A PHP Error was encountered

Severity: Warning

Message: file(): http:// wrapper is disabled in the server configuration by allow_url_fopen=0

Filename: views/template.php

Line Number: 35

A PHP Error was encountered

Severity: Warning

Message: file(http://static.vipeople.com/menu/index.php): failed to open stream: no suitable wrapper could be found

Filename: views/template.php

Line Number: 35

A PHP Error was encountered

Severity: Warning

Message: implode(): Invalid arguments passed

Filename: views/template.php

Line Number: 35

سجن العمر

الكاتب: قصتي مشاهدات: 843 التصنيف: روايات أحلام

الفصل الاول
رحلة الى الحرية

كان امام كولين شادو أكثر من ساعتين من الانتظار. لم تكن ابتعدت عن موطنها من قبل, و لم تكن معتادة على الشعور بالإثارة
التي بدأت تغمرها منذ اللحظة الاولى التي سافرت فيها.
و بالطبع كان هناك تحدي كبير أمامها : والدها..فبيتر شادو كان قد تحكم بها و بشقيقها ريان بيد من حديد
, و برغم من بلوغها الان الثالثة و العشرين, فقد كانت يائسة من الإفلات من قبضة يده, ربما كان هناك
نقص فيها منذ البداية, فهي على عكس ريان لم يسمح لها بالذهاب الى الجامعة, أو أن تختلط بمن هم في
مثل سنها, و عندما قال لها ريان "اتركي الرجل العجوز وتعالي معي" فالبرغم من انها شاركته الحماس إلا أنها لم تستطع ان تفعل.
و فاجأتها نوبة سعال مما دفع السيدة المسافرة معها عبر الأطلسي إلى ان تلتفت إليها متسائلة:
-هل أنت بخير ياعزيزتي؟
ومسحت كولين الدمع الذي سببه السعال عن عينيها و ردت:
-بخير تماما شكرا لك.
و لم تستطع كولين حقا ان تجد كلمات مناسبة للرد على لطف السيدة لسؤالها . و احست بالحرج,
ففتحت حقيبة يدها و اخرجت رسالة حفظتها عن ظهر قلب .
هذة الرسالة وصلتها من ريان في المكسيك منذ شهرين ,في وقت كانت مصابة به بالانفلونزا مما جعلها طريحة الفراش
ليومين, و تركها هذا تعبة و فاترة الهمة , مع سعال أخذ يهاجمها من وقت لآخر, مما دفع والدها
الى تناول طعامه في الخارج. و خلال هذه المدة التقى أرملة تدعى آغي باركر,و تصادق معها,
و كانت أصغر منه بخمس سنوات.
و تذكرت كولين ذلك اليوم الذي أحضر فيه والدها السيدة باركر إلى المنزل.
و قال لها بحدة بعد أن رأها تحمل صينية و هي منحية الكتفين :
-لا تتكاسلي يا كولين.
و قالت لها السيدة باركر و هي تبتسم لها:
-لقد قال والدك إنك مصابة بالرشح.
- أنا أفضل حالا الآن.
ثم بدأت تسعل , فاندلق الشاي من الفنجان الذي كانت تقدمه للسيدةباركر, فسألتها و هي تتراجع قليلا
و كأنها خائفة من التقاط العدوى:
-و هل تأخذين أي دواء للسعال؟
و أجاب والدها:
-يقول الطبيب إن سعالها سيزول عندما تبدأ الشمس بإرسال دفئها.
و نظر نحو النافذة إلى المطر المنهمر في الخارج و أضاف :
-أنظري يا آغي .. نحن في شهر أيار و لم يظهر بعد أي دليل على قدوم الصيف !
و عاد تفكيرها إلى الرسالة التي تلقتها من شقيقها . و إلى حرارة الشمس التي تتوقع أن تلاقيها , كان
لطفا منه أن يدعوها لحفلة زفافه . كان يبدو من رسالته و كأنه قد استقر في المكسيك , و أنه قد
حصل على وظيفة جيدة , مما مكنه من دعوتها كي تبقى معه قدر ما تشاء و قال في رسالته:
- المال ليس عائقا .. احزمي ثيابك فقط و تعالي . فلدي منزل كبير بإنتظار أن أنتقل إليه مع
إيزبيلا .. و يمكن أن نمضي فيه أياما دون أن نراك.
وابتسمت كولين لأفكارها , من الرائع أن تسافر لترى شقيقها الوحيد يتزوج , و إذا أقامت معه
و مع عروسه , فستبتعد بالتأكيد عن طريقهما , و لكنها لم تستطع أن تدبر سوى بطاقة ذهاب فقط ,
و بما أن ريان يعرف وضعها المالي , فسوف يدفع لها بالتأكيد ثمن تذكرة العودة.
قبل موعد زواج شقيقها بإسبوعين , كانت تعمل في المطبخ , و كان والدها يزور آغي باركر في منزلها .
ثم سمعت صوت مفتاح والدها في قفل الباب . و دخل المطبخ , و هذا أمر نادر أن يفعله.
و دون أن تنظر إليه أخذت تحرك الحساء الذي كانت تحضره لوجبة العشاء. و قالت له:
-لقد كنت أفكر ... كم أحب أن أسافر لأحضر زفاف ريان.
و نظرت إلى والدها بعد أن قالت هذا , و كما توقعت , بدا غاضبا و لكن لأنها سبقته في الكلام . فقد
بدا غاضبا , و لكن ذلك الغضب , كما علمت فيما بعد كان لأنها سبقته في الكلام . فقد كان
لديه أخبار يود أن يقولها لها, و لم تعجبه فكرة أنها تجرأت على الكلام بأكثر مما كان يتوقع منها.
و تجاهل ما قالته و قال:
-السيدة باركر ستأتي الليلة للعشاء عندنا , و ستصبح والدتك الجديدة , فتأكدي أن تحضري طعاما يكفي لثلاثة.
و خرج من المطبخ تاركا كولين واقفة مشدوهة و مفتوحة الفم .
و مع أنها لم تحب آغي باركر كثيرا , إلا أنها شعرت بالإمتنان لها هذه الأمسية.

