عطر النار

الكاتب: قصتي مشاهدات: 839 التصنيف: روايات أحلام

1- المتوحشة المدللة



كانت منتظرة فى زاوية شارع " بيل " عندما استدارت ليا الى شارع " كاسل "وكان ان عرفتها بسرعة ، حتى وان لم تكن راتها من قبل . كان ماتيوس قد وصفها لها بدقة : شقراء ، ممشوقة القوام ، انيقة ، وهى صفات لا تتزين بها ليا الشقراء إلى ذلك تمتلك كل المؤهلات لتكون سيدة محترمة ، وهو ما تحتاج ليا لتتعلمه .


ضغطت ليا شفتيها وأوقفت اللاندروفر أمام الزاوية تنظر إلى الوافدة الجديدة بصمت ، ودت لو جاءت بسيارة الهوندا ولكنها تجاهلت رغبات الخال متعمدة وكأنها بذلك تؤكد رأيه بها فهو يراها طفلة لا تتحمل المسؤولية .

فتحت بابها لتترجل ولتواجه قمــر الليل المرأة الشابة بتصميم متجهم :
- آنسة لورد ؟ انا ليا وست
أدارت المرأة الشابة نظرة متعالية وقالت مستغربة :
- حقا ؟ أنت قريبة السيد ماتيوس ثورب ! يا إلهى لم يكن بالغ ..أليس كذلك
ازدادت شفتا ليا إطباقا تجنبا للرد الذى تريد إطلاقه .. ولكنها عوضا عن ذلك كظمت غيظها وقالت بجفاء :
- هلا سمحت بالصعود إلى السيارة ..
تحركت عينا الآنسة لورد الزرقاوان المذعورتان إلى السيارة القذرة البالية :
- أركب هذه ؟ أين السيد ثورب ؟
نقلت ليا ثقلها من قدم إلى أخرى :
- لم يستطع المجئ ، فأرسلنى نيابة عنه
- أنها معمودية النار ... دون شك ... أين هو خالك اذن ؟
- وهل هذا يهم ؟
كانت ليا تفقد بسرعة ما تبقى من عطف قد تشعر به تجاه المرأة الشابة ... جعلتها الآنسة لورد تحس بالسذاجة وقلة النضج .. بدأت تتمنى لو جاءت بالمرسيدس كما أمرها ماتيوس . ولو ارتدت غير هذه الملابس ... الجينز البالى والقميص قد يظهران بوضوح رغبتها فى الاستقلاق ، ولكن بالمقارنة مع بذلة الآنسة لورد الخضراء والعاجية . بدا ما ترتديه رخيصا وقذرا . أما شعر الآنسة لورد فقصير يخضع لآخر صيحات عالم الشعر .
سألت الآنسة لورد :
- هل أرسلك خالك لمقابلتى بـ .... هذه ؟
دفع سؤالها المتعجرف أظافر ليا فى الانغراز فى راحتها
- ما أطرفه ! إنها عربة الخيول الأصلية المغطاة دون شك !
ازداد إحمرار ليا وقالت بعداء :
- اضطر ماتيوس للذهاب إلى المكتب فجأة .. هل لنا أن نذهب ؟
نظرت الآنسة لورد حولها بريبة ، وكان أن تولد لدى ليا انطباع بأن تلك المرأة تتوقع ظهور ماتيوس فى أية لحظة ... ربما تظنها تلعب لعبة السائق ... من الواضح من تصرفاتها قمــر الليل أنها تنظر بإزدراء إلى ما تعرضه عليها ليا
عندما كانت ليا متوجهة إلى مقعد القيادة كبحت تهورا يدفعها إلى الانطلاق بالسيارة وترك هذه المرأة هناك فإن لم يكن الاندروفر صالحا لنقلها ، فلتجد طريقها بنفسها إلى " ماتلوك " ولكن بعد التفكير بمسؤولياتها تذكرت أخلاقها الحميدة المتمدنة
سألت وهى تفتح بابها لتصعد :
- ألن تصعدى ؟
انتظرت حتى تتحرك . ولكنها لم تتحرك ، بل نظرت إلى حقائبها بطريقة شخص غير معتاد على حمل ما هو أثقل من حقيبة يد
ازداد سخط ليا على التلميح الواضح ... اللعنة لماذا لا يمكنها ان تضع حقائبها بنفسها فى اللاندروفر ؟ الوقت يمر ، ولا رغبة لديها فى ملاقاة سيارة ماتيوس عند البوابات ، أو تحمل غضبه الذى لا شك فيه عندما يكتشف ما فعلت
نقلت الآنسة لورد حقبية يدها وسترتها من ذراع إلى آخر ، ونظرت إلى الشارع صعودا ونزولا آملة أن تتدخل العناية الإلهية لنجدتها ... مع ذلك لم تتحرك لتصعد إلى اللاندروفر ، توترت أعصاب ليا ما إن شاهدت الأب كريستوفر يخرج من بيت الكاهن الملحق بالكنيسة ويبدأ فى السير باتجاههما .. وآخر ما ترغب فيه ليا الآن هو أن يبدأ القسيس العجوز الثرثار بسؤالها عن سبب وجودها هنا
لعنت بصوت مخنوق ثم دارت حول السيارة ، ففتحت الباب الآخر مشيرة للآنسة لورد بالصعود ثم رمت الحقيبتين بمرونة الشباب فى مؤخرة اللاندروفر وعادت ساخطة لتستوى إلى مكانها
ترددت الآنسة لورد قليلا قبل الصعود إذ راحت تتامل المقعد الجلدى بقرف قبل الصعود إليه . أقفلت الباب وراءها قبل لحظات من وصول القسيس القصير النظر إليهما . أرسلت إطارات اللاندروفر عاصفة من الغبار عندما إنطلقت ليا هاربة .
لم تسترخ ليا إلا عندما أصبحت بعيدة مئات اليارادت .. تعلقت الآنسة لورد بمقعدها خائفة فيما السيارة تثب بتهور فوق " هاي ستريت " .. أصبحت ضواحي القرية خلفهما في بضع دقائق عندئذ رفعت ليا قدمها عن دواسة السرعة قليلا .


سألت الآنسة لورد المتوترة الأعصاب عندما بدا لها اخيرا أن من الأمان إلهاء ليا عن قيادتها :
_ أتقودين منذ زمن ؟
ردت ليا بلا اكتراث , رافضة الوقوع في الشرك :
_ تسعة أشهر .
بدت الدهشة على الآنسة لورد .
_ تسعة أشهر ؟ أبلغني خالك أنك بلغت السابعة عشرة مؤخرا .
_ بلغت السابعة عشرة منذ ستة أشهر ولكنني كنت أقود السيارات في طرقات الأملاك منذ زمن بعيد .. تقدمت لامتحان القيادة بعد شهر من عيد ميلادي , ونجحت .
لم يبد على الآنسة لورد التأثر :
_ حقا . أعتقد أنك تعلمت القيادة على تراكتور أو ما يشابهه .
_ لا .. بل على سيارة ماتيوس المرسيدس .في الواقع كان هو من علمني .
_ ماتيوس ؟ تعنين السيد ثورب .. أليس كذلك ؟ خالك .. ماتيوس .
تنهدت ليا بنفاد صبر :
أجل .. إنما لا أحد يدعوه السيد ثورب .. حسنا .. تقريب لا أحد .. وهو لا يهتم بهذا .
طوت الآنسة لورد سترتها بتأن :
_ غريب ؟ أظنه اسما جذابا يذكرنا بهذه المنطقة , أعني أن هذه أرض بارونية ؟ كان آل ثورب دائما من الشخصيات الرائعة !
اقشعرت بشرة ليا : " لا يشبه ماتيوس أبدا أسلافه , ألهذا جئت إلى هنا آنسة لورد ؟ ألأن خالى جذاب ؟ "
تغيرت القسمات الهادئة الباردة للحظة "
_ أيتها ...
ثم أطلقت بجهد ضحكة خافتة , وقالت بلهجة مرحة مثيرة وساخرة :
_ يا عزيزتي .. لا أستغرب أن يشعر خالك بحاجتك إلى بعض النظام ! فإذا كنت تسبيين لكل ضيوفه الإحراج كما أحرجتني أتصور أنه يجد وجودك متعبا !
ردت ليا متوترة وراحتا يديها تتصبان عرقا على المقود:
_ لست ضيفة .
لقد أخطات بدون شك , وسيغضب ماتيوس منها عندما يكتشف وقاحتها . وهذا يعني أن موعد ذهابها للالتحاق بالمدرسة في سويسرا قد اقترب خطوة أخري . ألم يهددها بذلك مرارا ؟
قالت الآنسة لورد وهي تسوي تنورتها :
_ أظنك مخطئة , فقد أوضح لي خالك أنني سأعامل كفرد من أفراد العائلة , وأن ما سأعلمك إياه سيكون تدريبا لك وصقلا لشخصيتك لا تعليما فعليا .
لم ترد عليها ليا .. فقد كانت تغص إلى درجة الاختناق .. هذا مثالى من ماتيوس .. استئجار معلمة ومربية وقور ثم معاملة هذه المربية , وكأنها هي , وليست ليا , من يحظى باهتمامه . لم تكن تعرف ماذا دهاه مؤخرا .. لم يكن قط على هذا الشكل .. ففى قمــر الليل السنة المنصرمة غدا كثير الاعتراض , ولم يعد يصطحبها , وعندما يزوره ضيوف لا يطلب منها الانضمام إليهم للعشاء .. مع أنه كان معتادا قبل ذلك على تقديمها إلى أصدقائه من الرجال أو من النساء اللاتي كن يدخلن حياته ويخرجن منها سريعا .. وما أكثر عددهن .. إن الأنسة لورد على حق في شيء واحد : ماتيوس رجل جذاب , لكنه لم يتزوج مع انها سمعت بولي يقول للسيدة فلاندرز إنه يجب أن يتزوج .
ظنت انها مسؤولة عن هذا , ففي ليالي مدرستها الداخلية الطويلة كانت تتخيل أن ماتيوس ينتظرها حتى تكبر ليقول لهاقمــر الليل إنه مجنون بحبها ..
كانت الفتيات في تلك الأيام يحسدنها وعندما كانت تحل أيام الرياضة والخطب المدرسية , كانت صديقاتها يرغبن في التعرف إلى خالها الوسيم , في ذاك الوقت كانت تترقب بفارغ الصبر أيام العطل التي تتيح لها بأن تكون معه . ولكن منذ بلغت السادسة عشرة وهو يجد أعذارا لا تنتهى ليتجنبها , وأتت ذورة الإذلال عندما أعلمها أنها أصحبت راشدة مسؤولة .
افترضت انها ملومة جزئيا بسبب رأيه فيها , غير أن إهماله لها هو ما قادها إلى التفتيش عن طرق لجذب اهتمامه . ولم تكن طرق متعلقة في أكثر الأحيان . فعندما اشتري لها سيارة الهوندا في عيد ميلادها السادس عشر , لم يرد أن تقودها إلى أبعد من السور الذي يحد حديقة الخضار والذى حدث للأسف أنها اندفعت بشكل مخز بين شتلات الفريز الثمينة التي يملكها السيد دايلي , لتدمر كل المساكب ولتنتزع بعض الشجرات من جذورها .
كانت عقوبة فعلتها منعها من القيادة مدة شهرين . عندما عادت إلى الدراجة الهوائية مجددا , كان معظم الإحساس بلذة التجربة الجديدة قد تلاشي . بعد ستة أسابيع , نجحت في امتحان القيادة ومنذ ذاك الحين امتنعت عن التصرف بتلك الطريقة الخرقاء .
كان فى حياتها أحداث مؤسفة أخري .. كتسلق إحدى أشجار التفاح في البستان , وإدعاء عدم قدرتها على النزول . كانت تتوقع أن يتسلق ماتيوس الشجرة ليساعدها .. ولكن السيدة فلاندرز استدعت فرقة الإطفاء فكان أن مرت ليا بتجربة محرجة عندما حملها أحد رجال الإطفاء الشبان على كتفه , وكأنها كيس البطاطس .
ولكن الحادثة التي سببت أكبر قدر من الإزعاج , وقعت منذ أسابيع قليلة . في إحدي الأمسيات الحارة من شهر حزيران , قررت قمــر الليل السباحة في المسبح في منتصف الليل , وهناك ضبطها ماتيوس تخرج من الماء شبه عارية .
رنت ليا بطرف عينيها إلى جسد الأنسة لورد الأنيق , فرأت أنها لم تجرب قط السباحة وهي شبه عارية في كل حياتها . فهي لا تستطيع تصور الآنسة المهيبة المتزمتة ترمى برقع المدينة , أو تتصور شعرها مبتلا وأشعت .. لامست ليا شعرها الأسود الحريرى , المضفر في ضفيرة واحدة فوق كتفها . تذكرت أنها كانت مسرورة بطوله الذي أخفي تورد وجهها حياء , وتذكرت كذلك الكلمات القاسية التي أطلقها ماتيوس والتي جعلتها تتمني الموت خجلا وارتباكا .
أفسحت الطرقات الضيقة في " ستافورت " مجالا لظهور جمال غابات " جاكوب هولو " . أما " ماتلوك إيدج " فتقع بين أحضان جمال وادي " النيدل " الممتد الذي لايمت إلى القرن العشرين بصلة إلا عبر مداخن مصنع " ديكون " للمنتوجات الصوفية . كان آل ثورب يتعاطون أيضا صناعة الأقمشة وتجارتها فقد أسس جد ماتيوس الشركة فكان أن أنتجت الخيوط الصوفية المعروفة باسم " ثورب وارستد " في كل منطقة " وست رايدنغ " منذ عام 1908 .. وبعد الجد جاء أبو ماتيوس الذى نوع أعماله واستثماراته , ولكن لماتيوس نفسه اهتمامات مختلفة في صناعات أخري , غير أن المصنع الأساسي استمر في الإنتاج .. اضطرت مصانع أخري للإقفال خلال الكساد الإقتصادي الأخير , ولكن آل ثورب تمكنوا من رفع رؤوسهم .
_ أيبعد المكان كثيرا ؟
أخرج سؤال الآنسة لورد ليا من أفكارها , فنظرت إلى الراكبة لا إراديا وهزت رأسها .
قالت : " لا " ثم هزت كتفيها لتضيف في غير اكتراث .
_ هذا هو المنزل .. هناك , يفصلنا ميل واحد عن مدخل الأملاك .
تأملت الفتاة الأكبر سنا باهتمام ظاهر المبني الحجري المطل على الحقول والغابات .. في الواقع تبدو قمــر الليل " ماتلوك ايدج " مؤثرة حقا ..إنه بيت من النوع الذي يتمني أي إنسان أن يكون ملكه , فطالما أحست بالفخر وهي تظهر للناس أنه بيتها .. ولكن الآنسة لورد كانت مختلفة .. فحدس ليا ينبئها بان هذه المرأة ستحدث تغييرات غير مرحب بها في حياتها . تمنت من كل قلبها لو امتنع ماتيوس عن توظيفها لتكون رفيقة لها .
ارتدت الآنسة لورد في مقعدها وابتسامة خفيفة على شفتيها .
سألت كأنما لنفسها :
_ إذن , هذه هي " ماتلوك ايدج " .. لابد أن خالك رجل ثري .
لم ترد ليا بل عضت على شفتها وهي تحس بتعاسة أن تصريحها السابق عن اهتمام هذه المرأة بخالها لم يكن بعيدا عن الواقع . فعلى ما يبدو أنها لا تجد ضيرا في الانضمام إلى لائحة التائقات ليكن سيدات " ماتلوك ايدج " .. برز فك ليا سخطا .. لا يعقل أن يكون ماتيوس مهتما بالآنسة لورد . . ؟ لن يرغب , بوجود العديد من النساء , في التورط مع مربية قريبة .. بكل تأكيد ! ارتجفت شفتا ليا .. لماذا تهتم ؟ سألت نفسها بغضب , كان في حياته نساء من قبل ولا شك أنه سيكون فيها أخريات .. فلماذا الاعتراض بهذه القوة على مرشحة أخري ؟
الحقيقة أنها لم تر منذ تركت المدرسة امرأة في " ماتلوك ايدج " .. فالفاتنات اللواتي كن يلاحقنها في غرفة المدرسة في طفولتها انسحبن , فما عادت مضطرة إلى ارتداء فستان الحفلات الرسمي أو مراجعة قصيدة شعرية لتلقيها على المتشوقات إلى الاختلاء بماتيوس .
لا تعرف ليا متي أدركت أن هذا هو هدفهن .. فهي لم تكن طفلة نبيهة . ولكنها تدريجيا بدات تفهم سبب التصاق هذه النسوة به .. فهو رجل جذاب بل جذاب جدا .. ماتيوس طويل , نحيل , غير مكتنز العضلات , لين الحركة رشيق . في الواقع أن قسمات وجهه غير سويه قليلا : فوجنتاه عاليتان , أنفه غير مستقيم تماما , وذقنه تدل على قوة لا تلين , ولكن عينيه هما اللتان تضيفان على وجهه الجاذبية الكاملة .. وهما قادرتان على رمي أي شخص برماح فولاذية حية , أو إذابة الثلج بنارهما الزمردية .. تذكرت ليا هاتين العينين عندما مات والدها وزوجته .. كانت زوجة أبيها شقيقة ماتيوس الوحيدة .. أحست اليتيمة ذات السنوات الأربع برقتهما ولطفهما المحب . ما زالت تذكر كيف ضمها بين ذراعيه وحملها بعيدا لتنسي ذكريات موت والدها وزوجته وهما عالقان في سيارتهما تحت عجلات سيارة شحن مزدوجة .. ومنذ ذاك الحين وهو يحملها , بطريقة أو بأخري .
كانت أبواب الأملاك مفتوحة على مصاريعها .. حك ميردوك العجوز حارس البوابات رأسه ساخطا حينما مرت ليا به .. لا شك أنه يتساءل عما تفعله بسيارة اللاندروفر .. تمنت ألا تلاحظ عيناه العجوزتان الراكبة التي ترافقها .
تفصل قطعة أرض منحدرة المنزل عن الطريق , تحيط بالمنزل أشجار سنديان ودردار .. تعرف ليا أن والد ماتيوس اشتراه في مطلع شبابه . يربي ماتيوس الخيول وتعتبر الأرض حول المنزل خاصة , أما سائر الأملاك فمؤجرة للمزارعين الذين كانوا يزرعون أشجار الفاكهة الخاصة بهم , والخضار .
سألت الآنسة لورد , واللاندروفر يتقدم نحو البوابة البيضاء التي تفصل الحديقة عن المنزل وعن موقف السيارات :
_ من يقيم في المنزل . إنه كبير جدا ! لاشك أن فيه دزينة غرف نوم ! أنت لا تعيشين فيه بمفردك مع خالك ؟
_ ولماذا لا ؟ لا أحتاج أنا وماتيوس إلى أحد إلا إلى الخدم طبعا ..
داست على المكابح بعداء لترمي الفتاة الأخرى إلى الأمام في مقعدها .
اغتنمت قمــر الليل الآنسة لورد فرصة نزول ليا لتفتح الباب الأبيض , لتستعيد توازنها . عندما عادت إلى اللاندوفر قالت لها بحدة :
_ عليك فعلا التوقف عن التصرف كطفلة .. أعتقد أن خالك يتوق إلى اليوم الذي تبتعدين فيه عن كاهله .
شدت ليا فكها : " خالى .. كما تسمينه , ارتكب غلطة باستخدامك , آنسة لورد . و إن لم تعجبيني وجدت نفسك في أقرب وقت في طريق العودة إلى لندن " .
- لا أظن ذلك , فقد حذرني السيد ثورب من طباعك الشرسة .. قال إنك متوحشة مدللة .. وإنه مستعد للموافقة على كل ما أفعله في سبيل إبعادك عن كاهله .
_ هذا غير صحيح !
خرجت الكلمات منها بغضب , مع أن عقلها يقول لها ألا تظهر مشاعرها أمام هذه المرأة . فعليها مهما قال ماتيوس ألا تدع هذه المرأة على معرفة بما قد يؤثر فيها .
قالت الآنسة لورد بعذوبة وهي ترفع يديها لتشير بهما :
_ آسفة .. لكن هذا صحيح .. ألا يجب أن تقفلى الباب وراءك ؟ أشك في أن يرغب خالك في خروج جياده لتدوس الورود .
قفزت ليا من السيارة حانقة لتقفل الباب .. وراحت تكبح وخز الدموع من عينيها .. قالت لنفسها , لا يعقل أن يخبرها ماتيوس بذلك ! لا يعقل .
ليس سهلا عليها إخفاء مشاعرها عن الآنسة لورد , لأنها لم تحاول قط إخفاء مشاعرها . كانت تتصرف دوما باندفاع وتهور ولم تكن تخفي شيئا عن ماتيوس , واعتقدت أنه يتصرف بالطريقة ذاتها كذلك . لم تظن قط أن مشاعره وأفكاره تختلف عن مشاعرها وافكارها , وهي لاتتوقع منه تصرفا كهذا . أيعقل أن يتحدث عنها أمام امرأة غريبة ؟ أحست بالألم والإذلال , كما حدث في تلك الليلة في المسبح .
هناك قبل الوصول إلى المنزل بقعة مرصوفة بالحصي في وسطها بركة , قادت ليا السيارة بهدوء حتى وصلت إلى حيث تريد .
ترجلت الآنسة لورد وهي تحدق فيما حولها بسرور ظاهر . نظرتها استوعبت الواجهة البارزة التي تعلو الباب والنافذتين على جانبيه , ثم امتدت إلى أجنحة المنزل الطويلة .
قالت الآنسة لورد بحماس : " جميل " . ثم استدارت إليها مبتسمة إبتسامة ماكرة بعد انفتاح الباب وراءها فجأة .
تسمرت ليا في مكانها وهي توشك على الانطلاق , لكن وجه مديرة المنزل الحنون أطل عليها , نظرت بذهول إلى الوافدة الأنيقة المظهر وإلى اللاندروفر المغبر , الذى كانت ليا تمسك مقوده .
صاحت السيدة فلاندرز بنفاد صبر : " لم تذهبي أنت لملاقاتها .. آه " .
نزلت بسرعة الدرجات المنخفضة لتستقبل الموظفة الجديدة , مدت لها يدها :
_ أنت الآنسة لورد .. هل كانت رحلتك مريحة .. لا بد أنك متعبة بعد طول المسافة .
ردت الآنسة لورد بعذوبة :
_ لم تكن المسافة طويلة إلى هذا الحد . لكن يجب أن أعترف أنني قمــر الليل مسرورة لوصولي .. يبدو أن ظهري قد تلقي عطبا دائما .
قالت ليا : " اللاندروفر مصنوع لأغراض عملية لا للراحة " .
لكن السيدة فلاندرز ألقت عليها نظرة ملؤها التوبيخ وسارعت تقول :
_ يجب أن تبعدي السيارة عن هنا , فقد يعود السيد ثورب و أشك في أنه يوافق على اختيارك مثل هذه السيارة لملاقاة الزائرة .
احدودبت كتفا ليا التي قالت : " الحقائب في السيارة " .
عادت السيدة فلاندرز إلى المنزل تستدعي سام بولي العجوز ليساعدها . لكن ليا لم تستطع ترك العجوز ينزل الحقائب وحده . ترجلت من السيارة والإحباط ظاهر على وجهها وسارعت إلى إنزال الحقيبتين , ثم عادت لتدير المحرك .
كان جورج ماتيسون , الشاب الذي يعتني بسيارات الأملاك والذي يقودها أحيانا وقت الحاجة , في فناء الكاراج يلمع المرسيدس البرونزية التي كان على ليا استخدامها لملاقات الآنسة لورد . انتفض عندما داست ليا على المكابح . دار حول اللاندروفر ليفتح لها الباب وقال حالما خرجت :
_ أراك متوردة الوجه .
نظرت إليه ليا .. كانا فى طفولتهما يلعبان معا في الحقول والغابة وحول مزرعة " ماتلوك " وتلك الألفة ما زالت موجودة .. ردت ليا وهي تدس يديها في جيبيها الخلفيتين :
_ إنها هنا .. وهي بغيضة كما تصورتها .
_ بغيضة ؟ ألم تقولي أن ماتيوس وصفها على أنها امرأة نحيلة , شقراء .
قاطعته بغضب :
_ أوه .. هذا صحيح .. ما أقصده ..حسنا , أنها لم تحبني !
رد بلطف : " ألاتقصدين أنك أنت من لم يحبها ؟ "
كان فى التاسعة عشرة , يكبرها بسنتين لكنهما متساويان في الطول تقريبا .. ليا فتاة طويلة , ولكنها لا تبلغ قوام الآنسة لورد الممشوق .. لاحظت قمــر الليل في الأشهر الأخيرة نظرة غريبة في عيني جورج عندما ينفرد بها تعلم أنه يجدها جذابة وهو جذاب أيضا , ولكن ماتيوس يحتل أفكارها ونادرا ما تنظر إلى جورج كأكثر من صديق طيب .
أسندت ظهرها إلى السيارة مطمئنة إلى تفهمه .. حتى السيدة فلاندرز انقلبت ضدها , وإذا أخبرت الآنسة لورد ماتيوس عن اللاندروفر ..
_ ما بك ؟
أمسك جورج ذيل شعرها المصفر بين أصابعه , وشده بتعاطف فاستدارت تنظر إليه .
_ لماذا تسأل ؟
قاومت رغبة ملحة تدفعها إلى الإفضاء بسرها .
_ اعرفك نعم المعرفة , واظن أن ما يقلقك هو شيء قالته هذه المرأة .. ماذا جري ؟ هل قالت انها وماتيوس أكثر من صديقين ؟ أوه .. هيا الآن ليا , لن تكون المرة الأولى ؟ فطالما حامت النساء حول " ماتلوك ايدج " .
ارتفع ذقن ليا : " قالت إن ماتيوس وصفني بالمتوحشة المدللة " .
كانت تتمتم ببؤس ولكن صوتها ارتفع عندما لم يستطع جورج كبح ضحكته .
_ لا أظن أن ما قلته مضحكا .
صاح جورج وهو يمسك بها : " لكن .. ألا ترين ؟ أنت فعلا متوحشة مدللة .. ولهذا أنت غاضبة ؟ "
_ لا , لست غاضبة .
أحست بالسخط , لكن منظر وجه جورج الضاحك عداها , فتمتمت وهي تدفعه في بطنه :
_ أنت قذر !
ذعرت عندما أحنى رأسه فجأة نحوها .. كان عناقه ملحا ومفاجئا , لم تتوقع منه على الرغم من صداقتهما له تصرفا كهذا .. صحيح أنهما عبثا معا مدة سنوات طويلة , إنما لم يصل بهما الأمر يوما إلى هذا .. كان يضغطها إلى حافة اللاندروفر , فأحست بالاشمئزاز .
_ بحق الله ! ماذا تفعلان ؟
جعلهما التوبيخ الأجش يفترقان , أدركت ليا فيما بعد أن ماتيوس كان غير قادر على كبح اندفاع شديد إلى ضربهما معا , وهي لم تسمع بسبب عناق جورج الملتهب صوت سيارة خالها .. استدارت فرأت البورش الخضراء متوقفة على بعد خطوات . كان الباب مفتوحا بسبب ترجله من السيارة كالثور الهائج , فسارعت تثبت بصرها على السيارة الأنيقة متجنبة النظر إلى وجهه الغاضب القاتم .
صاح مجددا , وقد تقدم خطوة نحو جورج الذي تنحي جانبا بصمت :
_ سألتك ماذا كنت تفعل ؟ اللعنة عليك ماتيسون .. أيجب أن أنتزع منك الرد انتزاعا ؟ منذ متي وأنت على علاقة بها ؟ منذ متي ؟
تمتمت ليا لا إراديا :" لم يسبق أن لامسني جورج . كان يعانقني فقط لذا لا داعى إلى هذا الغضب كله " .
أرادت في تلك اللحظة إبعاد المسؤولية عن جورج , وفي الواقع قمــر الليل أنها هي السبب في ما حدث فقد هرعت إليه متوسلة عطفه وشفقته .
على أى حال , كان بإمكانها توفير أنفاسها .. فقد تجاهلها ماتيوس , وتقدم أكثر نحو جورج الذى اضطر إلى رفع رأسه لينظر إليه ..
قال بوحشة : تذكر هذا جيدا . إن وضعت إصبعك ثانية عليها سأحطم عنقك اللعين ! أسمعتني ؟
مط جورج شفتيه إلى الأمام في محاولة يائسة للتحدي : " سمعتك " .
ولكن ماتيوس كان قد ارتد على عقبيه , قائلا لليا بعبوس وهو يتجه إلى المنزل :
_ هيا معي .
ألقت نظرة مواساة نحو جورج ثم ابتعدت إذ لم يكن لديها خيار إلا الطاعة .


