسأل:
-من هو مضيفنا على أية حال.. لا أظنه كان موجودا حين وصلنا؟
سارعت ساشا تقول إذ يبدو أن هذا ما كانت تتوق لتخوض فيه:
-أنة النبيل الكونت تغاروس بيرتاكس.. ابن خال فيتار. فكما تعلمين والدة فيتار ترملت عن عمر شاب.. والد الكونت وهو شقيقها الأكبر وضعها تحت جناحيه. وحين مات وضع الكونت الحالي، مسؤوليتها على عاتقة.. وهو الآن رأس العائلة وبما أن منزل فيتار صغير لا يتسع لاستقبالنا فيه فقد أصر الكونت على أن يستضيفنا عنده.
-وكأننا في عالم الإقطاعيين! كنت أفضل أن نسكن مع الجدة تينا كورديس إذ من السخف أن تفرض أنفسنا على غريب بينما جدتنا تقيم مقربة من هذا المكان. ألا توفقينني الرأي؟
تمتت ساشا لأنها لم تعد تطيق نظرة أختها الممعنة:
-نحن أنا وبابا وجدنا أن منزل جدتي لن يفي بالمراد. فمن المتوقع أن نرد الدعوة الموجهة إلينا من قبل عائلة فيتار.. وفي ظروفنا الحالية لن يكون غريبا أن ندعوهم إلى فندق. بينما لو أقمنا مع الجدة تينا لاضطررنا لاستقبالهم في منزل العائلة.
-هذا طبيعي، وهو الحل الأمثل!
-لكن تينا طاعنة السن ولا يجب إزعاجها.
-كلام هراء.. أنها تحب الضيوف، كما تعرفان جيدا.
-بيتها صغير وهو بعيد قليلا..
ثارت روح اليكس الصادقة ضد هذه المراوغة الكاذبة:
-أيتها المتكبرة اللعينة...! ما تعنيه حقا أن منزل الجدة ليس فخما بما فيه الكفاية..ما ستطهوه من طعام بكل فخر لضيوفكم سيكون بسيطا متواضعا أذواق علية القوم من أصدقائك. يا ألهي كم أخجل من الطريقة التي يفكر فيها والدي. كيف له ذلك وهو من افتخر دائما بعصاميته..إن تفكيره هذا يدل على أن الكبرياء سيطرت عليه حتى بات يفضل نسيان الأم ضحت بكل شيء في سبيل تربية ستة أبنا اعتمدت في رعايتهم على ما ينتجه صياد بسيط!
قفزت ساشا كأنما تتحدى غضب أختها:
-أحب جدتي بمقدار ما تحبينها وبابا يحبها أكثر مما نحبها. لكنة واقعي ويرى أنها لا تليق بالمجتمع الذي ندور في فلكه. قد تقولين أننا متكبران لكنك أنت فعلا المتكبرة لأنك لم تعرفي الفقر في حياتك.. فلماذا تدعين النسب لمن عرف الفقر؟ تينا كورديس تعيش هانئة.....بابا يهتم بإعالتها. لكنها ترفض أن تترك منزلها علما أنه عرض عليها مرارا شراء منزل أكبر في منطقة أرقى من قرية الصيادين تلك. أنها عنيدة! وبما أنها أصرت على التمسك بطريقة عيشها القديمة فلا يحق لها الاعتراض على تمسكنا بطريقة عيشنا. ولا تقلقي بشأن جرح مشاعرها.. فلقد ذهب بابا إليها اليوم ليشرح لها الموقف.
وارتدت على عقبيها نحو الباب المشترك بين غرفتيهما.....
لكن صوت اليكس المشبع بالاتهام بلغ أذنيها قبل أن تخطو إلى غرفتها:
-لا يكتفي المتكبر الحقيقي أبدا.. يا ساشا.. فهو يبقى شامخا في عليائه وكلنا ارتفع وعلا كلما وجد الناس صغارا في الأسفل! فاحذري وأنت على قمتك الشامخة المتغطرسة المعزولة عن دفء التواضع والإنسانية من الوقوع لأنك لن تجدي من ينقذك أو يلتقطك.
-لن تكوني أنت المنقذة بالطبع لأنك محنية الظهر من جراء ما تحملين من توافه على كتفيك.
راحت اليكس وحيدة مع أفكارها الحارة تذرع الغرفة دون أن تنظر إلى ما حولها من ديكور كان ليبهج نفسها في حالة الصفاء الفكري.
لكن الإهانة التي وجهت إلى جدتها أثرت بها عميقا. فهي قبل أي شيء أخر مخلصة لعائلتها ولأصدقائها..
أحست بالإعياء والسقم والخجل من تصرفات ساشا ووالدها حتى رغبت في توضيب حقيبتها للرحيل. لكن العائلة اليونانية ستعتبر هذا التصرف أهانه كبرى.. لذلك رغم غضبها الشديد من شقيقتها لا تستطيع أن تحطم سعادتها. فبعد أقل من ساعة ستتعشى العائلتان معا في الفيلا.. وما أن ينتهي هذا حتى تستطيع ربما الاختفاء عن الأنظار مستغلة الفرصة لتزور الجدة أياما تسافر بعدها بهدوء إلى أميركا.
قررت أن تعلم والدها بقرارها فورا..فهو دون شك قد عاد الآن من زيارة الجدة. لكنها لم تجده في غرفته وهذا يعني أنه في مكان ما من الطابق الأرضي.
التقطت أذنها عدة أصوات فاتجهت إليها كما يتجه كلب الصيد وراء رائحة الطريدة. كانت الأصوات تتناهى اليها من وراء باب خشبي ترك مفتوحا قليلا فاستطاعت أن تميز صوت فيتار يقول:
-الشقيقة الكبرى.. بغيضة.. كما وصفتها لي ساشا. فمع أنها تعلم أن والدها لن يسمح لنا بالزواج حتى تعلن خطوبتها، ألا أنها ترفض بكل صراحة أن تتخلى عن مستقبلها المهني في سبيل الزواج.
سأل صوت رجولي في هزء جعل أسنان اليكس تصر حنقا:
-هكذا إذن؟ وما هو هذا المستقبل الذي تريده الآنسة؟
dalia cool
_تأمل أن تصبح طبيبة. وهدفها هذا يحتاج غالى أربع سنوات أخرى لأنها مازالت في الجامعة تتخصص.. هل تتصور؟ علينا أنا وساشا الانتظار أربع سنوات أخرى حتى يوافق هذا رغبة الأخت المهووسة!
-أمر غير طبيعي.. يبدو لي أن هناك سببا ابسط لتمسك هذه الأخت بالبقاء عزباء. أتكون صدمة منُيت بها لأن أي رجل لم يتقدم طالبا يدها؟ أنا مثلا سأتردد كثيرا قبل أن أطلب من طبيبة مشاركتي الفراش.. إذ لن يقترب من هذا النوع من النساء ألا قلة نادرة من الرجال.. ألا تفضل أن تفتش عوضا عن ذلك عن كتلة أنوثة غارقة بالحيوية راغبة؟
-تقصد امرأة كجانيت؟
و تعالت قهقهة لكن الرد الباتر دل على فيتار تجاوز بتعليقة ذاك حده:
بالطبع لا.....! فليس لاسم جانيت مكان في حديثنا!
و قبل أن يعتذر فيتار هربت اليكس وأذناها حمراوان وألوان الخطر تكاد تقفز من وجنتيها ثم لما وصلت إلى غرفتها أسندت جسدها إلى الباب تقاوم غضبا جامحا ينتفض منه كل عصب في جسدها.
وقالت تكلم نفسها بصوت خفيض أشبة بفحيح أفعى:
حيوان! متعجرف! وحش متكبر!
و شدت قبضتا يديها متمنية الدفاع عن نفسها جسديا ضد سخريته غاضبا شديدا لأنها موضوع كلام منحرف لم يتساهل في أن يطبقه على فتاة من جنسه.. جانيت.. كائنا من تكون بإمكانها التمتع به!


-2-
قيود النار
بعد نصف ساعة، بدت اليكس ظاهريا ساكنة مستعدة للانضمام إلى الضيوف الذين تجمعوا في الطابق الأرضي. دق والدها وساشا بابها وهما في طريقهما إلى الأسفل، يحثانها على الإسراع، لكن كان لديها سبب خاص لتؤخر دخولها إلى الجمع، فطلبت منهما تركها. وتريثت حتى وثقت من أن الضيوف جميعهم وصلوا. ثم تحركت نحو الباب، تحافظ على هدوء بارد، دون حاجة على تأمل مظهرها في المرايا العديدة التي تمر بها في طريقها.

عندما وصلت إلى غرفة الاستقبال الرئيسية، وقفت في الباب بانتظار أن يلاحظ أحد وصولها.
كانت الأحاديث تتدفق من ألسنة كثيرة، والعيون الفضولية ترمق ساشا وفيتار الواقفين داخل الباب مباشرة وظهراهما إليها، يحيط بهما نيقولاس الذي تضيئ وجهه ابتسامة الأب الفخور، ورجل أطول قامة، وأنحف جسدا، يرتدي سترة تلتصق بكتفين عريضتين، يظهر تحتها كمان فاتحا اللون يطوقان معصمين أسمرين بنيين. كان شامخ الرأس، واثقا من نفسه.. فعرفت أنها تنظر إلى صاحب الصوت المجهول.
صدرت شهقة دهشة، ثم ثانية فثالثة، قبل أن يختفي الحديث ليحق محله الصمت المطبق. التفتت الظهور الأربعة معا لمعرفة سبب الصيحة، فإذا باربعة أزواج من العيون تنصب على إليكس، المتكئة بكسل وعفوية على عضد الباب مرتدية سروالا عتيقا، مرفوعا إلى ما فوق الركبة كاشفا عن جورب صوفي مخطط بألوان متعددة، ومنتعلة خفا قذرا باليا، ولابسة قميصا برتقاليا زاهيا مكتوبا على صدره بأحرف سوداء ضخمة " أنا مجنونة "! أما شعرها فقد فرقته عند الوسط ومشطته من الخلف إلى الأمام، ثم جعلته ضفيرتين على الجانبين مربوطتين غير مرتبتين تتدليان على كتفيها.. حدقت في الوجوده الدهشة بغير اهتمام، ثم مدت لسانها بين شفتين مليئتين بأحمر شفاه قرمزي الون، ونفخت خديها، ثم راحت تنفخ علكة جعلتها باولنا كاد يلتصق بوجهها.
صاحت ساشا زاجرة:
"اليكس.. كيف يمكنك فعل هذا؟"
وحبست أنفساها وكانت هذه الأنفاس متعلقة بالعلكة التي توشك على الانفجار.. وحين انفجر البالون التصقت العلكة على فم اليكس، فمسحته ولم تلبث أن مدت هذه اليد إلى الغريب المحدق فيها.
- أنت الكونت دون شك. كيف حالك؟ أنا اليكسندرا، شقيقة ساشا.
أصابتها خيبة الأمل حين ظهرت التسلية على فمه، قبل أن يضع قناعا متحديا على وجهه.. ولم يلبث أن انحنى بأدب فوق يدها الدبقة ورد بانكليزية لا تشوبها شائبة:
-كيف حالك آنستي.. كلي سرور بمقابلتك.
حين تصاعد الارتباك الى حلقها، بلعت لعابها بقوة، تبحث بائسة عن كلمات تستطيع فيها اختراق هذا الصمت الكريه.. لكنها تلقت الصد من دماغ بدا مقفلا، ولسان رفق الانزلاق.
كان الانتصار في الجولة الأولى دون شك للكونت، ولم ينقذها غلا غضب أبيها الذي تمتم: " عذرا سيدي " وأمسك بيد اليكس بقوة وسار بها بعيدا عن الأنظار المصدومة التي كان يرمقها بها أفراد عائلة فيتار. لم تكد قدماها تلمسان الأرض ووالدها يجرها من المرفق نحو حجرة انتظار صغيرة ما أن دخلاها حتى رفس الباب بقدمه قبل أن يصرخ بها:
-أريد تفسريا لهذا التصرف المعيب.. وحذار.. اليكس..أريد تفسيرا معقولا ومقنعا...!
كان غاضبا غضبا شديدا شعرت اليكس معه بأنها على وشك الاغماء.. كان نيقولاس كورديس يحب ابنتيه، بلهفة يونانية خاصة بعد وفاة أمهما. ولم تكن اليكس قد قبلت طباعه القاسية التي أنجحته في عالم المال. كانا دائما صريحين مع بعضهما بعضا لذلك ورغم خوفها، قالت له بشجاعة:
- ما فعلته كان احتجاجا على التكبر! عندما قصّت عليّ ساشا خطتك التي تقضي ابعاد جدتي تينا عن عائلة فيتار، أحسست بالقرف والغثيان والخجل الشديد منكما!.
عقد والدها ذراعيه، وقال متجهما:
- لذا قررت مستعينة بطريقتك الحمقاء العنيدة، الانتقام...دون أن تتريثي حتى نتناقش الوضع. لقد اتخذت من نفسك أضحوكة بارتدائك ثياب الصعاليك أمام أناس لهم ذوق رفيع في عالم الجمال والأناقة. لن تجدي في اليونان فتاة ترتدي مثل هذا المظهر الرث. هذا الذي قد لا يحرك حاجبا في الحرم الجامعي في أميركا، لكن النساء هنا لا يظهرن في سراويل مهما يكن السبب. لقد جلبت العار عليّ وعلى شقيقتك بمظهرك الرث هذا وبملابسك التي لا تنفع لخادمة. مع أنك في الثالثة والعشرين، وساشا في الثامنة عشر، الا أنني مؤمن بأنها أنضج منك بمرتين أو أكثر.
احمر وجه اليكس، وأحست بجرح في مشاعرها، ليس من الكلمات التي تستحقها فقط بل من نبرة الصوت التي نطق بها هذه الكلمات. كان وجهه الوسيم مضرجا مكفهرا.. فسارعت إلى منع دموعه من التساقط، قبل أن تعاود الهجوم:
-ليس من حقك التكبر على جدتي.. إنها تساوي مئة من بقايا النبلاء المهترئين الفاسدين!
- أو لا أعرف هذا الواقع؟ لو أمهلتني بعض الوقت لشرحت لك أن جدتك قلقت حتى المرض من اضطرارها لاستقبال عدد كبير من الغرباء الذين لا يجمعها بهم أي شيء. وكانت قد كتبت لي ونحن في أميركا، تبدي تخوفها، وتتوسل حتى أريحها من واجب ضيافة أقرباء فيتار الكثيرين. انها عجوز وهي تعبة هذه هي الأسباب التي جعلتني أتردد في تحميلها وزر هذا الواجب.
ذعرت، وفزعت.. ثم أسرعت تخفي وجهها في صدره، تهتز من البكاء.
-أىسفة بابا لأني أسأت الحكم عليك.. كان يجب أن أقدّر شأنك.
ضمتها ذراعاه الرقيقتان حتى توقف انسياب الدموع. ثم أبعد وجهها الخجول عن صدره ونظر إليها بحزن وهز رأسه:
- ماذا أفعل بك إليكس؟ أخشى أن يسبب لك لسانك المتسرع يوما آلاما وحزنا كبيرين. يجب أن تتعلمي كيف تتحكمين بطبعك يا ابنتي.. وعليك أن تفكري مليا قبل أن تتكلمي خاصة حين ستعتذرين من الكونت.
انتزعت نفسها من بين ذراعيه:
-أعتذر من الكونت؟ لن أعتذر أبدا!
- بل ستعتذرين، هذا إذا رغبت في متابعة دراستك التي يبدو أنك تتمنيها بشدة. قد تكون الجامعة التي تدرسين فيها كريمة مع الطلبة وقد تؤمن لهم الكتب والسكن الجامعي، وذلك لأن التعليم مجاني.. لكن ثمة حدود للمجانية هذه فدون مساعدة الأهل ستجدين الكثير من الصعوبات، وقد تجدين الاستمرار مستحيلا
إذا توقفت عن دعمك. إذن الخيار أمامك هو التالي: إما أن تعتذري من الكونت بسبب ما أظهرته من أخلاق سيئة أو تواجهين مستقبلا كله عثرات وصعوبات مالية.
حدقت فيه، غير قادرة على أن تصدق أن صاحب هذا الصوت الصارم، والعينين القاسيتين، هو الأب الذي كان في لماضي يتساهل مع رغباتها.. ما قاله صحيحا فلن تتمكن من متابعة دراستها دون المساعدة التي يقدمها لها. قد تلوح ببيرق الاستقلالية وتقول له احتفظ بمالك، لكن الصدق والاستقامة دفعتاها الى الاعتراف بان من المستحيل أن تعيش دون مساعدته في مجتمع فيه التضخم المالي عنيف.
وكان ردها متمردا.. لكن لهجتها أنبأته بأن الجدال انتهـى:
-أنت ترغب في تلقيني درسا في التواضع، بابا.
-إنه تلقين لن يضرك أبدا. لكنني في الأساس أود أن يتلقى الكونت ما يحق له. يجب أن أذهب الآن.. وسأعتذر عن غيابك طبعا طالبا من الكونت أن يسمح لك بخمس دقائق من وقته بعد العشاء والآن، أقترح عليك الذهاب إلى غرفتك، لتنظفي نفسك من هذه الفوضى، ولترتدي فستانا مناسبا بك عندما تقابلين الكونت. يجب أن يكون الفستان آخر صيحة في عالم الأزياء.. وأعتقد أن الرمادي قد يتمازج مع لون شعرك.
-ههه.. مضحك جدا.
لكنه كان قد تركها وخرج، فأخذت تحدق فيما حولها بجنون وارتّدت على عقبيها وكأنها لولب وصاحت:
-أعتذر..! أعتذر من ذلك. ذلك!أوه.. يا للجحيم.
واندفعت تركض نحو غرفتها.
بعد التلوي مع آلامها وعذابها بسبب هزيمتها، اعترفت لنفسها بعد ساعة بتلك الهزيمة. نظفت وجهها، ووضعت مسحة خفيفة من الزينة، ثم سرحت شعرها وأعادته كقبعة جميلة فوق رأسها.. ثم اختارت فستانا رمادي اللون لا يزينه سوى ياقة بيضاء وجلست قرب النافذة تنتظر.. حتى دقت خادمة الباب تعلمها بأن الكونت ينتظرها في مكتبته.
ما إن دخلت حتى وقف الكونت ثم دعاها إلى الجلوس وتريث قليلا حتى استراحت، ثم عاد إلى مقعده
-قال لي والدك إنك ترغبين في الحديث معي آنستي.
لاحظت نظرة عميقة في عينيه السوداوين، والتواء ساخرا يرفع طرفي فمه.. كان أنفه المستقيم كحد السكين وكأنه لأمير إغريقي.. لكنها كرهت هذا التنازل المطول، ولم تثق بالرياء المنافق خلف قسماته الشرقية السمراء التي ورثها عن أسلافه.
-تبدين مختلفة.. لا أكاد أصدق أنك ذات الفتاة التي التقيتها هذا المساء، فأنت في الواقع فاتنة.
أحست بالانزعاج من إطرائه، لكنها أجابت:
-والدي يجدني مدينة لك باعتذار.
ابتلع كلامها الوقح ثم ابتسم:
-قد يظن والدك هذا.. لكنك على ما يبدو لا توافقينه رأيه!
احمر وجهها وهي تشعر بنبرته مشبعة بالتوبيخ، ثم قفزت واقفة:
-أنا آسفة إذا بدا كلامي فظا.. سيدي.. أرجوك اقبل اعتذاري لما سببته من إحراج لك ولضيوفك.
وارتدت على عقبيها خارجة. لكن طلبه الهادئ الرقيق منعها:
-أرجوك لا تذهبي آنسة.. فأنا مثلك.. أعتبر الاعتذار غير ضروري.. على كل الأحوال هناك أمر آخر اود أن أبحثه معك فهلا أعطيتني بضع دقائق من وقتك؟
عادت إلى مقعدها دهشة، لكنها جلست هذه المرة على حافته قلقة كعصفور دوري مرتاب من دوافع القطة المتسللة قدم لها علبة سجائر فضية، ثم سحبها حين رفضت.
-النساء في بلادي لا يدخن عادة. لكنني أعرف أن الأميركيات يحببن السجائر. وأعتقد أنك إحدى أولئك النسوة المتحررات، المؤمنات بوجهة النظر الحديثة القائلة إن المرأة حرة في اتباع هواها حتى ولو كانت هذه الحرية على حساب النساء الأقل حرية.
-لماذا تتلاعب بالكلمات سيدي؟ إذ ظننتني أنانية لأننياخترت تجاهل أفكار أبي القديمة الطراز رافضة الزواج قبل شقيقتي الصغرى، فلماذا لا تلج مباشرة إلى صلب الموضوع؟ لكن قبل أن تتطرق إليه، أحذرك أولا بأنك ستهدر وقتك سدى، فلست أشعر بالذنب لأنني اخترت مهنتني. لو كنت محل ساشا لتزوجت، سواء أرضي والدي أم لم يرضى. لكن العائق الذي منعهما كان تردد فيتار في مخالفة رغبات أبي. وهو ما تردد إلا
رغبة منه في عدم اغضاب أبي وذلك لأنه خشي أن يحرمه من ثروة كورديس.
اذا كانت تظنه سيغضب، فقد خاب أملها. نظر إليها نظرة طويلة باردة، يمعن النظر في مظهرها، تتسلل عيناه من قمة شعرها الأصهب إلى عينيها الخضراوين المثيرتين، فوجنتيها الحمراوتين فشفتيها الشهيتين اللتين طالت عندهما نظرته:
-أنت حجر العثرة بالنسبة لأختك.. ساشا جميلة، فاتنة، فكيف تشكين في حب فيتار لها؟
-بل أشك في قدرة أي يوناني على الحب! أنتم شعب خال من الحرارة سيدي، انتم عرق لا عاطفة فيه، لا يهمكم سوى التملك وحسد من هم أكثر منكم جاها.. أنتم مخادعون مستعدون لتحطيم القلوب دون رحمة.. وذلك حتى تصلوا إلى مآربكم وحتى غناؤكم العاطفي ليس إغريقيا بل رومانيا، أما الغناء الفولكلوري فمعدوم عندكم، لأن الاسبارطيين لم يتعلموا قط معنى الحب وهم رجال حرب.
لم يظهر على وجهه أثر للغضب حين رد عليها محتجا بكسل:
-هيا الآن آنستي.. أنسيت إلــه الحب لدى الاغريق؟
-لم أنس لكنه كان الها جبارا بارد القلب، فاسقا، متقلب العاطفة.
وقف أمامها لينظر إليها من علو:
-لقد كوّنت انطابعا سيئا عن بني جنسي في الفترة الوجيزة التي قضيتها في بلادي. وهذا لا يزيد عن...؟
قفزت واقفة، فمن الخير المجابهة وقوفا على قدم المساواة.. أحست بالتوتر.. فأجابت:
-بضع ساعات فقط.. لكنني عشت عمري كله مع تقاليدكم ومحرماتكم، وعانيت ممارسة طويلة مؤلمة حتى
أصبحت مؤهلة لادعاء الخبرة في اختراق ادعاءاتكم.
-بعض الناس آنسة كورديس، يرون ما يرغبون في رؤيته فقط , ويؤمنون فيما يودون تصديقه , والنساء يملن الي هذا بشكل خاص.ليس كل النساء انما أولئك اللاتي يكافحن بشدة لكبت أنوثتهن ,واللاتي يخجلن من هشاشتهن أمام الجنس الآخر ,أو اللاتي لسن مؤهلات جسديا أو نفسيا لتحمل الأعباء التي خلقت للرجال، فهن يتقلبن في النهاية ضد الجنس الذي حاولن أن يقلدنه. وللأسف، اعترف لي والدك أنه كان نادما لأنه لم ينجب صبيا. فكان أن حاولت على غير قصد منذ طفولتك ملئ ذلك الفراغ في حياته.. لكن رغم ذلك لم تكوني له الابن الذي يريده بل حرمته من الابنة التي لديه الابنة التي يستطيع الافتخار بها، الابنة التي قد يجعله جمالها مثار حسد لدى أقرانه لكن هذه الابنة، أصبحت إحراجا لوالدها فهي فتاة سيئة الطباع، فرصها في الزواج تتقلص في كل مرة تمارس فيها لسانها السليط!.
ارتدت الى الوراء ساخطة:
-كيف تجرؤ على هذا الكلام؟
رفعت بصرها إليه، برفعة وشموخ حتى بانت عيناها أستطيع الزواج من أي رجل أختار.. وأعني أي رجل كخنجرين خطرين، مسلطين على وجهه.. وقالت متحدية:
- أستطيع الزواج من أي رجل أختار.. وأعني أي رجل يوناني! ليس في هذه المدينة المليئة بالمرتزقة رجل لا يستطيع والدي شراءه لي.. وما من شك أن والدي الآن يعرضني للبيع.. أما ساشا فلا شك في أنها اشاعت خبرا مفاده أن والدي أحضرني إلى اليونان ليتخذ لي زوجا! وأعتقد أن ساشا لا تكاد تترك لحظة دون رمي الاتهامات على راسي..والآن أنت... لك ما تقول! أسالك سيدي.. أتتخلى عن حريتك، أتزج نفسك في رباط زواج مع غريبة فقط استجابة لرغبة شخص آخر؟
اشتد غضبها بسبب الطريقة البطيئة المتعمدة التي راح يفكر فيها بسؤالها، وأحست بقلة الراحة من جراء التحدي المنبعث من عينيه السوداوين اللتين بدئا تخترقان حجب جسدها ونفسيتها بحثا عن الحقيقة. ثم أجاب ببطء، ما زال يتعمده:
-قد أفعل.. فهذا يعتمد على مدى احترامي للشخص المقصود.
اعتبرت رده توبيخا لها، فشعرت بأن السخط والغضب اللذين مرا بها في هذا اليوم، يحثانها ويدفعانها إلى تصرف طائش.
-حسن جدا يا سيد.. سأمهلك حتى تثبت صدق كلامك! تقول إنك مهتم لسعادة فيتار وساشا متهما إياي بالأنانية لأنني أرفض أن اكون الضحية، مدعيا بأنك ما كنت لتقف في طريقهما لو كنت في مكاني.. وأنا أعتقد أنك منافق، قبيح كذاب، ولهذه الأسباب لا أجد خوفا في أضعك قيد الاختبار.. أعطيك وعدا قاطعا صادقا.. انني سأتزوج بأسرع وقت ممكن يقتضيه أعجل عرس."..
استطاعت للمرة الأولى أن تذهله. فارتفع حاجباه وغدت تعابير وجهه مزيجا من الحيرة والرضا.. لكنها ردت نظرتها بأخرى أحدّ منها، متباهية بانتصارها قبل أن تنطق بشروط استسلامها:
- ثمة شرط يا سيدي..! وهو أن توافق انت على ان تكون العريس.