كان واضحا , عندما جلسوا حول المائدة , أن والدها قد تحدث مع عروسه المقبلة عن رغبتها في السفر
إلى المكسيك , و التفتت إلى والدها قائلة:
- لم تسنح لي الفرصة لأهنئك يا والدي.
و قالت للسيدة باركر :
-أنا مسرورة جدا سيدة باركر .. و أنا واثقة أنك...
و قاطعتها آغي غير مكترثة بالتهنئة التي قدمتها :
-لقد أخبرني بيتر عن رغبتك بالسفر لحضور زفاف شقيقك بعد أسبوعين .
و أجفلت كولين , و صوبت عينيها الزرقاوين نحو والدها . و كان يتابع تناول طعامه
قانعا بترك الحديث للسيدة باركر , و ردت عليها بهدوء:
-أجل .. هذا صحيح .. إنه شقيقي الوحيد و...
و قاطعتها السيدة باركر مرة أخرى و كأن كل شئ قد سوي أمره:
- و تعتقدين أن عليك الذهاب ... والدك سيبيع هذا المنزل و ينتقل للسكن معي . و منزلي لا يتسع لثلاثتنا.
فيما بعد , و في غرفتها أخذت كولين تفكر : كم أنا سعيدة لهذا , كم أنا محظوظة للخلاص
من أن يكون مصيري خادمة لوالدي و زوجته.
و علمت في اليوم التالي أن السيدة باركر قد تمكنت من أن تجعل والدها مطيعا لها قليلا . فلم يعد كريما معها كما
كان , حتى و قد أصبح قادرا على ذلك من خلال بيعه لمنزله . و قال لها:
-سأدفع ثمن تذكرتك.. ذهابا فقط.
-و لكن .. أتعني أنك لا تريدني أن أعود؟
كانت المرة الاولى التي تتحداه فيها , و دهشت عندما اكتشفت أنه كان عليها أن تفعل هذا من قبل, فقد كان جبانا.
-لم أقل هذا .. لقد قال شقيقك إنه سيدفع أجرة عودتك , ألن يفعل؟ معه مال أكثر مني .. فليدفع!
و لم تتقبل الفكرة . و لكن بما أنها لم تكن قد حصلت بعد على المال منه ، حتى لتذكرة الذهاب فقط ،
فلم تجرؤ على مناقشته , فهي تعرف بأنه قد يتراجع عن كلمته.
-و هل هناك مجال أن أحصل على بعض المال لأشتري بعض الثياب ؟
و ضاع رده بعد أن انتابتها نوبة سعال .. و مع أنها علمت أن ما فعله لم يكن بدافع الشفقة عليها، فقد
أعطاها شيكا يغطي ثمن التذكرة و يكفي لشراء بعض الملابس و يبقى معها القليل لتصرفه.
و أقبل موظف ودود و جمع المسافرين الذين سيتابعون الرحلة إلى المكسيك . بعد أن حطت الطائرة ، هل
سيقابلها رايان في مطار مدينة مكسيكو؟ كم هي بشوق لرؤيته.
الرحلة من مطار ميامي إلى مدينة مكسيكو كانت مريحة . فطائرة "الدي سي ا" كانت ملائمة للسفر
أكثر من الجامبو التي أوصلتها إلى ميامي . واستغرقت الرحلة ساعتين و أربعين دقيقة قبل أن تلامس الطائرة
أرض المكسيك, و اختفى كل التعب الذي كانت تشعر به، عندما فكرت بأنها بعد أن تمر عبر الجمارك
سوف ترى شقيقها الذي تحبه كثيرا.
لابد أنه تلقى رسالتها .. و جالت عيناها في المستقبلين ، ثم ثانية محاولة رؤية رايان . و لكن خيبة الأمل صدمتها ، إذ لم
يكن موجودا للقائها . و مع ذلك تقبلت الأمر ، ف "كواريتارو" تبعد مئة و عشرين ميلا عن العاصمة ، و ربما يكون
مشغولا، و ربما كان مضطرا للسهر مع خطيبته ، و عاودها الشعور بالتعب . حسنا.. لن تستطيع الوصول إلى "كواريتارو" و هي واقفة
هكذا... و تذكرت أن ريان قال لها في إحدى رسائله إنه يوجد رحلات منظمة إلى هناك ، فتحركت لتستقل سيارة أجرة توصلها إلى المحطة .
كتاب تعليم اللغة المكسيكية ، أفادها كثيرا ، و رافقها الموظف في المحطة إلى باص أكد لها ، أنه سيوصله
إلى "كواريتارو" ، و وجدت مقعدا لها ، و تنهدت بارتياح لنجاحها حتى الآن.
و خاطبها رجل مكسيكي قوي البنية ، و هو يحمل طفلين و وراءه زوجته و معها ولدين آخرين .
-بردون سنيوريتا.
و ابتسمت له ، و أشار إليها أنه يرغب في تبادل المقاعد لتستطيع العائلة أن تجلس على مقعد واحد. فقالت:
-دي نادا ..(أي على الرحب و السعة)..
-موتشا غراتياس (شكرا جزيلا).
استغرقت الرحلة إلى كواريتارو ، ثلاث ساعات ، شعرت خلالها كولين بالتعب الشديد ، فقد كانت تخاف
أن تغمض عينيها فتنام و يمر الباص في البلدة التي تقصدها ، دون أن تنتبه.
و استلمت حقائبها من مخزن الباص الجانبي، و دخلت إلى المحطة و هي قلقة ، و كادت تنفجر بالبكاء عندما لم
تشاهد أي أثر لرايان هناك . و سمعت صوتا يخاطبها بالإنكليزية :