***********************************

2 - دروس في التهذيب



عندما كانت تستعد ليا للعشاء ذاك المساء وجدت نفسها تتذكر الدقائق العاصفة مع ماتيوس مرات ومرات . حاولت أن تستكشف لماذا حصل هذا , وكيف . لولا وصول ماتيوس في الوقت غير المناسب , ولولا إساءته تفسير ما رأى ولولا عدم تصرفها غير الناضج , لما كانت تحس الآن بمثل هذا البؤس .
جلست إلى المقعد الصغير أمام قمــر الليل طاولة الزينة , تتأمل صورتها بكآبة وقرف . طالما بدت بسبب الدموع مبقعة الوجه بالاحمرار , منتفخة العينين . وقد بكت الآن أكثر من ساعة بعدما تركها ماتيوس تصعد إلى غرفتها .. وها هو أنفها يبدو كأنف شخص مصاب بالزكام , ولا تظن أن الماكياج قادر على إخفائه .
لماذا تشعر بعد كل شجار بانها ضحية ؟ وكيف يستطيع ماتيوس بعد كل شجار صرف النظر عنها في لحظة إذ سرعان ما يتحدث إلى السيدة فلاندرز بلهجة عادية ؟ هذا ليس عدلا ! لم تعد طفلة .. ولكنه يصر على معاملتها كطفلة .
لم تكن غاضبة بسبب تلك المعاملة التي عامل بها جورج بل على العكس فلو صدقت مع نفسها لاعترفت بأن ظهوره أراحها فقد حذرتها تصرفات جورج من المخاطر الكامنة في علاقتهما خاصة وانها غير مهتمة به أبدا .
على أى حال , لم يكن ماتيوس مستعدا للسماح والنسيان , فما أن ابتعدا عن مرمي السمع حتى ألقي عليها نظرة ملؤها الازدراء .
_ منذ متي ؟ منذ متي وأنت تسمحين لهذا القزم الأبله يلمسك ؟
- لم يلمسني .. لم يكن هذا .. ما أعنيه , أن الأمر ليس كما تظن ماتيوس .. الأمر فقط .. حسنا , عندما أعدت اللاندروفر تعاطف معي .. وأعتقد أنني أنا السبب .
توقف ماتيوس فجأة أمام البوابة التي تقضي إلي الحديقة .
_ ماذا تقصدين ؟ هل اصطدمت بشيء باللاندروفر ؟ لقد حذرتك سابقا من القيادة بسرعة .
قاطعته يائسة : " لم أقد بسرعة .. ولم يقع لي أى حادث " .
_ لماذا إذن الحاجة إلي التعاطف معك ؟ ماذا حدث ليا .. ؟ ماذا فعلت ؟ من الأفضل ان تخبريني أنت قبل أن تخبرني السيدة فلاندرز .
رفعت إليه وجهها بوجل وخوف , لأن ما تفكر فيه لم يعجبها .
_ أتعني .. أنك لم تر السيدة فلاندرز ؟
_ لا .. توجهت مباشرة إلى الكاراج .. لماذا ؟
هبطت كتفاها إحباطا :
_ أوه .. يا إلهي ! ظننتك عرفت بل ظننت أن هذا هو سبب غضبك ..
صاح متوترا : " عرفت ؟ ماذا عرفت ؟ حبا بالله ليا , أدخلى مباشرة بالموضوع .. ما المفروض بي أن أعرفه ؟ "
هزت رأسها : " ألا تذكر ؟ "
_ ماذا ؟
_ أين .. أين طلبت منى الذهاب بعد ظهر اليوم .
_ أين طلبت منك الذهاب ؟ لا .. لا أذكر .. اللعنة .. بلى ! بلى طبعا .. أذكر جيدا !
نظر إليها والفهم يزحف إلى وجهه :
_ اللاندروفر ! ذهبت لملاقاة كاتي لورد باللاندروفر ! ياالله نسيتها !
طمأنها قوله هذا ولكن طمأنيتها لم تعمر طويلا . فقد جف الدفء من وجه ماتيوس , وأحرقت عيناه وجهها , وصاح بغضب عنيف :
_ أيتها الكلبة الماكرة .. أيتها المؤذية المتوحشة .. ! أنت تستحقين ضربا مبرحا وسيحدث هذا في يوم ما .
شدتها كلماته الشرسة من حافة الشفقة على النفس , وجمعت ما تبقى لها من ثقة بنفسها , لتواجهه بشجاعة :
_ إن من هو أفضل منك لن يتجرأ أو يقدر على ذلك يا ماتيوس ثورب !
انتزعت نفسها من قبضته وهرعت نحو باب المطبخ ... ومن هناك ارتقت قمــر الليل الدرج الخلفى المفضى إلى الطابق العلوى ، كانت تشك فى أن يلحق ماتيوس بها ، وكانت على حق ، ومع ذلك لم تتوقف حتى أقفلت باب غرفتها وراءها .
نهضت الآن عن كرسى طاولة الزينة لتنظر إلى ما حولها بعينين مضطربتين ، لقد مرت ثلاث ساعات على مواجهتهما ... وهى تخشى مما ستجده عندما تنضم إليه وإلى كاتى لورد على العشاء ... كانت السيدة فلاندرز قد نقلت إليها الأمر ولكنها لما رأت الوجه المغرورق بالدموع صاحت :
- كان عليك التصرف بطريقة عقلانية . الأفضل أن ترتدى ملابس أفضل من هذه فقد أرسلنى خالك لأخبرك أنه بانتظارك على العشاء هذا المساء ... يريد منك مقابلة الشابة التى وصلت اليوم .
تمتمت ليا " سبق أن قابلتها ".
ولكن السيدة فلاندرز نظرت إليها غاضبة وقالت :
- سمعت أنك رفضت التحدث بطريقة محترمة مع الشابة . إن كنت لا تريدين أن يصعد ماتيوس إلى غرفتك ليجرك من شعرك ... فأسرعى بالنزول .
تنهدت ليا وهى تفكر ، ثم مررت أناملها على دثار السرير الحريرى . عليها إرتداء ما هو مناسب لهذه الأمسية ... ولكنها تتمنى لو تستطيع تجاهل الدعوة إذ لم تكن فكرة تناول العشاء برفقة كاتى لورد مستساغة ، ومهما قال ماتيوس فلن تسامحه أبدا على الطريقة التى كلمها بها .
تطل غرفتها على جانب المنزل وما خلفه ، فيمينا تمتد منحدرات " جاكوب هولو " الغنية بالغابات حيث بدأت الخفافيش تجولها الأعمى فى ما بين الأشجار . وشمالا ملاعب التنس والمسبح .. الغرفة نفسها واسعة ومنسجمة مع محيطها . ففيها خزائن طويلة ثابتة وطاولة زينة مربعة ، ومرايا ذات إطارات محفورة وسرير ضخم يتسع لنصف دزينة من الأشخاص .
تذكرت ليا خوفها عندما وضعها ماتيوس للمرة الأولى فى هذا السرير ، ولكنه كان قادرا دائما على تهدئة مخاوفها الطفولية .. تعرف أنه أمضى عدة ليال معها بسبب إستيقاظها مذعورة من كابوس مرعب وطالما وجدته معها يهدئ روعها ويبعث الطمأنينة إلى نفسها .
اعترضت والدته التى كانت تعيش فى " ماتلوك ايدج " فى تلك الأيام ، بعد موت زوجها . كان ماتيوس فى الثامنة عشرة من عمره عندما مات والده . فى ذاك الوقت ترك الجامعة ليدير شؤون أبيه ، وكان فى العشرين من العمر عندما جاءت ليا لتعيش معه ومع أمه ... ولكن الأم لم تترك فرصة سانحة إلا وأنبته على قراره المتهور ...
- ليست الطفلة بقريبة لنا ، سيتكلم الناس ماتيوس !
غير أن محاولاتها باءت بالفشل إذ كان ماتيوس مصرا على موقفه .
فتحت ليا أبواب الخزانة تنظر إلى الثياب مفكرة . الحمد لله لأن السيدة ثورب لا تعيش هنا الآن إذ لم توافق قط على قرار إبنها ، ولم تترك فرصة إلا نكدت فيها عيشة الفتاة بسبب مجيئها إلى ماتلوك ايدج .
مع مرور الأيام ، تعلمت قمــر الليل تجاهل نظرات الشفقة وإهانات وانتقادات السيدة ثورب التى كانت تنغرز فى ضلوع ليا بقسوة وإيلام والتى ما كانت تبدر منها إلا عندما يكون إبنها بعيدا . ما إن بلغت ليا العاشرة حتى غادرت السيدة ثورب المنزل لتعيش فى مانشستر ... فقد كانت تملك شقة هناك وقد دأب ماتيوس على زيارتها شهريا ولكن وجود ليا المستمر تسبب بصدع بينهما يصعب وصله ... لم تثر الثياب التى تواجهها حماستها . فهى تفضل الجينز أو السراويل الصوفية على هذه الفساتين القديمة الطراز . لقد اعتادت مؤخرا على تناول الطعام فى غرفتها ، حيث كانت تقضى الأمسية أمام التليفزيون النقال وكانت تفضل ذلك على الجلوس فى غرفة الطعام .
أما عندما تنضم إلى ماتيوس للعشاء فتكون ملابسها عبارة عن بلوزة وتنورة ، لكنها تعلم أن كاتى لورد لن تحضر إلى العشاء بملابس عادية .
أخرجت باندفاع فستان سهرة ارتدته في مناسبة ما قبل سنتين .. كان فستانا كثير الأهداب , مصنوعا من قماش رقيق .. ولكنه حتى في تلك الأيام لم يكن يناسبها . إنه فستان اختارته باندفاع أخرق لتظهر فيه بمظهر المرأة الراشدة ولكنها الآن لا تفهم كيف اختارته . يا لذوقها السقيم !
ماذا لديها سواه ؟ لو طلبت من ماتيوس ملابس جديدة لاشتراها لها , ولكنها كانت مشغولة بركوب الدراجة على الظهور بمظهر المرأة الجميلة . لقد فات الأوان وعليها ارتداء ثوب من هذه المجموعة بسرعة قبل أن يجد ماتيوس سببا آخر للغضب .
قررت وبعد حمام سريع ارتداء بلوزة وتنورة , كما في السابق . كانت تحاول جاهدة إقفال أزرار البلوزة عندما انفتح باب غرفتها , ولأنها ظنت أن القادمة هي السيدة فلاندرز سارعت إلى القول بتوسل .
_ أعرف .. أعرف .. لكنني لا أتمكن من تزرير البلوزة ..
توقفت فجأة عندما شاهدت ماتيوس وراءها . كان يرتدي ثياب العشاء وهي عبارة عن بزة خفيفة بنية تناسب مع بشرتة السمراء وشعره الأشقر . كانت البذلة ملتصقة بجسمه الرشيق بأناقة , تزيد من إبراز خطوط جسده وطول ساقيه القويتين .
_ أوه !
استدارت بحدة عندما رأته , وأحنت برأسها لتركز على ما تفعل .. ولكن ليس قبل أن تلاحظ أنه لا ينظر إليها الآن بغضب .
قال باختصار : " هاك , سأساعدك ".
تقدم من الخلف حتى أصبح ظلهما للحظات واحدا أمام النور الخفيف ..
تمتمت : " لا , أعنى أنك .. لا تستطيع ".
أكملت تزرير البلوزة بسرعة فتركها وسار في الغرفة وكأنه لا يريد أن يقول ما يجب أن يقال . أخيرا , التفت إليها , وقد عاد بعض الغضب إلى وجهه وعينيه :
_ اسمعي .. قمــر الليل أظننا كنا أخرقين بعد ظهر اليوم . أعترف أننى تكلمت بتسرع . لا أقول إنه لم يكن هناك مبررا لما قلت ... لكن .. حسنا لم أقصد أن أجرحك كما فعلت .
ارتعشت شفتا ليا , وأدارت له ظهرها لتفك الرباط الجلدي الذي يمسك بضفيرتها , وقالت بصوت منزعج مرتبك :
_ ومن قال إنك جرحتني ؟
أطلق ماتيوس شتيمة مخنوقة قبل أن يتقدم إليها :
_ اخبرتني السيدة فلاندرز أنها وجدتك تبكين .
شدت ليا بعنف على شعرها الذى كانت تفك ضفيرته:
_ أوه .. السيدة فلاندرز !
أبعد يديها مرة أخرى ثم راح يتولى فك ضفيرتها .. ليترك الشعر الكث ينسدل بين أصابعه .
_ أعتقد أننى بالغت في ردة فعلي . ستبلغين قمــر الليل الثامنة عشرة السنة القادمة , وهو عمر مناسب للزواج . وهو عمر لا يخولني أيضا الاعتراض على اختيارك السماح لماتيسون الشاب بمعانقتك .
انتزعت شعرها من قبضته , ومدت يدها للفرشاة :
_ آه ! لاتكن سخيفا !
ظننته لبرهة من الزمن نادما على غضبه الذي اشتعل عندما عرف بمعاملتها للآنسة لورد ولكنه عوضا عن ذلك سامحها على ما فعله جورج .
أضافت صائحة بحدة :
_ لست مهتمة " بماتيسون الشاب " كما تسميه ! ولا تعاملنى بهذه الطريقة المتساهلة ماتيوس , فلست والدي !
رد بحدة استجابت لحدتها :
_ ربما لست والدك . ولكنني في عمر يؤهلني أن اكون والدا لك , والآن بعدما اتضح لي أنك غير راغبة في مسامحتي فسأذهب , وأدعك تنهين زينتك .
لم تغب عنها السخرية في كلامه فتاقت إلى أن تقول شيئا يزيل نظرة الخبث عن وجهه .. إنما لن تستفيد من إثارة عدائيته ثانية , خاصة وصورة الأمسية تلوح أمامها , وكأنها زيارة لطبيب أسنان ..
قالت بهدوء : " شكرا لك " .
وتركته حتى وصل الباب ثم أضافت بلهجة متسامحة :
_ مسرورة أنا لأنك لم تعد غاضبا منى ماتيوس .
رد وفمه يلتوي اعترافا بردة فعلها المضادة :
_ لا أذكر أننى قلت إننى غير غاضب .. لكننى أريد منك أن تعرفي أننى ليست غير مكترث بواقع أنك تكبرين .
التفتت إليه , كان شعرها ملتفا على كتفيها , وجهها مشعا بأمل فجائي . قالت قمــر الليل بإثارة : " أتظن ذلك ؟ أحقا أنك تظن ذلك ؟ "
_ أجل .. تجعلينى أبدو عجوزا .
قبل أن تستطيع الرد , خرج من الغرفة .
كانت الأمسية بالبشاعة التي توقعتها ليا . تناولوا العشاء في غرفة طعام العائلة وهى إحدي الغرف الصغيرة في " ماتلوك ايدج " فيها طاولة مستديرة , عمرها قرن . تطل في وضح النهار الغرفة على شرفة تقع في آخر المنزل .
كما توقعت ليا ,حضرت كاتى لورد للعشاء أنيقة فقد ارتدت فستانا من الشوفين الحريري الأزرق الفاتح تاركة الحرية لكتفيها , لم تكتسب اللون الأسمر من الشمس كحال ليا التي اكتسبته منذ الطفولة .. بل كانت بشرتها بيضاء بياضا لم يسبق أن شاهدت مثله .
أحست ليا , بتنورتها الكحلية المثناة وبلوزتها البيضاء أنها عادت من جديد تلميذة صغيرة . عرفت أن الآنسة تستمتع بهذا التباين الواضح بينهما .. وتمنت لو ارتدت الفستان القديم الطراز . كان ماتيوس على الأقل سيلاحظها وهى ترتديه .
سرعان ما بدا واضحا أن كاتي لورد قد استفادت من الوقت الذي أمضته ليا " حيرانة " في غرفتها .. فقد كانت و ماتيوس على اتم اتفاق , ولن تبدى دهشة إن نادته باسمه الأول .. ولكنها لم تفعل , بل استمرت تناديه بالسيد ثورب , مع أنها كانت تلفظ اسمه بمودة وألفة . كان الحديث يجري بينهما بسلاسة , وكأنهما متعارفان منذ سنوات لا منذ ساعات .
قال ماتيوس لكاتى :
_ كنت أيضا محظوظا لأننى ذهبت إلى حفلة أندرو تورنر , فنحن لسنا صديقين بالفعل بل زملاء وما ذهبت إلى هناك إلا لمحادثته بشأن طلب استيراد .
ردت كاتي لورد باهتمام ملح :
_ كنت أيضا محظوظة .. اعني , أننى لم أكن أعرف ما كنت سأفعل , كان إيجار شقتي قد استحق وأنت تعلم أن مؤهلاتي لا تؤهلني إلى وظيفة عادية .
تدخلت ليا بأدب متجاهلة تنفس ماتيوس الحاد :
_ وما هى مؤهلاتك آنسة لورد ؟
ضحكت الفتاة ضحكة متسامحة :
_ آه ! أخشى أنى مثلك تربيت دون أن أهيا نفسيا لمستقبل أضطر فيه للعمل . كان والدي مؤلفا ناجحا للكتب التقنية .. لكن حين مات كانت واجبات الجنازة معقدة لي .. وتركتني مفلسة , لا أجيد إلا إرتداء الملابس الأنيقة والظهور بمظهر جميل .
أدارت عينان عاجزتان إلى ماتيوس وهي تقول هذا , فأحست ليا بأنها ترغب في التكور مبتعدة من شدة الإحراج . يا الله ! أتظن كاتى حقا أنها ستنجو بكلامها هذا .. ؟ لكن يبدو أن ماتيوس تقبل كلامها بدون أن يضحك , وقال :
_ هذه مؤهلات مثالية بالنسبة لي .. أعتقد أننى ملام لأننى تركت ليا تفعل كل شيء إلا تهذيب تصرفاتها . أظن أن الوقت حان للبدء في أن تتصرف تصرف ابنة الأخت المهذبة . كانت والدتي على حق عندما قالت إننى تركتها تترعرع كغجرية !
شهقت ليا ولكن قبل أن تجيب قالت كاتي :
_ أجل .. وكل ما أمله أن تكون مستعدة للإصغاء لي .. فالإنسان قادر على تعليم من يريد أن يتعلم .
رد ماتيوس بطريقة تثير الأعصاب : " واثق بأنها ستصغي " .
اشتد ضغط فكي ليا بسبب تعمد إثارتها .. كانا يتحدثان وكأنها غير موجودة .. أحست قمــر الليل برغبة طفولية في الخروج من الغرفة ولم تذعن إلى رغبتها , بل نظرت إلى ماتيوس نظرة ساخرة كتلك التي يحدجها بها , وسرعان ما تلاشت السخرية عن وجهه ليحل محلها التفكير الكئيب ..
قاطعت كاتي أفكارهما : " منزلك جميل " .
تأكدت ليا أن الفتاة لاحظت ان اهتمامه قد عاد فجأة إليها , ولذلك تحاول أن تشغل تفكيره :
_ أهو ملك العائلة منذ سنوات طويلة ؟ لاحظت الحفر على الدرج .. أهو لجيبونز ؟
_ بل لفنان آخر معاصر له .. الواقع أن جدي اشترى المنزل في مستهل هذا القرن .
أنهت كاتي طعامها وأسندت ظهرها إلى كرسيها تنظر إليها بثقة :
_ إن هذا لمثير للاهتمام ! كان " دادي " يملك منزلا في كرونويل .. اشتراه بعد وفاة أمي .. فقد وجد أنه قادر على العمل هناك أكثر من لندن . كان عدد أصدقائه كبيرا , لذلك ابتعدنا .. فهو بحاجة إلى العزلة ليتمكن من الكتابة .
عادت ليا إلى التدخل عازمة على ألا يتجاهلاها :
_ أنا دهشة . لماذا لم يعرض عليك أحد أصدقاء أبيك عملا .. أعني , لهذا هم الأصدقاء , أليس كذلك ؟ لمساعدتك وقت الشدة واليأس .
اشتد ضغط شفتي كاتي :
_ لم أكن .. يائسة بالضبط ليا .. في .. الواقع .. عرضت علي عدة مراكز .. لكن المهم هو إيجاد العمل المناسب .
تبادلت مع ماتيوس إبتسامة تفهم . أضافت : " أنت تفهم قصدي , أليس كذلك سيد ثورب ؟ من المهم لفتاة تلقت تربيتي أن تجد عملا تشعر فيه بالراحة " .
هز ماتيوس رأسه : " أقدر لك هذا " .
ولكن ليا أصرت بشكل مزعج :
_ تقصدين أنك رفضت تنطيف الأرض أو العمل على الحاسبات في سوبر ماركت .
سرعات ما شاهدت أظافر كاتي تنغزر في راحتي يدها وهي تقاوم لترد عليها بطريقة مهذبة .. نظرت باتجاه ماتيوس نظرة متساهلة .
_لم يطلب أحد منى هذا النوع من الأعمال .
ولكن ليا لم تترك الأمر يمر ببساطة .
_ لا أري ما يمكنك فعله غير هذا .. أقصد , أنك قلت إنك لاتملكين مؤهلات ..
_ كفي ليا .
قطعت مقاطعة ماتيوس المفاجئة عليها ما تريد السيطرة عليه حتى النهاية .
_ تعرفين أن الآنسة لورد تتحدث عن ..
قاطعته الآنسة لورد : " آه ! كاتى أرجوك " .
_ حسنا , كاتي إذن ! أنا واثق أنك تفهمين ما تحاول كاتي قوله , وبما أننا نتحدث في هذا الموضوع فدعيني أقول إننى أتوقع منك أن تعاملي ضيفتنا بإحترام لم تظهريه حتى الآن . لقد اعتذرت لها عن استقبالك لها باللاندروفر , وكاتي مستعدة لمسامحتك ولنسيان الأمر وأنا كذلك , شرط ألا تكرري تصرفك مرة أخري .. هلا كلامي واضح ؟
_ كل الوضوح !
وقفت ليا متوترة وجهها يكاد يحترق من فرط الاحمرار .
_ والآن .. بعدما اتضح أنكما لا تحتاجان إلى أبدا حتى تناقشا مساؤليئتي , فهل تسمحان لي بالذهاب إلى الفراش لأننى أشعر بالتعب ؟
قال ماتيوس بحدة : " ليا " .
ولكنها كانت قد دفعت الكرسي إلى الوراء , تواجهه بتحدي متهجم .. فتمتم رافعا كتفيه :
_ لا بأس إذن .. اذهبي إلى الفراش قمــر الليل , سأتحدث إليك ثانية في الصباح .
لم تستطع أن تتمنى لكاتي ليلة سعيدة ولكنها جاهدت حتى تتمتم :
" ليلة سعيدة وبعد ذلك تركت الغرفة , رافعة الرأس . جاهدت حتى تمنع دموعها من الانهمار .. لقد كان يومها كارثة .. وتخشى الأيام القادمة لأنها لا تتوقع أن تكون أفضل منه .

***********************************

3_ من علم الطفلة ؟


قضم الجواد " آربر " قطعة السكر من يد ليا , وأخذ يشم جيبها باحثا عن المزيد .


تمتمت تمسح وجهها بأنفه الناعم : " آسفة ! ليس معي المزيد .. يجيب أن تشكرني فالسكر يؤذي الأسنان " .


صهل آربر صهيلا خفيفا في أذنها وأمسك ياقة قميصها بأسنانه يشدها بمحبة .. في الواقع هو جواد ماتيوس .. ولكنه كان يتلقي هموم ليا منذ جلبه إلى " ماتلوك ايدج " .. كان عمال الاسطبل يخشونه ولكنه كان مثالا للصبر والتعاطف مع ليا .
من المؤسف أن سكان ماتلوك لا يركبون حاليا الخيل كثيرا . عندما كانت ليا صغيرة اشترى لها ماتيوس جوادا صغير الجسم من نوع " البوني " , وعلمها الركوب . كانا معا يقطعان التلال والأودية حتى منطقة " الوست رايدنغ " .. ولكن منذ أن شبت وهو يدعي الأنشغال وكثرة العمل تجنبا لركوب الخيل معها . وإذا أتيحت لها الفرصة وجدته برفقة ضيوف دعاهم إلى منزله .
ما إن أصبحت في السابعة عشرة حتى تعلمت قيادة السيارات فكان أن هجرت الجياد , ولكنها كانت تأتي دوما لتزور آربر كلما احتاجت إلى الإفضاء بمشاكلها إلى أحد ما . تنهدت الآن باكتئاب لأنها أدركت أن مشاكلها الراهنة أكثر المشاكل صعوبة.
أيقظتها أصوات الرجال من استغراقها في التفكير . فاستقامت على مضض . كان بين الأصوات صوت ماتيوس . يكاد الوقت يبلغ السابعة صباحا .. ألا يمكنه ترك حتى هذا الوقت لها ؟ ألن تجد وقتا خاصا بها بعد وصول كاتي لورد إلى المنزل ؟
كانت الأصوات مسموعة ومع ذلك لم تستطع سماع ما كان يقال , ولكنها تعلم قمــر الليل أن السائس لن يضيع وقتا في أن يقول لسيده إنها هنا .. ربما من الرحمة لها أن آربر موجود في الاصطبل خلال الليل , فهكذا ستتمكن من التسلل من الجانب الخلفى بدون أن يراها ماتيوس .. غير أن العتمة التي اكتنفت المدخل فجأة , سمرتها في مكانها مع أنها رفضت الاستدارة تجنبا لإلقاء تحية الصباح , وكأن ما حصل ليا أمس لم يحصل .
_ ليا !
كادت نبرة صوته المثيرة التي يستخدمها في مناداتها تجعلها تلين .. ولكنها استمرت في التربيت على رأس آربر , متجاهلة الصوت الذي أطلقه .
_ ليا .. أريد التحدث إليك .. فكوني مؤدبة واستديري لتواجهيني !
التفتت إليه وهي تمد ذراعيها فوق السياج الخشبي .
_ حسنا .. ؟ ماذا تريد ؟ هل دعوت الآنسة لورد لركوب الخيل معك , أتريد أن أرافقكما ؟
نظر ماتيوس إليها من بين جفنين ضيقين . كان يرتدي سترة خضراء طويلة لا أكمام لها , وسروالا مماثلا , فبدا لها جذابا بشكل لا يصدق .
_ أمر مؤسف .. لأننى كنت أنوي دعوتك للركوب .. إنما ما دمت لا تشعرين بالرغبة .
زمت ليا شفتيها ساخطة : " لاأصدقك " .
_ هذا ما قلته أنت لا أنا .
_ لا .. فأنت تعرف قصدي .
حركت رأسها متجنبة مداعبات أنف آربر .
_ لا أصدق أنك كنت تنوي دعوتي إلى الركوب , فأنت لا ترتدي الملابس المناسبة .
هز كتفيه ولوى فمه : " أستطيع امتطاء الخيل بهذه الثياب وبغيرها من الثياب . هل أفهم من قولك أنك لا ترغبين في إمتطاء الخيل ؟ " .
هزت كتفيها ثم نظرت إلى ساقي بنطلونها :
_ هل الآنسة لورد مدعوة ؟
_ لا .
رفعت بصرها إليه بدهشة : " ليست مدعوة ؟ " .
نظر إلى الفناء الخارجي :
_ لا .. والآن هل ترافقيني أم لا ؟ ليس لدي وقت .
سحبت ذراعيها من الوضع المتحدي , ورددت :
_ أعتقد .. أنني سأرافقك .
_ عظيم .. ستجدين ماكسمول قد أسرج لك " ميراج " اذهبي إليه فيما أعتني أنا بآربر .
وقفت قربه ساخطة :
_ كنت واثقا من موافقتي , أليس كذلك ؟
تجاوزها ماتيوس , ينصحها باختصار :
_ دعك من إضاعة الوقت .. يجب أن أكون في " برادفورد " في تمام العاشرة .
أرادت ليا أن ترفض .. أرادت قمــر الليل أن تقول له اذهب بمفردك ولكنها لم تفعل .. إنها فرصتها لتكون معه بمفردها , وهي لا تتحمل إضاعة مثل هذه الفرصة . كانت بانتظاره على صهوة ميراج عندما أخرج الحصان الأسود من الاصطبل .
تنفتح البوابة القابعة خلف باحة الاسطبلات على الحقول والمراعي المسيجة التي تحيط " بماتلوك ايدج " . تعرف ليا أن ماتيوس يحب الوثب فوق تلك البوابة وهو يسير بأقصى سرعة ولكنه مال هذا الصباح إلى الأسفل ليفتحها ثم تركها تمر قبل أن يمر هو أيضا .
كان صباحا رائعا .. فيه الشمس دافئة . فكرت ليا أن لا مكان في العالم يشبه إنكلترا في صبيحة يوم صيفي .
تركت لميراج كامل حريته , وسمحت له أن يركض بها في المرج المنحدر .. كانت تسمع رعد حوافر آربر خلفها .. بدا للحظات على الأقل أن ماتيوس سيستسلم لمتعة الركوب .. فتولاها الاستياء.. لكنه أخيرا لحق بها فمالت ليا إلى الأمام لتطلق العنان لميراج إلى جانبه .
قال لها : " عظيم , فلنتحدث في الواقع أنا مستمتع بركوب الخيل ولكن لدي ما أقوم به " .
ترددت ليا لحظات , ثم أشارت قمــر الليل إلى جدول ماء تتدفق مياهه فوق الصخور على مسافة غير بعيدة أمامها :


_ فلننزل ونجلس قرب الساقية .
هزت ميراج ليتقدم . قال ماتيوس بعدما لحق بها :
_ حسن جدا .. إذا كان هذا يناسبك .. أفضل شخصيا البقاء على السرج .. فالعشب رطب .
صاحت وهي تترجل عن ظهر جوادها :
_ إنه الندي فقط .. همم .. ما ألذ رائحته .. ألا تظن هذا ؟
هز كتفيه وترجل من فوق قربوص السرج , وقفز إلى جانبها مقتربا من حافة الماء :
_ أستطيع التفكير في ما هو أحلى .. تعرفين أنني كنت أصطاد السمك في طفولتي , ولم أستطع قط أن أفهم لماذا لا أصطاد السمك .
تقدمت لتقف إلى جانبه :
_ ربما كنت تستخدم الطعم الخاطيء .. كنت أسبح هنا بلا ثياب عندما تسمح لي السيدة فلاندرز .
_ يبدو أنك معتادة على هذا .. أليس كذلك ؟ إنه أحد التصرفات التي أمل أن تشفيك منها كاتي , هذا عدا بضعة أعمال لن نخوض في بحثها الآن .
لوت ليا شفتيها : " ألهذا اصطحبتني إلى هذا المكان ؟ للحديث عن كاتي لورد ؟ "
_ نعم إنه سبب من بين أسباب أخري , لا شك أنك عرفت أن هذا ما أريده .. يجب أن تتفهمي الموقف .
تمتمت غاضبة : " أووه .. أتفهم الموقف .. لقد أوضحت لي ليلة أمس أن على أن أتعلم القيام بما يقال لي , وأن ألزم الصمت أبدا . أليس هذا وصفا جيدا للموقف ؟ "
_ لا .. ليس هكذا .. ليا , أنت لا تحاولين أن تكوني منطفية . دعوت كاتي لورد إلى " ماتلوك إيدج " ما كان على أنا تلعيمك إياه , أريد أن تساعدك على تهذيب طريقتك في اختيار ملابسك وفي التصرف كما أريد أن تعلمك كيف تتصرفين كسيدة مجتمع . لم أرد أن يتحول مجيئها إلى منافسة بالألفاظ الجارحة .. أملت أن تتحابا وما زلت آمل ذلك على الرغم من محاولتك الدؤوب البارحة على إظهار كاتي بمظهر الحمقاء .
ردت بلسان لاذع :
_ لم أكن مضطرة للمحاولة الجادة .. أليس كذلك ؟ لا يمكن أن تصدق كل ما روته عن الوظائف وما شابه , بل لا أصدق أنها بحثت يوما عن عمل .. كانت بانتظار شخص مثلك .
_ لايهم سواء أصدقتها أم لم أصدقها .
_ ماذا تعني ؟
_ ليس لتاريخ حياة كاتي لورد أهمية خاصة عندي .
عبست : " إنما إذا كانت كاذبة .. "
التفت إليها , يهز رأسه بنفاد صبر خاصة عندما شاهد الدموع في عينيها :
_ ليا .. ! أعرف كل شيء عن كاتي .. أتتصورين أنني أسمح لغريبة بالعيش تحت سقف منزلي بدون الاستعلام عنها أولا ؟
_ أتعني ..
_ أعني أننى أريد منك أن تصغي إليها .. تتعلمي منها . وأول ما أريد منك قمــر الليل أن ترافقيها إلى مانشستر , لتختار لك بعض الملابس الجديدة . لقد أهملت واجباتي نحوك كثيرا , ما كان علي السماح لك بترك المدرسة .
أحست ببريق أمل فلفت أصابعها النحيلة على كمه :
_ أتعني أنك ستمضي أوقاتا أكثر معي ؟ أوه ماتيوس .. آسفة على كل ما بدر مني .. لم أدرك ما كنت تريده مني .
ثم , وقبل أن يستطيع الحراك , رفعت نفسها على أطراف أصابعها لتعانقه , أرادت أن تعانقه عناقا سريعا عرفانا منها بالجميل , عناقا تظهر له فيها أنها تنوي قلب صفحة جديدة في حياتها .. ولكن الأمر لم يتم كما أرادت , إذ كان في عناقها شغف وحرارة .
ظنت للحظة أنه منزعج .. ولكن ضغط ذراعيه حولها بدد مثل هذه الفكرة , واليدان اللتان أمسكتا بها لم ترتفعا أصلا لإبعادها عنه بل للاقتراب منها .. أرادته أن يستمر هكذا إلى الأبد .
لم تع كم من الوقت مر قب أن يبعدها عنه .. بدت لها دقائق طويلة , مع أنها لا تعدو أن تكون لحظات . أحست للمرة الأولي في حياتها بالحرج من النظر إليه .
_ يا الله ! من علمك هذا . ماتيسون ؟ يا الله ! وأنا من ظننتك مجرد طفلة !
ارتجفت ليا وتمتمت ساخطة :
_ لم يلمسنى جورج قط .
لكنه لم يقتنع : " من إذن ؟ أكنت تقابلين شبانا لا أعرفهم ؟ حبا باالله ليا , أخبريني قبل أدق عنقك ! "
_ من الغيرة ؟
جاء كلامها متهورا . . ولكنها تكره أن يعاملها بهذه الطريقة , اسود وجه ماتيوس الذي قال بتهجم :
_ لا .. ليست الغيرة .. وكيف أغار من مراهق صغير ؟ في المرة التالية التي تحاولين فيها القيام بهذا سأضعك فوق ركبتي لأضربك على مؤخرتك !
انتزعت ليا ذقنها من قبضته , وقالت :
_ لا أفهم لماذا تفتعل هذه الضجة كلها .. لم يحدث أى ضرر .
أمسك بعنان آربر , ثم رفع نفسه فوق السرج :
_ ألم يحدث ؟ بدأت أشعر بالندم على دعوة كاتي لورد إلى هنا . كان على إرسالك إلى المدرسة الداخلية في سويسرا كما اقترحت أمي .. هناك على الأقل لن تكوني تحت مسؤوليتي !
تمتمت من بين أنفاسها , وكأنها تحدث نفسها :
_ ظننت هذا قد أعجبك .
ولكنه سمعها , وصاح ساخطا :
_ لن أرد على هذا .. هيا فلنعد إلى المنزل .. ربما تنجح كاتي لورد في ما فشلت أنا .
في الماضي , لم تزر ليا مانشستر إلا في المناسبات القليلة التي صحبها فيها ماتيوس للقيام بزيارة أمه والآن ليس الذهاب برفقة كاتي بأفضل حالا .. ذهبتا في المرسيدس البرونزية يقودها جورج ماتيسون.
وكان الغيظ يتآكلها بسبب الموانع التي فرضها عليها ماتيوس الذي لم تره منذ تلك النزهة , ولكن تحذيره بالنسبة للمدرسة في سويسرا لم يذهب سدي إذ راحت تبذل جهدها للتصرف كما يريد ويرغب .
حالما استحم وغير ملابسه خرج إلى عمله في برادفورد حتى بدون أن يتناول فنجان قهوة .. كان هذا ما قالته السيدة فلاندرز بغضب :
_ صعد إلى سيارته وانطلق .. هكذا .. كان وجهه أسود كوجه العاصفة .. ماذا قلت له ؟ أراهن أن لغضبه علاقة بك وبالنزهة الصغيرة التي قمتما بها باكرا .
_ لا أدري .
هذا ما لن تناقشه حتى مع السيدة فلاندرز التي اعتنت بها منذ نعومة أظفارها ..
ظهرت كاتي لورد في أثناء وجبة الفطور رشيقة في فستان قصير بلا أكمام , قالت للسيدة فلاندرز بعد النظر إلى طبق ليا المليء بالبيض المقلي :
_ أنا أشرب القهوة فقط في الصباح .. يجب على المرء أن يراعي عدد الحراريات التي يتناولها .
وسرعان ما فقدت ليا شهيتها وأحست بصعوبة في البقاء على المائدة حيث تناولت كاتي ثلاثة فناجين من القهوة السوداء وهي تطرح أسئلة مختلفة عن الحياة في " ماتلوك إيدج " .. ولانها تذكرت تحذير ماتيوس , حافظت ليا على أدبها , ابتسمت لها كاتي بين الحين والآخر , كأنها تعرف خير معرفة سبب حسن تصرفها .
حينما أنهت احتساء قهوتها , اقترحت السيدة فلاندرز على ليا أن تريها المنزل . ولكن , سرعان ما ملت كاتي من التفرج على المكتبة وغرفة الموسيقي , واقترحت عوضا عن ذلك القيام بجولة في الحدائق .
رافقتها ليا إلى الخارج لتريها ملاعب التنس والكروكيت .. كان للمسبح أكبر أثر في نفس كاتي .. وبناء لاقتراحها , ارتدتا ثياب السباحة وأمضتا معظم الوقت في اللعب بالماء .
قالت كاتي عندما خرجتا من الماء لتتمددا على الكراسي الطويلة الموضوعة حول المسبح .
_ يجب أن يقص شعرك لأن الشعر الطويل لا يخضع لموضة اليوم .. سنجعله كشعري .
لم تعجبها قمــر الليل الفكرة فهي تحب الشعر الطويل .. ولكن إذا كان هذا ما يريده ماتيوس , فليس باليد حيلة ؟
وقت الغداء , ركزت كاتي على معرفة نمط حياة ليا .. وبحجة معرفة معلومات عنها لتجهيزها للمستقبل , اكتشفت أن ماتيوس عضو في مجالس في شركات مختلفة , كما عرفته أنه يملك إضافة إلى " ماتلوك ايدج " شقة في لندن , وفيلا في جنوبي فرنسا ,و " بلازا " في فينيسيا .. قالت بعد هذه المعلومات وهي تمرر لسانها على شفتيها :
_ إن هذا مثير للبهجة .. انت فتاة محظوظة لان رجلا مثله تبناك .. فليس كل الأوصياء كرماء مثله .
ردت ليا بحدة : " لم يتبني ماتيوس . قلت لك إن اسم عائلتي هو " وست " .. وإن شقيقة ماتيوس كانت زوجة أبي لكنها ليست أمي ".
غير أن كاتي لم تظهر الاهتمام بعلاقتهما :
_ وهل هذا يهم ؟ فأنا أشك أن يكون والدك قادرا على تأمين حياة كهذه لك . بات من السهل عليك إيجاد زوج مناسب .
صاحت ليا ساخطة : " لا أريد زوجا " .
لم تكن كاتي تصغي إليها إذ أضافت :
_ كم تبعد مانشستر ؟ أظن أن علينا البدء بالمسير بعد الظهر . سأختار لك ثيابا جميلة .
هكذا , هاهما الآن في مانشستر .. لم تثير يوما الثياب اهتمام ليا بل كان ما يهمها منها ارتداء ما هو مريح , ولعل أكثر ما يؤمن لها الراحة الجينز الذي تفضله على الفساتين التي لا تروقها .
نزلهما جورج في شارع البيكاديللي , على أن يعود إلى ملاقاتهما بعد ثلاث ساعات . نظر الشاب بإشفاق إلى ليا فيما كانت كاتي تقودها .
كان في أحد المخازن الكبري قسم خاص بالمراهقات , اتجهت كاتي إليه مباشرة .. لكنها رفعت أنفها تشامخا أمام الألبسة المبهرجة المعلقة في الواجهات .. مع أن ليا أعجبت ببعض الملبوسات غير أنها لم تعترض حين رفضتها كاتي التي قالت وهي تخرج من المخزن :
_ أنت لا تريدين الظهور بمظهر الفتاة الخليعة . أليس كذلك ؟
هزت ليا كتفيها لأنها لم تكن مهتمة فعلا ..
بعد ساعتين كان لليا ملبوسات متنوعة أعجبتها .. ولإعطاء كاتي حقها , اعترفت قمــر الليل بأن لها ذوقا رفيعا في انتقاء الملابس .. لقد وجدت الأخطاء في كل ما اختارته ليا , حتى ولو كان بسيطا كقميص أو كنزة وأخير أصرت على أن تترك لها كل شيء ..
عندما كانتا تتناولان القهوة في مقهي يقع ضمن مجمع تجاري , شاهدت كاتي صالونا لتصفيف الشعر .. فقالت :
_ اللمسة الأخيرة .. أتريدين أن يفخر بك خالك ؟ تعالى معى إذن , فليس أمامنا وقت طويل .
كان مصفف الشعر الذي اهتم بهما رجلا .. أو على الأقل كان يبدو رجلا أكثر منه امرأة .. إذ كان شعره مخضبا ووجهه مغطي بالماكياج وعندما تكلم لم يكن صوته باعلى من صوت ليا .
أخذ يقلب رأس ليا شمالا ويمينا :
_ تريدين قص شعرك ؟ جيد .. سأري ما يمكنني فعله .
هزت كاتي رأسها : " عظيم .. سأعود بعد ساعة .. لاتهتم بأمر المال . أرسل الفاتورة إلى السيد ثورب , في " ماتلوك ايدج " .
عبس الرجل وكرر : " ماتلوك إيدج .. أوه أجل .. سمعت عن السيد ثورب .. حسنا جدا مدام , أتركي الأمر لي .. يمكنك الاعتماد على " الفونسو " .
حاولت ليا أن تقترح مشاورة ماتيوس أولا لكن كاتي كانت قد رحلت .
سمعت ألفونسو يقول :
_ هلا سمحت باللحاق بي ..
ادخلها إلى الصالون الأكبر حجما . أطاعته ليا وإحساس غامر باليأس يجتاحها .. أيمكنها الاتصال بماتيوس الآن ؟ أيمكنها أن تتوسل إليه حتى يترك شعرها بدون قص ؟ لكن لا .. لاتعرف أين تتصل به .. وأضف إلي هذا أنه قد أعطي أوامره وانتهي الأمر .
طمأنها منظر الفتيات اللاتي يهتم بهن مزينون آخرون . ولكنها لم تنس أنهن هنا باختيارهن , أما هي فبغير اختيارها ..
لقد أجبرت على هذا بالابتزاز والتهديد .ارتفع ذقنها استياء وهي تضع اللوم كله على ماتيوس .
أجلسها الرجل إلى كرسي فارغ ثم ساعدها على وضع ميدعة وردية اللون , وسألها :
_ هل من خطب ؟
_ اوه .. لا .. لا .. المسألة أنني غير واثقة من هذا كله .. أتري , لا أعرف ما إذا كنت أرغب في قص شعري أم لا .
ابتسم الرجل : " لكن امك أرادت ذلك " .
تورد وجه ليا .. وتساءلت عما كانت ستقوله كاتي لو سمعت هذا :
_ أمي .. ! لا إنها مجرد .. صديقة لخالي .. هذا كل شيء وهي تظن أنها أعرف مني بما هو أفضل لي .
عبس الرجل واستدار ينظر إليها :
_ فهمت .. إذن فلأرك شيئا .. أتسمحين ؟ انتظري قليلا ! لن أتاخر .. لحظة أرجوك .
عندما عاد , كان يحمل شعرا مستعارا أسود كشعرها لكنه قصير ومستقيم وهو بالطراز الذي أشارت إليه كاتي تقريبا .
_ سنري الآن صورة لما تتوقعة صديقة خالك .
شهقت ليا .. حتى تلك الحظة لم تكن تدرك كم يساهم الشعر في مظهر الإنسان .. فبعيدا عن الكتلة المتراقصة من الخصلات الجعداء , بدت لها قسمات وجهها مختلفة كل الإختلاف , ولكن التغيير لم يعجبها .. لم يعجبها إطلاقا .
_ أترين ؟ ليس وجهك نحيلاومدببا كوجه صديقتك .. بل قسمات وجهك أكثر إمتلاء , وأصغر حجما , ستجدين الوقت المناسب لمثل هذه القصة عندما تكبرين , أما الآن , فأقترح أن تسمحي لي بتقليم أطرافه لأضفي عليه رونقا محددا ..
أما قصة قصيرا فتدنيس له . إنه شعر جميل ...
هزت ليا رأسها موافقة , مع انها تشك في أنه يقول هذا لأن جسما أكثر امتلاء من جسم كاتي .. تذكرت قمــر الليل ملاحظة كاتي ساعة الفطور فلم تستطع إلا أن توافقه الرأي .. وإذا كان الشعر الطويل يلهي الأنظار عن مساويء جسمها الممتليء فآخر ما تريده هو أن تقصه . شعرت بالسخط لأنها عرفت أن كاتي على علم بذلك .. غرزت أظافرها في راحتي يدها .. فلولا حساسية ألفونسو , لظهرت بمظهر السمينة المترهلة .
عندما عادت كاتي بأقل من ساعة , كانت ليا جالسة في غرفة الانتظار , تتصفح مجلة . لم تشعر قط بمثل هذه الراحة فحتى سخط كاتي الذي انصب عليها لم يزعجها .