-3-
امرأة النمر

خيط فستان عرسها،يدويا من ما يزيد عن قرن وذلك على يد راهبات من دير شهير. كان الإكليل الذي سيوضع لتثبيت الخمار العاجي اللون من الذهب الخالص،كان مشغول يدويا بشكل نبات متعرش مجدول. زهرة البنفسج
جربت اليكس ارتدائه بنزق.ثم نظرة سريعة إلى صورتها في المرآة. تمتمت بعدها إنه يظهرني كنيرون الحقير! هزت رأسها بحده جعت أطراف الإكليل تغرز في جبينها وصاحت لصورتها في المرأة:
-كيف سمحت لنفسي في الوقوع في مثل هذا الفخ أيتها الحمقاء!لابد أن تحديك قد لاح له من السماء كالمن الذي نزل على بنى إسرائيل...فما الذي دفعك لقبول خداعه؟ زهرة البنفسج
عندما سمعت وطء أقدام تدنو من غرفتها،انتزعت الإكليل ورمته على الفراش. كان تحدق من النافذة حين دخلت ساشا.
-تحدثت مع تيغر الذي يود رؤيتك في أسرع وقت ممكن...وقد قلت له طبعا إنك ستأتين إليه حالا.
لم تشح اليكس بصرها عن النافذة،بل ردت ساخرة:
-وهل قلت هذا؟عجباً...لماذا ظننتى قد أترك كل شيء من يدي وأهرع لألبى طلب الكونت؟
هزت شاسا كتفيها حانقة:
-لأنه الكونت كما أعتقد ولأن من حقه أن يكون له درجة خاصة.
-هذا رأيك أنت.أما أنا فأخالفه لأن طبيعة هذا الرجل فارغة كجيبه، وكلامه بلا معنى كلقبه...أما شرحت لك ولوالدي الطريقة التي اعتمدها لأوافق على أن أكون زوجته.وإذا أصر على مطالبتي بالوفاء بوعدي، فسأجعل حياته جحيماً...وقبل مرور بضعة أشهر سيكون جاثياً أمام أبواب الكنيسة طالباً للطلاق وسعياً وراء حريته!
سارعت شاسا بابتهاج والتقطت الإكليل الذهبي الذي سيكون إكليل شوك لأليكس... زهرة البنفسج وابتسمت برضى:
-تستحقين هذا تماماً..!لقد زججت نفسك في هذا المأزق وأنا من الناس الذين لن يتعاطفوا معك...لقد حذرت بابا في مرات عديدة من لسانك الذي سيوقعك في ورطة لن تستطيع قدماك جرك منها.وها قد حدث لك ما تكهن!
احتجت اليكس بعنف:
-كنت أحاول إثبات نفاقه! وكيف يعتقد أنه سيجرني أمام أقاربه جميعاً، ليعلن بكلام مبالغ فيه أنني وعدته بأن أكون له زوجة! ياله من مخلوق وقح! زهرة البنفسج
أغلق تفكيرها أبوابه على ذكرى الكابوس الذي مر بها مساء البارحة.لكنها تابعت:
-كان يعلم أنى لا أريد أن أتزوجه، ورغم ذلك لم يترك لي فرصة عن التراجع عن وعدى الأحمق!
ابتسمت ساشا ابتسامة القطة الراضية: زهرة البنفسج
-ولن يترك لك الفرصة في..الواقع..لا أظنه يرغب في الزواج منك..لكنه يوضع مصلحة قيتار نصب عينيه..لقد وضع تيغر على عاتقه مسؤوليات لايهملها أبداً لأنه على رأس عائله بيرتاكس، بأن عليه حل مشاكل أفراد عائلته
ولو كان على حساب نفسه.إن رجلاً كهذا نعم الزوج يا اليكس..وهو أفضل بكثير مما تستحقينه..في الواقع!
ارتدت اليكس إلى الوراء عن النافذة ترغى وتزبد غضباً:
-لكنني لا أريد زوجاً ثرياً كأوناسيس أو وسيماً كأغا خان أو فاضلا كقديس! فما بالك بأن أكون زوجة لكونت وضيع، أعتقده حسب خطواته بكل حذر وعلم أن قصره ومركزه سيستفيدان جيداً من دعم شيكات بابا!
سارعت ساشا ترد بحرارة: زهرة البنفسج
-تيغر متفاخراً جدا...
ثم وجدت نفسها تتحدث مع غرفة فارغة، ذلك أن اليكس تجاوزتها خارجة، تقصد رأساً الكونت الذي وجدته في مكتبه. فاقتحمت المكان، ثم لم تلبث أن راحت تبدى احتجاجها من غير مقدمات.
-أصغ إلى الآن..يجب أن ننهى هذه المهزلة حالاً! زهرة البنفسج
وقف على قدميه، يقلب قلماً بين أصابعه:
-مهزلة؟ أهذه طريقة مناسبة لوصف زواجنا الوشيك يا حلوتي؟
-لا تنادني (حلوتي!)اسمى اليكس!
لكنه لم يُخدع..بل ضحك عالياً: زهرة البنفسج
-حلوتي..يا جميلة..أجل هذا اسم يليق بك أكثر من اسم اليكس.
حين تقدم منها ارتدت مذعورة. لكنها لم تكن سريعة بما فيه الكفاية لمنع يده المصممة على أن تطبق على كتفها في سبيل الإمساك بها بحزم. فما كان منها إلا أن اضطرت إلى تحمل لمسة يده الأخرى وهو يعقد خصلة شعر حول أصبعه.
-أتسمحين؟
وقبل أن تعرف ما يقصد، أمسك مقصاً عن طاولته، وقص طرف الخصلة الملتف فوقع على راحة يده..ثم ترك
كتفها لينظر إلى الدائرة الحمراء الذهبية الملقاة وكأنها وصمة نار في راحته. ثم أخرج من جيبيه علبة جلدية صغيرة أعطاها لها وقال آمراً: زهرة البنفسج
-افتحيها..أرجوك.
ما إن لمستها حتى انفتحت العلبة. فإذا هي تكتشف عن قلادتين تستقران جنبا إلى جنب على وسادة مخملية صغيرة بيضاء اللون بدتا فريدتين بشكل لا يصدق حتى عجزت عن كبح شهقة إعجاب.كانت كل قلادة ذهبية منهما صورة للنمر الذي هو رمز عائلة بيرتاكس التي يسمى الابن الأكبر فيها دائماً باسم تيغاروس أي النمر.كان هذا النمر في القلادة مكشراً عن أنيابه، معكوف الذنب، ذهبي العنينين اللتين تلمعان كالماس بنظرة قاسية عابسة تشبه نظرة الرجل المنتظر ردها..في وسط كل نمر،صورة جانبية من زجاج يمسك بها أربعة مخالب،أحدها لرجل ذي تقاسيم إغريقية كلاسيكية،والأخرى، لوجه فتاة ذات تقاسيم أقل حده، فوق رأسها أكليل ذهبي، على كل عروس في عائلة بيرتاكس أن تضعه يوم زفافها. زهرة البنفسج
رفع تيغر بصمت القلادة التي تحمل وجه الفتاة من الوسادة المخملية البيضاء وضغطت على زر خفي فيها
فانفتحت كاشفة عن مخبأ وضع فيه خصلة شعر اليكس...ثم أقفلها ووضعها فيه جيبه قائلا:
-الأخرى ستكون ضمن ممتلكاتك...وقد أخذت هذه الخصلة مسبقاً قبل أن يطلبوا هم ذلك.أما هذه فهدية الخطوبة. فقد تبادل العشاق في عائلة بيرتاكس منذ قرون هذه القلادات التي تحتوى إما على صورهم أو على تذكار شخصي.أما الختام فسأزودك به لاحقا...إن تقاليد عائلتي تقتضى أن يقدم العريس هذه القلادات على
أنها رمز لرباط أقوى من مراسم الزواج.فلك أن تقولي إنك منذ هذه اللحظة عروسي...زواجنا لن يتم إلا بعد
مراسم الزواج الكنيسة، لكنك الآن بالنسبة لي الكونتيسة اليكسندرا بيرتاكس...وأرجو أن نتشارك حياة كلها وفاق وسعادة يا حلوتي! زهرة البنفسج
جعلتها كلمة التعجب هذه، تهب من ذهولها، فابتعدت عنه بحده، متخذة ما يزيد عن المتر فاصلاً بينهما.
-أنا لست حلوتك! سيدي...ولم أصبح بعد! وأعدك أنك إن أصررت على إلزامي بالوفاء وعدى فستندم على هذا كل يوم،كل ساعة، وكل لحظة قد نقضيها معاً.فأنا لست ساذجة كأختي الصغرى التي تؤمن بأن خطيبها مفتون ومأسور بسحرها، أما أنا فليس لدى هذا الو هم، لأنني أعرف تماماً الدافع وراء لهفتك ولهفة قيتار على الزواج منا، وهو الوضع الصحي لمحفظة أبى، زهرة البنفسج إذا كنت ما تزال مستعد للمعاناة، فعلا فلا مانع لدى عندي...لكن سجل هذا، سيدي لن أعاملك كزوج أبداً، ولن يحصل أي تبادل للرقة بيننا، ولن تحصل أيضاً على ليال مشبوبة بالعاطفة. وسأقبل بك (صاحباً) ظاهرياً فقط بما أنني أعرف تعلقك بعادات بلادك القديمة، فلن أشير إلى واجباتك.
ابيض وجه شحوباً..فاختبرت رعشة الانتصار! عظيم! أخيرا تمكنت من اختراق برودة أعصابه التي لا تطاق.أشعل النجاح بهجتها فتبنت تصرفاً أكثر ثقة بالنفس: زهرة البنفسج
-لقد دهشت، حين درست تاريخكم، الذي أشار إلى أن النساء كن متحررات، عاطفياً على الأقل، كن يشاركن الرجل الارسباطى القتال، لكنهن يفعلن ما يشأن. وقد قرأت أن معظمهن كن يستفدن من تحررهن هذا...إذ كان لكل امرأة، إضافة إلى زوجها المتساهل،عشيق، (صاحب)معترف به. وهى تختاره بعد سنه من الزواج بموافقة زوجها أما الشرط الوحيد فأن يكون من طبقتها الاجتماعية. وأنا لن أفرض عليك واجبات مرهقة سيدي...بل أتوقع منك السهر على راحتى دائماً، كحمل مشترياتي حين أخرج إلى السوق، ومساعدتي في الصعود والنزول من سيارتي، ومرافقتي إلى الحفلات العامة واصطحابي لمشاهدة ما أبدى رغبة في مشاهدته، لكنني سأتغاضى عن السعادة في تقبيلك يدي كلما التقينا. زهرة البنفسج
حملها نشوة النصر،والإحساس بالسلطة، فانتظرت منفرجة الساقين،بتحد أن يبدأ بمناظرة. فإذا كان مصمماً على التمتع بمحفظة والدها فعلية أن يتحمل لسانها السليط. زهرة البنفسج
ترقبت وأنفاسها محبوسة ونظراتها مستقرة على عينيه الذهبيتين رد فعله.لكن الصمت طال والغرفة اشتدت برودتها حتى ارتجفت قليلاً، متذكرة حب الأسبارطين وولعهم بحيوانات الغابة..كانت مدينة اسبارطة مزينة بالتماثيل الحجرية، لأسود مجنحة، ونمور متحفظة وفهود شرسة، تجدها تحت النوافذ، او متمددة على أسفل السلالم، أو متسلقة المداخن أو قابعة على أوعية الزهور وأبواب الحدائق...بعضها منحوت من الخشب، وبعضها منحوت من الحجر..وتذكرت بشيء من الخوف كلمة قرأتها " من المفهوم أن على الاسبارطى الإعجاب بالحيوانات القديمة، لأن رجال اسبارطة يصبحون كالحيوانات حين يستولى عليهم جنون الانتقام!".
ارتدت إلى الوراء لتدير ظهرها للرجل الصامت، المميز غضباً، وشعرت بضرورة الفرار من الجو المتفجر الذي يطغى على جو الغرفة. فقد شعرت للمرة الأولى بأن روحها الجريئة الشابة، ترتجف خوفاً..خوفا جعل خطواتها سريعة، وقلبها عاصفاً، يكاد يخرج من بين أضلعها، وما جعله حبيساً في حنجرتها إلا الذعر.
-لحظه من فضلك! فنحن لم ننه نقاشنا. زهرة البنفسج
كان الأمر حاداَ،جازماً، ومع ذلك لا يحمل وعيداً. فتوقفت والتفت إليه ببطء متسائلة، فسجلت عيناه شبه ابتسامه لوت أطراف شفتيه. أحست بخيبة أمل..كيف ظنته متوحشا؟ فهذا النمر ليس سوى قط لطيف...
كان هذا الافتراض، هو المسئول عن الاحتقار الذي لاح واضحا في كلماتها: زهرة البنفسج
-إذا كنت تريد أن تقول إنك غيرت رأيك بشأن الزواج سيدي فسأكون سعيدة بالإصغاء إليك.
رد عليها بدماثة خلق جعلها تصر على أسنانها: زهرة البنفسج
-بالعكس...فأنا أعتبر أننا نليق ببعضنا بشكل مثالي. أنت كما قلت أصبحت ملكي! وأنا أود أن أتأكد من أنك تفهمين أن الوضع التي تحدثتى به شائن للغاية.أتدركين... مثلا..أن"الصاحب"الذي تتكلمين عنه كان عادة خنثى وهو إنسان سيء الحظ، لا يملك حصته من الهرمونات الصحيحة، لذا وضع في المنزل مع النساء لامع الرجال الذين لا يبدون تعاطفهم، ولا يحسون بأي صله تربطهم به.كان النساء يتحملن هؤلاء المخلوقات التعيسة شرط أن يبقى راغباً في خدمتهن وأن يعطين أذناً صاغية لمشاكلهن، وأن يكون مستعداً على الدوام لإراحة صداعهن بوضع منديل ملئ بالعطر على جبينهن. لا أنكر أن الأزواج كانوا متساهلين وما ذلك إلا لأنهما كانوا يخشون أن يغوى هؤلاء نساءهم.كانت العلاقة بين امرأة ومرافقها نادر جداً،فللصاحب حتى في أيامنا هذة دوره في غرفة الملابس لدى النساء الثريات في أنحاء العالم أجمع ففى فرنسا يدعونه "جيغولو"وفى إيطاليا"سيسيبيو"ولست أدرى إذا كان لهم اسماً في بلادك...قولي لي صدقاً يا اليكس...أتنطبق هذه المواصفات على؟ زهرة البنفسج
فتحت شفتيها لتطلق إهانة مناسبة لكن كل ما كان في رأسها تبخر حين التقت عيناه الحادتان المفترسان بها بعينيها المذعورتين. لم يكن قد حرك ساكناً..ولا نطق بكلمة، ومع ذلك كانت تحس برجولته تتدفق من جسده، وعينيه الذهبيتين الشبيهتين بعيني القطة، ومشيته الحيوانية الرشيقة.حين أطلق ما يشبه الضحكة اضطرت للكلام: زهرة البنفسج
-لا..! يجب أن أعترف بأنك لست هكذا. لكن كل ما بالأمر لا يهمني. فرجولتك أو عدمها، لا تهمني..كل ما أريد معرفته، ما إذا كنت مستعداً مقابل الدوطة الضخمة التي سيقدمها أبى، أن تقبل الشروط التى ذكرتها لك؟ زهرة البنفسج
-طبعاً.. سيكون من سعادتي أن أسعدك..على الأقل في الوقت الحاضر.
-اسمعني ارتباطنا سيدوم فقط حتى يحس بابا بالأمان ويأذن لأختي بالزواج. لقد حذرتها من الزواج بابن عمتك، مستخدمة كل وسائل الإقناع التي أعرفها لأحول بينها وبين التورط الذي أعتبره أكبر غلطة في حياتها، لكنها لم تصغي إلى.لذلك عليها أن تجد الحل بنفسها حين تكتشف أنني محقة وأنها مخطئة! زهرة البنفسج
- وكأنك تهتمين بإثبات نظريتك! زهرة البنفسج
كانت الكياسة، من رجل تحتقر دوافعه، مزعجة، فأجابت:
-أنا أتبع ما تمليه على بديهتي. لم يحدث أن اتخذت رأياً بشخص إلا وكان مصيباً.
تلاشت ابتسامته الرقيقة عن وجهه: زهرة البنفسج
-أنت مخلوقة عنيدة..لكنني لا أنوى إشباع شهيتك إلى التهجم. فأنت مازلت طفلة، وعلى الإنسان أن يكون صبوراً مع الأطفال لأنهم نبتة مرّة قد تنتج ثمراً حلواً.
ردت بفظاظة، وسوء خلق: زهرة البنفسج
-اصبر ما شئت، لكن الثمرة الوحيدة التي ستقطفها ستكون حامضة!
خرجت من الغرفة مسرعة تتبعها ضحكته..فتساءلت لماذا يملك هذا الرجل الذي تمقته، وتحتقره هذه القوة التي تجعلها تبحث عن الهدوء والبرود، والتي تثير عواطفها وتلهبها حتى تكاد تحس كلما التقت به بلهفة متوحشة لإيلامه. إنها تخشى الحقد الذي يثيره في نفسها..وإذا بقيت هادئة باردة، فستتمكن من التعاطي معه..أما إذا أعاقتها عاطفتها فستصبح معرضة لكل أذى. زهرة البنفسج


-4-
الصاحب
وضعت اليكس في اليوم التالي صبر الكونت تحت الاختبار. سعى إليها بعد الفطور فوجدها واقفة أمام النافذة
تتأمل البحر تتمتم وهي واقفة هناك، عيناها تتابعان المركب الأبيض الذي يمخر عباب الماء حاملا ثقله الذي قد يكون بضاعة أو ركابا.
-صباح الخير اليكس.
أجفلها صوته، لكنه تابع:
-ذكرت ساشا، أنه ليس ما يشغلك اليوم، وبما أنني حر كذلك، قررت أن أصطحبك للقيام بجولة في المدينة، فأنت على ما أعتقد ككل الزائرين ترغبين في التعرف على معالمها.
التفتت إليه، وقد سرها تواضعه معها وقالت:
-احضر معطفي وحقيبتي.. لن تخطئهما فهما على فراشي.
سار بهدوء إلى الجدار واضعا اصبعه فوق زر جرس.. وما هي إلا لحظات حتى قرعت خادمة شابة الباب قبل الدخول:
-طلبتني سيدي؟
-أجل شيلا.. تريد الآنسة معطفها وحقيبتها من غرفة نومها.
-حاضر سيدي.
لكن اليكس أوقفتها:
-لا تزعجي نفسك شيلا.. فالسيد سيحضرها بنفسه.. أرجوك ،عودي إلى عملك.
-عفوا آنستي..
رن صوت اليكس نافذ الصبر:
-سمعت ما قلته لك!
ترددت الفتاة خائفة، مذهولة ثم جالت عيناها المتوسلتان نحو سيدها الواقف متعجرفا.. لكن في لمح البصر زال عنه تعجرفه، قائلا بصوت هادئ:
-اذهبي شيلا، سأحضر أنا أغراض الآنسة.
حين تبع الفتاة إلى الخارج، عضت اليكس على شفتها بقوة.. يجب أن تحس بالنصر لأنها مارست سلطتها على الكونت ونجحت، لكنه نصر متقيح قذر، نصر تركها تمثلالآن، الكونتيسة الكريهة. مع ذلك، لم يكن في استطاعتها الندم في مثل هذه المرحلة. فقد بدأ الاعداد للزفاف وما عاد أمامها سوى أقل من شهر لدفع الكونت إلى تغيير رأيه!
حين عاد تيغر، لم يشر أقل إشارة إلى تصرفها الأرعن، بل ساعدها على ارتداء معطفها قبل أن يقول:
-ثمة ريح باردة اليوم. إذا كان لديك وشاح اقترح عليك وضعه على شعرك لئلا يتطاير ويتشعث.
أطبقت أصابعها على وشاح مربع الشكل في جيب معطفها لكنها اختارت تجاهل نصيحته، فخرجت شامخة الرأس إلى فناء المنزل، حيث كان هناك ثلاث سيارات.. اثنان منها من النوع " السبور " المكشوف، والأخرى كبيرة فخمة رسمية. وقد خاب أملها حين تجاوز السيارتين الساحرتين فاتحا لها باب السيارة الرسمية، وهو يضحك ضحكة خافتة:
-لو كانت رفيقتي ساشا، لما ترددت في اختيار إحدى هاتين. لكنني أعلم أنك تفضلين ما هو عملي بدل على الأشياء المبهرجة. وأنا أعتقدك موافقة على اختياري.
ردت ببرود:
-أنت على حق تماما.. وأعلمك أنني لا أفضل فقط الأشياء الرسمية بل الرجال كذلك.
لكنها وجدت أن من الصعب إغضابه حين لا يرغب. وساق السيارة على الطريق المؤدية إلى المدينة، يتجاوز أحيانا السيارات الصغيرة أو الشاحانات الكبيرة ويزج سيارته بين السيارات في فسحات ضيقة حتى حبست أنفاسها أكثر من مرة قبل أن يصبحا من جديد على الطريق المستقيم. لكنها مع ذلك كانت تفضل الموت على أن تدعه يظن أن انتقامه منها قد بلغ مرامه.
أخيرا وصلا إلى المدينة، وحين ركن السيارة في موقف عام كانت مقطوعة الأنفاس تقريبا.. ساقاها تصطكان وهو يساعدها على الترجل، لكنها تجاهلته بهزة من كتفها وتركت يده، ثم سارت مضطربة نحو واجهة شرقية بدت لها خارجة من كتاب شرقي خرافي.
كان الموزاييك الذهبي البراق على الطراز البيزنطي القديم فوق أبواب ونوافذ يحيط بها منحوتات الأبراج في الفلك، والقديسين وملائكة.. أما الرخام فكان مطعما خيالي الجمال، فيه تماثيل مرمرية ومراوح مطلية بالذهب، وأشجار نخيل، وزنابق، وعنبا، ورمانا، وعصافير. كانت الواجهة مذهلة..فيها الكثير من كل شيء، حتى تكاد العين تشبع من هذا الجمال الغريب الخيالي.
وتمتم في اذنها:
-حسنا.. ما هو انطباعك عن هذا؟
كان للهجته رنة الافتخار، فليس هناك بالنسبة للاسبارطي مدينة تقارن بمدينته التي ما من فن نحت قد يشبه دقة فنها وما من رسوم قد تكون أكثر من رسومها. وما من كنوز فنية أثرية قد تصل إلى نصف جمال المجتمع هنا.
ابتهجت اليكس كثيرا في إبداء رأيها:
-إنها تبدو وليدة أفكار سيد حرب شرقي مجنون.. هي ليست جميلة بشكل إجمالي بل أعتبرها ذات ذوق سقيم، فليس فيها إلا البهرجة وكأنها حجر لص سرق ما قيل له إنه نادر وثمين، لكن ما أن امتلكه، حتى أحس بأنه ليس لديه الذوق أو الفن لعرضه في أفضل حال.
-هيا الآن، أنت تحكمين بعين الانحياز، انظري هنا، واغمضي عينيك قليلا أمام أشعة الشمس، ثم تأملي الطبقة المرمرية المطعمة.. لقد صقل المطر سطحها البراق، وكأن الجدران ممسوحة بالزيت.
هزت كتفيها:
-آسفة.. ما تزال قبيحة بنظري، ولا تنس أن اسبارطة لم تقدم الكثير للفن الاغريقي، وذلك لأن أهلها كانوا رجال حرب فقط.
-سنعود غدا.. فالآثارات القديمة تشبه النساء.. يوماً جميلة كالحلم ويوما عبوسا متجهمة.
حين أمسك ذراعها ليبعدها عن مصدر فخره، أحست بانزعاجه. فكان أن قررت السير على هذا المنوال حتى تستغله. ركضت وهي تشهق وراءه لتستطيع مجاراة خطواته:
-لماذا تتوقعون من الجميع أن يعظموا قيمكم. مثلا، تقول إن اسبارطة قد تكون جميلة كالحلم، ومع ذلك فقد يكون الحلم لشخص آخر كابوسا. ترى بماذا تحلم مدينة الحرب والموت؟ بشمس من ذهب؟ بقمر من فضة؟ بشلالات من الماس؟ ببرك من الزمرد؟ بجبال من المعادن الثمينة؟ لا يجد جميع الناس لذة
في تاريخ كله تقشف وحرب وموت.
توقف فجأة وهما فوق جسر نهر " يورتاس " وأمسك بها ليديرها نحوه. كان في عينيه الذهبيتين لمعان غريب، يحذرها وينبهها إلى أن الوحش النائم قد أثير أكثر من اللازم!
وقال لها:
-قد يكون هناك بعض الحقيقة فيما تقولين يا دبوري الصغير.. كلما اصطحبتك مدة أطول، كلما وجدت أن حكمي عليك خاطئ.
ابتسمت باعجاب لاختياره ألفاظه:
-دبوري الصغير! لكن الدبور قد يكون خطيرا.. إنه يعقص، لكنه نادرا ما يكون ساما، ومع ذلك فقد يسبب
الكثير من الألم والانزعاج، حتى لمخلوق يكبره بآلاف المرات.
لم تتوقع منه أن يمسكها بذقنها لذلك حين فعل عضت لسانها، فتألمت ألما شديدا حتى كادت تصرخ.. لكنه أردف ببرود:
-حين رأيتك للمرة الأولى، رأيت جمالا تحت قناع من الدهان وضعته على وجهك.. ظننتك صغيرة، طفلة هاوية، محبوسة داخل جسد امراة.. جسد ناضج، له حنايا مذهلة لا يمكن أن يخفيه ما ارتديته يومذاك.. أحسست بالشفقة على ما اعتبرته محاوله شجاعة لمهاجمة التسلط، محاولة للتنفيس عن روح استقلالية مكبوتة. يومذاك كان تصرفك محدد المعالم. مع ذلك أحسست بأنه دفاع ملؤه البكاء قد يتدفق لدى أي ضغط. لكنني أعلم الآن أنني على خطأ. انت لست هشة عرضة للخطر أو طفلة أسيئ فهمها، بل امرأة سيئة الأخلاق سليطة اللسان. في الواقع، تلك الكلمات التي كانت مطبوعة على قميصك تلك الليلة كان يجب أن تقول " أنا فاسقة "!.
ليته أطاح برأسها الى النهر قبل أن يتكلم. لقد ذهلت، صدمت صدمة جعلت أذنيها تحمران ودفعت الدموع في عينيها، لكن لماذا؟ لقد مضت عليها ساعات وهي تهاجمه، تلكمه، تعضه، تهينه إهانة إثر إهانة، تصرخ في وجهه ساخرة، توبخه وتتمتع بعربدتها. فلماذا إذن، وقد نجحت في تكدير إتزانه، تحس وكأنها شراع محروم من الريح؟ وكأنها مركب خفيف متروك تحت رحمة الطبيعة؟
ثم تصاعد غضبها من جديد.. كم سيستجيب يا ترى هذا الكونت إلى وقع الفقر، هذا التاجر الحقير عديم الضمير، إلى ما قد تقوله أو تفعله؟
-حسنا يا سيدي.. ما دمت توصلت إلى تقدير قيمتي بدقة.. هل أفهم أنك لن تطالبني بالالتزام بوعدي؟ وهل أفهم أن الزواج لن يتم؟"
استند إلى حاجز الجسر الضيق، ناظرا إليها بقلة اكتراث وسخرية.. ثم قال:
-سأتزوجك بكل تأكيد.. وأعدك أن يسير كل شيء كما خطط له.
تناولا الغداء على ضفة النهر في مطعم صغير، له درج حجري طويل، يقود إلى غرفة تشبه القبو جدارنها قديمة متشققة، أثاثها فخم، طاولاتها مفروشة بشراشف بيضاء لا لطخة فيها.
بدا أن تيغر معروف جدا لدى صاحب المطعم الذي استقبله بذراعين مفتوحتين، وتبادل معه الحديث المتدفق بلهجة لم تستطع اليكس فهمها. وطلب الكبد المطهو مع البصل مؤكدا أنها ستتمتع به ،
وإن لم يعجبها فسيزودها صاحب المطعم بالسمك النهري والبطاطا.
تناولا الطعام بصمت، فبدا تيغر مشغولا بطعامه، لكنه كان يسرع إلى تغيير كوب الشراب من أمامها أو الطبق حين يكون ذلك ضروريا. ومع أن اليكس تمتعت بالطعام، إلا أن توترها منعها من إبداء رضاها.. بعد قليل سألها:
-قال والدك، إنك كنت تزورين جدتك دائما خلال السنوات الماضية. فإذا كان هذا صحيحا فماذا لم تقومي باستكشاف المدينة من قبل؟
-كنا نقيم مع جدتي دائما في قرية الصيادين حيث عاشت طوال عمرها مع جدي الصياد.. وأنا أحب الإقامة هناك.. مع أن بابا وساشا كانا يقيمان في اسبارطة إلا أنني كنت أجد منزل جدتي أجمل بكثير.
-جدك كان صياد سمك، كما عرفت؟
-أجل.
-إنها مهنة شريفة، بنيت دائما على أسرار لا يعرفها إلا العاملون فيها.. وهي تورث من جيل إلى جيل ضمن العائلة. إن التعاون الشديد بين العاملين في هذا المجال ضروري لنجاح تجارتهم، وهذا قد يؤمن ضمن العائلة الواحدة.. في الواقع، هناك قانون بحري منذ القرن الخامس عشر يقضي بألا يمارس مهنة الصيد إلا من كان أبوه أو جده صيادا.
-لن تفيدني سيدي في هذا الموضوع. فلقد درسته جيدا، أتعلم أن الصيادين الفرنسيين مثلا كان لهم امتيازات كالنبلاء؟ فهم لا يدفعون الضرائب مثلا، ولهم الحق بالعيش كاصحاب الأملاك.. من جهة أخرى لم يمتلك ارستقراطيو اسبارطة الأراضي والأملاك حتى القرن السادس عشر، وخلال تلك المدة وضعوا قوانين لحماية طبقتهم من التلوث بالاختلاط مع الطبقات الاخرى وقد وضعت محرمات قاسية لمنع حدوث زواج بين
النبلاء والعامة. لكن رغم ذلك كان هناك بين العائلات من رغبوا في الزواج من بنات صيادي سمك.
-وهذا حق تماما. وبما أنني عضو من تلك الطبقة أود أن أسجل تفاخري وعظيم الشرف لأن حفيدة صياد اختارتني زوجا لها.
اختارتني!.. ردت اليكس اللوم في هذا الخطأ اللفظي على طبيعتها المتوترة المتهورة. لكن وجدت أن لا مجال لتنكر ما طلبته منه. وسارعت ترد:
-سيدي تذكر أن مدينتك مرهونة لأمجاد قديمة، يا سيد. فالمرء لا ينفق إلا ما اكتسب.. على كل الأحوال، كن شاكرا لان والدي قد تحمل دفع ثمنك!


