سقط سهواً

الكاتب: قصتي مشاهدات: 703 التصنيف: روايات أحلام

1 - ضحكة شبح

كان هايدن جاكوبس نافذ الصبر..انه ليس بالرجل الصبور عادة..لكن كان يعتقدأن هذا أكثر بكثير من قدرة أكثر الرجال رصانة على تحمله.. كان قد أمضى اليومين المنصرمين سجينا في منزله اللندني،كحكم بين عدة مرشحين تواقين للحصول على وظيفة كان يعتبرها ازعاجالا ضرورة له..جميعهم جاؤوه بتوصيات رفيعة من شخصيات رفيعة القدر.لكن فكرة لبقاء ملتصقا بأي واحد منهم لأسابيع أو أشهر من التعاون الوثيق،جعلته يلتوي سخطا.
تمتم ملتفتا الى وكيله المسن الذي كان يجري عنه المقابلات:
_يا لها من مضيعة للوقت..ما عدد الذين مازال علي مقابلتهم؟
رد دويل فرانسيس باختصار:"الأمر عائد لك هايدن"
كان هو كذلك قد أضاع يومين كاملين هدرا،ويكاد أن يصل الى نهاية قدرته على التحمل..وأكمل:
_أي من كتاب النصوص هؤلاء يمكن أن يكون مناسبا..ما الذي تفتش عنه بحق الله؟عن كمبيوتر بشري؟
رد زبونه ساخطا:
_كلما كان أقل انسانية كان ذلك أفضل..لماذا لا ننسى الأمر يادويل؟
تأوه الوكيل المسن:
_فلنتوقف قليلا هايدن..لقد مررنا بهذا مرات ومرات..قد تكون نابغة كمبيوتر ومؤلف قصص ممتازة،لكن لا يمكنك الشروع في كتابة سيناريو فيلم سينمائي دون تدريب أو خبرة سابقة.ويجب أن تتعاون مع أحد..الا اذا تركت أمر تحويل القصة الى كاتب سيناريو محترف..وهذا ما يفعله أي كاتب متعقل..
_أنا لست كاتبا..والله وحده يعرف ما الذيدفعني الى تأليف ذلك الكتاب أصلا..على أية حال لا ريد أن أرى مؤلفي المثير للشفقة كما هو،يسلب محتواه..اما أن أعمل على هذا السيناريو بنفسي أو أن نلغي الفيلم.
_أوه..حسن جدا..ليكن ما تريد هايدن..لست أدري لماذا أزعج نفسي حقا.
كلاهما كان يعرف جيدا السبب،فلقد كان مؤلف"الجزيرة الضائعه"أثمن ممتلكات"وكالة دوبل فرانسيس الأدبية"في السنوات الأخيرة.ولقد تهافت على اختطافهادون الاطلاع عليها عدد من الناشرين على طرفي المحيط،ومنذ ذلك الوقت يحاول منتجو الأفلام الحصول على حقوق التصوير،برفع أسعار عروضهم،وبتقديم النس المئوية المذهلة،التي لم يسب تقديمها لمؤلف وجه عام،منذ سنوات لم يسبق أن م دويل فرانسيس كوكيل أدبي في مثل هذا التسابق خلف مؤلف مبتدئ غير مجرب..مع أن الوكيل وزبونه الساخر، كانا يدركان جيدا أن سبب اثارةهذه العاصفة من الاهتمام،لم تكن جدارة الكتاب الأدبية التي لا مجال للتساؤل عنها،بل كان اسم المؤلف.
لقد كان هايدن جاكوبس نوعا من الأسطورة في عالم الكومبيوتر منذ برز كعبقري لا يقدر بثمن وهو في السابعة عشرة،ليصبح فيما بعد على رأس امبراطورية كومبيوتر عالمية،وهو في الثلاثين..مع كل هذا، وبالنسبة للرأي العام،بقي مجهولا ا وجه له،مثه مثل بناة الامبراطوريات،الى أن تحطمت نفاثته الخاصة في المحيط الهندي،وقيل أنه مات.
هلة الرومانسية والغموض التي اكتنفت الموت المبكر للمليونير الغامر الشاب,راقت للصحافة وسرعان ما تعلق الناس بذكراه..وأصبح المرحوم المزعوم هايدن جاكوبس مشهورا عالميا،وموضوع عدد لا حصر له من المقالات وكتاب عن حياته الشخصية.
ثم وبعد ستة أشهر من تحطم الطائرة،عاد هايدن جاكوبس الى الظهور من أرض الأموات دون أي تفسير ليثير بهجة الجمهور وفضوله برفضه العوده الى ترؤس امبراطورية جاكوبس،مديرا ظهره لنمط حياته القديم والانكفاء للعيش في فردوس سري استوائي..وبالطبع،مخيلة الجمهر الرومانسية انطلقت في تصوراتها أكثر مما سبق،أمام التحول الغريب من الرجل العابث الى الناسك الغامض..ولا عجب اذن،انه حين خرج بأول كتاب له،وهو خيال علمي،تهاتف الناشرون ومنتجو الأفلام متلهفين الى الحصول عليه..
أعلن الكاتب بصراحة لوكيله:
_سأرى مرشحا واحدا بعد..وهذا كل شئ.
_واذا لم يرق المرشح هذا لتوقعاتك الغامضة..فماذا بعد؟
_اذن ستخبر رجلك..ما اسمه؟
_نيل هاردينغ.زومعظم الكتاب يتلهفون على أشهر مخرج سينمائي في البلاد.
لكن هايدن لم يتأثر.
_بامكانك القول له اما أن يقبل بالسيناريو"الفج"الذي كتبته أو ينسى أمر الفيلم.
هز دويل فرانسيس جسده الضخم،وارتدى معطفه الكشميري الأسود:
_استسلم..اذ لا جدوى من النقاش معك..ويجب أن أذهب الان..عليك اجراء المقابلة التالية بنفسك.
_تبا لي ان فعلت..أتتوقع مني طرح كل الأسئلة السخيفة بنفسي؟
_آسف..لكنني مضطر.انني أساعدك من يومين،ولا أستطيع الغياب عن مكتبي أكثر من هذا..فلست الكاتب الوحيد المتعاقد مع وكالتي،وتعرف هذا..اتصل بي فيما بعد لتقول لي كيف كات مقابلتك معها!
_أوه..اذن هي امرأه؟
أجفل دويل فرانسيس وهو يلحظ لهجة الكاتب المزدرية.
_وماذا في هذا؟انها جوهرة مكتملة..والأكثر من هذا،ليس لديها طموح لأن تكون كاتبة سيناريو..في الواقع هي سكرتية انتاج متخصصه في العمل مع كتاب السيناريوهات..لذا،في تعرف كل المداخل والمخارج التقنية،ن تزعجك بطموحها المبدع..أليس هذا ما تريد؟
بقي الوجه القاسي الوسيم دون تأثر:"شابة!".
فتحرك الوكيل بضيق:
_أجل..في الواحدة والعشرين،أو ما يقارب.
متزوجة؟
_لا..لكنني أظن أن لديها شابا ينتظرها في مكان ما..و..هي محترفة تماما..وأستطيع أن أعطيها ثقتي يا هايدن..لن تزعجك أبدا..
قاطعه هايدن:
_انس الأمر دويل..بامكانك الغاء المقابلة..ظننت أنني كنت أوضحت تماما بعد تلك الحادثة مع آخر"طابعة"أرسلتها لي أنني لن أقبل فتاة جميلة هستيرية أخرى ،تستخدم أوراق الطباعة لتتسلل الى حياتي.
بدا الوكيل غاضبا حقا الآن:
_انها ليست من ذلك الصنف يا هايدن! لقد عملت مع العديد من كتابي،والشكوى الوحيدة كانت أنها غير متعاونة أبدا خارج ساعات العمل..ولا أسمح لك أن تتكلم عنها هكذا!
تفرس هايدن جاكوبس بجه وكيله الغاضب،والتوى فمه الجميل بابتسامة خبيثة أبرزت فتنته الطبيعية:
وهل أستشف من هذا تصدعا في قلبك الصخري؟
لم يبادله دويل فرانسيس ابتسامته..بل رد بهدوء:
_أجد تصرفك مقلقا جدا في بعض الأحيان يا هايدن..فليس كل فتاة تلقاها لديها خطط سرية لايقاعك في فخ الزواج،أو في علاقة غرامية..وتعرف هذا.
ابتسامة هايدن ألانت أسارير وجه الرجل المسن:
_ليس كل فتاة..
_على أي حال،فان الوقت متأخر جدا لالغاء هذا اللقاء..فقد تصل في أية لحظة الآن..وأنت مضطر لرؤيتها.
_حسن جدا دويل..سأراها..لكن كما قلت،ستكون المقابلة الأخيرة،وكي أكون متأكدا أنك لن تجبرني على مقابلات أخرى،سأسافر الأسبوع المقبل وأمضي الأشهر القليلة القادمة على يختي..وحدي ودون اتصال!
تنهد الوكيل باستسلام:
_أظنني أضيع وقتي في الطلب منك أن تعطي الفتاة فرصة.حسن جدا..ادنا جايمسون فتاة مرنة جدا.
ارتفع صوت الكاتب مهددا:
_ادنا جايمسون؟ أليست هي من تحاول دسها لي من جئت اليك مع كتابي؟
توقف دويل فرانسيس عند الباب،وأدار جها بريئا متسائلا:
_أكنت أفعل هذا حقا؟ربما..لست أذكر.
لم ينتظر رد فعل الرجل المتفجر،وغادر لغرفة بسرعة صافقا الباب وراءه.
تأخرت ادنا جايمسون عن الوصول،كعادتها..حتى في اليوم الذي ستواجه فيه أهم مقابلة لها في حياتها..فهي لسبب ما،لا تستطيع الوصول في الوقت المحدد..كان دويل فرانسيس يستند الى سيارته الجاكوار السوداء،وقد بدا ساطا نافذ الصبر،ينتظرها:
_يا الهي يا ادنا..أنت أكر اثارة للسخط من هايدن جاكوبس نفسه.أتدرين أنني أنتظرك هنا منذ أكثر من نصف ساعة؟
_آسفة يادويل.لم أستطع فعل شئ..حاولت جاهدة صدقا.
كبح الوكيل ابتسامة..هناك شئ في ادنا بدو طبيعيا ،ساحرا،ومرحا،مما يجعلها جذابة لا تقاوم حتى لمسن مثله..وقال بخشونة:
_لا بأس الآن..دعيني أنظر اليك.
أي شخص يعرفها حين جاءت أول مرة الى لندن منذ ثلاث سنوات،كان سيجد صعوبة في ايجاد علاقة بين تلك المجهولة المتسكعة على شواطئ"جزر سيشل" وبين هذه الصورة المعقولة التي لا عيب فيها اليوم.
وقل دويل بجفاء:
_ستنفعين..قد يخطئ ويظنك سكرترة ادارية..ولكن تذكري أن تتصرفي مثلها..انه يتوقع خبيرة تقنية ذات كفاءة..ومهما فعلت لا تدعيه يعلم بأنك ماتبة سيناريو.
_أجل..أعرف..لقد راجعنا هذا معا عشرات المرات يا دويل..يمكنك الثقة بي.
هز الوكيل رأسه..اذا كان لأحد أن ينفذ خداعا دقيقا فهي ادنا جايمسون..فمخيلتها الغنية دائما على استعداد لأن تخرج بتفاصيل مذهلة،تجعل القصص التي لا تصدق،قريبة من التصديق..وقال لها:
_يجب أن تستخدمي كل شئ لديك للحصول على الوظيفة.
_سأحصل عليها دويل.
_لن أكون واثقا تماما لو كنت مكانك يا حبيبتي..انه رجل صعب.
لكن،لمعرفته بعدم اكتراث الفتاة بالرجال كان متأكدا من أنها ستكون قضية سهلة.
_لست أدري لماذا تريدين القيام بهذا العمل يا ادنا..انها خطوةجبارة لكن الى الخلف بالنسبة لك..وهي قد تعني الغاء عقدك مع التلفزيون وقد تخسرين على الأرجح عدة سيناريوهات أخرى..أتمنى لو أنك تقولين لي لماذا أنت مصممة على العمل مع هايدن جاكوبس.
فتحولت عنه:
_سأفعل يادويل في يوم ما.
وسارت الى البوابة لترن جرس الهات الداخلي قبل أن يتمكن من متابعة النقاش،ونادته،والبوابة تنفتح:
_سأتصل بك يا دويل..وشكرا لترتيبك هذه المقابلة لي.
كانت ادنا دائما تسعد بالحديث عن نفسها،وعن طموحها في العمل..مع ذلك فهي لا تذكر أبدا حياتها قبل استقرارها في انكلترا.كل ما تمكن دويل فرانسيس م معرفته عنها أنها أتت من جزيرة صغيرة نائية من"جزر السيشل"حيث استقرت عائلتها منذ أجيال عديدة..وتتحدث بحب ومرح عن تربيتها الصارمة، وعن عائلتها المتعمرة،والتي تمثل امتدادا بعيدا لأيام الأمبراطورية الواسعة..لكنها ترفض بحزم أن تشرح سبب تركها لما تشير اليه دائما بحنان"جزيرتها".
السبب الوحيد الذي أعطته لدويل حين سألها:
_أردت كتابة السيناريوهات،اضافة الى هذا فان ليون يحتاج الى من يدير له منزله.
ليون هو أخوها الأكبر،طبيب نفسي ناجح،قرر مثلها أن يكون مستقبله العملي في انكلترا..وتشاركه منزله القديم الطراز، الواسع،في دولويتش..وما عداه كانت تبدو وحيدة في انكلترا،ولم كن دويل يستطيع الا أن يشعر أنها كالسمكة خارج المياه وهي بعيدة عن شواطئ جزيرتها الرملية المستحمة بأشعة الشمس..كانت تبدو أشبه بعصفور في قفص.فرط حبها للحياة يكبحه لجام ما،بدت معه وكأنها تعيش على هامش الحياة..تنتظر،أو تفتش عن شئ ما،أو شخص ما.تنهد دويل بصوت منخفض وهو يدخل سيارته:"يبدو أن ما تفتش عنه وجدته في هايدن جاكوبس".
كانت ادنا تسرع الخطى عبر الممر وهي غافلة عما كان يفكر وكيلها به،وقلبها يخفق بألم في صدرها وهي تقترب من المنزل.
كان المنزل غير عادي مثل صاحبه:فيلا بيضاء أنيقه متناسقة،حديثة الطراز.رغم حالة الذعر التي كانت تتملكا لم تستطع ادنا الا ان تعجب لانسجامه الرائع مع المناظر الطبيعية الخضراء حوله.
الباب الأمامي الواسع،كان يؤدي الى ردهة واسعة قليلة الأثاث،حيث استقبلتها فتاة شابة،شعرها الأحمر المتألق يحيط بوجه أنمش.
ابتسمت حمراء الشعر لادنا:"آنسه جايمسون..أليس كذلك؟".
دون انتظار الرد،تابعت اغراق ادنا بسيل من المعلومات الودية،غير المتوقعة أبدا.
_انني أقوم بدور الاستقبال بالنيابة عن هايدن،فليس لديه من يقوم بهذا ماعدا باميلا العجوز،وهي الآن في الخارج لتتسوق،انها مدبرة المنزل،وهي في خدمة العائلة منذ أجيال.
كانت عيناها الزرقاوان تجيلان النظر في أنحاء جسم ادنا بفضول ودي:
_يعجبني ثوبك،انه من تصميم أرماني أليس كذلك؟أيمكنك تحمل ثمنه بمرتب سكرتيرة؟آسفة..أترينني ضايقتك؟
ضحكت ادنا،وأكدت لها ذلك،فضحكت الفتاة:
_أعرف..أنا لا يمكن تشجيعي..اسمي جويس،وأنا من أقارب هايدن..حسنا..لست قريبة حقيقية،كل ما في الأمر هو أن أمي متزوجة من ابن عمه مالكولم..وأنا أدعوه خالي لأزعجه على سبيل المزاح..تعالي..انه ينتظرك،أنت الرقم أربعة اليوم..أتحبين أن تكوني سكرتيرة؟
فأجابت ادناكاذبة ببرودة:
_أعتقد هذا..والا لما قمت بهذا العمل.
شعرت بالارتياح وهي ترى الغرفة التي أدخلتها اليها فارغة،كان هذر جويس مهدئا لادنا مما جعلها تستجمع شجاعتها وتهدئ من أعصابها..وكانت الفتاة مازالت تتابع ذات الموضوع.
_لا يمكني أن أكون سكرتيرة..أظنني كنت سأكره هذا العمل.أعني البقاء محجوزة في مكتب طوال اليوم،أتلقى الأوامر..كنت سأصبح سيئة جدا في مثل هذا العمل،أليس كذلك هايدن؟
استدارت ادنا،بذعر مفاجئ..حسبما رأت لم يكن هناك غيرهما في الغرفة الواسعة..ورفعت جويس صوتها:
_خالي هايدن ! لا تجلس غاضبا هناك..تعال للقائها.انها تبدو مثفة جدا،وأظنها حلوة كذلك..ستعجبك.
حبست ادنا انفاسها مع تصاعد صوت هايدن الجذاب يملأ الغرفة من مكان غير مرئي:
_هذا يكفي جويس ..ارجي الآن من هنا،ولا تعودي الا لاحضار القهوة.
بعد لحظات ارتباك وقعت نظرات ادنا على مكان الصوت الكسول،القادم من باحة مرصوفة خلف الجدار الزجاجي.
كان يرتدي جنزا باهت اللون،وكنزة واسعة،لونها الأسود الداكن يتعارض مع الخطوط القوية القاسية لوجهه،ومع ذلك يزيدها فتنة،وكذلك الشعر الكثيف المحمر الذي لوحته الشمس،والبشرة التي تلاعبت تقلبات الجو بها،لشخص يفضل الحرية والتحدي.
سمعته يقول:
_ستتناولين فنجان قهوة معي أليس كذلك؟
التحية الاعتيادية التي كانت أعدتها جمدت في حلقها..وكل ما استطاعت أن تقابله به،كان ابتسامة متوترة ضعيفة.
قال بعد صمت قصير، كان خلاله يدخل الغرفة بخطوات رشيقة:
_هل أفسر صمتك كدليل كراهية للقهوة؟أ أنك ربما تفضلين الشاي؟
تدخلت جويس لتساعدها:
_هيا الآن هايدن..ألا ترى أنك ترهب الفتاة؟
واستدارت الى ادنا مبتسمة:
_لا تدعيه يرهبك..انه يحاول اخافتك لتهربي..الواقع أنه يفضل أن لا يعمل معه أحد..انك تحبين القهوة آنسة جايمسون أليس كذلك؟
ردت بهدوء:"أحبها..شكرا لك".
استدارت ادنا مرة أخرى الى الرجل تنتظره ليقوم بالمبادرة.لكن هايدن جاكوبس على ما يبدو،كان مثلها يفضل الانتظار..فوقف هناك مسترخيا،عيناه الزرقاوان القاتمتان تجولاندون اكتراث،فوق جسمها.
قالت بشئ من الفظاظة،بعد أن لم تستطع تحمل نظراته الباردة المقيمة:
_هل لي أن أجلس؟
_أوه..أجل..بكل تأكيد..لقد توفر لي الوقت الكافي للاعجاب بثوبك الرائع..أنت لم تظني حقا أنني قد أتعرف عليك في هذا الزي الجديد..أليس ذلك؟
لحسن الحظ كانت قد جلست،والا لانهارت..والتقت عيناها المجفلتان بعينيه وهي تتمتم:
_تت..تتعرف علي؟
قال ساخرا:
_ان نسيت اذكرك أننا كنا تقابلنا من قبل،منذ أسبوعين تقريبا..في مطعم"ماي فير"..ما عدا أنك في تلك المناسبة لم تكوني وكأنك الاعلان المكتمل الأناقة بل كنت كقنفذ شارع مشعث..ألهذا رفضت دعوة دويل فرانسيس للانضمام الينا على الغداء؟
ترنح جسدها المتوتر قليلا بارتباك وخيبة أمل..كانت في الواقع،قد رأته عدة رات في الأشهر الأخيرة،لأنها كانت مصممة على الظهور أينما تتوقع أن يكون..وكانت دائما كما هي الآن تواجه نفس النظرة الجوفاء..انها بالنبة له لا شئ سوى وجه جميل آخر.
قالت بخفة:
_أنا آسفة سيد جاكوبس..ما كنت أظن أنك ستذكرني.ولمعلوماتك فقط،أنا لم أحاوال المجئ الى هنا متنكرة..كت فقط أحاول أن أعطي الانطباع الجيد..
أصغى اليها بوجه جامد وعينين خاليتين من أي تعبير..ورأت يائسة أن عليها أن تكمل:
_ما أعنيه هو أنني فكرت في أن من الأفضل ان أرتدي ما يناسب هذا الدور..فمن المفترض انني أتقدم الى وظيفة سكرتيرة.
_حقا؟
_بالطبع ألم يشرح لك دويل فرانسيس الأمر؟
_أوه.. بلى..بكل تأكيد فعل هذا..وحسب قول العجوز أنه يعهد الي بأثمن ما لديه سكرتيرة انتاج خبيرةبكل أسرار كابة السيناريو،ذكية جداوخبيرة،ألست هكذا؟
_أجل.
_سن جدا.زأنت بكل تأكيد لا تنقصك الثقة بالنفس؟
_هذا لأنني أعرف ما أنا بارعة فيه.
ما ان خرجت الكلمات منها حتى أدركت انه قد يقرأ فيهامعنى مزدوجا..لسانها المتهور دائما يوقعها بأكثر الفخاخ احراجا.لكن،لدهشتها لميرد على تحديها،بل سأل بعفوية:
_اسمك،كما فهمت،ادنا؟
أخذت نفسا عميقا:"ادنا جايمسون".
_اسم غير مألوف،ادنا..لكنني سأرضى به..حسنا جدا،صباح الخير يا ادنا.
وابتسم دون توقع.
خفق قلبها بعنف،وقد غيرت البسمة الوجه المتجهم الجامد،لتنير العينين المراقبتين،وتلطف القسمات الوسيمة،الخشنة.قال:
_انا لا أتقيد بأوقات عمل محددة..سأتوقع منك أن تعمي في أغرب الأوقات،وق يعني هذا التنقل معي،وحتى الابتعاد عن لندن.ويمكن ان تمكثي بعيدة عن الناس لثلاثة أشهر على الاقل..ايمكنك التحمل؟
لم تكد تصدق ما تسمع،فاجابت:
_استطيع التحمل،اذا استطعته انت.اخبرني فقط أين،متى،وماذا.
_وماذا عن"لماذا"؟
_اوه أعرف"لماذا"فلاسباب خاصة،تريد ان تحور قصتك بنفسك.
_وهل هذا أمر غير عادي؟
_حسنا..أجل..معظم المؤلفين يفضلون الانطلاق بكتابة قصة جديدة بدل التلهي بالقديمة.الا اذا كانوا بحاجة الى المال..ومن الوالواضح ان هذا ما لا تحتاجه انت..لذا فأنت غريب نادر..واعجب لماذا؟
_اذن هناك" لماذا "على كل حال.
_حسن جدا..هناك لماذا..لكنني ل أفترض للحظة انك ستثق بي لتقول لي" لماذا"
_كم أنت دقيقة الملاحظة..اذن انت لا تمانعين في الالتزام بي لعدة اشهر،ولكن احذرك..سنبقى نحن الاثنين فقط الى أن ننتهي..أنا أعمل وأعيش في عزلة تامة.
ردت ببرودة:
_طبعا..أين تجد مثل هذه العزلة عادة؟
_هنا..بين أماكن أخرى..حين لا تغزوني عائلتي..وسيكون من ضمن عملك ابعادهم عني
_أوه..لكن..أعني،بالطبع..
_ماذا كنت سنقولين يا ادنا؟
_فكرت..ان دويل فرانسيس قال أنك قد ترغب في العمل على متن يختك.
سألها ساخرا ،وكانه يصفها أنها تتأثربمثل هذا الرمز للثراء:"وهل يعجبك هذا؟".
أبقت صوتها حلوا بريئا:
_أوه..كثيرا..فأنا أحب البحر،وانا أبحر بيختنا منذ أن وعت ذاكرتي هذا،لكن لم تتح لي الفرصة لهذا منذ ثلاث سنوات..لذا من الطبيعي أن تروق الفكرة لي.
ابتسم معترفا لها بطيقتها الجريئه في القول له أنها مثله،معتادة جدا على مثل هذه الفخامة:
_هكذا اذن..اذا كان الأمر هكذا،ألا تظنين أن الأجدر بك ترك هذه الوظيفةالى من يحتاج الى المال أكثر منك؟
ردت متصلبة:"لا..لا أرى هذا".
كان هذا نفس المنطق القديم مع الفتاة الصغيرة الثرية الذي كانت تقابله طوال حياتها..
_أنا لن اتركه الا لمن يستطيع القيام بها أفضل مني..مى تريدني أن أبدأ؟
لم يكمل الموضوع:
_كم يلزمك من الوقت لتحرير نفسك من التزاماتك الأخرى؟
ودون تفكير ،اجابت:
_لقد فعلت هذا..وانا حرة في البدء ساعة تشاء.
صمت لحظة،ينظر اليها مقيما ببرودة:
_اكنت واثقة الى هذا الحدمن أنك ستحصلين على الوظيفة؟
_حسن..كنت محقة،ألس كذلك؟
شئ ما في صوته مسح الابتسامة عن شفتيها:"أكنت حقا محقة؟".
وبخت نفسها بعنف:أيتها الحمقاء..الرجل يتلاعب بها طوال الوقت،يمازحها،يتظاهر بأنه ماخوذ بسحرها.
_اتتعني بانك لا تريدني؟
_اعتقد ان هذا ما اعنيه تماما.
حاولت السيطرة على رجفة تملكتهاللخيبة العميقة التي انتابتها:
_انت لم تزعج نفسك حتى في السؤال عن مؤهلاتي أو خبرتي..
_أوه..لا أشك فيها أبدا..فأنت جيدة..لكن المشكلة هي انني لا اثق بك.
_هل لي ..ان اعرف السبب؟
بكل تاكيد..لأنك متآمرة،ولست بارعة جدا في هذا انك مستعدة أن تتقدمي لي لأية وظفة كانت،حتى ولو لخادمة خاصة،ولست أدري ولا أهتم لما تأملين تحقيقه من وراء هذا.لكنني أعرف شيئا واحدا وهو..أنك لا تسعين وراء الوظيفة ..بل ورائي أنا.
تردد صدى هذه الكلمات احافلة بالازدراء في أرجاء الغرفة.
خرجت ادنا من جمودها المؤقت ،لتجد نفسها وقد هبت واقفة..الاذلال والغضب أخمدا فيها كل مشاعر أخرى..مهما كان قد عنى لها في الماضي،هي الآن لا تشعر سوى بالكراهية لهذا الغريب اامغرور.
قالت بصوت مفعم بالكراهية:
_حتى ولو كنت محقا،يا سيد جاكوبس..فهذه المقابلة غيرت رأيي..آسفة لأخذي الكثير من وقتك..وداعا.
انفتح الباب فجأة،ودخلت جويس تحمل صينية القهوة لتعلن بحبور،وهي لا تدري طبيعة اجو المتوتر في الغرفة:
_أرجو أن لا يكون هنالك بأس في دخولي..لقد استخدمت سخانة القهوة الجديدة لذا جئت بماء ساخن لتخفيفها اذا كانت قوية.
دفعت ادنا بلطف تعيدها الى الأريكة،ودست فنجان قهوة في يدها، تصر على أن تتذوقها.ثم ارتشفت من فنجان خالها لتتأكد من النتيجة بنفسها وجلست بسعادة على الأريكة قرب ادنا،وكان واضحا أنها تنوي الانضمم الى المقابلة.
هاجمت خالها:"حسنا..هل هي مقبولة؟".
استدارت الى ادنا متجاهلة صمتها:
_هل ناقشتما أمر المرتب؟لا يجب أن تكوني متواضعة..ان هايدن كريم بشكل مقزز،ويستحق أن يستغل.لا تقلقي،سيجعلك تجهدين في اكتساب كل قرش من المرتب..صدقيني.
كانت الفتاة اما غير حساسة بشكل لا يصدق،أو أنها مناورة ذكية،لكنها تمكنت على أي حال من اختراق غضب ادنا وحركت احساسها بالمرح وأكملت جويس هذرها:
_ولسوف تدعينني أجرب هذا الثوب الذي ترتدينه،أليس كذلك؟..أظننا من نفس القياس.أمي تستمر في شراء أسخف الملابس المزعجة لي لكنني واثقة من أنني سأكون مذهلة في هذا الثوب.
قاطعها هايدن جاكوبس صائحا:"توقفي عن هذا جويس!".
_ألم تنتهيا بعد؟أنت تزعج الفتاة المسكينة منذ ربع ساعة.
رد بجفاء:
_هذا ليس من شأنك..لا تحاولي أن تتذاكي الآن جويس!
_أوه..دعك من هذا يا خالي هايدن..
_اخرجي من هنا
باعجاب عميق،راقبت ادنا العينين الضاحكتين تبللهما الدموع..والوجه الجميل ينكمش كوجه مهرج،ووقفت حمراء الشعر تتوجه ببطء نحو الباب..كان للفتاة موهبة كوميدية بارعة..ولم تستطع ادنا اخفاء مرحها،مع انها حاولت جاهدة على وجه وقور.وانفجرت ضحكتها الفضية الرنين في الغرفة الساكنة، تجذب أربع عيون نحوها.
استدارت جويس ملتفتة اليها..ووقفت لحظات تحدق مشدوهة الى المرأة الباردة الأنيقة،التي تحولت بهذه الضحكة الرائعة المتهورة الى شخصية شابة مذهلة..ثم شاركتها ضحكتها..واستغرقت الفتاتان حوالي الدقيقة قبل ان تدركا أن لهما ذات الضحكة الساحرة جدا.
توقفتا عن الضحك،ونظرتا الى بعضهما بذهول..ثم وقد تملكهما الذهول لتشابه ضحكتيهما،أفسحتا الطريق الى موجة أخرى من الضحك المنخفض.
نسيتا هايدن..ولم تلاحظ أي منهما التعبير المتجهم الذي أظلم الوجه النحيل فجأة،وكأنما يتحمل عذابا فوف طاقته،أمام الأصوات الفضية..توقف وسار عبر الأبواب الزجاجية الى الباحة الكبيرة في الخارج.
تلاشى الضحك،وحل على وجه جويس نظرة اضطراب عميق وألم..أطلقت نظرة تحذير الى ادنا،وتسللت من الغرفة.
اتظرت ادنا بضع دقائق ثم صبت فنجان قهوة جديد،وذهبت اليه في الخارج،ووضعته على منضدة صغيرة.
_قهوتك..ستبرد..
بدا وكانه لم يسمعها،كانت الريح الباردة تتلاعب بشعرها القصير وهي تنظر حولها تتفرج على بوادر الربيع المبكرة في المروج،لكي تتجنب النظر الى القلق الذي يعتم الوجه الوسيم..
لكن صوته كان هادئا ومنخفضا حين تكلم:"أتعيشين في لندن".
_أعيش الآن.جئت اليها منذ ثلاث سنوات.
_من أين؟
_من جزر سيشل..سانت باتريك.
_أعرف سيشل جيدا،لكنني لا أظن أنني زرت جزيرتك بالذات.
_انها جزيرة صغيرة جدا،غير مسكونة تقريبا.
لكن عينيه الزرقاوين المرتكزتين على وجهها الشاحب سلبتاها القدرة على الكلام.
نظرا الى بعضهما،كانا متباعدين،ومع ذلك،كانت عيونهما متشابكة.ولأول مرة،م تجد في عينيه البرودة المهذبة،ولا الدفاع الساخر والكراهية..أخيرا تمتم،وكأنما يكلم نفسه:
_ادنا..ادنا جايمسون..أليس كذلك؟
هزت رأسها،تحبس أنفاسها..وللحظات لا نهاية لها بدا لها وكأنه يتصارع مع ذاكرته..يحاول ايجاد صلة ما..لكنه هز رأسه أخرا..وعرفت أنه يغلي باحباط غاضب.
قالت برقة:"أنا..الأفضل أن أذهب الآن".
ارتفع صوته بشئ من الغلظة:
_انتظري..لدي سؤال آخر أطرحه عليك.
توفت ادنا.وفال آمرا:"استديري".
ثم وبصوت منخفض،خفف من حدة لهجته بقوله"أرجوك"وأطاعته،لكنها أبقت نظرها منخفضا.
بقي ساكتا عدة لحظات ثم قال:
_كنا نعرف بعضنا من قبل.
ولم يكن سؤالا..بل كان يقرر أمرا واقعا،وأكمل:
_ولست أعني تلك المناسبات الخاطفه التي كنت تفعلينها،فا تحاولي أن تمزحي معي..أنا واثق من أنني سمعت ضحكتك هذه من قبل.
اختارت كلماتها بحذر،ك لا تكون كاذبة بشكل مفضوح:
_بالطبع سمعتها.انها تشبه ضحكة جويس..وكلانا أذهله التشابه.
_أجل..هذا صحيح..لكنه ليس ما أقصد..فقد تملكني نفس الاحساس حين سمعت ضحكة جويس،لهذالدي نقطة ضعف نحوها..كما أعتقد.
هز رأسه،وكأنما فقد الصبر مع نفسه لهذا الاعتراف غير الحذر:
_قول لي فقط..هل تقابلنا من قبل؟
أخذت ترتجف،لكن صوتها خرج مضطربا غير محدد امعالم:
_أنا ..لا أظن هذا..لا بد أنك تخلط بيني وبين شخص آخر.
تحملت نظرته الطويلة المتأنية دون وجل..ثم تنفست الصعداء مجددا مع ميل فمه القاسي الى ابتسامة.
ـ ا نها غلطتي اذن..والوظيفة لك..اذا كنت مازلت تريدينها.
لم يتملك نفسها أي بهجة لنصر،ولا ارتياح..أدركت بأن متاعبها قد بدأت لتوها.
قالت،حينحين وثقت من أن صوتها لن يخونها:"أريدها..شكرا لك".
تمتم بخشونة:
ـ لا تشكريني أنا فقط مستعد لأن أجرب..لكن لا تفهميني بشكل خاطئ..فأنا ما زلت لا أثق بك.
أحست بأن مشاعرها قد جرحت وأنها ضعيفة،كادت أن تصاب بدوارتحت القسوة المميتة لقوله هذا،ثم ردت بحدة:
ـ أفهم هذا..متى..تريدني أن أبدأ؟
رد باختصار:
ـ صباح الغد..ننطلق في تجربة قبل أن نقرر نهائيا..في هذه الأثناء،أقترح أن تنتقلي للسكن هنا..كما قلت لك،أنا لا ألتزم بأوقات عمل عادية،وأفضل أن لا تعودي الى منزلك في ساعة متأخرة من الليل.
استدار فجأة ونظر اليها ببرود:
ـ باميلا،مدبرة منزلي،تعيش هنا بشكل دائم،في حال تساءلت..أيناسبك هذا؟
مرة أخرى هزت رأسها موافقة:
ـ أتمانع لو جئت معي بطابعتي الاليكترونية؟أنا أكتب..أعني أطبع عليها بسرعة أكثر.
ابتسم آليا:
ـ لا تزعجي نفسك..استخدمي طابعتي..انها في مكتبتي.اطلبي من جويس أو باميلا أن ترياك المنزل..هل هناك شئ آخر ترغبين في معرفته؟
هزت رأسها نافية..وه ترى نفاذ صبره الواضح لانهاء المقابلة..كان يقف قرب الباب السندياني الموصل الى الردهة،يسد عليها طريق الخروج..تمتمت،تتساءل كيف ستتمكن من شر نفسها لتمر من أمامه:
ـ أنا..سأمر بك غدا.
انحنت تلتقط حقيبة كتفها.
ـ ادنا..
توقفت متسمرة في مكانها:"نعم؟".
أكمل بنفس الصوت الدافئ المنخفض:
ـ هناك شئ واحد من الأفضل أن أذكره قبل أن نبدأ..بما أننا سنعيش سويا،أعتقد أنني يجب أن أطلعك على سر..ولا شك في أنك ستسمعين به من جويس أو أي عضو آخر من عائلتي المحبة..لذا،من الأفضل أن تسمعيه مني..ولن أهينك بالطلب منك ابقاءه لنفسك.
كان قلبها يخفق عاليا حتى أنها ظنته سيسمعه.
ـ لقد سمعت عن اختفائي منذ ثلاث سنوات؟
هزت رأسها:"أنا..قرأت عنه".
ـ أجل..فكرت بهذا..حسنا،ألا تودين أن تعرفي ما حدث لي خلال الستة أشهر التي لا أحسب لها حسابا،في حياتي؟
ـ بلى.
ـ الأمر بسيط جدا..الحقيقة ،أنا لا أعرف..أترين..لقد فقدت ذاكرتي.
بدا صوته عفوياوكأنه يتحدث عن صداع خفيف ومع ذلك كانت ادنا تعي عذابا داخليا في أعماقه وكذلك الجهد الذي يبذله ليقول هذه الكلمات بصوت مرتفع.
لم تحاول اختراق الصمت الطويل..وأخيرا رفعت عينيها لتلتق بعينيه مباشرة..فابتسم:
ـ لا تبدو عليك الدهشة،أو الصدمة..ربما لم تفهميني جيدا..هناك ثغرة سوداء في حياتي..ستة أشهر سوداء..ستة أشهر عشت فيها كشخص آخر ،وليس لدي فكرة، ولو ضبابية،أين، كيف أو من كنت،والأكثر من هذا،لا أعرف ما كنت أفعله خلال تلك الأشهر..وكان يمكن أن أقتل،أسلب،أو...
قاطعته تنهي له كلامه:
ـ أو تجول تائها،ضائعا،مشوشا..لكن على الأرجح وأنت عاقل كما أنت الآن.
ولكن مقاطعتا المفروضة علي أجفلته..فابتسمت معتذرة:
ـ أخي عالم نفسي.لذا سمعت بمثل هذه الحالة من قبل،وأذره يقول:"ان الرجل الذي يعاني فقدان ذاكرة مؤقت هو كالمنوم مغناطيسيا،نادرا ما يتصرف عكس طبيعته الأساسية".
فقال ساخرا منها بلطف:
ـ نادرا فقط؟اذن هناك استثناءات للقاعدة..على كل حال.
ـ أظن هذا،لكنني لا أظنك واحدا منها..ولا تصدق هذا يا سيد جاكوبس.
تألق الوجه الوسيم بابتسامة واسعة،ولأول مرة معته يضحك عاليا:
ـ حسن جدا اذن..واسمي هايدن على فكرة.
مد يد لها،في اشارة رسمية ساخرة،فترددت لكنها أخيرا تركته يصافحها بقبضته القوية الدافئة.قال مبتسما لها:
ـ سنقتنع بأني لست قاتلا أو سارقا،لكنك ستجدينني متقلب المزاج لا يمكن التكهن بتصرفاتي..من الأفضل أن لا تسأليني شيئا في مثل تلك الأوقات أو تحاولي ابداء الشفقة.. فقد أفقد أعصابي لو أن شيئا لامس وترا حساسا..كما حدث..
ـ كما حدث حين سمعتني أضحك.
خرجت منها الكلمات دون أن تعي ما تقول.
الصمت الذي تلا أرعبها..استرقت نظرة من تحت أهدابها متوقعة أن تسمع تأنيبا ساخطا لمقاطعتها التي لا داعي لها،لكنه نظر اليها بابتسامة دافئة غريبة لكنها كانت تعرف أنه لا يراها،بل يرى شخص آخر..شخصا لا وجه له أو جسد..انه يرى شبحا.
قال بصوت خفيض ،وكأنما يتحدث الى نفسه:
ـ أجل،كما حدث حين سمعت ضحكتك..فأنا واثق من أنني سمعتها من قبل..ولكن في مكان آخر..مكان دافئ رطب..حيث البحر بطئ كسول،والأفق دائما ضبابي..وحدها الأصوات،الأريج،الصفات المميزة،وتلك الضحكة الرائعة..و..
انخفضت نظرته الضائعه لتتركز على راحتي يده و كأنما يسأل:
ـ ويداي مدفونتان في شعر منسدل طويل تدفأه الشمس...
اتجهت عيناه الى شعرها القصير،ثم الى عينيها الكبيرتين الواسعتين،الملتمعتين بدموع لم تحاول اخفاءها..
ـ أوه..بحق الله!لا تنظر الى هكذا بهاتين العينين الكبيرتين الحزينتين!
لهجته كانت جافة،نافدة الصبر،لكن على الفور تقريبا،عادت فلطفت مرة أخرى:
ـ آسف..انها فقط ذاكرتي الضعيفة تتلاعب بي مجددا..فلا تدعي هذا يكدرك.
هزت رأها بصمت ..فأكمل:
ـ هيا ادنا..أريد سماعك تضحكين ثانية.
ابتلعت ريقها بصعوبة،دون أن تستجيب بابتسامة:"لا أستطيع..أنا آسفة".
نظر اليها للحظات..ثم وكأنه فقد اهتمامه،أو صبره،استدار عنها،وبخطواته الرشيقة،المسترخية،ترك الغرفة.
***
2/جزيرة الأحلام الضائعة
أريد سماعك تضحكين مرة أخرى..
ذات الصوت ..ذات الابتسامة الدافئة..وذات الأوامر الحميمة..وكأنما القوقعة الرخامية الباردة للكاتب انشقت منفتحة،لتفرج عن الرجل الذي فقدته منذ ثلاث سنوات.
ـ أوه مايلز!
رنت الغرفة بصدى اسمه القديم،ونظرت حوله بذعر خشية أن يكون ثمة من سمع آهتها غير الحذرة..لكن،لم يكن هناك أحد،وغاصت في عمق مقعد بذراعين،كان يجلس عليه قبل قليل..
مايلز..
هي التي أعطته ذلك الاسم،حين قال لها وصوته مثقل بالرعب،ان لا اسم له..لم تكن متأكدة،لماذا تمسكت بهذا الاسم باذات لكن قسوة الاسم وقلة ليونته،كانا يعكسان شيئا من الرجل الذي انمحى منه كل ماضيه،بخسارته لذاكرته،وارتمى في جزيرتها،وفي حياتها.
صائد أسماك،من أهل البلاد الأصليين،وجده على الشاطئ،وحمله الى كوخه القريب.بقي في غيبوبة ليومين قبل أن تلاحظ امرأة الصياد،وهي مربية أطفال قديمة لآل جايمسون،الكدمة في مؤخرة رأسه.وقررت أن تخبر ربيبتها،فالرجل كان بحاجة الى عناية طبية،ولحسن الحظ،كان الدكتور ليون شقيق ادنا الأكبر في وطنه،عائدا من بريطانيا في عطلة.
لم يكن ليون متحمسا جدا الى تورطه في هذه القضية بالذات،فالزوجان لم يجدا في جيوب الرجل أي جواز سفر،ل بطاقات،لا شئ في الواقع يمكن أن يعرف عن الرجل فاقد الوعي.وكانت أول فكرة لليون أن يكون مطاردا،مجرما..لطالما كانت جزيرة سانت باتريك تستخدم كملاذ آمن لمثل هؤلاء..فقد كان سكانها قليلين،معظمهم من أهل البلاد الأصليين،وأسرة جايمسون كانت العائلة الأوروبيه الوحيدة ..ولأن الجزيرة لا أهمة سياسية لها،لم يكن فيها شرطة ،ولا ممثل حكومي،ولا تسهيلات سياحية.لهذا كانت توفر مخبأ مؤقتا للمطلوبين والمطاردين.
على كل حال ،ولكونه طبيبا،لم يستطع ليون رفض فحص الرجل المريض،كما أن ادنا،التي لم تستطع يوما مقاومة فضولها الذي لا يشبع،اصرت على المجئ معه.
وهكذا غزا مايلز حياتها.
كانت يومها في التاسعة عشرة من عمرها،وقد عاد لتوها من ست سنوات طويلةفي مدرسة داخلية في انكلترا..أبواها كانا يشعران بأنها يجب أن تعود الى انكلترا لتحصل على درجة جامعية ،لكنها بقيت تؤخر الموضوع.كانت تحب جزيرتها بشغف،وقد اشتاقت اليها كثيرا وهي في المدرسة.العالم الخارجي كان يمثل لها سباقا مسعورا من التحدي و المنافسة،لم تكن مستعجلة للانضمام اليهما.أما في حياتها الاجتماعية،فقد كانت تجد كل المرح والصحبة التي تحتاجها بين العديد من الأصدقاء في الجزر الأكبر حجما..أما بالنسبة للعمل،فقد كانت قررت منذ زمن ان تكون كاتبة..وكانت قصصها قد كانت تنشر بانتظام في انكلترا،لذا لا حاجة لها لأ تتابع عملها خارج سانت باتريك.أما الحب..فهذا أمر آخر،فهي أرادته،وحلمت به،وكتبت عنه دونما نهاية في قصصها..لكنه لم يعرض لها أبدا الى أن التقت مايلز.
كان مستلقيا على فراش خشن،في كوخ الزوجين،وجهه الشاحب كالأموات لا يكاد يبدو خلف لحية نامية منذ العديد من الأيام،والتي كانت،مثلها مثل شعره الأشقر القاتم،ملبدة،ملتصقة من جراء مياه البحر.وكانت عيناه مغمضتين،كما أن جسده النحيف كان جامدا بشكل ينذر بالخطر.
استدارت ادنا الى أخيها:
ـ انه ميت يا ليون..أليس كذلك؟
ليون،بخبرته لأربعة سنوات في المستشفى،أمرها ببرود أن تخرج اذا كانت ستزعجه.
ـ انه لم يمت..ليس بعد..لكن اصابته شديدة،دون كسور،ولا أثر لنزيف.لا شك في أنه قوي جدا لينجو من مثل هذه الضربة الخطرة على رأسه.
ربما كان السبب هو الأصوات باللغة الانكليزية،أو مجرد صدفة ..لكن الجفنين الثقيلين تحركا،وفجأة انفتحت عيناه،يحدق مباشرة بعيني ادنا.كان يرحب بها ليس كغريبة،بل كصديق أهل للثقة ..وابتسمت له وخفق قلبها حين استجاب.
سأله ليون بحذر:"أتتكلم الانكليزية؟".
لم يستطع الرجل سوى هز رأسه ايجابا بضعف شديد..ووضع ليون يده على كتفه:
ـ ابق هادئا ولا تحاول الكلام..لقد كنت فاقد الوعي لعدة أيام..وبما أنني لا أملك أية وسائل هنا،لا أستطيع الحكم على حالتك..وقد أضطر الى نقلك الى المستشفى الرئيسي في "ماهي".
سارعت ادنا تشرح له:
ـ ليون طبيب،انه أخي،واسمي ادنا.
ـ اصمتي يا ادنا..ليس هناك ما أستطيع فعله لك الآن،سننتظر الى الغد ونرى..على أمل أن يفيدك النوم.سأعود في الصباح.
قاطعته ادنا بتهورها المعتاد:
ـ هاي.. انتظر لحظة يا ليون..أتفكر في أن تتركه هنا؟سننقله ال منزلنا..
قاطعها ليون:
ـ لا..لن نفعل هذا،فعدا عن واقع أن ليس الامكان تحريكه في حالته هذه،لا أظن أن أبي سيسر باستقبال رجل مطلوب.
ـ انه ليس مطلوبا يا ليون..فالذعر لم يظهر عليه أبدا حين كلمته عن نقله الى الجزيرة الكبيرة..ولو كان هاربا لاضطرب.
اللمعان المرح في العينين الزرقاوين القاتمتين كان مكافأتها الوحيدة.
مرت ثلاثة أيام قبل أن يستيقظ تماما ويتكلم..أولى كلماته لم تكن مفهومة،وكأنها الأنين ..ثم ذهلت ادنا فيما بعد وهي التي كانت تلازمه يوميا،لتعليقاته التي كان يطلقها فجأة..كانت تجلس واضعة رجلا على رجل قرب سريره المؤقت،تقش قطعة مانجو ضخمة،وتلطخ وجهها بالعصير المتناثر،حين جعلها صوته تقفز رعبا.
ـ اذن فهم يأكلون..لطالما ظننت أن الأرواح هي أرفع من أن تتناول الطعام.
ردت بعد استعادتها وعيها من الصدمة المؤقتة:
ـ بالطبع يأكلون..وأنا لست روحا.
ـ اذن هي غير مسحورة؟
عرفت على الفور ما يعني،وكأن عقليهما متجاوبان:
ـ جزيرتنا؟ليس حقا.لكن أمي تحب أن تظن أنها جزيرة الأحلام..
ـ أواثقة انت من أنك لست روحا؟
انفجرت ادنا ضاحكة،ورأت عينيه تشعان سعادة دافئة.
ـ لا..لست روحا بالتأكيد..بل أنا بشر مثير للسخط جدا،لو سألت عني ليون أو أبي.
لم يعد بحاجة لأن يسأل شيئا عن الجزيرة أو عنها ،فقد خصصت أوقاتها له..في تلك الأثناء،خطر لها انهم حتى الآن لا يعرفون اسمه..ولأول مرة ،رأت النظرة الحيرى المذعورة،التي ذهبت بلمعان عينيه الزرقاوين..وقال بعد صمت طويل،وكأنه يحدث نفسه:
ـ لا أعرف..ليساعدني الله..أنا لا أعرف.
لم يعد في امكانها نسيان تلك الساعات المخيفةالتي مرت به برعب بعد أن استوعب بالتدريج وضعه..كان لا يتذكر شيئا أبدا..لا منزله،أو أهله،أو عمله،ولا أي دليل واحد عن ماضيه.كل ما عرفوه عنه أنه انكليزي في أوائل الثلاثين،متعلم ،عليه دلائل التخرج من جامعة أوكسفورد على لاأرجح،حكما على لهجته و تصرفاته..وهذا كل شئ..رجل بلا ماضي!
حين أخبرت ليون بحالة الرجل،قال لها أنه على الأرجح مصاب بفقدان ذاكرة مؤقت،وهذا يحدث عادة بسبب الاصابات السيئة في الرأس والتي تتسبب بدورها بارتجاج للمخ،وانه ل تساعده بشئ بتوترها وخوفها ومن الأفضل أن تعطيه اسما.
من لا شئ ،و لا مكان،تنفست قائلة:"مايلز..سأدعوه مايلز".
سألها ليون:"لماذا؟".
ـ لا أعرف..يبدو لي مناسبا،أتمانع؟
واستدارت الى الرجل..شئ ما في روحها المعنوية المرتفعة اخترق صدمة الرعب فيه،وأجاب بابتسامة كسلى:
ـ ولم لا؟وماذا في السم على أي حال؟أعتقد أنني يجب أن أكون شاكرا لك أنك لم تسميني اسما سخيفا.
كان ليون يراقبه مفكرا:
ـ قد يكون هذا اسما من ماضيك..كل صلة مثل هذه لها قيمتها،وكلما تكلمت أكثر ستستعيد ذاكرتك بشكل أسرع..أما الآن فلا شئ تستطيع القيام به..عليك فقط أن تعيش كما أنت.
وابتسم،ليتوقف عن كونه الطبيب،ويعود أخاها المرح الذي تعرفه..وأكمل:
ـ بامكانك أن تشكر حظك الطيب..ليس بالامكان أن تجد نفسك في مكان أفضل من سانت باتريك..فهي المكان الأمثل لحياة هادئة مسالمة.
بعد أسبوع من هذا أصبح مايلز أكثر صحة،ما عدا نوبات صداع متكررة.انتقل للسكن في منزل مزرعتهم الكبير،وكانت هذه فكرة ليون،حيث قدماه الى والديهما كصديق لليون،قدم من انكلترا الى السيشل لاستعادة عافيته بعد مرض طويل،وأخذت ادنا،ومخيلتها تعمل أوقاتا اضافية،تملأ أية فراغات محتملة،بمعلومات مبتكرة عن ماضيه.
كان مايلز،وحسبما افترضته مخيلة ادنا،كاتب سيناريو،أحد أسباب اختياره لسانت باتريك،هو سيناريو فيلم يعمل فيه،وتجري أحداثه في جزيرة معزولة في المحيط الهندي.
التفت اليها مايلز يسألها وهما وحدهما:
ـ ولماذا كاتب سيناريو؟لماذا ليس كاتب قصة؟
ـ لأن والدي مدمن قراءة،وقد يرغب في قراءة أحد كتبك.من ناحية أخرى انه يكره السينما والتلفزيون.وليس في الجزيرة تلفزيون..هكذا ستكون آمنا جدا من هذه الناحية.
تقبل مايلز شرحها:
ـ حسن جدا..لكن لماذا مجال الكتابة أصلا؟
ـ لا أعرف..احسست أنه مناسب لك.
ضحك:
ـ انني في الواقع أجد الفكرة مثيرة.
لم يكن هناك شك بأن مايلز كان يحيا حياة رغد في ماضيه..فعدا عن علمه الواسع جدا،وذوقه الرفيع المحنك،بدا معتادا على جميع أنواع الرياضة المائية.فرغم حالته الصحية الضعيفة،أثبت أنه متزلج مائي عظيم،غطاس،وسابح مسافات طويلة،أفضل بكثير من ليون وادنا..وأخذ يقود يخت العائلة بخبرة ممتازة،أثارت غيرة ليون المرحة.
بعد أسبوعين أصبح من الصعب تذكر الظروف التي جاءت به الى حياتهم.فقد أصبح وليون صديقين حميمين،يعاملانها بحب مثير للسخط،كأخوين أكبر منها..كانوا وكأنهم يقضون عطلة رائعة معا..ولن تلك النوبات من الصداع الحاد وحدها بقيت لتذكرهم بحالة مايلز القديمة التي قاربت الموت.
لكن ومع تصاعد الاحباط عند ادنا،كان مايلز كلما تحسنت صحته،كلما ابتعد عنها..بد وكأنه مفتون بعزلة الجزيرة الصامتة وغاباتها وبالتلال..وبتلك الصحراء الزرقاء الممتدة للمحيط الهندي..حين كانت تلاحقه،كان يوافق على الانضمام اليها في تمضية أوقاتها،ولكن،كان من الواضح لها أنه يفضل الوحدة مع نفسه على مصاحبتها.
صاح بها ليون مرة،قبل مغادرته الى انكلترا:
ـ دعيه وشأنه يا ادنا..ألا ترين أنه يمر بأوقات عصيبة؟حاولي تصور نفسك تستيقظين يوما،لتجدي أنك غريبة عن نفسك،وأن لا ماضي لك.
كما حدث،كانت مهنة مايلز المزعومة،مجالا للهرب نحو الخيال..كتابته للفيلم كان المبرر لبقائه بعد عودة ليون الى واجباته في المستشفى في لندن..وكتاباته أعطت العذر الجيد لادنا،لقضاء معظم وقتها معه.
دخلت غرفته كالعاصفة تعلن في الصباح التالي لرحيل ليون:
ـ الفطور جاهز..لقد انتهت الاجازة..انه من السرير يا مايلز.
كانت قد اكتشفت أن مايلز لا يكون في أفضل حالاته صباحا..كان مازال يحتاج الى ساعات نوم طويلة.تمتم والنعاس يغلبه:
ـ ابتعدي عني يا ادنا!
ووضع رأسه تحت الوسادة لينجو من نور الصباح.
ـ أوه..لا..لن تفعل هذا..انك ستنهض وتأتي معي الى سقيفتي على الشاطئ..لقد وصلت طابعتك لتوها من"ماهي".
تأوه مايلز:
ـ عم تتكلمين بحق الله؟
ـ عن الكنابة..هذا ما أتكلم عنه..أنت كاتب،ألا تذكر؟لذا من الأفضل أن تقوم ببعض الكتابة..كي تسكت والدي.
ـ أنت مبللة بالماء! هيا أخرجي من غرفتي..قد أكون فقدت ذاكرتي..لكنني ما زت أذكر ما يمكن أن أفعل لامرأة!
احمر وجه ادنا..وأحست بارتباك سخيف،كأنها المراهقة الصغيرة،قالت تدافع عن نفسها:
ـ أنا دائما أبدأ صباحي بالسباحة..فلا تتوقع مني أن أغير عاداتي لأنك تعيش معنا.
جالت عيناه على شعرها الفاتن الذي ما زال يلمع بقطرات الماء المالحة.
ـ لن أحلم بهذا..طاما تبتعدين عني ولا تزعجيني.
حاولت اعادة دوريهما الجديدين الى الدورين المريحين المألوفين،هو الضعيف المريض الذي يستعيد عافيته،وهي المسيطرة:
ـ أوه لا تكن كسولا هكذ يا مايلز هيا انهض.
انقلب ضاحكا من وجهها الساخط ليخرج من السرير برشاقة الحيوان،وليتقدم الى الباب حيث تقف.
ـ من هو الكسول الآن يا ادنا جايمسون؟
لاحقتها ضحكته وهي تركض من الغرفة بذعر.
منزل أسرة جايمسون،الصلب البناء،كان يقع على بعد بضع مئات من الأمتار صعودا في التل،مخفي تقريبا عن الأنظار بستار من أشجار الحور القديمة،وأدغال استوائية..درج صخري ضيق متلو كالأفعى،كان الممر الوحيد نزولا عمن المنحدر الحاد الى الشاطئ الرملي الأبيض،حيث"مكتبتها"المرتجلة،التي كانت في الواقع سقيفة مكشوفة مغطاة بمراوح عملاقة من أشجار النخل،توفر لها منظرا لا يعترضه شئ،للمحيط الأزرق الكسول ،وللخليج الصغير حيث يرسو يخت الأسرة وسيلتهم الوحيدة للوصول الى الجزر الرئيسية.والدها المحب للكتب،كان معجبا باختيارها لمستقبلها المهني،وقد وصل السقيفة البدائية بمولد كهرباء المنزل كي يتسنى لها العمل بعد حول الظلام،وقبل أي شئ آخر،للتمتع بفخامة العمل على طابعة اليكترونية..أما ما تبقى فكان بسيطا،بضعة كراس هزازة ومنضدتان قابلتان للطي.
الى أن انضم اليها مايلز في"مكتبتها"كانت قد عادت الى هدوئها مجددا..وجعلته يجلس في مواجهة الآلة الكاتبة اليدوية الصغيرة التي طلبتها من"فيكتوريا"منذ بضعة ايام،وأمرته أن يبدأ العمل..ثم تركته لتقوم بالمراجعة النهائية لآخر قصة لها،وهي مستقرة على صخرتها المفضلة،قدماها متدليتان فوق مياه المحيط المترقرقة بلطف.
أمام ذهولها تناهى الى سمعها صوت طقطقة الآلة الكاتبة..بطيئة مترددة في البداية، ثم سرعان ما بدأت تزيد من سرعتها،لتصبح في النهاية طقطقة عمل طبيعي.
تركته يعمل وحده ساعة،ثم تقدمت بهدوء لتقف خلفه..لكن وجودها لم يوقف تدفق عمله.
لم تستطع أن تمنع نفسها من التعليق:
ـ هذا ليس سيناريو فيلم! انه يبدو لي وكأنه بداية لقصة.
وافق قائلا بهدوء:
ـ أعتقد هذا ..لا أعرف كيف أكتب سيناريو..ولا أظن أنني رأيت واحدا من قبل..آسف ياسيدتي.
انحنت له بأدب:"هل لي أن أقرأ الصفحات الأولى؟".
رد ساخرا ،وهو مازال يطبع:"بكل تأكيد معلمتي..".
أول ما صدمها ،كان الفته الواضحهبالذكاء الصناعي و علوم الكومبيوتر..وتمتمت:
ـ يبدو انك تعرف الكثير مما يتعلق بالكومبيوتر.
أكمل طباعته متمتما:"ألا يبدو هذا؟".
ـ أليس غريبا أن لا تذكر شيئا من حياتك الخاصة،مع انك تتذكر كل هذه المعلومات التفصيلية،التي من الواضح انك عرفتها عبر دراساتك وقراءاتك؟
لم ير..بدا أن الفكرة خطرت له كذلك.
كان يميل الى كتابة قصة خيال علمي تلقائيا..كانت فترة القصة هي الحاضر ،لكن حبكتها تشمل التقاء عوالم ثلاث،الماضي والحاضر والمستقبل فوق جزيرة صغيرة غير مسكونة في المحيط الهندي..التدفق الفكري العلمي،كان متناسبا جدا مع حبكة غنية مذهلة،بدت لها واضحة منذ الفقرة الأولى.
قالت بمكر:
ـ حسنا ..حسنا..كل ما عليك لتعيد ذاكرتك يا مايلز،أ تبقيني الى جانبك..يبدو انني أصبت الهدف حين جعلت منك كاتب فعلا..أعني كنت كاتبا في حاتك الأخرى.
عادة كان رد فعله التسامح مع تخميناتها المجنونة حول ماضيه..لكنه هذه المرة استدار اليها متجهما،مفكرا:
ـ لا أظن هذا يا ادنا..منذ بدأت أكتب،أحست أن شيئا في داخلي أطلق سراحه،متحررا من سجن نفسي..أحسست كطفل صغير شرير ينغمس سرا في لعبة محرمة،بدلا من القيام بوظائفه المدرسية..وأظن أن هذا يعني أنني طالما أردت أن أكتب،ولكنني لم أكن أشعر بأنني حر في ذلك.
فقدت ادنا الاهتمام بعملها،وتقدمت فوق الرمال البيضاء تجلس عند قدميه الحافيتين،تتلقف الصفحات المنتهية واحدة واحدة،وبسرعة مذهلة.لم يكن يبدو عليه أنه يمانع في تطفلها على عالمه الخاص..بل في الواقع،بدا غافلا عن وجودها..فأحست بالحسد للسهولة التي يجد فيها الكلمات المناسبة دون جهد والبداية الصحيحة لكل جملة..أول نسخة كانت لا تكاد تحتاج الى تصحيح..حتى تهجئته للكلمات كان دون خطأ.
كانت الشمس قد بدأت تهبط رائعة حمرء فوق الأفق الضبابي حين رفعت نظرها اليه وعيناها واسعتان حالمتان تتألقان بادراك استوعبته لتوها.
ـ مايلز!
صوتها الرزين جعله يتوقف ويخفض نظره الى وجهها الذي ظهر عليه الارتباك.
ـ ماذا تعرف عن"العاصفة"؟
ـ انها آخر رواية لشكسبيير،الجزيرة المسحورة..
صمتت في فهم مفاجئ لما يقوله..وقالت له:
ـ أنت تبني قصتك على نمط" العاصفة".
نظرا الى بعضهما بصمت..فجأة انفجرت ادنا ضاحكة.ووجهها المشرق يتألق بالثقة أمام عينيه الزرقاوين.
قال بصوت خفيض،لا يكاد يسمع:
ـ أحب ضحكتك..انها الشئ الوحيد الذي يجعلني اصبر على هذا العذاب الذي أنا فيه..لا..لا تتوقفي.
تابع وهو ينظر الى وجهها الطفولي الصغير:
ـ لا تتوقفي عن الضحك.
ظهرت تقطيبة عميقة على جبهتها العريضة.فقد كان تأثرها بنظراته بقدر صدمتها من ارتباكه،لذلك اعتذرت بصوت أجش:
ـ لا أستطيع يا مايلز..لم أكن أدرك أنك حزين هكذا..
نزل عن كرسيه ليركع على الرمال الناعمة،وهو يحني رأسه يتأمل وجهها عن قرب:
ـ لست حزينا في هذه اللحظات..لقد ملأت أنت الهوة الفارغة في حياتي..فلا تظهري بمظهر الكرب هذا..هيا..ابتسمي لي.
همست،وهي تتخيل الحياة الآمنة التي عاشتها،ولتبدأ بالرعب لفكرة العيش دون ذاكرة:
ـ أوه..مايلز..أتمنى لو أستطيع فعل شئ.
ابتسم لها:
ـ كوني هنا فقط..هذا يكفي ..أوه..بحق الله..لا تبدأي بالبكاء ياحبيبتيهذا لا يساعدني أبدا،وتعرفين هذا.
ـ أنا آسفة..لم أستطع منع نفسي.
أخذ يواسيها وكأنما هي التي تمر بالعذاب ..وليس هو.
أخيرا ضحكت وهي ترتجف:
ـ ها انني لم أعد أبكي.
ورفعت رأسها،لكن ابتسامتها جمدت قبل أن تتكون.كان وجهه على بعد انشات من وجهها،وفتحت عينيها الواسعتين وهي ترى المشاعر في عينيه.
لم تكن لديها القدرة والارادة على التحرك،فقد أسرتها عيناه..
جلس مايلز على ركبتيه ين ليها مبتسما بكسل:
ـ أنت في التاسعة عشرة،ولم تعرفى رجلا من قبل..هذه فعلا جزيرة مسحورة.
انفجر سخط عميق في داخلها ليغطي حرجها العميق.
ـ لا تكن سخيفا مايلز..بالطبع عرفت رجلا قبلك.
ضحك بلطف ساخر:"وهل هذا صحيح؟".
ـ أوه..حسنا جدا..مجرد صداقة.
تابع مبتسما ولكن بدا في عينيه الوقار:
لست واثقا كيف يمكن أن أتعامل مع هذا..جميلتي.
لكلمات العابثة الكسول،كانت متناقضة تماما مع الاهتمام والصوت الخافق القلق،وأراح هذا احساسها الأول بأنها منبوذة..رفعت رأسها الى مستوى عينيه،وكان وجهها يضئ بابتسامة مشرقة..ولم تجد حاجة لاخفاء حبها له.
وقف على قدميه يشدها معه،ولم تكن تظن أنها يمكن أن تكون أكثر سعادة منها الآن.مع ذلك،وبسرعة لا تصدق،كانت الأيام تمر لتصبح أسابيع..وأصبح مايلز عضوا مستديما في عائلة جايمسون الخفية،مع تلميحات جريئة عن ترقبها المتلهف حول اعلان محدد.
مايلز،أصبح في هذا الوقت،مستغرقا بصمت في قصته.كانت تنمو بطء وثبات،تذهل ادنا وتدهشه هو أيضا..أشخاص رواية شكسبيير الخيالية كانت تتحول بين يديه الى شخصيات حديثة،يزداد تشابهها مع الشخصيات الاصلية غموضا ومكرا مما جعل الكتاب مذهلا في الابداع،ممتزجا بكهة مألوفة،وقالت له ان لا مجال للاخفاق،وستكون قصته من أفضل المبيعات.
هكذا،أخذا يعملان معا بشكل متقارب..كانا تقيبا يعيشان في مكتبة الشاطئ المرتجلة..يتوقفان بين حين وآخر،يريحان عضلاتهما المتوترة،بسباحة طويلة أو بالغطس أو بالتزلج المائي..وعند غروب الشمس،دائما يذهبان للركض على الشاطئ الرملي،أو يجوبان بكسل قلب الجزيرة الخضراء..كانا لا يظهران في المنزل الا في وقت العشاء، وهي مناسبة رسمية تحافظ الأسرة عليها.
لكنه لم يخف عنها سرا تردده في أن يتورط أكثر من هذا معها..وشرح لها بصبر مرات لا عداد لها:
ـ لن يجدي هذا يا ادنا..الرد مازال لا..لا أستطيع التحمل.
ـ أوه يا مايلز،أنت غير منطقي أبدا.
ضحك:
ـ وهل هكذا تصفين الأمر؟
واضطرت الى مشاركته الضحك،ثم قالت:
ـ أنت تعرف ما أعني..أحبك،أنا لم أشعر هكذا نحو أي رجل من قبل..أوه..ما الفائدة؟لن تفهمني اطلاقا!
وتأوهت ساخطة.
ـ أوه..لكنني أفهمك..يجب أن تكوني غريبة الأطوار اذا لم تغرمي بهذا الغريب الذي هبط على جزيرتك الصغيرة،وكأنه هدية من البحر،انه نوعية جذابة،ألا تظنين هذا؟
بدأت تضحك مجددا.غضبها كالعادة يزيله المرح الواضح.
ـ أوه..جذابة جدا..
ـ اذن،أنت ترين ياحبي،أننا نعيش في وهم القصة..أنت منجذبة الى جزيرة الأحلام المسحورة..بينما أنا لست كذلك.ألا ترين هذا؟
ارتكبت غلطة بريئة في اسراعها للدخول الى غرفته في وقت متأخر في ليلة ما،وقد خطرت ببالها فكرة جديدة لقصته.
أقفلت الباب ورائها،وتقدمت الى سريره ،كان نائما،وامتدت يدها اليه..لكنه هب واقفا على قدميه في الحال يشرف عليها بوجه غاضب..دون كلمة شدها الى الباب،ورماها الى الخارج.
ـ انتظريني في السقيفة..سأكون هناك ما ان ارتدي ملابسي.اذهبي الآن!
في السقيفة قال لها بغضب هادئ:
ـسأقول هذا مرة واحدة يا ادنا..لا تحاولي مثل هذا أبدا مرة أخرى..سأوضح هذا للمرة الأولى و الأخيرة،أيتها الحمقاء الأنانية.أنا فاقد للذاكرة..ولا أعرف شيئا عن نفسي ولا عن الماضي..د أكون مجرما ،قاتلا ،قوادا..واذا كان دماغك مازال عاجزا عن فهم ما أعني..دعيني أوضح لك الأمر هكذا:اذا استعدت يوما ذاكرتي،فقد تكتشفين انك مرتبطة بسجين هارب،أو مرتزق لا رحمة في قلبه،أو قاتل مهووس...
همست:
ـ أنت لست هكذا..أعرف أنك لست هكذا..وأنت تعرف كذلك!
ـ حسن جدا..لنفترض انك محقة..ما رأيك في أن تكوني"ضرة"في زواج سابق؟
نظرت اليه دون أن تفهم،فصاح:
ـ مازلت لا تفهمينني..تبا..قد أكون متزوجا ولا أعرف عن هذا شيئا!
بالرغم من بساطة هذه الفكرة فانها لم تخطر لها من قبل.ولان وجهه:
ـ هكذا ترين،من أي جهة نظرت الى المسألة،اننا عالقان والحل الوحيد هو الانتظار مع الأمل في أن أستعيد ذاكرتي..ومن ثم نبدأ من الصفر.في هذا الوقت ارحميني،وتوقفي عن دفعي الى الجنون باستفزازاتك..وفي يوم ما..يوم ما.."ستنفجر"سيطرتي على نفسي،لكن لا تعيشي على الأمل بالزواج..لأنني..وليساعدني الله،فان أفلت زمام الأمر من يدي وبت غير قادر على السيطرة على نفسي فسأرحل من هنا.
نظرت اليه بعينين واسعتين،تستوعب تهديده وتقول هامسة:
ـ لن تستطيع! ليس لك مكان تذهب اليه!
ـ هذه مشكلتي..وأنا أعني ما أقول..لو حدث هذا يوما،أنت وهذه الجزيرة لن ترياني مرة أخرى!
ـ أبدا؟
ـ لم يستطع مقاومة النظرة الواسعة الكئيبة:
ـ حسنا..ليس قبل أن أستعيد ذاكرتي،وأحكم على نفسي أنني أستحق حبك الخيالي الخالد.
ـ أنت تحبني...مع ذلك..أصحيح هذا يا مايلز؟أعرف أنك تحبني فلا تنكر.
تنهد وهو يستدير عنها،ليتمشى نحو المنزل المعتم:
ـ اذا كنت قادرة على الوثوق بمشاعررجل لا ماضي له ولا مستقبل،بل مجرد حاضر مؤلف من مشروع قصة من الهراء الخيالي،على جزيرة مسحورة،اذن..نعم،أحبك.والآن،اذهبي الى النوم.
نظرة أخيها كانت أكثر عاطفة من هذه التي رمقها بها قبل أن يدفعها الى غرفة نومها.
لفترة تالية كانت تحاول الابتعاد عنه و التعالي عليه لذلك بالغت في الاعتدال..تعلمت أن تدفن شوقها اليه في الاستغراق المتزايد في العمل،وفي هدوء أعصاب دائم،أصبحت معتادة على ارشاده.لذا لم تكن ملامة للأحداث التي شتتت في النهاية أسعد فترة في حياتها..وكما اعترف مايلز،انها الأقدار هي التي أثارت عاطفتهما الخاصة.
لكن كائنا من كان مسؤوليته فانها خسرته..حبها الخيالي لمايلز الرجل النمعدم الماضي،رحل..وعاد هايدن جاكوبس ملك الكومبيوتر،المفترض أنه ميت،الى البروز مجددا الى أرض الأحياء،ليعاود حياته من حيث تركها منذ ستة أشهر سبقت..وانمحت من ذاكرته تماما سانت باتريك وأي شخص قابله هناك..الذكرى الملموسة الوحيدة التىحملهامعه،كان خيال ضحكة فضية،وبضع مئات من الصفحات المكتوبة لقصة خيالية لم تنته بعد ولا تحمل أي عنوان.
وذكرت ادنا نفسها بخشونة:حسنا جدا..لقد انتهت القصة الآن،وأصبح لها عنوان:"الجزيرة الضائعة".
***
3/البحث عن وهم
الآن ..ماذا؟
لم يكن لأناقة غرفة الجلوس الفسيحة في منزل هايدن جاكوبس أي تأثير عليها وذلك للهوة التي يستحيل طمرها بين الرجل الذي عرفته وأحبته في العالم الرائع لجزيرتها الاستوائية ،وبين ذلك الكاتب المتعجرف، المليونير المشهور.
حسنا جدا.. لقد حققت ما صممت أن تفعله ،لكنها الآن لا تعرف ما يجب أن تفعل بعد ذلك. فهي لم تفكر الى أبعد من نقطة اختراق عزلة هايدن جاكوبس الخاصة ..اذ كان هذا هو الهدف الوحيد الذي أبقاها حية منذ أن اكتشفت أنه مايلز.
انها لم تتخل أبدا بعد أن غادر مايلز الجزيرة، عن أملها في عودته.. و كان ليون بعد عودته في اجازة للجزيرة ،وقد أقلقته حالة أخته العاطفية ، هو الذي أخبرها أخيرا عن هايدن جاكوبس.. لقد كان في لندن حين تفجرت الصحافة الانكليزية بالعناوين الأولى والصور عن المليونير المفقود، وعودته المعجزة الى عالم الأحياء ..ولم يمر وقت طويل حتى عرف فيه الرجل الذي كانوا عرفوه باسم مايلز.
قال لها بقسوة:
ـ مايلز مات.. لكن بالنسبة لك ..كما أنت ميتة بالنسبة له.. لقد وجد ماضيه ياادنا.
كان مصمما على انتزاع أخته من حلمها اليائس.. وأكمل بصوت لطيف:
ـ لكنه خسرك.. اما أنه نسيك أو يحاول أن ينسى كل شئ حدث له منذ رماه الموج على جزيرتنا ..قالت الصحف انه يرفض اعطاء أية معلومات عن الستة أشهر الذي غابها، لكنني أظن أنه أصيب بنوبة فقدان ذاكرة أخرى ،لم تبق شيئا سوى ثقب أسود لأيامه في سانت باتريك.
لكن نظرة ادنا الميتة الجامدة أرعبته ..و سألت:" من هو ..يا ليون ؟".
فقال لها ليون كل ما يعرف ،ولم يخ.ف عنها شيئا ثم أكمل:
ـ هكذا ترين ياحبيبتي.. أنها قضية خاسرة ..انه لا يحتاج اليك الآن ..لقد عاد مرة أخرى ذلك الرجل الشهير الثري الصحيح الجسم ،وقد يرتاب بأي شخص قد يدعي معرفته به خلال فقدانه الذاكرة ،حتى ولو أقنعته أنك كنت مهمة له وقتا ما.. فأنا واثق من أن لا مكان لك في حياته الآن، لذا تقبلي الواقع وحاولي نسيان أنك قابلته يوما !
لكن ادنا لم تفعل هذا .وحين استعد ليون للعودة الى انكلترا ،،تركت سانت باتريك معه مصممة على شق طريقها بقوة الى ذاكرة مايلز ،مهما كان الثمن الذي ستدفعه، ولم تجد صعوبة في جمع المعلومات عنه.. وكما حذرها ليون ،كان شهيرا جدا قبل اختفائه ،وأصبح أسطورة منذ ذلك الوقت، و عرفت أنه متحدر من عائلة قديمة ارستقراطية ..والداه ماتا وهو طفل ورباه اثنان من أعمامه، تمكنا من تبديد ما تبقى من ممتلكات العائلة ..لكن مع عبقريته في الكومبيوتر ،ونزعته التجارية اللامعقولة.. أعاد هايدن اسم عائلة جاكوبس وثروتها الى أكثر مما كانت عليه من مجد سابق وقد بلغ الثلاثين.. اكتشفت أنه لم يتزوج أبدا ..كان هناك بضع شائعات حول خطوبة مبكرة لاحدى قريباته البعيدات ،و تدعى باولا جاكوبس ،لكن الخطبة كما يبدو، فسخت قبل رحلته الغامضة ،كما تميل الصحافة الى أن تصف اختفائه.
فهمت من المقالات العديدة ،أن هايدن جاكوبس كان يوما عابثا مجنونا..هكذا ابتلعت كرامتها، واستخدمت نفوذ عائلها،وعلاقاتها الاجتماعية ،ووكيل أعمالها دويل فرانسيس من بينهم، مصممة على أن تتعرف اليه اجتماعيا، لكنها هنا أيضا اتضح لها أنها في الاتجاه الخاطئ..فواضح أن هايدن جاكوبس، تخلى عن دائرته الاجتماعية..وحسب قول الصحافة كان يقضي أكثر أوقاته على متن يخته. و نادرا ما يزور بريطانيا.
باختصار كان بالرغم من كل شهرته، لا يمكن الوصول اليه.
بعد سنتين من هذا ،قدمت الفرصة نفسها لها..فقد عاد هايدن جاكوبس الى لندن ككاتب. وبمساعدة الحظ الحسن اختار دويل فرانسيس ليكون الوكيل الذي يمثله.
كانت واثقة جدا ..ومتفائلة الى حد السذاجة حين هاجمت ذاكرة هايدن جاكوبس المغلقة أول مرة..و ها هي الآن تجفل،تذكرة الألم الحاد والاذلال اللذين أحست بهما في أول لقاء لها مع عيني الكاتب الزرقاوين الخاليتين من أية مشاعر..ثم، مثله مثل اليوم، صرف النظر عنها دون أي أثر للتذكر.
وحدث هذا قبل بضعة أسابيع، كان دويل فرانسيس وهايدن جاكوبس يتناولان الغداء مع مخرج سينمائي واقترح دويل عليها أن تظهر في المطعم وكأنما بالصدفة، ليتمكن من تقديمها.
على عك اليوم ، فعلت ما بوسعها لتظهر كما كانت أيام سانت باتريك..وتذكرت كم أحست بالسخافة في ثيابها الواسعة الشعثاء وسط رواد المطعم الراقي. لكنها جلست تنتظر دويل فرانسيس ليقدمها له.
عند رؤيتها عينيه الزرقاوين تزدادان سودا كأنما تكدره ذكرى مرتبكة ..ظنت أن اسمها اخترق ذاكرته الميتة..وبسذاجة حمقاء، ابتسمت له كما كانت تفعل في الماضي..لكن لم يتجاوب معها ببسمة مثلها..وبقي وجهه باردا سلبيا الى أن تلاشت ابتسامتها في هزيمة محرجة.
وكان هذا فشلا مذلا..ولم تتمكن الا من اثارة ارتياب هايدن وازدرائه..ومثله مثل المنتج السينمائي اللذين كانا يراقبان محاولتها الخرقاء لفتنته..ظنها هايدن مجرد فتاة مولعة بالنجوم، تحاول أخذ فرصتها معه.
مع ذلك رفضت الاستسلام ..حين سمعت بتعديل نص قصة الجزيرة الضائعة ليصبح سيناريو لفيلم سينمائي، قفزت تتمسك بآخر بصيص أمل.
ـ آنسه جايمسون !
صوت جويس المرتفع الحاد، جاء من ورائها، ليخترق الضباب الذي غطى أفكارها المؤلمة .
ـ هل أنت بخير؟
رفعت ادنا نظرها، وجنتاها مخضبتان باحمرار قاتم ..آخر ما تحتاج اليه أن تفاجأ وهي تحلم أحلام اليقظة في غرفة جلوس الكاتب. لحسن الحظ كانت جويس هي التي فاجأتها وليس هايدن جاكوبس.
نظرت جويس بلهفة الى الفتاة الأكبر سنا:
ـ أكان هايدن فظا معك ؟أنا آسفة ..انه مستبد في بعض الأوقات !
ـ أوه..لا..لا..لاعلاقة لما..للسيد جاكوبس بشئ.
وقفت على قدميها مكملة:
ـ لم أكن متأكدة ما اذا كان علي أن أنتظره..لقد تركني فجأة..أترين؟
تبدد عبوس جويس على الفور :
ـ أوه..لا بأس في هذا اذن..بدوت لي حزينة جدا وأنت جالسة هنا ..ظننتك لم تفهمي أنك حصلت على العمل. لقد قابلته قبل رحيله، وقال انك مقبولة..وبالطبع تعرفين لماذا..أليس كذلك؟
وابتسمت بطريقتها الطفولية تذكر ادنا بنفسها:
ـ انها ضحكتك ..وهذا واضح !
رمقت ادنا الفتاة مفكرة،متعجة من دقة حسها ،وضحكت:
ـ لا أرجو هذا ..لا شك أن لديه أسبابا أفضل..فلو كانت ضحكتي فقط، لكان استخدمك أنت.
ـ أوه..أنت تعرفين ما أعني،فأنا واثقة من أنك سكرتيرة متفوقة..لكنني أراهن على أن ضحكتك هي السبب، واسمك بالطبع، ان رواية "العاصفة "هي أفضل رواية عنده.
فجأة نظرت الى ادنا نظرة غريبة وأكملت:
ـ انه اسم غريب، أليس كذلك؟
بدأت ادنا تتجه الى مدخل الردهة، وهي تزداد قلقا لدقة ملاحظة الفتاة.
ـ يجب أن أذهب الآن..سيكون لدنا وقت كاف للحديث غدا.
تجمدت عينا جويس:
ـ أوه لا..لن يتوفر لنا وقت لهذا..فما ان تبدأي العمل لن يعو لي عذر للمجئ الى هنا..انه لا يحب العائلة كثيرا و..وأنا من العائلة تقريبا.
ـ لكنه بكل تأكيد يحبك.
ـ لأنني فقط أذكره بشخص ما..انه..
صمتت جويس ثم استدارت لتنظر الى ادنا..للحظات بدت وكأنها ستقول سر فقدان هايدن لذاكرته، لكن صوت وقوف سيارة في الخارج أنقذها..وقالت لصديقتها الجديدة:
ـ لا شك أن هذه باميلا.لا يجب أن تبالي كثيرا لو أنك رأيتها غير ودودة في البداية..لقد مر هايد ببعض التاعب مع سكرتيرته الأخيرة، وتميل باميلا لأن تكون شكاكة بكل امرأة تأتي الى هنا..لكنها محبوبة فعلا، وأنا واثقة من أنها ستحبك ما ان تعتاد عليك.
ثم قطبت تصغي الى الصوت المرتفع الرتيب لوقع خطوات بحذاء عالي الكعبين، تسرع فوق الباحة المرصوفة خارج الباب الأمامي.
ـ لا يبدو أن هذه باميلا..عجبا..أوه..انها باولا !
دخلت امرأة بنية الشعر، تخلع عن كتفيها معطف فرو ذهبي اللون،برشاقة عارضة أزياء، كانت احدى أجمل النساء اللواتي رأتهن ادنا في حياتها ، لكن الوجه الرائع الجمال الذي أدارته نحوها، بدا متعاليا كئيبا .
قالت جويس بصوت مغيظ حاد:
ـ أوه..تبا..انها باولا..ماذا تفعلين هنا؟
التفتت عينا المرأة الجميلتان الخضراوان المزينتان الى الفتاة الشابة:
ـ أرجوك..لا تستخدمي هذه اللهجة معي..يافتاة ..أين خالك؟
ردت جويس باختصار:"خرج..وهذه ادناجايمسون..".
واستدارت الى ادنا بتردد ظاهر.
ـ هذه باولا جاكوبس.
تشدقت المرأة في كلامها قائلة:
ـ باولا بارتود..أفضل أن أدعى باسم عائلة زوجي السابق.فهناك أسر كثيرة من عائلة جاكوبس تنتمي لأصولنا.
وبسرعة تذكرت ادنا أن هذه هي "ابنة العم البعيدة"التي قل ان هايدن كان مخطوبا لها في شبابه.
وتابعت ابنتا العم حديثهما،متجاهلتين وجودها..وكانت باولا تقول:
ـ ياللازعاج..قال لي انه سيكون هنا بعد الظهر..جئت أتكلم معه حول حفلة نهاية الأسبوع..هل تمكنت من اقناعه بها؟
هزت جويس رأسها نفيا باستياء، فأكملت المرأة تسأل:
ـ ولماذا بحق الله؟ على أي حال، انها حفلة يوم مولدك ،وليس مولدي.
ـ لا أريدها ،ولا يريدها هايدن كذلك..اضافة الى هذا، يمكنك مناقشة الأمر مع ادنا..انها سكرتيرته الجديدة.
ردت باولا بابتسامة آلية:
ـ أوه ..حقا؟أتمنى أن تكوني أفضل من الأخيرة، فقد كان العمل آخر اهتمام لها..أين تعيشين؟
ردت ادنا باختصار:"في لندن".
لم تكن في حياتها قد خوطبت بمثل هذه الطريقة الفظة المتعالية. وبدا الارتياح على المرأة:
ـ حسنا جدا ..أنت اذن لن تقيي هنا.
تدخلت جويس متحدية:
ـ ستقيم هنا ..ستنتقل في الغد ، وتعمل مع هايدن في تحول قصته الى سيناريو.
نظرت المرأة اليها بقسوة:
ـ أوه..حقا؟حسنا..لن يمنعك هذا من الاهتمام بعلاقات ابن عمي الاجتماعية..وأتوقع منك أن تساعدينا في ترتيبات يوم مولد جويس التاسع عشر..فأنا أفضل أن لا أزعجه في أمور كهذه.
بدت فجأة متوترة بالرغم من تفوقها المتحفظ، وأدركت ادنا أن المرأة تخاف من ابن عمها المهيب. فردت بخشونة وهي تحس بالأسى على الجميلة:
ـ سأكون مسرورة..ربما سنتحدث بهذا في الغد.
لكن باولا لم تنته بد، وكافأت ادنا بابتسامة حلوة:
ـ أتمنى أن تستمتعي بعملك.هايدن رجل ساحر..ألا تظنين هذا؟
وكان هذا تحذيرا، لاسؤالا..ردت عليه ادنا باتسامة مهذبة وهي تتجه الى الباب الأمامي:
ـ لقد تعرفت اليه لتوي..لكنني أعرف أنني سأستمتع بالعمل في كتابه..والآن..أرجو المعذرة..
لاحقتها نظرات باولا القاسية المشككة حتى سيارتها..وتساءلت عما اذا كان هايدن ،وقد عاد من "رحلته"يفكر مجددا بخطوبته المفسوخة..فالقلائل من الرجال يمكنهم مقاومة جمال باولا الواثق من نفسه.
كان شقيقها ليون، في المنزل حين وصلت، ويكاد يموت جوعا..قال لها وهي تدخل:
ـ لقد تأخرت..كنت على وشك البدء بتناول العشاء لوحدي، ماذا حدث لك؟
رمت ادنا حقيبة الكتف الكبيرة، وعدة ملفات على منضد الدهة:
ـ اضطررت لمقابلة شخص ما بخصوص عمل..ولست جائعة.تناول أنت طعامك..سأتناول شيئا بسرعة فيما بعد.
ـ أو..لا..لن تفعلي هذا..دجاجتي المسلوقة تستحق بعض الاحترام..لقد عانيت مشقة كبيرة في اعدادها.
ـ حسن جدا أيها المستبد، سأحضر نفسي في دقيقة.
ناداها وهي تجرجر نفسها متراخية:
ـ هاي..هل هنك مايسوء ؟تبدين غريبة.
استدارت تنظر الى وجهه القلق:
ـ ليس سيئا بالضبط..لكن..سأخبرك ونحن نتناول الطعام.
كانت تحمل مخطوطة كتاب سميكة في يدها حين انضمت اليه في غرفة الطعام الصغيرة حيث يتناولان وجباتهما عادة..وسألها:"ما هذه؟".
وسكب لها كمية طعام كبيرة في طبقها.
ـ قصة لم تنشر بعد:"الجزيرة الضائعة".
ضحك بنعومة:"تبدو لي وكأنها موطننا".
سألته بلهجة حذرة:"هل سمعت بها من قبل؟".
ـ لا أظن هذا ..من مؤلفها؟
منذ تركت منزل هايد جاكوبس، كانت تتسائل عما اذا كانت ستطلع ليون على سرها..وها هي فرصتها..لكن شيئا كان يصدها.حتى الآن، كانت تشاركه كل الخطط المتعلقة بمايلز، وتشركه في آمالها المتصاعدة، وتبكي على كتفه بعد كل فشل يحطم قلبها. ولاتظن أنها قادرة على تحمل توبيخ ليون ..أخيرا قالت:
ـ أه..أنت لن تعرفه..هذه أول قصة له.
ـ وهل كلفت بكتابة السيناريو؟
فاسترخت تعابير وجه ادنا الحذرة:
ـ ليس حقا..أنا مجرد شبح..حتى ولا هذا، سمني موظفة لها اسم سكرتيرة..فقد أعجبني الكتاب.
تابعت تعطيه المعلومات عن الكتاب والعمل قبل أن يسألها، ثم أكملت:
ـ ثم أنا بحاجة الى الخبرة..والوظيفة لم تصبح لي بعد ..سأمر باختبار أولا.
وقفت تجمع الأطباق المتسخة متجنبة العينين الضقتين المفكرتن.
كان احساس ليون القلق يزدادعمقا وهو يراقبها ،بعد قليل جلست على الأريكة قرب المدفأة المشتعلة، منغمسة بقراءتها للمخطوطة، تقلب صفحاتها واحدة واحدة بسرعة مذهلة، تتوف بين فترة وأخرى، تسجل ملاحظاتها على دفتر صغير.
أخيرا سألها وقد احظ الكوة الكبيرة من الصفحات على الأرض:
ـ ألست تقرأينها بسرعة؟ لا أستطيع أن أصدق أنك أنهيت كل هذا في ساعة واحدة.
رفعت رأسها اليه مفكرة لحظة:
ـ أوه ..أنا لا أحتاج سوى لقرءة آخر الفصول..وأنا الآن أراجع أول قسم لأرى اذا كان هناك أي تغيير في النص الأصلي.
ثم عادت الى القصة وهي تبتسم له،فسألها مجددا:
ـ أنت تعرفين الكاتب منذ فترة..أليس كذلك؟
ارتفع رأسها بحدة وذهول:
ـ ماذا؟..ما الذي جعلك تقول هذا؟
كانت عينا ليون تراقبانها بشئ من الريبة:
ـ كيف تفسرين اذن واقع معرفتك بالنص الأصلي للقصة؟
للحظات أحست برغبة لقول الحقيقة..كنها سرعان ما قررت أن تلتزم قرارها الأول..يجب أن تمر بهذا وحدها هذه المرة..وسمعته يسأل بلطف:
ـ أتودين أن تخبريني بالأمر؟
هزت رأسها:
ـ ليس بعد ليون..ليس قبل أن أعرف ين أقف.
اتصل بها دويل فرانسيس،فيما بعد، ذلك المساء. يبدو أنه تكلم مع هايدن جاكوبس، واستطاع أن يعطيها كل التفاصيل العملية التي نسي الكاتب أو رفض ،نقاشها معها. ولم تكن بحاجة الى تأكيد منه بأن فرصتها للاحتفاظ بالعمل ضعيفة جدا.
ـ أنا لن ألغي أي عقد لك الآن يا ادنا..جاكوبس ينوي مغادرة لندن بعد عشرة أيام، سنعرف خلالها اذا كنت ستبقين أم لا .يجب أن تجعلي من نفسك سكرتيرة لا غنى له عنها اذا كنت تريدين الاستمرار.
ـ أعرف..ولا أظنه مسرورا كثيرا بتصوره قضاءه عدة أسابيع وحده معي على متن يخته.
ساد صمت قصير من الناحية الأخرى للخط، ثم:
ـ هل سبب لك وقتا عصيبا؟ لا يجب أن تنزعجي منه يا عزيزتي، انه رجل عظيم وتعرفين هذا..انه ألطف بكثير مما يظهر.
ـ أعرف عن فقدانه للذاكرة يادويل..فقد أخبرني بنفسه.
بدت الدهشة على صوت الوكيل:
ـ أحقا فعل هذا ؟ حسن جدا ..انه على الأقل يثق بك.
ضحكت بمرارة:
ـ أوه..لا..لايثق بي..يظنني أسعى وراءه،أو وراء ماله،ويعلم الله ماذا غير ذلك..
فحاول الصوت الجاف تهدئة غضبها:
ـ لديه أسبابه يا حبيبتي..انه محاصر من الناس، والنساء خاصة، والكل يدعي أنه كان يعرفه خلال أشهر الضياع،ويحاول ابتزازه..ولو كان سيصدقهم، لكان له دزينة زوجات على الأقل..هذا الى عدد من الأولاد..
أجفلت ادنا :
ـ يا الله ! لم أفكر بهذا أبدا ..ظننت أن لا أحد من المفترض أن يعرف..
ـ لم ينشر هذا في الصحف لحسن الحظ..لكن هايدن ارتكب غلطة بارسال شرطة تحري ومحققين خصوصيين لكل جزيرة من جزر المحيط الهندي ،محاولا أن يجد ماحصل له خلال الأشهر التي تلت تحطم طائرته،وهذا آخر شئ يذكره قبل أن يفقد ذاكرته..لا يستطيع الكثير من الناس مقاومة فرصة الحصول على بعض المال..لكنه طر الجميع طبعا..انما لا يمكن لومه لارتيابه وحذره..خاصة مع امرأة مثلك.
ـ ماذا تعني ..امرأة مثلي؟
حسن جدا..أنت شابة جذابة، ولو عذرت عجوزا على قوله، لم تكوني ماكرة جدا في الطريقة التي حاولت فيها جذب اهتمامه..وفوق كل هذا عزيزتي، يعرف أنك قادمة من السيشل..فماذا تتوقعين اذن؟
تأوهت بتعاسة:
ـ ليس أكثر مما حصلت عليه ..أعتقد..بدأت أفهم الآن لماذا نظرت الي عائلته بارتياب أيضا.
ـ ليس جويس الصغيرة ..بالتأكيد؟
ـ أوه لا..ليس هي. لكن احدى بنات عمه..لقد حذرتني تقريبا أن أرفع يدي عنه.
وامتنعت عن تسمية باولا خوفا مما ستسمع.
ـ لا تقلقي من عائلته..كلما كان اعجابهم بك أقل، كان هذا أفضل..انه لا يخفي كراهيته لهم. ولا عجب في هذا..لقد تصرفوا بشكل مخجل خلال فترة فقانه وحين عودته كذلك.
ـ هيا الآن يا دويل..لاشك أن السعادة غمرتهم لعودته؟
ـ لا يمكن أن تكوني مخطئة أكثر من هذا. لقد كانوا مستائين جدا حين أدركوا أنهم سيضطرون الى التخلي عن المال الذي ظنوه أصبح لهم.حتى مالكولم، الذي عامله دائما كأخ له، كان متعلقا بحب مركزه الجديد كرئيس لأمبراطورية جاكوبس وتكدر جدا لتلقيه خبر عودة هايدن من بين الأموات. انها ليست عائلة حقيقية له يا ادنا. مجرد أبناء عم من بعيد يعيشون عالة عليه منذ سنوات ،ويستنزفونه.
ـ أنا ..لم أكن أعرف هذا يادويل..ما أفظع ذلك.
وتنهدت ،ثم تابعت:
ـ أتمنى لو لم أقنعك بأن تتدبر أمر لقائي به.
ـ حسنا، الأمر متأخر جدا الآن يا ادنا .ويجب أن تثابري على عملك..ولأجلي أنا، لا تجعليه يندم على قراره..قد ينتهي بك الأمر الى اكمال السيناريو معه، وهذه هي النقطة الرئيسية بالنسبة لي .هل قرأت الكتاب؟
ـ لا تقلق..سأنهيه ولو أمضيت الليل كله.
ـ فتاة طيبة ،لكن حاولي أن تنامي..ستحتاجين الى قوتك في الغد يا عزيزتي. اذا ظننته قاسيا اليوم، فانتظري لتري ما هو مخبأ لك، ما ان تبدأي العمل له.
***