وصل ألفونسو ليجيب عن سؤالها المتوتر :
_ لقد قصصته مدام ولكن الشابة لم ترغب في قصه أكثر من هذا , فاضطررت للموافقة لان القصة القصيرة لن تناسبها .
_ ماذا فعلت به إذن ؟
_ قصصت أطرافه ليسهل تمشيطه وغسله وتجفيفه .. وهذه مهمة مربكة أؤكد لك .
سألتها ليا بأدب وهي غير قادرة على مقاومة الوخزة الخفيفة :
_ ألا تجدينه جميلا .. آنسة لورد ؟
نظرت إليها كاتي نظرة غاضبة :
_ بلى في الوقت الراهن . تعالى الآن .. لاشك أن ماتيسون بانتظارنا .
التفتت إلى ألفونسو : " سأقول للسيد ثورب إنك سترسل إليه الفاتورة "
أحنى ألفونسو رأسه وهو لا يأبه إلى سخريتها .. لكن فيما كانت ليا تلحق بكاتي إلى خارج الصالون , توترت أعصابها .. فقد تذكرت قمــر الليل مرة أخري ما قاله ماتيوس هذا الصباح .. وأخذت تصلي ألا يثير تمردها غضبه مجددا .
4- القريب البعيد





كانت ليا في الفراش عندما عاد ماتيوس إلى المنزل .. استطاعت رؤية أنوار سيارته , وسمعت هدير محركها الناعم , وهويقودها نحو الكاراج .. تساءلت بمرارة مع من قضي أمسيته .
حينما عادت مع كاتي في وقت متأخر من بعد الظهر , علمت من السيدة فلاندرز أنه أتصل , قائلا إنه لن يأتي للعشاء أما عذره فانشغاله باجتماع عمل في " ليدز " لكن ليا طالما سمعت مثل هذا العذر من قبل .. على أي حال أحست برضي معين وهي تشهد خيبة أمل كاتي عندما وقع بصرها على مقعدين فقط حول المائدة .. سألت وهي ترجع حمالة الثوب الرفيعة عن كتفها إلى مكانها الصحيح .
_ أيتناول خالك العشاء في الخارج كثيرا ؟
هزت ليا كتفيها : " أحيانا ".
ظهر الانزعاج على كاتي وهي تجلس مكانها .. لم تزعج ليا نفسها بارتداء فستان للعشاء , بل ظلت متردية التنورة والبلوزة اللتين ارتدتهما في مانشستر .. امتنعت أمام نظرات كاتي عن تناول الأطعمة الدسمة التي وضعتها السيدة فلاندرز أمامها .
تجنبت ليا البطاطا المشوية التي تفضلها , وركزت طعامها على القنبيط والجزر واللوبيا , التي رافقت البطاطا وهذا ما استدعي تعليقا مضطربا من السيدة فلاندرز التي قالت :
_ ما بالك يا فتاة .. ؟ هل انت مريضة ؟ لم أعهدك تمتنعين عن الطعام هكذا .. لقد لاحظت أنك لم تأكلى البيض هذا الصباح .
تجنبت ليا النظر إلى كاتي : " ولكنني تغديت ؟ " .
_ كان الغداء سلطة وهو مناسب للأرانب لا لفتاة صغيرة , لا يمكنك العيش قمــر الليل على الخس واللوبياء .. هيا الآن لقد أعد لكما بولي فطيرة بطاط حلوة .
سال لعاب ليا ولكنها قالت بانزعاج :
_ هل لي أن أتناول فقط الجبنة والتوست المحمص ؟ فلست جائعة .. سأتناول بعض الفاكهة فيما بعد , فالحرارة شديدة على تناول الفطائر المحلاة .
لم تصدقها السيدة فلاندرز : " هه ! " .
لم تستطع كاتي انتظار خروج السيدة فلاندرز حتى تسخر من ليا .
تركت يديها تمران على جسمها النحيل باستمتاع وقالت :
_ إذن لقد اخذت بكلمتي في وقت سريع .
_ علمت أنك ستقولين لي هذا .
تمنت لو تقول لها ما تشعر به حقا .. تركت كاتي ضحكة خبيثة تنطلق منها :
_ لم أواجه قط مشكلة مع زيادة الوزن , كنت نحيلة منذ أن كنت في السادسة عشرة من عمري .. فزيادة الوزن تحد من اختيار الملابس .. فدور الأزياء لا تحسب حساب المقاسات الكبيرة .
ردت ليا : " ليس قياسي قياسا كبيرا "
التوت شفتا كاتي : " افعلي ما شئت , إنما تذكري أن مصممي الأزياء يفضلون النحيفات .. ولكن لا تقلقي , فلا حيلة لك بالأمر .. تعاني بعض النساء مثلك من كثرة الدهنيات في أجسامهن " .
صاحت ليا وهى غير قادرة على كبح ردها الغاضب :
_ ليس لدي مشاكل دهنية .. بشرتي صافية , خالية من البثور !
ابتسمت كاتي ساخرة : " إذن لماذا تعتمدين حمية غذائية ؟ "
صمتت ليا لافتقارها إلى رد مهذب .
فيما هي مستلقية في فراشها تصغي إلى هدير محرك سيارة ماتيوس الثابت , تمنت لو تجرؤ على الخروج من الفراش لمقابلته , كما كانت تفعل في طفولتها . فعندما كان يجفوها النوم ليلا , كانت تتسلل إلى الطابق السفلي حالما تسمع صوت الباب يقفل وكثيرا ما ضحكت مسرورة عندما يرفع ماتيوس يده إلى فمه دهشا من وجودها . منذ حادثة المسبح لم تحاول ترك غرفتها .. ركلت الغطاء بعنف عنها لأنها أدركت أن تلك الأيام ولت .
عادت ذكري ما حصل هذا الصباح لتعذبها , كان ماتيوس غاضبا جدا .. لقد تصرف وكأنما ما حصل كان غلطتها , ولكنه عندما ضمها بين ذراعيه لم تستطع تحرير نفسها منه , حتى لو أرادت .. وكأنه كان يريد معاقبتها , ومعاقبة نفسه في آن واحد .. عرفت رغم قلة خبرتها , أن الأمر خرج عن سيطرته .. غريبة الحياة . ففي اليومين الماضيين تلقت نوعين مختلفين من العناقات .. ولكنها تعرف قمــر الليل أن عناق ماتيوس كان الأخطر .
أصغت ليا متوترة إلى وقع قدمي ماتيوس وهو يرتقي الدرج القديم الذي تعرف كل طقطقة فيه . لم يصعد فورا إلى الطابق العلوي , بل تظنه دخل إلى المطبخ ليشرب الحليب . كانت معتادة على مشاركته الحليب والجلوس إلى حافة مائدة المطبخ وعيناها تبرقان .
استلقت على بطنها غير عابئة بالبرد الذي تعرض نفسها له بغياب الغطاء . ولأن الجو حار لم ترتد ثوب النوم , ودفنت وجهها في الوسادة وهي تتمني لو تستطيع النوم .
جعلها وقع أقدام ماتيوس المقتربة تدفن وجهها في الوسادة .. ثم تسمرت بلا حراك عندما انفتح بابها فجأة .. أنار شعاع ضوء من الممر سريرها ..كادت تزهق أنفاسها ولكن النور سرعان ما اختفى وعاد الباب إلى ما كان عليه .. فتركت أنفاسها تنطلق بضعف .
في الصباح , بدا لها ما حدث حلما .. ولكنها تعلم أنه ليس حلما .. دأب ماتيوس مدة أربعة عشر عاما على فتح الباب ليلا ليتفقدها , ولكنها تكون عادة نائمة . آه ليته ظنها نائمة كذلك ليلة أمس حتى لا يثير هذا الموضوع الحرج عن النوم بملابسها الداخلية فهذا الموضوع نقطة خلاف بينهما . تستطيع تصور ما سيقول , وما ستفهمه كاتي لورد من مثل هذه الشائعة اللذيذة الطعم .
لم تستطع منع موجة الحرارة التي اجتاحت وجنتيها عندما دخل إلى غرفة الطعام ليجدها على المائدة .. زاد اضطرابها ما إن جلس في مواجهتها ينظر إليها بهدوء .
قال وهو لا يزال ينظر إليها : " آنا أسف " .
رفعت نظرها إليه : " آسف ؟ لا أدري ما قصدك .. أنت تتأخر عادة عن موعد الفطور .. وكما تري , لم تظهر الآنسة لورد حتى الآن "
أخذت قطعة توست تدهنها بالمربي , ورد عليها :
_ لم أكن أتحدث عن الفطور ليا . وتوقفي عن التظاهر بأنك ستأكلين قطعة التوست ! لقد وضعت الكثير من المربي فوقها حتى بدت مقرفة . ضعي السكين من يدك , وانظري إلي . أعد ألأ تؤلمك نظرتك هذه .
مسحت أصابعها في المنديل بدون أن ترد , ثم رفعت ذقنها غصبا . وتمتمت :
_ لم أعرف أنك ستدخل غرفتي .. وبسبب الحر لم أستطع وضع الغطاء علي .
_ أكنت مستقيظة ليلة أمس ؟
تنهدت : " أجل "
_ ولم تقولي شيئا ؟
حركت قمــر الليل كتفيها بعجز : " لا . وماذا كنت تريد مني أن أقول ؟ تصبح على خير ماتيوس ؟ "
_ ولم لا؟
هزت رأسها :"لم لا ؟ أنا من افترض أنك ستقول تصبحين على خير ".
_ أنا لا أتحدث عن ليلة أمس . بل عما حدث صباح الأمس . كنت أعتذر . أنا آسف . بعد التفكير أدركت أنني المخطيء لا أنت .
أخرجت نفسها بضعف : " لم تكن غلطة أحد ! أعرف أنني لست الفتاة الأولي التى تقبلها ولا أتوقع أن أكون الأخيرة "
_ ولكنك ابنة شقيقتي ليا . أنا من بحاجة للضرب لا أنت .
رطبت شفتيها بقلق :
_ ماتيوس نحن لسنا قريبين .
برقت عيناه الخضراوين : " كيف ؟ "
_ تعرف قصدي .
_ نعم أعرفه , ولكني أعتبرك ابنة أختى ليا ولا أقبل بأي شيء آخر أبدا .
أطلق ضحكة خشنة : " أتتصورين ما قد تقوله أمي لو عرفت بما حدث ؟ "
غرزت ليا أظافرها في قماش المائدة : " حسنا .. لست آسفة "
دفع كرسيه إلى الوراء بحدة , وصاح غاضبا :
_ يجب أن تكوني آسفة . أعتقد أن علاقتك بماتيسون أعطتك ذوقا للمهازل .. لكن لا تجربي ألاعيبك على ليا .. فما زلت قادرا على تغيير رأيي بالنسبة لإرسالك إلى المدرسة الداخلية .
صاحت غاضبة : " آه ! توقف عن تهديدي بهذا ! هذا غير عادل .. كلما قلت شيئا أو فعلت شيئا سلطت هذا السيف على عنقي .. إذا أردت إرسالي إلى جنيف , فأرسلني .. لا يهمني ذلك الآن .. فتوقف عن إطلاق التهديدات ! "
سألها بحدة : " أتعنين هذا ؟ "
تلاشت ثقتها بنفسها , وأجابت متوترة :
_ أجل ! لا ! لا أدري .. أوه . دعني وشأني . بت غير قادرة على التفكير السوي .
_ كما تشائين .
كان ماتيوس على وشك مغادرة الغرفة , لكن دخول السيدة فلاندرز مع إبريق القهوة الطازجة منعه .
قالت بنشاط :
_ هاكم .. البيض والكلي في الطريق .. أواثق يا سيد ماتيوس أنك لا تريد عصير البرتقال أيضا ؟ أو بعض " الكورنفليكس " مع الفريز ؟
اتسعت عينا ليا .. الواضح من كلام السيدة فلاندرز أن ماتيوس كلمها قبل الدخول إلى غرفة الطعام .. فتنهدت لأنه لن يتركها وهو غاضب .
قال ماتيوس للسيدة فلاندرز :
_ الكلي والبيض فقط .
وعاد مكرها إلى مقعده ليصب فنجان قهوة .. فاستدارت مدبرة المنزل إلى ليا موبخة , تنظر إلى قطعة التوست التي لم تأكلها :
_ وماذا عنك ؟لا أدري ما دهاك .. لم تتناولي الكثير من الطعام بالأمس , ولم تلمسيه هذا الصباح , لقد أخبرت خالك .. قلت له إننى لا أعرف ما خطبك فلم أعهدك ترفضين طعاما .
تبادلت ليا نظرة حيرة مع ماتيوس .. ألهذا اعتذر منها ؟ هل قاده قلق السيدة فلاندرز على صحتها وشهوتها للطعام إلى الظن بأنها مغتاظة من مواجهتهما ؟ .. دفعت طبقها جانبا , واستدارت إلى مدبرة المنزل , قائلة :
_ غيرت رأيي , سأتناول البيض واللحم والكلي ! .
امتقعت وجنتاها عندما دخلت الآنسة لورد إلى الغرفة .. فكان أن فقدت الاستمتاع بلحظة انتصارها . ما إن وصل الطعام حتى وجدت صعوبة كبري في التعامل معه كما يجب خاصة وهناك شخصان يسلطان الأنظار عليها . لكنها على الأقل أزعجته , وعرفت من نظرة كاتي الهازئة أنها خيبت أمله .
بعد الفطور اعتذر ماتيوس , فكان أن ظلت ليا بمفردها مع كاتي التي قالت لها وهي تنظر برضي إلى الطقس :
_ اظن أن علينا قضاء يومنا في الحديقة , فذلك يعطينا وقتا للكلام , كما فعلنا بالأمس . أريد معرفة كل شيء عن أصدقائك وأقاربك .
أحست ليا بأنها ملزمة بملاطفتها , فاقترحت :
_ ألا ترغبين في لعب التنس ؟
هزت كاتي رأسها :
_ التنس لعبة عنيفة , ستشعرنا بالحر . هذا ليس بعمل مناسب في يوم حار .. لا .. سنجلس قرب المسبح .. أمهليني وقتا حتى أغيرملابسي وأرتدي ثوب سباحة .
تفضل ليا لعبة التنس لأنها ستساعدها على هضم الفطور الدسم التي تناولته لتوها .. تعرف أن كاتي إنما تريد أن تسألها في الواقع عن خالها , عن أصدقائه وأقاربه , وما هي إلا ذريعة .
اندفعت من المنزل إلى الشرفة المسقوفة , ثم توجهت نحو الكاراج .. كان جورج هناك كالعادة , محشور الرأس داخل محرك اللاندروفر ولكنه استدار لدي سماع وقع أقدامها , ورفع يده المليئة بالزيت :
_ مرحبا ..
هزت ليا رأسها ردا على تحيه " مرحبا " ثم تقدمت إلى الكاراج الذي يحتوي على الهوندا :
_ لا أريد مقاطعتك . أرغب فقط في بعض الهواء النقي .. إذا سألك عني أحد فقل إنني ذهبت في نزهة .
_ وهل من المحتمل أن يسال عنك أحد ؟
_ ربما
_ ماتيوس ؟
_ لا أدري .. لكنه ذهب إلى المصنع . سيارته غير موجودة .
_ أوه .. أكيد .. لقد ذهب منذ نصف ساعة .. ظننتك ستهتمين بالقنبلة الشقراء .
هزت كتفيها : " أهكذا تسميها ؟ "
ضحك جورج : " هذا ما يطلقه عليها سام العجوز .. يجب أن تعترفي بأنها مغرية "
_ انا مسرورة لأنك تظن هذا .
أدركت ليا أنها تبدو لئيمة بكلامها , فسارع جورج إلى تفسير كلامها مخطئا :
_ لا تقلقي .. أحب النساء الممتلئات , كما أنني أحب سوداوات الشعر , خاصة من تنصح منهن الجاذبية !
أخرجت ليا الدراجة النارية من الكاراج , وصعدت فوق المقعد ..
سألت : " أما زال ماتيوس غاضبا منك ؟"
"_ لا أظن .. مع أنه غير متحمس لوجودي , فهمت ما أعني . لكنه لطيف معي .. وكأنه يجهل ما كان يجري .
عبست ليا : " وماذا جري ؟ "
رفع جورج عينه إلى السماء :
_ هيا الآن ليا .
مسح يديه القذرتين برقعة قماش وأكمل :
_ تعرفين ما أقصد , تقاربنا كثيرا منذ عودتك من المدرسة .
ردت باختصار , دون أن يعجبها تصرفه :
_ نحن صديقان فقط .
تقدم إليها هازا رأسه :
_ اوه .. أهذا كل شيء ؟
لم تعجبها قمــر الليل النظرة في عينيه , فوقفت على الدواسة , وضغطتها .. ما أشد ما كانت غبطتها عندما انطلقت الدواسة عند أول لمسة فذلك أخرجها من باحة الكاراج قبل أن يتمكن جورج من منعها .. وما إن وصل إلى زاوية المبني , حتى كانت تخرج بسرعة من البوابات .. في المرآة الخلفية شاهدته يستدير عائدا إلى عمله وعلى وجهه عبوس كبير .
لم يعد ماتيوس لتناول الغداء , وهذا ما أراح ليا .. عندما نزلت إلى غرفة الطعام , مستحمة نضرة بعد قضائها فترة الصباح في الخارج , وجدت كاتي جالسة على المائدة , حيث سألت وقسمات وجهها متجهمة بسبب اختفاء ليا :
_ أين كنت ؟
_ ذهبت إلى المزرعة .
_ على ظهر جواد ؟
_ لا .. بل على الدراجة النارية , اشتراها لي ماتيوس هدية في عيد ميلادي , إنها آلة صغيرة , لكن جورج أصلحها فأصبحت سريعة .
_ جورج ؟ آه ماتيسون .. ذلك الشاب الذي وجدك خالك معه تعبثين يوم وصولي . أخبرني بالأمر .. وهو أحد أسباب وجودي هنا .
امتقع جه ليا غضبا : " أخبرك ماتيوس بهذا ؟ "
أخذت تفتح رغيفا بأناملها الرقيقة :
- طبعا . كان يشرح لي سبب اختفائك السريع بعد وصولي . يجب أن أقول إن ذوقك لا يعجبني . عامل الكاراج .. حقا ! أليست أظافره متسخة ؟
أخذت ليا تغلي غضبا على ماتيوس الذي تباحث شؤونها الخاصة مع كاتي . فقدت أعصابها فصبت جام غضبها على كاتي :
- على الأقل يعرف قيمة العمل الشريف .. وهو ليس متطفلا يعيش عالة على الآخرين !
ردت كاتي بلؤم وهي تتذوق طعم الفاكهة :
- مثلك أنت .. ألا تعيشين عالة على خالك .. منذ وفاة والديك ؟
أحست ليا بألم في حلقها : " هذا غير صحيح "
- لماذا غير صحيح ؟ بالنسبة لي , دعاني خالك لأداء عمل .
أطلقت ضحكة مثيرة للأعصاب :
- إلام تشرين ؟
- أنت لست قريبته !
وضعت شوكتها من يدها عندما فهمت قصدها .. فهي كذلك ليست قريبته .. لكن , لم تذكر كاتي هذا .
أسعدها رنين الهاتف الذي شغلهما عن الحديث المزعج . نظرت ليا من فوق كتفها ترجو الله أن تكون المخابرة لها .. دفع ظهور السيدة فلاندرز المتذمرة بسبب انشغالها بالطعام ليا إلى النهوض عن كرسيها بسرعة لتجيب :
- ماتيوس ؟ آه .. ماتيوس , يسرني سماع صوتك !
لم تكن تدري حتى تلك اللحظة كم كانت يائسة إلى سماع صوته .
رد بلهجة متسامحة قليلا :
- لماذا ؟ ماذا فعلت ؟
اطلقت تنهيدة :
- لم أفعل شيئا . أردت فقط أن أتحدث إليك .. أيدهشك هذا ؟ منذ فترة ونحن لا نتبادل الأحاديث .
- أكنت تبكين ؟ اللعنة ! ماذا قالت لك كاتي الآن ؟ ألا أستطيع ترككما خمس دقائق بدون أن تنقض أحداكما على خناق الأخري .
- هذا غير صحيح .. وليس السبب شيئا قالته الآنسة لورد .. لماذا تتصل ماتيوس ؟ هل ستغيب عن العشاء مرة أخري ؟
- لا .. ليا .. من الأفضل أن تخبريني بما حدث .. فقد لا تتاح لنا فرصة الحديث هذا المساء .
- لماذا لا ؟
- لدينا ضيوف قمــر الليل .. لقد دعوت فيليب جفرسون وزوجته لقضاء عطلة الأسبوع . إنه مسافر إلى ألمانيا يوم الاثنين , وأريد أن أتحدث إليه قبل سفره .
امسكت شفتها السفلي بين أسنانها .
- هل سيجلبان معهما ستيف وكايت ؟
ستيف وكاتي هما توأم جفرسون البالغان الرابعة عشرة من العمر , واللذان تتمتع ليا بصحبتهما الرائعة .. لكن ماتيوس سرعان ما أطفا جذوة حماسها :
- لا .. إنهما في ديفون في الوقت الحاضر مع جدتهما .. إنما ادعي بعض أصدقائك إذا كنت ترغبين .
بدت خيبة الأمل في صوتها :
- شكرا .. ولكن معظم أصدقائي مسافرون حاليا .. فنحن في شهر تموز ماتيوس ..
تنهد ماتيوس : " قلت لك إننى سأحاول السفر في شهر أيلول " .
- أتعدني ؟
- اعدك .
- نحن الاثنين فقط ؟
- لا أدري .
صاحت بيأس :
- لماذا لا تدري ؟ لم نسافر السنة الماضية . لقد أقسمت أن تسافر في إجازة هذا الصيف ؟
- لا أذكر أننى قلت شيئا عن السفر بمفردنا .. لن يكون هذا ملائما .. أليس كذلك ؟ أعني .. بإمكانك تصور ما قد يظنه الناس بنا .
- أيهمك هذا ؟
- طبعا يهمني .
- لكنه لم يزعجك من قبل .
- لأنك لم تكوني من قبل في السابعة عشرة .
- إذن , من الآن وصاعدا لن نقضي أي وقت معا بمفردنا ؟
أطلق ماتيوس أنفاسه بنفاد صبر :
- لم أقل هذا .. على أى حال , بعد سنة سترغبين في قضاء عطلاتك مع من هم في مثل عمرك . كان بإمكانك الذهاب إلى سانت تروبيز مع عائلة موللر في عيد الميلاد السابق لولا عنادك . وقد جاءتك فرصة أخري للسفر إلي باربادوس في عيد الفصح .
- بدونك ؟
سمعت قمــر الليل اللعنة التي حاول كبتها :
- بالطبع بدوني .. ليا .. أنت في السابعة عشرة الآن ! ويجب أن تنفصلي عني في وقت ما .
أمسكت أنفاسها : " أتفضل أن أقوم بعمل ؟ "
- عمل ؟ ما شأن العمل في ما نتكلم عنه ؟
- رد علي سؤالي .. اتفضل لو بدأت بكسب بعض المال لأعيل نفسي ؟
سمعته يشتم ثانية : " ماذا ؟ ليا , ماذا دهاك ؟ لماذا تريدين المال ؟ ألا أعطيك مصروفا كافيا ؟ أتريدين المزيد ؟ "
ردت متجهمة : " لا ! آه ! .. ليس للأمر أهمية ؟
استحوذت على كامل اهتماهه الآن :
- بل يهمني ! ليا , أتريدين الحصول على عمل ؟ أهذا ما يقلقك ؟ أتريدين القول إنك ترغبين في الاستقلال ؟
نظرت ليا من فوق كتفها خشية أن تكون كاتي تسترق السمع , ثم قالت :
- لا .. سنتحدث في هذا في وقت آخر ماتيوس , سأبلغ السيدة فلاندرز بأن تحضر غرفة للضيوف .
صمت ماتيوس للحظات , ثم قال بتوتر : " نعم أبلغيها "
وأقفل الخط قبل أن تتمكن من إضافة كلمة أخري .
قالت لكاتي حالما عادت إلى غرفة الطعام :
- لدينا ضيوف في عطلة الأسبوع .
كانت قد بلغت السيدة فلاندرز الخبر , وتعرف أن عليها إبلاغ كاتي أيضا .
- من ؟ هل أعرفهم ؟
ردت ليا باختصار :
- هذا وقف على مدى اهتمامك بالكمبيوتر , إنهما فيليب جفرسون وزوجته .. إنه يملك شركة الكترونيات .
استوعبت المعلومات مفكرة :
- هكذا إذن .. وهل السيد جفرسون زميل عمل لخالك ؟
- إنهما شريكان .. هلا مررت لي الملح رجاء؟
أعطتها وعاء الملح , قائلة :
- اعتقدت أن خالك يهتم بالأصواف فقط .
تنهدت ليا : " في الواقع أن له اهتمامات أخري "
- أخبريني .. أيسافر خالك كثيرا في سياق عمله ؟
كبحت ليا نفاد صبرها ورفعت بصرها فالتقي بالعينين الباردتين .
- ليس الأمر مهما .. صحيح ؟
- إنه فضول ليس إلا .
أخذت قطعة لحم بالبيض وأكملت :
- كنت أنا ودادي نقضي وقتا طويلا خارج البلاد . كان عالم آثار يهتم جدا بالحضارات القديمة . كان يعرف مصر خير معرفة ولي فيها ذكري .
عبست ليا تقاطعها :
- ألم تقولي إنه كان كاتبا , ذكرت ذلك أمام ماتيوس .
سارعت كاتي إلى تصحيح قصتها :
- حسنا .. هكذا كان .. كان يكتب عن علم الآثار , بالطبع .. ألم أذكر أن كتبه تقنية .
- وذكرت أيضا أنكم انتقلتما من لندن لأنه بحاجة إلى العزلة ليكتب .. قلت إنكما انتقلتما إلى كرونويل , أكان ذلك قبل سفركما إلى مصر أم بعده ؟
ابتسمت كاتي بجمود :
- حسنا .. فيما بعد طبعا .. ان يعيش المرء في كرونويل لا يعني بالضرورة الانقطاع عن العالم .
لاأعتقد هذا .
- اظنك سافرت مع خالك .
- قليلا .. ولكن في غير رحلات العمل.
انتفخت فتحتا أنف كاتي بسبب مضامين التهرب الحريص .

*********************************


5- البحث عن زوج




كانت ليا جالسة مغمومة قرب المسبح عندما وصل ماتيوس وضيفيه كل في سيارته .. عندما سمعت صوت ماتيوس توترت أعصابها كالعادة توقعت أن تستقبل السيدة فلاندرز الضيفين وترافقهما إلى غرفتهما .. لكن , بما أن الطقس رائع رافقهما ماتيوس إلى المسبح . حالما رأتهما هبت ليا واقفة .
- ما أروع هذا ! ماذا لدينا هنا ؟ لم تقل لي يا ماتيوس إن عندك ضيوفا .
كان صوت فيليب جفرسون الأجش يشبه مظهره . فهو طويل عريض , بدا أكبر بسنوات عديدة من شريكه , ولكنه يتصرف بطريقة مرحة وبود لا تراه من ماتيوس .
ابتسمت باربرة جفرسون متعاطفة مع ليا :
- دعك من المزاح فيليب ! كيف حالك حبيبتي .. ؟ يجب أن أعترف أنني كلما رأيتك وجدتك تكبرين .
ابتسمت ليا بتوتر لأنها تدرك مدى صغر ثوب السباحة الذي ترتديه . لكن فيليب لم يترك لزوجته القول الأخير .. فربت كتف ماتيوس بيد ثقيلة :
- أليس هذا ما كنت أقوله ؟ لقد أصبحت ابنة أختك سيدة شابة جميلة . أليس كذلك يارجل ؟ في المرة الأخيرة التي رأيتها فيها كانت صغيرة ترتدي سروالا رياضيا قصيرا .
ردت زوجته بحزم :
- كان ذلك في عيد الفصح .. ولم تكن يومذاك في سروال رياضي . لا تهربي ليا , ولا تدعي هذا الأبلة الكبير يحرجك . امكثي معنا لتناول الشاي .
تمنت لو ذهبت إلى غرفتها قبل هذا اللقاء لترتدي ثيابها .
قالت متلعثمة :
- أوه .. حقا .. أنا .
وصمتت .. لم يكن ماتيوس قد قال شيئا حتى الآن .. بل كان ينظر إليها وكأنها هي من رتبت هذا اللقاء .
سألها ماتيوس ليكسر الصمت المزعج بينهما :
- أين الآنسة لورد ؟
بللت ليا شفتيها قبل أن ترد :
- لقد .. إنها ترتدي ثيابها .. وأظن أن على أيضا الذهاب لأرتدي ثيابي .
رمي فيليب ثقله على الكرسي إلى جانبها يبتسم لها :
- لماذا ؟ لماذا تحرمين رجل أعمال مرهق مسكين من الحلم ؟ أتشعرين بالبرد ؟ إن الجو رائع في هذه الظهيرة . هيا ليا . استرخي . ماتيوس , اذهب واطلب من مدبرة منزلك إبريقا ضخما من العصير البارد .
رمي ماتيوس سترته فوق كتفه , ثم فك زر ياقته .. كانت تنظر إليه وهي لاتدري ماذا يريد منها أن تفعل .. ولكنها شعرت بأنه غير مسرور من الوضع الحالي , فوقفت :
- سأخبرها بنفسي .
وقبل أن يتمكن أحد من إيقافها . كانت قمر الليل تسرع عبر الأبواب الزجاجية إلى المطبخ , حيث كانت السيدة فلاندرز مع بولي تحضر صينية شاي .
سألتها السيدة فلاندرز :
- أيريدون الشاي ؟
سحبت ليا نفسا عميقا قبل أن ترد .
- إذن .. عصير للسيد جفرسون وشاي لزوجته ماذا عن خالك ؟
- سأتناول الشاي سيدة فلاندرز . شكرا لك .
جعل صوت ماتيوس العميق ليا تنتفض . أردف : " قدميها قرب المسبح ".
ابتسمت السيدة فلاندرز :
- بالطبع سيد ماتيوس .
قدمت ليا اعتذارا ثم انسحبت إلى الممر خارج المطبخ ولكن صوت ماتيوس أوقفها , فارتدت إليه على مضض فوجدته يدنو منها :
انتظري .. رافقيني إلى المكتبة . أريد مكالمتك .
أشارت إلى ثوب السباحة إشارة ذات مغزى :
- ألا يمكنك الإنتظار ؟
لكن ماتيوس هز رأسه نفيا .
- قد لا تسنح لنا الفرصة فيما بعد .
تقدمها دافعا الباب المنجد بالجلد .
- ادخلى .. لاتنظري إلى هكذا .. سرعان ما يتساءل آل جفرسون عما يجري إن لم أرجع للانضمام إليهما سريعا .
خطت فوق السجادة السميكة بساقين مرتجفتين . جلست في أحد المقاعد الجلدية الخضراء , محاولة إخفاء الإثارة التي تشعر بها .
سأل وهو يستند إلى حافة المكتب :
- لماذا سألتنى على الهاتف عما إذا كنت أرغب في أن تعملى ؟ هل بدا مني يوما انطباعا بأنني غير سعيد بإعالتك ؟
- ل .. لا .
- إذن هل قالت كاتي شيئا عن أن العمل قد يساعدك على تحمل المسؤولية ؟
- لا .
أشاحت بوجهها عنه , فمرر يدا نافذة الصبر تحت ياقته , وكأنما حرارة اليوم لا تساعده على احتواء غضبه .
- لماذا إذن اقترحت هذا ؟ ألست سعيدة هنا ؟
نظرت إليه ثانية وعيناها تعكسان سخطها :
- أيجب أن تسالني هذا ؟
هز كتفيه : " احاول فقط أن أتفهم ما دار بيننا منذ ساعات قليلة . لا ريب أن هناك سببا دعاك لقول ما قلته "
حركت ليا كتفيها وقالت بغير اهتمام :
- كان كلاما عابرا .. أهذا كل شيء ؟ هل أستطيع الذهاب لارتداء ملابسي ؟
- متى اشتريت هذا .. هذا .. الذي ترتدين ؟
- لا أذكر .. السنة الماضية .. أو التى قبلها .
- أحرقيه .. لا أريد رؤيتك به ثانية . إنه غير محتشم .. فلتضف الآنسة لورد ثوب سباحة إلى لائحة الثياب .. أرجو أن يكون عندك ملابس ملائمة لهذا المساء .
وقفت بحدة : " لن أجلب عليك العار إذا كان هذا ما تقصده ! "
هب واقفا عن المكتب صائحا :
- حبا بالله ! ماذا دهاك ليا ؟ منذ وصول الآنسة لورد وأنت تتصرفين بشكل لا يلائم شخصيتك . العصيان أتفهمه , والغضب أتحمله إنما ما لا أتفهمه أو أتحمله هو اندفاعك إلى إشعاري بأنني نذل !
اتسعت عيناها : " أهذا ما تراه ؟ "
سحب نفسا عميقا : " أريد منك الابتعاد عن هذا الهراء المتعلق بالعمل وعن القلق بالنسبة لعلاقتنا والبدء بالتصرف كسيدة شابة . باربرة على حق . أنت تكبرين فعلا , وبمساعدة كاتي قد تتمكنين من إيجاد زوج قبل إنقضاء هذه السنة .
حبست ليا أنفاسها : " أهذا ما تريده ؟ ألهذا جلبت كاتي لورد إلى هنا ؟ لتتخلص مني ؟ "
- آه , بالله عليكي لا تتمسكي بكل ما أقول تمسكا دراميا . ليس الزواج بتهديد , يا الله ! إن معظم الفتيات يبحثن عمن يتزوجهن منذ اللحظة التي يعرفن فيها ما هو الجنس الاخر ؟
- ليس أنا !
- ماذا تقصدين . ليس أنت ؟ ألست كبيرة لتعرفي ماذا تريدين ؟
- أعرف أنني لا اريد أن أتزوج ؟
- ولماذا بحق الله ؟
- أنت لست متزوجا .
- انا مختلف .
- لا . لست مختلفا , قالت السيدة فلاندرز إنك بحاجة إلى امرأة .
- أووه . متي ؟ وماذا قالت غير هذا ؟
أدركت انها تهورت في التفوه بما قد يحرج المرأة فتشنجت قائلة :
- لا شىء , لم تكن تتحدث عنك , إنه شيء سمعته صدفة .
- حقا ؟
- اجل . حقا , يجب أن تصدقني ماتيوس . أكره أن تواجهها بما قلتله , ستموت خجلا .
ومضت عيناه بشكل خطير : " إذن , كلامك غير صحيح ؟ "
- انا لا أكذب أبدا .
- إذن قالته ؟
- أجل .. لا . آه .. أنت تحاول إرباكي ! أنت لا تأبه حقا لما تقوله عنك . لا تأبه لما يقوله أي كان عنك .
- لا أقول هذا .
- أنا أقوله . هل أستطيع الذهاب الآن ؟
- أظن أن ذلك أفضل .
- شكرا .
اتجهت قمر الليل إلى الباب ولكنه كان أسرع منها ليفتحه لها , كانت عيناه الخضراوان تسخران من ارتباكها .
- لا تكرهيني ليا .