-يبدو عليك أنك ضائعة . أمامنا عمر كامل لننتظر وصول وسيلة سفرنا . هل تحتاجين لأية مساعدة؟
و أحست بأنها لم تعد وحيدة لرؤيتها شاب و صديقته مهتمان بها.
و شرحت لهما بأنها كانت تأمل أن يكون شقيقها هنا لاستقبالها ، و أنه سيتزوج في الغد، و أكملت :
-لابد أنه مشغول جدا.
فضحك الشاب و قال:
-أو أنه يسلي نفسه في مكان ما في آخر ليلة حرية له ، هل تعلمين أين يقيم؟
و أخرجت كولين رسالة و عليها عنوان شقيقها ، و أخبرها الشاب أن العنوان بعيد ، و عرض عليها أن يرافقاها
في التاكسي ليشرحا لصاحب الملك بأنها شقيقة المستأجر عنده، لأنهما يعرفان اللغة ، كي يسمح لها بالدخول
إلى شقة شقيقها.
خيبة الأمل كانت تنتظرها أيضا في العنوان الذي أوصلها التاكسي إليه برفقة الشابين ، فقد اكتشفت بإنه ترك الشقة هذا الصباح.
و فكرت أن تذكر أسم خطيبته إيزبيلا لعل الأسم يعطي فكرة للمالك ، و انطلق هذا يتكلم مع الشاب الذي رافقها، توم، و كل
مافهمت منه كلمات متقطعة بالأسبانية منه " خطيبته" و "السنيور ديلفاغيو" ... و ظهرت ابتسامة على وجه توم
و هو يشكر المالك موضحة بإنه يعرف مكان وجود رايان.
-من الواضح أن شقيقك مرتبط بالخطبة مع ابنة أحد أهم الرجال في المدينة.
فالسنيور ديلفاغيو له أعمال هندسية في كل المنطقة ، و الجميع يعرف اين يقيم.
و كتب لها العنوان على ورقة ، فقالت:
- و هل تظن أن لا مانع من ذهابي إلى هناك ؟
-ليس من طريقة أخرى ، فهناك فرصة كبيرة أن يكون أخوك هناك ، أو سيكون بإمكانهم إعطائك عنوانه الجديد.
و أسفت كولين لافتراقها عن الزوجين الشابين ، اللذين أظهرا لها كل الود . و بعد رحلة في التاكسي
طويلة جدا ، وجه السائق السيارة إلى طريق مرصوفة على جانبيها صف من الأشجار ، كانت مضاءة جيدا،
و توقف أمام أسوار المنزل ، و نزلت كولين من السيارة أمام باب حديدي ضخم مزدوج مرتفع ، المكان بدا
هادئا جدا ، و ساورها انطباع بأن أحدا لن يسمعها تدق جرس الباب.
و ضغطت على الجرس ثانية دون أية نتيجة ... أيمكن أن عائلة ديلفاغيو ليست في المنزل أيضا؟
و تملكها الذعر ، إذ ليس بإمكانها أن تدق على أي باب آخر إذا لم يرد عليها أحد هنا.
و فجأة سمعت نباح كلب ، ثم وقع خطوات . و حاولت أن تتذكر القليل مما تعلمته بالأسبانية ،
و قالت بعد أن فُتحت كوة في الباب :
-باردون ... سنيور شادو هنا؟
و نظرت إليها الفتاة التي فتحت الباب نظرة جامدة ، ثم و لدهشتها ، صفقت الباب بوجهها.
ماذا..؟ و وقفت متحيرة ، ثم أدركت أن الفتاة لا بد قد ذهبت لتبعد الكلب الشرس الذي كان معها .
و سمعت وقع أقدام رجولية ثابتة قرب الباب ، لا بد أن الفتاة فهمت ما قالته و أرسلت من يستدعي رايان.
و توقف وقع الأقدام ، ثم فتح الباب ، و اتسعت ابتسامتها ، و حاولت التقدم خطوة إلى الأمام ، و هي مستعدة
لعناق رايان، مستعدة لرؤية الدهشة على وجهه.
و تلاشت إبتسامتها فجأة . فالذي ظهر أمامها لم يكن رايان ، بل رجل أكبر من شقيقها بعشر سنوات تقريبا.
طويل ، عريض الكتفين مثله ، و لكن لم يبدو مسرورا لرؤيتها ، و أحست كولين بالبرد .
و قال لها بالإنكليزية :
-الخادمة قالت إنك تسألين عن السيد شادو.
-أجل .. فأنا..
-هل أنت واحدة آخرى من نسائه؟
-ماذا؟
وصدمتها بشدة ماسمعته .. لا بد أن هناك خطأ! و هذا واضح إذا كان هذا الرجل هو السنيور ديلفاغيو،
و لا بد أنه تزوج باكرا ليصبح أبا لإيزابيلا و لكنه يتكلم عن رايان و نساء آخريات ! و قالت له ببرود:
-أسمي كولين شادو . و رايان شقيقي . لقد وصلت لتوي من إنكلترا . لقد أتيت لحضور زفافه غدا.
وأخذ الرجل يتفرس بها فترة طويلة ، و لكنها صممت مقابل عدائيته أن لا تسمح له بأن يلاحظ تعبها .
و صممت أكثر أن لا تخطو خطوة قبل أن تفهم ما يجري ، و ماذا قصد بقوله " واحدة من نسائه".
و أنهى الرجل تفرسه بها ، ثم تكلم و صوته لاينم عن الترحيب كثيرا:
- الأفضل أن تدخلي .
-و هل رايان هنا؟
و كان من الأفضل لها أن توفر كلامها ، فقد تجاهلها ، و أدخل حقائبها عبر الباب الضخم ، و لحقت به.
ثم أقفل الباب وراءها ، عندها أحست بأنها لم تحبه.
و تبعته رغما عنها ، و هو يتقدمها نحو غرفة جلوس تشع بالأنوار.