كانت باميلا، الصغيرة الحجم ،والمتوسطة العمر ،هي التي فتحت لها الباب في الصباح التالي..ولا شك أنها كانت تعلم بأمر الوظيفة الجديدة .وقبل أن تعرف بنفسها ، أوضحت مدبرة المنزل المخلصة، أن ادنا مرحب ببها بن "الموظفين"الا أن من المتوقع منها أن تبتعد عن طريق السيد هايدن .
قالت بلكنة ايرلندية، وهي تقود ادنا الى الغرفة الاضافية الكبيرة:
ـ أنا واثقة من أنك ستجدين هنا كل ما تحتاجينه يا عزيزتي.
كان في الغرفة تلفزيون صغير، كتب، جهاز موسيقى..في الواقع، كانت المرأة قد عملت جاهدة على ألا يكون لديها عذر للتفتيش عن التسلية في مكان آخر من المنزل.
وتابعت مدبرة المنزل مترددة، محاولة التخفيف من وطأة تعليمات رب عملها الوقحة:
ـ يحب السيد هايدن أن يتناول طعامه في القسم المخصص له من المنزل..لذا، أرجو أن لا تمانعي في تناول طعامك وحدك ..ويمكنك دائما أن تنضمي الي في المطبخ اذا شعرت أنك بحاجة الى الصحبة..سيكون لطيفا جدا أن أتحدث مع شخص يهتم بشئ غير الشائعات..مثل جويس الصغرة أعني..
وافقت ادنا تطمئنها:
ـ انها كثيرة الكلام ..أليس كذلك؟ وهذه غرفة جميلة ..انني مسرورة جدا ..وأنا واثقة من أنني سأكون مرتاحة تماما هنا..على أي حال ،انها لبضعة أيام فقط ،أليس كذلك؟
بدا الارتياح على العجوز مع انقضاء الجزء الكريه من مهتها وانطلقت تظهر لادنا مملكتها الصغيرة منتهية بمكتبة ادنا الخاصة.
ـ قال السيد هايدن ،ان بامكانك استخدام هذه الغرفة متى شئت..غرفه الخاصة هي من الجهة الأخرى من الفيلا لذا لا تقلقي حول ازعاجه.
كانت غرفة جمية حسنة التهوية، أصغر و أكثر دفئا، من غرفة الجوس الفخمة.
الامتياز الوحيد لمبادئ العمل فيها كان منضدة المكتب الجلدية السمراء، الأنيقة، و خزائن الملفات المماثلة. واتجهت عينا ادنا مباشرة الى جهاز الكومبيوتر الخاص انتاج شركة جاكوبس، الموضوع على منصة خاصة..كان بالنسبة لجهازها كسيارة رولز رويس.
قالت باميلا، في آخر تقرير للتعليمات الدقيقة:
ـ سيكون السيد هايدن هنا بعد قليل. طلب مني أن أقول لك أن تحاولي الابتدء بالتعرف على جهازه الكومبيوتر، وأن تعلميني اذا كنت تحتاجين لشئ خر.
ـ لا شئ أبدا..الجهاز مكتمل تماما.
تقدمت الى المنضدة، وجلست على المقعد المريح المرتفع الظهر، المتحرك، واستدارت الى الجهاز..ثم تظاهرت بالانغماس في الجهاز غير المألوف لها.
كانت الساعة قد تجاوزت الحادية عشرة بكثير حين دخل رب عملها الجديد الغرفة، مجيبا على تحيتها الصباحية المهذبة بتمتمة خشنة..لم يكن مزاج هايدن جاكوبس حسنا هذا الصباح..هذه الصفة كانت ما تزال القاسم المشترك بينه وبين مايلز . لكنه أجفل لرؤية ذلك الوجه الجميل المفعم بالحيوية، المبتسم بأمل ظاهر.
قال بخشونة:
ـ انسي الأمر..لم أخطط للبدء بالعمل اليوم. تابعي قراءة النسخة.. لا أعتقد أنك حصلت على فرصة للنظر اليها حقا.
قاطعته بحبور:
ـ أوه..لكنني فعلت يا سيد جاكوبس..أنهيتها ليلة..
نظرته الساخطة أوقفت حديثها.
ـ توقفي عن مناداتي السيد جاكوبس..اسمي هايدن..ظننت أننا تجاوزنا هذه النقطة بالأمس.
بدا أن لا وقت لديه، ولا النية للعبث.
ـ بكل تأكيد..أنا آسفة..أنهيت قراءتها ليلة أمس ياهايدن..ليس بامعان، ولكن بما يكفي لفكرة عامة.
أجفل:"هذا انجاز هام، اذا أخذنا بعين الاعتبار كونها مؤلفة من خمسمائة صفحة".
في الواقع لم تكن مضطرة لقراءة سوى المائتي صفحة، التي كتبها أخيرا في السنوات الثلاث الماضية..ومرت بسرعة على الجزء الأول الذي تعرفه عن ظهر قلب تقريبا..أو هكذا ظنت.لكنها سرعان ما ندمت على تفاخرها الطائش..فقد قام بتغييرات أساسية في نسخه القديمة التي كتبها في سانت باتريك، وكادت تكشف نفسها لو أشارت الى أحداث وشخصيات لم تعد موجودة.
قال هايدن بقليل من الحماسة:"من الأفضل أن نبدأ الآن".
ابتسمت ادنا له بابتسامة باردة مهذبة، ولم تقل شيئا. أخيرا اخترق الصمت الذي طال بابتسامة خشنة:
ـ من الأفضل أن تقومي أنت بالخطوة الأولى يا ادنا..أنا لم أشترك في كتابة سيناريو من قبل.
تقبلت اعترافه السهل بالهزيمة:
ـ حسن جدا..اذا أنت تكرمت بالقاء نظرة على ملاحظاتي.
أعطته الأوراق المطبوعة بالكومبيوتر وهي تشرح له قائلة:
ـ لقد أنجزت هذه هذا الصباح.
لو أنه تأثر بانتاجها غير الطبيعي، فهذا لم يبدو عليه. وكل ما كان على استعداد لأن يقوله هو:
ـ أرى أنك لم تجدي صعوبة في العمل على الكومبيوتر..أي نوع تستخدمين؟
ذكرت له الصنف وتمتم موافقا:
ـ بطئ.. لكن يعتمد عليه.. أعذريني الآن.
دون أن يجلس بدأ يراجع الصفحات المطبوعة. حين رفع عينيه أخيرا عن الصفحات، لم يبد عليهما أي تأثر بالأسلوب..وقال بهدوء:
ـ أجل..يعجبني هذا..انها افتتاحية مثيرة للفضول..سنبقي على هذه..لكن تحفظي الوحيد هو معاملتك للفتاة"اليكسيس". أقترح أن نلتزم بنصي.
احتجت مجفلة:"لكنني التزمت به".
ـ بكل تأكيد لا يظهر هذا.."اليكسيس"التي كتبت عنها ساحرة جدا، أعترف بذلك، لكنني أجدها انسانة أكثر من اللازم، ومشوشة الذهن بالنسبة لأنثى محولة بشريا.
قطبت بحيرة:"انسانة محولة الى بشر؟".
نظر اليها طويلا بعينين ضيقتين:
ـ هل أنت واثقة من أنك قرأت القصة؟ أعني قصتي أنا؟ أم أنك تكتبين قصة خاصة بك؟
بذعر ،راجعت أول الفصول في ذهنها، ثم قالت:
ـ آسفة هايدن..لكنني حقا لا أعرف عما تتحدث.
ـ أنا أتكلم عن "اليكسيس"..الروبوت البشري..الأنثى المحولة الى بشر..تبا !
أخيرا انجلت تقطيبة ادنا المحتارة..اليكسيس في الصيغة الأصلية كانت روحا تنزع الى الأذى..ولم يكن هناك اشارة الى روبوت بشري من صنع الانسان..في عجلتها لقراءة الكتاب، تجاوزت التغيير الذي قام به.
قالت ببرود:
ـ أنا آسفة..قلت لك انني راجعت الكتاب بسرعة..ولم يخطر ببالي أن تكون محولة الى بشرية.
ـ عجبا ..كيف يمكن لهذا الواقع أن يفوتك..ظننته واضحا جدا.
الطريقة الوحيدة أمامها للخلاص كانت الهجوم:
ـ حسن جدا، لا يمكن أن تكون مقنعا جدا حول كونها محولة الى بشرية..فقد بدت بشرية جدا بالنسبة لي.
صمت طويل ، ثم سأل مشاكسا:"أصحيح؟".
ـ أجل..ومع أنني قد أخاطر في التدخل فيما لا يعنيني، أقول انه من الخطأ اعتبارها آلة من صنع البشر.
لقد تمادت كثيرا..دويل فرانسيس نبهها الى أن تبقي رأيها نفسها، وأن تكبح مخيلتها المبدعة..فعملها هنا تقني بحت، والعبقري هو هايدن جاكوبس وحده.
لكن ردة فعل كانت بعيدة عن التصور. اذ قال باعتدال:
ـ حسن جدا..سنستبقي هذا الآن، وسأراجع القصة بحذر أكبر فيما بعد.
تمتعت باعتداد نفس كسبته..هذا أول صراع بينهما،وعلى الأقل، خرجت منه منتصرة.
رمى هايدن الصفحات المطبوعة، استقر بارتياح على أريكة جلدية رائعة، ساقاه الطويلتان ممدودتان على كرسي للقدمين..اذن هكذا سيكون مركزي عملهما..هو يتمدد بكسل قرب الجدار الزجاجي، يتمتع المنظر الأخضر للمروج بينما هي تجلس مستقيمة الظهر خلف المنضدة، تواجه الجهاز.
تابع يلتقط نص كتابه:
ـ حسنا..دعينا نكمل..أيمكن؟ أظنني أعرف من أين نتابع من هنا.
استوت ادنا في جلستها، يداها على مفاتيح الطباعة مستعدة للعمل.
سألته بمكر:
ـ خارجي أم دخلي؟
ـ أرجو عفوك؟
ـ من المفترض أن نصف كل مشهد بالتفاصيل الأساسية..نهار أو ليل..خارجي أو داخلي..الخ..فأي مشهد سنكتبه الآن؟
نظرته الباردة، أخبرتها أنه فهم نيتها في كشف جهله بهذا الخصوص. وقال بهدوء:
ـ سأترك لك كل التفاصيل التقنية..ولسوف أفهم كل شئ بعد بضعة أيام. أما حاليا، دعينا نركز على الحبكة العامة، والعناوين الواسعة للسيناريو كله..ورغم جهلي، أفترض أن هذا ،يكون أول اهتماماتنا.
توهجت وجنتا ادنا وهي تحس الحرج. انه محق، طبعا..فهذه أول مرحلة، وكان يمكن أن تقول هذا لو لم تكن متشوقة بغباء كي تدهشه بذكائها.
تابع، وكأنه يسخر منها..العين بالعين !
ـ لكنك أنت الخبيرة .لذا أنا سعيد جدا بأن ترشديني.
هزت رأسها بذهن متلبد، شاعرة بغباء كامل..هايدن جاكوبس ستكون له دائما اليد العليا ،كما كان مايلز تماما، وأكمل:
ـ هل لنا أن نبدأ اذن؟
كانت بداية بطيئة مترددة..كانت مضطرة لترك منضدتها كل بضع دقائق، لتقطع المسافة بينهما الى حيث كان متمددا لتقارن أوراق نسخته بأوراقها..حتى أن عضلات ظهرها وكتفيها بدأت تتألم..لكنه سرعان ما ضجر، كما دل عليه صوته الساخط.
أخيرا وفي تنقلها العاشر عبر الغرفة..توقفت مسمرة ثم انفجرت ضاحكة.فكل ما يجري سخيف منا للعقل. وانضم هايدن الى ضحكها المقطوع الأنفاس، دون توقع منها، بضحكة منخفضة مألوفة جدا لها.
ـ أوافقك تماما..فهذا لن يوصلنا الى أي شئ..اذن أيتها الذكية..كيف تقترحين أن نقوم بهذا؟
وقف يرمي نسخته من يده على الأرض..
أخيرا توصلا الى نوع من الاتفاق..فهو مايزال يحتفظ بروح مايلز المرحة والقدرة على السخرية من الذات، وكل هذا عاد اليه عن طريق سلاح فعال من ادنا..ضحكتها التي لا تستطيع صدها.
رسمت خطة بسيطة معقولة..واذ حصلت على موافقته ،ارتدت بنطلونها الجينز الواسع وكنزتها الضخمة القطنية التي تصل الى تحت خصرها النحيل.
الآن انطلقا في عمل متناغم..عادا معه الى نظام تعاونهما كما كان على أرض الجزيرة..الجو العدائي في الغرفة، تغير ..وسادت الضحكات، والمزاح السريع المتبادل، الذي طالما كانا يجيدانه..كان واضحا أنهما مازالا يتشاركان التعاطف الفريد من نوعه الذي كان يجعل كل مهما يقرأ أفكار الآخر حتى قبل أن يشكلها في كلمات.
حين دخلت باميلا تحمل صينية من السندويشات وابريق قهوة طازجة، وجدت المكتبة في خراب مكتمل..كل الأثاث مدفوع الى الجدار، ليترك الوسط فارغا..رب عملها مستلق على معدته، بينما مساعدته الجديدة، في بنطلون رث، وكنزة عملاقة،تزحف من حوله، تنظم وتعيد تنظيم الأوراق المبعثرة والصفحات التي كانت تغطي كل السجادة العاجية السميكة..راقبتهما للحظات بذهول. فهي لم تر هايدن أكثر استرخاء منه الآن وذلك منذ عودته من رحلته الجهنمية.
حيا هايدن المرأة المسنة بابتسامة واسعة:
ـ آه..باميلا، كنت على وشك الصراخ لمزيد من القهوة.
وبشئ من الصدمة، استعادت ادنا وعيها، لتدرك أنها مازالت غريبة بالنسبة له.
قالت مدبرة المنزل المسنة بحزم، ناظرة حولها بيأس تبحث عن ممر نظيف الى منضدة القهوة:
ـ تكاد الساعة تصل الى الثانية يا سيد هايدن..وأنا أصر على أن تتوقف وتتناول شيئا تأكله.
ـ دعينا وشأننا يا باميلا..وخذي السندويشات معك..لا أريدها.
نظرت اليه ادنا بانتقاد..لقد تناولت الفطور في الساعة الثامنة وهي الآن تتضور جوعا..قالت المدبرة:
ـ قد لا تكون جائعا يا سيد هايدن، ولكن الفتاة لم تتناول طعاما منذ وصلت الى هنا..سأترك الصينية قرب الأريكة وعليكما أن تجدا طريقكما اليها.
وبنظرة يأس أخيرة، تركت الغرفة.
شقت ادنا طريقها عبر وفوق، الأوراق، لتهاجم السندويشات اللذيذة المنظر، رافضة أن ترهبها قلة اعتبار رئيسها لمشاعر الآخرين.
ضحكة خافتة كسولة، وصلتها عبر الغرفة، لترسل رجفة في جسدها..وبحذر استدارت نحوه. كان جالسا على الأرض، مستندا بظهره الى المنضدة، يراقبها بتلك التسلية الكسول والمحطمة للقلب، والتي تذكرها جيدا.
قال بعفوية:"وأنا من ظننت بأن الأرواح لا تأكل..".
علق الطعام ف حلقها..وأكمل:
ـ ... لكنك لست روحا، أليس كذلك؟أنت بشر بشكل يبعث على السخط.
لا يمكن لهذا أن يحدث...بقيت تقنع نفسها مرات ومرات..لا شك أنها تحلم في يقظتها..بكلمات قليلة عفوية، ممازحة، قفز فوق كل الحواجز، فوق كل السنوت التي تفصلهما..أخذ دما يجري بجنون في عروقها، وأجبرت نفسها على البقاء حيث هي، وجهها يخلو من كل تعبير. بعينين متسعتين، غير مرتجفتين، انتظرت حركته التالية.
ولكن لم يحدث شئ..كان الرجل ينظر اليها بابتسامة لطيفة، لغريب ودود، لا يدري أبدا تأثير الكلمات غير العادية التي نطق بها لتوه.
ـ حسنا..أكملي طامك يا امرأه.
صوته كان مايزال دافئا، وكسولا كصوت مايلز، لكن التعبير الجاف المثير للسخط، كان لهايدن جاكوبس:
ـ وصبي لي فنجان قهوة..أريد اكمال هذه.
كأنها مطعونة بسكين حادة، خرج نفسها الأسير في آهة منخفضة مسموعة. وصدمتها خيبة الأمل.
جلست..فأجفل لما رآه من شحوب وجهها:
ـ هاي..هل أنت بخير؟ أناآسف..من الأفضل أن نتوقف الآن لترتاحي قليلا..سنتابع فيما بعد.
أخيرا تمكنت من ابتلاع لقيمات، لكنها وضعت النصف الباقي من السندويش في الصينية.
ـ لا..دعنا نتابع..أنا بخير، حقا.
فلم يصر عليها.
ـ حسن جدا..اذن..هاتي سندويشاتك الى هنا ..بامكانك أن تأكلي وتعملي في ذات الوقت،ألا تستطيعين؟
مرت اللحظة، كانت قصيرة جدا، حتى أنها بدأت تظن نفسها تخيلت كل شئ..عادت على رؤوس أصبعها الى مكانها، قرب جسده الطويل المسترخي..بجهد انساني متفوق، تمكنت من أن تنفض عنها صدمتها المؤقتة، والعمل بالنسبة لها علاج قديم..كان مايلز يظنها تدفن شوقها له بالعمل المبدع المجنون، الذي يحولها من عاشقة، الى زميل عمل.
كانت الساعة قد تجاوزت التاسعة حين استوى هايدن أخيرا في جلسته، ومطط ذراعيه، وقوس ظهره العريض بالطريقة المألوفة القديمة التي مزقت ادنا من الداخل، وأعلن أنه بحاجة الى القليل من التمشي..
فقالت ببرود:
ـ شكرا لله..بدأت أظنك لا تتعرض لمثل هذا التعب الانساني.
كانا يجلسان متقاربين، ينظران معا الى النص النهائي للخطة العامة، شاعرين بالسعادة لانجازهما..استدار اليها:
ـ كم أنا فظ لا أراعي شيئا يا حبيبتي.
أجفلت ادنا، دون ارادتها، وأكمل:
ـ في المرة القادمة، من الأفضل أن توقفيني حين تشعرين أنني أدفعك بقسوة. لقد حذرتك بالأمس أنني أميل الى تجاهل الآخرين.
ردت بصوت منخفض وكأنما لنفسها:
ـ لا أعتقد هذا..لا أظن أنك دون احساس وبارد المشاعر،كما تحاول أن تظهر.
ـ هذا جميل جدا منك يا حبيبتي..لكنني هكذا، ومن الأفضل أن تصدقي..ما رأيك الآن بأن نركض معا قليلا؟
لاحظت أنه اعتبر أنها تركض باستمرار كأمر مسلم به، مرة أخرى ،دون أن يدرك، كانت ذاكرته لمدفونة بعمق تتلاعب، وبطريقة مستقلة عن عقله الواعي.
لحقت به الى أبواب الباحة المرصوفة، ثم الى الأبواب الخشبية في نهاية حديقة الفيلا، الي قادتهما الى ممر ضيق عام يتجه الى المرج. لا شئ يمكن أن يكون مختلفا عن الشاطئ الرملي في سانت باتك، أكثر من ليل لندن والعشب المبلل تحت حذاءيهما. مع ذلك انطلقا معا بركض بطئ، جنبا الى جنب، كما كانا يفعلان تماما منذ سنوات، في الجزيرة.
كان ركضا قصير المدى مقارنة بالأميال اتي اعتادا أن يركضاها، لكنها كانت مقطوعة الأنفاس حين وصلا الى الفيلا المظلمة.
قالت تعتذر وهي تلهث، محاولة التقاط أنفاسها:
ـ أحتاج الى التمرين..فأنا لم أحرك عضلة واحدة منذ أتيت الى لندن.
ـ منذ متى كان هذا؟
ـ أوه..منذ ثلاث سنوات ، تقريبا.
ـ جئت من السيشل، أليس كذلك؟ما اسم الجزيرة؟
ـ سانت باتريك.
ـ أوه..أجل.
دفعها أمامه، وأسرع بها الدرجات القليلة الى المنزل الهادئ الساكن، ولكن حين أصبحا في أمان في الداخل، ابتعد عنها، ما بدا لادنا وكأنه اشمئزاز مفاجئ. لكنها لاحظت الألم والارتباك اللذين غشيا وجهه، والطريقة التي نظر فيها اليها.
كانت تسير نحو المطبخ حيث ما زالت باميلا المسكينة منتظرة لتطعمهما، حين لاحظت أنه يسير في الاتجاه الآخر..وقال من فوق كتفه:
ـ قولي لباميلا، انني سأتناول طعاما بسيطا في غرفتي..اذا سمحت ..لا أشعر برغبة في وجبة كاملة.
توقفت مسمرة..مصدومة بفاظته المفاجأة، في وقت لم تتوقع منه هذا..وقالت ببرود:
ـ لقد كانت تحافظ على الطعام ساخنا لك طوال المساء..وتعرف هذا..ألا تظن أنك تدين لها ببعض الاعتبار؟
ـ اذا كنت أدين لها..فهذا بيني وبينها، ولاأرى كيف أن لك شأنا بعاداتي، الا اذا كنت غير قادرة على قضاء ما تبقى من الأمسية وحدك.
ردت بتوتر:
ـ لا تدع هذا يزعجك، لقد أمضيت معظم حياتي على جزيرة ليس فيها سوى أخي وأبواي أمضي أمسياتي معهم. لذا صدقني، أنا معتادة تماما على أن أكون لوحدي..عمت مساء !
أمضت عدة دقائق قبل أن تهدئ من جرح كرامتها..وذكرت نفسها أنه قد يعامل أميرة بنفس الطريقة المرتجلة..مايلز، وهايدن، لا يهتمان بالكياسة،فكلاهما يفعل بالضبط ما يشعر به..لكن الفارق، أن مايلز كان سيرغب برفقتها..بينما هايدن الآن ينكمش الى قوقعته باردا، وحيدا.
كانت العاصفة في الخارج قد انفجرت بقوة حين أنهت ادنا طعامها، وانسحبت الى خلوة نومهاالمريحة، متعبة جدا، مرهقة، لاتستطيع ارتداء قميص نومها، ولا أن تزحف الى تحت الغطاء. أذناها كانتا طنان بأصوات االريح المعولة، والمطر اللاسع خارج النوافذ التي لا ستائر لها.
جلست على السرير الكبير تفكر بهايدن..المقفل بابه عليه والمنغلق على نفسه. وتتسائل عما اذا كانت أحاسيسه أو دوافعه، لا يحكمها عقله الواعي ،وانما تحركها ذكرى ليلة مماثلة وعاصفة أخرى..أكثر ضراوة وشراسة من هذه النسخة الصغيرة.
***
4/خيانة ذاكرة
كان الصمت المخيف الثقيل هو الذي أيقظ إدنا تلك الليلة..بقيت مستلقية جامدة في فراشها، تفسر سبب توترهابالصمت الخانق الذي يسبق عادة هبوب العاصفة. لكن العواصف العاتية الخطيرة لا تثور في مثل هذا الوقت من السنة.. هكذا، مثلها في ذلك مثل أبويها، وكل المحليين الذين يسكنون سانت باتريك، صرفت النظر عن جرس التحذير الذي أطلقت أحاسيسها. وقررت أن الأمر لا يعدو أن يكون عاصفة عادية.. وكانت على وشك العودة الى النوم، حين وصلت إليها أصوات آهات أمها المثيرة للشفقة عبر الجدار الذي يفصل غرفتيهما.
حين وصلت إدنا إلى جانب أمها، كان باتريك جايمسون يتصل عبر الهاتف ليستدعي طائرة هليكوبتر لنقله و زوجته إلى"ماهي"لإجراء جراحة طارئة.. كانت غريس جايمسون تعاني من ألم مبرح، ولا حاجة لطبيب ليشخص لها غثيانها الشديد، والوخزات المؤلمة الحادة في جانبها الأيمن على أنها نوبة التهاب الزائدة الدودية.. فالعيش في جزيرة منعزلة كان يوجب على أسرة جايمسون أن تكن على معرفة وحذر تامين بأي إشارة مرض.
في أقل من عشرين دقيقة، حطت طوافة المستشفى الصغيرة على المهبط البدائي المرصوف في حديقة المنزل وحمل مايلز غريس بين ذراعيه، ونزل بها السلم ، ليمددها برفق على المحفة..وقال باتريك جايمسون لإبنته:
ـ سأتصل بك حالما يكون لدي ما أخبرك به..في هذه الأثناء من الأفضل إغلاق كل مصاريع النوافذ الخشبية المقاومة للعاصفة. يبدو أن عاصفة قوية على وشك الهبوب.
انتظرت إدنا الى أن أقلعت الطوافة، ثم أخذت للإستعداد للعاصفة.
استغنت عن مساعدة الخدم، الذين لكل منهم منزله ليهتم به، ثم أعدت هي ومايلز المنزل لأي شئ يخبئه الجو الذي لايمكن التكهن به.
اتصل والدها بعد ساعة، ليقول لها أنهم وصلوا المستشفى بأمان، وإن أمها الآن تخضع للجراحة.. ولقد وصلا في الوقت المناسب، قبل أن تنفجر الزائدة.
كانت الساعة قد بلغت الثانية، قبل أن تنسحب هي ومايلز كل إلى غرفة نومه..وكانت إدنا مرهقة جدا بما قامت به من جهد في منتصف الليل، ومشغولة الفكر بحالة أمها.
استيقظت بعد ساعتين من النوم المتقطع، كل أحاسيسها متوترة لوقع المطر الشديد على المصاريع الخشبية الواقية من العاصفة، وعلى صوت الريح الشديد المخيف..على الفور، تذكرت مخطوطة قصة مايلز، ومخطوطة السيناريو الذي تعمل على وضعه، والموضوعين ،دون اكتراث،في خزانة خشبية في السقيفة.
وأسرعت إلى الخارج، لتقف لحظة عند باب غرفة مايلز، تفكر في أن توقظه، كي لا تذهب إلى الشاطئ وحدها..لكنها عرفت أنه سيمنعها من الخروج، وهكذا قررت أن تتابع ما بدأته لوحدها.
كانت مضطرة لتتصارع مع باب المطبخ الخلفي الضيق في وجه الريح الشرسة العاتية، وعلى الفور أصيبت بالبلل من جراء المطر البارد، الذي أخذ يلسع وجهها، وكأنه أطراف خناجر مدببة. كانت الريح تهب في اتجاهها، تعوي كحيوان جريح، تقاومها في كل إنش تتقدمه وهي تنزل السلم إلى الشاطئ. كان يجب أن ترتدي أحد المعاطف الواقية من المطر، الموجودة في خزانة في الردهة الرئيسية.. لكنها كانت مبللة حتى العظام، ترتجف بردا بشكل مثير للشفقة.
في منتصف الطريق توقفت، وقد غمرها الرعب من الجو المجنون الذي رمت نفسها فيه.. هذه ليست عاصفة عادية.. ولم يعد لديها أي شك في أن هذه عاصفة هوجاء، ربما تكون مقدمة لإعصار.
فجأة برز جسم ضخم ضبابي من قلب ذلك الجحيم، جعلها تكاد يغمى عليها من الرعب..وفقدت قدماها ثباتهما على الدرجات الحجرية المنزلقة، وبدأت تترنح دون شئ يحول دون إنقلابها رأسا على عقب، إلى الأسفل حيث الرياح العاصفة.
وما لبثت أن شعرت بالأمان وهي تميز في ذلك الجسم مايلز في معطفه الواقي من المطر.
ـ أيتها الحمقاء..ماذا تفعلين هنا؟
صاحت ليسمعها:"المخطوطات ! إنها في السقيفة ! ".
فرد صائحا:"إنها معي !".
دس ربطة كبيرة ملفوفة بعطف واقي من المطر بين ذراعيها، وفجأة كانت قدماها متدليتين في الهواء، وهو يرفعها تحت ذراعه وكأنها دمية متراخية.
كان وصول إدنا قد استغرق أكثر من عشرين دقيقة وهي تنزل مواجهة للعاصفة..إنما الآن، ومايلز يتسلق السلم مع اتجاه الريح، فقد أصبح خارج باب المطبخ في أقل من خمس دقائق، اذ كانت الريح تكادتدفع قدميه عن الأرض دفعا.
ما إن أصبحا أمام المنزل ، حتى أعادها إلى الأرض بعد أن تأكد من أنها أمسكت بحاجز الشرفة الحديدي، ثم جرها معه إلى الداخل مغلقا الباب في وجه العاصفة المجنونة.
أخيرا أصبحت صفحات الكتابين آمنة فوق منضدة المطبخ، رغم بلل طفيف لحق بها.
قال وهو يخلع لمعطف:
ـ في المرة القادمة التي تقررين فيها دفع ضحية مسكينة لعمل إبداعي عبقري، تأكدي من أن يصنع نسخة ثانية من عمله.. أنت مبللة جدا أيتها الحمقاء..وأنا كذلك. أين مفتاح النور؟
تركته وشقت طريقها في الظلام إلى مفتاح النور..لكن لم يحدث شئ، فقالت باستسلام:
ـ انس الأمر، من الصعب أن يعمل المولد في عاصفة كهذه. ستجد مصباح"الكاز"خلفك، عى الرف الأعلى..لا بد أنه ممتلئ. وعلبة الكبريت إلى جواره.
بعد دقائق من الشتائم المتدفقة، أضاء المطبخ نور باهت كليل.
ـ أين المدفأة؟.. لا أذكر أنني رأيت مدفأة في المنزل.
ـ نحن لسنا في انكلترا..إننا لا نحتاج أبدا إلى تدفأة هنا.
كا منشغلة بالموقد القديم الطراز، الذي يحتفظ به لمثل هذه المناسبات، التي يفشل فيها مولد الكهرباء بإعطاء الطاقة للفرن الحديث..حرارة الموقد اللطيفة جعلتها تحس بعدم ارتياح في ملابسها المبللة. وقالت له:
ـ هناك بعض البطانيات في الخزانة التي في الردهة الرئيسية..من الأفضل أن تخلع ملابسك، بينما أحضرها إليك.
أحست أنها أفضل حالا الآن وهي سيدة الموقف، فهي معتادة على العواصف بعكسه هو.
كان قد خلع قميصه ووقف قرب الموقد، يدعك جسده البارد بشدة بمنشفة المطبخ.. كان الضوء الباهت للمصباح يقع على ظهره النحيل القوي. ولم تستطع تحويل عينيها عنه. بدا وكأن له عينين في مؤخرة رأسه..فقد أجفلها بقوله:
ـ توقفي عن التحديق بي يا إدنا.. وبدلي ملابسك !
رمت إليه ببطانية وهي ترتجف، ثم ذهبت إلى غرفة مجاورة وبدلت ثيابها المبللة.
عندما عادت حاولت أن تحمي نفسها من نظراته، وهي تشعر بالذنب، فقالت:
ـ أوه..يا مايلز..أنا آسفة..لم أكن أقصد أن..
ارتفعت عيناه لتنظر في عمق عينيها:
ـ اصمتي، قطتي الصغيرة..نحن الآن بين يدي الأقدار، كما أعتقد..ولا جدوى من محاربتها.
سألته مستغربة:
ـ أنت لست غاضبا.. إذن؟
تجاهل سؤالها ،واستدار عنها:
ـ هيا يا إدنا فلنصعد إلى فوق، فنحن بحاجة للراحة بعد هذا العناء.
دفعها أمامه:
ـ هيا..من الأفضل أن تسيري أمامي، فأنت تعرفين المنزل أكثر مني.
والتقط المصباح.
سارت أمامه مباشرة إلى غرفة نومه، وتملكها شئ من الدهشة وهي ترى أن صوت العاصفة والمطر والريح في الخارج أصبح خفيفا جدا ، إلى درجة همهمة بعيدة مخنوقة، بالمقارنة مع ضربات قلبها العنيفة..ثم قال:
ـ أنت جميلة، أتعرفين هذا؟ أحاسيس تدلني على أنني لا شك رأيت بضع نساء في أيامي، مع أنني، لا أستطيع أن أتذكر واحدة منهن..لكن ماأعرفه أنك تخطفين أنفاسي بجمالك..
أدارت رأسها لتواجهه، فإذا به يركز عينيه على وجهها عينيها اللتين تسمرتا عليه. لم يستطيعا إخفاء المشاعر المكشوفة في نظراتهما، فقد كانت نوعا من المشاعر تملكت الروح والجسد معا. أخيرا أخفضت نظرها، لم تعد تستطيع تحمل المزيد من العذاب لكشفها عما في نفسها..
ثم قال:
ـ أوه..كم أحبك يا إدنا !
وعرفت من شدة وقوة الكلمات أنه أعطاها بذلك عهدا .فابتسمت والدموع تترقرق في عينيها:
ـ و أنا أحبك يا مايلز.
فجأة شعرت بالخوف، والرعب من المجهول، فهي لا تعرف إلى أين يقودها هذا المجهول الغريب الحبيب.
ابتعدت عنه وقلبها يعصف في مسار مغاير
تمتم قائلا:
ـ نامي الآن يا إدنا.. وإن لم تسمعيني قبل الآن:أحبك.
في الصباح نزلت إلى تحت فالتقت به،قالا دفعة واحدة عن العاصفة التي كات تزمجر بالأمس:
ـ لقد انتهت.
وضحكا معا ،وسألها مايلز.
ـ أترغبين في تفقد الأضرار في الخارج؟
واتجهت إدنا فورا إلى الهاتف، لتتصل بالمشفى لتسأل عن أخبار أمها. لكنها رفعت صوتها بحيث يصل إلى المطبخ حيث كان مايلز يحضر الفطور.
ـ الهاتف مقطوع.
رد عليها:
ـ وكذلك المولد..لا كهرباء..
سألها بعفوية، بعد أن رمت ملابسهما المبللة إلى سلة الغسيل:
ـ هل أنت معتادة على الخدم؟
ـ أستطيع العناية بنفسي جيدا دونهم، إذا كان هذا ما تقصد..إذا كنت تظن أن نقص المال قد يبعدني عنك فأنت تضيع وقتك سدى..هذا إلى أنك ستجني الملايين من كتابك.
لكنها ندمت على كلماتها قبل أن تنهي جملتها..فقد خبت ابتسامته، ونظر إليها بمزيج غريب من السخط وشئ يشبه الندم. ثم قال بهدوء:
ـ كلي فطورك يا إدنا..واصمتي.
لكن الضرر حصل..وذكرى ذلك الزجر الغاضب أصبح الآن يغشى أفقها الأزرق.
كانت الشمس تشرق متألقة فوق الفوضى الموحلة التي تركتها العاصفة ورائها.زلكن الضرر، بوجه عام، كان قليلا. وكان أهل الجزر معتادين على تقلب جو المحيط الهندي الذي لا يمكن التنبؤ به.
سقيفة الشاطئ ذهبت..عمدانها كانت مدفونة تحت السقف النخلي..لكن الطابعتين المحميتين بغلافيهما لم تتضررا.. حتى الخزانة الخشبية المتداعية كانت ما تزال هناك، وقد تناثرت حطاما ،بوقوع أحد الأعمدة عليها، ولحسن الحظ كانت فارغة،ليس فيها سوى بعض أدوات الكتابة و ورق الطباعة الفارغ..
تنفست بارتياح لوصولهما إلى الخليج، ووجدا أن"غريس" يخت العائلة، يتأرجح بهدوء فوق المياه الساكنة، وهو ما زال مربوطا بمرساة بأمان..وقالت إدنا متنهدة:
ـ سبق و انجرف اليخت إلى البحر مرتين في الماضي. تعال، لنعد ونتصل بالمستشفى عبر الراديو في المركب.
جاء صوت باتريك جايمسون الرنان بعد قليل، يخفي قلقه خلف توبيخ متوتر:
ـ حان الوقت لتتصلي..كنت أحاول الإتصال بالمنزل منذ السادسة صباحا.
ـ الهاتف مقطوع يا أبي..ولقد تأخرنا في النوم..كيف حال أمي؟
كانت غريس بخير كما أكد لها والدها، لكن كانت فرصة عودتهما إلى المنزل قبل نهاية الأسبوع ضئيلة جدا..فلا وسائل نقل.."ماهي" على عكس سانت باتريك، ضربتها العاصفة بشدة، وقد سادت الفوضى كل شئ..وسألها بحذر:
ـ ما هي الأضرار.. عدا خطوط الهاتف؟
عرفت ما يريد فعلا أن يسمعه:
ـ أنا بخير يا أبي، وكذلك مايلز..المنزل لم يمس،مولد الكهرباء توقف، لكننا سنتدبر أمرنا يا أبي..لا تقلق، بلغ أمي حبي.
ـ سأفعل ..وقولي لمايلز إنني أشكر له مساعدته..أحس بالإرتياح لوجوده هناك ليرعاك..وداعا الآن.
الصمت في قمرة اليخت، لم يكن يقطعه سوى همهمة المحيط..وكان مايلز يقف خلفها، صمته ينطق بأكثر من الكلمات.
استدارت بغضب تواجهه:
ـ لا تنظر إلي هكذا يا مايلز..فهذا أمر سخيف..فقد كنت ترعاني..ليلة أمس، كان يمكن أن تطيح بي العاصفة و أنت..
قاطعها بهدوء: "اصمتي يا إدنا".
و ابتعد عنها متجها إلى سطح المركب.
لحقت به ، فقال:"كدت أفقد سيطرتي على نفسي بالأمس وهذا ما لا أريد أن أتعرض له ثانية فربما لم أستطع في المرة الثانية تمالك زمام نفسي وفقدت السيطرة".
ـ إنك ..إنك لا تفكر بما قلته منذ أيام عن تركك الجزيرة فيما لو فقدت القدرة على ضبط نفسك..أليس كذلك؟
كان يقف قرب سياج المركب، ينظر إلى الجزر البعيدة السابحة في الضباب في الأفق الأزرق.
ـ لا يمكنك يا مايلز..لا يمكن أن تذهب ! ليس الآن !
استدار ليواجهها، فتنفست الصعداء وهي ترى وجهه منفرج الأسارير:
ـ لا تفكري بهذا يا إدنا..والآن، ما هي الإجراءات العادية في الجزيرة بعد العاصفة؟
لم يكن لديها خيار سوى طاعة أوامره حرفيا..وفيما بعد،أبعدت أية فكرة عن المستقبل، وأية لهفة أو كآبة من رأسها.
ذلك الصباح حين عادا إلى المنزل، وجدا سوزي و بلاك منكبين على العمل بنشاط، ينظفان المكان عائدين إلى عملهما المعتاد في منزل أسرة جايمسون. وانتظرا عودة سوزي و بلاك إلى عائلتيهما، ليسبحا،ويغطا، ويجولا في أنحاء الجزيرة، يتجنبان بحذر أية مواجهة قد تؤدي بهما إلى تصاعد مشاعر لا يمكنهما السيطرة عليها.
لكنهما كانا أكثر استرخاء في الأيام التالية..
وكانت هذه أجمل أيام حياتها..وبسببها بالضبط، لم تعد قادرة على التكيف مع أي نوع جديد من الحياة فيما بعد.
كان كريما في حبه،مع ذلك لم يكن جياش العاطفة و لا رومانسي بشكل مطلق..و لم تعد إدنا بالنسبة له روحا خالية،كما لم يعد هو أمير الأحلام..كانا مجرد رجل و امرأة، تربط بيهما علاقة حب.
الليلة التي سبقت عودة ريس وباتريك جايمسون إلى المنزل، لم تعد إدنا تستطيع كبح التوتر. سألت:
ـ مايلز..ماذا غدا؟
ـ تعنين اليوم ..أليس كذلك؟
ـ تعرف ما أعني..ماذا سيحدث حين يعودان؟
ـ ماذا لو عدنا إلى العمل؟
ـ أرجوك يا مايلز ..أجبني..
ـ لست أدري..دعينا نقرر و نحن نواجه الواقع..أيمكن هذا؟
لدهشتها تكيفا فورا مع التغيير الحتمي لحياتهما في وجود والديها..و عادا فعلا إلى العمل، و إلى رياضتهما المتنوعة. و أبقيا حبهما تحت رباط محكم..
لكن الإحساس باقتراب المصير المحتم، أصبح دائما الآن في نفس إدنا..كانت تشعر وهي تراه كل يوم في وقت الفطور بارتياح شديد وكأنما كانت تتوقع أن يختفي أثناء الليل..لم يقل لها أي شئ عن خططه، ولا أظهر لها أي دلائل عن وصوله إلى قرار..لكنها عرفت أن المجهول قادم، وهي عاجزة عن فعل أي شئ يمنع ذلك.
كان الوقت بعد عشرة أيام من عودة أبويها..وكانا يعملان في سقيفة الشاطئ، ظهرا إلى ظهر كالعادة..طابعتاهما تتنافسان معا في طقطقة شرسة.
فجأة صمتت طابعته، وقال دون أن يلتفت:"كيف حالك يا إدنا؟".
ردت بأدب ساخر:"بخير..شكر لك".
استدار إليه مبتسما:
ـ هذا على الأقل جسر تمكنا من إجتيازه.
ـ هل ستخبرني قبل أن ترحل؟
رد برقة:
ـ لا ..أنا آسف يا حبيبتي..لا أظنني قادرا على مواجهتك.
ـ سأقول لك وداعا الآن إذن.
ـ وداعا يا إدنا.
التفت إليه تواجهه..وبقيا ينظران إلى بعضهما للحظات يأس لا زمن لها، وبصمت كمل. ثم جعلها ترفع رأسها لتلتقي عيناها بعينيه الزرقاوين العميقتين، وكأنما يحاول طبع صورتها في ذهنه.
الألم الصرف الذي رأته في عينيه خرق قلبها. فابتسمت تحاول إراحته، ناسية بؤسها للحظات. أخيرا، رد عليها بابتسامة متكسرة، وتركها.
أدارا ظهريهما لبعضهما ليعاودا الطباعة.
في اليوم التالي كانت تسبح باكرا في الصباح كعادتها، و على مسافة بعيدة من الشاطئ، حين شاهدت طائرة صغيرة ذات مقعدين تحط على المدرج الصغير تحت المنزل.. وذابت كل قراراتها المتصلبة ،وهي تسبح بجهد إلى الشاطئ.. حين وصلت أخيرا إلى الشاطئ، كانت الطائرة الصغيرة تتحرك استعدادا للإقلاع..عبر النافذة رأت طيف مايلز وجانب وجهه المتكبر. وما كان عليه سوى أن يدير رأسه ليراها تقف، على عمق الركبتين في الماء، جامدة دون حراك.. لكنه استمر ينظر إلى الأمام بثبات..ثم اختفى.
اكتشفت فيما بعد ذلك النهار، أن مايلز تحدث مع والديها يوم عودتهما بالضبط من المستشفى في"ماهي".. وكان عنيفا في إصراره على أن يكون صريحا معهما.
بالطبع، لم دهشا لسماع حبه لابنتهما.. لكن صدمتهما جاءت حين فهما أخيرا أن لا مجال للزواج.
قالت غريس وصوتها يقطر ألما و إشفاقا:
ـ لم يخف عنا شيئا يا إدنا..أخبرنا حقيقة مجيئه إلى سانت باتريك ،وعن فقدانه لذاكرته.. إنه رجل دون ماض، دون هوية، وليس من حقه أن يربطه معك.
ـ أتعنين ،أنك و أبي شجعتماه على الرحيل؟
تدخل والدها:
ـ لا..لم نفعل..فأنا لم أحتج إلى مراجع لأشكل رأيا حوله..لأنني أعرف الرجل الطيب حين أراه.
قالت غريس بحزم:
ـ اقترح والدك أن يبقى هنا، ويبدأ حياة جديدة..لكنه رفض. قال إنه مضطر أن يعثر على هويته قبل أن يقبل بثقتنا به.. وهو محق يا إدنا، يجب أن تنتظري عودته، معافى تماما..أو..
أكملت إدنا الجملة:
ـ أو أن أتعلم العيش دونه..أعرف هذا، لقد سمعته يقول هذا مرات و مرات..حسنا جدا..لا يمكنني فعل شئ غير هذا، أليس كذلك؟ لم أسأل عن رأيي، و لا استشارني أحد..أنتم، و مايلز، والجميع، تدارستم مستقبلي بعناية وتعقل..لكن ما من واحد منكم أخذ مشاعري بعين الإعتبار..أنا شابة، والحياة كلها أمامي..وسأتجاوز المحنة..أليس كذلك؟
نظر والدها بصمت إلى هذه المرأة القاسية التي جاءا بها إلى الحياة. وأكملت:
ـ حسن جدا ..قد أكون شابة، وحياتي كما تقولون ما زالت أمامي. لكنني ،أبدا، أبدا، لن أتجاوز محنتي أو أنسى مايلز. ولن يكون لي رجل غيره..لذا من الأفضل أن تقولا له هذا في المرة القادمة عندما يتصل بكما.
لكن، لم يكن هناك"مرة قادمة"فبالرغم من وعده أن يعلم الوالدين بمكان وجوده، إلا أنه لم يتصل أو يكتب، أو هكذا قالا، على الأقل ربما لحمايتها.
لحسن حظها، تملكتها غريزة الحفاظ على الذات، للأيام التي تلت، الأسابيع،والأشهر..فهي لم تكن تعرف الألم من قبل..لم تكن قد واجهت من قبل أي عداء حقيقي أو قسوة، لذا لم يكن لها دفاعات، ولا وسائل حماية ضد الألم الثابت المستمر، دون كلل..كانت خسارتها تبدو لها حية في كل زاوية من الجزيرة، كل نشاط يومي،كل صوت ورائحة، في الواقع ، في كل شئ شاركته مع مايلز..وبرح بها الألم، وسلبها حتى الغضب، أو الكراهية، للرجل الذي كان سبب كل هذا.. كانت تعلم أن الشوق إليها يؤلمه هو أيضا، وهذه المعرفة زادتها معاناة.
مرت ستة شهور..وعاد اليوم مجددا، يسجل مرور سنة على إلقاء الأمواج بمايلز على شاطئ الجزيرة، مع ذلك، كان الألم ما يزال حادا، قاسيا ،يدمر روحها كما كان دوما. وفي ذلك اليوم جاء ليون في عطلته السنوية ليخبرها بأمر هايدن جاكوبس.
لم تكن قد لمست سيناريو قصة مايلز منذ رحيله..فما ان عرفت أنه أخذ معه النسخة الوحيدة، غير المنتهية من عمله حتى فقدت الإهتمام بعملها..لكنها قبل تركها لسانت باتريك إلى انكلترا، نزلت إلى السقيفة، وأخرجت الملف السميك، تنوي استخدامه كدليل على علاقتها السابقة..إنه دليلها الوحيد الملموس في الواقع..عند ذلك فقط، وجدت رسالته الوداعية على قمة الأوراق المطبوعة.
"لن أطلب منك مسامحتي يا إدنا، فكلانا يعرف أنك لن تسامحيني..ولكن، تذكري فقط ،كلما فكرت بي، بأن ذاكرتي مهما كانت خائنة في الماضي، فستبقى دائما مخلصة لك. قلبي يقول لي إنني لم أحب يوما مثلك، وكياني كله يصيح عاليا أنني لن أحب سواك..لذا، يا حبي، إلى اللقاء...مايلز "