التهب وجهها بنار مفاجئة :
- أنا لا أكرهك .
ولكنه تعمد أن يميل رأسه لينظر إليها .
- من السهل أن تكرهيني .
ثقلت أنفاسها قبل أن تركض على السلم متوجهة إلى غرفتها .
جاءت بربارة جفرسون إلى غرفة ليا عندما كانت ترتدي قمر الليل ملابسها استعدادا للعشاء .. سألت : " هل أتطفل عليك ؟ "
هزت ليا رأسها بسرعة :
- بالطبع لا , أدخلي , ستساعديني في انتقاء ما ارتديه .
دخلت باربرة إلى الغرفة وهي تنظر إلى أثاثها الفخم بإعجاب بارز . وقالت :
- هذه غرفة جميلة ليا .. ستفتقدينها بعد الزواج , فلا منازل " كماتلوك ايدج " في الجوار .
حركت ليا كتفيها بنفاد صبر وهي تقفل الباب وراء المرأة , ثم قالت بدهشة :
- لماذا يتكلم الجميع عن الزواج فجأة ؟ لا أتوقع أن اتزوج . على الأقل ليس قبل وقت طويل .
سألتها باربرة ببراءة :
- ومن غيري تحدث عن الزواج ؟
جلست على حافة السرير ولكن ليا لم تقل لها , بل غيرت الموضوع :
- تبدين رائعة , اللون الوردي يناسبك . ليتني أعرف ما على ارتداءه .
رفعت باربرة رأسها تنظر إلى صورتها المنعكسة في مرايا طاولة الزينة , ثم تنهدت :
- دب الشيب ! احمدى الله لأنك غير مضطرة إلى القلق بشأن الجذور غير المصبوغة !
تنهدت ليا : " لا الآنسة لورد تقول إن وزني زائد " .
- آنسة لورد ؟ آه ! تقصدين تلك المرأة التي استخدمها ماتيوس للعناية بك ؟ التقيتها عندما كنت أحتسى الشاي , ولكن لاتجزعي بسبب ما تقوله , لأنها تحسدك على الأرجح . على أى حال , كل ما يجري يصب في مصلحتك .
- صحيح ؟
نظرت باربرة إليها نظرة وقور:
- توقفي عن السعي إلى الإطراء ليا . تعرفين جيدا أن كل ما يجري يصب في مصلحتك , والآن ماذا تنوين أن ترتدي ؟
- لا . باربرة . لم أكن أسعي للإطراء , أريد رأيك إن كنت سمينة حقا ؟
تنهدت باربرة :
- بالطبع لا .
- لكنني لست نحيلة , أليس كذلك ؟
هزت رأسها : " أنت ممتلئة , هذا كل شيء . لست نحيلة . ولست سمينة .. وبهذا الشعر ."
ابتعدت ليا عن تأمل نفسها بالمرآة وقالت :
- أهو بحاجة إلى القص ؟
- القص ؟ من أعطاك هذه الفكرة ؟ أراهن أنه ليس ماتيوس , ليا . شعرك هو أبرز ما في قسماتك من جمال . ستكونين مجنونة إن قصصته !
هزت ليا رأسها متمتمة : " هذا ما ظننته " .
- حسنا . إذا إنتهيت من الاعجاب بنفسك .
تورد وجه ليا : " لم أكن أبدي الإعجاب بنفسي .. آه ! الفستان . سأريك ماذا اشترينا "
أخرجت ليا الفساتين والقمصان لتراها .
- أليست جميلة ؟ أحببت هذا الكحلى أكثر . إنه ناعم فعلا .
بدت باربرة أقل حماسا : " أجل "
ارتدت عن الفساتين لتنظر إلى جسد ليا الفتي ثم أعادت النظر إلى الفساتين مجددا , عندما كانت تراقبها تلاشت حماسة ليا وقالت بعدما تداعت ثقتها بنفسها :
- أترين قمــر الليل.. حتى أنت ترتابين بما قد يناسبني .. أليس كذلك ؟ لماذا لا تعترفين ؟ أنا سمينة كما قالت كاتي .
ردت باربرة بثبات :
- ليست سمينة .. نعم الفساتين جميلة . إنما ما يشغل أفكاري هو ما إذا كانت مناسبة لفتاة في مثل سنك أم لا .
- ماذا تقصدين ؟
- ليا , أنت لست أكبر بكثير من ابنتي كايت .. بصراحة , لا أسمح لها بارتداء أشياء كهذه .
- لماذا ؟
- لماذا ؟ لأنها مناسبة لامرأة أكبر منك . فتاة بعمر الانسة لورد . كما أتصور .
تنهدت ليا : " أنا لست طفلة يا باربرة ".
- أعرف , لكنك لست كذلك امرأة وذات تجربة . من أين اشتريتها ؟ ليس من قسم المراهقات على ما أظن ؟
- اشتريناها من عند مالوري .
هزت باربرة رأسها :
- مالوري ؟ ماهذا ؟ محل أزياء في برادفورد ؟
- بل في مانشستر .. لم يعجب كاتي قسم المراهقات .. قالت إن ليلاس الموسيقي صاخبة والثياب رخيصة .
- حسنا .. هي كذلك .. والسبب أن الشابات يرغبن في ثياب كثيرة لا في مجرد قطعة أو قطعتين مرتفعتي الثمن . هناك محلات تبيع ثيابا رائعة للمراهقات . كان على ماتيوس إرسالك لي . لو فعل لجهزتك بما يليق بك . لا بما يليق بامرأة في مثل عمرى .
أحنت ليا كتفيها : " أوه .. باربرة .. ماذا سأرتدي إذن ؟ القمصان ؟ "
- ليس الليلة , فالجو حار . أخبريني , ألديك تنورة صالحة ؟
- تنورة ؟ أوه لا تقولي تنورة مرة أخري !
- إذن لديك تنورة . هل لدي ماتيوس قميص أبيض أكمامه واسعة ؟ أجلبيه وبعدها أقول لك ماذا سنفعل .
شهقت ليا : " كيف أحصل على أحد قصمانه ؟ "
- اطلبي من السيدة فلاندرز .. أنا واثقة أنها تعرف ما يحتفظ به في خزانته أفضل مما يعرف هو , والآن أسرعي .. ليس لدينا وقت .
بعد عشرين دقيقة , كانت ليا تنظر إلى صورتها في المرآة وهي لاتصدق . من كان ليظن أن تنورة سوداء بسيطة , وقميص رجل أبيض قد يبدوان بهذه الجاذبية ؟ إن هذا كله بفضل باربرة .
كان القميص الذي جلبته السيدة فلاندرز من الحرير .. ولكنها أبدت عدم الموافقة على استخدام أغراض مخدومها بدون موافقته .
- ماذا سيقول السيد ثورب ؟ ألم تشتر أنت والآنسة لورد بعض الثياب عندما قصدتما مانشستر ؟
- هذا صحيح , ولكن السيدة جفرسون تراها غير ملائمة لي , لذا ستساعدني على ارتداء غيرها .
- هه !
تركتها السيدة فلاندرز منزعجة . ولكن فيما بعد كانت تنظر إلى إنعكاس صورتها في المرآة شعرت بأن العجوز ستبدي إعجابها بدون شك . كانت ياقة القميص الحريرى الأبيض مفتوحة تكشف عن عنق عاجية . كان طرق القميص يغطي وركيها ولكن باربرة ربطته بشريط أزرق كالحزام .. أما الأكمام الواسعة فألصقتها بمعصيهما بدبوسين من الفضة جلبهما ماتيوس مرة من مراكش .. وتحلت بميدالية فضية , أعارتها إياها باربرة , التي سألتها :
- حسنا . ما رأيك ؟ أترين أن الملابس البسيطة المرتبة قد تكون جذابة ؟
صاحت ليا وهي تستدير لتحتضن المرأة :
- أنها رائعة .. أبدو .. أبدو .
- أعرف . مثيرة , والآن انتعلى حذاءك ولننطلق , لقد تأخرنا ربع ساعة .
كان ماتيوس وضيفاه يتناولون العصير على الشرفة عندما خرجت ليا وباربرة للانضمام إليهم . كانت كاتي تبدو أنيقة مصقولة كحالها دائما . بدا فيليب جفرسون أنيقا في بذلة السهرة . ولكن أناقة ماتيوس وحدها هي التي أضفت الألوان على المنظر إذ أعطت سترته الخضراء المخملية بريقا لقميصه العاجي .
لكن , مظهرها هو ما جذب الإهتمام .. أبدت ملامح كاتي التبرم لأن انصباب الأنظار على ليا أزعجها . انفرجت شفتاها إحباطا وهي تري الفتاة التي جاءت إلى هنا لتكون مرافقتها , ثم تحولت عيناها بسرعة إلي باربرة جفرسون , كأنها تسعي إلى تفسير .
ولكن ماتيوس لم يظهر دهشة لما ترتديه مع ان عينيه ضاقتا قليلا لدي رؤية تقويم فيليب الصريح لها .. وكأنه يحكم على التأثير الذي تؤثره في ضيوفه , ازداد تورد وجنتي ليا .
صاح فيليب ليكسر الصمت الحاد الذي تبع ظهورهما :
- تبدين مثيرة جدا هذا المساء ليا . من المؤسف ألا يكون لديك شاب يقدر هذا الجمال . لذا أنت مضطرة للاكتفاء بي فقط .
ابتسمت ليا بحرارة لتبعد عنها الإحساس بالغيظ الذي يثيره تصرف ماتيوس , حاولت أن تحاكي مزاجه المرح :
- وأنت لا تبدو سيئا .. طالما آمنت أن سترة العشاء تبدو رائعة علي الرجل .
ردت باربرة بجفاء , تدفع مرفقها في معدة زوجها :
- إنها تخفي الآثام الكبيرة .. سأتناول كأس عصير برتقال ماتيوس , ماذا عنك ليا ..ماذا ستشربين قمــر الليل للاحتفال باستقلاليتك .
نظرت ليا بقلق إلى ماتيوس وهو يصب العصير من الإبريق :
- لست واثقة .. ربما عصير البرتقال أيضا .
تقدم فيليب يضع يده تحت مرفق ليا :
- همم .. رائحتك جميلة أيضا .. ما هذا العطر , شانيل خمسة ؟
- بل هو شارلي , انا مسرورة لأنه أعجبك .. اهدتني إياه باربرة في الميلاد .
قالت باربرة مسرورة :
- وهو يناسبك , متي العشاء ماتيوس ؟ يجب أن اعترف أن جو الريف يفعل الأعاجيب بشهيتي . ألا تشعرين بالشيء ذاته آنسة لورد ؟
استدارت كاتي , لتنظر ببرود إلى وجه المرأة :
- شهيتي إلى الطعام ضئيلة حتى في أفضل الأوقات سيدة جفرسون . أنا محظوظة بهذا .
- أوه .. لا أستطيع موافقتك الرأي , عندما تجدين أمامك رجلا شهيته قوية إلى الطعام فقد تغيرين رأيك .
ابتسمت كاتي باكتئاب :
- أشك في هذا , على المرء أن يسيطر على شهيته , ألا توافقيني الرأي ؟
رد فيليب بخبث متعمد :
- هذا وقف على طبيعة الشهية التي تتكلمان عنها . ألم تهتمي قط برجل كاتي ؟ هل تعترضين إن ناديتك كايتي ؟ هذا ما يناديك به ماتيوس به . أليس كذلك ؟
- طبعا . ناديني كاتي على الرحب والسعة . وردا على سؤالك .. لقد اعتنيت برجل مدة طويلة هو والدي .
ضحك فيليب : " هذا مؤسف ! "
ثم التفت إلى ماتيوس وأخذا يتناقشان في كلفة الوقود , تاركين النسوة الثلاثة لتبادل أطراف الحديث .
سألتها كاتي حالما انفردت بها :
- من أين لك هذه الملابس ؟
- في الواقع , اقترحتها باربرة علي . فهي تظنها رائعة و جميلة , وهذا ما أظنه أنا أيضا .
- وما خطب الفساتين التي اشتريناها من مانشستر .. هل تتصورين مدي حرجي لو كان هناك أحد آخر موجود الليلة ؟
- ماذا تقصدين ؟
- استخدمني خالك لأعطيك النصح والإرشاد liilasوأخشى الآن ما سيظنه بي . يجب أن أشرح له غدا أنك غير مستعدة للاهتمام بما أقول !
- الفساتين التي اشتريناها لا تناسب من هن في مثل عمري . تقول باربرة .
- ردت كاتي وهي تسخر منها :
- تقول باربرة ! وماذا تعرف باربرة ؟ هذا الفستان الذي ترتدي يعود طرازه إلى عشرين سنة .
قالت ليا ساخطة : " لم تنصفيها بقولك هذا "
لكن كاتي لوت أنفها ساخرة :
- أتصدقين أن باربرة جفرسون قادرة على أن تكون حكما على الموضة ؟
ردت بعناد : " تعجبني هذه . إنها .. أنا "
قالت كاتي باحتقار : " إنها حقيرة رخيصة الثمن مثلك تمام ولكن إذا كان هذا ما تريدين أن تظهري به "
- هل أنتم جاهزون للعشاء سيد ثورب ؟
جاء صوت السيدة فلاندرز في الوقت المناسب لأنه قطع عليهما هذا الحديق . وقف ماتيوس ينادي :
- تعالي باربرة .. الطعام جاهز .
وابتسمت ليا للإحباط الذي طغي علي كاتي .
بعد الوجبة وجدت ليا نفسها بمفردها مع ماتيوس للمرة الأولي ذلك المساء . كانت القهوة قد قدمت على الشرفة . ولكن عندما حاولت اللحاق بكاتي وبالزوجين جفرسون , أمسكت يده بمعصمها ليمنعها .
قال بهدوء :
- أريد فقط أن أطريك على هذا التغيير .. وسأهني كاتي على ما فعلت .
أصيبت ليا بالصدمة , ولم تعرف كيف ترد .. فاعتبر صمتها اعترافا , وتركها تذهب :
- الأفضل أن تنضمي إلى الآخرين .. أريد محادثة السيدة فلاندرز .. لقد أرهقت قمــر الليل نفسها هذا المساء , ألا تظنين هذا ؟
- كاتي لم . أعني .. أعني .
- ليس الآن ليا .
وسار مسرعا نحو المطبخ . جعلتها طريقته في صرفها تتألم , لا يريد أن يسمع تفسيرا .. إنه متأكد أن كاتي المسؤولة عن تحسن مظهرها .
حسن جدا .. لك ما تريد ماتيوس . لكنني أرجو أن تقدر كاتي لك ثقتك بها !
6 - ستندمين !


بعد ظهر اليوم التالى , عندما رأت ليا ماتيوس مرة أخرى كان الوقت متأخرا , صباح السبت تأخرت على الفطور وعندما نزلت كان ماتيوس وفيليب في المكتبة يتحدثان فى الاعمال . وبما أن الرجلان كانا مشغولين , اقترحت باربرة الخروج للتسوق في برادفورد ومع أن كاتي لم تكن متحمسة للفكرة وافقت .
قالت باربرة وهى تجلس إلى جانب ليا فى المرسيدس :
- بصراحة , أود لو تبقى فى المنزل . أوأثقة أن ماتيوس يسمح لك بقيادة هذه السيارة الثمينة ؟
- ألا تثقين بي ؟ في الواقع لم أقد هذه السيارة منذ أخذت رخصة السوق , أعتقد أن ماتيوس كان يثق بي أيضا .
- كان يثق بك ؟ وما الذى غير رأيه بك ؟
- آه ! هذا وذاك . أين كاتي ؟ نحن فى انتظارها منذ عشر دقائق .
سألت باربرة بفضول :
- أليس لديكم شاب يقود السيارة ؟ أذكر ..
قاطعتها : " انه جورج ماتيسون . ولكنه لا يعمل في عطلات الأسبوع , إلا إذا طلب منه ماتيوس ذلك " .
- ألم تشعري بالميل تجاهه ؟
- من أخبرك ؟ اهو ماتيوس ؟ حسنا . أنت مخطئة , أنا وجورج صديقان , صديقان فقط .
هزت باربرة كتفيها : " لا تغضبي . هذا أمر طبيعى "
استدارت ليا تنظر إليها :
- ماهو الطبيعى ؟ ان أعبث مع جورج ماتيسون ؟
- حسنا . إنه فى مثل عمرك . وعلى ما أذكر هو شاب وسيم .
- وماذا في هذا ؟
- من هن فى مثل عمرك يحببن أن يغازلهن الشباب .
- أما أنا فلا .
تنهدت باربرة :
- لماذا أنت " لا " أنا لا أقترح عليك التفكير في الزواج به .
شهقت ليا : " الزواج ؟ الزواج ؟ لماذا يعود كل حديث إلى الزواج ؟ قلت لك ليلة أمس . "
ردت باربرة تقاطعها بحدة : " آه ! حسنا ليا ! "
أحست ليا بالندم على ما قالته فهى لم تقصد أن تكون فظة , ولكنها تنفعل كلما جاء أحدهم على ذكر مغادرة " ماتلوك ايدج " فتمتمت : أنا أسفة "
فى تلك اللحظة , خرجت كاتي بكامل أناقتها من المنزل , فضغطت باربرة على ذراع ليا بعطف :
- لا بأس عليك . ما كان على فتح فمى الكبير , سيدبر ماتيوس الأمور على هواه .
لكن ليا تعترض بشدة على سيطرة ماتيوس على مصيرها , لأنها تريد أن تسيطر هى على حياتها الخاصة .. لكن صعود كاتي لورد إلى السيارة منعها من التفوه باعتراضها .
كانت " برادفورد " مكتظة بالمتسوقين في يوم السبت . بعد إيقاف السيارة , وجد الثلاثة صعوبة في البقاء معا . فاقترحت باربرة :
- لماذا لا نفترق على أن نلتقى وقت الغداء ؟
انتظرت مع ليا عدة دقائق حتى تمكنت كاتي من اللحاق بهما وأردفت :
- أين ستنتاول الغداء ليا ؟ أتعرفين مطعما جيدا ؟ إن اتفقنا على اللقاء فى الواحدة , فلن نضيع الوقت في التفتيش عن مطعم جيد , أو التفتيش عن بعضنا بعضا .
ردت كاتي ببرود " أوافقك الرأى "
عبست ليا مفكرة , ثم قالت بارتياب :
- هناك مطعم " كراون " الذى يتناول في أحيانا ماتيوس طعامه .
صاحت باربرة بلهفة :
- ليس هناك مكانا أفضل . سنلتقى في مطعم " كراون " في الساعة الواحدة .
ابتسمت كاتي وهى تبتعد , وما إن ابتلعها الزحام , حتى تنفست باربرة الصعداء , وأمسكت بذراع ليا تقول :
- احمد الله على ذهابها ! تعالى الآن , رافقيني إلى أقرب مقهي , أنا بحاجة إلى كايك بالكريما الكثيفة !
- أو لن نفترق ؟
- بالطبع لن نفترق . أفكر في القيام ببعض التسوق . لم أرغب في أن تعترض الآنسة لورد على اقتراحاتي .
أنهتا قمــر الليل القهوة والحلوى الغنية بالشوكولا , ثم إتجهتا إلى مخزن كبير للبيع . لم يبد لليا المحل الخاص بالمراهقات مبهرجا وهي الى جانب باربرة . ماهى إلا ساعة حتى اشترت باربرة لليا أثوابا جميلة تضيفها إلى خزانتها , ومن بين ما اختارت سترة جميلة وثيابا داخلية , وفستان نوم مخرم حتى الخصر , وفستانا آخر من الشوفين المطبع . واشترت لها أيضا كنزتين ., وتنورة رائعة من " الشاموا " وسترة حريرية.
احتجت ليا , وهما تضعان المشتريات في صندوق السيارة قبل الذهاب لملاقاة كاتي :
- لا أدري ما سيقوله ماتيوس .
ردت باربرة بثبات : " سيوافق , لقد وافق على مظهرك ليلة أمس , أليس كذلك ؟ "
- آه ! أجل .
رغبت فى أن تبوح لها بما قاله بالضبط ولكنها لم تفعل .
كان الصبح واعدا بيوم جميل ولكن الطقس تغير وهن يتناولن الغداء وما إن خرجن من " الكراون " حتى بدأ المطر بالانهمار , فقالت باربرة وهي ترفع رأسها نحو السماء :
- فلنعد إلى المنزل لأن هذا المطر لن يتوقف . ولا أرغب أن أتبلل , أترغبان في هذا ؟
نظرت ليا إلى كاتي : " لا أهتم . أيوافقك هذا ؟ "
حركت كاتي أنفها عندما سقطت قطرة مطر عليه :
- يوافقني طبعا .
فكان أن أسرعت ليا نحو السيارة .
بدت " ماتلوك ايدج " حتى تحت المطر liilas جميلة . كانت المياه تتقطر من الأشجار على ظهور الخيول التى التجأت للاحتماء بأغصانها .
قالت باربرة , تستعيد ذكريات قديمة , وكأنها تعكس أفكار ليا :
- أتتصورين العربات التى تجرها الخيول تسير فوق هذا الممر المرصوف بالحصى ؟ كان لماتيوس مركبة خفيفة في الإسطبل , يجرها حصانان .
رفعت كاتي حاجبيها : " وماذا حدث للمركبة ؟ "
ضحكت ليا : " آه ! لقد قلبتها مرة في إحدي النزهات . فكان أن تخلص منها ماتيوس "
قالت باربرة بخوف : " آه أفهم السبب ! كدت تقتلين ؟ "
- أجل . هذا ما قاله ماتيوس كذلك .
كان ماتيوس وفيليب ما يزالان فى المكتبة عندما وصلن إلى المنزل .
تركت باربرة ليا تفرغ المشتريات من صندوق السيارة سرا , ودخلت إلى المنزل مع كاتي . عندما انضمت ليا إليهما في غرفة الجلوس , كانت السيدة فلاندرز تقدم شاي الساعة الخامسة .
أعلنت مدبرة المنزل :
- قال السيد ثورب إنه يريد محادثتك قبل العشاء آنسة لورد .
جف فم ليا , فقد عرفت السبب وأحست بالذنب لأنها كذبت عليه , ولكنه لم يمهلها وقتا للشرح . قررت أن تصحح خطأه حالما تنهى احتساء الشاي .
اختفت كاتي بعد ارتشافها نصف الفنجان تقريبا , وبعدما رفضت كل العروض لتناول البسكويت .
قالت باربرة ساخرة بعد ذهابها :
- ستتحضر للمقابلة !
واخذت سندويشا من السلمون المدخن :
- أتشعرين بأن الآنسة لورد تتمني لو تكون سيدة هذا المنزل ؟
ردت ليا عن غير اكتراث :
- لن تكون الأولي . إن ماتيوس يقاوم الدائبات إلى هذه السيادة منذ زمن , ولا أظنه يلاحظ هذا ابدا .
صبت باربرة المزيد من الشاي :
- لست واثقة , فهو لم يعد شابا . يجب أن يتزوج , عاجلا أم آجلا .
- لماذا ؟
هزت باربرة رأسها : " لماذا ؟ تعرفين لماذا . إنه بحاجة لمن يرث ما يملك . أليس كذلك ؟ "
- أتقصدين ابنا ؟
- أو ابنة . لا أظن أن الإرث يهمه كثيرا . إنه بحاجة لزوجة لتلد له وريثا .
احدوبت كتفا ليا :
- لن يتزوج امرأة ككاتي لورد أبدا .
- لماذا لا ؟ أعترف انها لا تعجبنى . ولكن لا يمكنني أو يمكنك الحكم على ما يعجب ماتيوس .
شعرت ليا بجسدها يتوتر وباربرة تتكلم . وهذا أمر سخيف بالطبع لايمكن لماتيوس أن ينجذب لكاتي لورد . إنها باردة جدا متطرفة في كل شيء وهذا يكرهه ماتيوس ويعترض عليه . ولكنها أدركت أن لا شأن لها بهذا , باربرة على حق . كيف لها أن تحكم على ما يعجبه من النساء ؟ لقد دعا كاتي إلى منزله لأوهى الأسبابا . فماذا لو كان معجبا بها فعلا ؟ ماذا إذا جاء بها إلى هنا ليرى كيف تنسجم مع حياته ؟ وكيف تتوافق مع ليا ؟ ربما هذا ما جعله غاضبا عندما عاملتها بطريقة فظة .
- هل أنت على مايرام ؟
كانت باربرة تنظر إليها باستغراب . فسارعت ليا إلى لملمة شتات نفسها .
- أجل . أجل . بالطبع , ولماذا لا أكون على مايرام .
عبست باربرة :
- لا أدري . لقد شحب لونك بشكل فظيع فجأة .
وقفت ليا :
- لاتكوني سخيفة . أظنني تعبت من نقل الأغراض .
- انتظري حتى يراها ماتيوس . على الأقل لن يقول إن كاتي علمتك كيف ترتدين الملابس .
- لا . لن يستطيع قول هذا . أراك فيما بعد باربرة , أريد الصعود لأخرج المشتريات من أكياسها .
بعدما أقفلت باب غرفة الجلوس , لم تتجه قمــر الليل إلى الدرج بل أسرعت إلى مكتبة ماتيوس , مترددة لحظة قبل أن تدق الباب .
- فيما بعد سيدة فلاندرز .
كانت نبرة ماتيوس النافذة الصبر مسموعة بوضوح من وراء الباب الخشبي الصلب . ولكن ليا دقت ثانية . لأنها تعرف أنها لن تجد فرصة أخرى لمكالمته قبل أن يتحدث مع كاتي .
- قلت لك فيما بعد سيدة فلاندرز .
صمت فجأة عندما رأى ليا :
- آه ! هذا أنت . ماذا تريدين ؟ ألم تقل لك السيدة فلاندرز إنني مشغول ؟
- بلى .
تجد صعوبة في المحافظة على تهذيبها عندما يكلمها بهذه الطريقة . كان قد تخلص من ربطة عنقه وفتح أزرار قميصه .
سمعته يقول : " حسنا "
شاهدت فيليب في الغرفة وراءه منصبا على بضع أوراق . رفعت قمــر الليل نظرها إلى نظرة ماتيوس المنتقدة :
- أريد محادثتك .
- عم حديثك ؟
- إنه . أمر خاص . هلا منحتنى لحظات من وقتك . المسألة حياة أو موت .
تحولت عيناه من اللون الأخضر إلى الرمادي .
- صحيح ؟
- لا
- إذن انتظري .
تراجع إلى الغرفة , قبل أن تستطيع منعه , وأقفل الباب .
استسلمت في غرفتها إلى احباطها وغضبها , فرمت إلى الأرض الأكياس التى رتبتها من قبل على السرير . ماتيوس لا يطاق . لقد تعمد إذلالها . لا تريد أن تفكر في ما ظنه فيليب جفرسون عندما تحدث إليها بتلك الفظاظة . ماذا يحاول أن يفعل ؟ أيحاول دفعها إلى كرهه ؟ ألم يقل لها سابقا إن من السهل أن تكرهه , وها هي تصدقه !
نزلت إلى العشاء مرتدية بزتها الجديدة . كانت بزة جذابة من القطن الوردى اللون , الذى أبرز اسوداد شعرها , وبشرتها العاجية . توقعت عندما كانت ترتدي liilasملابسها أن يصل ماتيوس إلى غرفتها غاضبا , ولكنه لم يظهر فكان أن توصلت أخيرا إلى استنتاج بأنها تبالغ في حساسيتها .
كان الضيوف كما في الأمسية السابقة مجتمعين للعشاء .
قال لها فيليب :
- ماذا أقدم لك أيتها السيدة الشابة ؟ماتيوس لم يصل ولكنني واثق بأنه لن يعترض إن قدمت لك ما يفتح شهيتك .
نظرت إلى ما حولها فى الغرفة . تتبادل الابتسام مع باربرة . ثم تحركت عيناها إلى كاتى الجالسة برشاقتها المعتادة في مقعدين بذراعين .
- ليس من عادة ماتيوس التأخر عندما يكون عنده ضيوف .
قالت كاتي : " لقد تأخر في الذهاب لتغيير ملابسه "
توترت أعصاب ليا بسبب الاعتداد بالنفس الذي تراه على وجهها .
- أمضيت أنا وخالك وقتا في الحديقة . وذلك بعدما أنهى مناقشته مع السيد جفرسون .
صاح فيليب : " ناديني فيليب كاتي . هل أقدم لك شرابا آخر قبل أن يصل ماتيوس "
ارتشفت ليا شرابها متوترة , ولقد اقتنعت أن تصرفات كاتي لا تحمل الخير لها . عما تحدثت مع ماتيوس في الحديقة ؟ لماذا تجلس هكذا وكأنها قطة ابتلعت قطعة لحم ؟ لا يبدو لها أن الحديث الذي تبادلاه سبب لها إحراجا .
ظهر ماتيوس في الوقت الذى أعلنت فيه السيدة فلاندرز أن العشاء جاهز , فاعتذر على التأخير .
- وصلتنى مكالمة من أميركا . وكنت على وشك النزول .
نظرت ليا إلى وجهه , فلم ترى دليلا على الغضب الذى توقعته . بل على العكس , طافت عيناه فيها بذهول .
كانت الوجبة لذيذة , صدور دجاج مطهوة بالخل والحليب وقطع لحم مجفف , وبطيخ وخيار بين ثلاثة أنواع من الحلوي . لأول مرة منذ فترة , استمتعت ليا بالطعام .
بعد تقديم القهوة في غرفة الاستقبال , اعتذرت ليا لتصعد إلى غرفتها فلاشك أن ماتيوس وضيوفه يريدون السهر حتى وقت متاخر . شعرت بالسرور لأنها لم تفكر كثير في ماتيوس , فمن الواضح أنه تبادل مع كاتي حديثا لطيفا قبل العشاء وهى ترفض اعتبار تعليقات باربرة أكثر من مجرد أقاويل .
انتزعت قرطها من أذنيها وأخذت تتفرس في صورتها في المرآة في هذا الوقت سمعت طرقة خفيفة على بابها , وضعت القرط الذهبي المستدير على طاولة الزينة , وتقدمت تفتح الباب ثم تراجعت مذهولة :
- ماتيوس !
- اجل . ماتيوس . هل لي بالدخول ؟
فكرت بسرعة :
- الوقت متأخر . ألا يمكنك الانتظار حتى الصباح ؟
دخل إلى الغرفة ليتجاوزها :
- اقفلى الباب ليا . أريد محادثتك وأفضل ألا يسترق أحد السمع إلى حديثنا .
تنهدت بعد صمت عدائي قصير ثم أقفلت الباب وهي تقول بتحد :
- حسنا . ماذا تريد أن تقول ؟ أنت غامض , ماذا سيقول ضيوفك عن اختفائك فجأة !
رد ببرود : " يعرف أحدهم على الأقل أين أنا . كاتي , ولكن لاشك أن تعرفين سبب قدومي , فما أنت بغبية "
- شكرا لك . لكن مخطىء ليس لدي فكرة عما سبب انزعاجك .
- انزعاجي ؟ لا تمثلى على ليا . تعرفين ما أزعجني , لقد تعمدت تضليلي . وأريد تفسيرا .
احتاجت إلى الكثير من الشجاعة لتبتعد عن الباب ولكنها ابتعدت أخيرا . أمسكت قمــر الليل الفرشاة عن طاولة الزينة , وبدأت بتمشيط شعرها .
- لم أضللك ماتيوس . ألا تذكر أننى حاولت أن أكلمك بعد الظهر ولكنك كنت مشغولا .
انتزع الفرشاة من يدها :
- وكيف لى أن أعرف سبب قدومك ؟
- لم تمهلنى وقتا لأتكلم . أليس كذلك ؟ لقد صفقت الباب في وجهى .
- كنت مشغولا .
- ليست غلطتي .
- لماذا لم تنتظري ؟
نظرت إليه ساخطة :
- أين ؟ خارج باب مكتبتك ؟ ماذا تريد أن أفعل ؟ ان أجلس على ممسحة الباب , وهو المكان الذى تود لو أبقى فيه ؟
اسود وجهه غضبا :
- هذا غير صحيح ! لماذا لم تخبريني بالأمس بأن الثياب غير جديدة !
- كانت جديدة بالنسبة لي .
- لم تخترها كاتي .
- قالت كاتي إنها قذرة رخيصة , فلماذا أخبرك ؟
- لماذا فعلت هذا ؟
- فعلت ماذا ؟
- لماذا رفضت ارتداء الثياب التي اختارتها لك كاتي ؟
- لانها لا تناسبني .
- ماذا تعني ؟
- لإنها لا تناسب عمري .
أشار إلى ما ترتديه :
- وهل هذا جديد ؟
- اجل
- لماذا لم ترتديه إذن ليلة أمس ؟
- لاننى لم أكن املكه ليلة أمس . لقد اشتريته لي باربرة اليوم .
ضرب مؤخرة الفرشاة على راحة يده :
- هكذا إذن . وما رأي باربرة بالثياب التي اختارتها كاتي ؟
- إنها توافقني الرأي .
- أعتقد أنك أخبرتها قصة محزنة عن عدم تعاطف كاتي معك ثم قلت لها إنك تكرهينها لأنها كل ما ترغبين أن تكون عليه .
نظرت إليه بازدراء : " لا ! هذا قول فاسد قذر "
- لكنك تكلمت عنها . ألم تفعلي ؟
- ليس كثيرا
- أراهنك !
أحست ليا بالغضب يتصاعد بسبب سخريته :
- أتعتقد أن كل ما يشغل بالى هو التفكير في كاتي لورد . حسنا . أنت مخطيء . إذا كنت تصدق كل ما تقوله فهذا لايعنى أن على أن أحذو حذوك . وبما أننا نتكلم عنها فمن الأفضل أن تعرف أنها تحبنى بمقدار ما أحبها !
صاح بصوت ملؤه الشر : " ليا "
لكنها تجاهلت إنذاره وقالت ساخرة :
- هذا صحيح . وإذا كنت تخطط لجعلها سيدة " ماتلوك ايدج " فعليك التخلص مني أولا !
صاح وهو ينظر إليها بغضب :
- ليست فكرتك بسيئة فلم أر منذ مجيئك إلى هنا إلا المتاعب .
حبست أنفاسها شاهقة " آه ! "
ثم شهقت متألمة من فظاظته المتعمدة
- كيف تقول كلمات كهذه ؟
- هذا صحيح . انت متوحشة مدللة وقد آن لك أن تكبري .
لم تستطع رغم الصدمة السماح له بالنجاة بما قاله :
- هل هذا صحيح ؟
لقد جرح كرامتها . آلمها كثيرا . لكنها ترفض الاستسلام بلا قتال . ربما ستندم فيما بعد . وربما ستكره نفسها لما ستقدم عليه . ولكنها تشعر الآن بأهمية أن تكسب المعركة , إن لم يكن الحرب كلها . رمت بكل النواحى الاخلاقية جانبا , ومدت يديها تمسك بوجهه بين راحتيها .
فاجأته وإلا ما نجحت . تحول غضبه إلى عدم تصديق عندما عانقته . كانت صدمته أقوي من أن يستطيع القيام بسيء عدا الوقوع , كانت أناملها ترتفع إلي مؤخرة عنقه , تضغط نفسها إليه .
صاح بصوت مخنوق : " ليا "
تمسكت به قمــر الليل , رافضة تركه ولكنه تمكن أخيرا من إبعادها عنه وأسرها بين ذراعيه بطريقة مؤلمة .
قال بصوت مرتجف : " أيتها الكلبة الصغيرة ! أيتها الأنانية اللعينة ! "
وقبل ان تقدر على منعه , ارتمي إلى الخلف فوق السرير وجرها معه ليضعها على ركبتيه وجهها إلى الأسفل .
صاحت شاهقة : " لن تفعل . لن تجرؤ ! "
مد يده إلى الفرشاة . علمت من خلال وجهه المظلم بالغضب أنه سيفعل , فأخذت تتوسل :
- ماتيوس , أرجوك . لا تفعل ! أرجوك !
لكنه لم يصغ إليها . كانت عيناه غريبتين , وكأن مشاعره هى التى تسيطر على أفعاله . فأخذ قلبها يخفق بوحشية .
لم تكن رغم نشاطها وحيويتها وشبابها ندا له فى القوة . نزلت الفرشاة بما لا يقل عن ست مرات على مؤخرتها وفي كل مرة كانت تؤلمها بجنون . ولم يمنعها من الصراخ إلا خشيتها أن تسمعها كاتي .
عندما تركها , كانت تبكى بصمت . الدموع تنهمر بغزارة على وجنتيها . أحست بالغثيان وبالإذلال كما لم تحس قط .
وقفت مشيحة له وجهها . لقد فعل ما بوسعه لإهانتها .
سادت بضع دقائق من الصمت المطبق الذي لم يقطعه سوي أنفاسها المضطربة .
أخيرا تمتم ماتيوس :
- آه ! ياالله !
ثم وقف فجأة فتسمرت ليا لأنها مقتنعة بأنه يسستمر في تسوية شخصيتها . ولكنه لم يزد liilasعلى كلامه . بل سمعت وقع قدمية فوق الأرض , وماهى إلا لحظات حتى صفق الباب وراءه .
في تلك اللحظة أدركت كم كان كبتها لمشاعرها شديدا . تصاعد الغثيان إلى حنجرتها . فأسرعت إلى الحمام لتفرغ ما في معدتها في الحوض , فكان أن امتزجت الدموع مع العرق المتفصد من بشرتها المرتجفة .