-5-
بين القضبان
السيدة بروماليس، والدة فيتار، مثال يوناني للأم المحبة المتعلقة بأولادها. ما من امراة في العالم بنظرها قد تستحق شرف أن تكون زوجة ابنها. لكنها مستعدة لتحمل ساشا الطيبة، الأنثى الطيعة التي تمتلك فوق كل هذا ميزة لا تعوض.. والدا ثريا!
وكانت هذه السيدة من جهتها أيضا لا تطيق اليكس التي كانت تراها فظة، ثقيلة الظل، وقحة لا تظهر اهتماما يذكر نحو تيغاروس زوجها الموعود، ولا بأفراد أسرته..
راحت السيدة تحدق بفم مشدود في كونتيسة المستقبل التي تتلاعب، بشوكتها في قطعة من لحم العجل حمرت بالزبدة.
سارعت المرأة تسأل:
-ألم يعجبك الطعام يا آنسة؟
ارتفعت يد اليكس باجفال، فالتقطت السيدة أنفاسها بعد أن علق بصرها بالنظرة الزمردية الصافية، وكانت مضطرة للاعتراف بأن هذه الفتاة غير عادية الجمال.
-ماذا؟
تسبب الرد الفظ بتغيير رأي السيدة فالفتاة صعبة المراس، لذا تجد أن ابن شقيقها قد فقد عقله! سارع والد اليكس للاعتذار بلباقة:
-اعذري استغراق ابنتي في أفكارها الخاصة سيدتي. فتفكيرها مشغول دون شك بالملابس والزهور وأجراس العرس.
حين التفتت اليكس إليه تحاول الاحتجاج رماها بنظرة تهديد: تصرفي جيدا.. وإلا! وقبل أن يعود إلى تلطيف الجو...سألته السيدة:
-كانت زوجتك أميركية سيد كورديس.. إنه جنس ذو طبع مختلف عن طباعك تماما. ويجب أن تشارك ابن اخي في سر نجاحك مع طباع حادة. ساشا لن تسبب لابني أية متاعب، انا واثقة من هذا، اما شقيقتها، فعلى ما يبدو تملك روح أمها واستقلاليتها.
ثم رفعت نظرها إلى ابن شقيقها وأردفت:
-ستضطر يا تيغر إلى أن توقف أعمالك، لتدربها على أساليب الطاعة.
نظرت اليكس نظرة حادة إلى السيدة، فجمدت أساريرها المبتهجة على الفور:
-أنا لست فقمة في يدك!
وقال تيغر يوبخ عمته:
-ولا أنا أهوى دور مدرب الحيوانات عمتي.. أنت كمعظم اليونانيين، تقارنون الفتيات الأجنبيات بغير حق مع بنات جنسكن، وأنتن مخطئات..... وللانكليز قول مأثور، أحب أن أذكره لك:" لا تحكم على الكتاب من غلافه " فقد يبدو لك غلاف اليكس قاسيا لا يلين.. لكني أؤكد لك انني اجد نفسي أتعلق به كلما قلبت صفحة أخرى فيه.
كان صوت القرف الذي بدر من اليكس واضحا بشكل جعل وجه ساشا يتضرج وجعل عيني والدها تلمعان بقوة.
قالت اليكسندرا:
-الأوهام التي تضلل الرجال نابعة من ميلهم للإيمان بصحة ما يوافق رغباتهم!
التوت شفتا تيغر وهو يرى الارتباك التام على وجه عمته الأحمر. ثم قطبت وهي تحاول فهم مضامين القول. وصعق الجميع من قولها حتى والدها الذي يرى أن ابنته الوقحة قد رمت مجددا بإهانة لضيفهم.. لكن تيغر ساعد على تهدئة الجو بكل لطف:
-جدال اليكس سليم.. لكن بما أنه يتعلق بمسألة تخصها وقعت في فخ إخفاء وجهة نظرها خلف كلمات طنانة. فإذا بسطنا معاني كلماتها لوجدناها تعني أن أفكار الرجال تسير على الوجه التالي: القط حيوان ذو أربعة قوائم. والسنجاب حيوان ذو أربعة قوائم. إذن.. السنجاب هو قط.. بمعنى آخر، إنها تقول لي إن الاستنتاج الذي توصلت إليه قد يكون مخطئا تماما.
صاح والد اليكس:
-ولماذا لم تقل هذا منذ البداية؟
ونظر إلى ساشا التي كانت تمسك يد فيتار بسعادة من تحت الطاولة وهو يفكر: " ألا يمكن أن ينعم الله عليّ بابنتين لطيفتين مطيعتين؟ ماذا فعلت لأستحق فتاة مشاكسة سليطة اللسان مثل اليكس؟"
وقفت السيدة بروماليس تشير إلى الفتاتين:
- هلا تناولنا القهوة في الصالة، تاركين الرجال بسلام حتى يحتسوا شرابهم ويدخنوا سكائرهم؟
كتفت اليكس ذراعيها على صدرها، وارتمت قليلا في كرسيها:
-سأبقى هنا، فأنا احب السيكار وقد اعتدت على تدخينه أحيانا.
رعد صوت أبيها في الغرفة:
-اليكس!
ففتحت فمها تريد أن تناقشه في حقها بالبقاء، لكنها كانت على وشك البدء في الكلام، حين لاحظت من طرف عينها رأسا منحنيا صاحبه تهتز كتفيه في محاولة منه لإخفاء ضحكته. فتحول غضبها عليه. فالإزعاج الذي تسببه والدها بصرخته فيها لم يكن إلا وخزة دبوس إذا ما قورن بالغضب الذي أثاره الرجل المجبرة
على الزواج منه. فشدت على قبضتيها، وأصابعها تتوق إلى خدش هذا الوجه الأسمر، وصاحت:
-اصمت! لا تضحك علي ّ!
امسك تيغر بعجز بخاصرتيه وارتد على نفسه في قهقهة مفاجئة، فصاحت به تضرب السجاد بكعب حذاءها:
-أنت.. أنت.. مغرور وخنزير أناني! تبا لك! لا أدري لماذا أزعجت نفسي؟
وخرجت من الغرفة شامخة الرأس بكبرياء، لامعة عينيها احتقاراً.
لم يمض عليها في غرفتها سوى دقائق حين دخلت عليها ساشا يبدو القلق واضحا على ملامحها وفي عينيها النجلاوين. فنظرت إلى شقيقتها التي خلعت ثوب السهرة ورفسته غاضبة:
-اليكس.. ماذا تفعلين؟ أنت لن تذهبي إلى النوم بعد؟ أرسلتني السيدة بروماليس لإحضارك. ثمة ما تود بحثه معك.
أخرجت اليكس تنورة من خزانتها، ثم طفقت تبحث عن قميص مناسب. وقالت ساخرة:
-لا أشك في أن لديها ما تود بحثه معي. لكنني لا أنوي الجلوس مكتوفة اليدين وهي تلقي عليّ محاضرة عن أخطائي، مشيرة إلى أنواع التصرف المتوقعة من كونتيسة المستقبل. عودي إليها وقولي لتلك العجوز الشمطاء أن تذهب إلى الجحيم.. فأنا خارجة!
كررت ساشا بكل غباء متجاهلة الإهانة الموجهة لحماتها:
-خارجة؟ لكن.. لا يمكن هذا.. ليس بدون مرافق.. هذا غير ممكن بهذه البساطة، فستحس السيدة بالفضيحة.. أما تيغر..
-أوه.. بالله عليك! دعيني وشأني! أشعر وكأنني كلما أطلت المكوث في هذه البلاد كلما تملكني الشر! إنك كاليراقة التي لم تخرج من شرنقتها منذ سنوات، وحينا لمسها أحد عادت إلى التقوقع ثانية! نحن في بلادنا، نخرج حيث نشاء، وحيثما نريد، وحين آخر منفصلتين. لو سمعت ما تقولينه الآن من أحدهم منذ أسبوع لغرقت في ضحك جنوني، وها أنت الآن تلمحين إلى أننا يجب أن نتصرف تصرفات ترفضها المرأة الحرة منذ ما يزيد عن قرن. حسنا، ربما أنت راغبة في ان يغسل دماغك لكنني لست مستعدة! سأخرج الآن
وحدي. وإذا لم يعجب السيدة تصرفي فلتقنع ابن أخيها المتكبر بإعادة التفكير في الزواج مني وبإلغائه.
ثم هرعت إلى خارج القصر تشعر بالحرية، فاستقلت إحدى السيارات الموضوعة تحت تصرفها وطارت بها نحو المدينة حتى ابتلعتها الأزقة، والممرات المسقوفة المتصلة بشوارع خلفية تفضي إلى ساحة واسعة.. اندفعت بالسيارة دون أن تفكر كيف ستجد طريق العودة إلى القصر، وتبعت الاتجاه الذي كان يشير
إليه أنفها، فتجولت في باحات واسعة عتيقة الطراز، وفوق أزقة مرصوفة بحجارة مربعة سوداء ثم لم تلبث أن أبطأت سرها حين أبصرت عن بعد الجسر الرئيسي الكبير الذي يمر فوق نهر بورتاس الذي يربط جناحي المدينة القديم والجديد، والذي أشار إليه تيغر بفخر.. تقدمت منه واجتازته إلى الحي القديم، فوجدت نفسها في سوق صاخب رائع المنظر، ثم فقدت كل أثر للزمن وهي تتمتع بالصخب المتبادل بين رواد السوق. تأملت
الحلي الذهبية، والميداليات، وأبدت إعجابها بالرفوف الخشبية، المكومة فوقها أكوام من البصل، والخس، والتفاح، وجوز الهند، والبرتقال.
ما إن توقفت أمام واجهة قرنفل حتى أحاط بها باعة الزهور، ولم تستطع التخلص منهم إلا بعد أن اشترت باقة كبيرة من الأزهار الفواحة الرائحة. أثناء سيرها احتك رابط خفها بكعبها، فسارت تعرج حتى وصلت إلى مقهى في الهواء الطلق، فتهاوت على كرسي ووضعت حملها الملون الفواح على طاولة معدنية. وقالت للساقي:
-قهوة من فضلك.
كانت على وشك الانتهاء من شرب القهوة، حين التقطت من فوق حافة الفنجان منظر عينين جريئتين، تستقران على وجهها.. لكن هذا المعجب لم يسبب لها الارتباك.. فقد كانت تعر ف من خلال تجاربها السابقة، إن أمثاله يجمدون خوفا حين يتلقون نظرة صارمة من الجهة الأخرى.
لكنه يسبب سكوتها حرك كرسيه نحوها حتى لم يترك إلا بضعة سنتمترات بينهما. وارتسمت ابتسامة زائفة على وجهه:
-نهارك سعيد آنستي!
عندما انكشف أمامها صف من الأسنان البيضاء، أحست برغبة في إدخال قبضتها في فمه، لتحطم ما يظنه كما هو واضح أحد أثمن ما لديه. لكنها لوحت بيدها:
اذهب من هنا.. لو سمحت!
فابتسم، وكأنه اكتشف خابية من الذهب:
-آه.. أميركية! أنا أتحدث لغتكم جيدا.. وأحب الفتيات الأميركيات جدا.. لماذا لا تشاركينني شرابي.
نظرت إليه بحدة:
- لا.. شكرا لك.. لو سمحت، أود البقاء وحيدة لأتمتع بالمناظر.
لكن ابتسامته لم تتغير ن فتنهدت اليكس ،إنه لمن سوء الحظ أن يكون لبنات بلادها هذه السمعة السيئة، لذا شعرت بأن عليها أن تدافع عنهن وذلك بأن تشرح بطريقة حاسمة الفرق بين الحرية وفساد الأخلاق، لكنها لم تكن تنوي جر نفسها إلى نقاش مع هذا المزعج المترهل.. لذلك عضت على شفتها، ونظرت إليه نظرة صخرية تمسخه إلى مصاف ذبابة على جدار. لكنه أمام غضبها تقدم أكثر حتى لامس كرسيه كرسيها فهمس
بأنفاس تعبق فيها رائحة الثوم.
-أتحبين الرقص؟ أعرف مكانا قريبا..
-لماذا لا تذهب وتلقي نفسك في النهر؟
دست خفيها في قدميها، ثم وقفت استعدادا للرحيل فأدارت ظهرها إلى الرجل الذي أثارها وجوده، لكن وبينما هي منحنية تلتقط الأزهار، أحسن باصبعين تقرصانها. وهذه حركة في الظروف العادية قد تجعلها تضحك، لكنها الآن أدت إلى غضب أبعد بكثير عن سيطرتها. وقد زاد هذا الغضب من قوة ذراعها التي علت بقوة وهي تحمل الحقيبة التي حطت على رأسها.. رمته الضربة عن الكرسي إلى الرصيف.. كان تعبير
الاستغراب وعدم التصديق على وجهه مضحكا.. مما اضطرها للضحك.
أما الأحداث التالية فكانت أشبه بفيلم هزلي.. فبينما كان العاشق الاسبارطي يتألم عند قدميها.. يصرخ من الألم المصطنع، برزت امرأة سمينة، من داخل المقهى تشهق وتزيد ملوحة بمكنسة خشبية في اتجاه اليكس. وتدفق زبائن المقهى على أثرها، وما هي إلا ثوان حتى أحاط بها جمهرة من الناس المعادين الصاخبين وقد تعاطفوا جميعهم مع الرجل الملقى أرضا.. كانت نظرة واحدة تكفي لتؤكد أنه ابن المرأة السمينة وغاص قلب اليكس.
سمعت فوق الصراخ المعادي الموجه إليها، صفيرا مرتفع. ثم تفرق الحشد، سامحين لشرطي كانت عيناه تلمعان كالثلج من تحت قبعته.. أشار الشرطي إلى اليكس بالصمت وأصغى باهتمام لكل ما كانت تقوله له المرأة السمينة، ثم بدأ بكتابة ملاحظاته متجاهلا احتجاجات اليكس.
فقدت هدوءها حين وضع يده على كتفها وبدأت بالصراخ:
- هذه المرأة مجنونة! لم أكن أنوي قتل ابنها.. كنت فقط أدافع عن نفسي.. لو حدث شيئ كهذا في أميركا لطالبت بكل سهولة أن يسجن هذا الرجل بتهمة التهجم اللا أخلاقي... اسمع.. أستطيع إثبات ما فعله!
نسيت حشمة اليونانيين المعروفة ورفعت تنورتها لتبحث عن آثار قرصته التي آثارها على ما تعتقد ظاهرة على جنبها. وتصاعدت شهقات الرعب من النساء وصيحات الاستحسان من الرجال، فاستعادت تعقلها وأحست بالخجل وكأنها ارتكبت جريمة بشعة ثم سرعان ما غطت مكان الكدمة. فقال لها الشرطي:
-ستأتين معي آنستي.. أنا أتهمك بالعنف وإهانة الأخلاق العامة.. لا تجادلينني.. أنتن الأجنبيات مزعجات، تغوين أبناءنا، وتقلقن بناتنا، وتزعجن آباءنا بطرقكن المشينة. لو كان لي السلطة لمنعتكن جميعا من دخول البلاد.. لكن سلطتي تشمل القدرة على سجنك.
كان الرجل الجهم الوجه الجالس وراء طاولة في مركز الشرطة أحط من أن يكون بشريا، فقد أصر على أن يكتب الأكاذيب التي قيلت عن اليكس.. ثم، دون أن يرفع رأسه.. لوح بيده ليبعدوها عن نظره، فكان أن رافقها شرطي، اقتادها إلى ممر مظلم ومنه إلى درج، وبعد ذلك دفعها إلى غرفة مظلمة، ليست
بحجم خزانة في قصر تيغاروس.
كانت الزنزانة الباردة، التي لا راحة فيها، والفراش القاسي، والوسادة الملبدة، حقيقة.. فرمت نفسها فوق البنك الخشبي وأسندت رأسها جانبا فلامست جبهتها قضبانا فولاذية باردة وراحت تفكر ليس في والدها
الذي سيغضب، أو في شقيقتها التي ستحس بالفضيحة، أو في صهر المستقبل، بل في الكونت البارد الأعصاب، فتمنت بيأس للمرة الأولى أن يكون الآن إلى جانبها.
تدفقت الكلمات منها بغصة تقول لنفسها:
-أوه.. اليكس.. يا فتاة.. لقد فعلتها هذه المرة!وسيكون أمامك جحيم لتدفعيه!


-6-
سأكون لك
أعطيت عند الساعة الخامسة من الصباح التالي، وعاء فيه ماء وقطعة مربعة وسخة، أطلقوا عليها اسم منشفة إضافة إلى قطعة صابون كريهة الرائحة. ارتجفت من القرف، ورمت الماء فوق وجهها، ومسحت عينيها اللتين لم تذوقا طعم النوم جيداً. بعد أن جففت وجهها بالمنشفة، مشطت شعرها بأصابع مرتجفة، متمنية استعادة مشطها من الحقيبة التي صادرها الشرطي. نونو2005
أنعشها غسل وجهها ويديها.. فجلست على حافة البنك الخشبي تحس بالجوع، وبالغثيان في الوقت نفسه... وكان هذا أفضل لها، فحين وصل الفطور نظرت إلى القصعة المعدنية التي تحتوى على طعام بني اللون غير معروف لها، ودفعتها جانباً.. وجلست تراقب الشمس في تصاعدها من خلال النافذة الصغيرة المرتفعة لكنها لم تلبث أن اختفت عن ناظريها تاركة الزنزانة مرة أخرى أكثر ظلاماً وتجهماً..
رفض الشرطي العابس الوجه الإصغاء إلى توسلاتها حتى تتصل بوالدها. فبعد غياب ليلة كاملة لا بد أن الجميع قلق عليها. نونو2005
لم يكن لديها فكرة عن الوقت، لكنها تلقت وجبة أخرى، رفضتها كذلك، قبل أن تسمع صليل مفاتيح، ووقع خطوات مستعجلة، وصوت مستنكر، غريب اللهجة لكنه مألوف وهو يصيح في وجه شخص سيء الحظ.
قفزت واقفة، وتقدمت إلى الأمام، حتى يستطيع تيغر القادم، رؤية منظر جسد خائف متقوقع وراء القضبان.
ــ افتح الباب!
وانتظر بوحشية وهو يرى الحارس المرتعش اليدين يتعثر في اختيار مفتاحاً من بين هذه المفاتيح كلها. وعندما انفتح الباب، فتح تيغر ذراعيه واستقبلها.
كان اندفاعها إلى ذراعيه بالنسبة إلى اليكس، طبيعياً بل أكثر من طبيعي. فقد طارت من باب الزنزانة ورمت نفسها بين ذراعيه المفتوحتين، دافنة وجهها في كتفه، مرتجفة فاشتدت ذراعاه حولها بدائرة حامية. ومسحت شفتاه جبينها وهو يتمتم بجمل حنونة تبعث الاطمئنان. واساها حتى توقفت عن الارتجاف ثم اقتادها عبر الممر وهى ما تزال ملتصقة به، فارتقيا الدرج إلى ضوء الشمس الساطع في مكتب مركز الشرطة الرئيسي.
سمعت لغطاً كثيراً وخطى متسارعة ، ونقاشاً حاداً.. لكنها أبقت رأسها مدفوناً في كتف تيغر، تخجل من دموع الضعف التي بللت وجهها. نونو2005
راح صوت فيه سلطة يحتج:
ــ سيدي.. كيف لنا أن نعرف؟ كانت الفتاة تتجول في الشوارع وحيدة، في وقت متأخر.. وقد أحدثت شجاراً في مقهى عام... فاستدعينا.. ماذا تريدنا أن نظن؟ لم يكن لدينا بديل عن توقيفها!
لم يرفع تيغر صوته. نمر اسبارطة لا يزأر أبداً.. إنه وحش دون أنياب... لكنه قال لهم ببرود يسكتهم:
ــ يكفى! سأعود إليكم فيما بعد. نونو2005
أحست حتى اليكس المنتقدة، بالغضب المكبوت في كلماته المختصرة الحادة، وأحست بالتعاطف مع الرجال الذين صمتوا بقلق، لا يقطعه إلا وقع أقدام حزينة، وسعال محرج.
حين وصلا إلى القصر، أخذ زمام الأمر بيده.. ففي الردهة الرئيسية، كان ينتظرها والدها وساشا وفيتار وأمه الذين أطلقوا وابلاً من الأسئلة، حتى لم يكادوا يتركون لها فرصة للرد: نونو2005
ــ اليكس.. ماذا حدث بحق الله؟
ــ اليكس.. أين كنت؟
ــ هل لي أن أسأل أين قضيت ليلتك آنسة؟
ــ لماذا لم ترسلي رسالة، كادت ساشا تموت فزعاً عليك! نونو2005
أقبلت خادمة استجابة إلى جرس رنه تيغر:
ــ شيلا.. رافقي الآنسة إلى غرفتها، ثم أعدى لها حماماً ساخناً، وطعاماً خفيفاً، ودعيها تنام.
فاحتجت ساشا:
ــ لكن تيغر..! يجب أن نعرف... نونو2005
ــ ليست شقيقتك بحالة تسمح لها بالإجابة عن أي سؤال.. قد ترضى فضولكم فيما بعد، لكن حتى ذلك الوقت أصر على أن تترك بسلام لتسترد قوتها مما حدث لها. اذهبي الآن مع شيلا يا اليكس. إذا أحسست بأنك بخير انضمي إلينا على العشاء.
أحست للمرة الأولى بالراحة لتنفيذ ما تؤمر به.. كان رأسها يؤلمها.. وجفناها يرفضان البقاء مفتوحين. خطت بشوق إلى الحمام الذي أعدته لها شيلا ثم انتهت من الاستحمام عادت إلى غرفتها، ورائحتها تعبق بالعطر والصابون والبودرة. نونو2005
فغرقت في فراشها نائمة قبل أن تضع شيلا الغطاء فوقها.
بعد ساعات، تحركت.. فتحت عينيها، ثم استلقت متثائبة على ظهرها فسمعت صوتاً حبيباً إلى نفسها يقول: ــ آه.. أخيراً عدت إلينا يا طفلتي! نونو2005
أدارت عينيها الناعستين نحو الجسد الجالس على كرسي قريب من السرير، وصاحت بجذل:
ــ جدتي تينا! ماذا تفعلين هنا؟
ــ لقد أحضرني هذا الصباح خطيبك الفاتن!
ــ خطيبي...؟ آه.. تعنين الكونت!
ــ طبعاً.. أليس هو من اخترته زوجاً؟ نونو2005
ــ حسناً.. صحيح.. لكن لست أفهم تينا.. لماذا أحضرك إلى القصر؟
جدتها.. امرأة صغيرة الجسم، نحيفة ذات أسارير حلوة، وفم قد يظهر صارماً كما قد يظهر مبتسماً:
ــ حين قال لي إنك مفقودة طلبت منه نقلى إلى قصره. لقد أحضرني في ساعات الفجر الأولى، وكان قد جاب المدينة بحثاً عنك، ثم اتخذ بيتي ملاذاً أخيراً. لقد أظهر لى أسفه الشديد لأنه أزعجني ونقل إلى الخبر المشئوم، لكنني رفضت البقاء في بيتي قبل أن أعرف مصيرك.. فاصحبني إلى قصره... لقد اخترت زوجاً رائعاً يا طفلتي! رجلاً قلب المدينة رأساً على عقب بحثاً عنك. نونو2005
انتفضت اليكس، وهى تتصور تيغر في حالة اضطراب شديد. إن ذلك لبعيد عنه، فأمثاله لا ينزعجون لأمر تافه كضياعها، فقالت: نونو2005
ــ أظنك أسأت الحكم عليه تينا.. لا أظن الكونت يسمح لنفسه بالانزعاج.. إنه بارد هادئ في كل الأوقات...
ــ منذ متى تعرفين الكونت؟
ها قد حانت لها فرصة اكتساب حليف.. إنها تحب جدتها حباً عظيماً وتعرف أنها تبادلها الحب.. ربما يتمكنان بواسطة حكمتها من إيجاد مخرج لمأزقها... أجابت:
ــ منذ بضعة أيام فقط.. وقد حدثت الخطوبة نتيجة رهان سخيف. لكن الكونت أصر على تنفيذ الوعد.. لأنه يحتاج إلى " الدوطة " التي سيقدمها له بابا. نونو2005
لم يبد الاضطراب على الجدة، بل هزت كتفيها وقالت:
ــ إذا كانت هذه هي القصة.. فأنت محظوظة. احمدي ربك لأن رهانك وقع على شاب وسيم كالكونت بيرتاكس، لا على شبه رجل عجوز بشع، منظره يبعث الاشمئزاز إلى شابة مثلك.
وضحكت كأنها تتذكر نكتة خاصة: نونو2005
ــ لقد أسأت الحكم عليك يا طفلتي... يقال إنك تحملين أطباع أمك، لكن في هذا الأمر أنت أشبه بأبيك.. فمن المستحيل إجبار أي منكما على قبول وضع لا يعجبه.. وها أنت تقولين إن الكونت لا يعجبك وتشكين في دوافعه غاضبة منه لإصراره على إتمام الزواج. فكرى ملياً يا طفلتي وكوني صادقة مع نفسك كصدقك مع الآخرين... ألا تحمدين الله لأنك تمكنت رغم ادعائك الفارغ بعدم الرضى، من أسر الرجل الذي تريدين؟ نونو2005
ــ تينا..! إنك تنزلينني بتلميحك إلى مستوى السخيفات مثيلات ساشا، اللواتي لا يتجاوز طموحهن إيجاد زوج! أنا عكسهن تماماً.. فالرجل الوحيد الذي أريده في حياتي هو الرجل الذي أستطيع تشريح جمجمته. نعم أنا لا أرفض صحبة الرجال، لكن في الوقت المناسب والمكان المناسب.. أما الزواج فليس جزءاً من مخططاتي. لذا تزعجني تلميحاتك هذه وتبعث إلى نفسي تعاسة كبرى!
لم يظهر على الجدة التأثر وهى تقف:
ــ مسكينة اليكس... ليتنى أستطيع توفير مرآة لنفسك! أشعر بالأسى على فتيات هذه الأيام، اللواتي يعشن في عالم يسعى جهده ليلاً نهار لتغيير طبيعة المرأة وليجردها من أنوثتها، وذلك بإقناعها بأن الزواج قيد وهذا العالم لا يكتفي فقط بما ذكرت بل يجعل النساء يرفضن أقدس شيء في الحياة وهو حمل الأطفال. عليك يا حبيبتي أن تحاربي هذه الدعايات المغرضة. وإلا ستتضورين جوعاً لا من نقصان الخبز بل من نقصان الحب. نونو2005
تركتها جدتها حتى ترتدي ثيابها، فكان أول ما فكرت فيه أن الجدة قد أصبحت عجوزاً تثير الشفقة لا تفهم الحياة العصرية. ارتدت فستان سهرة أسود دون أكمام، مفتوحاً عند الظهر، لا يعلق على كتفيها منه إلا رباطان رفيعان. وكان هذا الثوب يتطلب ممن ارتدته الهدوء ورباطة الجأش لأنه سيخطف الأنظار ويجلب شهقات الإعجاب من كل صوب وحدب. وما ارتدته إلا أنها بحاجة الليلة إلى الدعم المعنوي الذي قد يعطيها إياه الفستان... فهي إذا أرادت إكمال الطريق، ستحتاج إلى كل ما لديها من أسلحة. نونو2005
كانت تضع اللمسات الأخيرة على وجهها حين دخلت ساشا.. التي نظرت إلى صورتها في المرآة وشهقت:
ــ أوه.. اليكس.. لست في مزاج التحدي مرة أخرى!
استدارت بهدوء إليها: نونو2005
ــ عم تتحدثين؟
ردت مقطبة: نونو2005
ــ إن شيئاً ما يستحوذ على تفكيرك كلما ارتديت هذا الفستان. أنت تتمتعين جداً بصدم الناس.. أرجوك اليكس.. حاولي التصرف بلباقة الليلة. بابا غاضب جداً منك. والسيدة برماليس وفيتار مصدومان مرتبكان من تصرفاتك. أما تيغر...
استدارت اليكس نحو شقيقتها متحدية:
ــ أجل.. اخبريني عن تيغر. أصدم هو الآخر؟ أشعر بالغضب والخجل؟ أعترف أنه خجلاً حين أخرجني من السجن هذا الصباح. لكنه رجل مهذب جداً لا يظهر عادة سخطه أمام سيدة تعانى من الضيق. قولي لي ما رأيه ساشا؟ هل نجحت في خداعه بشأن ما حدث بالأمس؟ هل استطاعت عمته إقناعه بأنني لا أصلح زوجة لكبير عائلة ببرتاكس؟ هيا.. اخبريني، ما هي الكلمات القاسية التي قيلت عنى أثناء غيابي؟ نونو2005
وقفت ساشا في عجز كامل، ثم راحت شفتها ترتجف، وتقوقعت على نفسها ككرة من الهم، رامية نفسها فوق سرير اليكس تشهق بالبكاء... ولم تكن تمثل هذه المرة.. بل كانت دموعها دموع اليأس، فأمسكتها اليكس وهزتها: نونو2005
ــ ساشا.. ما الأمر؟ أكنت قلقة على؟ أنا آسفة إن أقلقتك. ما قصدت..
ارتفع رأس ساشا، والكراهية بادية على وجهها.
ــ أنت آسفة؟ لست آسفة مثلى.. إننى آسفة لأن سعادتي بين يدي فتاة أنانية قادرة على تحطيم حياتي... آسفة لأنك لست شقيقة تهمها مصلحة شقيقتها. أنت أنانية، عنيدة، لا تهتمين إلا بتنفيذ أهوائك حتى وإن حطمت حياتي! نونو2005
جلست اليكس قربها على السرير... لم تكن ساشا تشكو هذه المرة مما قد يحدث، بل من شيء قد حدث فعلاً:
ــ اخبريني ما الأمر!
شهقت ساشا، واستلقت على ظهرها: نونو2005
ــ حين خرجت من القصر ليلة أمس، فتشت السيدة بروماليس عن الكونت، تطالبه بأن يلحق بك ليعيدك. لكنه، هز كتفيه وقال شيئاً عن قطعة صغيرة أصبحت نمرة، وهو ما لم تفهمه لكنه أرضى بابا، لأنه لم يعترض. ثم لعبنا الورق ساعة أو أكثر لكنه أرضى بابا، لأنه لم يعترض. ثم لعبنا الورق ساعة أو أكثر لم نذكر خلالها اسمك ومع ذلك كان غيابك معلقاً فوق الرؤوس كغيمة سوداء... ثم حين حل منتصف الليل، ما عادت السيدة قادرة على كبت غضبها، وبدأت ترغى وتزيد تطالب تيغر بإلغاء الزواج، قائلة إنك لا تليقين به عروساً وإنك ستلحقين العار باسمه. لكن تيغر لم يرد رغم قلقه بل نحاها جانباً ثم خرج من القصر باحثاً عنك، فجعل تصرفه السيدة تجن وتستدير إلى بابا... وكان الامر فظيعاً يا اليكس! فقد كانت كلماتها مهينة حتى عجز بابا عن تحملها.. وعندما اتهمتك بالانحلال الخلقى، فقد أعصابه وطفقا يتشاجران، وبعد عدة اتهامات مريرة.. دفعت السيدة بأبي إلى الجنون وذلك حين قالت إن والد الكونت سيثور في قبره لفكرة زواج ابنه من فتاة وضيعة.. فصاح بابا بها:
ــ إذا كانت إحدى ابنتي لا تناسب عائلتكم سيدتي، فلن تناسبها الأخرى! وبهذه الحالة، لن يتم زواج ابنك بساشا... وأعلن الآن رسمياً سحب موافقتي! نونو2005
وعادت ساشا إلى البكاء، فتمتمت اليكس:
ــ يا إلهي!
تركتها اليكس تبكى، ثم راحت تذرع الغرفة. يجب القيام بشيء ومع إنها لا تعطف كثيراً على فيتار، الذي تعتبره ضعيفاً مذبذب الشخصية، خاضعاً لأوامر أمه، إلا أنه يمثل لساشا كل ما تصبو إليه في الحياة، لذا ليس أمام اليكس إلا حل واحد وهو المضي قدماً بزواجها من الكونت. إنها الطريقة الوحيدة لانفراج أسارير أبيها المتجهمة، وحتى لا تؤثر العمة على ابن أخيها، وحتى تخمد صوتها عليها أن تتم واجبها تاركة الباقي لله. وإذا كان الكونت ما يزال مصراً على الزواج منها كونها صفقة رابحة، فليحدث البيع إذن!
سعت إليه، تتوقع منه الاستهجان.. لكنه حين التفت إليها وضع على وجهه قناع التهذيب، وقال لها كلاماً فاجأها: نونو2005
ــ أنت لا ترتدين قلادتك.. ستبدو رائعة مع هذا الفستان.
ــ لا أوافقك الرأي، فأنتم تميلون حسب عاداتكم، الى تلوين الزنابق، أما نحن، فنعتبر البساطة أشد تثيرا.
ــ تقصدين أن الجمال لا يحتاج إلى زخرفة.. هه؟ في هذه اللحظات لن أجادلك.
كبحت بقوة أي أثر للسخط أو الألم في صوتها لتقول بكل هدوء:
ــ جئت معتذرة! نونو2005
ــ إن اعتذارك مبرر هذه المرة. فقد عانيت الأمرين من ساعات القلق ليلة الأمس.
التفت دهشة لأن صوته بدا مخنوقاً، ثم قررت أنها مخطئة.. فرفعت رأسها تقاوم الوهن الذي شعرت به:
ــ لقد أخبرتني ساشا عن الشجار الذي جرى وأريد أن أفعل ما بوسعي لإصلاح ذات البين بين والدي وبين السيدة بروماليس.. لكن قبل هذا.. يجب أن أقص عليك تفاصيل ما حدث ليلة أمس. فالشرطة رفضت الإصغاء إلى أقوالي لكننى أعلم أنك ستصغي إلى. نونو2005
واستمع تيغر إليها بصمت وإحدى ذراعيه تستند إلى رف المدفأة.. كانت تتحدث بسرعة دون أن تعطيه فرصة لمقاطعتها. نونو2005
ارتجفت شفتاه مرة حين ذكرت حادثة " القرص " ثم غدا مزاجه ازدراء حين أنهت تفسيرها. ولم تلبث أن طفقت تقول في جمل مفككة تشير إلى استعدادها للتعويض عن الضرر الزى أحدثته أفعالها... وأكملت:
ــ يبدو لي الآن، أن لا بديل آخر عن الزواج... وهذا واجبي الأول تجاه شقيقتي. أما عمتك فأظنها نادمة على ملاحظاتها التى قالتها عن غير تفكير.. لكن بابا لن يهدأ بسهولة.. لذلك إذا استطعت بطريقة ما إقناعه بأنني حقاً أريد الزواج منك، فلن يعترض. فزواجنا سيزيل كل عائق يهدد سعادة ساشا.
رفع تيغر رأسه بحده: نونو2005
ــ اعذري بلادة ذهني، لكن ما اعرفه أنك وعدتني بالزواج.. والتحضيرات جارية على قدم وساق منذ عدة أيام. وها أنت تتحدثين عن توصلك إلى قرار في هذه اللحظات! نونو2005
ــ أعلم أنني وعدتك بالزواج. لكنني ما كنت لألتزم بذلك الوعد. كان الوضع بالنسبة لي دائماً غير منطقي، وغير واقعي، كمدينتكم التي تعيش على أمجادها الغابرة، نساؤها يرفلن في عبودية الرجل، الذي يتصرف على هذا الأساس فهل تلومني على موقفي بعد الحياة التي عشتها في حرية كاملة؟ نونو2005
تحرك بخفة قط، فقصر المسافة بينهما. لم تكن لتظن أن أصابعه قد تحفر فئ لحم كتفيها حتى الألم.. كان غاضباً جداً.. لاحظت هذا وهو يحرك قبضته عن كتفها ليضع يداً على عنقها، ثم يخفض الأخرى إلى خصرها ويشدها نحو صدره... التمعت عيناه بغضب بارد، والتوى فمه بوحشية من ينوى العقاب.
عانقها عناقاً واحداً، عناقاً دام طويلاً، بدأ تحدياً بين شخصين فولاذيين صلبين لم يلبثا أن تحولا إلى معدنين ذائبين، ثم غدا عناقهما لهيباً كاسحاً فبركاناً ينفث حمماً من مشاعر مضطربة. نونو2005
وأحسست فى أحضانه أنه يسمها لمدى الحياة... ليس بشكل بارز كالشامة التي على كتفها، والتي يضغط عليها الآن بيده، لكن بشكل يعرف فيه العالم كله بمجرد النظر إليها، أنها ملك له.
لكنه تركها فجأة حتى ترنحت وتهاوت عليه، رأسها الأصهب واهن وكأنه عود ثقاب مكسور... فسارعت تدعم نفسها بكتفه.. وجاءها صوته وكأنه قادم من بعيد رقيقاً، هادئاً، ليس فيه تأثر يذكر من عناقهما.
ــ لا شيء يصبح حقيقة حتى تختبريه، يا طفلتي.. وأنا آسف لأنني أيقظتك من حلم.. لكنني لن أسمح بأن تتورطى مع رجل تنظرين إليه كظل.. فأنا كائن بشرى مثلك تماماً ونحن سنجد معاً الحب في الزواج.
رددت اليكس الكلمة الكريهة: نونو2005
ــ الحب؟ الحب لن ينتزع أبداً الكراهية التي تعتمل بها نفسي تجاهك.
هز كتفيه:
ــ الحب والكراهية، ميزتان لعاطفة واحدة. لكن ما يهم الآن أنك ودعت أوهامك إلى الأبد. ربما بعد أن انتزعتك من مهد لامبالاتك قد تبدئين بالإحساس. نونو2005
جرى دمها بارداً في عروقها وهى تنظر إلى وجه غريب... إنه نمر لا زئير له حيوان لا عضة له.. لكن كل شرور الغابة كانت حوله. فكيف فشلت في رؤية هذا؟ كيف استطاعت أن تنسى، أن من بين كل مخلوقات الله، هناك مخلوق لا يمكن أن يكون عبداً للسوط.. نونو2005