***
طعنة شوق كحد السكين ، أخرجت إدنا من ماضيها إلى فوضى الحاض اليائس.
بدا لها أن من الصعب أن تصدق أنها بالأمس فقط كانت مستعدة أن تتخلى عن ذراعها الأيمن لفرصة قضاء بضعة أيام في صحبة هايدن جاكوبس..أما الآن، فقد تمنت لو أنها لم تقنع نفسها بالدخول في هذا الموقف الصعب. كانت قد ظنت، أن الألم الذي خبرته بعد رحيل مايلز، قد أعطاها مناعة ضد أي شئ.. لكنها لم تفكر بالجهد الذي يفوق مقدرة البشر، والذي ستضطر إلى ممارسته على عقلها وأحاسيسها..فهذا أبعد بكثير من مقدرتها.
وقررت أمرا.
كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل، والوقت متأخر جدا للإتصال بدويل فرانسيس. لكنها ستتصل به في الصباح، وتطلب منه أن يبحث عن غيرها،ويبعدها عن هذا العذاب.
بدا لها هذا أمرا ممكنا، وسهلا..بإمكانها أن تسيطر على فوران الذكريات المؤلم، والشوق الذي يثيره مجرد النظر إليه، طالما الرجل نفسه يرفضها، بالعجرفة غير المكترثة. إنه يبدو مثل مايلز، وواضح أنه يتمتع بقدرة مايلز على السيطرة على أحاسيسها..ومثله مثل مايلز، كان يبهرها بذكائه الحاد، ومواهبه غير العادية..لكن حبها المستعصي، الذي لا يهتز، لمايلز،كان يرعاه ذلك المزيج الرائع من الدفء والمعرفة، والحنان، وكل هذ كان حصرا بمايلز وحده..قد يكسب هايدن إعجابها، لمواهبه وذكائه، لكنه لن يستطيع فرض سيطرته على قلبها.
لكنها خلال ذلك اليوم الأول، شاهدت عودته شيئا فشيئا إلى الرجل الذي عرفته يوما..كان في المصاحبة المتوالفة في عملهما، يخلع عنه تلك القوقعة القاسية الواقية،ليكشف طبيعته الأصلية، أكانت هذه طبيعته في حياته الحالية أم في تلك الضائعة المنسية.
وكأنها تقع في الحب مجددا..مع ذلك، فالفرصة في أن تجد السعادة في هذا الحب الجديد غير موجودة في الواقع.
لم تكن لتشك في أنها قادرة على أن تجعله يريدها..خلال السنوات الثلاث المنصرمة كان لديها الدليل القاطع على قوة تأثيرها على الرجال..لم تتطلبه يوما، ولا فهمته حقا، لكنها ليست عمياء لتتجاهل الواقع..ولم يزعجها هذا كثيرا وتمكنت دائما على أن تتوقع مسبقا تلك الدلائل التي لا مجال لنكرانها، فتحول من يحاول التأثير في مشاعرها إلى صديق مخلص طيب..ولم تشعر يوما بأي إغراء في أن تستجيب لأي منهم.
لكن مع هايدن،كانت تعرف أن لا قوة لها على المقاومة..وكيف تستطيع أن تقاوم، وهي عرفت حبه مسبقا؟
أمن الممكن، في بقائها قربه، وفي تحريكها ذاكرته بلطف، أن تستطيع استعادة مايلز إلى الحياة مجددا؟
مع ذلك هذا ليس ضمانا بأنه، وهو هايدن، سيحبها كما أحبها مايلز، وهو وحيد فاقد الذاكرة..أذناها كانتا تضجان بالكلمات المتألمة التي قالها تلك الليلة في السقيفة "إذا استطعت الثقة في مشاعر رجل لا ماضي له ولا مستقبل بل حاضر فقط مؤلف من قصة خيالية نصف منتهية، عن جزيرة مسحورة. إذن، نعم أنا أحبك".
كانت واثقة من أنه قد يسترجعها ما إن يعرف الحقيقة.. ولو لمجرد العرفان بالجميل، أو الإحساس بالواجب، فقد ضحى مايلز بحبه لها بسبب إحساس سخيف بالمسؤولية، الإنصاف، الفروسية، سمها ما شئت. وهايدن قادر كذلك على التضحية بنفسه، واستعادتها مجددا، ولنفس الأسباب تماما.. وهذا شئ لا يمكن أن تقبل به..فهي تريد حبه لا إحسانه.
بحلول الساعة الثانية، كانت ما تزال مستيقظة، رأسها يضج بذات الأفكار،تدور وتدور.. حتى أنها لم تكن قد خلعت ملابسها بعد.
قد يكون من الأفضل لها أن تستخدم ساعات اليقظة هذه، لتأخذ مشهدا من السيناريو القديم، وتجهزه لليوم التالي، حين يعودان للعمل معا.. يبدو أنه لا يمانع في أن تظهر شيئا من إبداعها، وهي واثقة من أنه سيوافق على معظم ما تقدمه له.
تمكنت من أن تصل المكتبة بسهولة..لا شك في أنها وهايدن تركا الأنوار مضاءة حين تركا الغرفة..فقد كان هناك شعاع ضئيل مترسب عبر غرفة الجلوس الواسعة إلى الباب. دخلت لترى أن الغرفة كان مضاءة فقط بمصباح يعطي نورا مباشرا إلى المقعد الجلدي.
لكن ما إن وصلت المنضدة، حتى بدأ قلبها يخفق بقلق.
عرفت أن شيئا ما قد حدث لحظة وجدت الدرج مفتوحا.لقد أبقته بنفسها مقفلا طوال اليوم، فآخر شئ كانت تريده، هو أن يلاحظ هايدن وجود المغلف الرقيق، الذي تحفظ فيه أول بضعة مشاهد من السيناريو الذي أنهته أيام سانت باتريك.
والمغلف اختفى.
لم تندهش كثيرا حين وصلها صوت من على المقعد الجلدي.
ـ إذا كنت تبحثين عن نسخة السيناريو، فهي معي هنا..وأنا متأثر بشكل بالغ.
كان جالسا مختبئا في المقعد. وحدهما ساقاه الطويلتان كانتا ظاهرتين، مرتاحتين على كرسي جلدي منخفض للأقدام. وأكمل:
ـ واضح أنك تشاركينني امتناعي عن النوم. لذا دعينا نتابع العمل..أتمانعين في أن تقتربي مني أكثر؟
حين لم ترد أدار المقعد الجلدي بسرعة ليواجهها.. الضوء المنخفض جعل عينيه الزرقاوين تلمعان بغضب بارد مفزع:
ـ قلت اقتربي !
مثلها مثل الروبوت المحول إلى البشر في قصته، وجدت نفسها تسير ببطء إلى أن وصلت إلى جانبه.
ـ اجلسي هنا ..على الكرسي المنخفض.
حين ترددت ، امتدت يده تشدها إلى الأسفل بقسوة ثم قال بصوت منخفض ناعم، جمده غضبه المكبوت:
ـ الآن ..دعينا أخذ الأمر قطعة قطعة.. لقد حصلت على الوظيفة منذ أكثر من أربع وعشرين ساعة..وعلى افتراض أنك كنت واثقة جدا من نفسك..فما زلت غير قادرة على معرفة شئ عن مشروع الفيلم، قبل اجتماعي بالمنتج الذي جرى قبل أسبوع..كيف تمكنت إذن من إنتاج ما يوازي ربع القصة، مقسمة إلى مشاهد منظمة، مشكلة بشكل مناسب بما فيها الحوار المكتمل؟
رفع صوته قليلا بعد أن بقيت صامتة، وهو يأمرها: "أجيبيني يا إدنا ".
كان عقلها يعمل بجنون..محاولا اختراع كذبة مقبولة.
ـ لدي قصتك منذ أكثر من شهر..أخذتها من.. دويل أعطاها لي..
ـ دعك من هذا يا حبيبتي..فهذه النسخة من القصة بقيت على كتمان شديد..فما هي القصة الحقيقية إذن؟
ـ أنا..أحد الموظفين الصغار هناك صديق مقرب مني حصل لي على نسخة.
ـ إذن استغليت بكل برود، نذلا مسكينا ليقوم بعمل إجرامي، يمكن أن يضع حدا لحياته المهنية، هذا إذا كان محظوظا..لماذا؟ لماذا تهتمين بالحصول على نسخة من قصتي؟
لم تعد مخيلتها قادرة على العمل، فنظرت إليه عاجزة، فأكمل يستجوبها بقسوة:
ـ أهي القصة نفسها؟ أم أن الأمر هو ما شككت به أول ما وقعت عيناي عليك؟.. أنت تسعين ورائي..فهل أنا مصيب؟
بدا لها هذا الرد الممكن الوحيد الآن..فأطرقت بضعف.
ـ هكذا إذن.. وصلنا إلى هذه النتيجة..حسن جدا، فلنسمع القصة. ما الذي تجدينه مهما بما يكفي لتذهبي إلى هذا المدى؟ مالي؟ اسمي؟أم مجرد افتتان بسحري؟
آخر كلماته اخترقت ضعفها، فصاحت به:
ـ أيها النذل..النذل البارد المتعجرف !
ـ نذل..أجل..كما أنني متعجرف، إذا كنت تصرين على ذلك..لكنني عل الأقل ذو كرامة..وهذا أكثر مما يمكنك أن تدعيه لنفسك.
كل بؤسها ومشاعرها المتؤلمة انفجرت دفعة واحدة، في ثورة غضب لم تصدق نفسها قادرة عليها. فاندفعت قبضتاها نحوه، تمطران صدره القاسي الذي لا يلين، بضربات متواصلة..تركها تنفس غضبها لحظات، م وبسهولة أمسك بقبضتيها بيد واحدة، ليوقف هجومها عليه.
صاحت:"أوه..لا ! ".
هذا ما كانت تخشاه طوال الوقت..المواجهة عن قرب مع وجهه النظيف الحليق، والذي يسلبها درعها الوحيد ضد ذكرى وجه مايلز الملتحي.
ـ أوه..أرجوك لا..دعني !
الألم الشديد الذي أحست به من قبضته الساحقة، كان خلاصها.
كان مختلفا تماما عن مايلز..وأحست برضى غاضب متوهج حين تركها، لتعود إلى الكرسي المنخفض.. وسألها بخشونة وهو يراقبها:
ـ حسنا، هل كان هذا يستحق الإزعاج؟
كانا الآن، هادئين تماما، وباردين كالثلج. وقالت:
ـ دعني أرى ما إذا كان بالإمكان الرد على سؤالك نقطة نقطة. بالنسبة لمالك ، يملك والدي ما يكفي ليبقيني وأخي في عيش رغيد، حى ولو لم نقم بأي مجهود لكسب معيشتنا. أما اسمك..حسنا، بصراحة، أفضل أن أكون مشهورة باسمي. أما بالنسبة لسحرك..فقد كنت حريصا جدا على أن تبقي هذا السحر مخبأ، كما يبدو، بقصد حماية نساء مثلي، من الإفتتان بك..لا يمكنك أن تصدق أبدا أنني قد أتحمل كل هذه المتاعب للحصول على مخطوطة قصتك، واستعبد نفسي في كتابة السيناريو لمجرد ما تصورته عنك ؟
توقفت مقطوعة الأنفاس،محاولة أن تملأ رئتيها بالهواء. لكنها أدركت الآن أنه كان يهتز بالضحك. وقل لها خلال ضحكاته:
ـ يا الله..أنت لم تتلعثمي مرة واحدة خلال كلامك! يجب أن تترشحي لمنصب رئيسة وزراء.
انتظرت متجهمة الوجه، إلى أن عاد إلى جديته فأكملت كلامها:
ـ سأقول لك لماذا كنت مصممة هكذا للحصول على كتابك..والعمل معك..أردت العمل في السيناريو، لأنه سيأثر كثيرا على مستقبلي المهني.
ـ كسكرتيرة ؟
اتجهت إلى شيء من الحقيقة بعد أن كذبت:
ـ أنا لست سكرتيرة..أنا كاتبة سيناريو.
ظنت أنها لمحت شيئا من خيبة الأمل، وكأنه فقد اهتمامه بها، من الواضح أنه يعتبر الطموح المتحجر أمرا مبتذلا.
ـ أتعنين أنك تحت وهم أن العمل معي سيدفعك إلى عالم كتاب السيناريو المغلق؟
ـ لا..فليس هذا ما أعنيه أبدا..لأنني كاتبة محترفة..مع تسعة سيناريوهات باسمي..ومنتجة كذلك لمسلسلات تلفزيونية، إضافة إلى روايات درامية..لكنني أردت أن يكون لي سجل في سيناريو قصة رئيسية لها اعتبار و أهمية أكثر من الروايات القصيرة..وأردت أن يكون لدي شئ جاهز أبدأ العمل به قبل أن يسبقني أحد..ولم أكن أعرف أنك ستصر على أن تقوم بالسيناريو بنفسك.
كانت بالتدريج تعود إلى الوقوع في حبائل عادتها القديمة من الثرثرة:
ـ هكذا طلبت من دويل أن يحصل لي على العمل معك. وكنت مستعدة إلى النزول لمستوى مساعدة، لأحصل على خبرة أستخدمها فيما بعد، أعني في وضع سيناريو يحمل إسمي.
فجأة رأت تلك النظرة القديمة الكئيبة تجتاح وجهه..كما حدث له في اليوم السابق حين سمع ضحكتها، ثم بعد ظهر اليوم وهو يراقبها تأكل السندويش..وسألت باشفاق:"ما الأمر؟".
ـ إدنا..اسمك إدنا..وأنت لم تنتحليه كجزء من خطتك للوصول إلي..أليس كذلك؟
ـ لا..لم أفعل هذا. إن اسمي هو إدنا فعلا.
لم يكن يصغي إليها بل بقي يردد اسمها :
ـ إدنا! إدنا! إدنا...إنه قريب جدا..لماذا لا أستطيع الوصول إليه؟
ترقرقت الدموع في عينيها..لقد شهدت مرور مايلز بنفس العذاب عددا من المرات، وهي لا تستطيع سوى مراقبته عاجزة:
ـ أوه..أرجوك مايلز..توقف عن تعذيب نفسك.
انزلق الإسم من بين شفتيها دون تفكير، وبشكل طبيعي، حتى أن لحظات مرت قبل أن تعي ما فعلت..راقبته وهو يرفع رأسه ببطء، يركز بجهد عينيه القاتمتين العميقتين عليها.
ـ بماذا ناديتني؟
فات الوقت للتراجع، فقالت بوضوح:"مايلز..ناديتك مايلز".
أسرت عيناه عينيها للحظات طويلة معذبة..لكنهما لم تظهرا أي دليل على المعرفة، ولا حتى الشك..ثم، وبصوت عادي، سألها:"من هو مايلز؟".
عاد الدم يتدفق مجددا في عروقها ،وأحست بارتياح غريب.
ـ أوه..إنه صديق.
ـ هل هو الموظف الصغير؟
مرت لحظات قبل أن تتذكر أنه يعني من ساعدها.
ـ الموظف الصغير؟ أوه..لا. بالتأكيد لا..فمايلز هو..كان شخصا مميزا.
ـ كان؟
ـ أجل.
ـ وهل مات؟
ترددت، محاولة أن تكذب، لكنها ترددت أمام تشاؤم غريب:
ـ لا..إنه فقط..رحل.
بقي صوته باردا جافا، لكنها أحست بالإشفاق منه عليها:"وأحببته؟".
أطرقت بصمت، فأكمل:
ـ أفهم من هذا أنك ما زلت تحبينه..هل لنا أن نتكلم عنه؟
ـ لا..لاأظنني أستطيع..يس بعد.
أمعن النظر متجهما في وجهها الخالي من أي تعبير:
ـ أوه..فهمت..إذن أنا كذلك أمر في فترة تجربة، أليس كذلك؟
ـ أرجو عفوك؟
قال بهدوء:
ـ أنا كذلك يجب أن أبرهن على أنني أستحق ثقتك..هذا ما كنت تحاولين قوله لي ..أليس كذلك؟
وقفت إدنا، وقد وصلت إلى نهاية قدرتها على التحمل، وقالت بهدوء محولة عينيها عن عينيه الماكرتين:
ـ أنت مخطئ ..لست مضطرا للبرهنة عن شئ..بإمكانك الحصول على ثقتي في أي وقت إذا شعرت أنك بحاجة إليها.
لم تر التعبير الذي ألان ملامح وجهه القاسي الوسيم:
ـ من الأفضل أن تذهبي إلى النوم الآن يا إدنا..وإلا فلن تكوني ذات فائدة لي في الصباح. لا تنسي، يجب أن تدخلي هذه المشاهد الأربعة إلى الكومبيوتر، قبل أن أعاود استعبادك في الساعة العاشرة.
ـ أتعني أننا لا زلنا معا؟ وأنني لست مطرودة؟
ـ يا الله..لا! لسوف توفرين علي الكثير من الوقت مع وجود نسخك الأولى..إضافة إلى هذا، لن أستطيع تحمل خسارتك..فأنت كاتبة سيناريو ممتازة.
كانت عند الباب حين قال:
ـ لمعلوماتك فقط يا إدنا..قررت أن أسترشد بغرائزك الأنثوية..لقد تخليت عن "اليكسيس" الروبوت البشري وهي الآن فتاة حقيقية من لحم ودم..وعلى وشك بلوغ سن الرشد..كي نتمكن من الحصول على قصة حب مقنعة.
أجفلت:"أنا لم أنتقد أبدا قصة الحب في قصتك..قلت فقط إن..".
ـ إنها جافة كثيرا ..وكلانا يعرف هذا..إذن، هذه هي فرصتك لتبرري ثقة دويل فرانسيس بك..ومهما كلف الأمر، عليك أن تحولي اليكسيس إلى إدنا وتتركيها تجد فارس أحلامها.
ـ ماذا؟
أدهشها ما يختزن في ذاكرته، وسمعت مايلز يقول عبر فم هايدن:
ـ لها نكهة أبعد بكثير، ولا شك أنك التقطت صدى "العاصفة"في قصتي..ظننت نفسي أخفيت الآثار جيدا، لكن يبدو أن كشفتني.. لن أهينك بعد الآن بشكوكي..لكن، يبدو مصادفة غريبة أن اسمك هو اسم أحد الأرواح.
ردت متهالكة:
ـ أجل ..أليس كذلك؟ والأكثر من هذا،أنني ولدت وتربيت في جزيرة مسحورة مثل التي في قصتك..ما رأيك بهذه المصادفة؟
كانت قد وصلت إلى الباب تقريبا..حين جاءها صوته الرقيق يوقفها، وديا، وعفويا بشكل مخادع:
ـ لحظة واحدة يا إدنا.
استدارت :"نعم؟".
ـ أعرف أننا تحدثنا في هذا من قبل، لكن اسمحي لي أن أسألك مرة أخرى ولن أكررها.أعدك..أكنت تعرفينني آنذاك؟
ـ آنذاك؟ أتعني حين...
ـ أعني حين كنت نفسي الأخرى..وكما اقترحت أنت بالأمس، حين كنت روحا ضائعة..هل عرفتني آنذاك؟
اتخذت قرارها في لمح البصر..وقالت بوضوح:
ـ لا..لا..لم أكن أعرفك!
تفرست فيها عيناه الباردتان عن كثب لوقت قصير، وقال بصوت منخفض:
ـ يبدو عليك الأسف..أعجب لماذا..
ـ لأنني كنت سأحب أن أساعدك لتكشف غموض فترة الضياع..والآن..
وترددت.
ـ نعم ..تابعي!
ـ لأنني أظن أنك كنت ستسعد بصديق مقرب.
وتركته دون كلمة أخرى.
لم تتصل بدويل فرانسيس في الصباح التالي..فقد نسيت في الواقع أنها قررت الإتصال به..فذلك اللقاء الليلي مع هايدن مسح من دماغها كل قرراراتها المتعلقة..ومهما كان الثمن، مهما كان الألم،فهي مصممة على البقاء، وجعل نفسها مساعدة لا يستغني عنها هايدن جاكوبس أبدا.. حتى لا يعود له الجرأة على أن يتركها خلفه.