***********************************

7- مشاعر مجنونة





في الحادية عشرة من صباح الأحد دخلت السيدة فلاندرز إلى غرفة ليا , فوجدتها مسترخية تحت الغطاء . صاحت بسخط

عندما شاهدت الملابس التي ارتدتها ليلة أمس مرمية أرضا كيفما كان .
- أهذه طريقة جيدة لمعاملة ثياب جديدة كهذه ؟ أعرف أنك غير نائمة فردي .
- خذيها من هنا سيدة فلاندرز , لا أريد رؤيتها ثانية .
استقامت مدبرة المنزل :
- ماذا ؟ ولكنها جديدة . لاتكوني سخيفة ليا , لماذا لم تنهضي حتى الآن ؟ لم أعهدك تنامين حتى منتصف الليل .
- لن أنهض . أنا أعنى ما أقول عن الملابس . أعطيها لحفيدتك إن أردت لأنها لا تعجبني .
تجاهلت السيدة فلاندرز ما قالته وردت بجفاء :
- هيا الآن . لاتنامي النهار كله .
- ولم لا ؟ ربما لا أشعر أنني على مايرام .
- صحيح ؟ أتريدين أن أطلب من السيد ثورب استدعاء طبيب ؟
- لا . لا أحتاج إلى طبيب . المسألة أنى لا أشعر برغبة في النهوض من السرير . قولي لهم إننى مصابة بزكام .
نظرت إليها بريبة :
- وهل أنت حقا مصابة بزكام ؟
أشاحت وجهها عنها : " ليس تماما "
- إذن . لماذا عيناك محمرتان ؟ أكنت تبكين ؟
- أوه . بالله عليك . هل على تحمل عذاب الاستجواب لمجرد عدم رغبتي في النهوض ؟ أنا بخير . فدعيني وشأني

فقط , قد أنزل في وقت لاحق . ربما بعد الظهر .
خرجت السيدة فلاندرز وهى تتمتم بعدما طوت البزة المرمية أرضا . liilas.comولكن ليا لم تتمكن من الاستلقاء حيث هي , فنهضت

لترميها إلى أسفل الخزانة , ثم عادت إلى السرير مجددا , في هذه اللحظة سمعت طرقة جديدة على الباب .
سألت بصوت مختنق من تحت الغطاء : " من الطارق ؟ "
سمعت رد باربرة المرح : " هذه أنا "
تنهدت تنهيدة مخنوقة ثم طلبت من المرأة أن تتفضل بالدخول . حضرت نفسها لاستجواب آخر . دخلت باربرة مرتدية

سروالا قطنيا أخضر وبلوزة خضراء .
- ها أنت هنا إذن ! ظننتك نائمة , ما بالك ؟ أراك اليوم هزيلة .
اضطرت ليا للإبتسام : " إنه بعض التعب , آسفة إن خلتنى أتجنبك بفظاظة . ربما سأصاب بزكام "
-حسنا . أراك محمرة العينين قليلا . أتساءل عما إذا وقع بينك وبين ماتيوس شجارا ما ؟ منذ ليلة الأمس عندما صعدت إلى

غرفة النوم وهو كالدب المصاب بصداع .
هزت كتفيها : " أين . أين هو هذا الصباح ؟ "
- ذهب مع فيليب ليلعبا الغولف . تركا المنزل منذ ربع ساعة تقريبا , مع أننى لا أظنه في مزاج للعب الغولف ولكنك

تعرفين فيليب .
ابتلعت ليا ريقها بصعوبة :
- هكذا إذن . ألم يذكر متى يعودان ؟
- في الثانية والنصف .
ترددت باربرة قليلا قبل أن تردف :
- ألم تتشاجري معه ؟ أعنى . أحس أننى مسؤولة .
- مسؤولة ؟
تنهدت باربرة : " أجل . لقد أقنعتك قمــر الليل بشراء هذه الملابس كلها , وكان على أن أقفل فمي وأترك ما فعلته لكاتي "
- لا . لم يقل ماتيوس شيئا عن الثياب التي اشتريناها .
نظرت إليها باربرة مرتابة :
- ألم يقل شيئا ؟
ردت بحزم : " لا في الواقع لم أخبره بها حتى "
بدا الإحباط على المرأة : " آه ! يا إلهى ! إذن لقد فعتلها ثانية وتطفلت ! "
- ماقصدك ؟
- حسنا . عندما لم تظهري هذا الصباح وبسبب ما يبدو على ماتيوس من انزعاج طلبت منه عدم لومك على ما أنفقت من مال

.
ارتاعت ليا : " باربرة ! "
- أعلم أنى تصرفت بغباء , اعتقدت أنكما تحدثتما بالموضوع فأردت شرح ما دفعنى إلى ذلك . أعطيته رأيي بالنسبة

للملابس التى اشترتها كاتي لورد لك , وقلت له إننى لا ألومها لأن ما اشترته يناسبها هي . ولكنني أفهمته أن ما يناسب امرأة

مثلها لا يناسب مراهقة مثلك , وأن كاتي التي لم تنجب أولادا قد لا تقدر هذا .


أغمضت ليا عينيها , ثم فتحتهما من جديد :" ماذا قال ماتيوس ؟ "
رفعت باربرة كتفيها :
- لم يقل شيئا يذكر , كان مهذبا في الواقع . قال إنه ظن أن لدي كاتي ذوقا رفيعا في إختيار الملابس وإنه توقع منها أن

تقوم هي بهذه المهمة , ولكن بما أنها لم تفعل فسيتحدث إليها . في الوقت الحاضر قبل حكمي .
احست ليا بالبؤس :
- آه ! باربرة ! سيلومني ظنا منه أننى طلبت إليك محادثته .
- لكنك لم تطلبي مني ذلك .
- لن يصدق .
أمعنت فيها النظر :
- هاي , لقد تشاجرتما . أليس كذلك ؟ أتقولين الحقيقة ؟
رمت رأسها إلى الوسائد مجددا :
- أجل . أجل . إنما لا علاقة لشجارنا بك أو بأحد آخر . أفضل عدم التحدث عن الأمر إذا سمحت .
- لا بأس يا حبيبتى سأذهب الآن . على توضيب liilasالحقائب لأننا مسافران في الساعة الرابعة . هل سأراك قبل السفر ؟
قاومت ليا لتتماسك : " طبعا . ما دام ماتيوس وفيليب قد خرجا فسأنهض الآن . فلم أشعر برغبة في لقاء ماتيوس هذا

الصباح "
تحركت باربرة نحو الباب :" افهمك . إنما نصيحتي لك ألا تأخذي كل ما يقوله على محمل الجد . إنه يهتم بك كثيرا .

لهذا يرتكب أحيانا الأخطاء , إنه يبذل جهده لتقديم أفضل عناية لك "
شككت بكلام المرأة عندما سألت بمرارة :
- هل أنت واثقة ؟ أشعر مع الوقت بأنه غير مرغوب في هنا .
- لاتكوني سخيفة . كان ماتيوس كالوالد لك .
أحنت ليا رأسها وتمتمت : " لا أحتاج إلى والد "
ارتفع حاجبا باربرة : " ماذا تعنين بقولك هذا ؟ "
نهضت ليا عن السرير :
- لا شيء . أراك فيما بعد .
هزت باربرة رأسها : " اجل . أجل , أراك لاحقا "
وأقفلت الباب وراءها .
فعل الاستحمام بالمياه الباردة الأعاجيب في أطراف ليا المخدرة , وما إن جففت نفسها ونظفت أسنانها , حتى شعرت

بالانتعاش . رفضت التفكير في ماتيوس , وفي ما قد يقوله عند العودة بل رفضت حتى التفكير في النتائج المحتملة لما جري

في غرفة نومها . لكنها لم تستطع قمــر الليل تجاهل تأثير الضرب عندما نظرت إلى مؤخرتها وشاهدت الكدمات الزرقاء منعكسة في المرآة

.
كان يوما حارا بسبب الرطوبة التي أحدثها المطر في اليوم السابق . ارتدت ليا البلوزة المخرمة التي اشترتها ثم عقصت شعرها

على يدها لتثبته على قمة رأسها .
كان أول من التقته في الأسفل السيدة فلاندرز التي رفعت حاجبيها حالما رأتها .
- هل أنت أفضل حالا ؟ أظن أن السيدة جفرسون قد أخبرتك بأن السيد ثورب قد خرج . الآنسة لرود في غرفة الحديقة

الزجاجية تقرأ الصحيفة . إذا كنت تريدينها .
لم تكن ليا راغبة في رؤية كاتي مع أنها اضطرت إلى الاعتراف بوجودها ,فدخلت إلى الغرفة الزجاجية الهادئة على مضض .
قالت كاتي : " هذه أنت . كنت أتساءل كم من وقت سيمضي قبل أن تكتشفي أن خالك قد خرج "
انتفضت ليا : " ماذا تقصدين ؟"
- تفهمين قصدي جيدا , لقد لقنك ماتيوس درسا لن تنسيه ليلة أمس . لا تحاولي الإنكار , أعرف ذلك من تعابير وجهك

. لقد تركته يعتقد أنني من نصحك بذلك الزي البشع !
قررت ليا بعدم السماح لكاتي بإثارتها , ولكن صعب عليها البقاء غير مكترثة فيما تسعى الأخرى جاهدة إلى إزعاجها .
ردت عليها بحدة : " لقد أعجب ذلك الزي البشع ماتيوس . يجب أن يعجبه فالقميص قميصه "
رقت شفتا كاتي غيظا : " كان مهذبا معك ليس إلا , لأنه دائما مهذب "
دست ليا يديها في جيبي الجينز الخلفية :
- منذ متى تنادينه ماتيوس ؟
تمنت لو امتنعت عن طرح هذا السؤال , إذ أطلقت كاتي بسمة خبيثة :
- منذ ليلة أمس , قال بما أن الجميع ينادونه ماتيوس فلماذا لا أحذو حذوهم ؟ على فكرة . أنا لا أرتدي بلوزة كهذه فهذا

التخريم من الأمام فاضح . وحتى أكون صادقة أقول إن صدرك كبير بدون حمالات .
نظرت إلى جسمها النحيل قبل أن تضيف :
- أنا لا أحتاج إلى الحمالات . أما أنت .

هزت رأسها وكأنها آسفة ثم قالت :
- هذا مجرد اقتراح بالطبع .
تورد وجه ليا , وشعرت برغبة إلى اقتلاع عيني كاتي من مكانهما . لكنها كظمت غيظها ثم ارتدت على عقبيها تنظر إلي ياقة

البلوزة التي لم تجد فيها ما يمكن الاعتراض عليه . إنها تحاول إغاظتها فقط . مع ذلك لم تستطيع سوي أن تتمنى لو أنها

نحيلة مثلها .
وصل ماتيوس وفيليب بعد الثانية والنصف بقليل . كانت النسوة الثلاثة قد تناولن الغداء باكرا لذا تركت السيدة فلاندرز طعاما

باردا للرجلين في غرفة الطعام . عندما انضمت باربرة إليهما , تمكنت ليا من سماع صوت الحديث , كانت جالسة على

مقعد فى المكتبة . على أمل ألا يراها أحد قبل موعد العشاء , ولكن رحيل آل جفرسون جعل ظهورها ضروريا .
قالت باربرة بمحبة وهى تقبل ليا بحرارة :
- كوني طيبة يا حبي . ولا تنسي . إذا سئمت العيش هنا فتعالى للإقامة معنا في لندن .
- شكرا لك باربرة .
ردت عناقها وقبلاتها , ثم ارتدت قليلا لتودع فيليب الذي انحني يلثمها على خدها :
- لا تكبري بسرعة . ماذا سيفعل بدونك ؟
كان سؤالا عابرا لم يتنظر ردا عليه , لكنه سؤال لا ترغب في التفكير فيه . تجنبت عيني ماتيوس ثم مشت نحو الممر تلوح

وداعا , في تلك اللحظة تمنت لو ترافقهما بغية الابتعاد عن ماتيوس .
بدا ماتيوس أيضا غير راغب في مواجهتها . فقد ترك الفتاتين وحدهما , واختفي في مكتبته . سارعت ليا إلى غرفتها لئلا

تبقي بمفردها مع كاتي .
أدارت جهاز الستيريو الذي اشتراه لها ماتيوس يوما , وأخذت قمــر الليل تبحث بين التسجيلات عن موسيقي تنسجم مع مزاجها .

ماتزال تشعر بأن مشاعرها مجروحة وبأنها معرضة للخطر . ولعل أكثر ما آلمها أن ماتيوس لا يريد الاعتذار . لاشك أنه

يعتبر ما حدث مجرد غضب عابر بينهما . ولكنه بالنسبة لها أكثر بكثير من هذا . فقد اظهر بوضوح مدي كراهيته لها

ولمشاعرها ولعاطفتها , ولأحلامها التي كانت تغلف علاقتهما . فهو لا ينظر إليها كامرأة . أو على الأقل ليس كامرأة

قادرة على جذب انتباهه .
كانت أسيرة مزاجها المغلف بالندم لذا استعدت لعشاء ذلك المساء بشيء من اللامبالاة , فتجاهلت الثياب الجميلة التي اشترتها

لها باربرة يوم السبت , واختارت فستانا من الفستانين اللذين اختارتهما كاتي تاركة لخطوطه الضيقة إظهار استدارة ثنايا جسمها

.
كان ماتيوس مع كاتي في المكتبة عندما نزلت . ترددت لحظة قبل أن تقاطع حديثهما . ثم مشت في الغرفة بثقة لأنها أعدت

نفسها لتقبل أي تعليق من ماتيوس , وما أشد ما كان رضاها عندما رأت دهشته .
قال لها بعد صمت مذهول : " هل أحضر لك شرابا ؟ "
- عصير الكرز مع الصودا أرجوك .
تجاهلت نظرة كاتي , وجلست على الأريكة الجلدية تحت النوافذ . نظرت إلى الفستان الذي ترتديه كاتي فلم تستطع إلا أن

تقارن نحولها بامتلاء جسمها . إن باربرة على حق ! هذا الفستان الذي ترتديه يناسب كاتي أكثر ما يناسبها . تمنت على

الله أن يعجب ماتيوس بما صنع .
سألت كاتي في أثناء العشاء :
- أتعرف آل جفرسون منذ زمن طويل ؟
- منذ عشرين سنة تقريبا . كنت أنا وفيليب في المدرسة نفسها , عندما مات والدي طلبت منه أن يعمل عندي .
حاولت كاتي الاستئثار باهتمامه : " بالكمبيوتر ؟ "
عبس ماتيوس : " لا . فيليب بارع بالأرقام , وأصبح بوقت قصير مستشاري المالي "
- هكذا إذن . أري أن زوجته أكبر منه سنا .
رفعت ليا رأسها منتفضة , ولكنها أدركت أنها مؤامرة لجرها إلى الحديث , فأحنته مجددا . وتركت لماتيوس أن يرد ببطء

:
- لا أظن هذا . كنت شاهدا على زواجهما . باربرة تقاربه عمرا .
فتحت كاتي قطعة خبز بأناقة :
- أعتقد أن قمــر الليل من الصعب على أن أحكم . ولكنني أجدها أكبر من هذا بكثير .
سحبت ليا أنفاسا طويلة مهدئة . لن تجر إلى مثل هذا الحديث , ولكن الغرض من تعليقات كاتي الخبيثة إزعاجها .
أخيرا رد ماتيوس , إما إنه لا يدرك خبث كاتي , وإما لأنه يريد صرف النظر عن الموضوع .
- إنهما زوجان رائعان . تحب باربرة ليا كثيرا . فلها ابن وابنة بعمر ليا تقريبا .
- حقا ؟
أحست بالاهتمام فى صوت ماتيوس , فنظرت إليه علها تفهم شيئا من ملامحه , ولكن وجهه كان بعيدا فعيناه تتفرسان بالطعام أمامه .
ثم قال فجأة :
- يجب أن أسافر غدا .
فجأة أصبحت ليا غير قادرة على الصمت :
- تسافر ؟ إلي أين ؟ لندن ؟
- لا . بل إلى مونتي فيديو .
شهقت كاتي : " مونتي فيديو . إن هذه المنطقة في جنوب أمريكا "
توقفت ليا لحظة لتنظر إلى كاتي قبل أن تضيف :
- لم تذكر هذا سابقا .
- لم أكن أعرف . تذكرين أنني تلقيت مخابرة مساء أمس .
- وكنت تعرف منذ الأمس ؟
- لا . تلقيت اتصالا ثانيا هذا المساء . سأغيب أسبوعا . أنا واثق أن كاتي ستعني بك جيدا أثناء غيابي .
أطرقت ليا إلى طبقها . لم يزر ماتيوس منذ سنة أميركا الجنوبية , ومنذ مدة أخبرها أنه لن يتحمل مشاق هذه الرحلة . فله

من ينوب عنه . مديرون يعتمد عليهم . وها هو الآن يستعد لمثل هذه الرحلة . علمت أنها الملومة . فهو مثلها , يريد

الابتعاد , ويشعر بالحاجة إلى التفكير . وما يقلقها أن يقرر أن هذا كله كاف . عرفت أنها تفضل العيش معه كابنة أخته

على العيش بدونه إلى الأبد .
رن جرس الهاتف مجددا وهم يتناولون القهوة في غرفة الجلوس , لكن المكالمة كانت لكاتي . عرفت ليا أن عليها اغتنام

الفرصة لمحاولة ردم الهوة بينهما ولكن محاولتها طغي عليها صوته العميق المتوتر .
- أعتقد أن على الاعتذار . إذا كان هذا الفستان مثالا لخيار كاتي في الملابس فأنت على حق أن ترفضي ارتداءها . بالغت

مرة أخري في تنفيذ مسؤولياتي . يجب أن أتذكر ان أصبحت كبيرة وأن على ألا أعاملك وكأنك فتاة صغيرة .
لم تدر ليا ماتقول , وخاصة وماتيوس يحدجها بنظرة باردة خضراء .
أضاف : " هذا يعني أن معاقبتك غير مبررة , ولكنني لست بربريا عادة إلى هذه الدرجة . ولهذا أقدم اعتذاري "
بللت ليا شفتيها : " ألهذا السبب تسافر ؟ "
- ولماذا تتصورين هذا . أنا مسافر في عمل . فما علاقة سفري بما حصل ليلة أمس ؟
هزت ليا كتفيها : " أرى سفرك مفاجئا "
رفع حاجبيه : " يحدث شيئا كهذا أحيانا "
نظرت إليه من بين أهدابها :
- صحيح ؟ قلت لي منذ بضعة أسابيع , إنك لن تسافر إلى هناك مرة أخرى , قلت إنك قادر على تفويض جميع أعمالك .
قاطعها بسرعة : " هذا مختلف "
تنهد ثم أضاف :
- إذا كان يجب ان تعرفي , فقد أصر السنيور داكوستا على حتى أوقع العقد بيننا بنفسى , وهنا أمر آخر . ابنته الكبري

على وشك الزواج في الأسبوع القادم . لقد دعاني إلى حفل الزفاف .
عبست : " وهل لدي السنيور داكوستا بنات أخريات ؟ "
نهض من مكانه ليصب المزيد من القهوة :
- ثلاثة على ما أظن . هل اكتفيت الآن ؟ أنا مضطر إلى الذهاب .
- خذني معك !
انسلت قمــر الليل الكلمات من فمها بشكل لا إرادي وباتت عاجزة عن سحبها , التفت ماتيوس يواجهها : " لا "
- لماذا لا ؟
ارتشف القهوة . ثم قال بفظاظة : " لست مدعوة "
- لا أصدقك . يعرفني السنيور داكوستا . كان يرسل إلى الهدايا من وقت لآخر . تلك المروحة الملونة , والدمية التي

ترتدي .
- لن تذهبي . ستبقين هنا . مع كاتي .
ارتجفت ذقن ليا :
- أيها . أيها . النذل .
صمتت خائفة لأنه تقدم إليها مهددا :
- ماذا قلت ؟
لكن , قبل الوصول إليها , دخلت كاتي التي جلست على الأريكة ثانية معتذرة .
-آسفة على المقاطعة . كان المتحدث صديق لوالدي . أراد أن يطمئن على حالى فقلت له طبعا إننى سعيدة .
كانت ليا في حالة وسطى ما بين الإغفاء واليقظة عندما دخل ماتيوس إلى غرفتها . لم يكن النوم قد طرق جفنيها إلا قليلا .

لذلك , ما إن فتح بابها حتى انتبهت فورا لوجوده . كان النور يعم الخارج , فعرفت أن الصبح قد انبلج . لكن برودة

الهواء دلت على أن الشمس لم ترتفع في كبد السماء.

قالت باختصار : " انت مستيقظة . جئت أودعك . سأرحل بعد دقائق "
رفعت نفسها على مرفقها فوق الوسادة : " بهذه السرعة ؟ "
رقت أساريره لدي رؤية دهشتها وتأثرها . كانت بذلته السوداء تتناقض مع شعره الأشقر .
رد عليها : " إنها السابعة والنصف . طائرتي تغادر مطار هيثرو في الثانية عشرة إلا ربعا "
تنهدت ليا : " كم ستطول غيبتك ؟ "
- تعرفين . أسبوعا .
نظرت إليه بلهفة : " سأشتاق إليك "
- وأنا سأشتاق إليك أيضا . أعتقد أن هذه الرحلة ستعطينا فرصة . وستمسح لك ولكاتي بالتعارف .
احنت رأسها : " كما تريد "
قال بلهجة إحباط : " آه ! ليا "
وقعد على حافة السرير بقربها , يمسك يدها بين يديه :
- ماذا تريدين منى أن أقول ؟ ليلة أمس . حسنا من الأفضل ألا نذكر ليلة أمس . أتوافقين ؟ لا أحب أن ينعتني أحد بالنذل

. لا تتظاهري بأنك لم تستخدمي الكلمة ,فما زال سمعي حادا .
حركت كتفيها بعجز حرصا على بقاء الغطاء تحت ذراعيها .
تمتمت بشكل لا إرادي :
- أراك تفعل ما تفعل بغية إيلامي .
اشتدت أصابعه حول يدها وزفر أنفاسه :
- إيلامك ؟ أنا أقدم على ما يؤلمك ؟ حبا بالله ليا , أنا أهتم بك اهتماما كبيرا يستحيل معه أن أفعل ما يؤلمك .
- صحيح ؟
نظرت إليه , فتنهد . كان شعرها مسترسلا وملتفا حول كتفيها , وكان وجهها متوردا , نظر إليها ماتيوس وهو يدرك

مدي جمالها :
- بالطبع أهتم بك . حسن جدا . لقد فقدت أعصاب ليلة السبت , إنما هذا أمر مفهوم بكل تأكيد , يجب أن تتعلمي ألا

تستغلي علاقتنا .
احدوبت كتفا ليا : " لم تعترض سابقا . كنت تحب أن أعانقك "
ترك يدها فجأة : " كان الوضع مختلفا . أنت تكبرين . و . وما فعلته كان سيوقعك بالمتاعب لو حدث مع شخص آخر

.
رددت بعذوبة وهي تشعر بتوتر في جسدها :
- لكن . ليس معك .
- اجل . ليس معي . توقفي عن النظر إلى هكذا ! لا أريد أن نفترق على خصام .
أشاحت بصرها عنه : " حسنا , إليك عني "
دفعت شعرها إلى الوراء بأصابع مرتجفة :
- ولتكن رحلتك موفقة . أبلغ السنيور داكوستا تحياتي .
- ليا !
عذبها استخدامه لاسمها بهذه اللهجة , فأعادت النظر إليه على مضض . تهمس وعيناها مغروقتان بالدموع :
- وداعا .
تأوه آهة معذبة ثم انحنى إليها قائلا :
- وداعا .
ولكنه كان يقولها على خدها . فشدت جسمها إليه تجاوبا . قبل أن تلف ذراعيها حول عنقه لتعانقه .
تمتم وهو يشد بيديه على كتفيها بطريقة لا إرادية :
- آه . ليا .
رفعت نفسها عن الوسادة لتكمل العناق . بشكل حميم دافيء . انغرزت أنامله في كتفيها وهو يتلقي تحديها المتعمد :
- لا . ليا .
ولكن ارتعاشة صوته أعلمتها بأنه غير محصن ضدها كما كانت تظن . فسألت من بين أنفاسها :
لماذا لا ؟
أرجعت رأسها لتمسح خدها بيده فتنهد تنهيدة متألمة مخنوقة ثم هب واقفا :
- ماذا سأفعل بك ليا ؟ حبا بالله . ماذا تظنينني ؟
ردت بعذوبة : " أظنك تريدني وأعرف أنني أريدك "
تمتم لاعنا بوحشية :
- تريدين ؟ تريدين .. ماذا تعرفين عن هذا ؟ كم رجلا عرفت وأردت ؟
- أنت فقط .
فعاد يسب ويشتم :
- بالله عليك ليا . أنت لا تعرفين شيئا . أنت مراهقة . مراهقة مجنونة , لاتعرفين شيئا مما تقولين .
ردت ببراءة : " انا أعرف "
صاح ساخطا : " لاتتكلمي هكذا "
- وهل يهمك الأمر ؟ أتفضل لو كنت ذات تجربة ؟
- حبا بالله . لا ! وهذا لا يعني أننى أريدك كما أنت ! ليا أصغي إلي .. أصغي إلى جيدا , أنا مسؤول عنك

أتفهمين قمــر الليل ؟ هذا كل ما بيننا .
ردت غاضبة , والشك يملأ صوتها : " لا أصدقك "
- أعنى ما أقول .. أعرفك منذ زمن طويل , وأنا إلى ذلك قريبك لذا لا أفكر فيك بهذه الطريقة .
- عندما . عندما .. عانقتنى .
قاطعها بطريقة فظة :
- أحسست بالشفقة عليك . عاملتك بقسوة فأسفت على ما فعلت . ما كان يجب أن يحدث .. وما كان ليحدث لولا

شعوري بالذنب .
نظرت إليه بمرارة :
- لماذا تبقى هنا إذن ؟ لماذا لا تذهب إلى مانشستر أو مونتي فيديو , أو إلى حيث تريد الذهاب ؟ لقد ربحت . الآن اتركني

وشأني .
- ليا .
- أرجوك اذهب .
قالت كلماتها ثم دفنت وجهها في الوسائد . تمتم بصوت مخنوق ثم خرج صافقا الباب وراءه .
***************************************

8- في غياب السيد




ما إن سمعت هدير المرسيدس المنطلقة حتى ندمت لأنها تركته يرحل هكذا . قضت ذاك اليوم وفكرها مشغول عليه . فكرت كيف ستشعر لو سقطت طائرته ووقعت الكارثة ولكن مع انبلاج الفجر تمكنت من التنفس فلم يذع أن حادثة ما وقعت وهذا يعني أنه وصل بسلامة .
افتقدته كثيرا فالمنزل فقد بهجته وسحره . لم يستطع شيء حتى استهزاء كاتي بها اختراق جدار التحفظ الذي بنته حولها . ومرت الأيام بطيئة بطيئة .
كانت الفتاتان في الأيام المشمسة الرائعة تمضيان نهارهما خارج المنزل بالسباحة أو بالاستجمام تحت أشعة الشمس في الفناء المحيط بها . لم تكن ليا مضطرة وهى تقرأ إلى معاملة كاتي لورد بلطف.
ما إن حل يوم الخميس حتى تبدل الطقس , وسجنهما داخل المنزل .. فكان أن وجدت كاتي فرصة للتركيز على ليا . كانت تريد أن تعرف إلى أين هي ذاهبة , حتى ولو إلى الحمام .
قررت ليا صباح الجمعة أن تغير الأمور فبدلا من البقاء في الفراش حتى تحضر السيدة فلاندرز , نهضت في السابعة فارتدت سترة جلدية بدون أكمام فوق قميص وجينز وانطلقت من الدرج الخلفي إلى الحديقة .
أحست بالراحة عندما أخرجت الدراجة النارية من مخبئها . وضعت خوذتها وهي تفكر في أنها ستهرب قبل وصول جورج إلى عمله . فهو ككاتي آخر من ترغب في مقابلته هذا الصباح .
ولآن جورج يسلك الطريق الخاصة عادة , انطلقت ليا عبر الحقول . اندفعت الآلة الصغيرة بشجاعة وهي تجتاز الحفر الموحلة التى تركها المطر . امتلأت ساقا ليا بالوحول ولكنها لم تهتم للأمر . وللمرة الأولي منذ سفر ماتيوس , تشعر بأن روحها المعنوية ترتفع .
بعد " جاكوب هولو " انطلقت إلى " ستافورت " وهناك توقفت لتعاين الأضرار في الدراجة . وجدت أنها والدراجة مغطاتان بالوحل .
كان الطريق مكتظا بالسير . بعد اجتيازها أميالا توجهت إلى طريق ريفية وسارت الهويناء مسرورة بالهدوء .
كانت فى منتصف الطريق إلى " بيشوب ستون " عندما أخذ محرك الدراجة يصدر صوتا قبل أن يتوقف نهائيا . نظرت حولها يائسة وهي تدرك مدى تعرضها للخطر في هذا المكان . لقد مر وقت طويل منذ شهدت آخر ملامح الحياة . ومن بإمكانه مساعدتها ما دامت لا تعرف ماذا جرى للدراجة ؟
تنهدت ثم حاولت التفكير بطريقة إيجابية . لا فائدة من الرجوع . ربما لو استطاعت دفع الدراجة إلى كاراج , لتلقت مساعدة وإن لم تجد مساعدة فستجد على الأقل هاتفا لتتصل بالمنزل حتى تخبر السيدة فلاندرز بأنها بخير . فالسيدة العجوز ستقلق عليها إن لم تجدها . أدركت قمــر الليل للمرة الأولي شدة أنانيتها عندما خرجت بدون أن تترك رسالة .
أذهلها ثقل الدراجة التى اضطرت إلى دفعها . ليتها بقيت على الطريق الرئيسية . فهناك ما كانت لتشعر بالعزلة التي تشهدها الآن وهناك كانت ستجد من يساعدها .
مضى على سيرها وهي تدفع الدراجة حوالي النصف ساعة . بدأت ساقاها وذراعاها تؤلمها وتصبب العرق منها . فجأة سمعت صوت مركبة قادمة . أدارت رأسها بقلق لدى سماع صوت المحرك , ثم أبعدت الدراجة عن الطريق حالما ظهر لها لاندروفر .
أبطأ اللاندروفر فهيأت ليا نفسها بانتظار سماع تحية ما أو انتقاد ما.
- أتريدين المساعدة ؟
رفعت رأسها فوجدت رجلا في أوائل العشرين , ينظر إليها مشفقا . فردت بثبات , ترفق قولها بابتسامة :
- أوه . لا . أستطيع تدبر أمري . شكرا لك .
سألها الشاب : " هل نفد الوقود ؟ "
فتح باب السيارة وترجل :
- أعرف أن هذه الآلات تسير أميالا ولكنها بحاجة إلى الوقود .
- لا أدري . لم أفكر في الأمر .
لعنت نفسها ثم انحنت فوق خزان الوقود تفتح الغطاء . نظرت قمــر الليل إلى الداخل فإذا هو فارغ فعلا . تنهدت . اللعنة . لماذا لم يملأ جورج الخزان بالوقود ؟
قال الشاب بعدما عاين الخزان :
- إنه فارغ . أعتقد أنك مضطرة إلى دفع الدراجة مسافة بعيدة , فلا يوجد كاراج قبل بيشوب ستون .
صرت ليا بأسنانها ثم تمتمت :
- شكرا للمعلومات .
فتح الشاب باب سيارته مجددا :
- يسرني تقديم المساعدة . يمكنني وضع الدراجة في مؤخرة اللاند , وإيصالك إلى القرية . لو سمحت لي . ولكن , إن كنت قادرة على تدبير أمرك بدون مساعدتي , فلا حيلة لي .
- حسنا !
كان الشاب بانتظار رد منها . نظرت إليه مترددة فإذا بها تراه مسالما بل لطيفا أيضا . كان شعره بنيا وبشرته سمراء وعيناه دافئتين . لم تشعر بأنه نذل . إنما , كيف لها أن تحكم ؟

قال لها فجأة , وكأنه قرأ أفكارها :
- أعدك بألا أخطفك .
تورد وجه ليا : " وهل وجهي شفاف إلي هذا الحد ؟ "
- حسنا . من الواضح أن أحدهم حذرك من الصعود إلى سيارة شخص غريب , وأنا أؤيد هذا الرأي ولكنني لست غريبا بالكامل . فلأرض خالك وأرض أبي حدود مشتركة .
- أرض خالي . أتعرف من أنا ؟
ضحك : " أعتقد أنك ليا وست . فهل أنا على صواب ؟"
شهقت : " اجل . لكن . من أنت ؟ "
- كيري لاين .
اتسعت عينا ليا : " أنت . ابن السير ادوارد لاين ؟ "
- هو نفسه . فهل ستقبلين عرضي ؟
ترددت , فليس لديها من دليل إلا كلمته , ماذا إن كان كاذبا ؟
- أترغبين في رؤية رخصة القيادة ؟
كان كيري يرمقها بتسلية . أخيرا توصلت إلى قرار . إنه لايكبرها إلا بسنوات قليلة , فلماذا تخشاه إلى هذا الحد ؟ ألن يقود هو السيارة ؟ وهذا يعني أن يديه ستكونان مشغولتان .
قالت بتصميم :
- أرغب أن تقلني . شكرا لك .
ضحك كيري : " حسنا . أدخلى إلى السيارة ريثما أضع الدراجة في المؤخرة . أشكر الله لأنها ليست كبيرة .
ضحكت ليا وهو يرفع الدراجة بعجز إلى اللاندروفر , ثم استدارliilas لينضم إليها وراء المقود , يمسح يديه بخرقة متسخة . لم تظن وهو يرتدي هذا القميص الرمادي وتلك السترة والسروال الرخيص المتسخ بأنه قد يكون ابن لورد .
- حسنا . إلى أين تريدين الذهاب ؟ إلى " كارون " أم إلى الكاراج في " بيشوب ستون " أم إلى المنزل ؟
- كارون ؟ أهذا منزلك ؟
- صحيح . ظننتك قد ترغبين في بعض الطعام قبل متابعة الطريق .
- إنك لطيف ولكن .
- تفضلين العودة إلى المنزل .
- لا . بل أفضل التوجه إلى الكاراج في بيشوب ستون . لأنك إن صحبتنى إلى المنزل أساؤوا الظن .
- ألم يحدث هذا حتى الآن ؟ أعنى أنها التاسعة . لقد تركت المنزل قبل أن يستيقظ خالك . أليس كذلك ؟
- ماتيوس مسافر , وليس في المنزل سوى مدبرة المنزل وكاتي .
- كاتي ؟
- كاتى لورد . إنها تقيم معنا . هي صديقة ماتيوس .
عبس كيري .
- ماتيوس ؟ أهكذا تنادين خالك ؟
- إنه ليس .
أسرعت قمــر الليل إلى تصحيح الخطأ :
- اسمه ماتيوس ثورب . أهذه أرضكم ؟ أتزرعونها بأنفسكم ؟
- بعضها . درست فى كلية الزراعة لأتعلم الزراعة الحديثة . ولكننا اضطررنا إلى بيع الكثير من الأراضي لتسديد الضرائب . مازال لدينا بضع مزارعين . عملوا عند عائلتي منذ زمن طويل . ولكن إذا قارنا مساحة الأراضي في الواقت الراهن بأراضي جدي لوجدنا أنها أقل بكثير .
- أظنك آسف على هذا ؟
هز كتفيه : " ليس فى الواقع . فلماذا كل هذه الأراضي ؟ أفضل أن تكون مسؤولياتي أخف وطأة لأجد لما أريد القيام به "
- مثل ماذا ؟
رد بسهولة : " أوه . أعتقد أننى فقط أحب حريتي . وماذا عنك ؟ ماذا تفعلين ؟ "
- لاشيء تقريبا . لو نجح ماتيوس , أقصد خالى بما يريد لكنت الآن في المدرسة .
- المدرسة ؟ كم عمرك ؟
- تقريبا ثمانية عشر . إنه مؤمن بالتعليم . ولكن المشكلة أننى لا أعرف لماذا أتعلم . فلن أعمل أبدا .
هز رأسه وسأل : " ألا صديق في الأفق ؟ "
- لا وأنت هل أنت متزوج ؟
ضحك : " ومن تقبل بي ؟ "
قالت ليا :
- أنت تسعى إلى الإطراء ! أنت تعرف كم يجعلك لقب والدك مرغوبا .