و أشار إليها بالجلوس قبل أن يجلس . و جلست، فقد كانت معتادة أن تفعل ما يطلب منها .
و هنا تمكنت من أن ترى الرجل بوضوح أكثر ، و دهشت لأنه لم يكن يبدو كمكسيكي .
فشعره كان أشقرا أكثر من شعر رايان ، و له أنف ارستقراطي كان يحدق بها من طرفه.
الطريقة المتعجرفة التي كان ينظر بها إليها كانت مألوفة لديها ، و هي لم تأتي كل هذه المسافة لتلحق تلك النظرة بها،
أو تستمر بمراقبتها . و سألته :
-هل أنت السنيور ديلفاغيو؟
-ربورتو ديلفاغيو هو ابن عمتي ، و لقد أتيت من مزرعتي في "دورانغو" اليوم متوقعا أن أكون ضيفا في عرس إيزابيلا غدا.
-متوقعا...؟
الطريقة التي قال بها الكلمة , كانت تقرر بإنه لن يكون هناك حفل زفاف، و لكن هذا سخيف.
فالترتيبات قد تمت منذ أشهر على الأقل .
-هل لي أن أرى إيزابيلا أو أحد أفراد عائلتها؟
-ألم تفهمي ... لقد قلت لك إنني من العائلة!
-أعني عضو أقرب.
و ضاقت عيناه مماجعلها تدرك أنها أقتربت كثيرا من إهانته.
-لا أعلم الكثير عن بلدكم .. و لكننا في المكسيك ، عندما تحدث مشاكل لفرد من العائلة نتحد جميعنا ، مهما كانت قرابتنا بعيدة .
-مشاكل؟ أي مشاكل ؟
-اسمي جوليانو انريكو غاتورادي .. و لقد طلب مني ابن عمتي روبرتو أن أتعامل معك . فهو وزوجته ، و إيزابيلا ، حصلوا من عائلة شادو على مايكفيهم لفترة طويلة.
و تملكها القلق :
-يكفيهم مماذا؟...
و لم تستطع فهم شيء مما يقول ... هذا الرجل البارد طُلب منه أن يتعامل معها! و بما أنه لا يعطيها أي جواب ، فكل ما تستطيع أن تأمله هو أن ترى رايان في أسرع وقت ممكن .
- إذا سنيور ريكو..
- إنريكو...
-إذا، ربما ياسنيور ، بما أنني سأتعامل معك ، ستدلني على عنوان منزل شقيقي . و عندها لن أعود أزعجك . لقد ذهبت إلى شقته و قيل لي إنه تركها ، و في آخر رسالة له قال لي إنه اشترى منزلا له ولإيز...
فقاطعها بعنف:
-هو لم يشتر شيئا .. المنزل الذي كان مقررا أن يصبح منزل إيزابيلا ، اشتراه لهما والدها. و لم يساهم شقيقك ببيزوس واحد من ثمنه.
و شهقت ، فهي واثقة أن شقيقها قال إنه هو الذي اشترى المنزل، و تابع جوليانو انريكو كلامه:
-شقيقك ياسنيوريتا شادو ، كان مهتما بشيء واحد فقط من خطيبته
و احمر وجه كولين ، و لكن جوليانو انريكو نظر إليها ساخرا و تابع:
-ليس كما ظننت . فقد كان يتلقى هذا من مصدر آخر . أما بالنسبة لإيزابيلا فكل ماكان يهتم بالحصول عليه منها هو المال الذي ظن أنها سترثه يوما . و لكن طفلتنا ، و بجهل ، أو بحكمة كما أراها ، أخبرته يوم أمس أن المزرعة التي كان يظن أن والدها يملكها تخصني أنا.
و أن روبرتو لا يملك مالا سوى ما ادفعه له لإدارة أعمالي.
-و لكن رايان .. رايان لم يكن يهتم بالمال ... لم يكن يهتم أبدا ..و أنا لا...
-لا تصدقين ؟ إذا صدقي هذا سنيوريتا . فهذا الصباح ، و قبل الزواج بيوم واحد ، وجد شقيقك من المناسب أن يهجر خطيبته.
-يهجرها!
و حاول عقلها أن يستوعب ما تسمع ، ولكن واقع أنها لم تنم منذ ما يقارب الأربع و عشرين ساعة لم يساعدها على التفكير . و تابع:
-هو لم يتخلى عنها فقط بعد أن اكتشف أن توقعاته بأن يصبح ثريا هي بدون أساس ، بل كان مالديه من الوقاحة ليزيد الإهانة إلى هجرانه ، بأن أخذ معه إمرأة كان على علاقة معها في نفس الوقت الذي كان يزورنا فيه.
و وقفت كولين صارخة:
-لا!..لا!
و بدا أن طاقتها قد بدأت تتلاشى ، و حدقت به بإرتباك ، محاولة إغلاق رأسها أمام أي خبر مزعج قد يقوله بعد:
-و إذا كنت قد أتيت إلى هنا كي تحصلي على نصيبك من هذه الصفقة ...
و لم يعد بمقدورها تحمل المزيد . و حاولت أن تخطو ، إلى أين ، لم تكن تدري ،
ثم أكتشفت أن ساقيها قد بدأتا تنثنيان تحتها ، و أن كل قواها قد تخلت عنها , و هكذا تحركت الحركة الوحيدة الممكنة ،
إلى الأسفل نحو السجادة . و كانت لا تزال تنظر في وجهه المخيف عندما غشي بصرها . و ظنت بأنها لمحت بعض الأهتمام ، و هذا أمر غريب
أمام التعبير السابق . ثم لم تعد تفكر بشيء مطلقا و قد انثنت ركبتاها.. و آخر ما وعته ، أن ذراعان قويتان ، أمسكتا بها فجأة...