***
5/حب بلا وجه

كان عصر ذلك اليوم مشمسا لطيفا، فكان البشير للخلاص من الجو الكئيب الممل الممطر الذي استمر طوال الأسبوع..نسيم لطيف هب عبر النوافذ العريضة، المطلة على المناظر الجميلة، ليملأ المكتبة الهادئة بأصوات الطيور المرحة، وأريج منعش لبراعم الربيع.
كان هذا يوم سبت، لكن ذلك لم يكن يشكل أي فارق لهايدن، كما فكرت إدنا بقلق.. إنه يتوقع منها الإستمرار بالعمل طوال نهاية الأسبوع، كما فعلا في الأسبوع المنصرم.. كل همه أن ينهي كتابة السيناريو لينصرف إلى أفكاره التالية، ويتحرر من صحبتها.
أمضيا الآن مايقارب الأسبوعين معا، وكل ما تستطيع قوله هو أن هايدن يبدو سعيدا تماما عن قراره في توظيفها.. فبعد تلك البداية المحطمة للأعصاب، استقرا في تناغم، وحتى في صداقة أحيانا، في علاقة العمل بينهما. كانت نصوصها الأولى تستخدم الآن كنسخة أولى بانتظام. وبالطبع، كان لهايدن دائما الكلمة الأخيرة.. لكن مرات ومرات متكررة كان يوافق على إقتراحات منها. في الواقع، أصبحا زميلي عمل متساويين.
لكنها حتى الآن لم تكن قادرة أن تأخذ أمر توظيفها على أنه أمر مسلم به، طبعا. فما زالت في فترة اختبار، لا تعرف أبدا ما إذا كانت ستبقى هناك في اليوم التالي.. لكنه حافظ على وعده الذي قطعه تلك الليلة الأولى وتوقف عن مفاجأتها بأسئلته المحرجة، لكنه كان يوضح بشكل صريح أنه ما زال لا يثق بها.. بين حبن وآخر، كانت تضبط عينيه الباردتين تحدقان إليها، والبسمة الساخرة التي تحذرها بصراحة من أنه ليس مخدوعا ولو للحظة..فهي بالنسبة له مذنبة حتى تثبت برائتها.
بإمكانها الآن أن تبتسم.. فلا شئ كان أفضل لراحة بالها من هذين الأسبوعين من التعاون المقرب مع الرجل الذي كانت ذكراه تلاحقها لسنوات ثلاث طويلة. ابتسمت لنفسها ..يبدو أنها اكتشفت طريقة جديدة لتخليص الناس مما يستحوذ على نفوسهم، بأنها حولت المرض إلى دواء بحد ذاته.. كاستخدام سم الحية للشفاء من لدغتها.. وكأنما العيش بقرب شخصية مايلز الأخرى قد بدأ بطرد شبح الماضي منها .
ولم يعد يبدو من المهم جدا لها أن يأخذها معه لإنهاء السيناريو على متن يخته، وفي جزر السيشل.. فهي الآن متكيفة تماما مع فكرة الإستيقاظ ذات صباح، لتقول لها باميلا، ان هايدن سافر إلى السيشل، ولن يحتاج إلى خدماتها بعد. كانت في الواقع قد أخذت تنظر قدما إلى حياة جديدة، متحررة من مايلز ومن هايدن على حد سواء.
بسبب استحواذ مايلز على مشاعرها خلال السنوات الثلاث التي مرت، لم تحس يوما بأي مشاعر نحو أي رجل آخر. ومع ذلك، كان غريبا أن تكتفي بالعيش قرب هايدن متحررة أخيرا من حبها له.
اتجهت عيناها نحو الكاتب، تستوعب الحيوية الكامنة في جسده المسترخي، والحذر معا.. إنها ما زالت غير واثقة من مناعتها ضده.
قاطع صوت هايدن الجاف أفكارها:
ـ هاي، إدنا، تعالي إلى هنا.. كنت بعيدة أميالا بأفكارك.
وأحست بخديها يحترقان باحمرار غاضب.
ـ كنت ..كنت..أحلم حلم يقظة.
ابتسم لها:
ـ أراهن على أنها حول جزيرتك.. ثلاث سنوات ولا زلت مشتاقة إليها..
ـ لست مشتاقة لموطني..بل الواقع، كنت أعرض لنفسي تقريرا عمليا عن تقدمنا.
كانت قد تعلمت أن ترد على أسئلته بالسرعة المطلوبة كما كانت تفعل مع مايلز.. فله القدرة على التقاط ما قد يبدعه خيالها.
استند هايدن إلى الخلف وتمطى بكسل:
ـ وكذلك أنا.. باختصار، قد ضجرت،وبدأت أحس كأنني متحجر ضمن الضريح الذي تغزوه الأشباح.
ردت بحدة:"شكرا".
ـ على الرحب والسعة، لكنني لم أقصد أن أشملك بين الأشباح. فأنت من صنف الأرواح اصغيرة الطيبة..أيتها الصغيرة الذكية.
ردت بنفس الروحية:
ـ لكنها ليست أفكارا يعتمد عليها ..هل أنهيت مراجعة المشهد؟
ـ أجل..إنه لا بأس به..ونستطيع البدء بالتالي..إلا إذا فضلت أن نتوقف الآن.
ـ نتوقف؟ لم تصبح الساعة الخامسة بعد!
ـ أعرف.. لكن شيئا ما يقول لي إنك لست متحمسة جدا للعمل اليوم.
مرة أخرى قرأ أفكارها ككتاب مفتوح.
ـ حسنا، لن أمانع في استراحة لنتمشى..إنه يوم جميل و...
توقفت تنظر إليه، مذهولة لصوت العجلات الناشطة فوق الحصى، تعلن عن وصول سيارتين على الأقل. صوت صفق الأبواب الحاد، أكد شكوكها بأن عزلتهما مهددة بالغزو.
تأوه هايدن.
ـ أوه..هل تتوقعين زوارا؟
ردت ساخطة:
ـ بالطبع لا..لن أجرؤ على دعوة أحد حتى ولو أردت..وماذا عنك على أي حال؟ هل دعوت أحدا لعطلة الأسبوع؟
ـ أتمزحين..انتظري لحظة، ماهو اليوم؟
أخذت تحسب بسرعة:"الرابع عشر".
ـ إنه يوم مولد جويس! والله وحده يعرف سبب قولي لهم إن باستطاعتهم استخدام منزلي.. لقد نسيت كل شئ..باميلا تمتمت بشئ عن الأمر بالأمس، لكن كان يجب أن تذكرني مجددا.
استدار إلى إدنا:
ـ أنت كذلك كان يجب أن تذكريني من المفترض أن تكوني سكرتيرتي.
ردت بحدة:
ـ لست سكرتيرتك! لقد اتفقنا على إنهاء هذه التمثيلية منذ الليلة الأولى لي هنا .إضافة إلى هذا، لن أستطيع أن أكون سكرتيرة ولو توقفت حياتي على هذا.. لأنني عاجزة فيما يتعلق بالمواعيد والتواريخ.
رد بظرف:
ـ إذن ، ادفعي الثمن يا حبيبتي.. بإمكاننا أن ننسى كل شئ عن العمل وعما تبقى من نهاية الأسبوع.. فأنا أرفض العمل في منزل ملئ بالمتطفلين، سأرفع يدي تاركا منزلي وضيوفي وعائلتي كلها لك. وحظا سعيدا لك.
ـ لك ..ماذا أقول لهم؟
ـ أي شئ يعجبك.. قولي أنني مصاب بداء الكلب.. لا فهذا لن يردع أقاربي الفاسقين.. قولي ان نوبة جديدة من فقدان الذكرة عاودتني، وانني ضائع عن هذا العالم.
وانطلق في طريقه إلى الكراج.
جاء صوت كسول منغم يشبه صوت هايدن،من ورائها:
ـ وفي ذلك يكون الخلاص المعتاد والممتاز.
استدارت إدنا وهي تشهق..وإذا برجل طويل وسيم يقف بباب المكتبة، ابتسامته المتسلية تعترف دون خجل بأنه كان يسترق السمع على ما دار بينها وبين هايدن. وأكمل، وهو يدخل الغرفة:
ـ لو كنت مكانك لما ضيعت أنفاسي في محاولة إيجاد عذر لتصرفات هايدن..فكلنا معتادون عليها الآن. زوجتي وباولا ستغضبان بالطبع..لكننا معتادون على هذا كذلك، فلا تفكري بالأمر. اتركي كل شئ لي .
لاحظت تشابها مميزا مع هايدن.ز ولكن، وبينما مخدومها ذو خشونة وسيمة وقوة لا تلين، كان لهذا الرجل وجه طفولي ومظهر جميل.
ـ الآنسة جايمسون، كما أعتقد؟ هل لي أن أناديك إدنا؟ أنا مالكولم جاكوبس، ابن عم هايدن..أكبر سنا منه، لكنني أصغر بكثير،روحا.
إذن هذا هو الرجل الذي يأخذ دور هايدن في الإدرة العامة لمؤسسة جاكوبس. ذلك الذي اتهمه دويل فرانسيس بالوثوب إلى مركز ابن عمه ورفضه التخلي عن المركز حين عاد الرجل المفقود.
ثم تابع:
ـ لقد تحدثنا عدة مرات على الهاتف.. لكن بمعرفتي لمزاج هايدن، لم أجرؤ بإشغالك بحديث مطول، خوفا على حياتك..تعالي وانضمي إلينا لتناول شئ من العصير.
ـ أوه..لاأستطيع يا سيد جاكوبس..ما زال أمامي ساعات من الطباعة..و..
حاولت التهرب منه، فقال:
ـ كلام هراء..وبما أن هايدن كان أنانيا بما يكفي ليرحل ويتركك تحت رحمة أقاربه المتوحشين،لا أرى سببا يمنعك من قضاء عطلة الأسبوع دون أن تكوني مستعبدة له.
كانت تحاول جاهدة أن تقرر ما إذا كانت لهجته الساخرة كريهة، أم أنها مجرد محاولة لتغطية الإعجاب الذي ينظر فيه لابن عمه..وأكمل:
ـ على فكرة..أتمانعين في أن تناديني باسمي الأول؟ بما أن لي شرف مشاركة لقب السيد جاكوبس مع ابن عمي الشهير، أفضل أن لا أنادى به..اسمي مالكولم، في حال لم تسمعي به.
انفجرت إدنا ضاحكة:
ـ هل أنت وثق من أن جويس ليست ابنتك الحقيقية؟
ـ أتعنين أن كلانا يتكلم كثيرا؟ حسنا.. أعتقد أننا هكذا. على أي حال يجب أن يكون واحدا هكذا في عائلتنا..والآن تعالي لتقابلي العائلة.. فأنت مضطرة لهذا عاجلا أم آجلا.. لذا من الأفضل أن تنتهي من الأمر الآن.
قادها بلطف وحزم إلى غرفة الجلوس القريبة.. حيث انت تتوقع مجموعة كبيرة من الناس، لكن لم يكن هناك سوى ثلاثة..كانت جويس تبتسم لها من مقعد منخفض، لكن عينا إدنا انجذبتا فورا إلى باولا..كانت متمددة على أحد الأرائك في الناحية الأخرى من الغرفة الفسيحة تبدو مذهلة، أما المرأة الثالثة، فقد كانت صغيرة الجسم حادة الملامح كالطير الأعجف ولا شك أنها جوسلين والدة جويس.
كانت جوسلين تقف قرب الجدار الزجاجي تكاد لا تعي ما يحيط بها..عيناها مثبتتان على الممر المرصوف بالحصى الموصل إلى بوابة الفيلا، ترفض الاعتراف بوجود إدنا.. من وقفتها الغامضة، بدا من الواضح أنها رأت هايدن يخرج بسيارته، فهي ما زالت تغلي سخطا لرفضه إظهار الاعتبار لضيوفه.
تقدم مالكولم إلى الأمام وأعلن:
ـ هايدن خرج ..لديه مؤتمر طارئ..لكنني وجدت في المكتبة شيئا أفضل منه بكثير..ممثلته المؤقته..لذا قولوا مرحبا، وبلطف لها.
هذره المرح سبب توترا في وجه جوسلين مع أن عينيها بقيتا ثابتتين على النافذه.لكن باولا رفعت نفسها على مرفق واحد.
ـ أريد كوبا آخر يا مالكولم.
أطاع الأمر بروح مرحة وهو يقول:
ـ اعتقد أنك سبق والتقيت إدنا يا باولا..أليس كذلك؟
انتظرت إدنا بصبر بينما عينا باولا الخضراوان الجميلتان تتفحصان شعرها القصير الأشعث ووجهها الخالي من المساحيق، قبل أن تبتسم تومئ برأسها.
ـ هذه باولا ..ابنة عم أخرى لهايدن..لا مخاطرة في زواج القربى في حال كنت تتساءلين. كلنا كبرنا معا، أليس كذلك يا حبيبتي؟ كلنا ماعدا جوسلين.
رمى زوجته الصامتة بنظرة عداء:
ـ لقد انضمت إلى العشيرة مؤخرا..متى كان هذا يا حبيبتي؟..ثلاث..لا..أنا كاذب،أربع سنوات.
بدا على جويس الإنزعاج والتوتر، وأوقفت زوج أمها عند حده:
ـ انت لم تقدم لإدنا عصيرا يا مالكولم.
كان لتوبيخها تأثير فوري:
ـ آسف يا حبيبتي..إنني أنسى حسن الأخلاق وأنا في منزلي القديم..أعتقد أنني أعود إلى أيام مراهقتي.
ضحكة باولا ملأت الغرفة:
ـ أنت لم تكبر أبدا على أيام مراهقتك. وهذا هو سر سحرك..
كانت الكلمات تمر مرور الكرام في سمع أذن إدنا دون أن يكون لديها فكرة عما يتكلمون، وبدا لها أن هذا جزء من مزاحهم المرح. لكن الغرفة كانت تئز بطنين مقزز للنفس.
استدارت باولا الى إدنا:
ـ إذن كيف يجري العمل؟
ثم اختارت طعنتها التالية بحذر:
ـمتى تظنين أن هايدن سينتهي منك؟
بدأت إدنا تشرح:"لا أستطيع حقا أن أقول..".
ثم صمتت وتحركت إلى حيث كان مالكولم لم يجلس قربها.
لكن باولا كانت تتمسك بأي شئ تنشب أسنانها فيه:
ـ حسنا؟ ماهي مواعيدكما المقررة؟أسبوع آخر؟ أسبوعان!
وضعت إدنا كوبها النصف فارغ عى منضدة القهوة:
ـ من يعلم؟ "السيناريو"قد يأخذ أشهرا.
وضغطت على كلمة سيناريو في مواجهة أوهام باولا القذرة.
جوسلين التي بقيت حتى الآن بعيدة دبت فيها الحياة، وكأنما وعت فجأة وجود إدنا:
ـ ألم تنهيا العمل اليوم؟
ـ لا ياسيده جاكوبس..مازال لدي الكثير، وفي الغد كذلك.
ـ هذا كلام ينافي المنطق..لايمكنك العمل في نهاية الأسبوع. كنت في الواقع أعتمد على أن تكون غرفة نومك فارغة، فنحن نتوقع بضع أشخاص من خارج المدينة.. لماذا لا تخرجين أغراضك لتذهبي إلى بيتك وترتاحي حتى يوم الإثنين؟
كان مالكولم جاكوبس يراقب زوجته المتوترة، بتسلية واضحة..فقال:
ـ لا أظنها تريد الراحة يا جوسلين.
واكتفت إدنا من كل هذا، وقالت بحدة:
ـ أنا آسفة، لكن هايدن مصر على أن أبقى هنا،يا سيده جاكوبس..والآن أرجو المعذرة،فقد تأخرت في عملي.
حاولت أن تترك لكن مالكولم منعها.
بدت جوسلين ممزقة بين الإحباط الغاضب، والقلق المتزايد ثم قالت بمزيج من الاعتذار والتحدي:
ـ لكنني.. أخشى أنني لم أشملك في لائحة العشاء غدا.
تدخلت باولا بظرف:
ـ إنك تعلمين..فالعشاء سيكون للعائلة فقط والأصدقاء المقربين.
.. لم تكن مستعدة لأن تتحمل المزيد من هذا، وقفت وقالت تخاطب جوسلين، وعيناها متجهتان إلى باولا:
ـ في الواقع هايدن وأنا كنا ننوي تناول العشاء في الخارج غدا، ولقد حجزت لتوي مائدة في مطعم "ماي فير".
خرجت الكذبة منها قبل أن تمنع نفسها.كانت دائما تقع في ذات الفخ حين تجد نفسها محشورة في زاوية، أو حين ينفد صبرها حقا.
ـ أتعنين..انه لن يكون هنا؟
الهمس المذهول جاء من جوسلين، وفي نفس الوقت تدخلت باولا بغصب:
ـ كيف يجرؤ؟ كف يجرؤ على إهانتي هكذا؟
لم تكن إدنا قد توقعت رد فعل عاصف كهذا، وندمت بمرارة على تلك الكذبة الغبية. كل ما ينقصها الآن هو أن يعتقد هايدن أنها تعمدت الإيقاع به.. ومهما بذلت من جهد في إنكار نيتها في الخروج معه، فلن يصدق.
اخترقت باولا الصمت المتوتر بالوقوف والخروج بكل عاصف من الغرفة، صافقة الباب السندياني الثقيل خلفها.
استدار مالكولم إلى إدنا يبدو عليه الأسف الحقيقي.
ـ آسف لهذا يا عزيزتي..باولا عادة تصبح حادة المزاج حين لا تسير الأمور حسب خططها.
ردت ببرودة محاولة الذهاب:
ـ أرجو المعذرة ياسيد جاكوبس..يجب أن أذهب الآن. لكنني سأحاول الإبتعاد عن المكتبة إذا كان هذا سيناسبكم أكثر. أستطيع العمل في غرفتي.
ولم يحاول أحد إيقافها وهي تخرج.
لم تكن لديها النية في العودة إلى العمل الآن. لكن خرجت من المنزل، مصمة على أن تبتعد عن طريقهم لأطول فترة ممكنة واتجهت مباشرة إلى سيارتها"الرينو" المتوقفة منذ عشرة أيام في كاراج هايدن الواسع. إنها لم تستخدمها طوال هذه المده..وخطر ببالها أنها قد تتمتع بجولة، ستكون هذه أول إطلالة لها على العالم الخارجي منذ بدأت العمل مع هايدن.
لكنها أحست بإحباط خفيف حين وصلت الكاراج. لا شك أن جويس خمنت ما هي خطوتها التالية، وكانت هناك تنتظرها..واستقبلتها بتعاسة:
ـ كنت أعرف هذا..أنت ستهربين..أليس كذلك؟
ـ لا تكوني سخيفة..لماذا أهرب؟
ـ هذا هو الأمر..يجب أن لا تغضبي بسبب أمي وباولا. أنا حقا آسفة لأجلهما يا إدنا..لكنك أصبحت الآن تعرفين لماذا يكرهنا هايدن جميعا..ولست أدري حقا كيف يمكن أن أعتذر لتصرفهما.. لايجب أن تهتمي كثيرا بمالكولم..إنه رجل لطيف حقا، ويحب هايدن، لكنه ضعيف الشخصية، أما باولا..
رغما عنها لم تستطع إدنا كبح سخطها على المرأة المتكبرة.
ـ أجل..وماذا عن باولا؟
ـ حسنا..إنها تغار منك..إنها تكره أن يمضي هايدن كل وقته معك..فهو لم يخرج معها مرة منذ بدأتما العمل معا..وهي تعتبره ملكا لها..هل فهمت؟
ـ ملكا لها؟ أتعنين أنهما مخطوبان؟
ـ أوه، لا..لم يعودا هكذا..لقد فسخ هايدن الخطبة حين عاد من..من رحلته. وتزوجت ثم طلقت، لكنها ما تزال مقتنعة بأن الواحد منهما للآخر..إنها لا تستسلم أبدا.
وطفقت جويس تسرد كل تفاصيل علاقة باولا بهايدن، وزواجها الفاشل، ومهنة عارضة الأزياء..لكن إدنا كانت قد وقفت عن الإصغاء..فذهنها كان مشغولا بتفهم جديد لشئ كان لا ينفك يعاودها منذ سنوات.. أكبر عذر لمايلز في معارضته الزواج منها كان فارغا، لكنه كان يشعر أنه لم يكن حرا..لقد أصبح من الواضح لها الآن، أنه، وفي مكان ما من عمق ذاكرته المظلمة، كان يحتفظ بصورة لهذه المرأة الجميلة المحنكة التي يعرفها تقريبا منذ طفولته.. وألزم نفسه بها.
كانت جويس تكمل، غير واعية استغراق إدنا في أفكارها:
ـ .... وأرجوك، لا تشعري بالغضب نحو أمي نها كانت سيئة الخلق معك.. فقد كانت متكدرة قليلا.. لطالما كانت تأمل في أن تزوجني هايدن..ولكن،الآن،ومنذ وصلت..
الكلمات العفوية أسرت انتباه إدنا فجأة:
ـ ماذا؟ ماذا عنيت بالضبط يا جويس؟أنت لا تظنين أنني و هايدن..
ابتسمت الفتاة للصدمة التي بدت على إدنا، وردت بهدوء:
ـ أنا لا أظن شيئا..لكنني أريد أن تعرفي أنني لست منافسة لك، ليس أكثر من باولا..كان يمكن أن يكون لي فرصة يوما.. لكنني خسرتها لحظة سمع ضحكتك.
حدقت الفتاتان بصمت ببعضهما، ولفترة طويلة.. ثم ضحكت جويس، وعاد القناع الخالي من الهموم،والبرئ، إلى وجهها.
ـ ألست محظوظة لخروجك مع هايدن غدا؟ إنك على الأقل، ستتخلصين من مشهد كريه لآخر من تمثيليات أسرة جاكوبس.. مع أنني آسفة لأنك لن تحضري حفلتي..فأنا أحبك حقا..
ـ فابتسمت إدنا لها قائلة:"الشعور مشترك".
ضحكت الفتاه:"أوه..أعرف هذا".
وذهبت.
كانت إدنا ما تزال مصدومة بما كشفته جويس لها وهي ترجع سيارتها الى الوراء لتخرجها من الكاراج..وكانت تسير عبر زقاق هادئ خارج الفيلا،مستغرقة في أفكارها، حين خفق قلبها فجأة بعنف..ومر ببالها خاطر كالبرق جعلها تحيد عن الطريق وتقف وهي تطفئ المحرك.
أعاد صوت كسول منخفض إحياء حواسها الخدرة، وكأنه الصفعة الحادة.
ـ إلى أين كنت تفكرين بالذهاب بالضبط؟
هاجمته فور أن وجدت صوتها:
ـ أنت مجنون يا هايدن! هناك طرق أسهل للتخلص من مساعد غير مرغوب به، عدا عن دفعه ليصاب بنوبة قلبية.
في تلك اللحظة فقط رأت سيارته البورش الفضية واقفة على بعد ياردات من سيارتها. لم يكن هايدن مبتسما وهو يفتح باب الرينو القديمة.
ـ آسف، أطلقت البوق عدة مرات، ولكن لاشئ أخرجك من أحلام يقظتك..إذن..أين أنت ذاهبة؟
ـ إلى هامبستيد.. لأبتعد بضع ساعات عن جو العمل..و..
أنهى جملتها:"وبعيدا عني".
ردت غاضبة:
ـ إذا أصررت على هذا..فلست أرى سببا يجعلني أنا التي أتعامل مع أقاربك المشاكسين بينما تجد أنت حريتك لتهرب.
رد بضحكة جافة:
ـ نفس الفكرة خطرت لي.. كنت في الواقع عائدا لأخرجك من هناك..لكنني شاهدتك هنا ..وكنت تحلمين مجددا ..أليس كذلك؟
ـ لا..في الواقع، كنت أفكر بعائلتك..جويس وآخرين..
ـ و..؟
ـ باولا.
ـ آه..باولا الجميلة الذهبية الشعر..حب شبابي الضائع منذ زمن بعيد..هل أعجبتك؟ لا تهتمي بذلك. أتظنين أن ركضا قصيرا حول المرج يمكن أن يهدئك؟
ترددت.. إنهما لايعملان الآن، وشئ ما في الطريقة التي اقترح بها النزهة عليها ،جعلها تبدو وكأنه يطلب منها الخروج معه ..فجأة تذكرت كذبتها السخيفة حول عشائهما معا في الغد..وأكمل يسألها وهو يفتح الباب:"حسنا؟".
ـ كنت في الواقع أنوي السير حول القرية.. انا بحاجة إلى بعض التسوق و..
ـ يكنك أخذ عطلة صباح الإثنين لأجل هذا.. تعالي يا إدنا. مجرد نزهة قصيرة حتى مجموعة الأشجار هناك..
خرجت من السيارة، بدأت بركض سريع في الزقاق المهجور الذي يقود إلى المرج.. لكنه تجاوزها بعد بضع ثوان، ودون أن ينظر إليها تابع ركضه بكسل صاعدا المنحدر، تاركا إياها خلفه.
وهي تلهث، جلست على العشب البارد، ترمي نفسها إلى الخلف، وعيناها مغمضتان..تحاول تهدئة رئتيها.
جاءت كلمات هايدن الكسول ترفرف من فوق:
ـ أتشعرين أنك أفضل حالا؟
هزت رأسها إيجابا دون أن تفتح عينيها، وأكمل:
ـ يجب عليك أن تعودي إلى موطنك.. فهذه البلاد تحول عضلاتك إلى قطن.
شئ ما في صوته جعلها ترد بحدة،ودون حكمة:
ـ وما الذي يجعلك تظن أنني كنت أفضل حالا هناك؟
ـ أنت قلت لي.
صمت فجأة، واستدار إليها، والإرتياب في صوته:"هل قلت لي حقا؟".
ـ أعتقد هذا ..فأنا أتكلم كثيرا. وبالكاد أذكر ما أقول.
جلست فجأة شاعرة بأنها مكشوفة لنظراته المتفرسة. كان المرج مهجورا تماما، تغمره ظلال الغروب المتطاولة، والحزام العريض الكثيف من أشجار الدردار، وكأنها القوقعة العازلة.
كالعاده، كانت أفكارهما تسير في نفس الإتجاه..وقال بصوت منخفض:
ـ لقد ابتعدت طويلا عن يختي، وأشتاق إلى البحر.
أجابت ضاحكة:
ـ أفضل أن أحتفظ بقدمي على اليابسة. أحب الإبحار، لكنني أفضل العودة إلى منزلي الثابت في نهاية اليوم .
ـ طبعا..لكن أيمكنك تحمل قضاء بضعة أسابيع في البحر؟
السؤال كان عفويا، حتى أنها لم يخطر ببالها أن يكون له معنى أبعد من الإهتمام العادي.
ـ أعتقد أن بإمكاني هذا.. لكن ليس وحدي.. فأنا لا أتحمل صحبة نفسي كثيرا..وتعرف هذا.
ـ ومعي؟
ضحكت إدنا مقطوعة الأنفاس قليلا:
ـ أوه..معك..؟ هذا اقتراح مختلف تماما.
تابع بهدوء:
ـ يمكننا كذلك أن نقوم بزيارة قصيرة لجزيرتك..فيختي يرسو في السيشل..وهذه مصادفة أخرى.
ها قد عاد مرة أخرى.. ذلك التلمح الساخر بأنه أكثر ذكاء منها..دعيه يقول ما يشاء.. لقد تعبت من تجنب مثل هذه المآزق..
والتقطت الطعم:
ـ أتساءل ما الذي جعلك تتجه إلى المحيط الهندي؟ قرأت في إحدى المقالات الصحفية القديمة أن منطلق رحلاتك البحرية كان في الكاريبي.
ـ هذا صحيح.. لكن المحيط الهندي هو المكان المفضل لدي للبحث.
ـ البحث؟ البحث عن ماذا؟
ـ عن ذاكرتي المفقود يا حبيبتي..هناك أضعتها.
أجفلت..كانت هذه هي المرة الأولى التي يرد فيها على سؤال مباشر منها، دون محاولة الحذر..وسألت بحذر:
ـ في جزر السيشل؟
أدار عينين لامعتين إليها:
ـ إما هناك. وإما في جزيرة أخرى في المحيط الهندي.. لست متأكدا. كل ما أستطيع قوله هو أنني وجدت ذاكرتي الحالية في "ماهي" في المستشفى على وجه الدفة. يبدو أنني تهاويت منهارا خارج مطار فيكتوريا كما قيل لي.. أغمي علي دون سبب ظاهر.. لم يكن أحد يعرف من أنا، أو كيف وصلت إلى هناك، ولم أساعدهم. آخر شئ أذكره أنني كنت أطير فوق المحيط الهندي، في طائرتي الخاصة الصغيرة، وأحد الجناحين يشتعل.. أقنع نفسي بكلمات خالدة: "الموت يمكن أن يكون مغامرة كبيرة".
ـ لكنك كنت تعرف من أنت؟
قطب جبينه، وكأنما وجد سؤالها لا معنى له:
ـ بالطبع كنت أعرف.. لكنني لم أستطع معرفة سبب وجودي في "ماهي" بعد ستة أشهر من تحطم طائرتي، دون أوراق، ولا بطاقات اعتماد ولا أية وسيلة تعريف.. كان كل ما بقي لي من الماضي الأسود لحية جذابة، حلقتها على مضض حين عدت إلى بلادي.
ـ أعتقد أن اللحية تبدو رائعة عليك.
ـ حسنا..أستطيع إطالتها مجددا.. إذا طلبت مني ذلك بلطف.
ـ قد أفعل هذا، إذا كان سيدفعك للعمل نصف ساعة أبكر كل صباح، كي لا تبقيني أعمل حتى منتصف الليل.. وبمناسبة الحديث عن الوقت.. ألا تظن أن من الأفضل أن نعود؟
وبدأت تقف ،لكنه منعها:
ـ انتظري يا إدنا ..كنت أعني ما أقول، وتعرفين هذا. فلو بقينا نعمل بتناسق جيد كما نحن حتى الآن..قد نتمن من إكمال ما تبقى على متن يختي.. يمكن أن نكون أفضل حالا بكثير دون مخابرات هاتفية، وتهديد عائلتي بالهبوط فجأة علينا .
لم تستطع إلا أن تحس برضى دافئ يسري في كيانها، بينما أبقت صوتها ثابتا باردا:
ـ أيعني هذا أنني لم أعد تحت التجربة؟
ـ إنك عرفتي هذا منذ أول ليلة لك في منزلي، فلا تتلاعبي معي يا إدنا.
ـ آسفة..لكنني لم أكن واثقة.
وقف على قدميه يمد يده ليساعدها:
ـ عظيم ..الآن وقد تأكدت، هل تفكرين جديا بنقل المكتب إلى اليخت؟
تنفست بعمق..إنها تلعب بالنار..لكن الوقت متأخر جدا للتراجع.
ـ بكل تأكيد..متى سنذهب؟
صمت قليلا ثم:
ـ ليس قبل بضعة أيام.. أحس أنني يجب أن أعطيك وقتا لتفكري قبل أن تقرري.
ابتسمت:
ـ تعني قبل أن تقرر أنت ؟بالنسبة لي، سأحب هذا كثيرا. لكنني أعتقد أنك بحاجة للإقتناع دون ذرة من شك أنني لن أتطفل على خصوصياتك..إذن فلننتظر.
بدل أن يضحك، هز رأسه وقال بهدوء:
ـ ليس الأمر هكذا بالضبط.. فأنا أريد التأكد من أنني لا أتطفل عليك.
ـ لا بأس أبدا..أنا لا أغار كثيرا على خصوصياتي مثلك.
وضحكت.
ـ ربما..لكن أنت تدركين أنك ستشاركينني أكثر من ساعات العمل.
ـ لن أمانع..في الواقع ، أحب أن أكون معك.
التفتت إليه، وقرأت في عينيه شوقا قديما إليها قابله إحساسها بالشوق المألوف يسري كأنه التيار الكهربائي في جسدها، فأغلقت عينيها خوفا من تأثيره عليها .
همس لها: "إدنا؟".
عرفت حتى قبل أن تفتح عينيها أنه لم يعد ذلك الغريب الواثق من نفسه، الذي كان يسلي نفسه بإثارته لأحاسيسها فالنظرة الضبابية التي التقت بنظرتها، كانت تتفحص وجهها بنفس الحيرة والعذاب اللذين تتذكرهما تماما.
أطلق ضحكة مرتجفة وهو ينظر إلى وجهها:
ـ يا إلهي يا إدنا..لم أكن أعرف أنني أريدك هكذا.
وكان الصوت صوت هايدن جاكوبس، وقد عاد لسيطرته الساخرة على نفسه.
ابتعدت عنه فجأة.. كان الوقت ظلاما الآن تحت أشجار الدردار، وكان هايدن على بعد أقدام منها..وسمعته يقول بصوت أجش:
ـ من الأفضل أن نعود الآن إلى المنزل.. سنكون أكثر ارتياحا هناك.
ردت بحدة: "ماذا؟ ماذا تعني؟".
ـ أعني أن اقتراحي أن ننتظر حتى نصبح على متن اليخت لم يعد ملائما الآن.. لم يعد هناك طريقة أستطيع فيها السيطرة على نفسي.
أصغت إليه مذعورة بافتراضه المتعجرف أن يكونا عاشقين..وتمتمت:
ـ أنا ..أفضل أن تنسى ما قلته. لم أكن أقصد بقبولي العمل على متن اليخت هكذا.وأنا آسفة.
لم يكن يتوقع هذا..كما أدركت من صمته الطويل الذي تبع رفضها له.. أخيرا قال:
ـ هكذا إذن..أعتقد أن مشاعرك موضوعة في ثلاجة لأجل مايلز الغامض..حتى،أو إذا،عاد..فهل هذا صحيح؟
ـ ما..مايلز؟
ـ الذي كان وسيكون في المستقبل..مايلز. الرجل الذي رحل.
صدمت وهي تدرك أنها وخلال وجودها مع هايدن لمتتصور نفسها برفقة مايلز مرة واحدة..لقد خرج الشبح أخيرا من قلبها.. هايدن هو الذي اخترق دفاعاتها.. فهو ورث كل الحب العنيف غير المتعقل الذي كان لمايلز.
سمعته يضحك بصوت خافت:
ـ أوه..حسن جدا..هذا يكفي..
همست بتعاسة: "أنا آسفة".
ـ لا تشعري بالأسى هكذا يا حبيبتي.. كل ما أتمناه هو أن يكون مايلز قادرا على تقدير هذا الإخلاص.
أفلتت ضحكة متوترة، غير طبيعية، من شفتيها بينما هددت موجة هستيريا بالإستيلاء على تفكيرها.. ودفنت وجهها بين يديها، غير واثقة مما إذا كان ارتجاف فمها سيتحول إلى بكاء، أو إلى ضحكات هستيرية.
قال لها بلطف:
ـ هيا يا إدنا.. ألا تظنين أن الوقت قد حان للتخلي عن هذا الخفقان المؤلم؟
حاولت أن تشرح له:
ـ لا علاقة لمايلز بهذا..و لا علاقة له بي أيضا.. أنت لاتريدني أنا بل تريد شبحا دفنته في ذاكرتك.
لم يحاول الإنكار، وقال بصوت منخفض:
ـ حسن جدا إذن..سأعقد اتفاقا معك يا إدنا..بما أننا معا مطاردان بشبحين كما يبدو ،فلنساعد بعضنا بعضا لطردهما من نفسينا. أنا مستعد تماما لأن أستخدمك كبديل، وبصراحة تامة يا حبيبتي، لا أظن أن من الصعب جدا طرد روح مايلز من جسدك..ما رأيك؟
أفلتت آهة من بين شفتيها المتصلبتن.. لم تعد قادرة على تحمل المزيد من هذه السخرية القاسية المهينة..وأكمل وهو يتابع النظر إليها:
ـ حسنا يا إدنا ؟الأمر عائد لك الآن. إلى أين نتجه من هنا؟
قالت له بحدة:
ـ لن نتجه إلى أي مكان.. إلا إذا كان اتجاهنا لإكمال العمل معا كما كنا نفعل حتى الآن.
عيناه البراقتان كانتا تبتسمان لها الآن، بسخرية:
ـ أوه..سنكمل عملنا، لا تخافي.. لكن لا تخادعي نفسك بأننا سنتوقف حيث انتهينا الآن.. فأنت ستواجهين عملية إغواء بكامل أبعادها..
ـ أيها النذل المتعجرف..
قاطعها بسهولة:
ـ أجل..أنا هكذا..أترين، أنا لم أخسر معركة بعد.
حاولت اختراق ثقته نفسه:
ـ يا إلهي..ألا تفهم؟ أنا لا أريد أن..
تجاهل محاولاتها العبثية للشرح، وبحركة سريعة سهلة وقف على قدميه، وهو يقول:
ـ أوه..بلى..تريدين..لقد فات الوقت الآن للتراجع يا إدنا، فأنا لم أسع إليك، أتذكرين؟ أنت من سعى ورائي..حسنا، لقد حصلت على ما أردت..وما أردناه معا.
حاولت الإبتعاد عنه بيأس:
ـ أنت مخطئ..مخطئ جدا . ما أريده أنا،وما تريده أنت، هما شيئان مختلفان تماما.
أجابها بحدة:
ـ لا.. ليسا مختلفين..كلانا يريد ان يدفن شبحا..أو على الأقل أن يجد بديلا، كي تودعي مايلز، وأتخلى أنا عن حلم مستحيل، في أن أجد شبحا لا وجه له..بإمكاننا متابعة هذا الحوار في المنزل..تعالي..سأسابقك إلى المنزل.
أخذ يركض بسهولة نزولا باتجاه الفيلا التي كانت الآن تشع بالأنوار..ثم انتظر ليرى ما إذا كانت ستلحق به. لكنها تابعت طريقها ببطء دون محاولة ذلك. إنها تحتاج لأن تكون وحدها، لتجمع شتات نفسها، وتفكر ببعض المنطق لما حدث للتو.. وبدا لها، وبشكل لا يصدق،أنها منذ ساعتين، كانت تجلس بهدوء في المكتبة، مستغرقة في التفكير بالماضي، وتتطلع بشوق إلى مستقبل جديد متحرر. ما يثير السخرية هنا ، هو أنها شفيت فعلا من مشكلتها القديمة، ولكن لتقع، وبيأس عاجز في مشكلة جديدة.
كان هايدن ينتظرها قرب الباب الأمامي،وكانت جوسلين ما تزال تقف في نفس موقعها،وكأنها لا تستطيع ترك مكان حراستها خلف الزجاج الذي لا ستائر له، وجهها متجهم متوتر في قناع حزين، وهي تراقب إدنا تتقدم على مضض إلى جانب هايدن.. وبدأت إدنا تحس بإطباق الفخ عليها.
قال هايدن حين وصلت إلى جانبه:
ـ لقد نسينا العائلة تماما يا حبي.. لكن هذا لا يهم..أعيدي سيارتك إلى هنا وضعيها في الكاراج.. ولا تزعجي نفسك بحزم كل حاجياتك، خذي فقط ما يكفيك لبضعة أيام.. ستشترين كل ما تحتاجين إليه حين نصل إلى هناك.
ـ نصل إلى أين؟ونشتري ماذا؟ لا أعرف عما تتكلم يا هايدن.
قال بصبر:
ـ سنقيم في فندق ريفي صغير إلى أن نغادر إلى السيشل. سأتصل بمكتبي ليحجزوا لنا على أول طائرة.
ضربت قدمها في الأرض غاضبة:
ـ أيمكن أن تصغي إلى يا هايدن، أرجوك! أنا لن أذهب إلى أي مكان معك.
قال بهدوء:
ـ أوه..بلى..ستذهبين يا حبيبتي.. لدينا عمل لم ينته بعد. وأنا لا أتكلم عن ذلك السيناريو.
استدارت عنه، تحاول الإبتعاد، لكنه منعها من الذهاب، أمام أنظار جوسلين المراقبة من خلف النافذة.
همست من بين أسنانها:
ـ دعني أذهب..إنهم يراقبوننا!
قال بأقصى درجات عجرفته:
ـ هذا أحسن..ودعينا لا نتناقش دون جدوى يا إدنا.. لست أدري لماذا تتصرفين هكذا. أنت بكل تأكيد لست من النوع الذي يمثل دور الفتاة الخجول.. ولكن مهما كانت أسبابك، دعينا ننهي كل شئ الآن، وهنا..
مبتسما أمام وجهها الغاضب، وقبل أن تستطيع فعل شئ، دفعها باتجاه الباب..ثم قال بخفة:
ـ اذهبي الآن واحزمي أمتعتك.. سآخذ القصة وبضع أشياء أخرى ثم أوافيك إلى هنا بعد عشر دقائق.
اتجه هو نحو الفناء خارج المكتبة.
لكنها بقيت حيث هي لبضع دقائق حائرة، حين رفعت نظرها، التقت بنظر مالكولم الضاحك لها من خلف الزجاج. لم تكن جوسلين واقفة هناك،.. وعرفت على الفور أن هناك شيئا واحدا يجب أن تفعله الآن.. استدارت، تدير ظهرها إلى المنزل مستعدة للخروج، إلى حيث أصبحت سيارتها مجرد شئ لا قيمة له بين الصفوف اللانهائية من الزحام المسائي، المتجه إلى وسط المدينة.