-7-
العروس الذهبية
أشرقت الشمس يوم زفافهما براقة ذهبية.. عندما خطت خارج القصر متعلقة بذراع أبيها, بدا لها كل شيء يلمع... وكأنما الفنانون رموا ألوانهم فوق الطبيعة أو الجنيات لوحن بأجنحتهن فوق المباني ناثرين عليها الألماس. مسززفيتا
كانت سيارة الكونت الفخمة التي تحمل شعار عائلته على بابها تقف أمام الدرج. وحينما ولجتها, قدم لها أحد الخدم يد المساعدة, ثم رتب لها بسرعة الخمار فوق المقعد المخملي... طالبت السيدة بروماليس بمراسم زفاف تليق بعائلة بيرتاكس... ففي الأيام الغابرة كما أصرت, كانت عرائس اسبارطة حديث كل أوروبا بسبب روعة ثيابهن وعظمة حفلات زفافهن. لذا اهتم بتصفيف شعر اليكس أمهر مصففي الشعر النسائي في المدينة, فبدا شلالا أحمر براقا, كان قد رد إلى الخلف لينسجم مع الإكليل الذهبي الذي ترتديه عائلة بيرتاكس, أما ما تبقى من الشعر فجدل بخيوط ذهبية...كانت كتفاها عاريتين, وثوبها, الذي توارثته العرائس أجيالا إثر أجيال طويلا, مضموم الخصر, من الحرير الثمين المطرز بخيوط ذهبية. مسززفيتا
وانطلقت السيارة نحو الكنيسة مزدانة بشرائط وردية اللون من الساتان والزهور, يتبعها صف طويل من سيارات تنقل الضيوف.. لم تكن الكنيسة بعيدة عن القصر... لكن سيارات المارة أوقفت جانبا, حتى تمر سيارة العريس وسيارات الضيوف. وراحت السيارات المتوقفة جانبا تطلق أبواقها تحية. فأجبرت اليكس نفسها على رد التلويحات الودية والابتسامات المرحة التي يطلقها المصطفون على جوانب الطريق..لكن قلبها أخد يزداد ثقلا مع مرور الدقائق حتى توقفت السيارة أخيرا أمام الكنيسة وخرج الكاهن فورا مبتسما ليستقبلها, فأحست بجسدها يزداد وزنا... وتناهى إلى أنفها مزيج من عبق البخور الشرقي وأريج الزهور, لكنها رائحة علقت في حلقها مما جعلها تسعل. مسززفيتا
كانت خلال الأسابيع الماضية التي انصرمت قد أصبحت بليدة الحس, خاملة كل الخمول, مشلولة الإرادة... وكأنما الضغط المشترك من تيغر وفيتار ووالدته, وساشا ووالدها حطم لها روحها المعنوية, وحول القطة الشرسة إلى حمل وديع. مسززفيتا
حين دس الكونت خاتما ثقيلا في أصبعها شهقت وسحبت يدها دون عمد... لكن تيغر كان مستعدا لمثل ردة الفعل هذه, فأمسك بمعصمها وتابع الخاتم دس فى مكانه. ثم انتهى الأمر وأصبحت والكونت رجلا وزوجته...
بدأ أولاد الكورس يغنون على أنغام الأرغن وراح الضيوف يضحكون ويتحدثون. أما الكاهن فابتسم سعيدا فخورا بعد أن حكم عليها بالسجن المؤبد. مسززفيتا
أحنى تيغر رأسه, وقبل أن تستطيع الحراك قبل عروسه وتمتم:
ــ فليدم زواجنا إلى الأبد حبيبتي!
لكنها قالت بطريقة لا تليق بعروس:
ــ ليس إذا كان بإمكاني أن أفسد الأمر! مسززفيتا
ارتفع حاجباه, أولا ثم لم يلبث أن سار معها في ممر الكنيسة مبتعدا بها عن المذبح, باتجاه السيارة المزدانة التي يرتسم على أبوبها شعار العائلة وعلى مقدمتها تمثال نمر ذهبي يلمع تحت أشعة الشمس.
كان فى القصر الاحتفال الكبير وكأنه احتفال بنصر حربي سيدته ومصممته السيدة بروماليس التي كانت في أحلى حالاتها, وكيف لا وسيكون بين يديها ما يكفيها من مال لاستعادة أمجاد الأمس...
تقدمت منها ساشا وهما يقفان لاستقبال الضيوف عند باب القصر. مسززفيتا
ــ هل أحضر لك شيئا اليكس؟ أنت جائعة من دون شك فلم تتناولى الفطور, ولم تتناولى عشاء أيضا ليلة أمس.
كانت قلقة مهتمة بأختها الصغرى التي أصبحت تعتبرها الآن حليفا لا عائقا. فسارع تيغر يرد عن اليكس التي لوحت يدها رافضة: مسززفيتا
ــ أجل... أرجوك ساشا.. احضري لها شيئا... فنحن مضطران للبقاء هنا فترة طويلة...
لكن أليكس أصرت ببرود:
ــ لا تزعجى نفسك... فقد فاضت نفسي مما دخل إليها من شياطين في يوم واحد.
لم يكن هناك مجال للخطأ فيما تقصد, فشهقت ساشا: مسززفيتا
ــ كيف تلمحين إلى ان تيغر شيطان... إنه سيد مهذب!
نظرت إليها اليكس نظرة متحجرة:
ــ حسب وصف الكتب, يظهر الشيطان في كثير من الأوقات في ثياب رجل مهذب!
ارتفعت كتفا ساشا بيأس, ترمق تيغر بنظرة إشفاق. وقالت له متوسلة:
ــ كيف ستتمكن من تطبيعها تيغر..؟ لقد أوصلتني وبابا إلى حافة الجنون, فما الذي تستطيع القيام به ما استطعنا القيام به نحن؟ مسززفيتا
ــ ربما لسان رقيق عذب.
كان رده الرزين يحمل نوعا من الصد لم يعجب ساشا, فالكونت قد يكون قاطعا باردا متى شاء... أحست للحظات بالإشفاق على اليكس, التي طالما كانت تقول إن أسلافه من النمور لم يكونوا سوى قطط لا أنياب لهم. وهزت رأسها عاجزة فطباعهما أكثر تعقيدا مما قد يستطيع فكرها تصوره. وما هى إلا لحظات حتى ارتدت باحثة عن فيتار... ما أسعدها أن طباعه تختلف كثيرا عن طباع ابن خالته. الرجل الذي يجعلها ترتجف, الرجل الذي تراه غير قادر على التمتع بنصر دون معركة. مسززفيتا
بعد الانتهاء من استقبال الضيوف, رفع تيغر يدها إلى فمه يقبلها.
ــ لقد تصرفت بشكل رائع اليوم عزيزتي... في الواقع , خلال الأسبوع المنصرم بدوت طيعة. فهل اعتدت أخيرا على فكرة الزواج بى؟ إنه لمن الرائع أن يبدأ شهر العسل بتناغم لا بنفور.
تجمع كل إحباطها وخيبة أملها في النظرة التي رمقته بها. مسززفيتا
ــ إذا كنت تظن هذا.. فأنا إذن ممثلة بارعة أكثر مما توقعت. إن أسعدك تصرفي فقد أسعد بابا أيضا, وهذا هو هدفي الأساسي. لكن بما أننا متزوجان الآن, ولن يتمكن من التراجع عن زواج ساشا وفيتار فسأعود إلى طبيعتي بإضافة قسم آخر إلى القسم الذي تفوهت به. لك وعدى سيدي, من الآن وصاعدا أن تندم على قبولك بى زوجة! مسززفيتا
لكن الكونت هز كتفيه بهدوء, وقدم لها ذراعه بأدب قائلا:
ــ ضيوفنا بالانتظار, لذا أرجو أن تكملي تمثيلك ساعتين أخريين مظهرة نفسك بمظهر العروس السعيدة.
رغم صعوبة الأمر إلا أنها نجحت في أن تفعل ما طلبه منها,فاختلطت بحرية مع الضيوف, تضحك, تتحدث, بطريقة لا شائبة فيها, تتعرف إلى الأقارب وإلى المعارف مبتسمة, لكنها وهى بينهم توقعت رؤية جانيت, الفتاة التي عذبها اسمها منذ سمعته من فيتار وهو يمازح الكونت قبل أن تعرفه. لكن التعارف هذا لم يتم.
قال أحد أعمام تيغاروس له: مسززفيتا
ــ ما هذا الملاك الذي أحضرته إلى العائلة يا تيغر؟
ــ لكنها ملاك ذو طباع حادة يا عمى...
فضحك العم: مسززفيتا
ــ طالما فضلت الطباع الحادة على الخنوع.. فأنا أنظر إلى الخنوع كنقيصة, بينما أعتبر الطباع الحادة فضيلة صادقة.
فقالت اليكس بدلال:
ــ هلا عذرتني يا عم؟ مسززفيتا
وأمسكت بذراع تيغر بطريقة متملكة, وقرصته سرا..فابيضت شفتاه غيظا لكنه لم يتحرك بل غطى بيده أصابعها التي تقرصه, ثم ضغط عليها حتى كاد يسحقها, فما كان منها إلا أن تركت لحم ذراعه من بين أصابعها, وبعد ذلك عادا يتبادلان الحديث المهذب مع عمه. مسززفيتا
استمر تألقهما طوال السهرة حتى أشار إلى ساشا ليكلمها همسا:
ــ واجبنا انتهى.. بإمكاننا الانسحاب دون إغضاب أحد.. فسيبقى معظم الضيوف ساعات أخرى, وأعتقد أنك ووالدك وفيتار وأمه قادرين على التعامل معهم..ربما ترافقين اليكس إلى فوق لتساعديها على الاستعداد لرحلة شهر العسل. أظنها متعبة.
لم تجادل للمرة الأولى اليكس وكانت حكيمة بذلك لأنها تحس فعلا بالتعب, والاكتئاب, والحيرة, فى آن.
وتسارع الدم حارا في عروقها وهى تفكر في العزلة التي ستقضيها مع الرجل الذي تزوجته للتوها. سيقضيان شهر عسلهما في فيلا على شاطئ جزيرة تستخدمها العائلة خلال الصيف.. نعم لقد ارتعبت عندما سمعت اقتراح تيغر, لكن أخفت رعبها واعتراضها لأن أباها كان موجودا حينها, وما قبلت بخطته إلا لتخمد غضب نيقولاس كورديس " أبيها". مسززفيتا
اجتمع الضيوف في الباحة وأمام المدخل ليلوحوا للعروسين..كان الوقت ما يزال با كرا فى المساء.. حالما وجه تيغر السيارة إلى قرية الصيادين حيث ينتظرهما المركب الذي سيحملهما إلى الجزيرة, جلست اليكس في مقعدها, ترتجف من البرد على الرغم أشعة الشمس التي ترسل أشعتها فوق الرؤوس. وكان البحر وشاحا فضيا , والزبد وراءهما ماسيا. مسززفيتا
سرعان ما دخلا جون الجزيرة , الشبيه ببحيرة, فراح المركب يسرع إلى شاطئ واسع مكتظ بالفنادق والمحلات والنوادي الليلية. فتعجبت اليكس لأن رجلا مثله يقدس العزلة يختار مكانا كهذا.
لكن المركب تجاوز طول الشاطئ المكتظ بالمظلات الكبيرة الواقية من أشعة الشمس, وبالأطفال الصاخبين والكلاب النابحة, ولم يخفف من سرعته إلا حينما وصل إلى شاطئ هادئ ممتد بالشجيرات الشائكة والنباتات المتسلقة, المدعومة بجذوع الشجر... هنا, كانت دلائل السكن قليلة, لذلك لم تدهش اليكس حين وجه المركب إلى ممر ضيق متعرج, يحيط به العشب النامي, وكأنهما مستكشفان يفتحان طريقا لهما عبر نهر غير معروف في قارة مظلمة مجهولة. مسززفيتا
ساعدها على الخروج من المركب دون أن يعلق بكلمة واحدة ثم ترك يدها في يده, وسار معها على ممر متصاعد, تحف به حديقة خضراء, في وسطها فيلا تغطيها نباتات بيضاء, مزروعة ببراعة لتتسلق حتى تعطى أقصى ما يمكن من امتصاص لحرارة الصيف. كان يعلو المبنى الضخم سقف مزدوج متشابك, ممتد من الأعلى نحو الأسفل وكأنه شراع أعد لالتقاط الريح, تدعمه عواميد رفيعة مرتفعة, أضفت على المنزل مظهر التوازن الدقيق, المرتكز ما بين البحر والريح. مسززفيتا
تقدما حتى ارتقيا درجا يقع في نهاية الممر المرتفع إلى الأعلى, ثم دخلا ردهة باردة سقفها قرميدي. وقال لها تيغر شارحا:
ــ هذا الدرج يصل بين مدخلي المنزل. أحدهما من الأمام والآخر هو الذي استخدمناه لتونا, من الخلف. وهو يقسم المنزل إلى قسمين... غرفتك هي التي تحت السقف القرميدى. والغرفة الصغرى التي تحتها غرفتي.
أطلق الارتياح عقدة لسانها:
ــ هذه السقوف العريضة الممتدة مميزة جدا. إنها كجناحي نسر يحمى عشه.
ضحك على وصفها, وبدا عليه السرور: مسززفيتا
ــ لم تصمم على هذا النحو هباء, بل صنعت بذكاء حتى تجمع مياه المطر في الحوض ولتظلل المنزل في قيظ الصيف. مسززفيتا
وبما أنه من الداخل خال من الجدران. فالهواء يدور بسهولة. وكما ترين, الجدران متروكة دون اتصال بالسقف لإفساح المجال للمزيد من البرودة. أما الدفء فغير مطلوب هنا, لأنه أساسا منزل صيفي. تعالى سأريك غرفة نومك. وأقترح عليك الراحة ساعة أو ساعتين. تبدين متعبة عزيزتي... ويسعدني أن تستريحى حتى تتمتعى بالعشاء, لقد خططت لعشاء مميز احتفالا بليلتنا الأولى.
كانت الغرفة التي أدخلها إليها مثالا للبساطة اليونانية الشهيرة, فيها أريكة عصرية تشبه" الديوان", وكرسيان. وفى وسط الغرفة نتوء صممت على أن تكون طاولة زينة يتوسط هذه الطاولة مرآة, ورفا زجاجي لوضع أدوات الزينة عليه. مسززفيتا
ــ حسنا.. ما رأيك؟
كان ردها نفسا عميقا.. فالفيلا المعزولة مناظر ساحرة إذ تحيط بها زرقة البحر, والسماء الخالية من الغيوم. وتمتد تحتها سفوح خضراء تترامى إلى شاطئ معزول تنتثر فوقه الأصداف وتقبل أقدامه الأمواج, بانتظارهما وحدهما. إنه عش حب مثالي , وكر نسر لا يقهر, جنة للعشاق, خاصة لمن هم فى شهر عسل يحتاجون إلى الموقع الجميل, والحرية من الإزعاج الإنساني, والوقت الكافي لاستكشاف ما في أفكار الشريك, الأمر الذي, قد يؤدى إلى اكتشاف ما في الشريك الآخر من تعقيدات طبيعية ربما لم يشاهدها فيه من قبل. مسززفيتا
ارتجفت من أفكارها, فقطب تيغر جبينه لهذا وكان صوته الحاد القاطع دليلا على أن لصبره حدودا.
ــ سأتركك حتى تستريحى. ربما فيما بعد, حين تسترحين تشعرين بميل إلى إبداء إعجابك... أو عدمه!
حين صفق الباب وراءه , بدأت أليا تفك أزرار فستانها. لقد بدا منزعجا خائب الأمل لأنها لم تفه بكلمة تقدير أو إعجاب بالفيلا السابحة تحت أشعة والمتوقع أن تبدى إعجابها بها... لكنها متعبة أكثر من أن تستطيع الإعجاب بأي شيء, ولقد قاومت إظهار إعجابها لئلا يعتبر زوجها كلامه دليلا على الليونة أو التشجيع.
جرت خطواتها المتثاقلة في الغرفة, وغرقت فوق السرير. يجب أن تنام إذا كانت تريد تحضير روحها المتعبة وجسدها المتوتر وذهنها المتبلد للأيام المفزعة القادمة ولليالي التي تلوح لها قاتمة. مسززفيتا