********************************


الفصل الثاني
السجان الجديد


عندما استعادت كولين وعيها كانت في نفس الغرفة التي فقدت الوعي فيها .و لكن الذراعان القويتان لم تعودا تحيطان بها.
و تساءلت إذا كانت قد تخيلت ما حدث ، و وجدت جوليانو انريكو واقفا بقربها . ربما لم يكن هو ، بل شخصا آخرا هو الذي وضعها على أريكة ، و ليس على الأرض.
و تملكها التعب ، و رغبت في إغماض عينيها ثانية . ثم تذكرت الأشياء الفظيعة التي قالها لها هذا الرجل الأطول من المكسيكين العاديين ،
و جاهدت كي تجلس ، محاولة الاحتفاظ بأكثر مايمكن من كرامتها .
و سمعته يقول:
-هل تشعرين بشكل أفضل سنيوريتا؟
و تذكرت بأنه اتهمها بأنها أتت إلى المكسيك لترى ما تستطيع أن تلتقطه هنا من ثروة !
-أنا بخير تماما.
و أدركت ، من دون أي شك ، بأنه لم يصدق بأنها غابت عن الوعي . و حمدت الله على كبريائها الذي استطاع دفعها إلى الوقوف،
دون أن يبدو عليها ما يشير إلى مدى ارتجاف ساقيها .
و كان الرجل الذي بدأت تكرهه أكثر من أي شيء آخر في الدنيا . واقفا ايضا .
و لكن تجاهلت يده الممدودة بقصد مساعدتها:
-أعتذر لإغمائي هكذا ... فهذا أمر لايحدث لي عادة .. لقد مضى وقت طويل لم أنم فيه.
-اسمحي لي إذا ياسنيوريتا ، أن أعوضك عن هذا .
و نظرت إليه، و أخذ عقلها يفكر بوضوح أكثر ، الوضع الذي هي فيه لا تحسد عليه . فليس لديها أية فكرة عن مكان وجود شقيقها،
و لا أحد آخر قد يعرف . و ليس لديها مال كثير ، و لن يوصلها هذا إلى أي مكان.
-هل تقترح علي أن أنام هنا ؟
-هذا صعب . فعائلتي قد عانت ما يكفي على يد عائلتك . و لا يمكن التفكير بأن تستيقظ إيزابيلا صبيحة اليوم الذي كان يفترض أن يكون يوم زفافها لتجد شقيقة من خانها تنام تحت سقف واحد معها.
-رايان لا يفعل ...
و قاطعها بثبات :
-سآخذك إلى فندق ..و سنخرج الآن .
إذا فهو لايريدها في المنزل و لا دقيقة بعد. بإمكانها أن تتفهم هذا.
فلا بد أن إيزابيلا بحاجة لعناية طبية لتهدئتها . و مع ذلك فلم تستطع تصديق أن رايان قد فعل هذا.
-هل أنت جاهزة للذهاب ؟
و دون أن ترد التقطت حقيبة الكتف التي أدخلتها معها ، و تحركت نحو الباب حيث كان جوليانو إنريكو ينتظرها، و رافقها عبر التراس و التقط حقائبها ثم إتجه معها إلى سيارة واقفة خارج المنزل ،
فجلست فيها آملة أن يختار فندقا صغيرا رخيصا.
و غاص قلبها عندما لاحظت أنه أوقف السيارة أمام فندق كبير فخم و حديث، فهذا سيكلفها الكثير ، و هي تعرف هذا .
و قالت له ، راجية أن يظن بأنها تفضل الفنادق الصغيرة و لاشيء أكثر .
-أفضل فندقا أصغر من هذا .
-ما تفضلينه ليس مهما الآن ، فالوقت متأخر و لا أنوي قضاء الليل في البحث عن مكان يلائم ذوقك.
و نزل من السيارة و فتح لها الباب ، ثم حمل حقيبة في كل يد ، و وقف على الرصيف ، و من الواضح أنه كان يتوقع أن لا تناقشه ،
و لكنها لم تتحرك خطوة . و أحست بكراهية له أكثر ، ليس فقط لأنه قال لها بأنها أتت إلى هنا بحثا عن الثروة ، بل أيضا لأنها ستضطر أن تخبره عن و ضعها المالي . و واجهته قائلة:
-ما معي من مال لا يتناسب مع هذا النوع من الفنادق .
-أتعنين أنك هنا دون مال ؟
و لم تعجبها رنة الرضى في صوته التي تثبت ريبته فيها . و دون أن تنظر إليه ، دفعها كبرياؤها ثانية وسارت متجهة إلى مدخل الفندق .
إقامتها هنا سوف تدمرها ماليا ، و هي تعرف هذا ، و لكنها لن تفكر بهذا قبل أن تحصل على بعض النوم.
و وقفت جانبا ، بينما كان يتحدث مع موظف الاستقبال ، ثم شاهدت صبيا يحمل حقائبها و يأخذ المفتاح ، و نظرت بثبات إلى جوليانو إنريكو غاتورادي دون أن تفوتها ملاحظة التوقد في عينيه،
ثم استدارت لتلحق بالصبي نحو المصعد .