6/ خطر خلف الباب

بدا المنزل الفيكتوري الطراز في ضاحية"دولويتش" أكثر كآبة مما كان، بعد الأيام التي أمضتها إدنا في فيلا هايدن جاكوبس.. كان ليون في الخارج ولم يترك رسالة لأنه لم يكن يتوقع مجيئها.. وافترض أنه مع فيرا، الطبيبة المتدربة في نفس المستشفى، والتي أصبحت صديقته الدائمة منذ حوالي سنة.
أعدت إدنا نفسها لمعركة.. ثم اتصلت بدويل.. حين أجاب أخبرته أنها ستترك العمل.
ـ أنا لا أنفعه يا دويل.. لأنني لم أكتب سيناريو فيلم سينمائي من قبل، بل فقط مسلسلات تلفزيونية.. ومن الأفضل له التعامل مع كاتب سيناريو حقيقي.
رد دويل ساخطا:
ـ قولي له أنت هذا..كما أن ما تقولينه هراء.. لأنه لم يتذمر.. في الواقع، أعتقد أنه مسرور جدا معك!بعد أيام من الترقب، اتصل بي ليقول إنه قرر استبقاءك، وإنه سيوقع العقد مع المنتج.. فكيف تأتين الآن لتقولي لي أنك لا تريدين الإستمرار؟
ـ أنا آسفة.
ـ حسن جدا.. لا يمكنك التراجع الآن..وهذا أمر نهائي.. ماالذي دهاك على أي حال؟ منذ أسبوعين كنت على استعداد لمقايضة عشر سنوات من عمرك بفرصة العمل معه!
بقيت صامتة.
ـ اسمعي يا إدنا.. إنني أرفض القيام بعمل أي شئ دون سبب وجيه.. أنت تتصرفين كفتاة مدللة، لا شجاعة لها. لماذا لا يمكنك العمل معه بينما هو من يريدك أن تستمري؟
ـ لا أستطيع يا دويل.. ويجب أن تساعدني.. لا أستطيع الإستمرار في العمل معه.. لم أعد أستطيع.
استسلم الوكيل السن أخيرا:
ـ الله يعلم أين سأجد البديل.. فلقد رفض هايدن أفضل من لدي من أشخاص.
ـ سيكون أقل عنادا الآن.. لقد انسجم حقا مع الجانب التقني، ولن يحس بالحرج مع المحترفين الآن.في الواقع يمكنه متابعة العمل وحده، لو سألتني رأيي.
ـ أوه..صحيح..أيمكنك تصوره وهو يطبع؟
أخفت ابتسامتها ألمها.. كان مايلز طابعا من الدرجة الأولى.. وقالت بهدوء:
ـ أستطيع أن أتصوره بكل تأكيد.. ولن أقلقك في هذا المجال.. اتصل به غدا، وقل له إنني لن أعود يوم الإثنين.. سأرسل إلى هناك من يأخذ أغ**** خلال الأسبوع القادم.
أعادت السماعة مكانها، ولساعة كاملة أخذت تجول في المنزل، تقوم بأعمال لا لزوم لها لتبقي نفسها مشغولة.
غرفتها لم توفر لها الراحة.. لكنها على الأقل وجدت فيها شيئا شغلها. لم تكن شخصا فوضويا بطبيعتها، لكنها كانت لا تطيق أن تلقي بعيدا حتى برسالة صغيرة.. ما لبثت أن أغرقت نفسها في العمل، وكأنما بتنظيم أوراق السنة المنصرمة المبعثرة، تستطيع تبديد الأوهام والآمال الزائفة التي كانت تتملكها منذ تركها مايلز. ووجدت نفسها ممسكة بقطعة ورق مجعدة، وصفراء من تأثير الزمن، حملتها معها من سانت باتريك، وكانت أول وآخر رسالة حب من مايلز.
"تذكري فقط عندما تفكرين بي، أن ذاكرتي مهما كانت خائنة في الماضي، فستبقى مخلصة لك.. قلبي يقول لي انني لم أحب أحدا من قبل كما أحببتك.. وكياني كله يصيح أنني لن أحب أي شخص سواك. لذا يا حبي.. إلى أن نلتقي ثانية.. مايلز"
حتى الآن، كانت الكلمات هذه تساعدها على إحياء آمالها، وتقويها في تصميمها على أن تجده.. لكن وهي تقرأ تلك الكلمات الآن بدأت تبكي بصمت، مستسلمة أخيرا لليأس الذي كان يخيم بثقله عليها.. وعد مايلز دق المسمار الأخير في نعش حبها لهايدن.. لقد حافظ على وعده، ذاكرته المدفونة بقيت مخلصة لشبح لا اسم له من جزيرة ضائعة.. وواقع أن هذا الشبح، بلحمه ودمه، هو هي، لم يشكل أي فارق.
كان يخيم على المنزل القديم المتجهم صمت مخيف. ولم تكن الساعة قد بلغت التاسعة بعد، والأمسية مازالت أمامها طويلة، فارغة، وحيدة،مليئة بالأفكار التعسة.
حسن جدا، لقد ودعت الشخصين الآن.. لقد ودعت مايلز، وتركت العمل مع هايدن في نفس الوقت. إنه لن يلحق بها، هذا ماهي واثقة منه.. إذا كان ما يزال يبحث عن بديل، فهناك جويس لإرضاء ذاكرته اللاواعية لفتاة الجزيرة.
انتظرت ليون حتى مابعد منتصف الليل.. كانت حاجة لأن تتكلم معه، أن تخبره عن هايدن، أن تدع منطقه وذكاءه يقويان قراراتها. لكنها تخلت عن توقع عودته تلك الليلة، فهو عادة يقضي عدة ليال في الأسبوع في المستشفى.
ذهبت إلى النوم وقد تزايد شعورها بالوحدة، وأخذت تفكر في مبلغ فراغ حياتها دون صحبة ليون المرحة.. ربما عليها أن تعود إلى سانت باتريك. ورغم أنها مازالت مليئة بذكرى مايلز، إلا أنها الآن مستعدة لأن ترحب بهذه الذكريا الحلوة التي بدأت تخبو.. على الأقل ستكون ذكريات مريحة، تهدئ من عذاب حبها المرفوض لهايدن.
استيقظت على منزل يضج بأصوات الناس، حين وصلت المطبخ نصف نائمة وجدت ليون في بيجامته، وفيرا، يحتسيان عصير"الغريبفروت"
قالت إدنا مخاطبة فيرا:
ـ أرجو أن لا أكون سببا لتوقفك عن المجئ إلى هنا.
ردت فيرا:"حسنا..أحس ليون أن..".
قاطعتها إدنا:
ـ انني مازلت زهرة هشة يجب أن لا تتعرف على وقائع الحياة؟
والتفتت إلى ليون ضاحكة:
ـ أم تخاف أن أغار منك لأن ليس لي صديق دائم؟
هايدن جاكوبس يرفض أن يفتح لها قلبه بسبب وعد قطعه لها في ماضيه المنسي، وها هو شقيقها الآن لا يجرؤ على المجئ بصديقته إلى المنزل خوفا من إزعاجها. بالنسبة إلى حالة ليون لا مشكلة لديها في إزالة العراقيل.. لكن ما من مجال تستطيع فيه إراحة هايدن من العهد الذي يفرضه على نفسه.. ولو قالت له الحقيقة حول مايلز، قد يشعر بأنه مرتبط بها بوعد شرف.. وإذا تركته،كما ستفعل، فسيبقى أسيرا لحبه الضائع.
ما إن أنهوا طعام الفطور، حتى كلف ليون الفتاتين بمساعدته في تحضير عشاء يوم الأحد، الذي دعا إليه عدة أصدقاء وصديقات.
كانت الساعة قد جاوزت السابعة حين وضعت إدنا آخر قطعة زجاج في خزانة الآنية الخزفية، وصعدت إلى غرفتها، تاركة ليون يتمتع بموسيقى موزارت من جهاز الستيريو، الذي رفعه إلى درجة تصم الآذان بينما خرجت فيرا لتوصل بعض الضيوف إلى بيوتهم.
وسرعان ما سلمت جسدها المتعب إلى دغدغة مياه الدوش الساخنة.. ومرت دقائق تدندن فيها مع الموسيقى الواصلة إليها من فوق صوت الماء، ثم أدركت أن هناك صوتا آخر.. صوت جرس الباب، يتعالى صاخبا حادا ما يدل على أنه كان يرن منذ وقت طويل.
انتظرت لحظات، عل ليون يرد، لكن لا شك أنه كان نائما،أو أنه مازال مستغرقا في الإستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية. أخيرا أمسكت منشفة وجففت نفسها بسرعة، وارتدت ثوب النوم.
بدا أن المتطفل المصر تخلى عن إصراره، فقد توقف الرنين قبل أن تصل الردهة.. مع ذلك تقدمت من الباب ونظرت إلى الخارج علها تلحق بمن كان يرن الجرس وكانت في الوقت المناسب لترى جسدا طويلا غير واضح المعالم لرجل على وشك دخول سيارة، بدت لها كسيارة بورش.. وإذ سمع الرجل صوت فتح الباب، استدار ليلمحها في الوقت المناسب.
بذعر هائل، حاولت إغلاق الباب لكن هايدن كان أسرع منها. وبخطواته الرشيقة الطويلة، قفز بضع خطوات وصل بها إلى الباب وعيناه قاتمتا الزرقة تتحديانها أن تقفله في وجهه.
ضحكت بحرج لتصرفها الغبي:
ـ آسفة..لا أعرف لماذا فعلت هذا.. أعتقد أنك فاجئتني.
ابتسم هايدن:
ـ كانت ردة فعلك محقة تماما.. لا يستطيع الكثير من الرجال المقاومة لرؤيتك.. أيمكن أن أدخل؟
تراجعت إلى الوراء: "أوه..طبعا ..تفضل".
وأقفلت الباب وراءه أمام الهواء الليلي البارد.
ـ ليون..شقيي في غرفة الجلوس وأظنه نائما.
كانت موسيقى موزارت لا تزال تصدح بصوت مصمم للآذان:
ـ نائم؟ مع هذا الصوت؟ لا عجب إذن أنك لم تسمعي رنين الجرس.
هزت كتفيها:
ـ لقد تناولنا عشاء طويلا، ولا شك أنه يحس بالتعب.. ولا أعرف إلى أين آخذك.
قال بوقار:
ـ ليس إلى غرفة نومك.. لا أظن أن هذا سيكون حكيما وأنت ترتدين هكذا..
أجفلت لملاحظته:
ـ أرجو المعذرة؟
ـ بما أن غرفة نومك خارج البحث، وغرفة الإستقبال مشغولة سأنتظرك في المطبخ.. مع فنجان قهوة ،ذا لم يزعجك هذا.
ـ أوه..أنا آسفة..طبعا..
ـ سأضع الإبريق على النار بينما تصعدين لتغيير ملابسك.
ـ أغير ملابسي؟
ـ هذا ثوب فاتن بالطبع. وأنا واثق من أنك ستديرين الكثير من الرؤوس في مطعم "ماي فير".. لكنني لا أظنه مناسبا لجو لندن في هذا الوقت من السنة.
نظرت إليه مدهوشة:
ـ لا أفهم..ما دخل "ماي فير" بكل هذا؟
ـ أليس من المفترض أن نتناول العشاء هناك؟
ـ حقا؟
ـ ألا تذكرين؟ أنت وأنا لدينا موعد لهذه الليلة. على الأقل هذا ما كنت قلته أنت لباولا أمس.
تأوهت..لقد نسيت كذبتها السخيفة:
ـ أوه..هيا الآن يا هايدن.. كانت مجرد طريقة لتخليصك من حفلة عشاء الليلة.. ولم أقصد فعلا أن تأخذني إلى العشاء وأنت تعرف هذا جيدا.
ـ آسف يا حبيبتي.. لكنك ملزمة. لقد حرمتني من عشاء لذيذ، حتى ولو كان يشمل عائلتي الحبيبة.. وستدفعين الثمن.. أكاد أموت جوعا، ولم يكن من السهل حجز مائدة في"ماي فير" في وقت قصير كهذا.. واضطررت إلى وعد الإدارة بتخفيض كبير على الكومبيوتر الجديد.. أسرعي إذن، سأهتم بصنع القهوة..لا تقلقي.
وبإيماءة منه خرجت من المطبخ ساخطة، إلى حيث صعدت الدرج إلى غرفتها.
بحذر شديد تفحصت نفسها في المرآة بعد أن ارتدت ثوبها دون أن تعي ماتفعل.. على أي حال، هذه هي المرةالأولى التي تخرج فيها رسميا مع مايلز أو هايدن، وبالرغم منها، أرادت أن تبدو بأحسن مظهر.. وقررت أن الثوب الذي كان من الحرير الطبيعي من تصميم"كانزو" منسب لأي مطعم فاخر في لندن. أما طراز شعرها الأشعث البالغ القصر، فقد جعل شكلها الأنثوي يبدو جميلا للغاية، وأحست أنها لم تكن مبالغة في أناقتها،ولا عادية. ومع أن وجهها بدا شاحبا ومتعبا إلا أنهاقررت ألا تستخدم الماكياج.. فهي نادرا ما تستخدمه ولقد أمضت حتى الآن أكثر من ربع ساعة في إعداد نفسها رغم أن آخر شئ كانت تريده هو أن يظنها هايدن تجشمت مشقة خاصه لتتزين له.
فجأة أحست بغضب شديد منه، فاختارت حقيبة قماش مطرزة تستخدمها عادة لأوقات العمل، مما يجعل شكلها متنافرا مع أناقتها العامة، ثم أسرعت تنزل السلم، متوقعة انتقاداته الساخرة، لكنها لم تكن مستعدة أبدا للكارثة التي كانت في انتظارها.
وبذعر تذكرت أن ليون لا يعرف شيئا عن أمرها مع هايدن.
وازداد ذعرها حين تصورت ما قد يحدث لو دخل ليون المطبخ واصطدم دون توقع بالرجل الذي عرفه منذ ثلاث سنوات باسم"مايلز".. فتحت فمها متأخرة لتناديه وتوقفه، ولكن، في تلك اللحظة، خرج هايدن من المطبخ، يحمل كوب قهوة في يده. وكان واضحا أنه مل الإنتظار.
توقف الرجلان مسمران لرؤيتهما بعضهما.. وارتفعت يد إدنا إلى فمها حين لاحظت الصدمة التي بدت على وجه ليون.
ـ ياإلهي مايلز! أنا لا أصدق!
خرج الإسم غير واضح المعالم بسبب النعاس، لكنه بدا واضحا تماما لإدنا..ولم يرها أحد من الرجلين وهي تقف في منتصف السلم. لكنها كانت ترى وجه هايدن نصف مضاء بنور المطبخ خلفه.. وجمدت في مكانها تنتظر ردة الفعل لديه.
سأل بلطف: "أقلت مايلز؟ في الواقع اسمي هايدن".
تدخل تدريب ليون المهني و ذكاؤه للإنقاذ.. وسرعان ما انفرجت أسايره وهدأت ملامحه لتبدو في عينيه نظرة دهشة مهذبة لطيفة.. وهو يقول بلهجة طبيعية:
ـ أرجو عفوك.. في هذه العتمة الخفيفة بدوت لي شبيها بصديق قديم..أنا ليون جايمسون..شقيق إدنا..أعتقد أنك هنا لأجلها.
تقدم هاين إلى الأمام،ينقل كوب القهوة إلى يده اليسرى ليستخدم اليمنى في مصافحة ليون.
ـ أنا هايدن جاكوبس..كيف حالك؟
لم يسجل وجه ليون أي تعبير، ماعدا السرور:
ـ رجل الكومبيوتر؟ هذا شرف حقيقي. لم يكن لدي فكرة أن إدنا تعرفك.. وهذا لا يبدو لي إنصافا منها، ألا تظنين هذا يا إدنا؟
فاجأها سؤاله هذا.. فهيلم تكن تعرف أنه شاهدها.. وتابع ليون دون أن ينتظر استجماعها رباطة جأشها:
ـ كلانا..إدنا وأنا..من هواة الكومبيوتر.. ونقوم بالتنافس أحيانا فيما بيننا لنرى أفضلنا في استخدامه ولكن ما كان لها أن تبقي عبقريا مثلك لنفسها.
خرجت ضحكة إدنا متوترة غير طبيعية:
ـ أنت لا تشارك أصدقاء الكومبيوتر معي، فلماذا أشاركك؟
كانت عينا هايدن تنتقلان من وجه ليون إلى وجه إدنا مصغيا باهتمام لمزاحهما الخفيف وذلك بوجه جامد.. وتابعت إدنا نزول السلم، تحملها ساقان متصلبتان فيما تبقى من الطريق:
ـ على أي حال، علاقتنا لا علاقة لها بالكومبيوتر.. هايدن هو الرجل الذي أعمل معه منذ أسبوعين.. أحول كتابه إلى سيناريو سينمائي. لعلك تذكر أنني سبق وحدثتك عنه.
ـ أوه..أجل طبعا..أنا آسف يا إدنا. لا ألام لو لم أستطع استيعاب كل هذرك..أيمكنني هذا؟
انضمت ضحكة هايدن جاكوبس المنخفضة إلى ضحكات الشقيقين ومزاحهما، وقال:
ـ إنها تتكلم كثيرا..مع ذك، يجب أن أقول ان كلامها منطقي جدا حين يصل إلى السيناريو.. إنهاجيدة جدا، شقيقتك هذه..هل أنت مشغول الليلة؟
لم يكن السؤال متوقعا،حتى أنه فاجأ ليون.
ـ حمدا لله..لا..إنها أول أمسية حرة منذ أسبوع.
ـ حسن جدا..لماذا لا تنضم إلى العشاء معنا؟
تراجع ليون بسرعة، ينظر بارتباك إلى إدنا:
ـ أوه..لا..لاأستطيع.. فأنا متشوق لنوم باكر.
أولردة فعل لديها كان وخزة خيبة أمل..لكنها سرعان ما أجفلت متصلبة ودماغها يشتم رائحة الخطر، في مخاطبة ليون له باسم"مايلز".. على الأرجح دعوته كانت محاولة لاجتذاب الحقيقة منهما.. حسن جدا،فليحاول، فلا أحد يمكنه أن يقف في وجهه مثل ليون، وهذه هي الحماية التي تحتاجها بالضبط.
أسرعت تنزل السلم وتتقدم إلى ليون تضع ذراعها في ذراعه، تتوسل إليه:
ـ أرجوك ليون ،تعال معنا..سأحب هذا.
انضم إليها هايدن..ووقع ليون في الفخ، فنظر إلى إدنا بارتباك، وصعد ليغير ملابسه بملابس رسمية.
عندما أصبحت إدنا وحدها مع هايدن، نظرت إليه تنتظر تعليقه،فقال:
ـ يبدو لي أنه شاب لطيف.. إنه طبيب نفسي، ما أظنك قلت لي، أليس كذلك؟
ـ أجل.
ـ وهاوي كومبيوتر أيضا..عجبا..لماذا لم تخبريه أنك تعملين معي؟
ـ لم أرغب في أن أقول شيئا قبل أن أتأكد من أنك ستبقيني معك.
هنأها على منطقها الجيد:
ـ هذا صحيح تماما..والآن، وقد عرفت أن العمل لك..
فقاطعته متوقعة سؤاله التالي:
ـ لم تتح لي الفرصة اليوم.. كان لدينا ضيوف وكما رأيت بنفسك، كنا متعبين.
ـ حسن جدا..إنه لحسن الحظ، سيأتي معنا إلى العشاء.. وهكذا سنتمكن من أن نقول له معا إننا مسافران إلى السيشل، يوم الإربعاء.
ـ اسمع هايدن..أنا..لاأظن أنني قادرة على السفر معك..
قاطعها هايدن:
ـ أوه ليون، انتهيت بسرعة.هل نذهب في سيارتك أم ماذا؟
قال ليون بارتباك: "فيرا أخذت سيارتي".
قالت إدنا بسرعة:
ـ نستطيع أخذ الرينو.. هكذا لن يضطر هايدن إلى إيصالنا إلى المنزل.
تغاضى هايدن عن اقتراحها وهو يتوجه نحو الباب:
ـ هراء..سنكون أكثر راحة في البورش. أحضري معطفك يا إدنا.
كان مطعم"ماي فير" يتألق بهالة من الفخامة والأناقة.. كان مركزا للإجتماع بين العاملين في المسرح والسينما، كما أنه كان المكان المفضل لإدنا..لكنها الليلة، وهي تسير مع هايدن جاكوبس، أحست بالإستغراب و الإرتباك.
بالرغم من شهرة هايدن جاكوبس، إلا أن وجهه بقي غير مألوف للعامة بسبب كراهيته لتصوير الصحافة له. مع ذلك وهم يدخلون المطعم المزدحم، انتبهت بارتباك إلى النظرات الفضولية، خاصة من النساء، والتي وجهت نحوه، تتساءل عمن يكون هذا الغريب الجذاب.. ولأنها مرافقته، كانت تجتذب نفس النظرات الماكرة والحاسدة.
بدأت الأمسية بهدوء، تتخللها الوجبة الخفيفة اللذيذة.. لكن إدنا كانت ترى أنها لو كانت بقيت في المنزل كان ذلك أفضل لها بالنسبة إلى قلة الإهتمام الذي تلقته من الرجلين.. فقد بدا أن ليون و هايدن قد انسجما معا حال جلوسهما، وانغمسا في حديث نشيط حول الكومبيوتر الذي هو نتاج عبقرية هايدن ومثار هوس ليون و هوسها.. ولكنها ما لبثت مع انضمامها إلى الحديث،أن استرخت قليلا، ونسيت استراتيجية هايدن في تخدير ضحيته بسحره السهل إلى أن تتخلى عن كل دفاع، ثم ينقض عليها في لحظة مفاجئة.
ـ أخبرني عن عملك يا ليون. أنا معجب تماما بخفايا علم النفس.
أجفلت إدنا تشم رائحة الخطر.. فهو لا شك يحاول الإيقاع بأخيها ليعترف بأنه يعرف بأمر فقدانه للذاكرة. لكن ليون الأكثر مكرا مما تظن، ابتسم بسهولة و سأل ببراءة:
ـ أي قسم بالتحديد من علم النفس؟
ـ وماهو اختصاصك؟
لم يتردد ليون:
ـ أوه..كل الشواذات الطبيعية..إذا كنت تفهم ما أعني. التخلف، التقصير في الإبداع، عوائق الذاكرة، أشياء كهذه.. تجد الكثير منها هنا في لندن، بسبب التنافس المسعور.
تنفست إدنا الصعداء بعد أن قاد ليون الحديث بعيدا عن الخطر.. مسليا إياهما بقصص مذهلة عن فقدان الذاكرة العادي.. أخيرا أنهى ليون قصصه عندما جاءت القهوة:
ـ قد نقضي الليل كله نتحدث عن هذا الأمر..لقد أمضيت ست سنوات في دراستها.
ـ ست سنوات؟ ظننتك جئت إلى انكلترا مؤخرا، مثل إدنا.
مرت قشعريرة باردة على ظهر إدنا.. هذا ما كان يتجه إليه طوال الأمسية.. ولسوف يستجوبهما معا حول ماضيهما.. رمت ليون بنظرة تحذير، وتدخلت دون أن تعطيه فرصة الرد:
ـ أوه..لقد جئت إلى هنا بعد وقت طويل من مجئ ليون.. تأكدت أولا من أنه مستقر في المدينة الكبيرة، وأنه مهد لطريق لي.. مما وفر علي القيام بالإتصالات الإجتماعية..
سألها هايدن:
ـ الاتصالات الإجتماعية؟ هل هذا هو سبب مجيئك إلى هنا يا إدنا؟ للقاء الناس؟ أكنت وحيدة في الجزيرة؟
أمام رعبها، تولى ليون الرد، ليقول بهدوء:
ـ وحيدة تماما.. كان والدانا قد بدءا يقلقان عليها..كما ترى ..سانت باتريك مقطوعة تماما عن العالم الخارجي، وشعرنا كلنا أنها بحاجة إلى الابتعاد.. خاصة بعد زيارة مطولة لصديق لي، انتهت بشكل محزن.
أوقفته إدنا عن الكلام بصوت حاد:
ـ بحق الله عليك يا ليون..لاأظن هايدن مهتما بقصة حياتي.
رد ليون:"أظنه مهتما..ألست كذلك هايدن؟".
ـ بالطبع.
وهي تحس كحيوان واقع في الفخ، رأت الرجلان يتبادلان نظرة سريعة، وكأن بينهما لغة سرية..وتابع هايدن:
ـ أفهم من هذا أن صديقك هو الغامض الشهير مايلز..
ـ هذا صحيح..الرجل الذي ظننته أنت حين التقيتك. الشبه تام بينكما.. أليس كذلك يا إدنا؟
تمنت لو تضربهما معا لمواجهتهما عذابها الخفي هذه الطريقة الباردة العفوية. وقفت، تكاد ترمي الكرسي خلفها:
ـ أعتقد هذا.. هلا عذرتماني..رجاء؟
بقيت في استراحة النساء الفخمة قدر ما جرؤت.. لتعود إلى المائدة وتجد هايدن وحده يجلس بهدوء.. وهاجمت وجهه المبتسم الوسيم بغضب: "أين هو؟".
ـ ليون؟ أوه..قرر البقاء في المدينة..فذلك أيسر له في الوصول إلى العمل صباحا، كما قال.
نظرت إليه بعداء مكشوف:
ـ لقد اكتفيت..وأرغب في العودة إلى المنزل الآن، إذا لم تكن تمانع.
ابتسم لها:
ـ كل تأكيد..أنا على وشك إنهاء قهوتي..اجلسي.
لكنها بقيت واقفة.
ـ بل أفضل أن أستقل سيارة أجرة، فمنزلنا بعيد عن طريقك.
بلطف وثبات، أمسك بذراعها وشدها إلى الكرسي.
ـ هراء..اجلسي واهدأي، لم أدفع الفاتورة بعد.
بعد دقائق من هذا، كانت تجلس إلى جانبه في سيارته، تحشر نفسها إلى الباب،في جهد لإبقاء مسافة بينهما. وبقيت صامتة تماما، تحاول إبقاء غضبها مشتعلا، كدرع ضد قربه منها المثير للإضطراب.. كل ما كانت تريده هو العودة إلى المنزل والزحف إلى السرير، لتستغرق في النوم.
سمعته يقول بعفوية تسخر من غضبها الصامت.
ـ أعتقد أن الوقت قد حان لتنفذي ما يتعلق بك من الإتفاق.
ردت بوقار: "أي اتفاق؟ متى عقدت معك اتفاقا؟".
ـ في أول ليلة لك في الفيلا.ألا تذكرين؟ لقد وافقت على أن تخبريني بكل شئ عن مايلز الغامض إذا أنا وافقت أن آخذك معي إلى السيشل.
كان هذا سوء تفسير متعمد لحديثهما، وجلست مستوية، متصلبة غضبا:
ـ اسمع هايدن..بإمكانك القيام بمثل هذه الألاعيب مع شخص كأخي.. يكون كفؤا لك في ذلك ولكن ليس معي.. أنا لم أوافق أبدا على أي شئ كهذا !
ابتسم بسرعة:
ـ ربما لا.. لكنني مازلت أحب أن أسمع قصة الرجل الذي مازال شبحه يعيق أبسط الأشياء فيك..من هو؟
ردت متعبة:
ـ إنه صديق ليون.. وبقي معنا عدة أشهر في سانت باتريك. واتفق أنك تشبهه..قليلا.لكن الشبه ظاهري.. ولا يمكن لأحد أن يخطئ به بعد بضع لحظات.
اشتد صوته قساوة:
ـ لماذا؟ وأين يبتدئ الفرق و أين ينتهي؟
ـ حسن جدا، كبداية، هو ليس مجنون عظمة متعجرف لا يحتمل، بارد الدم مثلك.
تمتم بخشونة:
ـ نسيت أن تضيفي صفة"فاقد الذاكرة".
بدأت تحس أنها شخصية في مسرحية هزلية تحولت إلى كابوس.. وتمكنت من القول بغضب:
ـ ولو كان هذا..لو كان..ماكنت لاعتبرها ضده.
ـ لا..لاأظنك تفعلين هذا.. لكن الواقع يبقى أنك ما زلت مخلصة له.. بالرغم من أنه غائب منذ ثلاث سنوات.. ألا تظنين أن هذا حفظ للولاء أكثر من اللازم.
هاجمته بسؤال لتجنب الرد على سؤاله:
ـ وهل قال لك ليون هذا؟ وماذا غير هذا قال لك أخي"المخلص"؟ يبدو أنك عرفت الكثير منه خلال الوقت القصير الذي تركتكما فيه.
لم يتأثر لسخريتها:
ـ الكثير.. مع أننا اتفقنا على أنه من الأفضل أن تسردي أنت التفاصيل.
ـ كم أنتما شهمان !
نظر إليها بسرعة، وعلى فمه شبه ابتسامة:
ـ أوه..لم نقصد أن نكون شهمين..بل عمليين فقط.
لم يكن أمامها أية طريقة لإخراجه من عدم اكتراثه الخبيث بها.. فصاحت تقاطعه باحتقار:
ـ أوه..تبا لكما معا !
وكادت تهوي إلى الأمام مع توقف السيارة.
ظنت أنها تمادت أكثر من اللازم. مد يده إليها، فتراجعت منكمشة.. لكنها على الفور أحست بالغباء، حين مرت يده عنها ليفتح لها الباب.
ـ اخرجي يا إدنا وصلنا إلى المنزل.
ردت ببرود:
ـ أوه..شكرا لك..آسفة لاضطرارك إلى توصيلي إلى هنا، وشكرا لك على العشاء. على الأقل كان الطعام لذيذا. عمت مساء.
ولكنه بدلا من أن يرد، فتح بابه معتبرا أنها ستدعوه حتما إلى فنجان قهوة، بكل عجرفة وخبث.. مما أشعل فيها الارتباك لعلمها أن ليون ليس هنا.
أوقفته قبل أن يسير نحو المنزل:
ـ انتظر يا هايدن.. لا أظن أن من المناسب أن تدخل.. أمامك طريق طويل لتعود إلى منزلك.
قال لها بهدوء وهو يرفع حاجبه: "لكنني في منزلي".
فجأة انتبهت إلى الصمت الرهيب، فنظرت عبر نافذة السيارة. لم يكن هناك صفوف منازل متباعدة،ولا أعمدة إضاءة قديمة الطراز.. بل مجرد ظلال أشجار تلوح من بعيد عبر الظلمة الكثيفة للمروج.. ومصباح وحيد كان ينير مدخل فيلا هايدن.