-8-
تنفيذ الوعد
ــ هل استيقظت عزيزتي؟
قاومت اليكس نعاسها ثم هبت من نوم كانت تحلم فيه بأن طائراً مفترساً كبيراً يحوم فوق سريرها. فحدقت دون وعى فى الشكل الضبابي أمامها، تدفع عن نفسها الذعر المتصاعد، لكن خوفها لم يخف حين برز أمامها وجه تيغر بوضوح، رأسه الأسود تحيط به هالة حادة من كرة الشمس الضخمة التي تنزلق ببطء وراء النافذة.
ــ تنامين كالطفلة! نونو2005
فى صوته تسامح وتدليل، وكأنه صادر عن أب.. لكن نظرته على بشرة كتفها العاجية لم تكن هكذا. مما جعلها تدرك فجأة أنها لا ترتدي سوى الثياب الداخلية... فأحمر وجهها.
ــ وتحمرين خجلاً كطفلة كذلك.. طفلة متقلبة، متحررة ومتزمتة في آن.
ــ لست متزمتة! نونو2005
وجلست بحده لتبرهن كلامها... أنزلت ساقيها النحيلتين عن السرير، ثم وقفت تبحث عما يحميها من نظراته ولو كان رقيقاً.
مد يده مبتسماً إلى مبذل مشمشي اللون كان على أسفل الفراش. ثم قال وهو يرفع حاجبيه:
ــ أهذا ما تفتشين عنه؟ لا أرى ضرورة له.. فالطقس ما يزال دافئاً.
كانت حرارة الغرفة لا تطاق ورغم ذلك انتزعت الروب من يده وكأنها ترتجف من برد الشتاء، فلفته حولها، ثم سألت: نونو2005
ــ كيف دخلت إلى هنا؟ وماذا تفعل في غرفتي؟ كان عليك من قبيل اللياقة والأدب أن تدق الباب.
جلس على طرف سريرها، ينظر ببرود إلى محاولاتها المتعثرة لإقفال أزرار ياقة المبذل.
ــ دعينى أساعدك. نونو2005
أجفلتها حركته السريعة، فقد تخلى عن استلقائه على مرفقه وقفز برشاقة حتى أصبح الى جانبها دون جهد... فارتدت مرتبكة لكنها وجدت صعوبة في أن تقول له، بشيء من السلطة، أي شيء خاصة بعد أن راحت أصابعه تعبث بالأزرار... لكنها تمكنت من القول بعد أن انتهى:
ــ أتسمح بالذهاب الآن.. إياك أن تدخل غرفتي مرة أخرى، دون إذن منى!
لكنه رد عليها بسخرية أغضبتها:
ــ إذا منعتني من الوصول إلى غرفتك، فكيف سأقوم بواجباتي؟.. إذا كنت ترغبين في خدمات " الصاحب " فعليك أن تتحملى وجودي. إنني الآن أحضر لك الحمام، وسأساعدك على تسريح شعرك... انظري بنفسك...
وفتح باب الخزانة وراءه، فبان صف من الفساتين المرتبة ترتيباً دقيقاً.. وتابع: نونو2005
ــ.. لقد أخرجت لك الثياب من الحقائب! والآن سأحضر لك الحمام. وفى الوقت الذي ستقضينه في الحمام، أكون قد وضعت اللمسات الأخيرة على العشاء الذي حضرته أثناء نومك. تعالى الآن يا صغيرتي.
أمسكت أصابعه السمراء بوجهها: نونو2005
ــ يجب أن تعترفى بأنني أفي بالالتزامات التي تخصني من الاتفاق.. وحرماني من دخول غرفتك سيدل على أنك مترددة في الإيفاء بوعدك، وقد يشجعني ترددك هذا على الاعتقاد بأن دور الزوج المتوحش يروقك أكثر!
وجدت أنه يتمتع بالمزاح على حسابها.. ما من كلمة قالها إلا وفيها رنة السخرية. إنه يستجيب لخدعتها، يتحداها أن تختار ما بين شرين متوازيين.. إما أن تختار أن يكون ظله في أعقابها دائماً.. أو توافق على قبوله زوجاً بكل ما للكلمة من معنى حميم.. لكنها لم ترد بسرعة، بل نظرت إليه بازدراء، ثم قالت: نونو2005
ــ حسن جداً.. قم بواجباتك. أريد أن يكون الحمام جاهزاً بعد خمس دقائق!
ــ فلتكن إرادتك يا كونتيسى الجميلة!
ورفع قبضة يدها المشدودة إلى شفتيه وقبلها، فانتزعتها منه:
ــ توقف عن هذا!
لكنها غضبت من نفسها لأنها أظهرت هذا التوتر... وقال لها:
ــ سأخرج لك الثوب الأسود... ارتديه أرجوك.. فهو رائع عليك.
صرت على أسنانها، إذ كانت قد وضعت الثوب في مكان قصى في الخزانة. وطلبت من الخادمة ألا تخرجه من مكانه. لكن شخصاً قد خالف أمرها هذا... وليس ذلك الشخص إلا هذا الذي تنظر إلى عينيه الذهبيتين الشبيهتين بعيني شيطان. نونو2005
ــ سأفعل.. لكنني لا أجد أهمية لما أرتديه مادام لن يكون هناك سوانا على العشاء.
بدأت تفهم الآن بوضوح كيف سينفذ الأسلوب الذكي يومياً.. الهجوم والدفاع، الحكم البارع، الفن الذي سيحوله إلى إفراط في التأنق.. يجب أن تبقى متيقظة مترقبة كل تحركاته ويجب أن تكون مستعدة لصد كل هجوم يقوم به وذلك بالحركة المعاكسة المناسبة. نونو2005
نزلت إلى الطابق الأرضي هادئة باردة، أعصابها على استعداد للتيقظ عند أول لمحة خطر... التقاها تيغر في الردهة فرافقها إلى غرفة الطعام... رنت أجراس الخطر في ذهنها حين واجهها جو ذكرها بجو " حريم السلطان ". اقتادها إلى طاولة رائعة المنظر، فوقها أدوات طعام فضية، مدموغة جميعها بشعار عائلة بيرتاكس. كانت نظرة النمر الذهبية اللامعة، تبدو وكأنها تلحق بها أينما ذهبت.. وكانت الموسيقى الخفيفة، المغرية، الرومانسية تتهادى في الجو حتى لا تكاد تلتقطها الآذان. أما وجه رفيقها الحذر فيبدو متناقضاً مع سترته البيضاء... كون كل هذا مجتمعاً، نوعاً من الهجوم على أعصابها، وأنتج عنه تحذيراً مذعوراً ترجمه دماغها بكلمة واحدة: احذري! نونو2005
صب لها كأس عصير بارد، ونظر إلى وجهها وهى تتقبله.. فارتشفت القليل منه ثم قالت لتحطم الجو الحميم الذي أحدق بها: نونو2005
ــ أليس المكان مظلماً هنا؟ أريد رؤية ما أتناول من طعام. ألا تضئ الأنوار، أرجوك؟
ضاقت عيناه وهو يزن طلبها.. أهو نابع من التوتر أم من الضرورة. واغتبطت سراً حين أذعن على مضض فقد أضاء مصباحاً صغيراً قابعاً فوق طاولة صغيرة في زاوية الغرفة. نونو2005
تركها بسلام تتناول طعامها بهدوء وتتمتع بالعصير. وحين رفع الإبريق ليصب لها ثانية قالت معتذرة:
ــ شكراً لك، لا أريد المزيد.
ــ ألم يعجبك العصير؟ نونو2005
ــ بلى.. لكنني شبعت. شكراً لك.
ــ هراء.. فالطعام اللذيذ يحبه من في الجنة أو في النار على السواء.
رفعت رأسها لتكشف عن عنق رائع:
ــ وفى أي جهة تراني أنا؟ نونو2005
راحت عيناه تمعنان النظر في استدارة كتفيها، ثم انتقلتا للاستكشاف كما حدث حين رآها للمرة الأولى ترتدي الفستان الأسود. تمتم، وعيناه مستقرتان على صدرها:
ــ من يعلم بالضبط أين تسكن الملائكة؟ نونو2005
وسرعان ما شعرت بأعصابها تضطرب، فمدت يدها وتناولت شرابها ثانية، لكن يدها أخطأت الهدف، فقلبت الكأس التي انساب ما فيها على الطاولة ومنها إلى حضن تيغر. فقفز ليتجنب البلل وأسرعت اليكس تمسك الفوطة وتتمتم معتذرة ثم راحت تجفف العصير عن سترته.
ــ يا لي من خرقاء..! أنا آسفة جداً. هذا طيش لا يغتفر... نونو2005
أطبقت يداه على كتفيها لتوقفاها فإذا بعينيها المضطربتين تحملقان في وجهه الذي ما عاد ساخراً، وفى عينيه اللتين اشتعلتا بنار ذهبية وفى فمه المتجهم المتشدد.
ــ اليكس! اليكس.. أحبك!
وجذبها إليه حتى استند رأسها إلى قلبه... وقبل أن تتمكن من التراجع كانت ذراعاه تشتدان حولها تشعرانها بلهيب اجتاح ظهرها المكشوف. أحنى رأسه إليها ببطء فاستجابت هي له بقوة، تلبى نداءه وتتفاعل وتذوب في عناقه. إنها ليست من البشر إن لم تتأثر بسحر الشموع، وبرائحة الورود الشذية وبالموسيقى الرومانسية التي أشعلت في نفسها أحاسيس جديدة عليها، تركتها مكشوفة أمام أنواع الخطر، خاصة أمام تقدمات زوجها الوحشي الجاذبية. نونو2005
رفعت من جديد جسدها إليه، حالمة ضائعة. لتعقد ذراعيها حول عنقه، مستجيبة إلى نيران الرغبة الملحة في نفسها، فكان أن زادت هذه الحركة من اشتعال جوعه..
لم تحتج حين حملها ليرتقى بها الدرج وصولاً إلى غرفتها.. ثم لما وصل وضعها فوق السرير بلطف ووقار متمتماً بكلمات تحببية حارة وهو يفك لها سحاب الفستان.
كانت الدقة التي أتم بها خلع فستانها، لها ردة فعل باردة على أعصابها. فبدأت المقاومة:
ــ لا! نونو2005
وارتدت إلى جنبها في محاولة للتحرر من ذراعيه.. عندها أحست بانطباع لهيب شفتيه على كتفها حيث الشامة السوداء الشيطانية.. وتمتم:
ــ كم تقت إلى تقبيلها حبيبتي! كيف تشعرين ووسم الشيطان على كتفك؟
ــ أشعر بالخزي التام!
وتمكنت تحت عامل الذهول من التحرر من قبضته. أعطته ظهرها ثم أسرعت تمد يدها إلى روبها وهى ترميه بالاتهامات غاضبة، ثم أردفت قائلة: نونو2005
ــ يقع بعض اللوم على.. لست أفهم كيف سمحت لهذا أن يحدث.. إنك دون شك تعتقدني بسيطة، ساذجة، حمقاء، رأسها يدور لأتفه غزل، على يد من ينوى الإغواء!.. أنت تتلاعب بيديك جيداً يا سيد.. وقد استخدمت براعتك كلها حتى اكتشفت أين مكمن ضعفي، لكننى لحسن الحظ استعدت عقلي في الوقت المناسب لأفسد ألاعيبك! نونو2005
استدارت لتبحث عنه في الغرفة المظلمة فوجدته يقف أمام النافذة بصمت وتوتر وهدوء ثائر، فعصفت بكلامها الغاضب:
ــ أرجو منك أن تتذكر مستقبلاً.. أنني أنا من يحمل الأوراق الرابحة كلها. لقد دفع لك بابا المال لتتزوجني.. ولن أسمح لك بأن تنسى هذا.
تقدم نحوها بوجه متجهم صارم.. فارتدت إلى الوراء، حتى وصلت إلى الزاوية وأحست بالجدارين وراءها وهو أمامها. حين مد يده ليلمسها، دفعت يده عنها، مع ذلك تمكن من الإمساك بكتفيها برقة: نونو2005
ــ لا تقولي شيئاً الآن اليكسندرا... ليس وأنت غاضبة. أستطيع فهم شعورك، أنت مصدومة، حائرة، خجلي قليلاً، لكن لا سبب لكل هذا يا طفلتي.. فمنذ لحظات أظهرت قدرة هائلة على الحب والعطاء.. هذا إذا سمحت لنفسك. إن كل ما تحتاجين إليه هو الوقت، وما على أنا إلا أن أظهر المزيد من الصبر.. نامي الآن اليكس.. وفكري في ما قلته لك. نونو2005
أحست بأنها توشك أن تبكى. كانت الدموع تقفز إلى عينيها فتؤلمها ثم جاء الغضب لنجدتها:
ــ حقاً سيدي.. أنت تتكلم وكأنك تحدث طفلة! أنا لست غريبة على العواطف، لذا لا أصدم بسرعة. أنت قديم الطراز تثير الشفقة. النساء في هذه الأيام ما عدن جاهلات العواطف.
مرت أصابعه بلطف على كتفيها، وفاجأها بالسؤال:
ــ لماذا ترتجفين..؟ أتحسين بالبرد؟
ــ لا!
ــ إذن... أنت خائفة منى؟ نونو2005
ــ بالطبع لا!
ــ لماذا ترتجفين إذن؟
انتزعت نفسها من قبضته.
ــ إذا كنت ارتجفت يا سيد، فليس من الخوف.. ما رأيك لو قلت لك إنك إن نجحت في اغوائى، فلن تكون أول رجل؟
ارتد خطوة إلى الوراء لينظر إليها بهدوء: نونو2005
ــ إذا كان هذا سؤالاً افتراضياً، فالرد عليه سيكون غير ضروري.. لكن إذا كان مبنياً على واقع...
ــ أجل.. إنه مبنى على واقع.. فماذا بعد؟
مد يده ليمسك بخناقها بأصابع رقيقة قبل أن يقول بطريقة مرحة:
ــ من الجائز أن أخنقك! نونو2005

9--
يأكل من يديها
مر علي وجودهما في الفيلا ثلاث أيام، لم يحدث فيها أن ذكر تيغر ما يشير إلى الليلة الأولي وكان قد عاد يعاملها معاملة الأب المتسامح. احترم وغبتها في أن تكون وحدها وما اعترض البتة حين كانت تختفي بسرعة بعد الفطور مباشرة قاصدة الممر الموصل إلي الشاطئ، حيث كانت فيه تستكشف المغاور الصغيرة، وتفتش عن الأصداف النادرة أو تجلس ساعات، ترمس قدميها في مياه البحر الدافئة. حسناء
لكنها أحست أخيرا بالإرهاق، وبدأت العزلة تؤثر فيها. لذلك فاجأته اليوم ببقائها مدة أطول علي مائدة الفطور حتى سألها باستغراب:
- وكأنك حائرة... ألم تخططي لشيء اليوم؟
- ليس في الواقع... سأنزل إلى الشاطئ فيما بعد. حسناء
- لماذا لا تنضمين إلى للسباحة في البركة... وبعد الغذاء قد نخرج إلى نزهة؟
ارتجفت اضطرابا، الدعوة العفوية التي أطلقها لم تكن تحمل إلحاحا وكأنه لن يكترث إن قبلت أم رفضت. لذلك كان قبولها الدعوة عفويا:
- سأفعل... أعتقد. حسناء
بعد وصولها إلى الفيلا بيوم، جاءت خادمة من القرية المجاورة لتقوم علي خدمتهما يوميا، دون أن تبقي ليلا، ظهرت في تلك اللحظة تحمل صينية عليها إبريق كبير من عصير البرتقال البارد، وطبق من البسكويت باللوز. فابتسمت اليكس بسعادة:
- شكرا لك ماريكا، اتركي الصينية علي الطاولة، سأصب الشراب عندما يكون السيد جاهزا.
ردت ماريكا الابتسامة، وانحنت تأدبا... لكن أساريرها، بعد أن ابتعدت، اكتست التعجب... فزوجة السيد شابة جميلة، وهي منذ ثلاثة أيام تنام وحدها في غرفة منفصلة وهي إلى ذلك منذ ثلاثة أيام أيضا تتجول وحدها تاركة زوجها في الفيلا... فكيف يعمر الأمريكيون بلادهم بالأولاد إذن؟ لم يصدقها زوجها حين أخبرته وقد قال لها دهشا:" لا... لا الكونت رجل نشيط، لن يقبل بحياة العزوبية خاصة في شهر عسله...!
تهللت أسارير ماريكا... إنهما اليوم مازالا معا، ولما يفترقا... لربما الليلة إذن...!
تمددت اليكس علي مقعد النوم الطويل عند حافة بركة السباحة تراقب نيغر يشق طريقه عبر المياه الزبرجدية اللون، اجتاز البركة حتى الآن بضربات ما يزيد عن عشر مرات، وما تزال حركاته قوية وكأنه قادر علي الاستمرار هكذا أجيالا. حسناء
خرج تيغر من الماء ووقف متمايلا علي حافة البركة، يحرك عضلاته، بينما الشمس تجفف الماء عن بشرته البنية التي جعلتها أشعة الشمس بلون الجوز، فأشاحت بوجهها عن جسده المفتول، تتساءل كيف أساءت الحكم عليه يوما فحسبته قطا لا أنياب له. فلهذا النمر الذي لا زئير له، أنياب... أنياب عضت بكل لطف لحمها وبعثت فيه نشوة الألم. جري الدم حارا في وجنتيها وهي تتذكر ما حدث، فمدت يدها علي إبريق عصير البرتقال على أمل أن يمر احمرار بشرتها دون ملاحظة... لكن لا شيء مما تفعله قد يغيب عن عينيه الثاقبتين.
رمي بنفسه فوق الكرسي الطويل المجاور لها: حسناء
- يبدو وكأنك تشعرين بالحر. ربما عليك السعي إلى الظل. فبشرتك البيضاء لما تعتد علي حرارة شمسنا.
أحست ورغم مضي ثلاثة أيام علي ما حدث، بكلماته توتر أعصابها... لكنها أحست أكثر بكراهية لضعفها... وبدا التوتر واضحا في صوتها وهي تسأل:
" حتما يجب أن نبقي هنا؟"
" وهل مللت الفيلا؟ ربما هي غلطتي لأنني أهملت تسليتك. فأنا من أنصار الوحدة، لكن يجب ألا أنسي أن الآخرين قد لا يشاركونني رأيي. وبما أننا سنبقي هنا أسبوعين آخرين فيجب أن أصحح خطئي.
شهقت اليكس واتسعت عيناها برعب:
- أسبوعين! لماذا لا نعود قبل هذا الوقت؟ حسناء
- لأن الأعمال الآن تجري لتدعيم أساس القصر، وهذا عمل يشمل بعض التفجيرات كي يتمكن العاملون من دفع الأسمنت إلى الأساس القديم.
ردت بلؤم:
- لم تهدر وقتك فقد استفدت من " دوطتي "! أخفت أن يغير بابا رأيه؟
رد عليه بلطف:
- أبدا... بكل بساطة هذا النوع من الأعمال لا يتم إلا في أوقات محددة من السنة وقد صودف أن هذا الوقت هو الأنسب. حسناء
اندفعت لسبب مجهول إلى تكديره وتغيير تعبيرات وجهه الهادئة المستحقة لعنة:
- إن المسألة لا تتعدي الإسراف في إنفاق المال. فتقارير الخبراء، يفيد أن أساس القصور القديمة لا ينفع معها الترميم.
هز رأسه بحزن:
- اجل... هناك أماكن كثيرة في المدينة القديمة، كانت يوما فوق مستوي الأرض ثم أصبحت تحتها... هناك في أنحاء المدينة كلها دلائل تشير إلى تدعيم، وتصليحها يقتضي تكاليف باهظة. لكن هناك من يعمل في الوقت الحاضر علي إصلاح ما يستطيع ضمن أملاكه وأملاك غيره.
قفزت واقفة، فبان جسدها فتانا في المايوه الذي التصق بجسدها. قالت له فجأة:
- لقد أكتفيت من الشمس. سأدخل. حسناء
فهز رأسه موافقا، وراقبها عابسا، وهي تختفي عن ناظريه.
راحت في غرفتها تدور وتدور متسائلة عن هذا القلق الذي يسيطر عليها... أخيرا جلست تنتظر، بصمت متمنية مجئ تيغر، وحين قرع الباب قفزت لتفتحه، ثم انتظرت بصبر فارغ ليتكلم... فتردد قليلا وهو يراها أمامه، وابتسم: حسناء
- فتاة طيبة! إذا كنت جاهزة، نستطيع الانطلاق.
خطت إلى الأمام متشوقة:
- إلى أين؟ وكيف سنصل إلى هناك؟ حسناء
- بالسيارة طبعا. ألم أقل لك قبلا إن الفيلا ليست ببعيدة عن الطريق العام، وإننا نحتفظ هناك بكراج نضع فيه سيارة بشكل دائم؟ حسناء
- سيارة؟ في هذه الحالة نستطيع الذهاب إلى أبعد...
إلى الكازينو؟...
- كيف عرفت أنني أرغب في الذهاب إلى هناك؟
- عزيزتي اليكس... انك كالطفل الذي يترقب بشوق قضاء يوم علي شاطئ البحر. ولولا ارتداؤك أبهي حلة لزودتك بدلو ومجرفة للرمل! حسناء
كان الطريق إلى المنتجع البحري مثيرا ومنشطا. وكانت سيارته القوية الرياضية، تهدر طوال الطريق، تأكل المسافة أكلا... راحت اليكس. التي بدأت مؤخرا في التفكير بما يملكه الكونت من فيلا فخمة وسيارة باهظة الثمن كهذه تتساءل من أين له هذا؟ حسناء
- تيغر... لماذا لا تتخذ لك وظيفة؟
وكاد يخرج بالسيارة عن الطريق، لكنه أجابها بنعومة:
- كنت أعتقد أن لدي وظيفة!
- أنت تسئ فهمي معمدا! أعرف أنك تعتبر نفسك مشغولا بمصالح العائلة... لكنني أتحدث عن وظيفة أعني وظيفة لها راتب! حسناء
- أليس لكل وظيفة راتب بطريقة أو أخري؟
ران عليها صمت الحيرة... فمع أنه فقير إلا أنه يحافظ علي مستوي رفيع... فيلا وسيارات في القصر، وسيارة هنا، وأثريات لا تثمن داخل القصر، وخدم. إن هذا كله يدل علي انه ليس معدما. ربما هو الآن يستفيد من ترميم القصر من دوطتها لكن كيف يؤمن المال لدفع ما تبقي من مصاريف؟
أوقف السيارة في مواجهة البحر وقال لها بلهجة متسامحة وكأنه أب يتحضر لمكافأة طفلته:
- اليوم كله لك... افعلي ما شئت. حسناء
فقالت له متوسلة:
- فلنتمش.
أسر ناظريها منظر شوارع مزدانة بالزهور وبالنباتات، فتمنت لو يأتيان إلى هنا ليلا لتري تأثير المصابيح المعلقة في حلقات وسلاسل عليها، تنشقت الهواء العليل بعمق وقدماها تنتقلان بسرعة حتى تتبع خطوات تيغر السريعة فقد كان يسير ورأسه محني إلى الأمام، ويداه في جيبه دون أن يتأمل جمال ما يحيط بهما. وشهقت قائلة:
-هل تخفف سرعتك بعض الشيء؟ حسناء
توقف فجأة فاصطدمت به، وكادت تقع لولا سرعته في الإمساك بذراعها. وقال لها مقطبا:
- يا لقلة تفكيري... لم أكن أدرك...
ولمح طاولة فارغة في مقهى رصيف مجاور: حسناء
- اجلسي هنا بينما أطلب بعض المرطبات... فالطقس حار... وقد كنت غبيا عجلت في السير في هذه الحرارة! لماذا لا تضعين قبعة علي رأسك؟
- ما اعتقدتها ضرورية. إذ كان الطقس باردا في الفيلا.
- دعيني أضع الكرسي تحت ظل المظلة... والآن اجلسي هنا ولا تتحركي حتى أعود.
قبل أن يعود قدم الساقي لها الليموناضة التي راحت ترتشفها. وعندما وقع ظله علي الطاولة رفعت رأسها فرأته ضاحكا... قالت تعتذر بخجل: حسناء
- كان يجب إن أنتظر وصولك. لكني كنت عطشي.
ارتدت في مقعدها كطفلة صغيرة، فلعقت شفتيها بلسانها الأحمر الصغير ثم قالت تشير إلى كوب آخر:
-طلبت من الساقي أن يحضر لك كوبا... ستتمتع به!
- لا... شكرا... خذي هذه، فهي أفضل ما وجدت. حسناء
ورمي إلى حجرها كومة قش، وما هي إلا قبعة تقي المرء من حرارة الشمس. حين وضعتها علي رأسها تدلي القش فوق وجهها... فضحكت وسألت:
-كيف أبدو؟
رفع عينيه بقنوط ليجيلهما بكل ما حوله: حسناء
- منسجمة كل الانسجام مع ما يحيط بك.
مالت إليه بطريقتها الطائشة وقالت:
-أراك تحاول تعويد نفسك علي الظهور علنا. لكنك تتصرف وكأنك تمثل مسرحية متصنعة.
- متصنعة؟
- أو فلأقل بوقار... فالتصنع والوقار وجهان لعملة واحدة... أنت لا تحب هذا المكان... صحيح؟
- أنا لم أدع قط الانجذاب إلى الكعك، أو المحلات المبهرجة الخالية من الذوق أو إلى المشروبات المسممة. حسناء
ونظر بقرف إلى كوب الليموناضة وأكمل:
- أو إلى الأطفال الملوثين حتى الأذنين بالأيس كريم، أو إلى أهلهم الصائحين بهم. لكنني علي كل الأحوال سأتحمل هذا من أجلك هذه المرة.
- ولماذا لا تتمتع هذه المرة فقط؟ لما لا تنسي أنك كونت وتتصرف وكأنك شاب عادي لا يتورع عن طلب المرح. فلندع أننا التقينا لتونا. غريبان رماهما القدر معا. وأمامهما كل اليوم ليتعرفا إلى بعضهما البعض... لكنك ستضطر للتخلي عن صورتك المنشأة وإلا لن ينجح الأمر! والتخلي عن سترتك، وربطة عنقك لبداية موفقة! حسناء
ظنت للحظات أنها ستتلقى صفعة علي وقاحتها... فقد امتزج الفخر مع الإغواء علي أساريره، وهو يتردد... شيء في تعبير وجهها المفعم بالحيوية ساعده علي الوصول إلى قرار... فسحب ربطة عنقه ووضعها في جيب سترته ثم خلعها، ورماها علي كتفه العريضة وسألها:
- أراضيه؟
ربتت طرف أنفها بإصبعها مفكرة، ثم قطبت:
- هناك شيء غلط... حاول أن ترفع كميك إلى فوق. حسناء
أرفع كمي...؟
- أرفعهما! حسناء
أزال علي مضض الأزرار الفضية التي تحمل شعار اللقب، وأخذ يقلب كمي قميصه الحريري الأزرق الباهظ الثمن حتى مرفقة، وحين تجاوز المرفق، مدت يدها بخجل وفتحت الأزرار الثلاثة العلوية في قميصه. كان التحول مذهلا. فقد برز عنقه أسمر قاتما تحت ياقة مفتوحة علي موجة من الشعر الأسود الممتد علي صدره العريض، كما تحركت عضلاته المفتولة تحت الحرير، فشكلت جميعها سحرا خاصا وجعلت منه أكثر شبابا واسترخاء... وحين ضحك أكتمل التحول ذلك أن أسنانه البيضاء تناقضت مع وجهه الأسمر.
- أحس وكأنني جندي جرد من بذلته الرسمية فما عدت واثقا من نفسي وما عدت قادرا علي التصرف. حين أكون مرتديا بزتي أحس بأنني متمدن... حسناء أما الآن...!
ثم هز كتفيه تاركا ما تبقي من كلام لمخيلتها.
وابتلعت آخر ما في كوبها من الليموناضة فكادت تختنق... ماذا فعلت؟ وتمنت بحرارة لو تتعلم التفكير قبل التفوه فهي قد تتدبر أمر الكونت الأنيق... لكنها لا تعرف كيف تتصرف مع هذه الصورة الخليعة التي رسمتها له بناء علي تهور أبله. حسناء