***
كانت الشمس تشع عبر النافذة عندما استيقظت . و نظرت إلى ساعتها .. لقد كانت تظن أنها ستنام لشدة تعبها عدة أيام ، و مع ذلك فالساعة تشير إلى الثامنة إلا عشر دقائق.
و تذكرت الإرهاق الذي هاجمها بعد خروج الصبي من غرفتها ، و لم يدهشها أبدا أن النوم غلبها فور أن وضعت رأسها على الوسادة .
و داهمتها نوبة سعال مفاجئة ، حتى دمعت عيناها ، إنها هنا و الشمس مشرقة الآن ، فلماذا لايتوقف سعالها ؟
على كل الأحوال ليس لديها وقت الآن للاستغراق في هذه الأفكار ، فهناك أفكار أخرى تتجمع في رأسها .
كانت خارجة من الحمام ، ترتدي ثوبا قطنيا قديما ، عندما شاهدت مذكرة الفندق تقول إن الغرف يجب أن تخلى قبل الساعة الثانية .
و هذا يعني أن أمامها وقت حتى الثانية لتقرر ماذا ستفعل .
في البداية ، سوف تذهب لتقابل مالك شقة شقيقها الذي قابلته ليلة أمس ، فلابد أن شقيقها ، إذا كان هرب مع إمرأة أخرى ،
حتى و لو لم تصدق هذا ، قد ترك دليلا على مكان وجوده ؟
و وجدت حرارة الشمس مقبولة في البداية ، و لكن بعد عشر دقائق على من السير ، أدركت أن من المستحيل السير بشكل متواصل ،
و أحست بالراحة بعدما جلست خمس دقائق على مقعد في إحدى الساحات العديدة للمدينة.
و بعد نصف ساعة من السير ، قضتها بالسؤال بواسطة الإشارات و كتاب تعليم الأسبانية ، و الرسالة التي تحتوي على عنوان رايان ، تمكنت من الوصول أخيرا إلى حيث تقصد.
و كان عليها أن تعترف بالهزيمة بعد أن رنت جرس الباب ، ثم ضربت على الباب بقوة دون أن تتلقى أي رد .
و خرجت من المبنى ، دون أن تعلم أين ستذهب ، عليها أن تعود فيما بعد ، و لكن المشكلة الجديدة كانت تغزو كل تفكيرها ... إذا وجدت عنوان شقيقها فمن السهل أن تصل إليه .. أين ستقضي هذه الليلة؟
كانت تشعر بالحرارة ، و الإنزعاج ، و لكن خوف ، و وجدت نفسها في شارع ماديرو .. و اغتنمت الفرصة لتهرب من الشمس ، فدخلت إلى أحد محلات بيع الكتب .
و لم تكن تنوي شراء شيء ، و لكن المكان هنا أبرد و امضت عدة دقائق في تفحص بطاقات البريد و تفكيرها مشغول فيما ستفعله الآن ؟
و خرجت من المحل ، و اتجهت إلى حديقة عامة فيها نافورة ماء تتدفق ، يقصدها العديد من الناس الهاربين من حرارة الشمس للاسترخاء على المقاعد الخشبية الموضوعة هناك.
و لكنها لم تستطع الأستقرار ، فوقفت ثانية ، و أخذت تتمشى على مهل .
كواريتارو ، كما علمت ، بلدة ذات أهمية تاريخية . فهنا أُعدم الإمبراطور ماكسيميليان ، و هنا عاشت جوزفين اورتيزدو دومينغيز بطلة الاستقلال ، و إلى هنا أُعيدت بقاياها بعد موتها .
و تمنت و هي تمر قرب التمثال المقام لها في الساحة لو أنها تملك جزءا يسيرا من شجاعتها .
و بلغت الساعة الثانية عشر ، و هي ماتزال تسير على مهل و على غير هدى .
و وصلت إلى كنيسة "سانتاروزا" و دخلتها لتخرج بعد قليل و هي تشعر بالهدوء أكثر ، مع أنها ظلت قلقة ، و سارت نحو الحديقة المقابلة لتجلس هناك ، و تذكرت أن عليها العودة إلى الفندق قبل قبل الثانية ،
و لكنها لم تكن متلهفة لأن تحمل حقيبتين و تسير في الشوارع ، و خطرت في بالها فكرة البحث عن عمل يقيم بأودها حتى تستطيع أن تجمع ما يكفي لثمن بطاقة العودة .