*******************

7/ البديل



بعد لحظات وقفت اثناءها مذهولة غير مصدقه،ركضت وراءه..تقتحم المنزل عبر الباب الذي تركه مفتوحا. تصيح وصوتها يرن صداه في المنزل الساكن:
ـ تبا لك يا هايدن جاكوبس! لقد خدعتني!
ـ اخفضي صوتك يا إدنا.. ستوقظين الجميع.
ـ لست أهتم..
لكنها تذكرت أن الفيلا ما زالت مليئة بأقاربه، فخفضت صوتها إلى همس حاد:
ـ كنت تعرف كل شئ..أليس كذلك؟ كنت تعرف أنني لن أعود إلى هنا غدا فخدعتني! لهذا جئت الليلة.. والآن ليس معي سيارتي.. يا إلهي.. قد أقتلك!
ـ ليس الآن يا حبيبتي.. أنت متعبة جدا.. يمكنك قتلي غدا.. عمت مساء.
كان يتجه إلى غرفته لكنها صاحت، وقد نسيت خفض صوتها:
ـ أوه لا..لن تذهب.. لدي شئ أقوله لك ..الآن!
ـ ألا يمكن الإنتظار حتى الصباح؟
صاحت مجددا،تضرب الأرض بقدميها:"لا.. أريد قوله الآن".
تنهد بسخرية، ثم عاد ووقف أمامها:
ـ حسن جدا.. لكن ليس هنا.. فلسوف توقظين المنزل كله وأفضل أن لا ينقلب هذا إلى "مؤتمر " عائلي.
باحترام ساخر فتح الباب المزدوج وانحنى لها لتدخل إلى غرفة الإستقبال المظلمة الواسعة.
ـ هنا أفضل ..و الآن، دعينا نسمع ماذا تريدين أن تقولي؟
أخذت نفسا عميقا، ثم قالت:
ـ أنا لست ذاهبة معك. آسفة. لكننا لن ننجح.
ـ هذا ما فهمته من دويل هذا الصباح.. قال إن الأمر لن ينجح.. لكن أخاك من ناحية أخرى لم يعارض الفكره.. بل إنه في الواقع يعتقد أنها ستفيدك كثيرا.. الإبحار ثانية، زيارة أبويك، ومثل هذه الأمور.
شرحت له غاضبة:
ـ حسن جدا ..الأمر لا علاقة له أبدا لا بليون ولا بدويل. إنه قراري أنا.. لا أستطيع تحمل ترك لندن هذا الوقت، وبإمكان دويل أن يجد لك غيري بسهولة.. هذا إذا احتجت لأحد.
تملكها الرعب وهي تشعر بأنها خاضعة لتأثيره فيها، متجاهلا محاولاتها للسيطرة على نفسها.
ـ لكنني لا أريد غيرك.. أنا بحاجة إليك لترشديني في جولة سياحية في جزيرتك الساحرة.. فأنا متشوق جدا لرؤية المكان الأصلي للجزيرة الضائعة.
همست، وهي لا تكاد تصدق أذنيها:"ماذا؟".
قال بهدوء:
ـ سانت باتريك.. أليست هي المثال الأصلي.. لجزيرتنا الخيالية؟
دوى صوت راعد في أذنيها.. إنه يتذكر.. يتذكر كل شئ.. لقد عاد مايلز مرة أخرى.. لكنه ما زال غريبا..بعيدا..وخطرا..أجل خطر جدا.
سيطر عليها التوتر. فسألت:
ـ منذ متى..
ـ أتعنين منذ متى أعرف؟ أوه.. منذ البداية تقريبا.. لقد أصبحت حائرا جدا لألفتك المذهلة معي.. ومع القصة. لكنك بدوت لي في غير أوانك.. غير زمنك.. كنت على معرفة وثيقة بقصتي.. بأول نص أصلي، بدلا من النص الأخير الذي نعمل فيه.. مثل ربطك كل شئ "بالعاصفة"، أو افتراضك أن "أليكسيس" هي كائن بشري، وليست روبوت.. و تفاصيل أخرى متنوعة كشفت عن شخصيات غيرتها، حتى في الأسماء.
أحست بأنها على وشك الإغماء وغادر التوتر جسدها لتحل مكانه موجة عذاب.. إنه لا يذكر شيئا.. بل هو ما زال يفكر بشكوكه القديمة، محاولا الإيقاع بها للكشف عن أسباب ملاحقتها له.
ـ إذن.. أيمكن أن تخبريني الآن يا إدنا كيف وصلتك النسخة الأصلية؟ ولمجرد توفير المشقة عليك، في اختراع قصة عبقرية أخرى، دعيني أقول لك، ان النسخة الوحيدة الأصلية موجودة في يختي.
لم ترد، حتى لو تمكنت من التفكير بشئ، فهي تعرف أنه لن يصدقها.
وأكمل:
ـ على الأقل.. استطعت ايقاف تدفق خيالك.. وهذا شئ مهم. هل أحاول ملء الفراغات بنفسي؟ أتذكرين أنني كنت قلت لك إنني استيقظت في مستشفى"ماهي" وهناك ثقب في ذاكرتي؟ ما حصل، أن التذكار الوحيد الملموس الذي استبقيته من الفترة الضائعة لحياتي الأخرى، كان حقيبة أوراق فيها نص سميك مطبوع..غير تام..فبدأت في دراسته، وبطريقة ما أكملته.. وهكذا برزت إلى الوجود قصة الجزيرة المفقودة.
وضحك بصوت منخفض:
ـ كنت أعرف أنني لم أكتب القصة وحدي.. هكذا خطر ببالي أنني بنشري للقصة تحت اسمي، وانتاجي لها كفيلم سينمائي، قد ادفع الكاتب الشرعي لها للبروز من مخبئه.. لا شك أنه سيسرع لاهثا لماضاتي.
همست:
ـ وأنت تتهمني باتساع المخيلة؟ هذا..هذا جنون!
ـ ليس تماما.. اذا استطاع أحد إعطائي ولو فكرة عمن كنت، وأين كنت.. لا شك أنه سيكون هو كاتب القصة أو هي، كما قد يكون..لذا، يا حبيبتي..لماذا لا تعترفين بأنك أنت؟
ـ ماذا؟
لم يبد اهتماما بردة فعلها المذهولة، وأكمل:
ـ لقد خطر لي هذا منذ اليوم الأول تقريبا.. كان هناك مصادفات كثيرة جدا يا حبيبتي،اسمك،مجيئك من السيشل، ومعرفتك بالنص الأصلي.. طفل صغير يمكنه أن يبدأ التفكير مع أقل من هذا.. وأنا أكبر بكثير..وأكثر حكمة.
ـ أوه..لأجل الله يا هايدن..أنت..أنت..
وانفجرت ضاحكة.. ثم أخذت تشهق بين تجدد الضحكات:
ـ أنا آسفة..أنا..لا أستطيع التوقف يا هايدن..
لم يجد ضحكها مسليا، ونزلت يده على كتفها بقوة:
ـ هذه الضحكة مرة أخرى!
توقفت ضحكاتها، أخمدها الغضب البارد الذي تعرفه منه جيدا.
ـ أوه..يا إلهي..لست أدري ما أقول يا هايدن.. الأمر فقط لا يصدق أبدا.
ـ لكنه حقيقة..دعينا نتفق على هذا.. كل ما أحتاج أن أعرفه الآن هو، ما هو هدفك من هذا؟ لماذا لا تبوحين به، وتطالبيني بقصتك؟ لا أصدق أنك تسعين إلى تعويض مالي..وليس السبب أنا..لأنك متعلقة بذلك الرجل مايلز.. إذن ما السبب.. تبا لك؟.. ماذا تتوقعين أن تحصلي مني؟
همست بصوت أجش:
ـ لقد فهمت خطأ..كل شئ خطأ! كيف أمكنك العمل معي طوال ذلك الوقت وفي ذهنك كل هذا؟
ـ يمكنني أن أسألك نفس السؤال.. والآن أخبريني الحقيقة قبل أن أنتزعها منك!
قالت متلعثمة، والكلمات تخرج دون تفكير:
ـ إنه..إنه مايلز..مايلز كتبها.
وكأنما استخدمت كلمة سحرية، فتراجع الفم الملتوي سخرية إلى طبيعته.. ثم تمتم:
ـ مايلز مرة أخرى.. أينما نظرت أراني أعيش على فتات ذلك الوغد..
ابتعد عنها باشمئزاز..ثم، وقد خطرت له فكرة أخرى نظر إليها بغضب:
ـ حسن..متى يمكن أن أتوقع الشرف بأن أقابله؟ فأنا مدين له الآن بدين ثلاثي..قصته، فيلمه،و..فتاته! إلى متى يجب أن أنتظر قبل أن يأتي ليأخذ دينه ؟
ـ لو كنت مكانك، لما حبست أنفاسي يا هايدن.. مايلز لن يعود..أبدا.
ـ إنه ميت إذن؟
هزت رأسها نفيا، هذه كذبة لن تستطيع إجبار نفسها على قولها.
فتمتم:
ـ عظيم..على الأقل ترك لي السعادة في أن أقتله بنفسي. من الأفضل أن تواجهي الواقع يا إدنا.. سواء أحببته أم لا، ستأتين معي إلى السيشل، ولن نقضي وقتنا في كتابة السيناريو فلينهه مايلز الآن.. أهلا به إلى قصته،فيلمه،ماله، أما أنا فسأرضى بفتاته.
وتركها ليخرج بسرعة،لنها لحقت به صائحة:
ـ حسن..لن أفعل! لا أريدك أن تكون بديلا عنه، ولن أكون أنا بديلة. لن تستطيع إجباري يا هايدن.
استدار إليها غاضبا:
ـ أستطيع، وسأفعل يا إدنا.. لصالحك وصالحي..يجب أن نتخلص من أشباح الماضي، وأنا فرصتك الوحيدة لهذا، كما انك أنت فرصتي الوحيدة..ومن يعلم.. قد نتعلم أن نحب بعضنا.
صيحة الغضب التي أطلقتها اختنقت في حلقها.. فجأة تلألأت الردهة بالنور، وهي لا تزال جامدة بجانب هايدن، لكن تنظر مباشرة إلى عيني باولا.
ـ كم هذا جميل.. إلى متى تنوي الإستمرار معها يا هايدن؟ إلى حين انتهاء كتابة السيناريو.. أم أن هذا من المفترض أن يكون آخر لقاء في الظلام؟
تحرك هايدن مبتعدا تاركا المرأتين خلفه وصاحت باولا بصوت حاد، فقد حرارته وحلاوته:
ـ هايدن ..أريد أن أعرف أين موقعي معك!
استدار إليها:
ـ أوه..أهذا كل شئ؟ حسن جدا..هذا سهل.
عاد يتقدم إليها بضع خطوات:
ـ أظن أنني أوضحت لك موقفي، قبل وقت طويل من زواجك ببارتود.
همست: "لكنني تركته لأجلك".
ـ لم أطلب منك هذا أبدا.. قلت لك حينذاك، كما سأقول لك الآن..لا أريدك يا باولا.. وإذا كان هذا لم يقنعك بعد، فدعيني أجرب طريقة أخرى معك.. نحن سنتزوج في الأسبوع المقبل،على الأرجح، في السيشل.
حدقت المرأتان إليه بغباء:
ـ وإذا كان هناك شئ من الريبة في رأسيكما: كلمة نحن هذه، تعني (أنا وإدنا).. بالطبع. عمتما مساء.
وإذ رأت وجه باولا الجميل وقد شوهه الغضب و الإحباط نسيت إدنا صدمتها بتلك النكتة التي لا رحمة فيها وحاولت التخفيف عن الجميلة:
ـ أرجوك يا باولا..لا يجب أن تصدقيه.. لم يكن يعني ما قاله.. كان يرغب في إغاضتك فقط، وإغاضتي أيضا.. يجب أن تصدقيني.
لم يبد على باولا أنها سمعتها.. وبدت للحظة، وكأنها على وشك مهاجمتها جسديا، فتراجعت ويداها ممدودتان لصد أي ضربة محتملة.. لكن المرأة بقيت واقفة مكانها، وعيناها الخضراوان مغرورقتان بدموع اليأس، وفي لحظة اختفت في الظلمة عبر الممر الموصل إلى غرفة النوم.
كانت إدنا على وشك أن تضئ النور في غرفة نومها حين أوقفها صوت تنفس عميق ثابت.. يبدو أن جوسلين استغلت غيابها وقدمت غرفة نومها لأحد الضيوف.
باستسلام، انسحبت، تغلق الباب وراءها بلطف. لتقف مترددة في الممر المظلم، تحاول التفكير بما ستفعل. وبدت لها غرفة مكتبتها، المكان الدافئ الوحيد، والأقل خطرا بأن يغزوه في الصباح آل جاكوبس.
عادت إلى الرهة وأخذت معطفها، ثم عادت إلى المكتبة. كانت الغرفة باردة، ولم تكن تعرف كيف تقفل صف النوافذ العليا فوق الجدار الزجاجي..لفت معطفها حولها، لتستقر بقدر ما تستطيع من راحة في عمق الأريكة الجلدية، تنتظر النوم، ليريحها من العذاب المربك الذي أصابها في الساعات الأخيرة من هذا اليوم.
كانت تسبح في الهواء، خفيفة لا وزن لها..إنها تحلم بالطبع. مجرد حلم آخر مختلف متكرر في صورة أخرى.
استمر ذلك الإحساس بالسباحة في الهواء لفترة قصيرة.. وبآهة احتجاج أحست بجسدها يرتاح على سطح أكثر واقعية..على فراش. وتأكدت أنها ما زالت تسبح بأمان في حلمها.. وأحست بالأمان أكثر، ففتحت عينيها.
تمتمت بارتباك غامض، وما زالت ضائعة في الوهم الحلو لحلمها:
ـ ماذا تفعل؟
سمعت مايلز يقول بضحكة منخفضة:
ـ توقفي عن الكلام هيا نامي.
ـ ماذا تفعل هنا؟
صوتها كان متحشرجا بالنوم، لكن جسدها وهي تجلس، كان صاحيا مذعورا.
استطاعت عيناها أن تميزا خطوط أشياء غريبة، إنها في غرفة لم تدخلها من قبل.
تأوه برفع يده على مرفقه:
ـ وجدتك نائمة في المكتبة.. ولم يبد عليك الراحة، كنت تتأوهين وتتمتمين وترتجفين بردا. فجئت بك إلى هنا. ماهي الفكرة، لو جاز لي السؤال، في نومك هناك؟
ردت بحرد:
ـ شخص ما كان نائما في سريري.
ضحك:
ـ يا طفلتي المسكينة.. ومن كان ذلك الشخص؟
ـ ليس لدي فكرة..لم أتوقف لأعرف.
رمت عنها الأغطية تحاول الخروج من السرير.
ـ ربما كانت جويس على الأرجح، كان يجب أن توقظيها.
رفضت أن تطمئن بحديثه السهل العفوي:
ـ شكرا لك لاهتمامك بي، لكن، ما كان يجب أن تزعج نفسك حقا، كنت مرتاحة تماما في المكتبة.. أوه..! أين..أين معطفي؟
فانطلق يضحك بصوت منخفض:
ـ معطفك على الأرض هناك، في مكان ما.
نهضت لتبحث عن معطفها.فقال: "كفى".
كان صوته صوت مايلز، دافئا..فأكمل:
ـ لن أدعك تذهبين.
همست بغضب:
ـ لا..لا!
ثم أردفت:
ـ تبا لك يا هايدن..دعني أذهب!
اقترب منها: "لقد آن الأوان لأن تعيشي مرة أخرى.. مايلز قد رحل يا إدنا".
بقيت للحظات متأرجحة في حالة ذهول، بينما كان دماغها يسجل كلماته، ثم دفنت رأسها في الوسادة:
ـ أوه..ابتعد عني يا هايدن.. الأمر كله لا جدوى منه.
قال برقة:
ـ لا شئ لاجدوى منه يا حبيبتي..لا شئ سوى إخلاصك لمايلز. لقد رحل..وأنا هنا.
شعلة أمل صغيرة قفزت تتمسك بالحياة.. لا يمكن لها أن تخطئ الشوق المحب في تمتماته الناعمة. حاولت أن ترفع رأسها لتشاهد وجهه، لتؤكد لنفسها أنها لم تتخيل شيئا. لكنها لم تجرؤ! وسمعته يقول: "أحبك".
كاد يغمى عليها بانفجار فرح مفاجئ.. تعقلها كان ما يزال يحاول تحذيرها أن لاتثق بمثل هذا الأمل.. لكنها تغاضت عن أية شكوك، ثم تمتمت بدون وعي: "مايلز..مايلز".
لم تلحظ الجمود المفاجئ الذي بدا وكأنه يمسك بكيانه.
قال آمرا:
ـ انظري إلي.
أرغمت نفسها على رفع وجهها، لتترك له المجال كي ينظر في عمقها، ثم وكأنما اقشعر جسدها بفعل ماء مثلج، عرفت أنها فقدته ثانية.
خرجت الكلمات متكسرة من شفتيها الجافتين:
ـ أوه..يا إلهي ..ليس مرة أخرى! أوه..أرجوك يا هايدن..أنت لا تفهم..
قال برقة وعيناه تأسران عينيها:
ـ كنت على حق يا حبيبتي.. لا زلنا غير مستعدين لبعضنا.لا أعتقد أنك قادرة على منع نفسك من حب مايلز، بقر ما لا أستطيع منع نفسي عن حبك.
صاحت وهي تبكي بانكسار:
ـ لكنني أحبك أنت..أنت يا هايدن!
لم يقل شيئا للحظات طويلة، ولكنه أكد لها:
ـ كنت تتلهفين لمايلز.
حاولت الإحتجاج لكنه أسكتها:
ـ أصمتي يا حبيبتي، لا أظنني قادرا على سماع المزيد عن مايلز الآن. نامي الآن.. نستطيع أن نتحدث طوال يوم الغد.
أخذ يهدئ من ارتجافها المنتحب إلى أن أحست بتخدر جسمها، وسمع أنفاسها الهادئة الخفيفة وهي تستغرق في نوم عميق، وكأنها طفلة متعبة. وبلطف انسحب من جانبها، واختفى في غرفة ملابسه.
استيقظت في الصباح لتجد نفسها في غرفة غريبة مليئة بأشعة الشمس. رفعت رأسها. هذه الحركة الخفيفة أرسلت موجة من الألم من مؤخرة عنقها إلى أطرافها المتخدرة الثقيلة.. جبهتها مبللة شديدة الحرارة.. لا شك في هذا.. لا بد أنها أصيبت برشح سئ.. عادت تستلقي على الوسائد متأوهة، محاولة إغلاق تفكيرها أمام رعب غامض، كان يتحرك في مكان ما من أعماقها.
لكنها سرعان ما جلست متصلبة الجبين بعد بروز صورة باميلا بجسدها الممتلئ أمام أنظارها. صوت المرأة الإيرلندية كان جافا، وعيناها ترفضان النظر إلى إدنا:
ـ من الأفضل أن تنهضي من السرير قبل أن يجدك الآخرون هنا، يا آنسه إدنا..
كان فمها شديد الجفاف، وصوتها أجش متكسرا، وهي تحاول اختراق الصمت المحرج.
ـ أنا.. كان هناك شخص نائم في غرفتي.. لذا..أعني..هايدن..أوه..ماالفائده..أنا آسفة يا باميلا، لا أعرف ما أقول.
استرخى ظهر المرأة الساخطة:
ـ أوه..لا تهتمي بالأمر، يا عزيزتي.. لا بأس في هذا.. فأنا مجرد امرأة قديمة الطراز و سخيفة.. لاتهتمي بي.
عادت إدنا لتغوص في السرير بعد رفض ساقيها أن تحملاها.. تقدمت باميلا بنظرة فهم سريعة إلى منضدة صغيرة قريبة قرب باب الباحة الخارجية، والتقطت فنجان شاي كانت قد وضعته هناك.
ـ خذي يا حبيبتي.. اشربي الشاي ثم عودي إلى المنزل عن طريق الباحة.. فلن يراك أحد. كلهم في غرفة الطعام يتناولون الفطور.
تمتمت:
ـ أين.. هل رأيت هايدن هذا الصباح؟
ـ لقد خرج باكرا، يركض حول المرج..على الأرجح.
الشاي الساخن بدأ يبدد الطعم الكريه الجاف من فمها، ويهدئ أطرافها المخدرة. أحست بالإرتياح لأن من رآها في غرفة هايدن كان باميلا، فهذا أسهل عليها من مواجهة هايدن.
جاءها صوت باميلا مجددا:
ـ قبل أن يبدأ أحد بك عزيزتي.. أود ان أقول لك إنني أشعر بالسعادة لأجلكما، أنت والسيد هايدن.. عرفت منذ اليوم الأول أنك مناسبة له.
تصاعد الإحمرار إلى وجنتي إدنا الشاحبتين:
ـ أوه.. لكن الأمر ليس هكذا أبدا يا باميلا.. أعني يجب أن لا تستنتجي شيئا من مجرد أنك وجدتني..أعني..
ضحكت باميلا بسعادة:
ـ هيا الآن يا فتاتي.. فأنتما على أي حال ستتزوجان في نهاية الأسبوع فلا داعي للخجل هكذا.
رفعت إدنا صوتها ذاهلة:
ـ نتزوج؟ أوه باميلا.. اسمعي! لقد فهمت الأمر خطأ.
أكدت لها المرأة الإيرلندية:
ـ أبدا..فالسيد هايدن قال لي هذا يوم السبت.. بعد أن غادرت المنزل مباشرة.. والجميع يعرف الخبر الآن.. فلا حاجة لإبقاء الأمر سرا.
ضحكاتها المبتهجة، شاركتها ضحكة فضية رنانة:
ـ كان يجب أن تري وجه باولا وهي تزف الخبر إلينا هذا الصباح.. وأمي المسكينة..
التفتت إدنا لتواجه جويس تقف بالباب ضاحكة.
أخيرا فهمت إدنا.. لقد أخذت باولا كلام هايدن الساخر المهين في الليلة السابقة كواقع راسخ وأعلنته أمام بقية العائلة.. فبالنسبة لهم، هي وهايدن الآن مخطوبان وسيتزوجان.
ما تلا هذا كان كابوسا.. خرجت من الغرفة كدمية بين يدي جويس المتحمسة، وأدخلت إلى غرفة الطعام حيث استقبلت بمعزوفة التهنئة.. وقدمت إلى ما لا يقل عن نصف "دزينة" من الغرباء، كلهم من عشيرة جاكوبس.
كل احتجاجاتها تلاشت أمام الترحيب القلبي الزائف من أقارب المستقبل المزعومين.. لكن باولا كانت غائبة.. فلقد غادرت المنزل بعد قليل من إبلاغهم الخبر.
أخذ رأسها يصخب ألما وهو يترنح من الحمى. ووعت ابتسامات جوسلين المخلوعة الفؤاد، ومحاولاتها المثيرة للإشفاق لإصلاح تصرفاتها المتعجرفة السابقة، والتي جوبهت مرات ومرات، بتذكير ساخر من زوجها.. بينما هو نفسه امتنع عن إعلان أي شعور بالسرور. لكن شيئا في ابتسامته أظهر أنه أكثر من مرتاح بأخبار زواج ابن عمه.
سمعته يقول مع أن رأسها لم يكن قادرا على استيعاب أي معنى:
ـ كنت أعرف أنك الوحيدة في العالم التي ستتمكن من وضع قليل من التعقل في رأسه.. وآمل أن تدفعيه للتخلي عن سخافة الكتابة، وأن يعود مجددا إلى المدينة. لقد تركني أهتم بامبراطوريته وقتا أطول من اللازم.
أخيرا أنقذتها جويس، معلنة بصوتها المرح المرتفع فوق الصخب المفتعل.
ـ هايدن على الهاتف يا إدنا، يريد الكلام معك.
استدارت تنظر إلى منقذتها مذهولة: "على الهاتف؟ أليس هنا؟".
رد مالكولم:
ـ هذا ما يبدو.. لقد ترك المنزل مع بزوغ الفجر.. أيقظني بصوت تلك البورش الكريهة..هيا يا حبيبتي، لا تتركيه منتظرا.
جرت قدميها المتعبتين إلى الردهة الرئيسية، والتقطت السماعة:
ـ هايدن؟
ـ أجل..هل أنت بخير يا إدنا؟
ـ ماذا..لماذا.. الجميع مجنون يا هايدن.. يظنون أنك و أنا..
بالكاد كانت تعرف ما تقول.. لكن سماع صوته، ومعرفتها أنه معها، أخذا يهدئان من خوفها اللاواعي.
ـ أين أنت يا هايدن؟
ـ في مطار هيثرو..أنا على وشك الرحيل.
ـ إلى السيشل؟
ـ لا إدنا..إلى مكان آخر.. حيث لا تستطيعين أن تجدينني..أريدك أن تنسي كل شئ عني.
قالت بصوت لا يكاد يسمع:
ـ لا..أوه..هايدن،لا تسافر! ليس مرة أخرى!
ساد صمت قصير.
ـ يجب أن أسافر يا حبي.. لا أستطيع منافسة شبح.. انسي أنك قابلتني يوما..وانتظري مايلز..سيعود..أعرف أنه سيعود لأجلك.
تمسكت بالسماعة يائسة:
ـ هايدن! ماذا عن القصة، السيناريو؟..
ـ أعطها لمايلز حين تلتقينه.. وداعا يا إدنا.
بقيت ممسكة بسماعة الهاتف الصامتة إلى أن انتزعتها جويس منها بشئ من القوة.
ـ ما الأمر يا إدنا؟ ألست بخير؟
جذبت إدنا ذراعيها من يدي الفتاة:
ـ أوه..يا إلهي..لم أعد أستطيع تحمل هذا..
واتجهت نحو الباب.. لكن جويس ركضت خلفها، مذعورة لشحوبها الغريب والنظرة المتعبة في عينيها اللوزيتين الواسعتين:
ـ ما الأمر يا إدنا؟
ـ يجب أن أبتعد من هنا ..لقد جننتم جميعا.