نظر إليها كالجريح : " أهذا كل شيء ؟ "
ضحكت : " تفهم قصدي , تتمنى الفتيات حمل لقب " اللايدي "
- وماذا عنك ؟
ضحكت مجددا : " إلا أنا . فلا أستطيع تصور نفسي " ليدي " . أتتصور ذلك ؟ "
- أظنك أهلا لحمل اللقب . حسنا . ها قد وصلنا إلى القرية , liilasأواثقة أنك لا تريدين منى أن أقلك إلى منزلك .
نظرت حولها بلهفة :
- لا هذا رائع أشكرك سيد لاين حقا .
- اسمي كيري .
- كيري . إذن . أعذرني على ما فعلت بالسيارة فالوحل يغطيني .
- لهذا صنعوا اللاندروفر .
أنزل الدراجة إلى الأرض :
- هاك سأرافقك إلى الكاراج .
يعرف عامل الوقود كيري إذ سارع إليهما .
قال كيري : " أنا أسدد الفاتورة "
اعترضت ليا ولكنه أصر .
قالت : " انت فعلا طيب .. لا أدرى كيف أشكرك "
وضعت خوذتها من جديد قبل أن تمتطي الدراجة فقال كيري ببساطة :
- اقبلي دعوتي على العشاء غدا . سأتي لاصطحابك في السابعة والنصف . وأعد بأن أحجز طاولة في مطعم " بيل " في ستافورت .
عضت شفتها , تفكر في دعوته :
- آه ! لا أدري .
- بإمكانك قمــر الليل تقديمي لخالك , وسأشرح له نواياي .
زفرت نفسا عميقا :
- ماتيوس مسافر . ولا أدري ما سيقول .
- أنا لا أدعو خالك , وأنت لست بطفلة , ألست قادرة على اتخاذ قرارتك ؟ إما أن تكوني راغبة في المجيء وإما لا تكوني . الأمر ليس معقدا .
- حسن جدا . لم لا ؟
طالما شجعها ماتيوس على الخروج مع شبان في مثل عمرها وعمر كيري لا يتجاوز الثالثة والعشرين .
بدا السرور على كيري :
- عظيم ! أراك غدا إذن .
- إلى الغد .
أحست بالإثارة في داخلها فهي المرة الأولى التى تتواعد فيها مع شاب بدون إذن ماتيوس وما أروع الإحساس بالحرية والاستقلال .

كانت الساعة تقارب العاشرة عندما عادت إلى المنزل , وكما توقعت كانت السيدة فلاندرز هى القلقة عليها . فما إن دخلت حتى بادرتها :
- أين كنت . حالما أكد جورج أن الدراجة ليست موجودة بدأت أشعر بالقلق . لماذا لم تتصلى عندما عرفت أنك ستتأخرين ؟
صاحت ليا :
- نفد منى الوقود . واضطررت إلى السير أميالا إلى أقرب كاراج . كما أننى لم أجد هاتفا في الجوار .
بدت السيدة فلاندرز مرتاعة :
- أوه . يا إلهى ! ليا , كان من الممكن أن يصيبك مكروه ! أين كنت عندما نفد الوقود . وكم اضطررت إلى دفع الدراجة الثقيلة ؟
- حوالى أربعة أميال .
شهقت السيدة : " أربعة أميال ؟ "
- لولا مجيء أحدهم لسرت أميالا أخري .
- أحدهم ؟ من هو ؟ ليا , لا تقولى إنك سمحت لرجل بأن يقلك في سيارته !
- أجل . أقلنى بسيارته . لكن , انتظري ! لم يكن غريبا . إنه كيري لاين .
- كيري لاين ؟ ومن كيري لاين هذا ؟
- إنه إبن السير ادوارد لاين . تعرفين عائلة لاين من " كارون هال " .
بدا الشك على المدبرة : " هل أنت واثقة ؟ "
- بالطبع . على أى حال ستقابلينه بنفسك إذا أردت . سيصطحبني إلى العشاء ليلة الغد فى السابعة والنصف .
ضمت السيدة فلاندرز يديها : " ستخرجين معه ؟ "
- نعم
- لكن ماذا تعرفين عنه ؟
تأوهت ليا : " ما أحتاج إلى معرفته ؟ سيعجبك إنه لطيف , وهو شاب حسن المظهر ومرح "
صمتت ولكنها أضافت عندما لم تقتنع مدبرة المنزل :
- تعلمين أن ماتيوس طالما قال لى إن على أن أصادق من هم في مثل عمري .
هزت المرأة رأسها :
- لا أدري ما سيقول السيد ثورب .
صاحت ليا : " وماذا سيقول ؟ هو غير موجود . بالله عليك سيدة فلاندرز , نحن ذاهبان إلى مطعم بيل فى ستافورت لا إلى سوق الرقيق ليبعني "
ولكن كاتى تصرفت بطريقة مختلفة عندما علمت , فعزت ليا السبب إلى انزعاجها من وجود ليا وهناك سبب آخر , فإذا تطورت هذه الصداقة مع كيري لاين كما تأمل كاتي , فسيترك لها ذلك الميدان مفتوحا لتحسين علاقتها بماتيوس .
على الرغم من تصميم ليا على أن تكون سيدة نفسها بقبول الدعوة وجدت أنها فى حيرة عندما أوت إلى الفراش تلك الليلة . أقنعت نفسها وأقنعت الآخرين طوال النهار بأنها تريد الخروج مع كيري لاين ولكن , في عزلة غرفتها اعترفت أنها لا ترغب في الأمر فعليا . ليس لانها لم تعجب بكيري بل على العكس , لقد أعجبها قمــر الليل إنه شاب مقبول لكنها تجنبت هذا النوع من المواقف منذ أمد بعيد , لئلا يأخذ ماتيوس فكرة خاطئة عنها . لقد قال لها إن عاطفتها نحوه لاتهمه , ولكنها لا تستطيع إطفاء هذه العاطفة هكذا .ولا تريد أن يظن أنها غيرت رأيها , فإن بدأت تخرج مع كيري لاين فقد يتصور ماتيوس أنها توقفت عن حبه .
ألم يكن هذا بالضبط ما يريده ماتيوس ؟ لقد قال لها بكل قسوة إنه لا يهتم بها بهذه الطريقة . وإنه يعتبرها ابنة أخت له لااكثر ألا تهدر عمرها وهي تتصور أنه قد يغير رأيه , في الوقت الذي ما من كمية من التوسل قد تلين قلبه ؟ لقد قال إنه تحت رعايته وهى رعاية يفضل ألا تكون .
تمتعت ليا رغم ترددها برفقة كيري . جاء ليصطحبها كما وعد فكان أن التقى كاتي والسيدة فلاندرز .
قال لها وسيارته القديمة الرياضية تسرع إلى خارج الطريق الداخلية .
- الآنسة لورد مذهلة لكنها باردة قليلا , قد تروق لمن يحب البرودة أما أنا فلا تروق لي أبدا .
ابتسمت : " خذ حريتك في الحديث عنها "
- أما أنت فكالفاكهة الطازجة , مليئة بالدم والحلاوة وليس فيك ماهو بارد صدقيني ليا !
من المفيد لمعنوياتها أن تعرف أنه على الأقل لم يجد كاتي مثيرة بل على العكس فعل ما بوسعه طوال السهرة ليجعلها تحس بأنها أكثر الفتيات جاذبية . توردت ليا لهذا بشكل ظاهر فقد تحررت من الكوابح التي يفرضها عليها وجود ماتيوس , وسمحت لشخصيتها الخاصة بالبروز وراحت عيون الرجال تسعى إليها كلما رنت ضحكتها .
قال كيري مرة : " يعجبني فستانك "
فنظرت مسرورة إلى الشوفين العاجي اللون . إنه أحد الفساتين التي اشترتها لها باربرة , وهو بدون أكتاف . لولا باربرة لكانت الآن مرتدية أحد تلك الفساتين التى اختارتها كاتي .
أنهيا العشاء في التاسعة والنصف وسارا قليلا في حديقة الفندق الملحق به المطعم . كانت نزهتهما لطيفة في الممرات التي تحيط بها الأشجار والتي تقود إلى النهر . أحست ليا بالندم عندما حان وقت رحيلهما .
قالت لكيري عندما أوصلها :
- لقد استمتعت بالسهرة شكرا لك . لم أمرح هكذا منذ زمن.
قال وذراعه على مؤخرة مقعدها :
- إذن علينا أن نكرر السهرة ثانية . ما رأيك بمساء الثلاثاء القادم ؟ أتحبين قمــر الليل مشاهدة فيلم في برادفورد ؟ نستطيع تناول عشاء صيني فيما بعد , إذا أحببت .
- لست واثقة من هذا
- لماذا ؟ قلت إننا استمعتنا فلماذا لا نستمتع مرة أخري ؟
- في ذاك الحين سيكون ماتيوس هنا وهذا يعني أن على أن أساله .
- جيد اسأليه إذن , لا أدري سببا لاعتراضه أنا أدعوك فقط إلى السينما .
ردت بعد إطراقة وجيزة :
- حسنا . سأري ما أستطيع فعله هل أستطيع الاتصال بك لاحقا أي بعدما أتاكد ؟
رد بحزم :
- سأتصل أنا بك . بهذا أكون متأكدا بأنك لن تنسى . تصبحين على خير ليا أنت جميلة جدا فعلا .
لامست شفتاه خدها بسرعة لكنه أبقاهما هناك . ذراعه التي كانت على مؤخرة المقعد أطبقت عليها تقربها منه . حاولت الاسترخاء معه فلم تستطع لذا اضطرت إلى التراجع . قالت مقطوعة الأنفاس وهى تتعثر في إيجاد مقبض الباب :
- من الأفضل أن أذهب .
مال كيري مرة أخرى ليساعدها في فتح الباب ثم قال :
- حتى الثلاثاء إذن .
هزت رأسها بسرعة قبل أن تخرج إلى الممر. التقت السيدة فلاندرز في الردهة فنظرت إليها بمزيج من السخط والراحة .
- إذن أعادك سالمة . لقد انزعج خالك عندما عرف بخروجك .
- خالى .. ماتيوس ؟ هل عاد ؟ لم أعلم أنه عائد اليوم .
- لم يرجع بل اتصل منذ حوالى الساعتين .
هبطت روحها المعنوية :
- لا !
- بلى ! أراد التحدث إليك ولكن بما أنك غير موجودة تحدث إلي الآنسة لورد
حدقت ليا بها بلهفة :
- ماذا يريد ؟ أين هي كاتي ؟ سأسالها بنفسى !
- لن تستطيعى , فقد أوت إلى فراشها منذ نصف ساعة , إنما لا تقلقى فلم يطل اتصاله . أراد فقط الاطمئنان على سير الأمور . قال إنه يتوقع العودة يوم الجمعة .
- الجمعة القادم ؟ ولكنه قال إنه لن يغيب أكثر من أسبوع .
- لا أدري ربما أمر ما أخره والآن سأذهب إلى النوم , liilasلا أريد أن تقول الآنسة لورد لعمك إننى كنت أشجعك على السهر حتى وقت متأخر .
نظرت ليا إلى الساعة الكبيرة في الردهة :
- ليس الوقت متأخرا لم تتجاوز العاشرة والنصف .
- وقت متأخر على فتاة مثلك . بصراحة احمدى الله لأن السيد ثورب غير موجود. في المرة القادمة التى تسمحين فيها لشاب بمعانقتك في سيارته فليكن لديك بعد نظر ومشطى شعرك قبل الدخول إلى المنزل !
تذكرت ليا كلامها وهي تقف أمام المرآة في غرفتها بعد بضع دقائق فشعرها كان مشعثا قليلا . اضفى غزل كيري اللون على وجنتيها . أدركت مذعورة أن خبر اتصال ماتيوس هو وحده ما سلب وجهها حيويته وجماله .


***********************************

9- الهروب إلى ناره




صباحا كانت كاتي شديدة التكتم بشكل يثير الأعصاب بالنسبة لما قاله ماتيوس فى مكالمته .
قالت عندما نزلت إلى الفطور فى الوقت الذى أنهت ليا فيه طعامها وأخذت تحتسى القهوة ببطء وفى عينيها نظرة سارحة
- لا أتذكر ... هل أمضيت أمسية طيبة ؟ أكان الطعام جيدا ؟ يجب أن اعترف بأن صديقك الشاب فى غاية الوسامة
- إنه ليس صديقى
إرتفع حاجبا كاتى :
- ماذا تسمينه إذن ، فهو ليس صديق العائلة .. لم يلتق ماتيوس به قط
سحبت ليا أنفاسها لتهدئ روعها :
- أهذا ما قال ؟ أعنى ماتيوس ؟
مدت كاتى يدها إلى ابريق القهوة :
- أجل .. من المؤسف أن تفوتك المكالمة
- أسالك أين أنا ؟
هزت كاتى رأسها " طبعا ، وأراد أن يعرف مع من خرجت فأخبرته "
تنهدت ليا " هل شرحت له الظروف التى التقيت فيها بكيرى ؟ هل أخبرته أن الدراجة النارة تعطلت ؟"
- قال إنه كان عليك تتفقدي الوقود قبل الخروج .. liilasلأن الخروج فى الريف بدون احتراس دليل على قلة المسئولية
أحنت ليا كتفيها ، تريح مرفقيها على المائدة وتضع ذقنها بين يدها . تمتمت " أظنك وافقته الرأى "
ابتسمت كاتى :
- حسنا ... ما فعلته عمل متهور
- نسيت ... نسيت فقط
رفعت كاتى كتفيها النحيلتين :
- قد ينسى ماتيوس الأمر حتى عودته
تمنت ليا أن تكون واثقة ، ولكنها احتفظت بأفكارها لنفسها وسألت :
- هل ذكر سبب تأخره فى العودة ؟ خلته عائدا غدا
عبست كاتى :
- لست واثقة ... لتأخره علاقة بذلك العقد الذي لم يوقع علي ما أعتقد .. على أى حال ، سيعود يوم الجمعه ، وهذا يعنى أن يصل إلى البلاد صباح السبت .
- نعم صحيح
- ستمنحنا غيبته وقتا لنعتاد على بعضنا البعض ، فهذا ما يريده ، وما قاله لى ... لماذا لا نخصص وقتا لتحسين مظهرك ، فما زلت ترتدين الجينز الذى قابلتنى به
- لا ... بل هو سروال آخر . لا أحتاج إلى مساعدتك ... أستطع اختيار ثيابى بنفسى
ابتسمت كاتى ببرود :
- أوه ... حقا ؟ وهل قلت للسيدة جفرسون رأى ماتيوس بجهودها .
لم ترد ليا عليها ، بل أسندت رأسها على يد واحدة ترم بالأخرى دوائر وهمية فوق غطاء المائدة ، حتى نفد صبر كاتى ، فصاحت بحقد :
- ربما الحل يكمن فى مدرسة بعيدة من هنا
ارتفع رأس ليا :" وهل أخبرك ماتيوس ؟"
ردت كاتى ساخرة :
- كان هذا واردا طوال الوقت ، أليس كذلك ؟ عندما طلب منى خالك المجئ إلى هنا توقع أن تبذلى جهدا لتتغيرى ... لكنك لم تفعلى ، وما جرى ليلة الجمعة زاد الأمر سوءا .
- حسنا ... لن أقابل كيرى بعد الآن
تغيرت ملامح كاتى الخبيثة وأصبحت وديعة :
- آه لم أقصد ذلك
- ولكنك قلت " ما حدث الجمعه "
رفعت كاتى يدا نافية :
- قصدت الخروج بدون وقود ، أما لقاء كيرى لاين فأفضل ما فعلته حتى الآن . على أى حال ، لو قابل ماتيوس كيرى وأعجب به ، فلن يعارض صداقتكما ، فهذا بالضبط ما يريده لك
- ماذا تقصدين .
- عندئذ لن أتهمك بالتصرف كالأطفال ما دمت تتصرفين كراشدة .. ووجود صديق دائم لك هو الخطوة الأولى نحو الزواج ....
قاطعتها ليا بغضب " لن أتزوج "
لكن كاتى تابعت الكلام وكأن ليا لم تقل شيئا
- ... مع أنك قد تصادقين دزينة من الشبان قبل أن ترغبى قمــر الليل فى قضاء ما تبقى من عمرك مع شخص واحد ير أنك بهذا ستبرهنين عن قدراتك على الاعتماد على نفسك
نظرت إليها ليا بريبة :
- ألا تخشين أن يستغنى عنك ماتيوس ؟
هزت كاتى رأسها " أعرف أن خالك أحضرنى إلى هنا لمساعدتك ولأكون مرافقتك ، ولا أظنه سيغير رأيه لمجرد صداقتك مع أحدهم "
استوعبت ليا هذا بصمت " إذن هذا هو عمل كاتى الرئيسى ... مرافقة ... أما إعطاء النصح فليس سوى عمل إضافى ... قيمتها الحقيقية هى فى إسكات الأقاويل المخلة التى جل همها أن تشوه سمعة ماتيوس ... تنهدت ... منذ متى يهتم ماتيوس بالأقاويل ؟
ولكن ماذا لو أخطأت كاتى الفهم ؟ ماذا لو كانت أدوارهما متعاكسة ؟ ماذا لو كانت هى فى الواقع مرافقة لكاتى بدون أن تدرى ؟
فى هذا اليوم عانت ليا من أفكارها بصمت . صباح الاثنين ، liilasوضعت خلافها مع جورج جانبا وذهبت إلى الكاراج . إنها بحاجة للخروج ... بحاجة للتحدث إلى شخص ما ... وعلى الرغم من تحرشه بها ما زال جورج من خيرة أصداقائها
كان منحنيا فوق محرك جزازة العشب عندما دنت ليا إلى الفناء ، فنظر إليها مستغربا قبل أن يعود إلى العمل
وقفت قربه قائلة " مرحبا ، ماذا تفعل ؟"
رد متجهما :" وماذا ترديننى أن أفعل ؟ ماذا تريدين يا آنسة وست ؟ منذ وقت لم تأت لزيارة الفقراء "
دست أصابعها فى حزام الجينز :
- أوه جورج ! لا تكن هكذا . آسفة لأننى أغضبتك ولكننى أريد حقا المحافظة على صداقتنا .
نظر إليها وهو ما يزال منحنيا :
- ماذا إذا كنت لا أريد صداقتك ؟ سمعت أنك وجدت مغفلا آخر ... أيعلم أنه يضيع وقته ؟
تورد وجهها " لا أفهم قصدك "
استقام " بل تفهمين ! لزمنى بعض الوقت حتى أفهم .. إنما أظننى فهمت الصورة أخيرا . لا أستغرب غضب ماتيوس عندما شاهدنا معا ! لم أعلم أننى أتطفل على أملاكه !"
نظرت إليه مرتاعة وصاحت :
- جورج
لكن الشاب هز كتفيه دونما اكتراث .
- هذا صحيح ... أليس كذلك ؟ أنت تحبين خالك ... صحيح !
دست يديها فى جيبيها الأمامين :
- إنه ليس خالى ..
- إذن ، فالأمر صحيح ... أوه ليا ... إنه كبير بالنسبة لك !
ارتدت عنه وهى تشعر بفراغ داخلى :" لا أدرى عما تتكلم "
تقدم خلفها واضعا يديه على كتفيها يديرها لتواجهه :
- بل تعرفين عما أتكلم ... لم أتوقع هذا من ماتيوس .. بحق الله خلته يهتم بك حقا !
ابتلعت ريقها بصعوبة :" هو يهتم بى فعلا ... ولكنك مخطئ "
- مخطئ فى ماذا ؟
- يهتم بى ماتيوس اهتمام الخال بابنة أخته ، فإن اعتقادك أنك فهمت شيئا من تصرفاته ، فأنت مخطئ ... بل على العكس ، كان يريد إبعادى لولا توسلاتى
رد ساخرا : " تعنين إلى المدرسة الداخلية ؟ أتؤمنين حقا أن هذا ممكن ؟"
أجل ... وما زال هذا ممكنا ... آه جورج ... أنت أعمى لا تفهم شيئا ... ماتيوس لا يهتم بى ... بل بكاتى لورد !
- القنبلة الشقراء
- أجل ... أتصدقنى الآن ؟
هز كتفيه :" لقد تعرف إلى العشرات من مثيلاتها "
- لم يكن مثلها . تعرف تماما أن ماتيوس منذ كبرت لم يأت بامرأة لتقيم معه هنا ، أما الآن فقد أحضر إحداهن .
هز رأسه :" ألم يحضرها لتعطيك دروسا فى حسن التصرف ؟"
- هذا ما ظننته فى البداية .. أخبرتنى قمــر الليل الحقيقة هذا الصباح ... لقد دعاها لفترة غير محددة ... أتعتقد أن الغرض من دعوتها إعطائى دروسا ؟
- أتؤمنين بهذا حقا ؟
- أجل
- وأنت ؟ ماذا عنك ؟ قد أكون مخطئا بالنسبة لماتيوس . أما بشأنك أنت فلست مخطئا أبدا .
تراجعت خطوة :" كيف ؟"
- أنت تحبينه ... لا أدرى لماذا لم أفكر فى الأمر من قبل .. أظننى لم أرد أن أصدق

أحنت رأسها :
- أوه .. جورج ... جئت إلى هنا وفى ظنى أنك ما زلت صديقى
- أنا صديقك ، مع أننى أود لو أنكر ، إنما تعارفنا يعود إلى زمن بعيد .. لهذا أملت أن تكونى صادقة معى
- حسنا .... حسنا ... أنا أحب ماتيوس . أعتقد أننى أحببته دائما ... على الأقل منذ فهمت معنى الحب
هز جورج رأسه : " هل أنت واثقة أن الأمر ليس مجرد حب البطل ؟ إن تأثيره قوى على حياتك ... فهل أنت واثقة أنك لا تتعلقين بحبال الهوى ؟"
- ما قصدك ؟
- اعنى أن ماتيوس رجل كسائر الرجال ليا ... له حاجاته ورغباته
أحنت رأسها :" أعرف هذا .. أتظن أننى لا أعرف الحقيقة ؟"
- أتعرفين حقا ؟
- أجل
نظر إليها دهشا :" عندما عانقتك تسمرت فى أرضك "
هزت كتفيها :" معك الأمر مختلف أما مع ماتيوس ..."
- وكيف تعرفين ؟ لربما تسمرت فى أرضك كما حدث معى ..
- لن أفعل ... ولم أفعل
ما إن خرجت منها الكلمات حتى ندمت ، إذ لن ليلاس يتركها جورج تنجو بقولها هذا ... فصاح بها :
- ماذا تقصدين بـ لم أفعل ؟ ليا هل لمسك ؟ فلو فعل فلسوف ... سوف
تلاشى خوفها الآتى بسرعة أمام موجة سخط:
- سوف... ماذا ؟ ثم نعم ... نعم لقد عانقنى ؟ وكنت أنا السبب ، نعم أنا الذى دفعته إلى عناقى
- دفعته ؟ كيف ؟
- وهل يهم ؟ لهذا عرفت أنه لا يهتم بى ... فلو كان مهتما بى لما ... حسنا ، تعرف ما أعنى
قال بارتياع :" آه ليا "
- أعرف ... قال لى إننى تصرفت كساقطة
- ماذا ستفعلين إذن ؟
_ أفعل ؟
سارت فى الباحة على مهل ، تضيف :
- لن أفعل شيئا ... ليس هناك من حل إلا مغادرة هذا المكان
سألها متجهما :" ألهذا تتواعدين مع كيرى لاين ... أتأملين أن تقودك هذه العلاقة إلى الرحيل ؟"
- من يدرى ؟ إذا كان ماتيوس جادا بعلاقته مع كاتى فليس هناك من حل سوى الرحيل ، فلا تكاد إحدانا تطيق الأخرى
- بإمكانك أن تتزوجينى ... أم ترانى غير مناسب لك ؟
- آه جورج ! بالتأكيد أنت تناسبنى . بل الواقع أنك أكثر مما استحق ولكنك تعلم أن هذا الزواج لن ينجح ... لأننى لا أحبك
- فلنجرب
- أهذا ما تريد ؟
- لا بل ما أريده حقا هو أن تحبيننى ، إنما إن لم يكن الحب ممكنا فأنا مستعد للقبول بأى شئ
لامست ليا خده بظاهر يدها ، فأمسك بها ليرفعها إلى شفتيه :
- تذكرى ... أنا أعرفك قبل كيرى لاين
اتصل كيرى مساء الاثنين كما وعد ... فكرت قمــر الليل بعد محادثتها الصريحة مع جورج برفض الخروج معه ولكن ما قالته كاتى دفعها إلى العكس .
ولكن قد تكون مخطئة ، فربما لم يطلب ماتيوس من كاتى المجئ بسبب انجذابه إليها . وإذا كان الأمر كذلك فآخر ما ترغب فيه ليا هو اعطاؤه ذريعة ليعيدها إلى المدرسة الداخلية بسويسرا
ذهبا معا إلى السينما فى برادفورد ... وبعد ذلك تعشيا الدجاج على الطريقة الصينية فى مطعم صينى
مسحت حبة أرز عن طرف فمها
- أحب الطعام الصينى ... أما كاتى فلا تحبه أبدا
- أتصور أن شهوتها إلى الطعام ضعيفة . لا أريد أن تكونى نحيلة مثلها ... ليس النحول بأمر صحى
لوت فمها سخرية :" أنت شهم فى توددك كثيرا"
نظر إليها بحرارة :
- لا ... بل أعنى ما أقول .. أنت رائعة كما أنت
- ما أمهرك فى إرضاء غرورى
مال إلى الأمام يضغط على يدها :
- ولكننى أراك رائعة فعلا ليا ... والآن أكملى طعامك ... أود تناول حلوى الأناناس ما رأيك ؟
أعادها إلى المنزل بعد العاشرة والنصف مباشرة .. وكان أن اقترح مرة أخرى موعدا آخر :
- ما رأيك بحضور حفلة مساء الجمعة ؟ أعرف أنك قلت إن خالك قادم يوم الجمعه ، إنما أعد بألا نتأخر
ترددت ، ثم أعترفت ببطء :
- لن يصل ماتيوس قبل يوم السبت .. أين ستقام الحفلة ؟ يجب أن أعلم كاتى بمكان وجودى
- إنها فى شقة صديقى فى هاروغيت ... أعرف أن المكان بعيد ولكننا سنعود إلى المنزل باكرا
قالت مترددة :
- أواثق أنت هاروغايت تبعد عشرين ميلا
- بل تسعة عشر ... إنما لا يقلقك البعد إذ يمكن الاعتماد على سيارتى القديمة
- لا أدرى
- ولم لا ؟
- لا أظن ماتيوس يوافق
- ولكنه لن يكون موجودا . هيا ليا ! لست بطفلة ... عليك بإتخاذ بعض القرارات بدون إستشارة أحد أحيانا
استسلمت على مضض :" حسنا إنما يجب أن أعود قبل الحادية عشر على أبعد تقدير ... أتوافق ؟
تنهد : " إذا كنت مصرة ، والآن ، هل أستحق شكرا ؟ "
سمحت له بمعانقتها ولكن عندما حاول التمادى تراجعت
- لست ... أنا لا أفعل ... أعنى .. أظن أن من الأفضل أن تذهب الآن كيرى
- أنت جميلة ومثيرة ... لا أصدق حظى
سألته مستغربة :
- ماذا تعنى ؟
مال إليها ليفتح لها الباب :
- لا أصدق أننى أول شاب يقول لك هذا ... لا أستغرب أن يستبقيك خالك لنفسه فهذا ما كنت لأفعله لو كنت مكانه
خرجت ليا فجأة وهى لا تريد أن يذكرها فى هذه اللحظات بماتيوس ... لا تريد أن تتذكر لماذا قبلت دعوة كيرى . ولا تريد أن تصور عدد المرات التى قال فيها ماتيوس كلمات كهذه لفتاة . طالما تجنبت تصوره مع إمرأة أخرى .. وكان ذلك من المحرمات . ولكن كلمات كيرى قدحت زناد مخيلتها فوجدت قمــر الليل نفسها فجأة تواجه واقعا مريرا واقع معاشرة ماتيوس لكل أولئك النساء
قالت متوترة :" تصبح على خير "
ثم صفقت الباب وتوجهت بسرعة نحو المنزل . وكأنها تصدق أنها قادرة على تخطى سرعة أفكارها . صاح كيرى من ورائها بشئ من الشك فى صوته :
- تصبحين على خير
وعرفت أنه يتساءل عما أغضبها
عندما وصل كيرى مساء الجمعه كانت على أهبة الإستعداد ... غادرا المنزل أبكر من المعتاد بسبب بعد المسافة إلى هاروغايت ، نظرت السيدة فلاندرز إلى مظهر ليا بانتقاد . كانت ترتدى الفستان المخرم الذى اشترته لها باربره منذ أسبوعين :
- أهذا فستان جديد
مسدت ليا القماش القطنى الناعم العسلى اللون :
- أجل ... أيعجبك ؟ إنها أمسية حارة ، لن أحتاج فيها إلى معطف
- خذى وشاحك معك ، ما دمت ستركبين هذه السيارة المكشوفة مع السيد لاين ... انتبهى يا ليا فلا أظن السيد يوافق على خروجك