-10-
تريده سيدها
حين انطلقا في نزهتهما، أمسك تيغر بيدها، ولم تمانع. وقد نسيت وهي ترى هذا الجمال المحدق بهما أن الرجل الذي تلتف أصابعه حول أصابعها هو الكونت تيغاروس بيرتاكس.
وبدا أن تيغر قد خلع مع السترة وقاره. فراحت عيناه من وراء نظارة ملونة تضحكان لها، لا بتسامح أبوي..إنما بابتسامة محددة يطلقها عادة أي رجل منجذب إلى فتاة جذابة، فارتفعت روحها بخفة كوقع قدميها وهي تسير إلى جانبه، فأشارت إلى طير نورس يطير في سماء زرقاء لا غيمة فيها، وتوقفت أمام طفل يبكي لابتعاده عن أبويه..ثم تمتعت براحة حين هرع أب متلهف ليحتضن الطفل الباكي بين ذراعيه.
-لك قلب حساس يا اليكس.. مصلحة الآخرين، من لا تعرفينهم حتى، تعني لك الكثير.. وهذه أخلاق نادرة الوجود في فتاة مثلك تربت فيما يعتبره الناس حضن الفخامة والثراء..من غرس فيك مثل هذه الفضائل؟ ليس أبوك.. فهو كسائر الرجال من طبقته، يبدو غارقا في العمل وفي شؤونه بحيث لا يجد وقتا لشيء آخر.. وساشا تبدو دائما مهتمة بمصلحتها فقط..
كانا يقفان عند جدار منخفض، يسندان مرافقهما فوقه، ينظران إلى عدد من الأشخاص المنتشرين فوق الرمال...ولم يكن على وجهه أثر للقرف المعتاد، وهو يراقب أفراد العائلات يتدفقون للحصول على مسراتهم. إنه عالم جديد بالنسبة له، وهذا ما أدركته اليكس لكن ذلك الإدراك سبّب لها الإشفاق..وهو آخر شعور قد تربطه بالكونت المتباهي.. وسارعت تشرح له:
-لقد عانت أمي كثيرا حتى جعلتني أتعاطف مع الآخرين الأقل حظا منا. وإذا بدا لك هذا تفاخرا، فأنا لم أقصده.. كان لوالدتي طبيعة محبة معطاءة، وكانت ستتصرف بالطريقة ذاتها وإن كنا نعيش في كوخ. فلم يكن للمال والأملاك أهمية عظيمة في نفسها. أذكر أنني سألتها مرة، بكل لهفة الأطفال: ماما...ماذا سيحدث لو خسر بابا ماله؟ ونزع ردها كل خوف الطفولة من ذهني، حين قالت: " الثروة لها أجنحة يا عزيزتي.. أحيانا تطير لكن الأولاد هم ثروة الرجل، فما دام يحب أولاده لن يعرف الفقر أبدا ".
شد تيغر على أصابعها:
-كم كان عمرك حين ماتت؟
-اثنتي عشرة سنة. إنه أسوأ عمر.. وماذا عنك؟ لم أسمعك تتحدث عن أمك. أتجد هذه الذكرى مؤلمة كذلك؟
أذهلتها هزة كتفيه غير المبالية، وأدهشها رده:
-لا أذكرها أبدا.. فقد ماتت حين ولادتي.
-أوه.. أنا آسفة!
فابتسم وقال مازحا:
-قلبك رقيق.. لماذا الأسف؟ ما هو القول المأثور: " ما لم يكن لك لا يمكن أن تفتقده "؟
-لكن هذا ليس صحيحا! فلربما حاول والدك، بجهد مضاعف كما فعل والدي، التعويض عليك!
هز رأسه، وترك وحدة نفسه تبرز من خلال شرحه:
-ما كنت أشاهد أبي كثيرا، كن يمضي معظم وقته خارج البلاد. ويتركني في عهدة المربيات والمعلمات، وعمتي بالطبع.. وحسب قولها.. كان أبي يكرهني، لم يستطع أن يسامحني لأنني سلبت حياة أمي حين ولدت.. لكن أعتقد أننا لو أعطينا الفرصة ليتعرف أحدنا على الآخر لاستطعت أن أعوضه عنها ولو بطريقة صغيرة جدا.. لكن هذا ما لم يحدث قط.
أحست بالأسى من هذه المعاملة التي عومل بها طفل فقد أمه.
-وهل قالت لك عمتك هذا؟
لا عجب إذن أن الطفل ترعرع وحيدا مستوحشا حتى أصبح أكثر عزلة. فالإحساس بالذنب كان يتراكم فوق كتفيه. أعطاه الزمن والتقاليد منة الثقة بالنفس، لكنها تعتقد أنها ما يزال يحمل في داخله ذلك الإحساس بالذنب. وذلك الشعور بأن لا حق له بالسعادة.. وتعاظم عطفها عليه، متهورا كالعادة.. فقالت له بشراسة:
-لست أدري كيف تطيق الاستمرار في العيش في منزل ملئ بالذكريات التعيسة! لماذا لا تقفله، وتنسى وجوده. أوه.. إذا كان هذا مستحيلا.. عوض عن طفولتك الوحيدة بملء القصر بالأولاد حتى تطرد ضحكاتهم، ووقع أقدامهم الصغيرة، كل أشباح طفولتك!
رمى رأسه إلى الوراء وضحك، حتى أن جميع من سمعه ابتسم والتفت إليهما. فرفعت نظرها إليه مذعورة، ثم حبست أنفاسها.. فقد كان لمنظر وجهه تجاه السماء الزرقاء سحرا غريبا جذابا..
أحنى رأسه لينظر إلى وجهها الساخط:
-آه يا حبيبتي! سأحب هذا كثيرا! في الواقع أنا...
فجأة وهما ينظران إلى عيني بعضهما بعضا، بدا أن كل شيء صامت حولهما.. الأمواج ارتطمت بالرمال بصمت.. صراخ الأولاد تلاشى حتى أصبح همسا وصراخ آبائهم أصبح صدى، وصرخات الطيور اختفت.. حين انتزع نظارته، وجدت نفسها تحدث في عينين ما عادتا تبرقان من الضحك.. بل في عينين مظلمتين، تعكسان مشاعر لا قرار لها. وأخذ يردد ببطء:
-بيت يعج بالأولاد.. ليت هذا ممكن يا اليكس!.. إنه ممكن، لو أجبرت نفسك على قبولي زوجا لك.
في تلك اللحظة أدركت أن الطنين في أذنيها كان صوت خفقات قلبها، فعضت على شفتها، تتأرجح بين الريبة والتصديق.. لكنها سرعان ما نفضت سحره عنها.. فما يحس به ما هو إلا نزوة ملؤها شوق مؤقت سيمر تاركا في إثره الإحراج. لو كانت حمقاء لأخذت قوله على محمد الجد.. فالصدق غريب عنه غرابة الضحك في قصر عائلة بيرتاكس.. لذلك فقد بددت سحر تلك اللحظة بإعلان مبتهج:
-أنا جائعة.. وأنت؟ فلنجد شيئا نأكله.
لم تكن ردة فعله الفورية إلا اشتداد قبضته على ذراعها، لكنه سرعان ما وافق على اقتراحها:
-لكن.. ألا يمكن أن نأخذ الطعام لنأكله على الشاطئ.
نظرة الارتباك التي ارتسمت على وجهه أكدت لها صدق إحساساتها فهو لم يختبر مثل هذه السعادة في طفولته، إذ لم يحدث على ما يبدو أن تناول طعامه على شاطئ. لكنه وافق على مضض:
-إذا كان هذا حقا ما ترغبين فيه.
-أوه.. أجل.. أجل. ثمة محلات على جانبي الطريق نستطيع منها شراء الخبز وبعض الجبن.. والكبيس.. إذا كنت تحب الكبيس؟
-أحبه...
وبدا مستغربا اعترافه، فتابعت بإثارة ولهفة:
-وسيصبح مع قليل من القريدس المطهو رائعا.
لم يجدا فقط كل ما طلبته، بل اشتريا إضافة إلى ما أرادا ثوبي سباحة ومنشفتين كبيرتين وذلك قبل أن ينزلا إلى الشاطئ. لكن بعد عشر دقائق من تخطي الأجساد البرونزية تمرد تيغر إذ لم يجدا فسحة يجلسان عليها.
-فلنعد إلى السيارة.. أعرف شاطئا قريبا نستطيع فيه الاسترخاء دون أن يطردونا منه وذلك لأن مالكه صديقي.
كان الخليج الصغير لا يبعد أكثر من عشر دقائق.. لكن، خيل إليها أنها خطت إلى عالم مختلف تماما حين مشت في الممر المنحدر الذي يفضي إلى فسحة رمال لا تحمل أثرا للبشر.. وضعا سلة الطعام تحت شجرة باردة الظلال، ثم ذهبا خلف الصخور فغيرا الثياب التي بدأت تزعجهما في هذا الحر.
أحست اليكس بخطواتها متثاقلة تخشى مما ستبديه نظرة تيغر إليها. لكن حين برز من وراء الصخور كانت هي من ضحكت على منظره. فقد كان يحدق بقرف إلى الشورت الفاقع الألوان، المؤذي للنظر. كتمت ضحكة، لم يظهر من أثرها غلا اهتزاز كتفيها لكن لم تلبث أن تسللت من بين شفتين مضغوطتين لتدوي قهقهة مرتفعة، وصل صداها إلى شواطئ الكازينو.. وتقدم منها متهما:
-كان عليّ ألا أسمح لك بشراء شيء لي! لقد اخترت هذا الثوب المقرف متعمدة..
أمسكت بجنبيها لتتمالك موجة يائسة من الضحك. وقالت:
-أخشى أن تكون على حق.. فثوبي كان أفضل الأسوأ. لذلك فتشت لك عن شيء شبيه لئلا تضحك عليّ!
دفعتها غريزته إلى الهرب حتى قبل أن يخطو نحوها.. فركضت مسافة نحو الماء أبقتها بعيدة قليلا عن يديه الممدودتين.. وقفزت إلى الماء وكأنها تحاول الهرب من سمكة قرش. لكن ما هي إلا ثوان حتى تغلب عليها، فأمسك بها من خصرها، ثم شدها من غير رحمة إلى الماء، قاطعا عنها بذلك أنفاسها. تمسكت يائسة بكتفيه وكأنهما صخرة الخلاص. وتوسلت إليه شاهقة بأنفاس قصيرة:
-أرجوك تيغر.. لا تفعل هذا! أنا آسفة.. حقا آسفة!
وضحكت ثم أردفت:
-أرجوك لا تغرقني بعد.. أرجوك!
-أنت فاسدة.
لم تسمع مثل هذه الكلمة تخرج من فم أي إنسان بهذا الحنان.. فجمدت ضمن دائرة ذراعيه.. اللتين اشتدتا عليها بعناق عاصف حميم. بعد دقائق كان كل ما تراه منه رأسه الأسود يلوح فوق الأمواج وهو يوجه قوته كلها
ويرفع نفسه من تحت الماء.
كانت تتمدد على منشفتها حين خرج من الماء. رمى بنفسه فوق منشفته التي فرشتها له فوق الرمال على بعد حذر منها.ثم سألته بأدب:
-أنا جائعة.. أتسمح بأن نأكل؟
أحضرت السلة من تحت الشجرة، ثم راحت تتجنب نظرته أثناء تناولهما الخبز والجبن، والقريدس والفاكهة. أما هو ففتح زجاجتين من المرطبات، صبهما في أكواب بلاستيكية وحين اكتفيا، انقلبا معا على ظهريهما بكسل، يحيط بهما جو صامت، وإحساس بالصحبة.. وناما كطفلين مادين أذرعهما، أصابعهما..تقريبا.. تقفل المسافة القصيرة بين منشفتيهما فوق الرمال.
بعد عشر دقائق من النعمة.. استيقظت اليكس من غفوتها.. وتحركت، لكنها أحست الارتباك لأن تيغر تحرك وأمسك بمعصمها. فنظرت إليه، تتساءل عما إذا كان يتظاهر بالنوم. لكنها أحست بأن كل أسلحتها جردت وهي ترى طيف ابتسامه على فمه. بدا لها في نومه بلا حول أو قوة، فرأت في مظهره هذا آثار الطفل الذي كان ينام يوما والدموع على خديه، كم من مرة انخفضت هذه الأهداب لتخفي الدموع عن عيني كونت المستقبل.. وكم من مرة ارتجف قلبه ألما مما كانت توقعه به عمته الفاقدة الرحمة.. وكم من مرة توتر جسده النحيل ليكبت اندفاعا يحثه على الهرب إلى الوالد الذي كان يرفضه، إلى الوالد الذي كان ينشد عنده الراحة وبعض الحب الذي حرم منهما.
وقفز قلبها ألما.. يبدو أن قدره ألا يتمتع بعلاقة حب حتى من زوجته.. فقد اختارها لأسباب مالية لا عاطفية.
ردتها إلى الواقع نظرة استقرت عليها فتدفق احمرار الإحراج إلى وجهها. كم مضى عليه من وقت وهو مستيقظ. فهو دون شك قادر على أن يقرأ أفكارها!
وزادت كلماته من قناعتها بنظريتها، إذ قال:
-اليوم وبطريقة غريبة تبدين مختلفة. تصرفاتك أكثر لطفا وأقل تحفظا وكلماتك تعبر عن السعادة بدلا من الحمم التي كنت توجهينها إلي من خلال تفكير كثير الشك. أنت جميلة دائما يا اليكس.. لكن في وجهك اليوم اشراقة خاصة.. اليوم يوم رائع.. أليس كذلك يا حبيبتي!
أحست أنها دون أعصاب، هشة كطفل يعتمد كل الاعتماد على ما يريده مربيه. وجدت أن الكلام مستحيل، فتوسلت إليه بعينيها.. ترجوه بصمت أن يكون لطيفا.. في تلك اللحظات كانت مستعدة كل الاستعداد للاستسلام إليه.. حتى يحبها.. ويصبح سيدها!
وهبط ظله فوقها، فأحست بالسعادة لأن ظله كان عباءة تختبئ تحتها في لحظات عذاب الانتظار.. كان فمها يرتجف تتوقع أن يقبلها.. لكنه أطلق لعنة حادة وحشية وابتعد عنها..وعندما زال ظله أبهرتها أشعة الشمس، فانتفضت منها وارتدت إلى جنبها.. تقاوم اندفاعا إلى البكاء بعد أن اجتاحتها موجة من الذل.
-تعالي.. حان لنا أن نذهب..
كانت لمسته باردة وهو يساعدها على الوقوف. لكنها أشاحت بوجهها عنه. لأنها لم تسيطر بعد تماما على نفسها لتخفي عذاب الرفض.
كرهت ثبات صوته حين قال لها:
-فلنعد الآن إلى الفيلا. لا أجد سببا يمنعني من إطالة هذا اليوم الرائع.. لكننا سنعود ليلا لزيارة الكازينو.. أتحبين هذا؟
ها قد عاد إلى تسامحه الأبوي.. الذي تكرهه! فأجابت:
-أهذه معاملة خاصة لطفلة ليس لديها تجربة؟ أم اعتذار عن النفاق؟ حسنا دعنا نتمتع بما سيقدمه لنا الكازينو.
لقد اختبر مشاعرها وعواطفها، ثم أظهر قلة حماسة بشكل مذل، لربما رأى أنها غير قادرة على الوصول إلى مصاف شبح ماضية جانيت.. كان رفضه لها صعبا، شديدا على نفسها.
لكن الحياة دروس كلها، وما جرى الآن لقنها درسا مهما..وهو الا تعتقد يوما أنه صادق.


11-
بين دفتي الجحيم
مضى تيغر، أمام خيبة أمل الخادمة ماريكا، يقلب طعامه عند العشاء بنكد. فقد أملت أن يحمل معه هذا المساء تغييرا ما في تصرف العروسين حتى يبدأ شهر عسلهما الفعلي.
أشار برأسه إليها، فسارعت إلى سحب الطبق من أمامه ثم سألت بنزق:
-هل أقدم الحلوى سيدي؟
-عفوا.. أوه.. لا.. لا أريد شيئا شكرا لك ماريكا..
ثم وكأنه تذكر أنه ما عاد وحيدا، فأضاف:
-ماذا عنك اليكس.. هل تريدين تذوق ما تصنعه ماريكا من لذيذ الأطعمة؟
شمخت ماريكا بأنفها غرورا.. لكنها لم تلن أمام مظهر الكونتيسة الشاحب، ووجها التعس.. فمن وجهة نظرها أن الكونتيسة خرجت في أيام من طور الطفولة إلى طور النضوج، من برعم منغلق إلى زهرة متفتحة تنتظر من يقطفها.. إلا أن الكونت، كما يبدو، لا يلاحظ هذا.. أهو أعمى؟ أم أنه لا يرغب في الرؤية؟
ابتسمت اليكس معتذرة للخادمة المنتظرة بقلق.
-آسفة.. أنا واثقة أن الحلوى التي حضرتها رائعة يا ماريكا.. لكنني لا أستطيع تناول لقمة أخرى.
وقال بأدب دون أن يعبأ بزوجته التي فقدت شهيتها؟
-بما أننا اكتفينا فلنذهب.
تمتمت ماريكا وهي تراقبهما يصعدان إلى السيارة:
-اكتفينا!.. المكتفيان لا يحبان.. إنهما ينفضان السأم عن نفسيهما.
لكن السأم لا مكان له في علاقة كعلاقتهما... فالتوتر بينهما ملموس تقريبا.. وكأنهما معا يخوضان في محيط لا قرار له!لكن السؤال الذي طرحته اليكس على نفسها بحده كان: لماذا أشعر بهذا الألم؟ لماذا يزعجني ألا يراني جذابة؟ ولم الاهتمام؟ ما دمت سأتركه في أول فرصة تتاح لي؟
تذكرت اليكس مرة، أنها في طفولتها تشاجرت مع ابنة عم لها بصدد لعبة انتزعتها منها الفتاة.. فقالت الأم ببرود:
-أخشى أن تكون اليكسندرا مدللة قليلة.. فهي تشتهي كل ما تحرم منه!
أيكون استنتاج تلك العمة صحيحا؟ حين حاول تيغر أن يضع علاقتهما على سكة حميمية، قاومته بازدراء.. فهل تشتهي الآن تلك اللعبة التي حرمت منها، أترغب في اهتمامه لأنه صدها؟
حين تجاوزت السيارة الكازينو، التفتت نحو المبنى الذي يضج بالمرح.. فقال وكأنه يرد على سؤالها:
-الوقت مبكر قليلا.. إن غرف الألعاب مفتوحة، لكن الأجواء غير مناسبة الآن. ثمة ناد ليلي غير بعيد عن هنا، فيه استعراض جيد.. سنقضي ساعة أو ساعتين فيه قبل أن نعود إلى الكازينو.. ما رأيك؟
تمتمت وقلبها يخفق:
-أقبل بكل قرار تتخذه.
ثم التزمت الصمت، تخوض حربا داخلية ضد مشاعر معقدة لم تستطع منعها.
-ما رأيك بالمكان؟
-رائع!
وأسندت جسمها على الكرسي ثم راحت تحرك أصابع قدميها، تهيئ نفسها للتمتع بمعزوفات الفرقة الموسيقية
التي توشك على العزف.
كانت الموسيقى التي صدرت أخيرا عنها تنسجم مع جو الملهى الحميم.
-أترغبين في الرقص؟
فاجأتها دعوته لكنها قبلتها بلهفة:
-أجل.. أرجوك.. أحب الرقص.
بينما كانت تتسلل إلى ذراعيه، تذكرت نصيحة جدتها..."كوني صادقة مع نفسك كما أنت صادقة مع الآخرين". لكن، صعب عليها أن تعترف بأن كل ما تريده هو أن تحس بذراعيه حولها. وأن تضع يديها على منكبيه العريضين.. وأن تريح رأسها على قلبه، لترشف من رحيق قوته الدافئة...
كانت بادئ الأمر متحفظة، لكن مع مرور الوقت، اشتداد الزحام في الحلبة اضطر إلى شد ذراعه حول جسدها وأحست تدريجيا بعضلاته المتشنجة تسترخي تحت أصابعها على وقع الموسيقى الحلوة، وفي الجو الممتع، يشجعه على هذا تصرف الفتاة الراضية بين ذراعيه.. همس لها في أذنها:
-أيتها المجنونة المبكرة النضوج.. لماذا قررت فجأة أن تتباهي بأنوثتك وأن تعرضي سحرك أمام الزوج السريع التأثر؟ أحذرك اليكس.. أنت تتصرفين بغير حكمة.. إلا إذا...
وترك السؤال معلقا، فدار رأسها في موقعه ذلك أن أكثر ما ترغب فيه الآن من الدنيا هو اختبار ردة فعله إزاء السر الذي بدأت الآن فقط بالجرأة على التفكير فيه.. كل المعرفة التي عرفتها اليوم كانت تدق باب أفكارها تطلب منها الاعتراف لكنها رفضت السماح لها بالمرور.. أما الآن.. وبعد إحساسها بالراحة، واجهت الحقيقة الكامنة وراء الرسائل التي كانت تنتقل منذ أيام من داخل قلب خافق، وأعصاب متوترة، وشوق معذب ،
مجهولة الاسم. لكنها عرفت الآن أن اسمه.. الحب. إنه إحساس عظيم مثير، قوي إلى درجة تجعله يتغلب على الكبرياء والشك وعلى الإذلال الذي أحست به بعد أن ظهر اليوم على الشاطئ.
وأحست بشفتيه تلمسان شريانا ينبض بقوة فوق صدغها، وسألها مجددا:
حسنا.. اليكس؟ ما قولك؟
انفجرت أحاسيسها فبدأت ترتجف.. كانت عزلتهما بين الجمع المترنح الراقص، بالنسبة لها كاملة حتى استطاعت أن تضغط خدها المحترق على صدره متمتمة:
-تيغر.. لقد حدث لي شيء غريب.. ويجب أن أعترف لك.. الآن...
كان نفاذ بصيرته، وسرعة إدراكه حساسين جدا ذلك أنه أدرك ما توصلت إليه، فجذبها إليه وقال يحثها:
-يجب أن أعرف.. يا عزيزتي.. قولي لي!
في هذه اللحظة بالذات انقطعت الموسيقى، ودوّى صوت قطع انسجامهما، فأعادهما إلى أرض الواقع فإذا هما آخر زوجين على الحلبة.. ابتعدا على مضض لكنه ترك يدها في يده وقادها إلى طاولتهما.. وخلال الوقت الذي قضاه الساقي في تقديم الشراب، لم تغادر عيناه وجهها.. وجها أصبح أجمل، تضيئه عيناها، وارتجاف شفتيها، وتضرّج وجنتيها.
حين تركهما الساقي.. أخبرتها شرارة في عينيه أن صبره قد نفذ.. فتنفست عميقا:
-تيغر.. أنا...
قاطعها صوت نسائي مثير، له تأثيره القوي على الأعصاب:
-تيغر..! عزيزي! لم أستطع تصديق عيني حين رأيتك تترك حلبة الرقص!
وحلّ صمت رهيب بينهما، يطلب ردة فعل، لكن تيغر راح يشتم شتائم لم تسمعها إلا اليكس ولم يلبث أن جرّ نفسه ليقف ملقيا تحية مؤدبة على الدخيلة غير المرحب بها:
-مساء الخير جانيت.. لعلك بخير؟
-إذن هذه هي جانيت؟
- أين كنت طوال الأسابيع الأخيرة؟
توترت أعصاب اليكس. فلم يكن سؤالا عابرا، بل سؤالا يطلب تبريرا لغيابه.
أحنى تيغر رأسه بتجاهل وصل إلى حد الفظاظة. كان من قاطعهما امرأة يرافقها رجل.
- ربما التعارف سيفسر الأمل لك اليكسندرا.. أود تقديم اثنين من أقدم أصدقائي الآنسة جانيت غرانديس وشقيقها فيليبي.
لم تعر جانيت التفافا لاليكس.. لكن شقيقها بدا مهتما. فقد لمعت عيناه إعجابا وفغر فمه دهشة.. لكن تيغر أتمّ التعارف:
-جانيت، فيليبي، أقدم لكما الكونتيسة اليكسندرا بيراتكس زوجتي.
احتاجت جانيت إلى كل ما أوتيت من رباطة جأش لتكيف نفسها مع الصفعة التي وجهها إليها تيغر، فركزت عيناها لحظات على اليكس والكراهية تطل منهما، ثم انتقلتا إلى تيغر، تفتشان في تعبيره الجامد عن دليل مزاح. وقالت مختنقة:
-أنت مازح كبير، تيغر.. أليست هذه مزحة؟
حرّك فيليبي الذي يشبه أخته إلى حد كبير قدميه وضحك، مقترحا بتردد:
-هل لنا أن نجلس؟ يبدو أننا نجتذب اهتمام الناس.
نظرت اليكس إلى ما حولها فوجدته على حق.. إذ كانت كل العيون منصبة عليهما. فتيغر وجانيت معروفان دون شك لزبائن النادي.. خلال الدقائق التي أحضر فيها السقاة المقاعد، استطاعت جانيت لجم انفعالها عن وجهها، دون عينيها.
قصدت جانيت من أول جملة فاهت بها غثارة الإزعاج، فقد ركزت نظرة غاضبة على تيغر وقال:
بما إنك لم تنكر أعتقد أن ما قلته صحيحا. لكن لمّ هذه السرية عزيزي؟ ألم نتفق خلال علاقتنا الطويلة السعيدة على ألا يكون بين أي طرف منا التزام؟ وأعتقد أ ن صديقين قديمين مثلنا كانا يستحقان دعوة لحضور حفلة زفافك؟ أم خفت أن أختلق لك فضيحة، أو أن أحاول إقناعك بتغيير رأيك؟ وأنت تعلم أن
لي قدرة هائلة على الإقناع. فهل خفت أن أقنعك؟
هبط قلب اليكس كحجر ثقيل، ففي جمل قليلة، رسمت جانيت لوحة عن علاقة حميمة. إنها ليست ساذجة حتى تتصور أن تيغر كان أعزب متزمتا. فما من رجل جذاب قد يبلغ هذا العمر دون أن يكون له علاقة.. لكن كان عليه أن يكون لائقا شريفا، ويخلص نفسه منها قبل أن يتزوج.
اختفت شهقة فيليبي المدعية، مع ألحان الموسيقى التي عادت الفرقة إلى عزفها. لكن رد تيغر الحاد لم يختف، فقد مال إلى جانيت يربت يدها ويقول بلهجة فيها تأنيب ومزاح:
-يا الآن جانيت.. ما هذه الدراما.! فأنا وفيليبي نعرف تمام مدى ميلك إلى افتعال الضجيج الكبير بشأن لا شيء... لكن زوجتي الشابة لا تعرف هذا. انظري كيف صدمتها.. بما أنها ما زالت طفلة، فقد فهمت من تلميحاتك أسوأ ما يمكن من تفسيرات، وأما بالنسبة للدعوة، فقد كنت سأرسل لك دعوة لولا وجودك في أثينا أثناء إقامة مراسم الزفاف.
هزت جانيت كتفيها عن غير اكتراث، فقد اكتفت من إطلاق التهم، ثم ابتسمت معتذرة، واستقرت في مقعدها:
-سأسامحك هذه المرة.. يا عزيزي تيغر.. لكنني سأتوقع إعلاما مسبقا بكل حدث جديد.
قاومت اليكس لتستجمع ما تبقى من كبريائها المتشتتة وقالت:
-تصدع زواجي مثلا؟
يا لحماقتها! يجب أن تشعر بالامتنان لأن جانيت حالت بينها وبين الالتزام الفعلي الغبي.. أكانت حقا مستعدة على الاعتراف بحبها له؟
لم يكن لعرفان بالجميل، الذي قدمه فيليبي بالطلب منها مراقصتها حدود. فقد قبلت دعوته دون تردد ووقفت شامخة الرأس تتحدى نظرة تيغر.
أحست بالراحة لا، فيليبي لم يحاول محادثتها في بداية الرقص، بل أمهلها بعض الوقت لتتماسك، وحين تكلم أخيرا استطاعت فعلا أن تعطيه كامل اهتمامها.
-كنت وشقيقتي صديقين لتيغر منذ الطفولة وكانت عائلتانا مقربتين دائما ذلك أن والدينا وجدينا كانوا شركاء عمل. كانت العائلتان تتبادلان الزيارات دائما. ولهذا نعتبر قصر بيرتاكس بيتا ثانيا لنا.
قالت بلطف:
-أرجوك لا تحاول الدفاع عن تيغر.. فلا حاجة لذلك حقا.
بدت الدهشة عليه:
-لا حاجة لذلك؟
-أبدا.. فما زواجنا إلا تمثيلية.. إنها قصة طويلة لن أضجرك بها، لكن تأكد يا سيد، أن تلميحات أختك لم تحزني بل وجدتها لا تستحق الاهتمام.
أحس بأن هناك خطأ ما، في مكان ما. لكنه ليس قادرا بعد على تحديد هويته. لكن لزوجة تيغر ميزة خاصة وسيكون من المثير للاهتمام أن يكتشف ما إذا كانت باردة كلها أم ما يظهر منها فقد. وكررت الفرقة النغم النهائي مرة.. مرتين.. ثلاثة، وشهق الراقصون محتجين ضاحكين.. فتابعت الفرقة نغما ناعما رومانسيا.
حاولت اليكس أن تترك الرقص.. لكن فيليبي منعها ممسكا بمرفقها، وجرّها إلى ذراعيه ثانية، قائلا بخبث:
-لقد لمحت إلى أن مشاعر تيغر لا تهمك. لكن بما أنني أعرفه أكثر منك وأعرف مدى تملكه، فسنقوم بالطريقة المثلى لنعاقبه! إن عبثنا قليلا غضب تيغر...
كان الإغواء قويا، فوافقت متهورة:
-حسنا.. فليكن ذلك.
لكنها بهذا أثبتت لفيليبي كذبها.. فلو لم تكن تعبأ به لما قبلت أن تغيظه.. إنها تحاول حتى خداع نفسها بادعاء عدم الاكتراث.. وكبت فيليبي بسمة سرية، نعم هو لا يهتم كثيرا بأخته، لكنه يقدر صداقة تيغر.. وهي صداقة يوشك أن يضعها على المحك!
أطلقت اليكس فكرة أن يرافقهما جانيت وفيليبي إلى الكازينو. وأظهرت جانيت البهجة، وكذلك فيليبي. كان عبثه واليكس يسير على ما يرام، وكان يضغط به على اليكس في كل مناسبة، لكن العامل الذي أثار خيبة الأمل هو تصرفات تيغر، فبدلا من أن يغار من فيليبي، تبنى موقف المراقب، الذي ترفه عنه جانيت ذات الخبرة في التعامل مع الرجال. وأحست اليكس بقلة اهتمامه، مما زادها تهورا.. كانت تعلم أن تصرفها سيء ،
لكن يأسها جعلها غير مهتمة.
وأمسك تيغر بيدها مرة وقال بلطف:
-أنت تجعلين نفسك أضحوكة عزيزتي.. أفهم لماذا تفضلين صحبة فيليبي.. لكن أيجب أن تظهري سعادتك على هذا النحو؟
فالتفتت إليه تقول متسعة العينين تدعي البراءة:
-أنا أقدم لك معروفا بجعله مشغولا عنكما. إذ يبدو أن لديك ما تريد أن تتحدث به مع شقيقته!
-بالعكس تماما.. نحن لا نكاد نتحدث، إننا نخوض غمار أمور قديمه.
-لكن هذا أفضل! أنت محظوظ لأن لك صديقة تعرفك إلى درجة يغدو الحديث بينكما غير ضروري. فقد يُعبر عن أمور كثيرة في صمت حميم!