ركضت من المنزل باتجاه الكاراج، وجويس تلاحقها، تناديها.. لكن الرينو لم تكن هناك طبعا.. وترنحت تحت وخزة ألم لا تحتمل، بينما أخذت ذكريات ليلة أمس تطوف بها.
أعادت جويس السؤال بقلق: "ما الأمر يا إدنا؟".
ـ ألديك سيارة يا جويس؟ هل لي أن أستعيرها أرجوك؟ يجب أن أبتعد عن هنا!
نظرت إليها الفتاة بارتباك:
ـ من الأفضل أن أوصلك بنفسي.. دعيني فقط أخبرهم..
ـ لا! سأحصل على تاكسي من مكان ما.. يجب أن أكون وحدي..دعيني أذهب يا جويس!
لكن جويس تمسكت بها:
ـ سيقتلني هايدن لو تركتك تذهبين في حالتك هذه..تعالي!
دون مزيد من النقاش، أخذت بذراع إدنا بحزم وقادتها إلى سيارتها المازدا الصغيرة المتوقفة قرب الباب.
ـ اصعدي يا إدنا!
قادت السيارة بصمت تاركة المجال لإدنا كي تهدأ..ثم سألت بعد أن تأكدت من أنها تماسكت نفسها من الذعر الأعمى.
ـ لم تكوني عارفة بالأمر..أليس كذلك؟ إنه لم يطلب منك الزواج..أليس كذلك؟ أنا آسفة يا إدنا.. ما كان يجب أن أجرك إلى ذلك الموقف. لكن لم يخطر ببالي أنه كان يغيظ باولا.
ـ يغيظها؟
رنت ضحكتها غريبة حتى لأذنيها..وقالت جويس:
ـ لا بد أنه فعل هذا ليبعدها عنه إلى الأبد.. كان يقول لها منذ سنوات ان لا نية له في التورط معها مجددا..لكن هذه هي المرة الأولى التي تفهم الأمر جديا، فقد بدت مرتبكة مشوشة حين أخبرتنا عن هذا الزواج.. حتى اضطررت إلى الإشفاق عليها.
ـ وصدقتموها جميعا؟
ـ أجل..مالكولم وأنا كنا نتوقع هذا منذ مدة.
هزت رأسها:
ـ باميلا..كان يجب أن تكون أكثر معرفة..فلماذا خدعت؟
أجفلت جويس بفكرة جديدة خطرت لها:
ـ يا إلهي..لقد خطر لي للتو..اسمعي،حين أسرعت إلى المطبخ لأخبرها، ضحكت وقالت انها تعرف.. وإن هايدن قال لها بنفسه ليلة السبت.
فغرت إدنا فمها: "ليلة السبت؟".
ـ أجل..لذا، ترين أنه لا شك كان جادا.. إنه لا يمانع في السخرية من باولا أو منا.. لكنه لا يفعل هذا أبدا مع باميلا..أوه..يا إلهي!
بدأت الفتاة تضحك ارتياحا، وأدارت عينيها إلى إدنا الصامتة قربها:
ـ أعتقد أنه اعتبر موافقتك أمرا مسلما به، ولم يزعج نفسه بالقول لك أولا..هيا الآن إدنا.. أعرف أنه مثير للسخط وكل هذا..لكن، طالما يريدك..فلا يهم..أليس كذلك؟ أوه كم أشعر بالإرتياح!
غاصت إدنا في مقعد السيارة تغمض عينيها.. إذن لم تكن هذه مزحة قاسية.. ولا شك أنه كان يعني ما يقول حين قال أنهما سيتزوجان. لكن، مهما كانت خططه بالأمس، فقد رحل اليوم.. تاركا الميدان خاليا أمام مايلز..مع ذلك، ليلة أمس.. لا يمكن أن تكون قد أخطأت في سماع كلماته أو فهمها،ولا بالطريقة التي نظر فيها إليها. كانت واثقة جدا من أنه تذكر أخيرا من هي.. وأن مايلز وهايدن أخيرا أصبحا شخصا واحدا..
ـ استيقظي يا إدنا..أرجوك، يجب أن تستيقظي، لا أعرف ماذا أفعل.. أنت تحترقين بالحمى.
الصوت الحاد المرتفع اخترق رأس إدنا.. ولم تكن السيارة تتحرك.. ففتحت عينيها لترى نظرة جويس القلقة تتفحصها.. فردت بعد جهد:"ماذا؟".
ـ أنت مريضة، ويجب أن أعيدك إلى الفيلا،إلأى أقرب مستشفى. وأنا عاجزة أمام مثل هذه الأمور..
كانت ترتجف بالحمى ووجهها ينضح بالعرق..إنها مريضة. ولم يكن السبب مجرد صدمة الألم.. تمنت لو يذهب عنها الصداع الفظيع، ولو للحظة، لتفكر جيدا.. لكن ذهنها كان كالقطن.. وقالت بصوت متكسر:
ـ ليون..أخي..سيعرف ماذا يفعل.
ـ أين هو؟ أين أستطيع أن أجده؟
كان صوت جويس المسكينة مليئا بالإثارة والذعر.. وحاولت إدنا إعطاء جويس عنوان المستشفى، لكنها لم تسمع الكلمات.. بل أخذت ببطء تغرق في بئر أسود من السلام والهدوء الذي لا تفكير فيه.. واستسلمت إلى الغيبوبة.
كان قد مر خمسة أيام بالضبط حين عادت لتطفو من البئر العميق إلى سطح الوعي، لتجد نفسها في غرفة خاصة في المستشفى الذي يعمل ليون فيه.. ضعيفة جدا، مخدرة، لا تحس بشئ سوى فتور الهمة. لم تكن تذكر كيف وصلت إلى المستشفى، ولا فكرة لديها عن الطريقة التي تمكنت جويس من أن تجد لها أخيها.. ولم تكن تكترث كثيرا.. كل ما كانت تريده هو أن تغوص مجددا في حالة النعيم الغافل، حيث لا تعرف ألما، ولاشئ من اليأس الذي أخذ يتسلل إليها بسرعة بعد انخفاض الحمى.
كان الناس يأتون لرؤيتها، متجاهلين رجاءها الصامت في أن تكون وحدها.. الأكثر ظهورا بينهم كان ليون وفيرا.. وكذلك دويل فرانسيس،وزوجته جويس، وباميلا..وحتى مالكولم وجوسلين.. لكن هايدن لم يظهر أبدا..لقد رحل، وقال لها أن تنساه..وإلى الأبد.
قال لها ليون، ان ما أصابها التهاب رئوي:
ـ بدوت لي بصحة جيدة ساعة رأيتك آخر مرة في المطعم.. فمن أين التقطت الإلتهاب؟
هزت كتفيها دون اكتراث، متذكرة الساعات التي قضتها في المكتبة الباردة، تتأوه وترتجف بردا كما قال هايدن.
قالت لأخيها بشعور هو أقرب إلى التعب والاسترخاء منه إلى الغضب لتركه لها:
ـ لقد انتهيت في فيلا هايدن تلك الليلة.. وكانت غرفتي مشغولة، لذا امضيت ليلتي على مقعد وفي غرفة باردة..
نظر إليها بخجل:
ـ آسف حبيبتي للوقت الحرج الذي سببناه لك في المطعم.. لكن لماذا لم تخبريه بالحقيقة؟
أدارت رأسها عنه.. لا تريد الكلام لا عن مايلز ولا هايدن، فانتظر بضع ثوان:
ـ هيا يا إدنا..يجب أن نتكلم في الأمر..حسن جدا، ما كان علي أن أسألك، فأنت لم ترغبي في أن تتلقي حبا ناتجا عن الشعور بالمسؤولية، أليس كذلك؟ أردته أن يقع في حبك مرة أخرى.. ظننت أنه سيجد نفسه مجبرا على استعادتك كنوع من رد دين لماضيه المنسي..أصحيح؟حسن جدا يا أختاه.. يجب أن أقول انني فخور بك.. مع انني يجب أن أضيف أنه كان عليك الثقة بي بما يكفي لمشاركتي سرك. لطالما فعلت هذا..حتى الآن.
تمتمت:
ـ لم يكن هذا.. فما ان حصلت على عملي معه، حتى قررت أن الوقت حان لأحمل أعبائي بنفسي.
ضحكت دون شفقة:
ـ كدت أموت حين التقيتما في الردهة.. كنت أنوي أن أقول لك كل شئ خلال عطلة الأسبوع.
ـ أعرف.. ولم تتح لك الفرصة للحظة واحدة..إذن، لماذا هذا الوجه البائس الآن؟ لقد حصلت على ما أردت.. وجعلته يقع في حبك ثانية.. إنه لا يذكر شيئا عن إدنا جزيرة سانت باتريك.. كل ما يهتم به هو أنت، فتاة غريبة دخلت إلى حياته.. حين تركتنا وحدنا، طلب مني يدك.. وأنا من اقترحت عليه أن لا يقول شيئا قبل الوصول بك إلى السيشل.
أدارت وجهها إليه، وقد نطقت عيناها بالألم: "أفعلت حقا؟ لماذا؟".
ابتسم لحيرتها:
ـ لأنك كنت سترفضين طلبه.. أنت لم تدركي بعد أنه يحبك، بالعمق الذي كان مايلز يحبك فيه.. ففي مكان ما من ذاكرته اللاواعية، لا زال متعلقا بحب إدنا أخرى. وكلاكما بحاجة إلى بعضكما، ولفترة طويلة، حتى تجعليه يتخلى عن حبه لذلك الشبح، من خلال حبه الجديد لك..أو إلى أن..
ـ إلى أن ماذا؟ إلى أن يستعيد ذاكرته.. أهذا ما كنت ستقول؟
ـ هذا صحيح.
تهاوت مجددا على الوساده:
ـ لن يستعيدها أبدا يا ليون..لا أمل في هذا.
ـ أنت مخطئة..إنه قريب جدا من هذا. عرفت هذا لحظة رأيته.. ردة فعله لي، أسئلته، طريقة تلاعبه بالحديث.. كان يعرف أننا التقينا من قبل..ليس بوضوح، ولا بما يكفي ليتذكر وجهي.. لكن ذاكرته كانت موجودة.. شريطة أن لا يحاول أحدكما التعجل بذلك.. فسيحدث هذا ببطء و بالتدريج، وهي أفضل طريقة.
توقفت إدنا عن الإصغاء..وقاطعته:
ـ أنت لا تفهم يا ليون..إنه يظنني أحب رجلا آخر..مايلز.
أحست بالغضب حين أجاب ضاحكا:
ـ إنه يغار منه! هيا الآن يا إدنا.. يجب أن تعترفي أن الأمر مضحك..ألا تظنين هذا؟
ردت متجهمة:
ـ لا أظن.. لقد تركني يا ليون. قال إن علي أن أنساه، وأنتظر عودة مايلز.
أخيرا رأت غمامة قلق حائر تبدد ضحكة ليون:
ـ تركك؟ ظننته ينتظرك في السيشل.. أبرقنا إليه يوم أدخلت إلى هنا نقول له إنك مريضة، وإنك ستنضمين إليه فيما بعد.
ـ وهل تلقيتم الرد؟
ساد صمت طويل ثم:"لا".
ـ إنه ليس في السيشل.. لقد ذهب إلى مكان لن أستطيع أن أجده فيه.. هذا ما قاله لي على الهاتف، قبل أن يرحل.
ساد الصمت لبضع لحظات، ثم سمعت ليون يتمتم شيئا غير مفهوم لنفسه.
قالت قبل أن يعذبها بمزيد من الأوهام المتفائلة:
ـ لا أظن أنني أريد الكلام عن هذا بعد.. هايدن رحل، ومايلز دفن وهذا كل شئ.
جاء دويل فرانسيس ليراها في اليوم السابق لتركها المستشفى.. قال ان لديه أخبارا عظيمة لها.. فقد أعطاه هايدن جاكوبس تعليمات بأن يدع لها أمر إنهاء السيناريو وحدها.
ـ وستحصلين كذلك على الشرف الكامل، عدا ذكر الأجرة التي لا تصدق.. متى تظنين نفسك قادرة على العودة إلى العمل؟
مجرد ذكر السيناريو كان كافيا ليصيبها بنوبة جنون. لم تعد تستطيع مواجهة شئ، ولا تتحمل حتى فكرة العودة إلى العمل.. كل ما تريده هو أن تهدئ نفسها وتحاول نسيان هايدن.
أنقذها ليون من هذه الورطة، قائلا بحزم انها ليست في وضع يمكنها فيه العودة إلى العمل أبدا، ولفترة طويلة. وصاح دويل مذعورا ويده ترتفع لتمزق شعره الخفيف دلالة معروفة عنه على يأسه:
ـ أتعني أنني يجي أن ألغي كل التزاماتها؟ وكيف تتوقع مني أن أفعل هذا؟
رد ليون بهدوء:
ـ ستجد طريقة..آسف يا سيد فرانسيس.. إدنا ستعود إلى الوطن. إنها تحتاج إلى بضعة أشهر لتستعيد صحتها.
ـ إلى الوطن؟ أتعني إلى منزلنا في سانت باتريك؟
ـ هذا صحيح.. ولا تحاولي التهرب يا إدنا.. إنها أوامر الطبيب.
لم تحاول، ولا كان لديها الرغبة في معارضته.. فهي لا تستطيع التفكير بمكان أفضل من سانت باتريك، المكان الهادئ، لتلعق فيه جراحها.. والتي ليس فيها شئ سوى ذكريات سعادة عزيزة، فقدتها إلى الأبد.
***
/ اختاري بيننا ( الاخييييييييييير)

كان باتريك وغريس جايمسون في المطار للقائها، وحاولا قدر استطاعتهما أن لا يظهرا مدى ذعرهما لشحوب وجهها الخالي من الحياة. ولسبب ما، كانا مترددين في أخذها مباشرة إلى سانت باتريك، مصرين على غداء ترحيبي في أفخم فندق في الجزيرة.. ثم اقترحا الذهاب إلى النادي للقاء كل أصدقائها القدامى.. لكنها اعترضت على هذا بحزم.. إنها تريد الوصول إلى موطنها.
تبادل الأبوان نظرة غريبة، ورأت أباها يهز كتفيه باستسلام وهو يقود زوجته وابنته نحو الميناء الداخلي بين الجزر، حيث كان يخت جميل ضخم بانتظارهم.
استدارت إلى أبيها:
ـ ما هذا يا أبي؟ أنت لم تتخل عن"غريس القديمة". هل فعلت؟
ـ ليس بعد.. ولكنها وصلت إلى آخر أيامها، كما أخشى.. وستعجبك هذه مثلها تماما حالما تعتادين عليها.
ابتسمت له:
ـ وسميتها باسمي؟ لقد شرفتني حقا! والآن هلا أقلعنا إلى المنزل؟
كانت الشمس قد بدأت تغيب حين تركوا ميناء فيكتوريا خلفهم.. تركت إدنا والدها يتولى أمر اليخت الفخم الجديد، وجلست بهدوء على سطحه إلى جانب أمها، تركز نظرها على التلال البعيدة لسانت باتريك.. ذهلت لإحساسها بشئ من الإثارة وهي تلتقط أول منظر للحزام الأبيض المحيط بالجزيرة من الرمال البيضاء الناعمة، وهو يبدو أكثر بياضا في مواجهة الخضرة القاتمة لأشجار النخيل وجوز الهند.
استدارت تبتسم بابتهاج لأمها وأرض طفولتها، بينما منزل المزرعة القديم لعائلة جايمسون يطل عليها من وراء ستار كثيف من الأشجار والأدغال.
اختفى المنزل والشاطئ أمامه مع السقيفة، بينما كان اليخت يشق طريقه بلطف وحذر إلى داخل الخليج الصغير، حيث مرساه المعتاد.."غريس" يختها المخلص القديم، كان يهتز بلطف أمام الرصيف الخشبي، يبدو باليا أكثر مما تذكره.
كأنها لم تغادر موطنها.. وأخذت الدفة من أبيها توصل بأمان اليخت الجديد الغريب إلى مرساه.. حيث رمت مرساتها خلف "غريس" القديم المسكين. ثم قفزت إلى الرصيف الخشبي لتربطه بأمان أكثر. كان يمكن أن تقفز في الماء لتصل الشاطئ سباحة، لولا أنها مقيدة بثيابها اللندنية.
نادت أبويها:
ـ لا أستطيع انتظار الوقت الذي أشعر فيه بملمس الرمال تحت قدمي.
أوقفتها غريس وهي على وشك الركض نحو الشاطئ الرملي:
ـ لا.. يا إدنا! انتظري.. أرجوك.. يجب أن نقول لك شيئا.
ابتسمت في وجه أمها المضطرب بشكل غريب: "فيما بعد".
لكنها كانت قد بالغت في تقدير قواها.. مرضها تركها ضعيفة.. وما هي إلا بضع خطوات حتى أبطأت في سيرها وتابعت بهدوء أكثر، بحيث لم يجد الأبوان مشقة في اللحاق بها.. وبدأت الأم تقول:
ـ إدنا.. لست أدري كيف أقول لك هذا.. لكن يجب أن أقوله قبل أن نصل إلى المنزل..أنت..أعني.. نحن لدينا ضيف يقيم معنا.
تأوهت إدنا:
ـ أوه..ياللأسف. كنت آمل أن نكون جميعا وحدنا لفترة ما، ولم أتوقع أي ضيف في مثل هذا الوقت من السنة.
فتدخل والدها قائلا:
ـ إنه ليس ضيفا في الواقع.. إنه..
وتلاشى صوته، واتجهت عيناه إلى الطرف البعيد من الشاطئ حيث كان طيف طويل عاري الصدر، يرتدي جنز مقصوص الساقين، يقف دون حراك عند حافة الماء، يراقبهم بهدوء.
دام الصمت للحظات ثقيلة، لا نهاية لها.. ثم تكلمت إدنا أخيرا وقد بدت غير مكترثة:
ـ كيف..متى وصل إلى هنا؟
نظرت غريس بقلق إلى ابنتها: "منذ أسبوعين".
ـ كان يجب أن تحذريني يا أمي.
حاول والدها أن يشرح لها:
ـ طلب منا أن لا نفعل يا إدنا.. لم يكن يريدك أن تعودي إلى هنا بسببه.
ـ لكنه كان يعرف أنني سأعود.. أليس كذلك؟
ـ أجل..في عطلة لاستعادة عافيتك.. لكن ليس لأنك تشعرين بالواجب لرؤيته مجددا.
ـ لا أريد أن أراه يا أبي.. يجب أن تقول له أن يرحل.. لن أستطيع تحمل المزيد!
بدت غريس عنيدة لا تتنازل:
ـ يجب أن تكلميه.. حتى ولو لمنحه فرصة تبرير عمله. أعرف أنك تشعرين أنه خانك.. لكنك مخطئة..فالرجل لم يستطع المقاومة.. فهو لا يعرف ما حصل له منذ تركنا.
نظرت إدنا مدهوشة إلى أبيها، وكأنها لا تستطيع استيعاب ما تقوله أمها.. لكنه قال بهدوء:
ـ هذا صحيح.. لقد فقد ذاكرته مجددا.. فلا تلوميه على ابتعاده عنك طوال هذه المده.
نظرا إليها بأسى وهي تنفجر ضاحكة.. كانت ضحكة جافة لا ابتهاج فيها تهز جسدها، وتدفع دموع الألم إلى عينيها.. أمسك بها والدها يهزها:
ـ كفى يا إدنا.. ستصابين بالهستيريا.. توقفي فورا عن هذا!
وانتظرا إلى أن تلاشت ضحكتها، وأخذت تتمتم بانكسار:
ـ لا يمكن لهذا أن يحدث يا أبي! لا أصدق. أتريد أن تقول لي انه لا يتذكر شيئا من..
وجمدت.. لم يعد مايلز واقفا عند حافة الماء دون حراك.. بل كان يسير نحوهم.. جسده الرائع النحيل، يتحرك بنفس الخطوة الرشيقة ليقترب منها أكثر فأكثر.. همست لأمها:
ـ لا أستطيع رؤيته! لا أستطيع! لا أستطيع مواجهته مرة أخرى يا أمي .. أرجوك!
سمعها ..لكنه استمر بالتقدم نحوها، دون أن تتحرك عضلة واحدة في وجهه الصارم غير المبتسم.. فاستدارت، محاولة الهرب إلى اليخت. لكن يد والدها أوقفتها، وبخشونة:
ـ بعد أن تكوني مهذبة معه.. كان أمامك ثلاث سنوات لتتغلبي على مشاعرك نحوه.. وأظن أنك كبرت بما يكفي خلال هذه الفترة.
وقف مايلز على بعد خطوات منها.. لم يحاول الاقتراب. كانت قد وقفت الآن بينه وبين أبويها وكان الثلاثة ينظرون إليها، وكأنها في قفص الاتهام، وهم القضاة.
أخيرا قال مايلز بصوت كسول جاف، يخلو من العاطفه:
ـ مرحبا يا إدنا.. تبدين بحالة رهيبة.
ـ شكرا لك.. أنت من ناحية أخرى تبدو في حالة جيدة جدا.
ابتسم ابتسامته الخبيثة القديمة: "أحاول ذلك جاهدا".
والداها، الواقفان هناك جامدين، عادا إلى الحياة.. وقال باتريك بطريقته الأرستقراطية القديمة:
ـ سنتوقع عودتكما إلى المنزل في السابعة.. لا تتأخري يا إدنا.
وكأن شيئا لم يحصل.
أصبحا وحدهما يقفان متصلبين فوق الرصيف الخشبي.. مغمورين بأشعة الشمس المائلة إلى الغروب.
ـ من أين نبدأ؟
ـ ماذا؟
ـ الحديث. لا مانع عندي من أن نقف هنا إلى الأبد.. لكن يبدو أن ساقيك ترتجفان قليلا.. فهل نجرب مكتبنا القديم؟ السقيفة أعني.. في حال نسيتها.
ـ لا.. لم أنسها..ولا..ليس في السقيفة.. في أي مكان عدا السقيفة.. فما سأقوله لك يمكن قوله هنا والآن يا مايلز.
ـ حسن جدا ..فلنسمع إذن.
ـ ارحل من هنا يا مايلز!
وكأنما دعته لشرب الشاي.. فلم تؤثر كلماتها عليه، وقال معتذرا:
ـ حسن.. قد يكون هذا صعبا قليلا كما أخشى.. فأنا لا أعرف إلى أين أذهب.. أترين.. فهذا هو المكان الوحيد الذي أستطيع التفكير فيه.
كان اليأس قد سلبها أي نوع من العاطفة، ما عدا الحاجة الملحة للإبتعاد عنه، لتوفر على نفسها المزيد من العذاب.
ـ عد من حيث أتيت إذن.. إنك، على الأقل تعرف هذا.
ـ جئت من "ماهي" حيث أضعت نفسي منذ ثلاث سنوات.ولا تسأليني كيف وصلت إلى هناك، ولا ما الذي حدث لي. أنا حقا لا أعرف.
كانت ضحكته مرحة هازلة.
ـ أنا آسفة يا مايلز.. آسفة لأنك فقدت ذاكرتك مجددا.. وآسفة لأنني لا يمكنني أن أرحب بك.. لكننا لا نستطيع العودة إلى الوراء.. لقد انتهى كل شئ.
فرد بغموض:
ـ انتهى حقا؟ حسن جدا.. أود مناقشة هذا قليلا.. هل يجب أن نكمل هذا النقاش ونحن واقفان هكذا؟ نستطيع أن نكمل الحديث في قمرة اليخت، إذا كنت لا تستطيعين تحمل السير معي إلى السقيفة.
ـ حسن جدا..لكنك تضيع وقتك يا مايلز.. لا أريد عودتك.
كانت القمرة الرئيسية الفاخرة التجهيز في اليخت أجمل بكثير من قمرة اليخت القديم البالي.. وكان الغروب قد بدأ يميل إلى الإظلام، لكن أحد منهما لم ينر المكان وقادتها يداه الثقيلتان بغير لطف، إلى المقعد.
ـ آسف..لكن ساقيك لم تعودا قادرتين على حملك على ما يبدو. والآن.. فلنتناول الأمور واحدا بعد آخر..أيمكن؟ متى قررت أن تتخلي عني؟
أعدت نفسها للكذبة القادمة:
ـ تقريبا بعد مغادرتك سانت باتريك. أكنت تظن أنني سأنتظرك إلى الأبد؟
ـ غريب.. لقد فهمت أنك كنت تبحثين عني منذ ثلاث سنوات.
ـ ومن قال لك هذا ..أبواي؟
ـ وليون..بالطبع..
بالرغم من قرارها البقاء متصلبة هادئة، ارتفع صوتها:
ـ ليون؟ أكنت تتصل بليون؟ أيعرف أنك هنا؟
أومأ برأسه إيجابا وهو يستوعب رد فعلها الغاضب، وأكملت:
ـ وأعتقد أنك أقنعته، كما فعلت بوالداي، بأن لا يقول شيئا لي.
ـ هذا صحيح.. لكننا سنعود إلى هذا فيما بعد، فأنا من بدأ هذا الاستجواب وأنا من ينهيه.. ويجب أن تعترفي لي بهذا الحق، لأعرف ماذا حصل خلال الأسابيع الأخيرة ما جعلني أصبح غير مرغوب فيه فجأة.
كانت أظافرها تحفر بألم في راحتيها:
ـ كنت مريضة.. وهذا غيرني.. لست أدري كيف، لكن هذا ما حصل.
فقد صوته هدوءه وكسله وهو يقف:
ـ لا أصدقك يا إدنا.. يمكنني أن أفكر بسببين فقط.. أحدهما أنك قررت أن ليس بالإمكان الاعتماد على رجل يفقد ذاكرته باستمرار، مع تغير الرياح.. هل هذا هو السبب يا إدنا؟ هل تخليت عني لأنني أصاب دوما بفقدان الذاكرة؟
ثم تابع بغضب:
ـ أجيبيني.. اللعنة عليك !
صاحت في وجهه البارد الغاضب:
ـ لا..! ليس الأمر هكذا! أنا لا أهتم أبدا بما تقول.. ولم أهتم يوما، وأنت تعرف هذا!
ـ أجل..أعتقد أنني أعرف..فما السبب إذن؟ لا تبقيني حائرا يا حبيبتي، أو سأضطر إلى استخدام طريقة أخرى لمعرفة الحقيقة.
أحست بتصاعد موجة قهقهات في داخلها.. إنه لا يظن حقا أنها ستنخدع بهذه التمثيلية، مايلز ليس قادرا على العنف مثلما كان هايدن.
ـ أتعني أنك ستلجأ إلى العنف الجسدي؟
رد متجهما:
ـ نعم، لكن ليس بالضرورة أن يكون عنفا.
كان كل كيانها يرتجف وهي تقف لتواجهه.. لا شئ على وجه الأرض يجعلها تعود مرة أخرى لتعاني نفس العذاب في حبها لهذا الرجل، المقدر له أن يعيش في شخصيتين.. لم تكن قادرة على رؤيته يتعذب كذلك في حياة مزدوجة. إنها كالسم له، كما هو لها، محكوم عليهما أن يحبا بعضهما إلى الأبد، مع ذلك،أن لا يجدا الراحة والإكتفاء في حبهما.. ويجب أن تنقذ نفسها وتنقذه، من هذا العذاب الذي لا يطاق.
ابتسم لها بهدوء كامل دون قلق، متغاضيا عن ابتعادها عنه دون اكتراث:
ـ إذن..يا حبي.. إلى أين نتجه من هنا؟
ردت بهدوء مماثل:
ـ إلى لا مكان.. لا مكان يا مايلز. أنا أحبك، ولم أتوقف يوما عن حبك.. لكنني أحب شخصا آخر بنفس المقدار.
احتفظ بابتسامته على وجهه:
ـ وهل هذا صحيح؟ ماذا تفعلين إذن في سانت باتريك؟ لماذا لست معه أينما كان؟
ـ لنفس السبب الذي أرفض فيه أن أكون معك.. فأنا أفضل أن لا يكون لي أي منكما، على أن أضطر إلى الاختيار بينكما.
سمعته يتنهد بصوت منخفض، لكنها لم تر أي حزن في عينيه القاتمتي الزرقة.. سوى اتساع غريب في حدقتيه.. وارتياح في الوجه الوسيم الذي لا يلين.
قال ببساطة:
ـ أجل..هذا ما قاله ليون بالضبط.
أبعدت نظرها عنه.. لم تستطع أن تسمح له بأن يعذبها أكثر من ذلك. وأجابت:
ـ إذن.. لو كان في نفسك مشاعر متبقية لي يا مايلز..أرجوك.. افعل ما فعله الآخر، وابتعد. دعني وشأني!
رنت كلماتها في القمرة الساكنة بشكل غريب.. وبدا أن الصمت سيستمر إلى الأبد.. ثم تكلم.. وكانت متأكدة أن المتكلم الآن هو هايدن وليس مايلز.
ـ أكنت ستقولين الشئ عينه للرجل الآخر لو طلب منك الزواج في ليلة الأحد تلك، في مطعم "ماي فير" يا إدنا؟
لم تسمع ما تبقى من كلامه، فقد انهارت ركبتاها تحت ثقلها، وبدأت تهبط إلى الأرض.. فأسرع إلى مساعدتها. وسمعته يتمتم بغضب وهو يسندها بيده:
ـ يا إلهي، كم أنا متوحش أحمق.
قادها إلى السطح، بعيدا عن جو الكابين الخانق، وهو يهمس لها:
ـ أنا آسف يا حبيبتي.. كان هذا غباء مني.. تمثيلية قاسية، لكن، كان يجب أن أعرف.
تمتمت:
ـ هايدن؟ أعني..مايلز..أوه يا إلهي! لست أدري ما أعني.. أي منهما أنت؟
ـ أنا هايدن إذا أحببت، ومايلز إذا فضلت الاسم الذي أطلقته علي. أنا الاثنين معا هنا، إذا فهمت ما أعني. ولو سألتني رأيي، لا أريد أي شخصية منا ..أقصد مني..فكلانا أحمق فاقد الحس.. لكن هذا ليس بالعجيب.. فنحن على أي حال ذات الرجل.
لم تفهم كلمة مما قال.. كانت عيناها تتبعان خطوط وجهه القوي، وكأنما لتطمئن نفسها أنها إنما ترى مايلز وهايدن معا.
وبقيت تتمتم بأسئلة لا معنى لها أبدا ولا تتطلب الرد بكل تأكيد:
ـ أتعرف بأمر مايلز..؟ أعني بأمر هايدن؟ وكنت هنا طوال الوقت..؟
ـ هذا صحيح.. منذ غادرت لندن.. مع أنني كان يمكن أن أركل نفسي لتركي لك حين أبرق لي ليون عن مرضك..كدت أعود في الحال.. لكنه عاد وأكد لي أنك تتماثلين للشفاء وستعودين قريبا.. وفكرنا معا أن من الأفضل أن نلتقي هنا.
ـ إذن لقد تآمرتما مجددا ضدي؟ كان بإمكانك توفير هذا العذاب الأخير علي يا هايدن.
أجابها وهو ينظر إلى عينيها:
ـ الآن كلانا يعرف..أليس كذلك؟ قولي لي مرة أخرى ما قلته يومها.
دون تردد، قالت ما تذكرته على الفور:
ـ أحبك كثيرا حتى أنني أكاد أطير فرحا، وانني الآن أطوف في أرض الخيال.
ـ هذا يكفي يا إدنا.. تكاد الساعة تصل السابعة، ولسوف يرسلنا والدك إلى النوم دون طعام لو تأخرنا عن العشاء.
همست له:
ـ فليفعل.. لا أطيق أن أشاركك مع أحد الآن.
ابتسم:
ـ وهل تطيقين أن لا تري منزلك لبضعة أيام أخرى إذن؟
ـ أطيق أي شئ طالما لا أستيقظ لأجد واحدا منكما قد رحل! إلى أين ستذهب؟
ـ لأتصل بوالدك بالراديو وأقول له اننا راحلان.
ـ أوه..لا..لا تفعل..تبا لك يا هايدن، لا تتركني الآن.
ثم استوعبت ما قاله تماما: "إلى أين؟".
ـ سنبحر، هذه هي الفكرة الرئيسية، لو كنت تذكرين.
ضحك للارتباك الذي بدا عليها، واستغل فرصة جمودها، ليسير بسرعة إلى قمرة القيادة، وأخذ يعمل على الراديو. سمعته يقول:
ـ باتريك؟ من الأفضل أن تبدأ العشاء دوننا.. لن نعود قبل بضعة أيام..
وجاء صوت أبيها مبهما عبر طقطقات معدنية، ثم رد هايدن:
"أجل أظن ذلك.. الأسرع هو الأفضل. ماعدا..انتظر لحظة..أتسمح؟".
استدار إليها ينظر إلى عينيها، إلى شعرها القصير.
ـ إنها نفس المشكلة يا حبي.
ـ ما هي؟
ـ أظنني استبقت الأمور وأخذت موافقتك كأمر مسلم به.. ولا أستطيع أن أعدك بأنني سأتغير يوما.. لذا من الأفضل أن تفكري قبل استعجال الأمور.
شدت على قبضتيها وقد وصل صبرها إلى نهايته:
ـ أفكر بماذا؟ عم تتكلم بحق الله يا هايدن؟
ملأ صوت أبيها القمرة الصغيرة، يطالب بنفاد صبر، بمجيئها إليه، فرد هايدن:
ـ حسن جدا..أعطني دقيقة يا باتريك، يا إلهي كم أنتم عائلة نافدة الصبر! من الأفضل أن أفعل هذا بسرعة إذن.. هل تتزوجينني يا إدنا؟
لم يعطها فرصة الرد،ولا أن تهز رأسها، وأكمل عبر الراديو:
ـ أجل..كل شئ على ما يرام.. سنعود في الوقت المحدد ليوم الزفاف، فلا تقلق.. في أسرع وقت يمكنكم ترتيب الأمر.. أنت تعرف ابنتك جيدا، ولا شك أنك أصبحت تعرفني كذلك.. فأنا خال من كل نقيصة.
وذهلت وهي تسمع صوت أبيها الجاف الرزين ينفجر قائلا:
ـ ستبقى دائما سيدا انكليزيا محترما.
سألته إدنا بعد ساعتين من هذا:
ـ أتعني أنك كنت ستتذكر كل شئ لو قلت لك الحقيقة فور تلاقينا؟
كانا قد أصبحا بعيدين عن سانت باتريك والسيشل الآن. واليخت يترنح بلطف وسط المحيط، لاشئ حولهما ما عدا الظلام المخملي...
ورد عليها بوقار:
ـ لا أظن هذا..فبقدر ما أندم على الأوقات القاسية التي مررنا بها معا بكذبك حول عدم معرفتك لي، أظنك كنت محقة في أن تجعليني أكافح وحدي ضد ذاكرتي.
ـ لكنك قلت انك تذكرت كل شئ حين سمعتني أصيح باسم مايلز..حين..تعرف..أنت وأنا..
ـ كان هذه هي الدفعة الأخيرة، يا حبي.. وما كانت لتساعدني لولا أنني كنت في منتصف الطريق.. فأنت دعوتني بذلك الاسم أول ليلة مقابلتنا..أتذكرين؟ وكانت صدمة مشتتة جدا لي.. لكنني كنت قد مررت بإنذارات خاطئة كثيرة من قبل. حتى أنني رفضتها على أساس أنه خدعة أخرى مثيرة للشفقة من ذاكرتي المسكينة، مثلها مثل ضحكتك، غضبك السريع، وهذرك الذي لا نهاية له.. وهاتين العينين الفاتنتين. واسمك بالطبع.
ـ أوه..أجل نسيت هذا.. وشكرا لتسميتك يختك باسمي. وكم كنت أتمنى لو أنني عرفت يومها أنك تذكرت اسمي.
ـ أجل.. كانت هذه المصادفة هي التي أثارت أكبر شكوكي.. فهناك القليل ممن يعرف اسم يختي..لكن، بما أنك كنت قادمة من السيشل، كنت واثقا من أنك رأيته في مكان ما، وافترضت ان الاسم هو جزء من خطتك للإيقاع بي.. ويجب أن تتوقفي عن هذا الآن.. أرجوك، توقفي عن النظر إلي بهاتين العينين.
صادقا بوعده مع أبيها، أبقاها بعيدة عنه.. وردت عليه: "أوه..أعذرني".
وتراجعت إلى الخلف، تاركة بضع أقدام بينهما.. كما فعلت تماما في الأشهر الأولى لإقامته في سانت باتريك. وسألته بهدوء: "هل هكذا أفضل؟".
تأوه بخشونة:"لا تبالغي الآن! ".
عادت إلى جانبه:
ـ أي شئ تقوله يا سيدي.. إذن متى أدركت أنني لا أختبئ وراء اسم مزيف؟
ـ أوه..يوم اطلعت على جواز سفرك و..
أوقفته ضاحكة:
ـ وأين وجدته؟ لا تقل لي.. فتشت حقيبتي وغرفتي؟
أطرق برأسه بخجل، وقال ببساطة:
ـ آسف يا حبيبتي..كان يجب أن أعرف.
ـ حقا يا هايدن، كان هذا عملا قذرا.. حين أفكر بالمتاعب التي مررت بها لأتجنب استخدام وسائل غير شريفة.. كان بإمكاني ابتزازك، أو استخراج المعلومات من باميلا، أو جويس. لقد كنت شريفة جدا معك.
انفجر ضاحكا بسخرية:
ـ أنت..شريفة..؟ يا إلهي يا إدنا؟ لم تكفي عن إهانة ذكائي بكذبك.. تخترعين كل تلك القصص المثيرة للسخط.. في الواقع..ظننتك مدعية أخرى، تحاول الاستفادة من ماضي المدفون.
ـ بدلا من ذلك ظننتني المؤلفة الحقيقية للقصة،جئت لأطالب بحصتي.
ـ لم أكن لأهتم بالقصة حينذاك، كنت مذهولا بهوسك بذلك الغامض مايلز.
ونظر بغضب إلى وجهها الضاحك:
ـ أتظنين الأمر مضحكا؟ حاولي أن تعيشي مع ثقب أسود في ذاكرتك..أتعرفين ماذا يمكن أن أشعر إذ أحيا يوما بعد يوم وأنا أعصر ذاكرتي حتى الموت، محاولا أن أفهم ما الذي يجعلك باردة هكذا، ولماذا تعزلين نفسك مبتعدة عن المخلوقات كلها، حتى عن نفسك!
ـ أو باولا..أو جويس؟
ـ أجل..ولماذا لا؟ يمكنني أن أفعل أسوء من هذا. لكنني لم أكن أعرف ما الذي كان يمنعني.. كنت أعرف أن هناك شيئا، أو امرأة، لها السيطرة الكاملة على حياتي، حتى ولو لم أتذكر وجهها أو اسمها، أو أي شئ عنها.
مرت بهما لحظات صمت استعادا فيها تذكر العذاب والحيرة، ثم خطرت لها فكرة:
ـ انتظر يا هايدن.. لقد قلت لباميلا انك قررت الزواج مني.. أكان السبب أنك..أعني..هل كنت..
ـ لا.. لم أكن قد تخليت بعد عن حلمي القديم، إذا كان هذا هو سؤالك.. لكنني كنت أعرف أنني أحبك بقدر ما وربما أكثر من حبي شبحي الضبابي، أحسست أنني سأنسى كل شئ في حبي لك.. وكنت على ثقة من أنه عميق وقوي بما يكفي لأجعلك تنسين الرجل الذي ظننته منافسي. وقلت لك هذا، ولو لم يكن بكلمات محددة..وكان يجب يومها أن تقولي لي أن أكف عن القلق حوله.
ـ ولماذا أفعل؟ جعلت الأمر يبدو كعقد عمل: شبحي مقابل شبحك.. وأنا مستعد إذا كنت مستعدة.. ذلك النوع من الأمور.. كنت متوحشا، متعجرفا..
ـ حسنا جدا.. إذا أنت أصررت على المقارنة، فماذا عن وقت كنا معا في المرج؟ كان يمكنك أن تري أنني كدت أجن، مع ذلك، بدلا من قول الحقيقة، بقيت تكيدينني بمايلز..
ـ لا تتهمني أبدا بمكايدتك! وماذا عنك؟ كنت تجلس هناك، كالقط الذي التقط لتوه فأرا.. تقول لي انك قررت أن تعتبرني بديلا لحبك الضائع. فماذا كان من المفترض أن أفعل؟ هل أجثو لأشكرك على موافقتك على جعلي صديقتك؟
وكالعادة.. شعر بالتسلية إزاء طبعها الحاد.
ـ كان هذا سيوفر علينا معا الكثير من الوقت.. فكل ما كنت بحاجة إليه هو أنت..أوه يا حبي..
تأوه وهو ينظر إلى عينيها.
ـ لا أستطيع أن أصف لك شعوري.. كدت أفقد صوابي.. لكن ما ان عرفت أنك تناديني باسم مايلز.. وأنني أنا من تقصدين، وأنك حبي، وحبي الوحيد.. وأن الزمن توقف جامدا لثلاث سنوات كاملة، وعاد كل شئ على ما يرام مجددا.. أوه كنت سأموت حبا وشوقا لك.
وكأنما يريد مسح الذكرى المعذبة من رأسه، أغمض عينيه لكي يغرق أفكاره. سألته:
ـ لماذا خدعتني في آخر ليلة لنا في الفيلا يا هايدن؟ لماذا تركتني؟ كنت تعرف أنك مايلز، وكنت تعرف أنني لا أحب سواك ومع ذلك تركتني ورحلت.
لم يرد للحظات، ثم تحرك مبتعدا عنها، ليضع مسافة بيتهما:
ـ أجل..أعرف هذا.. لكنني لم أعد ذلك الرجل الضائع الذي أعدته إلى الحياه، ودمجته مع حلمك الرومانسي. كنت ما أزال هايدن جاكوبس يا إدنا.. رجل له ماض و مستقبل، وممتلئ بالمسؤوليات، وعمل ضخم متطلب. هذا عدا ذكر زمرة من الجياع للمال.. ثم لم أكن رجلا لطيفا ليعيش المرء معه.. كما لم تفشلي مرة في القول لي.
ـ لكنك لم تكن هكذا! كنت متعجرفا وغير لين، مغرورا لا تحتمل.. لكن هكذا كان مايلز أيضا!
ـ ربما.. لكنني كنت أريد أن أتأكد من أنك تحبينني.. الرجل الحقيقي.. وليس شبحا من الماضي.. لهذا دبرت أمر هذه التمثيلية السخيفة، بادعاء عودة فقدان ذاكرتي، وعودة مايلز ثانية.. ولقد حذرني ليون وأبواك من أنك لن تنخدعي بها..لكنك خدعت..أليس كذلك؟
ـ حسن جدا..لا تكن معتزا جدا بنفسك يا هايدن.. لقد سلبتني كل الأحاسيس، تتلاعب بهبات باردة وساخنة علي.. مع ذلك أعجب ماذا كنت ستفعل لو أنني رميت نفسي بين ذراعيك على أنك مايلز.. لقد كدت أفعل وكان موقفي هو الأصعب في حياتي، حين قلت لك أن ترحل.
قال لها بهدوء:
ـ تعجبت من هذا بنفسي.. أعتقد أنني كنت سأكمل التمثيلية لفترة، وأخطط في تلك الأثناء لأجعلك تتقبلين تدريجيا بصفتي هايدن ومايلز معا..
وقف مرتديا بنطلون مايلز المقصوص.
ـ إلى أين الآن؟
رد بهدوء:
ـ إلى العمل.. وأنت كذلك أيتها الكسول..تعالي، يجب أن ننهي السيناريو.
ـ لماذا؟ لدينا كل الوقت في العالم.
ـ أما أنا فلا.. فما ان نتزوج حتى أعود إلى حياتي الطبيعية.
ـ إلى امبراطورية جاكوبس؟
ـ من بين أشياء أخرى، مثل رعاية زوجتي، تربية الأولاد..ومثل هذه الأشياء.. وسأترك كل شئ لمخيلتك الإبداعية.. أما مخيلتي فستكون مشغولة بإيجاد وسائل لإبقائك سعيدة، جسدا وروحا..
ببطء وسعادة، حملها مرة أخرى بعيدا في رحلتهما الطويلة نحو المستقبل.. ترفل بالثقة المتوهجة العميقة التي لا تهتز، بأن هذه المرة لن تكون حياة واحدة لزمن واحد.. بل عمر كامل متحد.


تمت بحمد الله

مشاركة