و لكنها لاتدري أي نوع من التراخيص هي بحاجة إليه للعمل في المكسيك ، وما هو نوع هذا العمل ؟
فكل ماكانت تجيده هو إدارة المنزل ، و أي إمرأة بإمكانها أن تفعل هذا .
و لم تكن أذنيها مستعدتان ، و هي مستغرقة بالتفكير ، أن تسمعا الصوت الذي ظنت بأنها لن تسمعه ثانية .
-أين كنت طوال هذا الوقت ؟
و أجفلت لرؤية جوليانو انريكو يقف أمامها ، فتراجعت بخوف.
و بقيت جامدة ، و العبوس على وجهها . و قالت له ببرود :
-معرفتك التامة باللغة الإنكليزية تدهشني . أنا أعرف أين كنت ، لقد ذهبت لأقابل صاحب منزل شقيقي .
-و لماذا ؟
و كانت على وشك أن تطلب منه أن يهتم بشؤونه عندما تقدم ليشاركها الجلوس على المقعد الخشبي المدهون باللون الأبيض .
فقالت قلقة:
-لقد ذهبت لأسأل عن عنوانه الجديد .
-كان بإمكاني توفير المشقة عليك .
و ادارت رأسها بقوة :
-أتعلم أين هو ؟ صاحب الملك لم يكن موجودا ، و فكرت أن أعود لاحقا عندما يعود من عمله .
-لا .. لا أعرف مكانه ، و كم كنت أود لو أعرف . و لا يعرف صاحب الملك أين هو كذلك .
و وقفت ، و لكنها لم تخطو سوى خطوتين ، عندما أمسك بذراعها ليوقفها :
-و أين تظنين نفسك ذاهبة الآن ؟
و حاولت أن تتخلص من القبضة الحديدية التي أمسكت بذراعها ، و لكنها لم تنجح ، و أوشكت على البكاء ،
و لكنها منعت نفسها بجهد حتى لا تمنحه فرصة الرضى ثانية لمشاهدتها و هي تبكي .
-أنا ذاهبة إلى الفندق لآخذ حقائبي و أسدد حسابي .
و وجدت نفسها مجبرة على العودة إلى مقعدها ، هذا إذا كانت تريد أن تتجنب صراعا معه أمام أنظار الناس .
-فاتورة الفندق مدفوعة .
-و هل دفعتها أنت ؟قل لي من فضلك كم دفعت ...
-لا تكوني سخيفة!
و لاحظت أنه قد غضب لأنها تحاول أمام الناس أن تدفع له مالا.
-أنا لست سخيفة.. و لكن إذا كنت تظن أن كرامتك كرجل جرحت بسبب ...
و أسكتتها النظرة على وجهه .. فقد بدا مستعدا لضربها !
و لاحظت ضغطه على فكيه ، ثم أدركت أنها كانت مخطئة بما ظنته حول كرامته . فقد أخبرها , دون اكتراث برأي أحد به ، كم كلفت الإقامة لليلة واحدة في الفندق ، و حاولت أن لا تقفز من مكانها عجبا لضخامة المبلغ، بينما مد يده إليها كي تدفع له ،
و راقبها بعينين حادتين و هي تفرغ ما في حقيبة يدها ، و عندما رأى ما تملك قال :
-أقبل أن تدفعي شيكات سياحية إذا كان هذا كل ما تملكينه من مال نقدي.
مال نقدي !.. هذه القطع النقدية هي كل ثروتها . فتمتمت:
-لا أملك شيكات سياحية .
-و هل هذه النقود في يدك كل ما تملكين؟
-إنها تكفي لتغطية فاتورة الفندق .
و شعرت بالغضب لأنه لم يحاول أن يأخذ المال الذي كانت تقدمه له، و فهمت أن السبب الوحيد لمطالبته لها بالمال هو أن يعرف ما بحوزتها من نقود .
و تمنت لو إنها لم تقل له إنها لا تملك شيكات سياحية ، و بدت غبية و هي جالسة هكذا تمد له يدها بالمال ، و هو يتجاهله . ثم سألها:
-إلى متى كنت تنوين البقاء هنا ؟
-لقد كنت أتوقع أن أقابل شقيقي.
-و هل كنت تتوقعين أن يدفع لك مصاريف إقامتك ؟
-أنا.. لقد.. دعاني لحظور . و قال ...
أوه ... لما هي مهتمة هكذا ! و عاودها كبرياؤها ، فقالت :
-أستطيع العودة إلى بلدي بسهولة .