-12-
أنياب من حرير
كان جو الكازينو عاصفا، مثيرا ,ومكتظا، بحيث كان من السهل على اليكس وفيليبى الاختفاء عن عمد , زودها بكومة من "الفيش" ثم راح يدور بها من طاولة إلى أخرى. يشرح لها تعقيدات كل لعبة. لكن، بما انها كانت فى مزاج متكدر فقد وجدت المغامرة حدث جديد له سحر مثير راح ينمو فى نفسها كما ينمو "الفيش" أمامها على الطاولة ويتراكم. رفيلة
قال لها فيليبى معلقا على الربح:
-انه حظ المبتدئين!
فقد فاز رقمها مرة تلو أخرى وتراكم الفيش أمامها...لذلك كرهت أن تتوقف عن اللعب، لكنها أذعنت حين نظر فيليبى إلى ساعته قائلا:
-أنها الثانية ليلا يا اليكس، اعتقد أن من الخير لنا ان نبحث عن الآخرين.
- أنت على حق، هل لك أن تصرف هذا "الفيش" فيما أنا احضر معطفي؟ سألقاك في البهو بعد خمس دقائق.
تأخر فيليبى بالعودة. وبما أن مرافقها لم يأت بعد راحت اليكس تجوب البهو مضطربة، ثم لاحظت أشجار نخيل أمامها ,فاتجهت إليها آملة أن تختبئ من عيون الفضوليين التي ترمقها....كانت الأصوات تدمدم حولها، لكن حين وقفت تحت أغصان النخيل الضخمة المروحية ما عادت تسمع سوى صوت واحد خفي على ما عداه...لكنها سرعان ما تبين لها أن جانيت وتيغر يجلسان خلف امتداد اخضر..فارتدت، تكتم أنفاسها، وتريثت حتى سمعت رد تيغر على سؤال وجهته له جانيت:
- لماذا تزوجتها يا تيغر؟ إنها ليست من موطنك، ولا من ثقافتك...بل إن كل شيء فيها متناقض كل التناقض مع ما اعتدت عليه من النساء. رفيلة
-ربما هذا هو السبب.
- أوه..هيا الآن يا تايغر... لا تكن مراوغا...أليس من حقي أن اعرف؟ كنت تتهرب منذ سنوات من موضوع الزواج، وتجنبته بلباقة تثير الإعجاب، غير متأثر بإغراءات نساء لا تحصى عددهن، أنيقات، مثقفات، ومنطلقات، لكن جاءت هذه الأمريكية التي لا أرى فيها شيئا إلا بهاء الطلعة وبعض التصرف الساذج...فتزوجتها فورا. رفيلة
تسمرت اليكس في أرضها لا تستطيع الحراك، وسمعته يرد:
-أنت امرأة منطلقة جانيت، ولقد تزوجت اليكساندرا لسبب واضح جدا ،لا حاجة بى إلى ذكره لأنه واضح.
أوشكت اليكس على الصراخ لان صبرها نفذ من الصمت الطويل الذي أعقب قوله، حتى ظنت إنهما ابتعدا. وكانت على وشك استراق النظر من وراء الأشجار، حين قالت جانيت: رفيلة
-أحسدك عزيزي...وأتمنى لو يكون لي حظك السعيد! قريبا، سأكون مضطرة للزواج، فأنا وفيليبى متهوران جدا...وهذا مرده إلى تربيتنا، فقد ترعرعنا ونحن نعتقد إننا أثرياء، كانت طفولتنا طفولة ولدين ينعمان بالثراء تحت ظل عائلة ذات مركز رفيع، وما علمنا إلا بعد موت والدنا إن المال قليل وانه يجب علينا إذا أردنا الحفاظ على مستوى معيشتنا الذي اعتدنا عليه أن نعتمد على ما نملكه من أشياء ثمينة. رفيلة
ضحكت بقساوة:
-لكنها ليست كثيرة، لأنها لا تتعدى المظهر الجميل والقدرة على ارتداء افخر الثياب ومعرفة الناس المناسبين، والتحرك في الوسط الملائم، إن هذه مواهب جميعها أهلتنا للوصول إلى هدف واحد هو الزواج من ثرى... منذ أسابيع، عندما كنا نزور أثينا كاد فيليبى ينقذنا من الإفلاس... فقد أغرمت به ابنة صناعي انجليزي نزلت في الفندق ذاته، وقد بدا أن كل شيء يسير على ما يرام حتى نزلنا صباح ذات يوم لتناول طعام الفطور فاكتشفنا إنها ووالدها غادرا الفندق فجأة في الليلة السابقة، دون أن يتركا عنوانا ولا كلمة وداع...لذلك بقى الأمر الآن بين يدي...فهذا الألماس الذي ارتديه هو ما تبقى من ثروة العائلة، سنبيعه لنقوم برحلة بحرية، على أمل أن اكسب زوجا ثريا، تيغر، تمنى لي الحظ الذي كان لك. رفيلة
أحست باشمئزاز كاد يجعلها تتقيأ، فارتدت متعثرة إلى غرفة الزينة التي وجدتها خالية، فأسندت رأسها إلى الباب ترتجف قرفا, أن اليونانيين مشهورين بمظاهرهم الخداعة إلا أن أحقر المرتزقة لا يقارن بتيغاروس بيرتاكس وصديقته! رفيلة
مضت مدة طويلة قبل أن تتمكن من استعادة رباطة جأشها، للعودة إلى البهو. بعد لحظات ظهر فيليبى وهى تكاد تنادى سيارة أجرة تنقلها بعيدا عن تايغر... فهي تحس أنها لن تطيق رؤيته أو التحدث إليه. تعلم انه تزوجها لمالها. لكنها ما ظنته يبحث الأمر بصراحة مع جانيت، مهنئا نفسه على حظه الطيب.
رد فيليبى نظرتها الضائعة إلى تعبها وقال بقلق:
- أنا آسف اليكس...كان هناك صف طويل يطلب صرف الفيش وكان الإجراء بطيئا! دعينى أساعدك في ارتداء معطفك. لابد أن الآخرين بعيدين عنا...أوه..ها هما... رفيلة
كرهت اليكس قلق تايغر الزائف حين قال: رفيلة
-يا الله ما بالك يا فتاة؟ تبدين مرهقة! كلما أسرعت إلى الفراش كلما كان ذلك أفضل لك.
أحست وهما في الطريق إلى الفيلا بنظراته القلقة لكن حين توقف أمام الفيللا نزلت من السيارة وأسرعت إلى الداخل متجاهلة سؤاله:
-اليكس ما الخطب؟ رفيلة
لحق بها لكنها لم ترد عليه، بل دخلت غرفتها، فحاول فتح الباب عليها فإذا هو موصد:
-اليكس...دعينى ادخل! فانا أصر على معرفة ما أزعجك!
وقفت قرب النافذة محطمة الأعصاب تركز بصرها على القمر الأصفر الكبير...لن تبكى، كبحت دموعها، لكنها لم تلبث أن أغمضت عينيها فقد بدأ القمر يغيب وراء ستار من الدموع.
جاءها صوت تيغر هادئا بشكل خطير:
-اليكس...أنا انوي الدخول، فهل اكسر الباب؟ رفيلة
- لا...دعني وشأني، ألا يمكنك هذا؟ أرجوك، دعني بسلام...
ربما لاقت توسلاتها الأثر المطلوب...فقد سمعت وقع خطواته، ثم الصمت...فجأة دوى صوت ارتطام كتفه بألواح الباب، وتهاوى القفل تحت ضغط جسده، وانفتح الباب، فدخل بهدوء...سحب نفسا عميقا ثم قال بصوت غير غاضب: رفيلة
-ما كان ما فعلته ضروريا لو...و الآن قولي لي لماذا تتصرفين كطفل حردان.
- كنت طفلة...ساذجة بريئة بسيطة...لكنني هذا المساء كبرت!...أليس من حقي أن اشعر بالسخط...خاصة بعد ما أوضحته لي في حديثك مع جانيت؟ لقد رضيت بأنك تزوجتني لمالي، لكنني لم احتمل تفاخرك وتباهيك أمام الآخرين بحظك الطيب. رفيلة
وضع يدا ثقيلة على كتفها:
-ليس لدى اى فكرة عما تتحدثين...فإلى ماذا تلمحين بالضبط؟ فلا اذكر أنى قلت لها شيئا يزعجك. كانت جانيت منزعجة لأن السنوات الأخيرة كانت شديدة عليها، فمشاكلها كثيرة...
- والمشكلة الرئيسية هي كيف تستطيع تحذو حذوك وتجد لنفسها عريسا ثريا...!
- آه...فهمت لقد سألتني جانيت لماذا تزوجتك، ويبدو انك تحت تأثير وهم محدد، أخذت اجابتى على غير محملها، ثمة ما كان يجب إن يقال لك قبل الآن...وهى معلومات، قد يعدها البعض غرورا من جهتي، كنت قد أخفيتها عنك لكنني أظن أن الوقت قد أزف لأطلعك عليها رفيلة .
- أكاذيب أخرى؟ لا شكرا لك، لقد سمعت بما فيه الكفاية!
قطب جبينه مترددا...يبحث في وجهها عن لمحة رقة، لكنه لم يجد سوى ذقن شامخ بكبرياء، وفم متشدد بعناد، وعينين خضراوين مبللتين بالدموع...فاسود وجهه بخيبة الأمل....
عرفت انه يعاملها معاملة الأطفال حين امسك بيدها قائلا بهدوء:
-فلنجلس ونتحدث يا اليكس. رفيلة
كرهته لأنه قادر على أن يظهرها كطفلة، فصاحت به:
-ليس بيننا ما نتحدث عنه!
وتركته قاصدة النافذة ولكنها أحست انه بلحظات أصبح خلفها، كان قريبا منها حتى كاد أن يلمسها ومع ذلك فقد قاوم الإغراء...وخاطبها بهدوء: رفيلة
- كيف لنا أن نصل إلى تفاهم إذا لم نتكلم؟ من الخطأ ترك الكثير معلق هكذا بيننا، أحيانا...كنت آمل أن نتحرك نحو تفاهم أعمق...منذ ساعات فقط كنا نغوص في أعماق اكتشاف ما في أفكارنا. نختبر روح المرح في كل منا...فهل تنكرين ذلك يا اليكس، أتنكرين انك فى لحظات ما خلال اليوم نسيت قسمك يوم الزفاف على كرهي، كما نسيت اننى الرجل الذي اضطررت إلى الزواج به؟ رفيلة
- أتجرؤ على التلميح بأنني لم أكن مضطرة إلى الزواج بك؟ هل ظننت بغباء أن هناك في اعماقى مشاعر لا أستطيع معرفتها، كما ظنت جدتي؟ إذا كان الأمر هكذا فأنت لا تعرف عنى شيئا! دعنى أذكرك باننى حتى لحظة زواجنا كنت في طريقي إلى أن أصبح طبيبة، واننى لسنوات امتزجت مع الجنس الآخر في جو حر، كنت أتنافس فيه مع الرجال بموضوعات متعددة منها على الأخص الجنس وهذا النقاش طبيعي بين الرجل والمرأة الحرة التي هي تساويه في الحقوق والواجبات، فلو كنت احبك لاعترفت بحبي بلا تردد. رفيلة
- أنت تخلطين الأولاد بالرجال، لقد علمتني خبرتي أن نضوج الطلبة في الجامعات يكون بطيئا خلال سنوات الدراسة. فهم يملكون أرواحا شابة ثائرة. لكنهم مع ذلك يبقون تحت جناح إباءهم، أما نظامكم الاجتماعي الحر الذي يؤمن للطلبة التعليم والمنح والمساعدات فيجعلهم يجتازون صعوبات الحياة من دون الم، فهو يجعلهم كسالى مترددين، غير قادرين على مكافحة الصعوبات دون دعم ,إن هؤلاء الأولاد الذين تخلطين بينهم وبين الرجال ,كانوا دون شك يعاملونك بطريقة تخلو من التمييز الجنسي، أنت بالنسبة لهم كنت متساوية، رفيقة جيدة، لا تطلبين منهم أكثر مما هم مستعدين لتقديمه، فأنسوك أنوثتك يا اليكس، مثل هذا الوضع لا يظهر في بلادي، التي يرمى فيها الصبي إلى الحياة الصعبة، ليخرج منها رجل مليئا بالتوق إلى السيادة والى حماية الآخرين والى أهم من ذلك، إلى أن يحب المرأة التي اختارها زوجة له...
فجأة قصر المسافة التي بينهما حتى استطاع أن يهمس في أذنيها: رفيلة
-لا تخافى من النمر عزيزتي...لديه أكثر بكثير مما يستطيع جرو صغير أن يقدمه!
سمرها قوله...فالتقطت نفسا حادا وكادت تميل إلى الخلف لتتكئ على كتفه، لكن صورة جانيت لمعت أمام عينيها، فقالت بمرارة:
- أحسنت فعلا عندما شبهت نفسك بوحش الغابة...فكل ما فيه من صفات موجودة فيك... المكر، القوة، الفقدان الكامل للعطف على من هم اقل قساوة. رفيلة
-لكنك لم تفكري على هذا النحو بعد ظهر اليوم، ولا هذا المساء حين ارتجف فمك وهو يهمس بالسر الذي رغبت فى ان اشاركك اياه، الى ماذا كنت تتوقين للبوح يا اليكس؟ هل بدأت أخيرا تعرفين...الحب؟
التفتت تواجهه عيناها الخضراوان اللتان نفثتا سم الغضب:
-مخيلتك خصبة تتفق مع غرورك فقط...فأنا على الأقل يجب ان احترم وأعجب بالرجل الذي أحبه.
أحست بالدموع تقفز من وراء عينيها فأدارت وجهها بسرعة، لكنه لمح لمعان الدموع تحت ضوء القمر، فارتفعت يده وامسك بذقنها، فلاحظ بحزن تكدرها الشديد. رفيلة
- إذا كان اعترافي يرضيك فسأبوح لك بأنك عذبتني اليوم عذابا لا يطاق وقد بقيت دون انقطاع اذكر نفسي بأنك بحاجة إلى الوقت، وبأن علي ألا استعجلك، لكن للصبر حدود، وقد كاد صبري أن ينفذ، أنت صغيرة وبريئة، لكنك زوجتي ولا أريد الانتظار إلى الأبد...لقد حاولت...والله يعلم كم حاولت! رفيلة
فجأة تلاشى غضبه وكأنه عباءة تسقط على الأرض، بدا على صوته القلق وهو يتابع:
-أردت يا صغيرتي بكل رغبة أن تأتى إلي بإرادتك لتعترفى بمشاعر رفضت حتى الآن الاعتراف بها...أردتك دافئة، ناعمة، محبة، وهذا ما أنت قادرة على أن تهبيه ،وتشوقت إلى أن أراك على هذه الصورة، ربما من البلاهة منى أن أقول لك ما هو المفتاح الذي قد يفتح لك ذهنك المرتاب...لكنني أود لو تستخدمينه، كآخر ملاذ وعندها سيكون نصرك أحلى بكثير، لو اعطيتنى الحب لتغلب على الشك...قد احصل عليك بالقوة، يا زوجتي...ولن تجدي في عزلتنا هذه ما يسمع احتجاجك إلا طيور البحر والأمواج الضاربة الكفيلة بإخماد صدى صراخك. رفيلة
ارتدت مذعورة من تهديده فوضعت أمتار بينهما...لكنه قال بلهجة جافة:
-لا تخافى...فأنا لست تماما ذلك الحيوان الذي تظنينه، سأنتظر قليلا بعد، على أمل أن تقرر القطة الصغيرة إخفاء مخالبها. رفيلة
توترت أعصابها لأنها رأت شيء ما خاصا في تصرفاته...رأت الثقة والطمأنينة التي لم تكن من قبل، وجسدا هانئا وابتسامة سرية تتلاعب على أطراف فمه الذي يحمل ثقة بأن النصر آت عاجلا أم آجلا، وقفت ورأسها محنى، كان يجذبه كالمغناطيس خيال موشح يستحم تحت ضوء النهار.
- اليكس... رفيلة
سرت في أوصالها رعدة حين امتدت يداه لتمسكها بكتفيها:
-لماذا يجب أن تقاوميني دائما؟ لقد تعبت من هذه الحرب...الحياة قد تكون رائعة إذا ألقيت سلاحك، ليس بسبب الهزيمة، إنما لان هذا النوع من الاستسلام حلو...احبك... فتعالي إلي حبيبتي...أرجوك. رفيلة
ترددت وهى ضمن دائرة ذراعيه اللتين هما شرك ناعم جميل، ها هو يعرض عليها الخيار بين أن ترمى نفسها فيه وبين أن تهرب منه، وكادت تلتقط الطعم، تحثها ضربات قلب وشوق جسد إلى لمسته وارتعاش فم جائع إلى قبلته...انه ذكى كالشيطان، صياد بشباك حريرية، نمر يفضل أن يتملق بدل أن يهجم.
احتاجت إلى إرادة هائلة للتخلص من سحره، ارتدت عنه مرتجفة باكية، حتى أصبح عرض الغرفة بينهما.
- آسفة...لا أستطيع القبول، فلن أكون المرأة الثانية في حياتك بعد جانيت. رفيلة
جمد في مكانه...ثم قال:
لو أردت الزواج من جانيت، لما تزوجتك أنت؟ رفيلة
ضحكتها المتصنعة رنت ببرود في الغرفة:
-بالطبع كنت ستتزوجني، فأنتما تريدان الحفاظ على مستوى رفيع في العيش هو بعيد عن إمكانياتكما! فكلاكما بخيل شحيح الموارد...يا سيد...وجشع البخيل يدفن كل عاطفة . رفيلة


-13-
الآن أو أبداً

تجنبت اليكس تناول الفطور مع تيغر خشية أن تصاب بدوار عاطفي مرة وبخيبة أمل أخرى، لكنه بحث عنها، سائراً بكل سهولة في الممر المفضي إلى الشاطئ الذي وجدها فيه جالسة تفكر، عابثة بكومة غير عادية من أصداف البحر كانت قد أمضت ساعات الصباح الأول في جمعها.
- لقد وعدنا جدتك بزيارتها... أنسيت؟ أعتقد أن هذا اليوم مناسب!
- سأحب هذا كثيراً، سأبدّل ثيابي. بيدا
وسبقته إلى الفيلا، فارتدت بعناية ما يناسب الزيارة، راغبة في الحصول على قبول الجدة تينا.. فارتدت ثوبا أخضراً زاهياً من الحرير. ثم سرحت شعرها حتى أسبح ناعماً لماعاً كستارة من حرير أحمر متدل فوق كتفيها.
لجزيرة ريثمنون الصغيرة جو يختلف عن كل الأجواء في شبه جزيرة لا كونيا.. إنها جزيرة يسكنها صيادون ولدوا مع البحر، وهي مقسمة إلى وحدات سكنية منسقة، بينها مصانع صغيرة لتصنيع السمك وتوضبيه، إضافة إلى معاصر الزيتون، ومراكز لتعبئته.. سقوف أبنيتها من الآجر الأحمر ولهذه الأبنية مداخن مرتفعة سوداء، وأمام كل منزل يشرف على البحر مراسي من الخشب. بيدا
وكأنما تيغر يقرأ أفكارها:
- إنه لمن المؤسف أن تترك جزيرة كهذه مهملة.. كانت ريثمنون في زمن ما مرتع التنزه لدى الاسبارطيين وكانت مكسوة بأشجار الفاكهة والبرتقال والزيتون والكرمة، وقد سكنها في تلك الأيام أرستقراطيون وأستقروا في فيلات فخمة.. لكن هذا كان قبل بناء مصانع توضيب تعليب السمك.. حيث أصبحت فيما بعد المورد الرئيسي للسمك في المنطقة. بيدا
- أصحيح أن كل السموم تتلاشى أمام قطرة من زيت الزيتون المنتج في هذه الجزيرة؟
- هذه نظرية رومانسية.. ثبت بطلانها أكثر من مره.. فزيت الزيتون نافع ولو كان من إنتاج أي أرض كان. ومع ذلك أعلم أنك تتمسكين بأوهامك، ولا شك عندي في أنك ستستمرين في الإيمان بأن هذه نظرية صحيحة.
- ردت بمرارة:
- أتلومني إن كنت أجد الوهم أجمل من الحقيقة! بيدا
كان ما يزال مقطب الجبين حين أوقف المركب أمام منزل جدتها، الذي تبعث ث شرفته السوداء من جراء تراكم دخان مصنع قريب، الانقباض في النفس.
صاحت إحدى الجارات متكئة على نافذة منزلها: بيدا
- السيدة خرجت لزيارة صديقتها! أوه.. هذه أنت آنسة كورديس! جدتك ستعود بعد وقت قصير. إنها نادراً ما تغيب عن منزلها أكثر من ساعة، ولم يمضِ على غيابها إلا عشر دقائق... أترغبين في دخول منزل والانتظار؟
- شكراً لك.. أنت لطيفة جداً.. لكن أرغب في زيارة مصنع التعليب، فأرجو أن تبلغي جدتي حين تعود بأننا هنا.
- حاضر يا آنسة... سأفعل هذا. بيدا
التفت اليكس إلى تيغر وكأنها تعتذر:
- أتمانع لو زرنا المصنع؟
- لا فقد مضت سنوات من أن زرت فيها هذه الناحية..
لم تكن اليكس تجد جيران جدتها لطفاء.. وكأنها تعذرهم لأنهم ذاقوا الأمرين من الفقر والعمل الشاق. إلى أن أدهشها هو الطريقة التي استقبل فيها العاملون تيغر. كان كل رجل يتوق إلى أن يصافحه، وبعضهم راحوا يصيحون مرحبين.. وقد تقدَّم منهم مالك المصنع نفسه مرحباً. فقادهما ليريهما مصنعه بكل فخر.
أحست اليكس بالاستياء، فجدَّها عمل مدة طويلة في هذا المصنع ومع ذلك لم تتلق من العمال القدامى الذي يتذكرونه إلى تحيات مؤدبة. لقد رحبوا بها لكنهم رحَّبوا به أكثر بكثير. بيدا
سار اليكس وتيغر جنباً إلى جنب، كان يضع ذراعه حول كتفيها، ويقودها لتتعرف على مراحل التصنيع، وراح يذكر لها معلومات دقيقة عن المصنع تدل على دراسة عميقة لا على معرفة سطحية كمعرفتها، في هذه الأثناء كانت وجنتاها مضرجتين لا من الحر بل من الإحراج بسبب تعليقاته الخبيرة. بيدا
كانت الجدة تنتظرهما أمام الباب حين عادا على منزلها. استقبلتهما بقبلة، ثم أدخلتهما إلى الداخل، لتلتقي نظرة متسائلة على وجه اليكس الشاحب. لكنها لم تعلق على ذلك حتى جلسوا جميعاً بارتياح في غرفة الجلوس المرتبة والنظيفة. حين صبت القهوة، وقدمت طبق البسكويت اللذيذ.. ارتدت الجدة في مقعدها لتقول لتيغر موبخة: بيدا
- توقعت أن أرى حفيدتي مشرقة يا سيد.. وبدلاً من هذا أجدها حزينة شاحبة وكأنها راهبة.
تورد خدا اليكس.. فمن الصعب جداً خداع جدتها ذات العينين الشديدتي الملاحظة واللسان السليط.
لكن تيغر لم يحرج. بل نظر إلى اليكس، والارتباك في عينيها وقال بخفة:
- يجب أن تتعلمي سيدتي، أن اليكسندرا مخلوقة ذات أمزجة متضاربة. فقد ترينها يوماً غاضبة، وفي الآخر رزينة.. إن الرجل لا يستطيع الاستيقاظ كل يوم ليجد أمامه زوجة مختلفة.. ويجب أن أعترف أنني أجد هذا تحدياً مثيراً للاهتمام.
بدا السرور على الجدة تينا: بيدا
- جيد.. فهي تتطلب تفهما أكثر من غيرها كما تحتاج إلى بعض الحزم، لكنني أرى أنها بين أيدٍ عطوفة. والآن.. ألديك أخبار؟ حدد ساشا وفيتار يوم الزفاف الذي سيُقام في الأسبوع المقبل. لقد عارض والدك، في البداية، فقد أرداهما أن يتريثا على الأقل حتى تعودا من شهر العسل. لكن بعد الضغط رضخ. وأقتنع أن إبلاغكما قبل يوم أو يومين من انتهاء شهر العسل ليس بمزعج لكما، لكنه اشترط ألا تعرفا حتى اللحظات الأخيرة.. وسيرسل لكما رسالة قبل يوم من موعد الزفاف لاستدعائكما للحضور.. وقد جعلت زيارتكما لي اليوم إرسال الرسالة غير ضروري. لقد انتهت كل الترتيبات، وأرسلت الدعوات، وكادت تنتهي ترتيبات الزواج, ،أليس مثيراً إجراء عقدّي زواج في شهر واحد؟ أعتقد يا اليكس أن والدك يشعر بالارتياح والسعادة، فمسؤولية السيطرة على ابنتين متمردتين أمر صعب. وأنت يا كونت، يجب أن تكون سعيداً لأن مستبق ابن عمتك قد استقر.. إن زواج ابن خال وابن عمة من شقيقتين لترتيب رائع.. إنه مفيد جداً. بيدا
مفيد! الفائدة كلها من جهة واحدة... كان تيغر وفيتار معروضين للبيع، وأعتبرهما والدها استثماراً جيداً.
أصبح مزاجها عكراً ومتوقعاً وبقيت على مزاجها هذا حتى آن أوان رحيلهما، فجذبتها جدتها جانباً وأظهرت نفاد الصبر معها: بيدا
- لست أدري ما أستطيع فعله بك اليوم يا اليكس! كانت أخلاقك سقيمة. خاصة نحو الكونت الجذاب الساحر المهتم بك. بدأت أرتاب في أن الدلال أفسدك يا طفلتي... ألا تظهرين بعض التقدير لزوجك؟
التقدير على ماذا! لكنها تمكنت من الابتسام.. التقدير على أن والدها اشترى الكونت؟
حين أدار تيغر المركب في نصف دائرة كبيرة، استعداداً للعودة إلى ذلك الشاطئ المستوحش، أحست بأنها سجينة تعود إلى منفاها. فجلست صامتة، على وجهها تعابير الرزانة، تحاول التفكير بكل فكرة على حده وصولاً إلى حل لهذا الوضع الذي أضحى أكثر وأكثر أشد وأصعب. أثرت أخبار جدتها على إمكانية تحررها..فلا بدّ أن يد أبيها، بعد أن مضى قدماً في ترتيبات زواج ساشا، مغلولة الآن. وإلغاء الزواج في مرحلة متأخرة كهذه سيسبب التعاسة لأختها والإذلال لكرامة عائلة بيرتاكس.. لذلك، فالخلاص ليس ممكناً الآن.. وستبقى المشكلة لكن حتام؟ بيدا
حين حاول تيغر مساعدتها في السير عبر الممر الموصل إلى الفيلا.. نفرت منه كارهة لمسته... وصلت إليه رسالة ثورتها وقد بان ذلك من خلال نبرة صوته حين أوقفها قرب الشجيرات الشائكة قائلا ببروج قاطع:
- إني استنتج أن طريقتي في معاملتك كانت غير صائبة. ظننت أن الصبر هو ما أحتاج إليه.. وقلت لنفسي إن هذه الطفلة ما ان تبتعد عن أبيها وتسامحه حتى تتطور وتصبح امرأة ناضجة. لكن مع مرورو الأيام أصبحت أكثر عناداً وعدائية بل أشد مزاجية. حقاً بت أجد صعوبة في كبح اندفاع يحثني على أن أمددك على ركبتي لأنزل بك العقاب اللازم! بيدا
ثم شدها إلى بخشونة لم تختبرها منه فقد برقت عيناه ببرود وهما تطوفان على وجهها المتحدي، وتتحديانها أن تثور: بيدا
- حسناً.. ماذا تفضلين.. الصفع على مؤخرتك أم العناق؟ أنا صبرت على هذا الوضع لأننا وحيدان معزولان لكن عزلتنا ستنتهي عما قريب، وعندها ستحيط بنا العائلة التي ستتساءل عن هذه التصرفات.. وأنا أرفض كل الرفض أن أتعرض لملاحظات كالتي تفوهت بها جدتك..
تقدم رأسه منها حتى أصبحت شفتاه على بعد سنتيمتر من شفتيها.. وتمتم:
- العجوز على حق.. أنت تبدين كالراهبة الطاهرة.. وسيكون من واجبي أن أصحح هذا الوضع. وأعدك عندما نترك هذه الجزيرة يا عزيزتي، بأن أشبع فضول كل شخص يراك إذ ستكون نظرة واحدة إلى وجهك المؤثر، كافية للتأكيد على أنك اختبرت حلاوة الحياة الي هي مكافأة كل عروس شابة مطيعة! بيدا
جعلها الذعر تلتجئ إلى تصرفات التلاميذ الذي كانوا وما زالوا يتصرفون تجاه السلطة بفظاظة... انتزعت نفسها منه وولت هاربة إلى الفيلا حتى وصلت إلى غرفة نومها، التي أسندت على بابها ظهرها لتحل محل القفل المحطم، لكنه لم يتبعها. فانتظرت ما يقرب من نصف ساعة، حتى استلمت تدريجيا إلى الاسترخاء.
تمتم لنفسها: حسناً اليكسّ الآن... أو أبداً.. فهذه ليست تهديدات عفوية.. بل هو يعني كل كلمة قالها.. وهذا يعني أن عليك ترك الفيلا الليلة على الأقل! بيدا
ذرعت غرفتها بتوتر تفكر حتى أرهقها التفكير.. لكنها في النهاية توصلت إلى خطة هرب إثر الأخرى ثم عادت فصرفت النظر عن كل واحدة منها بعجز. فإذا حاولت الهرب بالسيارة فسيأتي راكضاً حالما يسمع صوت المحرك، هذا إذا كانت محظوظة فوجدت المفاتيح. أما إذا ذهبت سيراً إلى الكازينو، فلن تجد مركباً وسيفتقدها قبل أن تصل إلى البلدة، فكرت في طلب العون من ماريكا لكنها عادت فصرفت النظر عنها لأن هذا سيكون حملاً ثقيلاً على ضمير الفتاة، التي رغم تعاطفها معها، تشعر بواجب الإخلاص لمخدومها.
ثم تذكرت سرعة لحاق تيغر بها عندما رسا بالقارب.. بيدا أنسى المفاتيح في القارب السريع؟ وكانت كلما أمعنت التفكير في الأمر كلما اقتنعت بأنه نسيها. لكن من الخطر التسلل لرؤيتها. لأنها إن فعلت قد يتذكر تيغر ولن تجرؤ على هذه المخاطرة... يجب أن تتصرف بحذر كأن تظهر سحرها خلال العشاء حتى لا يدرك ما تفكر فيه.. ثم يجب بعد انتهاء الوجبة وحلول الظلام، الذي سيوفر لها غطاء مناسباً، أن تختلق عذراً لتتركه فترة، وإذا كان تمثيلها مقنعاً، فقد تكون على مقربة من اليابسة قبل أن يبدأ بالسؤال عن طول غيابها. بيدا
بذلت جهدا كبيراً في العناية بمظهرها.. فالثوب الذي سترتديه يجب أن يكون فاتناً لكن دون أن يعيق حركتها حين تركض إلى الشاطئ. وقد وقع اختيارها على تنورة واسعة بنية اللون وسترة مناسبة ذات أكمام طويلة تقي ذراعيها من برد الليل... فالسرعة هي أساس النجاح في فرارها وبما أنه لن يكون أمامها الوقت حتى تلف وشاحاً حول كتفيها. لفت وشاحاً حريرياً حول خصرها كحزام، قد لا يرد عنها البرد كثيراً لكن سيمنعه من عنقها ورأسها.. وأحست بالفخر والذكاء الخارق حين التفتت أمام المرآة، ثم بدأت تسير، وكأنها ممثلة تتجه لتأدية دورها فوق المسرح.
وسرعان ما شرعت في التجربة. فقد دفع تيغر باب غرفتها ودخل. لينظر إلى جسدها بعين الرضى.. نظرة جريئة مليئة بماذا؟.. بالترقب؟ بيدا
ارتجفت داخلياً وأجبرت نفسها على الابتسام، وتحركت نحوه.. بدا عليه الرضى، واعترف بهذا:
- كنت أتوقع أن أجدك مقطبة مرتدية أبشع الثياب في محاولة لتبريد حماستي.. لكن كالعادة أدهشتني بظهورك الفاتن. ترى هل أسأت الحكم عليك مره أخرى؟ هل أصبحت فجأة ناضجة وحكيمة راضية بما سيقع من أمر حتمي؟ بيدا
تمسكت بحاجتها للدبلوماسية، وقاومت رغبة في الصراخ والخدش فقالت بنعومة:
- المجادلة في أمر محتوم مضيعة للوقت، فبدلاً من مقاومة العاصفة، أرتدي معطفاً واقياً.
- أهذه هي طريقتك في الاعتراف بالاستسلام؟
ضحكت غضباً:
- ربما أمهلني بعض الوقت تيغر.
ثم أسرت لبه تماماً حين اعترفت له بضحكة تخطف القلوب:
- قد تعتقدني غبية.. لكنني في الواقع.. أحس.. بالخجل.
ولم يلبث أن أمسك ذراها بحنان ورافقها إلى غرفة الطعام. بيدا