قاطعها صوت كاتى :
- أوه ... دعيها وشأنها سيدة فلاندرو .... ماذا سيصيبها ؟ يبدو أن السيد لاين رجلا محترما
ردت مدبرة المنزل بعناد :
- لم يكن السيد ثورب سعيدا بخبر خروجها ذلك المساء
التفتت ليا إليها :
- ماذا قال سيدة فلاندرز ؟ لم أعرف أنك أخبرته بمكان وجودى
قالت كاتى بنفاذ صبر:
- بالطبع أخبرته .. ومن الطبيعى أن يخيب أمله لأنك غير موجودة لتتكلمى معه ... ولكننى لا أذكر أى عداء ظهر فى صوته
أصرت السيدة فلاندرز :
- لم يكن سعيدا ... أعرفه أكثر منك أنسة لورد ، وأعرف متى يكون سعيدا ومتى يكون منزعجا
قالت كاتى بصوت ملؤه نفاذ الصبر :
- أوه ... هراء ! ليا ... خالك يريد منك الاختلاط مع من هم فى مثل عمرك أما السيدة فلاندرز فتلون ما قاله ماتيوس بآرائها الخاصة ... فما زلت بالنسبة لها طفلة ولكننا نعلم أنك أصحيت شابة
تأثرت ليا أكثر بوجه السيدة فلاندرز المتورد ، ولكن الوقت فات على تغيير رأيها فقد رن كيرى الجرس ، وذهبت مدبرة المنزل لتفتح الباب وعلى وجهها نظرة عدم الموافقة
كانت الشقة التى أقيمت فيها الحفلة فى مجمع سكنى حديث قرب وسط المدينة ، كان فى الشقة خمسون شابا وشابة وهم جميعا جالسون فى غرفتى الجلوس والاستقبال اللتين لا يزيد طولهما عن عشرين قدما
وبسبب ضيق المكان اندفعوا إلى غرف النوم والردهة . استقبلهما شاب نحيل نظر إلى ليا مليا قبل أن يزفر نفسا فى صفير منخفض
- هاى ... أين كنت مختبئة طوال حياتى ؟
شرح كيرى لها أنه مضيفهما :
- ليا .. هذا كيم مارون ... كيم ، هذه ليا وست التى قلت لك أنها سترافقنى
دس كيم ذراعه بذراعيها :
- أجل .. أذكر هذا ، تعالى ليا ، لأعرفك على الجميع .. كيرى ابتعد عنا ... أتسمح ؟
تبع هذا فترة من أكثر فترات حياة ليا إرباكا ، تعرفت إلى العديد من الناس حتى باتت الأسماء أخيرا لا تعنى لها شيئا .أخذت تنظر إلى ما حولها بيأس بحثا عن كيرى ، عله يأتى لنجدتها .. أحست قمــر الليل أنها معزولة خاصة بعدما تركها كيم فجأة لملاقاة ضيف آخر
قالت لها فتاة إلى جانبها : " لن تكونى متأكدة إن كان سيقدم كيم لنا الحشيش فى السندوتشات ، لذا يجب أن تنتبهى لما سيمررونه فيما بعد "
نظرت ليا إلى السندوتش الذى تحمله بريبة :
- حشيش ! لن يضع الحشيش فى سندوتش ! أيمكنه هذا ؟
- من يعلم ... كيم رجل شرير .. وهو غير لطيف أبدا
ابتعلت ليا ريقها :
- تقولين الحشيش فهل يعنى ذلك الماريغوانا ، المخدرات ؟
رفعت الغتاة السوداء الشعر حاجبيها :
- ومن يريد أن يعرف ..؟ هل أنت من فرقة مكافحة المخدرات ؟
- بالطبع لا
لكنها تلقت الرد الذى تريده وباتت تعرف ماذا قصدت الفتاة بقولها بما سيمرونه بينهم
سألتها الفتاة :
- من رافقك إلى حفلة من حفلات كيم ؟ فأنت لم تحضرى مثلها من قبل .. أراك بريئة بشكل ما ... من أحضرك ؟
نظرت ليا حولها يائسة :" آه إنه كيرى لاين ... هل لك أن ترشدينى إلى الحمام ؟ أريد إستخدامه "
تركت ما تأكله ، وكوب العصير كذلك ، وذهبت إلى الحمام لتنظر إلى وجهها الممتقع فى المرآة ... يا الله ! بماذا ورطت نفسها الآن ؟ وكيف ستتمكن من الهرب ؟
كان بإنتظارها عندما خرجت من الحمام ولكنها تجنبت النظر إلى عينيه ، كانت تفكر فى ترك الحفلة بدون أن تعلمه ، أما الآن وهى تراه أمامها قالت له:
- أريد العودة إلى المنزل ... لم تخبرنى أن أصدقاءك يتعاطون المخدرات .. أنا أسفة لا أريد البقاء هنا
صاح بنفاد صبر : " ماذا قال لك كيم ؟ لا تصدقى هذه الأكاذيب ؟"
- لم يقل كيم شيئا ... بل شخص آخر ... آسفة كيرى لا أريد إفساد سهرتك
فتح يديه : " لكنك تفسدينها ، إسمعى لن يصر عليك أحد حتى تدخنى . أمهلينى بعض الوقت ... أرجوك ؟ ما زالت الليلة فى أولها "
هزت رأسها بتصميم " أريد الذهاب حالا "
تصورت ما سيقوله ماتيوس عندما يكتشف الأمر
- آه ليا
كان كيرى يمرر يده فى شعره عندما أقبلت الفتاة التى كانت تحادثها مرتدية سروالا جلديا أسود ، وسترة مماثلة ومنتعلة حذاء عالى الساقين والكعبين ، كانت النقيض الكامل لمظهر كيرى الأنيق النظيف ... ولكن عينيها أمتلاتا شفقة وهى تنظر إلى ليا
- أنت ذاهبة ؟
التفتت إلى كيرى : " لم تعجب الرفقة سيدتك "
سألها كيرى بغضب :
- أنت من كنت تتكلمين معها ؟ لماذا لا تستطعين إقفال فمك سوزى ؟ كانت ليا مستمتعة بالحفلة حتى تدخلت !
- أوه ... لا أظنها كانت مستمتعة ... لو كنت مكانك لأعدتها إلى ليلاس منزلها كيرى .. فقد تخبر أباك وعندئذ ماذا تفعل ؟
رد عليها كيرى بعداء :
- آه أقفلى فمك ! إذا أردت العودة فلتعد ولكنى لن أغادر .. فالساعة لا تكاد تبلغ التاسعة
حبست ليا أنفاسها وهى ترى هذا الجانب الجديد من شخصيته
قالت : " حسنا سأذهب "
نظر كيرى إليها بإزدراء " : وكيف ستصلين إلى منزلك ؟ "
ردت ببرود : " ثمة باصات وسيارات أخرى .. فلا تقلق كيرى ، لست عاجزة "
تنهد وملامح وجهه تعكس الإحباط
- أوه ... هاى ... ليا لا تذهبى . سأوصلك فيما بعد ، كما وعدتك ... تعالى الآن ... سنلهو قليلا ...
سألتها سوزى وهى تهز رأسها : " أين تقيمين ؟"
نظرت إليها ليا بدهشة :
- قرب ستافورت ... منزل اسمه ماتلوك ايدج فى وادى النيدل
- أعرفه .. حسنا سأقلك بنفسى إذا شئت
تدخل كيرى ساخطا :
- انتظرى لحظة . جاءت ليا معى و ..
قاطعته سوزى : " وأنت لا تريد ترك الحفلة .. تعالى ليا .. فمكانك ليس هنا .. ما كان عليه إحضارك ... وهو يعرف ذلك جيدا "
- حسنا
أمسك كيرى ذراعها يقول بلهجة آمرة :
- لا تهتمى بها ... إنها تحاول تدمير أمسيتى ... تعالى . تحملى قليلا ... لن أحملك إلى الفراش
سألته سوزى ببرود :
- ألن تحاول ؟ ماذا تريدين أن تفعلى ليا ؟ أتبقين أم تذهبين ؟ قررى فورا
قررت ليا بحزم :
- أريد الذهاب ... هل سترافقينى أم أتصرف كما يحلو لى ؟
قال بفظاظة مستخدما إشارات بشعة :
- إذهبى إلى الجحيم
امتقع وجه ليا وهى تفتح الباب . الحمد لله أنها عرفت فى الوقت المناسب ... لولا تدخل سوزى لوجدت نفسها بدون قدرة على المقاومة أمامه
- هاى انتظرى
أوقفها صوت الفتاة الأخرى فالتفتت نحو سوزى التى كانت تلحق بها بسرعة ... ولكنها لا تثق بها أبدا . فى هذه اللحظة تمنت لو أصرت على إستخدام التاكسى
انضمت سوزى إليها :
- ألا تريدين أن أقلك ؟ لا تقلقى .. أعدك ... يمكنك قمــر الليل الاعتماد على ، إنما أرجو ألا تعترضى على ركوب المقعد الخلفى
- ألديك دراجة نارية؟
- أتظنين أننى أملك سيارة ؟ اسمعى ، ربما أنت غير معتادة على ركوب الدراجات .. ولكنك ستكونين آمنة .. صدقينى
هزت رأسها :
- لست معتادة ؟ سوزى .. لدى دراجة خاصة .. ليست كبيرة ، بل صغيرة فى الواقع
بدا السرور على سوزى : " صحيح ؟ تعالى إذن ... سأريك الدراجة التى أملكها .. وأنا من كنت أظنك ضعيفة ، فيما أنت تركبين الصعاب مثلى "
كانت دراجة سوزى من نوع السوزوكى الأنيق ، لها قوة ألف حصان وكانت فخورة بها ... فهمت ليا السبب فدراجتها الصغيرة المتواضعة ليست شيئا أمام هذه الآلة القوية
انتزعت سوزى خوذة من إحدى الدراجات المتوقفة قرب دراجتها
- سنستعير واحدة من هذه ... هل أنت مستعدة ... فلننطلق إذن !
كانت عودة مرهقة باردة إلى المنزل ... مع أن الليل كان حارا ، ولكن انطلاقهما فى العراء جمد ذراعى ليا من البرد فكان أن ظلت متمسكة بسترة سوزى الجلدية ، لا خوفا من الوقوع بل لأنها غير قادرة على تحريكهما
هدر محرك الدراجة أمام بوابات المنزل بعد التاسعة والنصف تصورت ليا ميردوك العجوز يسرع إلى نافذته ليتأكد من عدم إقتحام عصابة دراجات المنزل ، أسرعت الدراجة على الممر الداخل المرصوف بالحصى وكأنها خفاش منطلق من أسفل الجحيم . ما إن وصلتا إلى الأبواب الداخلية حتى وجدت ليا القوة لتنزل وتفتحها
سألتها سوزى عندما عادت إليها :
- هل أنت بخير ؟
- أشعر بالبرد
- أواثقة أنك تعيشين هنا ؟
نزلت ليا أمام الباب وابتسمت لمرافقتها :
- أجل .. إنه مكان جميل .. أتريدين الدخول لإحتساء الشاى ؟
شع النور الذى تدفق لينيرهما من الباب الذى انفتح فجأة ولم يكن يقطع النور إلا ظل رجل وقف فى الباب . حالما رأته ليا فغرت فاها ..
صاحت وهى لا تصدق :
- ماتيوس ! آه .. خلتك لن تأتى قبل الغد
ضمت يديها تنظر بقلق بين ظل الرجل وبين سوزى
أضافت : " أنا محظوظة لآننى عدت باكرا "
نزل ماتيوس الدرج المنخفض تلحق به السيدة فلاندرز كظله . رفعت سوزى حاجبين ساخرين فى اتجاهه وهمست لليا فقط :
- لا أستغرب رغبتك فى العودة بسرعة ، فمن لديه رجل كهذا لا يضيع وقته مع كيرى لاين
ابتسمت ليا باضطراب ... ولكنها لم تكن تصغى إليها ... لأن تعابير وجه ماتيوس لا تبعث الاطمئنان أبدا إلى قلبها
سأل السيدة فلاندرز :
- قلت إنها خرجت فى سيارة مكشوفة صغيرة
أوشكت ليا على الركض نحوه لترمى نفسها بين ذراعيه ، ولكن لهجته الصارمة أوقفتها ... ردت السيدة فلاندرز تؤكد له :
- هذا صحيح ليلاس يا سيد ثورب ... رأيتها بأم عينى
غاصت معنويات ليا إلى أسفل الدركات لأنه صب عليها نظرة سوداء
سارعت تقول : " عندى تفسير ... "
أعادت سوزى تشغيل محرك الدراجة القوى : " على الانطلاق الآن حبيتى ، سأتناول الشاى فى وقت آخر ... فلا أرى أن هناك من يرحب بى "
- لا ... انتظرى
أوشكت ليا على الوقوف أمام الدراجة لولا مسارعة ماتيوس إلى هذا . دارت عجلات الدراجة فوق الحصى بقوة فى محاولة من سوزى للسيطرة عليها
قال ماتيوس متجهما :
- أريد محاذثتك
انتفضت سوزى من وراء قناعها ثم نادت :
- وداعا ليا
طارت العجلات فوق الحصى ، وأحست ليا بالسرور أنها تركت البوابات الداخلية مفتوحة
إن سوزى لطيفة لأنها أرجعتها إلى المنزل لذا تعتبر تصرف ماتيوس بعيدا عن المنطق . كان عليه على الأقل أن يصغى إلى تفسيرهما قبل التصرف كملاك الانتقام ... ارتدت إليه ، تدرك أن العودة التى كانت تترقبها بشوق قد فسدت على حين غرة .. إذ كان صعب المراس كما كان قبل سفره ، فها هى ترى آمالها بأن يكون البعاد عنها قد رقق قلبه تجاهها قد باءت بالخيبة
لاحظت السيدة فلاندرز أن الفتاة ترتجف ، فمدت يدها تلامس ذراعها ، فصاحت بارتياع :
- ليا ! أنت متجمدة !
نظرت إلى رب عملها متوسلة ، فارتد جانبا وأشار إليها أن تدخل
- ادخلى قمــر الليل... سأذهب لأقفل البوابات .. أظنها مفتوحة ، وإلا قتل صديقك نفسه
فتحت فمها لترد عليه ثم أقفلته ثانية ... لماذا تدافع عن نفسها أمامه ؟ إنه مستعد لتصديق أسوأ الأشياء عنها ... فليستمر على هذا .. السيدة فلاندرز على حق ، هى تشعر ببرد يكاد يجمد الدم فى عروقها ، وبفراغ وبهزيمة لم يسبق قط أن شعرت بهما .


***********************************

10- حب بلا غد



شعرت بالراحة لأنها لم تجد كاتى عندما صعدت إلى غرفتها .. وصلت بسرعة ترافقها السيدة فلاندرز التى قالت ساخطة :
- ستصابين بالتأكيد بنزلة صدرية ، كيف تعودين على ظهر دراجة بدون معطف ... مذا حدث للسيارة ؟ لا تقولى وقع حادث !
- لا ... لم يحدث شئ كهذا . وليس كيرى هو من أقلنى ... لقد رغب فى البقاء فى الحفلة
- هكذا إذن . على الاعتراف بأن تبكيرك فى المجئ أذهلنى ... ماذا حدث ؟ هل وقعت أم حدث شئ آخر ؟
- شئ آخر .. لم هذا الكلام كله ؟ سيفيدنى أكثر شرابا ساخنا
- زكام الصيف مضر ... افعلى ما أقوله ... وسارعى إلى الحوض بعدما تملئيه بالمياة الساخنة ، فلا أريد بين يدى مقعدة فى الأسبوعين القادمين
- حسنا
وقفت ليا تمسك بأطراف فستانها لتخلعه :
- إنما لا تسمحى لماتيوس بالصعود ... أرجوك ! قولى له أننى سأكلمه فى الصباح
- منذ متى اقول لخالك ما يمكنه فعله ؟ حسنا .. سأفعل ما بوسعى
أراح الاستحمام أعصابها فما أن خرجت من الحوض حتى شعرت بأنه أفضل حالا . جففت نفسها بمنشفة ناعمة
ظهرت السيدة فلاندرز مجددا مع كوب من الشوكولا والحليب فيما كانت ليا تربط حزام الروب الحررى حولها . نظرت إلى مظهر الفتاة باستحسان :
- زالت عنك على الأقل النظرة الذابلة التى رأيتها فى عينيك عند عودتك ... والآن اصعدى إلى الفراش لتنامى باكرا
تنهدت ليا :
- بعد قليل سيدة فلاندرز ... ماذا قال ماتيوس ؟ أهو غاضب كثيرا ؟ متى عاد ؟
ترددت مدبرة المنزل : " عاد منذ ساعتين ، لقد تأخر فى سفره من الأوروغواى عدة ساعات ولولا ذلك لوصل بعد الظهر"
- ولكن كاتى قالت إنه عائد غدا
- هذا ما كان مقررا ولكن على ما يبدو أنه أنهى أعماله ورغب فى العودة
أحنت ليا رأسها : " إنه غاضب ، أليس كذلك ؟"
- لا داعى إلى أن أقول لك هذا ... أقسم أنك لو عدت بسيارة السيد لاين لكان الأمر سيئا .... لكن عودتك على دراجة رجل غريب
- لم يكن ... أعنى ... كانت فتاة
لم تصدق السيدة فلاندرز :
- قائدة الدراجة ؟ أتقصدين أن ذلك الشخص المرتدى الثوب الجلدى أنثى ؟
- أجل .. كانت لطيفة جدا إذا عرضت على إيصالى
هزت المرآة رأسها :
- أظن أن عليك تقديم بعض التفسيرات أيتها الشابة . أولا لماذا لم يعدك السيد لا ين ؟
هزت كتفيها : " وهل يهم ؟ لقد عدت ... أما كيف ولماذا فغير مهم "
- لن يوافقك خالك الرأى
نظرت أليها ليا بقلق :
- لكنه لن يفتعل مشكلة الليلة ... أليس كذلك ؟ هل طلبت منه الانتظار حتى الصباح ؟
- حسنا ... نقلت إليه الرسالة .. لكن لا أدرى إن كان سيصغى إليها أم يرفضها
بعد خروج السيدة فلاندرز ، جلست ليا على طرف سريرها ، والتقطت كوب الشوكولا بالحليب ... لكن السائل الحلو لم يعد يروقها بعدما عادت حرارتها إلى طبيعتها ... فأعادته ثانية تحدق بتعاسة فى الفضاء
كان من الأفضل لو سمحت لماتيوس بمقابلتها الليلة . فالآن أمامها ليلة من القلق والسهر ، شعرت بأن تأجيل المواجهة سيزيد الموقف سوءا . كان عليها أن تشرح له ظروف عودتها على ظهر الدراجة ... وأن تشرح له كذلك أن من صحبتها فتاة ... أما السماح له بالاعتقاد بأن الفتاة الأخرى هى شاب فهذا غباء آخر
نهضت عن السرير متنهدة وسارت نحو النافذة . فتحت قمــر الليل الستائر ، ونظرت إلى المروج المنحدرة والمضاءة بنور القمر ... فكرت فى شئ من المرارة ، لولا وجود كاتى لورد كرفيقة ، لما منع ماتيوس شئ من مطالبتها بالتفسير هذه الليلة . وأضف إلى ذلك أن وجود الفتاة منع ليا من النزول واستباق المواجهة ... تركت الستائر تعود إلى مكانها بإحباط كبير
فكرت : بالطبع يمكنها الانتظار حتى يصعد إلى النوم ، فإن ذهب مباشرة إلى غرفته ، حالما يتوجه إليها فستتمكن من محادثته قبل أن يبدأ بخلع ملابسه . وسيحل ذلك مشكلة الانتظار إلى الغد ... كما سيحل مشكلة كاتى وحضورها وقت المواجهة .. نظرت إلى الساعة تقدر كم يجب أن تنتظر
سمعت كاتى تصعد للنوم بعد الحادية عشرة بقليل ... فانتظرت سماع وقع أقدام ماتيوس ... عندما حانت اللحظة الحاسمة ، أعادت النظر .. ولكن وخز الضمير وقلق البال ، لم يسمحا لها بالتراجع . يجب مواجهة الأمر عاجلا أم آجلا ... ومن يعلم ، فقد يظهر ماتيوس بعض الاعجاب بها ... لأنها تتحمل مسؤولية نفسها.
أصبحت تكتكة الساعة مثيرة للأعصاب فى صمت الغرفة المطبق .. وبدا أنها مجبرة على النظر إليها باستمرار ... أعلنت الساعة الحادية عشرة والنصف . ثم مضت ومع ذلك لم يتوجه ماتيوس إلى غرفته . أخذت ليا تنقل ثقلها من قدم إلى آخربانتظام متزايد .. ماذا يفعل ؟ لماذا لا يأتى ؟ ثم تساءلت بلهفة أكبر : هل أصابه مكروه ؟ أهو مريض ؟
أدركت أنها لن تتمكن من النوم حتى تعرف ... دفعت قدمها فى خفها السميك ، وفتحت باب غرفتها . الردهة فى الخارج هادئة . لا صوت يدل على مكان وجود ماتيوس . فأسرعت إلى الدرج ، لتنزل درجاته بصمت .. كان قلبها خافقا وخطواتها مسرعة . لم تكن تعرف أين يمكنها إيجاده . وجدت خيط رفيع من النور يتسلل من تحت عتبة باب المكتبة فعلمت أنه فيها
حاولت أن تطرق الباب ولكن لم يسبق أن طرقت بابا . تمسكت قمــر الليل بشجاعتها وأدارت الأكرة فانفتح الباب ليكشف الغرفة المضاءة . وثب قلبها بجنون عندما رأت ماتيوس ينظر إليها من مقعده الوثير
ساد الصمت .. بدا أنه لم يتأثر برؤيته ثم قال :
- ماذا تريدين ؟
أوقفها السؤال الأجش فى مكانها فنظرت إلى ما حولها برعب بحثا عما تقوله :
- قلقت عليك ... لم أسمعك تصعد إلى غرفتك ، فخشيت أن تكون مصابا بمكروه . ماذا تفعل هنا فى منتصف الليل ؟ لا شك أنك تعب قالت السيدة فلاندرز إن طائرتك تأخرت فى الوصول
استقام فى جلسته من الاسترخاء الذى كان فيه :
- وما شأنك بهذا ؟ اذهبى إلى النوم ليا ... سنتناقش صباحا ، أما الآن فلست فى مزاج يسمح لي بالجدال
شهقت : " لم أنزل من أجل افتعال جدال ... فى الواقع ... جئت لأشرح لك ما حصل هذا المساء ... لم أكن أرغب فى أن تقلق على ... ولكننى أرى بوضوح أنك غير قلق "
زفر نفسا عميقا ثم مرر يده فى ياقة قميصه المفتوحة مدلكا صدره دليل تعب :
- الوقت متأخر على البحث فى صوابيه أو خطأ تصرفاتك ليا ... هيا ليا اذهبى إلى النوم
تنهدت : " لكننى أريد محادثتك الآن ... لا أريد الذهاب إلى النوم وكل السيوف مسلطة على رأسى . آسفة لأننى انتظرت حتى وقت متأخر ، إنما تريثت حتى تأوى كاتى إلى النوم . لم أشأ محادثتك فى حضورها فمن الأفضل أن يبقى ما سنقوله سرا "
دفع نفسه لينهض عن مقعده :
- أوافقك الرأى فما سأقوله لك هو لأذيتك فقط ... إنما أقترح أن تتركى الأمر حتى الصباح على أى حال ... فلست مستعدا للجدال الليلة
لوت شفتيها : " لم أعهدك تتهرب من المواجهة ماتيوس "
- انا لا أهرب لكننى لا أرغب أحيانا بالجدال.
- بسببى ؟
- ربما .. إذ يجب أن تعترفى أنك تستهلكين صبرى
نظرت إليه طويلا ثم ارتدت لتقفل الباب :
- لهذا أريد محادثتك ... أعلم أنك تسئ بى الظن "
نظر إليها ساخرا :
- وهل على ألا أسئ الظن بك ؟ عذرا ... لكن عندما تخرج ابنة اختى فى المساء مع رجل ذات سمعة سيئة ثم تعود مع رجل آخر .. أجد من الصعوبة ألا أسئ الظن
حبست ليا أنفاسها :
- ماذا تعنى ؟ هل سمعة كيرى سيئة ؟
- ألا تعلمين .
- لا .. وكيف أعرف ؟ لم أعرفه إلا منذ أسبوع . فكيف يفترض بى معرفة طبيعة سمعته ؟
- انتبهى إلى ما تقولينه عوضا عن السعى إلى إغاظتى
- لا أحاول إغاظتك ... ماذا يهم على أى حال ؟ أنت لا تصغى إلى أبدا ... ثم لم يكن رجلا آخر الذى صحبنى إلى المنزل ... بل فتاة اسمها سوزى ، ولكننى لا أعرف عائلتها ولهذا الفتاة لها فضل على لأنها أقلتنى بدراجتها
رفع عينيه إليها :
- أتقصدين أن من حاول دهسى كانت امرأة ؟
- لم تحاول دهسك بل أنت من وقف فى الطريق ... أجل ... اسمها سوزى كانت فى غاية اللطف معى
التوى فمه سخرية :" حقا ؟"
- أجل ... حقا .. ولولا عنادك لقدرت لها موقفها أيضا . قلة من الناس مستعدون لاجتياز أربعين ميلا من أجل خدمة إنسانية فقط . أحمد الله لأنها كانت موجودة فلولاها لاضطرت إلى ركوب الباص .. أو التاكسى
- ولماذا لم يرجعك لاين ... ذهبت مع لاين ... أليس كذلك ؟
- نعم .. ولكنه لم يرغب فى المجئ
- تقصدين أنه رفض مغادرة الحفلة ؟
- هذا صحيح ! كان الوقت مبكرا ... والوقود غالى الثمن
تقدم منها خطوات :
- ربما يجب أن تخبرينى السبب الحقيقى لرفضه ... أظنكما تشاجرتما ... فلماذا ؟ هل اكتشفت فجأة أنه ينوى حملك إلى الفراش ؟
صاحت ساخطة : " لا ... لا ... لم يكن الأمر كما تقول "
- كيف كان إذن ؟ لم يكن راغبا فيك فلماذا الشجار ؟ أراهن أن سبب الخلاف هو ما ذكرت
أحست باللون الأحمر يزحف إلى وجنتيها فحاولت مترددة تفسير الأمر :
- حسنا ... كان شيئا ... غير قانوني .. أعنى .. فأنا لم أرغب فى التورط بأمور كتلك لذا أردت العودة إلى المنزل
لم يبدو مقتنعا : " أصحيح ذلك ؟ "
نظرت إلى وجهه المتجهم وتساءلت كيف سيتصرف لو عرف الحقيقة
قالت : " تعرف ما تكون حفلات كهذه ماتيوس ... الناس يصخبون ويتورطون و ...و "
- ويتواقحون ؟
- أجل .. لا ! ليس هذا ما أعنيه ، لماذا لا تقبل عذرى ؟ أنا لم أحب فقط ما كان يجرى هناك لذا عدت "
- لا يسعنى إلا أن اتساءل عما إذن كان يجرى لعبة قمار للتعرية أم أفلان فيديو خليعة أم مخدرات ؟
حبست ليا أنفاسها : " ماتيوس توقف عن هذا "
- لماذا ؟ هل أصبت الهدف . إنه أحد ما ذكرت ، دعينى أحرز ! مخدرات
ارتعش ثغرها : " أتظن أنك تعرف كل شئ "
- عندما تتورط ابنة اختى بالمخدرات أظن أن لى الحق فى الغضب .. بالله عليك ليا ... لا شك أنه أمل أن يخدرك ، قد تكون الماريغوانا قاتلة لك ؟
قالت بمرارة :
- وأنت تعرف هذا بالطبع ... أعتقد أنك جربتها
- على الأقل أكثر منك ... ماذا تريدين أن أقول ليا ؟ إننى موافق على صداقتك لمدمنين
تنهدت ليلاس: " لم يكن إدمانا ... على الأقل لا أظنه كذلك "
- لكنك لا تعرفين
أحنت رأسها :
- لا حالما عرفت طلبت العودة إلى المنزل ... فقال كيرى إن الوقت مبكر على العودة
- كيرى ؟ وكيف بحق الله تورطت مع كيرى لاين ؟ أغيب بضعة أيام ثم أعود فأجدك متورطة مع مروجى مخدرات !
- هذا غير صحيح
- ألم يكن يريد أن يدخن ؟
- لا أدرى ... قال شيئا عن السكائر ... إنما لم أره يدخن
هز رأسه شاتما :
- أنت عديمة الإحساس بالمسؤولية
- الأننى ارتكبت غلطة ؟
- لأنك ترتكبين الكثير من الأغلاط ... وليس آخرها السماح لكيرى لاين بمرافقتك ... انتظرى حتى أرى ماتيسون .. كان عليه أن يتأكد من خزان الدراجة ، فلولا هذا لما توصلت إلى ما حدث الليلة
- لم تكن غلطة جورج ، ولم يحدث شئ الليلة .. ما بالك ؟ ألا تثق بى ؟
تقدم إليها :
- وهل أستطيع الثقة بك ؟
تسارعت أنفاسها بسبب قربه منها فقالت مرتجفة :
- تعلم أنك تستطيع
- حتى وأنت تعصين أوامرى ؟
- أية أوامر ؟
ضاقت عيناه وهو يرقب وجهها الحائر :
- أوامر الأسبوع المنصرم ... عندما اتصلت قمــر الليل عرفت كاتى ما أشعر به نحو كيرى لاين .. ألم تمرر الرسالة لك ؟ ألم تقل لك إننى غير موافق ؟
هزت رأسها : " لا ...."
- الم تخبرك أننى اتصلت
- فى الواقع أن السيدة فلاندرز هى من أخبرتنى ... كانت كاتى .. فى الفراش عندما عدت.

- حقا ؟
- أجل ... لم أعد متأخرة فى الواقع ، كانت الساعة العاشرة والنصف ... وفى الصباح سألتها عن اتصالك
أرجع ماتيوس رأسه إلى الخلف ولكن عينيه لم تبارحا وجهها :
- وماذا قالت لك ؟
- لا شئ عن عدم موافقتك على كيرى
- ربما لم أوضح لها مشاعرى جيدا
- الأرجح أنها أردات أن أتورط ... لو كان عندى صديق دائم لنظرت إلى نظرتك إلى راشدة
مد رأسه نحوها :
- لماذا تقول شيئا كهذا ؟
ثبتت قمــر الليل عينيها لتواجهه بعنف :
- أخبرنى أنت السبب ... ربما تغار
- تغار ؟ ليس لديها سبب للغيرة
- إذن ، ربما يجب أن تخبرها أنت هذا ... ذكرت أمامى السبب الحقيقى لوجودها هنا
- وما هو ؟
- أن تكون مرافقة لى ... أو ربما أكون أنا مرافقة لها من يدرى ؟
- وماذا يعنى كلامك هذا ؟
كان يراقبها بشدة - أوه ... ألم يكن المعنى واضحا ؟ كاتى فتاة جذابة ... ربما ليلاس ليست حسب مقاييسك العادية ولكنها مقبولة ... ولم يكن هناك داع إلى اختراع عمل لها . كنت سأتفهم ، قد أكون ساذجة بطريقة ما ... إنما بعد العيش تحت سقف بيتك ما يزيد عن أربعة عشر عاما تعلمت حقائق الحياة
أطبقت يده على مؤخرة عنقها بسرعة الأفعى المهاجمة :
- ماذا تقولين ؟
صدما عداءه المفاجئ ولكنها أصرت :
- سمعت ما قلته ... ثم ... أنت تؤلمنى
التفت أصابعه على خناقها :
- أستطيع إيلامك أكثر مما فعلت ... منذ متى تكلميننى بلهجة متعالية ؟ يا الله يجب أن أ0حطم عنقك
رفعت بصرها إليه متحدية :" إذن أنت لا تحب كاتى "
- أحب كاتى ؟ بالطبع لا ... من أين لك هذه الفكرة ؟
- أتعجبك ؟
هز كتفيه : " لا بأس بها "
- لديك الوقت دائما لها ، أما لى أنا فلا تجد هذا الوقت
- لا .. هذا غير صحيح
قالت غاضبة : " لكنك تعتبرنى مصدر إزعاج .. قبل سفرك قلت لى إنك تشعر بالشفقة على "
تمتم وهو يتركها :" ربما أشفق على نفسى ... يا الله ... الأفضل أن تذهبى إلى النوم ليا ... فكما سبق أن قلت لك أن لست فى مزاج يتقبل مثل هذا الجدال معك الليلة .. فأنا متعب ... وأنت ... أنت ...."
تنفست بفظاظة : " مغرية "
التوى فمه :
- بل أنت ضعيفة ، معرضة للخطر .. اذهبى إلى النوم ... وسأتغاضى عما حدث الليلة
... اذهبى فقط إلى النوم
انفرجت شفتاها دهشة . كانت كلماته غريبة وغير متوقعة بل هى تثير الاضطراب بما فيها من مضامين ... أهذا معقول ؟ ممكن ؟ أيجدها ماتيوس جذابة ؟ ألهذا تركها فجأة ؟ أتركها لأنه أحس بتأثيرها فيه ؟
قالت مترددة :
- لم تعد غاضبا مني ... أليس كذلك ماتيوس ؟
- لا
- هل سامحتنى ؟
تنهد : " قلت لك سامحتك "
سألت بصوت منخفض :
- لماذا إذن ترسلنى إلى النوم ؟
خطت خطوة نحوه ، فارتد ينظر إليها وهى تقف قربه
قال بلهجة فظة :
- ألا تكفيك تجربة واحدة ، فى ليلة واحدة ؟ ليا .. أنا أطلب منك للمرة الأخيرة ... أن تتركينى أرجوك . لا أريد أن أؤلمك .. إنما قد لا أتمكن من منع نفسى

ارتجفت : " لا يمكن أن يؤلمنى أى شئ تفعله ماتيوس ، ولكن إذا أردت أقول لك عمت مساء فسأفعل "
- يا إلهى ! ... ليا
كانت تحس بالتوتر القائم بينهما وكأنه ملموس ... أغمض عينيه لئلا ينظر إلى عينيها المغريتين ، فسحبت أنفاسا مضطربة قبل أن ترتد عنه . فطالما سيطر على جميع المواقف لذا هى تضيع وقتها إن تصورت أنها قادرة على دفعه إلى ما لا يريد
كانت قد وصلت إلى الباب عندما تبعها . توقفت أصابعها المتوترة على مسكة الباب بعدما ضربت قبضتاه الواجهة الخشبية ... استدارت ، كان ظهرها إلى الإطار الصلب لتستطيع مواجهته ... فأسند ثقله على ذراعيه اللتين أصبحتا طوقا يمنعها من الخروج من دائرتهما وراح ينظر إلى ملامحها بعينين مضطربتين
قال يتحداها متجهما :
- أظنك تريدين الذهاب الآن .
هزت رأسها نفيا , فأضاف :
- إذن من الأفضل أن تذهبى . ومن الأفضل أن اتركك .
سحبت قمــر الليل نفسا قويا , وقالت بصوت هامس أجش :
- وهل ستتركني ؟
كانت عيناه تتحركان بإلحاح على وجهها :
- ليا . أنت لا تعرفين ماذا تفعلين .
- أظننى أعرف . ألن تعانقني ؟ أليس هذا ما تفكر فيه ؟
سخرت ضحكته الفظة من نفسه :
- آه ! بلى . هذا ما أفكر فيه . أنت على حق . وأفكر كذلك في السرعة التى أتجه فيها إلى الجنون .
ما أن احنى راسه حتى تلقفته بيديها بإلحاح وشوق . لم يسبق لها أن شعرت بمثل هذه الأحساسيس . وارتفع كتفاه طوعا يغلف وجهه .
أنذر عناقه فيها إحساسا جديدا لذيذا وكانت كل حركة تبدر عنه تزيدها ضعفا إلى ضعف وتتوق إلى المزيد .
احست بانها تغرق في لجة مشاعرها ولكنه إحساس غير مخيف . لم يسبق أن عانقها رجل بهذه الطريقة ولم يسبق أن شعرت أن لرجل هذه القدرة على اشعارها بجمالها وعذوبتها .
اجتاحها الذعر فجأة بسبب قوة مشاعرها لذا اضطرت إلى انتزاع نفسها بعيدا عنه .
هوى فوق الأريكة متعبا . وراحت انفاسه تزداد عمقا . نظرت إليه فرأت وياللدهشة أنه نائم . لقد تضافرت رحلته المتعبة والتفكير المتواصل لتزيد من إرهاقه . من المؤسف أنه ليس في غرفة نوم أحدهما فلو كان ذلك لتمكن بهذا أن ينام حتى الصباح .
همست له :
- ماتيوس . ماتيوس . استيقظ . لايمكنك البقاء هنا . ولكنها لم تستطع إيقاظه فنظرت إليه مفكرة بالخيارات الاخرى . أخيرا توصلت إلى قرار ., فخرجت من المكتبة وتوجهت إلى غرفته الفارغة حيث الفراش حاضرا لنومه كما تركته السيدة فلاندرز .. جمعت الغطاء عن السرير وحملته الى الاسفل .
ما إن دثرته وهو على الأريكة . حتى انتفى سبب بقائها ففكرت أنهما لولا نومه المفاجئ لوجدا فرصة لمتابعة الحديث ولمناقشة ما سيفعلانه , فها هى الآن تشعر بالضياع وبرغبة في البكاء.
كان الوقت باكرا عندما توجهت ليا فى الصباح التالى إلى الطابق الأرضى . لكن نظرة واحدة الى المكتبة أثبتت عدم جدوى نزولها باكرا لأن ماتيوس غيرموجود فيها , وكذلك الغطاء فالغرفة فارغة .
توجهت عابسة إلى غرفة الطعام .. ففوجئت بالرجل الذى تبحث عنه جالسا إلى المائدة يتناول التوست , وجريدة الصباح مسندة على إبريق العصير , وبقايا الطعام إلى جانبه .
أدهشها استيقاظه باكرا , إذ من المفروض أن يعانى من تأثير الطيران , وتغيير الوقت .. لكنها كانت مسرورة برؤيته . لم تلق عليه التحية بل اتجهت اليه , تلف ذراعيها حول عنقه من الخلف , تلثمه بقبله دافئة على خده . ولكنه انتفض :
- حبا بالله ليا !
جعلتها ردة فعله تعرف أنه لم ينتبه لوصولها .
- ماذا تفعلين ؟ أتريدين أن تظن السيدة فلاندرز أننى مجنون ؟
أمسك بمعصميها يبعدها عنه . ووقف . يضع الكرسى بينهما . كان وجهه قاتما بالغضب . يفصح عن الجهد العنيف الذى يكبح نفسه به . نظرت إليه نظرة حيرة قبل أن تصيح :
- لايهمني , لايهم ما تظنه السيدة فلاندرز . ستعرف بعد اليوم كل شئ عنا .
- ماذا تعنين ب " بعد اليوم " وما شأن اليوم بهذا ؟
- حسنا . سنخبرها . ستعرف عاجلا أم آجلا . فليس ما بيننا سرا . أليس كذلك ؟
- ماهو الذى ليس سرا . ليا ؟
أحنت رأسها : " تعرف عما أتحدث فتوقف عن الادعاء بانك لاتعرف "