-14-
جارهما القمر

أثناء تقديم العشاء، ذهلت أليكس بمدى غفلة تيغر عن الفخ الذي حضرته، وبلهفته لابتلاع الطُعم. تناولا الطعام على ضوء الشموع... يتحدثان قليلاً بسبب انشغال أليكس بمحاولة تجنب البكاء، ورغبة تيغر بعدم استعجال ساعة النصر التي لاحت له وشيكة، وبقى قانعاً بالانتظار حتى تنتهي الوجبة، وتعود ماريكا إلى منزلها. مرمورية
هنأت أليكس نفسها على أدائها الجيد، فلولاها لما كان يجلس قبالتها كقط متخم، ناعس العينين، مستعدا لمشاركتها اللعبة لدى أول إشارة منها. لكن ملاطفة النمر وحدها لا تكفي فمن أين لها الشجاعة الكافية لجرحه؟
حين انتهت الوجبة، قدمت ماريكا القهوة، ثم نظفت الطاولة... وبعد ذلك، بوقت غير طويل، أطلت ماريكا رأسها من الباب قائلة:
- عن إذنكما، سيدي وسيدتي، سأذهب الآن. إلا إذا كان هناك ما ترغبان...؟
قاطعها تيغر برغبة واضحة في أن يٌترك وحيداً مع زوجته الجميلة:
- لا شيء شكراً لك... تصبحين على خير... سنراك غداً. مرمورية
إذن لقد حان وقت اللعب!
-هل نذهب إلى الصالة طلباً للراحة؟
وقفت أليكس إشارة إلى موافقتها، ثم ترددت قليلاً، واتسعت عيناها وكأنها تذكرت أمراً:
- أوه... ما أشد إهمالي كنت أشعر طوال العشاء، بالشك يراودني. والآن عرفت السبب! لقد أشعلت سيجارة قبل أن أدخل غرفتي ولا أذكر أنني أطفأتها. هلا عذرتني سأصعد للتأكد.
- لا تزعجي نفسك.. سأذهب أنا...
لكنها كانت في منتصف الطريق إلى الباب، فقالت مصرة:
- لا... لن أتأخر أكثر من دقائق.
أقفلت الباب خلفها بسرعة، ثم ركضت بأقصى ما لديها من قدرة إلى المدخل الخلفي ومنه إلى الحديقة، فالممر الطويل، تبارك بعد نظرها لاختيارها خفاً منخفض الكعبين. اندفعت إلى الأمام دون أن تلقي نظرة إلى الوراء... حين وصلت إلى المركب قفزت إليه، وأخذت تتحسس في الظلام بحثاً عن المفتاح الذي من دونه لن تقدر على تشغيل المحرك. فتشت خلال خمس دقائق، تشهق من لهفتها، غير قادرة على أن تصدق أنه غير موجود... ثم رمت بنفسها فوق مقعد المركب ترتجف من برودة اليأس.
- المنافقة.. هو اسم المرأة أليكسندرا بيرتاكس.. أهنئك يا جميلتي على تمثيلك الكذبة بصدق مذهل.
قطع سكون الظلام صوت مرير مثقل بالاتهام. اخترقت كلماته قوقعة رأسها، وأرسلت الحرارة إلى شرايينها في الوقت الذي راح غضبها يتصاعد... فقفزت من المركب ووقفت أمامه.. وقالت تهمس همساً:
- أتجرؤ على دعوتي بالمنافقة! أنت يا من لم تتردد في الزواج مني قبل أن تقطع علاقتك بجانيت.. أنت يا من تتحدث عن زوجة راغبة محبة، وأم لأطفالك، والجميع في إسبارطة يعرفون، أن كل ما تريده حقاً هو حصتك من ثروة أبي. مرمورية
لمعت عيناه الذهبيتان في الظلام، تبعثان القشعريرة في النفس، وترسلان شرارات نارية تشبه شرارات نمر غاضب ثائر.. أحست في داخله عنفاً لم تختبره فيه من قبل، فبدأت ترتد.. لكنها ما خطت أكثر من خطوة حتى وثب الوحش الضاري غارزاً أصابعه الضارية في كتفيها وشدها إلى الأمام يهزها بعنف حتى اصطكت أسنانها وحتى كاد يخلع رأسها من بين كتفيها. وفي الوقت نفسه كان ينفس كلمات مسمومة من بين أسنانه:
- أيتها المتوحشة.. السليطة اللسان! هذه المرة تجاوزت حدك في تجربة صبري.. وقررت أن أروّضك!
أحست بالخوف يُقدم إلى مساعدتها، خوف من هذا الغريب الشرس الذي حل مكان الطبع الأخلاق الصعب الإثارة.. الكونت الذي كان يتحمل إهاناتها، بابتسامة شامخة من طيشها الطفولي حاولت بكل ما تملك من شراسة التخلص من قبضته، لكن حين اصطدمت محاولاتها بالفشل. لجأت إلى آخر سلاح دفاعي لها، بأن مدت مخالبها لتخدش خديه.
- أيتها الشيطانة اللعينة!
رفع يده إلى خده.. وما إن أصبح كتفها حراً حتى انتزعت نفسها منه وهربت في الظلام.
تداخلت الأشواك تحت تنورتها الطويلة، تعيق من تقدمها وتخبطت خطواتها على العشب النامي وفوق الصخور والحجارة وأخيراً وصلت إلى امتداد صلب من الرمال.. فشهقت أنفاساً حادة مؤلمة، ورفعت تنورتها لتركض كالعمياء، لا تعرف ولا تهتم إلى أين قد ينتهي بها المطاف.. إذ كان همها أن تضع ما تستطيع من مسافة بينها وبين الرجل الذي تسمع وقع أقدامه وراءها. كان الرعب يتصاعد في داخلها كأجنحة طير كاسر... فجأة تعثرت وسقطت ففقدت بذلك لحظات ثمينة. أكد لها إحساسها المذعور بأن تيغر دنا منها أكثر فأكثر حتى كادت تحس عندما وقفت بحرارة أنفاسه على مؤخرة عنقها. مرمورية
صرخت بعنف حين أرسلتها ضربة عنيفة على ركبتيها جعلتها تنكب على وجهها فوق الرمال. ثم لم تلبث أن ألقتها يدان قاسيتان على ظهرها. كانت مذهولة حتى لم تستطع إلا التحديق بتحد في الوجه غير النادم.
صاحت بفم ملئ بالرمل:
- حيوان! تصرفت معي بطريقة غير لائقة ولا عادلة. فهذه الحركة لا تليق إلا بلاعب المصارعة على حلبة المصارعة!
- كما أن ردات الفعل العسلية لا تليق إلا بشفتي امرأة تنوي أن تفي بقسمها.
وضغط جسده على ساقيها، ثم أمسك بمعصميها وثبتها على الأرض حتى باتت عاجزة عن الحراك.
- والآن.. ستصغين لما لدي من أقوال!
أحست بالرجفة من تهديده، لكنها كانت عاجزة عن إبداء أية مقاومة إلا الكلام.
- تحدث ما شئت طوال الليل لكن أعلم أنني سأرفض بكل بساطة تصديق أي كلمة تقولها.
مارس أقصى درجات الضبط على النفس، وتجاهل تعليقها:
- فلننته بادئاً من أهم مسألة... أعني جانيت. كنت وجانيت صديقين منذ الطفولة. وهذا ما جعلها، ربما تحس بأن لها الحق في إبداء الرأي في كل ما أفعل.. ولست أدري.. لكن ما أعرفه تماماً أنه لم يكن هناك في يوم من الأيام أي انجذاب بيننا.
توقفت داخل نفس أليكس أجنحة الخوف عن الخفقان، وتسمرت تصغي إليه، ولو على مضض.
- كان عليّ أن أعرف لؤمها وشرورها، أن أحذرك من ميلها إلى التظاهر الدرامي وإلى إبداء تلميحات تخلو تماماً من الصحة... كانت جانيت، في الأسابيع الأخيرة، أبعد الناس من تفكيري. والآن، بعد أن قبلت زواجنا على أنه أمر واقع ستكتشفين فيها صديقة وفية، تناصر الصديق وإن كان ظالماً، ولأنها كانت تجهل وضعنا قالت لي: " تمن عليّ الحظ الذي مٌنيت به " وكانت تعني الحب، لا المال كما اعتقدت.
حين أطلقت أليكس صوتاً يدل على السخرية " هاه! " انتفض لكنه أكمل بخشونة:
- والآن فلنأت إلى المسألة الثانية التافهة، إلى المسألة التي جلبت على القلق الكبير وهي المال، كنت آمل أن أشرح لك هذه المسألة في ظروف ملائمة بل اعتقدت من شدة غبائي أنك بعد معاشرتي ستزول شكوكك. لكن، بما أنك مازلت متحاملة عليّ، وغير متجاوبة مع المنطق، أظن أن الوقت قد أزف لأقول لك إنني بعيد عن الفقر كل البعد، وأنني أستطيع مقارعة ثراء والدك، قرشاً بقرش! مرمورية
فتحت أهدابها المليئة بالرمل، فكشف عن اخضرار عينيها اللامعتين.. وقالت بازدراء:
- لابد أنك تعتبرني بلهاء لأصدق كلامك!
قست قسمات وجهه المتسامحة.. فلم يعتد على ما يبدو أن يتهم بالكذب.
- قد أعطيك البراهين متى شئت.
وبدأ يسيطر على وجهه ملامح من يكره التطرق إلى هذا الموضوع برمته، وقالت له:
- ما كان والدي يخفي عني هذا الأمر.
- طلبت من والدك شخصياً أن يتجنب هذا الموضوع... لأنني لم أرغب أن تعرفي... لكنني على كل الأحوال سأحرره من وعده، ولك أن تسألي أي إنسان تريدين وسترين أنه سيجيب عن سؤالك قائلاً لك إنني بعيد كل البعد عن الكسل، وإنني منذ سنوات عدة أعمل في مجال صيانة آثار مدينتي العريقة.. وخلال هذه السنوات لم أكسب فقط سمعة الخبير، بل كمية محرجة من الذي تبنين عليه كل هذه الأهمية: أعني المال. أنا لم أسعَ وراء هذا الثراء، فقد كان جل همي الحفاظ على آثار وأبنية لا تعوض لمصلحة الأجيال القادمة. وكنت أتمنى لو عملت مجاناً. مرمورية
أغلقت أليكس أذنيها عن الصدق الذي يطل من صوته، فقد كرهت أن تصدق أنها أساءت الحكم عليه إلى هذه الدرجة من السوء... إنها ترفض أن تصدق... ورغم معاناتها من نظرته الحادة.. استرخت، وكورت شفتيها على شكل ابتسامة، لتسأل بنعومة ساخرة:
- هل لديك المزيد من القصص الخرافية لتقصها عليّ؟ إذا لم يكن هناك شيء آخر فأطلق سراحي حتى أعود إلى الفيلا.
حدق تيغر إليها فترة طويلة، بعينين اسودتا غضباً.. كان القمر الضخم يبحر خلال الغيوم، ليحمم بنوره الفضي الفتاة الممدة على الرمل، وكأنها ضحية تنتظر أن يوقع بها العقاب.. ويبدو أن المنظر أثر في تيغر فقد ظهر الوميض الذي كانت تخشاه وبعث الرعب فيها، وحين انخفض رأسه الأسود بطيئاً باتجاه فمها الذي ارتجفت شفتاه ذعراً:
- لم انته منك بعد يا حبيبتي.. ألم تسمعيني أعد أن أروض وحشيتك قبل أن نغادر الجزيرة .
حين أطبقت شفتاه عليها أحست كأن عظامها ذابت فوق الرمال، تاركة وراءها جسداً ضعيفاً، عاجزاً تحت رحمة يدين تشعلان ناراً ملتهبة على كامل جسدها، حيث تجولتا طويلاً... ضحك بنعومة، متنعماً بسيطرته، مكتفياً بأسرها في سحره.
لكن ضحكة النصر الصغيرة تلك كانت سبباً في إبطال سحره عليها... فقد كانت كسوط لاذع أيقظ كرامتها، وأرسل طعنة نجلاء إلى تفكيرها الهاجع.
دست النعومة التي تذيب العظام في صوتها:
- تيغر..! حبيبي! يا لي من بلهاء..
فتنفس الصعداء، ثم استرخت قبضته الآسرة عنها، وعانقها بحب، فراحت تسر في أذنه رسائل هامسة نادمة، وفي الوقت نفسه راحت تمد يدها خلف ظهره بحثاً عن شيء ما في الرمال تدافع به عن نفسها.. وكادت تشهق حين أطبقت أصابعها على حجر كبير.. ولم تمهل نفسها وقتاً لتفكر، بل أمسكته ودفعته بكل ما أوتيت من قوة على رأسه المنحني فوقها. مرمورية
نظرت إليه مذعورة مصدومة تحس بالغثيان ثم تسللت من تحت جسده بعد أن غاب عن الوعي وحملت قدميها وولت هاربة لكن هذه المرة نحو الفيلا.
كانت شهقات عظيمة تخرج منها بحدة وألم، وهي تجبر نفسها على عدم إلقاء نظرة إلى الخلف أو على عدم التفكير في الجسد الممد بعجز فوق الشاطئ. عليها أن تصل إلى السيارة قبل أن يستعيد وعيه. فهذه آخر فرصة للهرب من وضع أصبح ميئوسا منه الآن..
كانت الدموع تتدفق على وجنتيها حين دخلت متعثرة إلى الفيلا.. ثم ركضت إلى غرفة نوم تيغر.. حيث أملت أن تجد مفتاح السيارة. كانت ترتجف حتى كادت تعجز عن فتح الباب، لكن بعد عدة أنفاس عميقة استطاعت السيطرة على أعصابها وفتحته، راكضة إلى الداخل فإذا الغرفة فارغة، وكأنها غرفة راهب... لكن وبينما هي في الطريق إلى طاولة الزينة أحست بوجوده القوي وكأنه جسدي.
كانت رائحة خفيفة من عطر الحلاقة تفوح من وراء باب نصف مفتوح يقود إلى الحمام.. وكانت هناك أيضاً رائحة دخان سيكار.. وبينما كانت أصابعها المرتجفة تفتش بين الأشياء على طاولة الزينة، اصطدمت بأزرار قميصه الذهبية فانقلبت، وإذا بصورة النمر أمام عينيها. أبعدت بسرعة يديها وهربت إلى الخزانة، تفتح الباب بحثاً عن السترة التي كان يرتديها حين أوقف السيارة. بدا لها التفتيش في جيوب سترته خطيئة لا تغتفر، لكنها أجبرت نفسها على البحث. ففتشت بسرعة تدرك أن كل لحظة تمر تزيد من فرص ظهوره عليها غاضباً، مريراً.. متعطشاً للانتقام.
حين أطبقت أصابعها على كومة المفاتيح، كان ارتياحها عظيماً حتى أنها استندت إلى الجدار إلى أن استعادت ما يكفي من قوة لتعاود هربها. وبينما كانت تركض من الدرج إلى الردهة فالكراج، كانت تبارك حظها الطيب.. السحب قد اختفت، والبدر ألقى ما يكفي من نور جعل عليها عملية فتح أبواب الكراج سهلة. بعد لحظات، كانت توجه السيارة خارج الكراج، مرتجفة الجسد. محنية الهام فوق المقود الذي تمسكه بأصابع متجمدة خوفاً.. لقد استطاعت أخيراً أن تتغلب على الكونت الذي طالما تغلب عليها في كل مناسبة. مرمورية
ثم... داست على المكابح فجأة على غير إرادة منها.. لماذا لم يتبعها تيغر بعد؟ إنه ليس ممن يعترف بالهزيمة.. إذن ماهو السبب المحتمل وراء عدم ظهوره؟
كانت مقدمة السيارة متجهة في الطريق نحو الكازينو.. بعد نصف ساعة تصبح هناك، ومع ذلك أوقفت المحرك. وشدت المكبح اليدوي، ثم نظرت متسعة العينين من النافذة وذلك بعدم صدمتها فكرة مرعبة. هل قتلته الضربة؟ أهو ممدد الآن على الرمال بسبب ضربة قائلة وجهتها بيدها إلى رأسه؟
وتأوهت تغطي وجهها بيديها:
- أوه... لا! أرجوك ربي... لا!
ما عادت تذكر فيما بعد كيف عادت إلى الشاطئ، إذ كان كل ما تراه أمام ناظريها منظر جسد تيغر ممدداً دون حراك على الرمال حيث تركته. فانطلقت منها أدعية غير مترابطة وتصاعدت من شفتيها شهقات معذبة أثناء ركضها على الممر، ثم ما إن دنت منه حتى رمت نفسها على ركبتيها. مرمورية
وراحت تبكي:
- تيغر!.. تيغر.. حبيبي! أرجوك كلمني.. لا تمت! لا أستطيع تحمل موتك!
ما عاد لديها فكرة عما قالته أو وعدت به خلال خمس دقائق بدت لها عمراً طويلاً. فقد راحت تمدده على ظهره تمسح الرمل عن شعره وعن جبينه، وتربت على خديه بأصابع مذعورة:
- تيغر.. حبيبي! أحبك كثيراً!
فتشت في ذاكرتها عما تعرفه عن الإسعافات الأولية.. دست يديها داخل سترته بحثاً عن دقات قلبه، فأحست بالخفقات منتظمة تحت راحة يدها.. فتنفست الصعداء ثم راحت تبحث عن تعليمات أخرى فتذكرت " قبلة الحياة ".. أو التنفس الاصطناعي.. فوضعت كلتا يديها حول وجهه وأخفضت فمها إلى فمه.
ما عن تلامست شفتاهما، حتى ارتد إلى الحياة نشيطاً مثيراً... سحقتها ذراعاه وألهبتها شفتاه اللتان كانتا تتمتمان باتهامات خشنة وهو يلقيها على ظهرها فوق الرمال، ويتابع تأديبه لها بأروع طريقة ممكنة، على ألم القلب، والعذاب، والإحباط، والألم الذي سببته له خلال الأسابيع المنصرمة. مرمورية
كانت مصعوقة، مقطوعة الأنفاس، مرتبكة كل الارتباك.. لكنها أدركت أنه خدعها. ورغم ذلك غمرت بهجتها بنجاته كل شيء في هذه اللحظات المذهلة فقد طغت على عذاب الضمير الذي قاسته حين ظنته ميتاً وعلى فكرة أن تعيش ما تبقى من حياتها دون مداعباته المزعجة.. وقبل كل شيء دون حنانه الذي كان يوقف قلبها شوقاً إليه.. هذه اللحظات أقنعتها بأن لا أهمية لمستقبلها العملي وحريتها، أو لقلبها من غير حبه. كل ما أرادته الآن، أن تحس بذراعيه حولها، قبلاته تغمر وجهها، وبكلماته تملأ عليها كيانها وتذيبه. في تلك اللحظات بالذات كانت تسمعها همساً في أذنيها.
- أحبك.. يا حبيبتي! أوه.. يا كنزي! لقد كدت أفقد الأمل.. أخبريني ثانية ما قلته حين ظننتني لا أسمعك.. انظري إليّ بعينيك الصادقتين ودعيني أرى الحقيقة معكوسة فيهما حين تتكلمين.

نسيت كل ادعاءاتها ودست ذراعيها حول كتفيه تحس بعضلاته تتوتر تحت لمستها.. واعترفت له بصوت ضعيف هامس:
- تيغر يا حبيبي أنا.. أحبك كثيراً حتى لا أكاد أستطيع العيش بدونك.
لم تكن قط مكافأة الاستسلام لذيذة هكذا.. فقد احتواها بين ذراعيه وكأنه يمسك أثمن الأشياء، وأرقها وانتزع بعناقه الرقيق قلبها من بين ضلوعها. كان عناقاً حدوده الإخلاص مدى الحياة ختم قلبها، ووسمها إلى الأبد، بوسمة التملك... باسم بيرتاكس.
لم يكن في السماء نجوماً أكثر لمعاناً من عينيها، عندما كان يرفعها قلقاً على مصلحتها وصحتها كالعادة:
- هيا بنا يا حبيبتي.. فلنعد إلى الفيلا.
مدت ذراعيها مفتوحتين وكأنما تريد معانقة كل ما حولها.
- لكن.. لماذا؟
كانت مسحورة بجمال الليل وبالقمر الفضي وبابتسامته الفاتنة. وبتمتمات الأمواج الخفيفة فوق أقدام الشاطئ المتنهد بأغنية الحسد وبالفراش الرملي الدافئ الذي ضمهما بعناق حار.. مرمورية
هزها بلطف... وقد تلاعبت ابتسامة تسامح على وجهه.
- السبب، حبيبتي، هو أن الهواء أصبح تكثر برودة. أضيفي إلى ذلك، أنني لا أريد حين تتذكرين ليلة زفافنا أن تزجريني لأنني تركتك تقضينها فوق شاطئ بارد غير مريح.
أحست بالارتجاف الذي سرى في عروقها، فشد ذراعه حولها.. وسألها بسرعة:
- أمازلت خائفة مني؟
دنت من قلبه تضع رأسها عليه وتؤكد له بتنهيدة طويلة:
- لن أخافك أبداً.. تيغر.
ضمها حتى أحست بأنها طفلة مدثرة بعباءة من الحب. وهزها كمن يهدهدها.. وهو يعدها:
- سأكون لطيفاً معك أليكسندرا. أتثقين بي؟
- دائماً.. وإلى ما لا نهاية يا حبيبي.. مرمورية
وترنحا معاً في طريق عودتهما إلى الفيلا. يجتازان الممر الذي يعرفان أنه يقودهما إلى الجنة، ومع ذلك توقفا مراراً ليتعانقا، ويتداعبا، ويتحدثا... ليزيلا عن نفسيهما كل أثر للشكوك.
- لولا قلقي عليك، لكنت الآن على اليابسة في طريقي إلى المدينة. لقد خدعتني بادعائك الإغماء.. ولقد عانيت العذاب الشديد ظناً مني أنك ميت.
ضغط عليها بشدة وقال ممازحاً:
- عظيم.. أنت تستحقين بعض المعاناة التي تكبدتها بسببك.. بعد أن ضربتني، صعقت لحظات، وحين تخلصت من دواري، كان أول ما تبادر إلى ذهني أن ألحق بك. وأرميك في البحر أولاً، ثم أنفس عن غضبي بضربك على قفاك.
استدارت إليه ساخطة:
- لم تكن لتضربني...!
- أؤكد لك حبيبتي أنني كنت سأنزل بك عقاب الضرب، لكنني حين فكرت بالموضوع ملياً وجدت، أنك إذا كنت قادرة على تركي هكذا فمن الواضح أنك لن تحبيني أبداً وأن الحلم الذي اعتنيت به منذ أن رأيتك لا وجود له، وأن عليّ أن أتقبل نهائياً أنك لست الفتاة المناسبة لي.
وتوقف في منتصف الطريق إلى الفيلا، ليمسك بوجهها الصغير الذي تكسوه الجدية، بين راحتي يديه.
- شكراً لله على عودتك أليكس...! عندما كنت ممدداً هناك على الشاطئ أصغي إلى هدير محرك السيارة التي ستبعدك عني... أحسست بأني أهبط إلى جحيم لا سبيل إلى العودة منه ثانية. ثم... عدت راكضة، تبكين فبدا فجأة أن من العذاب يولد الفرح.. مرمورية
بعد أن قبلها ليتأكد من أنها حقيقة لا خيال... قالت له:
- قلت الحلم الذي اعتنيت به... منذ أن رأيتني..؟
- يبدو أنك تجدين صعوبة في تصديق ذلك.
- وكيف أصدق، خاصة وأنني ظهرت في المرة الأولى أمامك مرتدية أبشع الثياب، وواضعة قناعاً من الدهون على وجهي.. كنت كالمهرج.
- لكن هذا لم يشكل أي فرق لدي. أعترف أن أول ردة فعل بدرت عني عندما ظهرت، متحدية ساخطة، أمام أقربائي المصدومين، كان الضحك أول اندفاع لي... ثم رأيت خلف الواجهة شجاعة ظاهرة، وأدركت أن وراء فناع الدهان، مهرج صغير يبكي.مرمورية
فانضمت إلى صدره أكثر:
- أوه تيغر... يا لتسامحك. أنت تعرفني نعم المعرفة..
- أصبحت جزءاً مني ومن قلبي. معك أسمع كلمة واحدة وأفهم اثنتين. لا آسف إلا على ما أضعناه من وقت طويل.
انحنى ليحملها بين ذراعيه بعد أن لاحت الفيلا أمامهما... وتابع:
- أنا جشع جداً يا زوجتي الصغيرة. فإذا كانت الحياة ثابتة كرسوخ الجبال، لن أهتم.. لكن إذا كانت مراوغة كأطياف السمك اللامع في الماء، فكل لحظة ثمينة يجب أن نحسب لها الحساب.
رفس بنفاذ صبر باب الفيلا ففتحه.. ثم حملها وأدخلها إلى البيت.
سمع لوقت طويل في أرجاء الفيلا أصوات حركة وضحكات، ثم راحت الأنوار تنطفئ الواحد تلو الآخر... ولم يسمح إلا للقمر المبتسم وحده أن يشارك العروسان خلوتهما السرية. مرمورية


تمت

مشاركة