أدار وجهه عنها وقال بصوت أجش :
- أجل أجل أعرف , وليتنى لا أعرف . إنما لا علاقة لهذا بما نقوله الآن . صحيح ؟
أحست وكأنه سدد إليها ضربة على شبكة أعصابها . فردت بوهن :
- ليتك لا تعرف ؟ أخشى أنى لا أفهمك .
- يجب ان تفهمى . لا أغفر لنفسى إقدامى ليلة أمس على معانقتك ؟ بالله عليك .لماذا جعلتنى أقول ماقلت وأفعل ما فعلت ؟
- لماذا جعلتك ؟
- اجل أجل أعرف أننى لا استطيع لومك على ما حدث . لماذا لم تصعدى إلى النوم والفرصة سانحة لك ؟
ردت بهدوء : " لم أرغب في الذهاب إلى النوم ماتيوس . لأننى أحبك . أنت كل ما أريده في هذ الحياة . فلماذا تحاول افساد كل شئ الآن؟"
قاطعها بوحشية : " إفساد .. إفساد؟ تصرفت معك كالابلة البربرى الذى أراد إرضاء تهوره مع من لاتعرف شيئا ! ولكن الحمد لله ان توقفنا قبل أن تقع ما لا تحمد عقباه "
كانت يداها ترتعشان ارتعاشا جعلها لا تستطيع دسهما في جيبي الجينز . ظل جزء من عقلها يقول لها إن ما يقوله غير صحيح وإنها إنما تواجه كابوسا مزعجا ستستيقظ منه في أية لحظة , لتجد نفسها في غرفتها الفخمة .. لكن الجزء الاكبر من عقلها كان يدرك ما يجرى .. كان يقول لها إن ماتيوس لم يرد معانقتها والتفوه بما قاله الأمس , وإنه لولا توتر أعصابه وإرهاقه وطريقتها فى التصرف معه لما سمح لها برؤية هذا الجانب من نفسيته .
اشتدت قبضتاه تكورا وهو يلتقى بنظرتها العاجزة :
- لاتنظرى إلى هكذا !
هزت رأسها , تشيح بنظرها عنه :
- لا أدرى ما أقول .. الواضح أننى ارتكبت غلطة فادحة .
رد بعنف :
- لا . أنا المخطئ ليا . أما مشاعرك فلا أطمئن إليها .
شهقت : " ماذا تقصد ؟ "
مرر يده على مؤخرة عنقه :
- أجل . اسمعى ليس سهلا على أن أقول هذا . لكن ماذا كان سيحصل لو أن كيري لاين أو جورج ماتيسون من حاول إغاوائك بالأمس ؟
- ما كنت لاسمح لأى منهما بمعانقتى لأننى لا احب كيرى أو جورج .
صاح بغضب : " بالله عليك ! وأنت لا تحبينى أيضا ! تظنين أنك واقعة بحب أول رجل يحرك فيك مشاعر جياشة "
قاطعته بحدة :
- هذا غير صحيح .. بالله عليك ماتيوس ماذا تظنني ؟
- اظنك مجنونة !
لكن , بدا في صوته القلق , تجاوبت ليا معه , صائحة :
- لست مجنونة .قلت لك أننى احبك .. وأنا عاجزة عن منع نفسى عن حبك ليلاس بقدر عجزى عن إيقاف مسيرة أيام الأسبوع .
هز رأسه مهزوما : " يالله ! كان على أن أعرف أنك ستقولين شيئا كهذا ".
دنت منه بسرعة :
- ولماذا لا أقوله ؟ إنها الحقيقة ماتيوس .. لماذا لاتعترف ؟ ما أشعر به تجاهك يستحيل أن أشعر به تجاه شخص اخر .
رد متجهما : " ليا , ربما لست مجنونة . ولكن هذا الوضع مجنون . أنا أحبك . نعم أهتم بك . انت تحت رعايتي . لكن ما تقولينه غلطة . لاشك أننى كنت مجنونا عندما عانقتك ليلة أمس ولكن الدافع في ذلك الرغبة لا الحب . وليسامحني الله ".
ارتجف ذقنها : " ما أبرعك ! لقد جعلتنى أؤمن حقا بأنك مهتم بي "
- لكننى أهتم بك . ولكن ليس الاهتمام الذي تقصدينه , وما يجب ان نقرره الآن هو ماذا سنفعل بك .
- تفعل بي ؟ لماذا ؟ سيستمر كل شئ كما كان ..
- لا !
تقصلت قمــر الليل معدتها بقوة : " ماذا تعنى ؟ وهل بيدنا شئ آخر ؟ اعد ألا أخبر كاتي .. إذا كان هذا ما تخشاه ! "
- أنا لا أهتم بكاتى أبدا . بل على كاتى أن ترحل .
- ترحل ؟
- اجل ترحل .. فإن سافرت إلى سويسرا , ينتفى سبب وجودها هنا .
خرجت صرخة احتجاجها من اعمق أعماق قلبها .
- لا . لن تفعل بي هذا .. قلت لك إنك جئت بكاتي إلى هنا ..
قاطعها : " لأحاول أن أحسن الوضع السئ .. وهذا ما لم يحدث .. لن أزعج نفسى فى ذكر كل حادثة بمفردها ولكن وجودها بوجه عام كان غير ناجح .. صحيح ؟ "
كان حلق ليا جافا إلى درجة لم تستطع معها أن تتكلم .
فتابع كلامه : " يؤسفنى أن يصل الأمر إلى هذا الحد .. ولكننى لا أستطيع أن أقول إننى لم أتلق تحذيرا إذ كان لوالدتى رأى .. "
قاطعته باكية : " والدتك ؟ منذ متى تقول عنى كلمة طيبة ؟ آه ! ماتيوس .. لا تفعل بى هذا ! لاتبعدنى ! سأموت إن أرسلتنى إلى جنيف ! "


*************************************

11 - ألم تفهمي بعد ؟




بالطبع لن تموت .. لايمكنها أن تموت .نظرت ليا ببؤس إلى شوارع مانشستر التى غسلها المطر , مفكرة بمرارة .. مع أنها كانت تفكر يائسة في الموت . إنما رغم امتناعها عن الطعام والشراب والنوم كذلك ظلت على قيد الحياة .. فالناس لا يموتون عندما تتحطم قلوبهم , على الأقل , ليس فى مثل هذه الأيام . وإذا حدث ما هو أسوأ فقد تنقل إلى المستشفى حيث يقومون على تغذيتها طبيا . كان هذا ما قالته لها السيدة ثورب .
لم توفر لها الغرفة الغريبة أقل راحة . لقد نقل ماتيوس ثيابها ومقتنايتها الشخصية إلى شقة أمه التى وافقت ، وإن على مضض ، على استضافة الفتاة بضعة أسابيع فكان أن افتقدت مساحات الريف ليلاس الشاسعة وغرفتها الحبيبة التى عاشت فيها طفولتها وشبابها
ولكن أكثر من تفتقده ماتيوس ، وافتقادها إليه يملأ قلبها بيأس لا حدود له ، فكلما استيقظت شعرت بعذاب شديد لأنها تعرف أنه لن يرجعها
تساءلت أحيانا عما ستفعله لو منحها فرصة أخرى ... أتسمح لنفسها أن تحبه وهى تعلم النتيجة سلفا ؟ أتتركه وشأنه كما طلب منها أكثر من مرة ، قبل أن يفوت الأوان ؟
اعترفت أنها ما كانت لتفعل ... فهى تعلم أنها لو منحت فرصة أخرى لأحبته ولشجعته على حبها ، هذا هو بالضبط ما تريده وما تتوق إليه ، منذ أن تفتحت عيناها على أحاسيس كهذه ... كيف لها الفرار من حبه وكل عرق فى جسدها وكل قطرة دم تصرخ متوسلة إليه ؟
عندما أحضرها قبل ثلاثة أسابيع إلى منزل أمه راحت تدعو الله كل ليلة حتى لا يتمكن من الابتعاد عنها . وأخيرا اقتنعت بأنه سيتعلم كيف يحبها
ولكن سرعان ما حطم الزمن هذا الأمل ، فاعترفت أخيرا أن ما تفعله لن يحل مشكلتها . فهى لا تريده هكذا ... لا ترده بالزواج أو بغيره ، إذا كان بغير حب
.سبقت طرقة على باب الغرفة دخول السيدة ثورب التى كانت مرتدية ملابسها استعدادا للخروج .
- سأعود فى السادسة مساء . إذا أردت ما تأكلينه تجدينه فى المطبخ فقد تركت السيدة هايز بعض السندوتشات فيه وهى عائدة لاحقا لتحضر العشاء ... فلا تزعجى نفسك بغسل الصحون .
- لا يزعجنى ذلك .
- أعرف أنك لا تنزعجين إنما أفضل ألا تكسرى لى المزيد من الصحون الفاخرة ، اتركى كل شئ للسيدة هايز فهى تعرف كيف تتعامل معها .
- حاضر سيدة ثورب .
قامت ليا من المقعد الذى كانت جالسة عليه قرب ليلاس النافذة لتواجه المرأة العجوز . طافت عينا المرأة الحادتان على كنزتها وتنوتها الحمراوين :
- ستكونين على ما يرام حتى أعود . نورا لا تقدم المرطبات عادة ... لذلك حالما تنتهى لعبة الورق أعود .
ردت ليا بجفاء : " لا تستعجلى فى العودة من أجلى "
كانت قد اعتادت على خروج السيدة ثورب بعد ظهر كل يوم للعب البريدج ، وفى الواقع كانت ترحب بوحدتها فى الشقة
رفعت والدة ماتيوس رأسها موافقة :
- حسنا .. يسرنى أنك تعلمت بعض الأخلاق الحميدة أخيرا .. لا أعرف ما سيفعلونه بك فى مدرسة سانت هيلين
ابتلعت ريقها بصعوبة : " هل ... ذكر ماتيوس لك مدرسة سانت هيلين مؤخرا "
- طبعا فهو ينهى الإجراءات لتكونى هناك فى مطلع الخريف أى بعد أسبوعين .. نسيت أن أخبرك
- بعد أسبوعين ؟
تنهدت السيدة ثورب :
- عليك التوقف عن التصرف وكأن التحاقك بالمدرسة الداخلية هو نهاية العالم ليا ... عرفت منذ أحضرك إلى منزلى أنه لن يمضى وقت طويل حتى ترحلى إلى سويسرا ، وأرى أنه تأخر فى إرسالك . لا أفهم كيف أبقاك فى المزرعة كل هذه السنوات !
أحنت ليا رأسها : " لا خطأ فى إقامتى هناك . كنت أنا وماتيوس سعيدين معا "
ردت بحدة لاذعة :
- لكنكما لم تعودا سعيدين . لقد ثاب إلى رشده لسبب لا يعرفه سواه ، وما أشد سرورى بقراره لأننى كنت أخشى أن يقع ما لا تحمد عقباه .
عبست ليا : " ما قصدك ؟ "
- وماذا برأيك أننى أعنى أيتها الغبية ؟ قد أكون فى الستين من عمرى ولكننى لم أفقد عقلى حتى الآن ... أنت ... فتاة جذابة ، وطالما أهتم ماتيوس بالفتيات الجذابات
حبست ليا أنفاسها :
- أوه .... هكذا إذن . تظنين ... تظنين أننا ربما ... ماتيوس وأنا ...

حست باختناق فى حنجرتها ، ثم بدأت تضحك ضحكات هستيرية صاخبة جعلت السيدة ثورب تظن بأن الفتاة قد جنت ، فتقدمت نحوها :
- ليا .. توقفى عن هذا . توقفى فورا ! لا أدرى حقا ماذا دهاك ! طالما قلت إن ماتيوس غبى لأنه يرعاك . إن طيش ابنتى ليس بسبب يدفعه إلى احتضان طفلة ليست من لحمه ودمه .
خبت ضحكات ليا بالسرعة التى ثارت فيها . مسحت عينيها بمعصميها ، ثم قالت :
- أرجوك ، اذهبى من هنا سيدة ثورب
أصدرت السيدة صوتا متوترا قبل أن تخرج ، وعادت وحيدة فى غرتها تشعر بالبؤس والسقم والهجران . لا تملك حتى السلوى بوجود أصدقاء يشاركونها مشاكلها ... لقد حرمها ماتيوس من كل شئ فصديقاتها بعيدات عنها وهى تقيم فى مانشيستر .
وضعت ذقنها على يدها ، تحدق إلى الفضاء ... لقد قربت كلمات السيدة ثورب صورة المستقبل . بات إرسالها إلى المدرسة فى سويسرا مؤكد .. ماتيوس يحضر كل شئ ، وهى لن تعرف شيئا عن تلك التحضيرات حتى يحين أوان رحيلها ، ستنقل أمه الخبر ... تحركت مشاعر ليا بسخط مكبوح ... ستكون فى الثامنة عشرة فى الميلاد القادم ... فهل نسى ذلك ؟ أنه يراها فتاة قاصرة تقع على عاتقه مسؤولياتها . ولعل ليلاس ما يريده حقا هو التخلص من هذا الحمل ولكن تهذيبه يمنعه عن قول شئ كهذا . عليها الآن أن تفعل شيئا . نعم عليها البحث عن عمل وعن مسكن حتى إذا ما جاء ناقلا إليها خططه بشأن مستقبلها رمت ما أتى به فى وجهه .
راحت تفتش فى الأدراج عن حقيبة يدها فأخرجت محفظة النقود التى فى داخلها ... عندما صحبها ماتيوس إلى هنا أعطاها بعض المال قائلا إنه مصروفها ، ولكنها لم تهتم به ساعتئذ . أما الآن فقد أخرجت الأوراق النقدية من المحفظة الجلدية . تعدها بسرعة ببهجة وحبور .
معها من المال ما يكفيها لإستئجار شقة حتى تجد عملا ، وما أن تبدأ بجنى المال ، حتى تعمد إلى توفير المبلغ لترده إليه .
لقد قررت خيرا انتزاع نفسها من وصايته . ولكن إن خرجت من هذه الشقة فقد لا تراه ثانية ... أحست بوهن رهيب يجتاح جسمها .
لكن ما البديل ؟ البديل مدرسة فى سويسرا حتى تبلغ الثامنة عشرة . ثم ماذا ؟ ... تنهدت .. تشك فى أن يسمح لها ماتيوس بالعودة إلى ماتلوك ايدج ... لا ...يجب أن تجد ترتيبا آخر لها . وهناك احتمال آخر أن يرجعها إلى منزل أمه حتى إذا ما أظهرت اهتماما بشاب ما ، سارع إلى تزويجها كما توقعت كاتى ، ليبعدها عن ظهره .
مسكينة كاتى ! لم يدم عملها طويلا . ولكنها لم تخسر شيئا بهذه الصفقة . فحسب قول السيدة ثورب إن ماتيوس أعطاها مكافأة ستجعلها غير مضطرة للعمل وقتا طويلا .
ولكن حظ كاتى الطيب لا ينطبق عليها لأن عليها أن تجد عملا فى غضون أسبوعين وهو وقت قصير للبحث فيه عن عمل وشقة .
أمضت قمــر الليل فى الأيام التالية أوقات الفراغ فى تمشيط وكالات التوظيف . لم تتساءل السيدة ثورب عا تفعله ، فانشغالها بحياتها الاجتماعية أبعدها عن الاهتمام بما تفعله ليا .
لا تنكر ليا أنها كانت تضبط السيدة تنظر إليها أحيانا باستغراب ، ولكنها تعرف أنها تتطلع شوقا إلى يوم رحيلها .
لم تحصل على العمل الذى وجدته أخيرا عبر وكالة من الوكالات بل عبر إعلان موضوع على واجهة محل تصفيف شعر ... سألت ليا فى الداخل فاكتشفت أن من يطلب موظفة هو الرجل المدعو ألفونسو الذى قال لها :
- لدى محلان للتزيين ... هل أنت واثقة حقا أنك تريدين هذا العمل ؟ أشعر بأنك لا تحتاجين إلى المال
- أنت مخطئ .. ماذا على أت أفعل بالضبط ؟ لأنه لم يسبق أن صففت شعرا
قال ألفونسو :
- أوه عزيزتى لن تصففى الشعر ... لهذا سألتك إن كنت فعلا بحاجة إلى العمل ، فالمطلوب منك خدمة الزبونات .
ابتسمت ليا تؤكد له بحزم :
- أريد العمل حقا ، أتعرف كم يصعب إيجاد عمل عندما يكون المرء معدوم الخبرة ؟
- اعرف .. حسنا أيتها الشابة ... سأقبل بك . من يعلم ، قد أكتشف فيك موهبة فى تصفيف الشعر .... وقد أمنحك فرصة التمرين
- شكرا لك متى أبدأ؟
- ما رأيك بالغد ، تعالى صباحا لتعتادى على المكان .. المزين المسؤول هنا هو جان ... سيتم تعارفكما الآن .
- ألن أعمل معك ؟
ابتسم ألفونسو : " فى الوقت الراهن لا ، ربما فى المستقبل ، لدى فى المحل الآخر فتاة تظن أنها حامل فإذا تركت العمل أرى ما أفعل "
عادت ليا إلى الشقة ذلك المساء والبهجة تعم قلبها . لقد وجدت عملا ولم يبق أمامها إلا البحث عن مكان تنام فيه .
وقد وجدت هذا المكان بعد ظهر اليوم التالى وهو عبارة عن عن غرفة صغيرة فى منزل فيكتورى لا يبعد كثيرا عن وسط المدينة . لم يكن الجوار مرموقا ولكن المنزل نظيف ورخيص ... وقد بدت صاحبته السيدة فريتز مشفقة على صغر سنها .
- لست من مانشستر ، أليس كذلك يا فتاة ؟ ما خطبك ، تشاجرت مع والداك ؟ لدى هنا من يعانى من المشاكل العائلية فلا تقلقى سأهتم بأن تتناولى طعاما جيدا فأنت نحيلة كالقشة
ذهلت ليا ... فلم تكن حتى تلك اللحظة انتبهت إلى مظهرها بل لم تلاحظ أن تنورتها واسعة عليها وأن وجهها فقد إشراقته المعتادة . وفيما هى عائدة إلى الشقة لمحت صورتها فى زجاج واجهة أحد المحلات فأدركت أنها لن تضطر بعد اليوم إلى مراعاة عدد الوحدات الحرارية التى تأكلها
سألتها السيدة ثورب : " أين كنت ؟ يحاول ماتيوس الاتصال بك منذ ساعات . قلت له إنك خرجت تتسوقين لكنه لم يتوقف عن الاتصال "
- ماتيوس ؟ ماتيوس يتصل بى ؟
- ألم أخبرك ؟ لقد رددت على الهاتف ما لا يقل عن ست مرات . حسنا ، قال إنه قادم ليراك فى الغد ... لذلك ، من الأفضل ألا تكونى فى الخارج وقت وصوله
رفعت ليا يدها إلى عنقها :
- غدا ...؟ أذكر لك السبب ؟
- إن للأمر علاقة بتلك المدرسة فى جنيف . لم أساله فى الواقع ... والآن سأتأخر عن موعدى
- أخارجة أنت ؟
- طبعا ... أخبرتك هذا الصباح أننى سأحضر اجتماعا لنادى البريدج هذا المساء ... هل نسيت ؟
ولكنها نسيت ذلك بسبب انشغالها فى البحث عن مسكن . أردفت السيدة :
- تركت لك السيدة هايز قطع لحم باردة وبعض السلطة فى البراد ، طلبت منها بما أننى سأتعشى فى الخارج ألا تحضر شيئا للعشاء . فأنت لا تأكلين ما يكفى ذبابة
- أجل ... أجل
لكن تفكير ليا كان منصبا على أمور أخرى فخروج السيدة سيمنحها فرصة للفرار . نعم عليها الخروج الليلة فغدا ماتيوس قادم ... هى ترغب طبعا فى رؤيته وها قلبها ينفطر ألما لأنها تريد تجنبه إنما رؤيته مجددا ستجلب إليها المزيد من الألم الذى نالت منه ما فيه الكفاية
غادرت السيدة ثورب المنزل بعد السابعة بقليل ،أما ليا فقطعت قطعة لحم وخبز وحملتها إلى غرفتها لتأكلهما وهى توضب حقائبها ... ليس أمامها وقت طويل فقد تعود السيدة ثورب باكرا
وضبت حقيبة ثم وضعتها أمام الباب ، أما الأخرى فكانت على وشك الانتهاء منها عندما رن جرس الباب . صدمت ليا ووقفت كالتمثال جامدة ، هل عادت السيدة ثورب؟
توجهت لتفتح الباب ولكن قبل الوصول إليه عنت على بالها فكرة أخرى ... ماتيوس ! أيمكن أن يكون الطارق هو ماتيوس ... آه يا الله ... ماذا تفعل ؟
كان أمامها خياران : الأول أن تخبئ الحقائب وما يدل على رحيلها والثانى أن تتظاهر بأن المنزل فارغ
لكن ما لم يكن مستعدة له كان ما حصل بعد هذا ... فبدل أن يتخلى الزائر عن رن الجرس سارع يدس المفتاح فى القفل فكان أن وقفت مرعوبة وهى ترى الباب ينفتح بهدوء :
- ليا !
فكك استخدام ماتيوس لاسمها الجليد على أطرافها فارتدت إلى الوراء مضطربة . كان عليها أن تعرف أنه يحتفظ بمفتاح لشقة أمه . أمه ليست صغيرة فى السن ، لذا من المنطقى أن يملك وسيلة للدخول فى حال مرضها .
شاهدها وهو يقفل الباب : " ليا "
وشاهد كذلك الحقائب فى الردهة فتسمرت عيناه الخضراوان وقد فهم ما تنوى فعله . بدا لها مخيفا كما تصورته ... زادت ثيابه الفاتحة من تجهمه وبدا كذلك متعبا وشاحبا كما لم تره قط
صفق الباب واستند إليه :
- ماذا يجرى هنا ؟ لماذا لا تفتحين ؟ لقد سمعت طرق الباب
- نعم سمعته ... ولكننى لم أعرف من الطارق . فوالدتك غير موجودة
- أعرف هذا .. والآن ما هذا ؟ مؤامرة صغيرة
- ليس هناك مؤمراة ... أنا راحلة ليس إلا
- اللعنة عليك إن فعلت
تجاوزها وأسرع إلى غرفتها ... سمعته يفتح أبواب الخزانة ويقفلها بنفاد صبر . ثم عاد مجددا ، وعلى وجهه الجهد والاستنزاف . ارتدت ليا خطوة إلى الوراء :
- ماذا تفعل ؟ لم أسرق شيئا من ممتلكات أمك ... سأخذ ما هو لى فقط
- لم أتصور غير هذا ... ولكننى ظننت .... آه ! رباه ! ظننت أن معك أحدا هنا ... شخص مسؤول عن رحيلك
- هناك ما هو مسؤول ... لقد وجدت عملا هنا فى مانشستر كما وجدت مسكنا أقطن فيه
تغضن وجهه : " لماذا ؟ لماذا ؟ بحق الله لماذا ؟"
- تعرف السبب ... لن أمضى العمر وأنا أعتمد عليك . ثم هناك أمر المدرسة فى سويسرا . لا يمكنك إجبارى ... سأبلغ الثامنة عشرة بعد ثلاثة أشهر
تقدم بقلق يدس يديه فى جيبى سرواله :
- أوه يا الله ! لست مضطرة إلى العمل .. جئت هذا المساء لأعرض عليك بديلا
- صحيح حسنا .. لا أحتاج إلى بدائلك بعد الآن ، فلدى ليلاس بديل آخر إنما يسرنى أنك عرفت أخيرا أننى أصبحت فى عمر يخولنى تحمل مسؤولية نفسى
تقدمت لتقف قرب باب الردهة المفتوح ... فهز رأسه :
- لم أقل هذا ... بل على العكس ... أريد أن تظلى تحت حمايتى ونفوذى . مات زوج صديقة لوالدى مؤخرا وهى بحاجة ماسة إلى شابة ترافقها ... كنت سأقترح عليك هذا المركز . على الأقل مدة الشتاء أو كما تقولين حتى تبلغى سن الرشد


هكذا إذن ... حسنا لا أحتاج إلى هذا العمل
سألها بفظاظة : " وماذا ستفعلين ؟"
حركت كتفيها بحذر :
- سأعمل لدى مزين للشعر ... أستأجرت غرفة فى منزل فى ضاحية بريستد
- بريستد
ردد الكلمة بوحشية فهزت رأسها إيجابا وقالت :
- أعرف أنها ليست منطقة نظيفة ... لكن ....
- ليست نظيفة ! يا إلهى إنها حقيرة ! ليا لا أستغرب استعدادك للهرب فأنت تعرفين أننى لن أوافق
- لا أحتاج إلى موافقتك أو عدمها . إنها حياتى لا حياتك
سألها بعنف :
- أهذا ما تؤمنين به ؟ أهذا ما تؤمنين به صدقا ؟ بحق الله ليا لن أتركك تفعلين شيئا كهذا
- لن تمنعنى .. لقد غسلت يديك منى عندما أحضرتنى إلى هنا .. فأنت غير مهتم إلا بإبعادى عنك ... لذا لا تتوقع أن أقبل ما ستقوله لى بعدما أوضحت بأكل الطرق عدم اهتمامك بى
تكلم ساخطا ولكن فى صوته رنة غريبة لم تفهمها :
- هذا غير صحيح ... لقد أبعدتك عنى لأننى أهتم بك ألم تفهمى هذا أيتها الطفلة الغبية ؟
استدار يضع يده على رف المدفأة حيث أوقع تمثالا خزفيا لكيوبيد
- يا إلهى ليا لا أدرى كم أستطيع التحمل ... أحتاج إليك ... لا أستطيع التفكير بشكل سليم
نظرت إليه دهشة :
- أنا ... لا أصدقك ... هذا الكلام مجرد ... مجرد فخ لتدفعنى إلى عمل ما تريد ... أليس كذلك ؟
رفع رأسه ينظر إليها :
- صحيح ؟ أتودين الرهان على هذا ؟ لم أذق طعم النوم الهنئ منذ رحيلك عن المنزل
- آه ! ماتيوس !
أخذت ترتجف ولكنها لم تتحرك
- أنت فى السابعة عشرة وأنا فى الرابعة والثلاثين ... فى السنوات الثلاث المنصرمة دأبت على القول لنفسى إن فارق السن بيننا كبير وإن مشاعرى ستتغير كلما كبرت وتعرفت إلى شبان ولكن هذا ما لم يحصل ...
هزت رأسها عاجزة : " لماذا ؟ لماذا لم تخبرنى ؟"
- لأننى أردت محاربة هذه المشاعر ... لماذا تجنبتك منذ عودتك من المدرسة ؟ ولماذا استخدمت كاتى لورد ؟
شهقت قمــر الليل : " اعتقدت أن السبب ما قد تقوله الناس "
- ومنذ متى أهتم بما يقوله الناس ؟ منهم من طلب منى أن أضعك فى ميتم ومنهم من اعتبر علاقتنا غير شرعية ، ولكننى كنت مصمما ألا تكون كذلك
- آه ! ماتيوس ! لكنك أبعدتنى
هز رأسه بحزن : " أجل ... بعدما بت خائفا من أن أفقد السيطرة على مشاعرى . كنت على حق فى هذا فقط ، لقد أردت إخراجك من منزلى ، لأن حبى عبء لا أنوى أن أريح نفسى منه "
- لكن .... لماذا؟
- حبا بالله ليا ... ظننتنى أفعل الصواب . كنت أعرف أننى لا أستطيع الاحتفاظ بك معى ، وكان الزواج بك بعيد المنال ، ففكرت .. آه ! لا أدرى بماذا فكرت . أظن أننى وجدت فكرة سفرك إلى سويسرا هى الحل ليرجعنا إلى رشدنا ، إنما ... فليساعدنى الله ... لم ينجح الأمر . فقد كانت الأسابيع المنصرمة على جحيما أما الليلة فجئت إليك حتى أصحبك لتكونى رفيقة للسيدة غوتنز
- السيدة غوتنز ؟ لكنها تعيش قرب النهر
- على بعد ثلاثة أميال من ماتلوك ايدج ... هذا صحيح هو بعد كاف لأكون بعيدا عن الاغراء ... لكن قريبا بما فيه الكفاية لتظل عينى عليك وعلى من تصادقينهم

التقطت شفتها السفلى بين أسنانها وقالت :
- وكان جحيما على أيضا ، ألا ترى كم فقدت من وزنى ؟
- لاحظت ... لاحظت قمــر الليل كل شئ فى الدقائق التى ظننت فيها أنك تورطت مع رجل آخر
- هل أحسست بالغيرة
لم تستطع مقاومة طرح السؤال ، والتوت شفتاه :
- وماذا تظنين ؟ إذا كنت قد غرت من لاين وماتيسون الشاب .. فالرد هو أجل ... أستطيع القول إننى غرت ، وسأغار من أى منافس
أطلقت صيحة وهزت رأسها :
- أكنت تغار من جورج ؟ قال إنك تغار منه لكننى لم أصدقه
قال ماتيوس بهدوء :
- أعتقد أنه شديد الملاحظة أكثر مما كنت أظن... والآن ... ماذا ستفعلين ؟ أما زلت تريدين المضى فى ذلك العمل ؟
ارتدت ليا لتسند ظهرها إلى إطار الباب فأطرافها ترتجف بشدة حتى لا تكاد قادرة على إسناد نفسها
همست : " ما ... ما هو البديل ؟ "
رنت إليه بطرف عينها فإذا به يصدر آهة مخنوقة قبل أن يقطع المسافة الفاصلة بينهما
وقف قريبا منها ، قريبا بحيث أن ذراعه التى ارتفعت لتستريح على الجهة الأخرى من إطار الباب كادت تلمس صدرها ... ثم رفع يدها إلى شفتيه بتحفظ بارز وراح يلثم كل أنملة من أناملها بشوق وحب ثم قال بانقباض :
- البديل .. هو أن تتزوجينى فى الميلاد القادم
اعترضت قائلة : " فى الميلاد ؟ "
- أجل .. لأن الناس عندئذ لن يستطيعوا أن يقولوا إنك غير قادرة على اتخاذ قرارك الخاص ... هذا إن قبلت طلبى
زفرت نفسا غير منتظم :
- بالطبع أقبل طلبك
لفت ذراعها الأخرى حول عنقه :
- آه ! ماتيوس ! لماذا علينا الانتظار ؟
ضمها إليه ثم تمتم :
- لن ننتظر حتى نكون معا ، فما أشعر به الآن يجعلنى لا أقوى صبرا حتى أرجعك إلى ماتلوك ايدج
شهقت بلهفة :
- ستعيدنى إلى ماتلوك ايدج ؟ متى .... متى؟
- الليلة ؟ هل أسرع فى اصطحابك ؟
- هزت رأسها : " نسرع ؟!"
لفت ذراعها حول خصره واستراحت بين ذراعيه : " إنما يجب أن أشرح الأمر لألفونسو "
- ألفونسو ؟
ارتد عنها لينظر إليها فضحكت :
- إنه مصفف الشعر الذى استخدمنى ... ذلك الذى طلبت منه كاتى أن يقص شعرى
- هل أرادت كاتى أن تقص لك شعرك ؟
- أجل ... وقال ألفونسو إن من الأسف ....
امتدت يده لتمسك الخصل الحريرية :
- إنه على حق لو عرفت ...
قاطعته : " لوافقتها الرأى "
أطل نفسا ثقيلا : " كنت ظالما معك؟ "
- قليلا
عاد ليلاس يغمرها بين ذراعيه بشوق :
- اتركى أمر ألفونسو لى ، فأنا الآن لا أفكر بوضوح . متى قلت إن أمى عائدة ؟
فى وقت لاحق كانا يجلسان فى غرفة الجلوس على الأريكة . قال لها وهو ينظر إليها بدون أن يخفى حبه للتملك :
- أتعلمين ... أنت الأنثى الوحيدة التى أعرفها والتى تبدو جميلة بدون ماكياج
- وأنت عرفت الكثيرات
رد بصدق بعدما عقدت ذراعها حول عنقه :
- بعضهن . لا تفعلى هذا حبيتى ، وإلا عادت أمى العزيزة فوجدتنا فى وضع مريب
- وهل لديك اعتراض.
تراجع مبتسما :
- لا أعترض ، أنما تكفيها صدمة اكتشافها ما نخطط إليه ، أقصد الزواج . ألا تظنين هذا ؟ على أى حال يجب أن ننهى توضيب حقائبك ... سنرحل حالما أشرح لها الأمر
تمتمت وهو يتركها :
- ستصاب بالذهول ، أتعلم ؟ كنت أحلم أن أحمل لك طفلا ... أما الآن فأرانى مترددة ، فقد لا تحبنى وأنا سمينة
- سأحبك مهما كان شكلك
وقف لينضم إليها ، يرجعها إلى الوراء ليشدها إليه :
- تذكرى ، عرفتك بالضفائر والأشرطة والحمالات ، وعرفتك كما انت الآن ... هيا اذهبى ورتبى نفسك قليلا وإلا لن أكون مسؤولا عما سيحدث
تزوجا فى الثالث والعشرين من شهر كانون الأول .أما عيد الميلاد فأمضياه فى لندن مع باربره وفيلب جفرسون وعائلتهما قبل السفر إلى نيس وإلى فيلا ماتيوس التى يملكها على شؤاطى البحر المتوسط . كان الطقس رماديا أغبر فى مثل هذا الوقت من السنة ولكنهما لم يكونا ليهتما بما يحيط بهما ... كانت عزلة الفيلا هى ما يحتاجان إليه . كان أحيانا يتمشيان على الرمال عندما ينحسر المد
حضرت والدة ماتيوس الزفاف ثم انضمت إلى رحلة مقررة سلفا إلى مصر ... لم تشارك فى تنظيم الزفاف ... بل تركت كل شئ لماتيوس . ولكنها كانت قمــر الليل هادئة مستعدة للوقوف إلى جانبهما فى حفل الاستقبال لتقبل التهانى
قال ماتيوس صبيحة أحد الأيام وهما يتناولان الفطور:
- أعتقد أنها استراحت أخيرا . أظنها كانت تفكر منذ وقت طويل عما يؤخرنى عن الزواج ؟
تمتمت بخبث : " أنا "
وضعت ذقنها فوق يدها تنظر إليه برضى لا تخفيه :
- ربما كانت تخشى أن أغويك
- معها حق فى هذا لأننى لم أجد فرصة للمقاومة
رفعت حاجبيها :
- وهل أنت أسف ؟
- وأنت ؟
ضحكت : " آه أجل ، أنا أسفة لأننا تأخرنا سنة ولكنك لم ترد على سؤالى ؟ "
- ما رأيك ؟
- قل لى أنت
ضاقت العينان الخضراوان بدعابة :
- ماذا أقول ؟ أننى أحبك حبا لم أعتقدنى قادرا على أن أكنه لأى كائن بشرى وأننى كدت أجن لمجرد التفكير فى العيش بدونك ؟
ردت مقطوعة الأنفاس : " كفى ، فلنعد إلى الفراش ! وماذا عنك ؟ "
ابتسم ساخرا وقال بقصد إثارتها :
- ظننتك متعبة ... بعد الأيام الأخيرة ...
مدت يدها تمسك يده :
- توقف عن هذا المزاح المزعج
رفعت قمــر الليل يده إلى شفتيها :
- ألا تحس ببعض الكسل ؟
ضحك مكشرا :
- وأنت موجودة ؟ ... حسنا ... فلنعد إلى الفراش ... لن نستطيع إكمال الحديث هنا
قالت وهو يحملها بين ذراعية :
- ولن نستطيع طوال أيام حياتنا
ولم يستطع سوى أن يوافقها الرأى.

تمت

مشاركة