-و هل حجزت لطائرة العودة ؟
كان سؤاله حادا.. بشكل دفع كولين ، التي لم تكن معتادة على الكذب ، أن ترد قبل أن تفكر :
-لا...
-و لكن معك تذكرة العودة ؟
احمرار وجهها الفجائي أجاب عنها ، و علمت أنه عرف الرد .
-أستطيع أن أجد وظيفة .. عمل.. أنا..
-و هل كنت تتوقعين أن يدفع لك شقيقك ثمن تذكرة العودة ؟
-من ماله الخاص و ليس من مال إيز... خطيبته السابقة.
-يبدو لي ،سنيوريتا شادو، أنك في مأزق.
-أنت ذكي حتى تستطيع استنتاج هذا !
-لا أعتقد أن من الحكمة أن تتكلمي معي بهذه اللهجة سنيوريتا .
-و ما السبب ؟
-السبب ، يا كولين شادو ، هو أنني أستطيع أن أضمن لك أن لا يوظفك أحد هنا، و في نفس الوقت هناك فرصة بأن أفكر أنا بتوظيفك.
و أجفلت ، و نظرت إليه لترى إذا كان جادا ، و أحست بكراهيتها لنفسها ، فهذا الرجل هو آخر شخص قد تفكر بالعمل له ، و مع ذلك فهي فعلا في مأزق و تحتاج إلى المال ,
فعليها إذن أن تتنازل عن كبريائها لتفهم منه المزيد :
-و ما نوع هذا العمل ؟
-مانوع العمل الذي كنت تمارسينه في إنكلترا؟
تدبير المنزل ، عمل إعتادته بشكل طبيعي ، إذ لم يكن لديها خيار آخر .
فمامن مدبرة منزل استخدمها والدها في السنوات الأولى بعد وفاة والدتها استطاعت أن تتعايش مع طريقة حياته لمدة طويلة .
و هكذا اضطرت لممارسة هذا العمل بشكل طبيعي .
-لم أكن أعمل ..
-و هل كنت تفضلين العيش بكسل ؟ و مانوع العمل الذي تفكرين به لكسب المال لأجل تذكرة عودتك إلى إنكلترا ؟
-مدبرة منزل .. في الفندق.. أي شيء. فالمركز ليس مهما.
و ساد صمت ، بدا خلاله مستغرقا في التفكير . ثم و كأنه اتخذ قراره ، قال و هو يلقي الأوامر عليها ، بطريقة متعالية:
-ارجعي مالك إلى جيبك , ستحتاجين إليه و إلى الكثير غيره، سنتناول الغداء أولا.. ثم سأصحبك معي إلى "دورانغو".
-دورانغو ؟
-حيث أعيش .. لقد قلت لك هذا من قبل . لقد قلت إنك راغبة في العمل كمدبرة منزل ، و لدي العمل المناسب .
-العمل المنزلي ؟
شعرت بالاشمئزاز منه ، و لكنها كانت مستعدة للتمسك بأي شي مع أن قليلا من الحذر منعها من الذهاب معه دون أن تعرف المزيد.
-و هل كنت تأملين بعمل أقل حقارة من هذا ربما ؟
و هكذا لم يتخلى عن سخريته لوقت طويل ، و إذا كان كبرياؤها قد أزعجه ، فها هو يستعيد كبرياءه و هو ينظر إليها من طرف أنفه و يقول :
-ربما فكرت بأن عملك في الفندق ، قد يتيح لك مقابلة شخص ثري كما فكر شقيقك أن يفعل ؟ هل تخشين أن لا تكسبي في النهاية أكثر من أجرة سفرك عائدة إلى بلادك ؟
و ردت بحدة و برود:
-أنا لا أخشى العمل الشاق . و كل ما أطلبه أن أعرف المزيد من المعلومات عن العمل الذي سأقوم به . فأنا لا أعرف عنك الكثير سنيور .و أظن أنك توافق معي أن من الطبيعي أن أرغب في...
-أتظنين أنني سآخذك إلى منزلي.. لتنفيذ هدف آخر معك ؟ اسمحي لي أن أقول لك بالنسبة لذوقي في النساء ، أحبهن مع لحم أكثر على أجسادهن.
و كانت مضطرة لتجاهل إهانته حول جسدها النحيل ، حتى و لو كانت تظن أن جسدها ليس سيئا لهذه الدرجة ، و قالت له:
-لم يتبادر إلى ذهني للحظة أن أفكارك ستتجه هذا الإتجاه ، و إذا كنت قد قلت شيئا , فلأنني أريد أن أفهم لماذا تريدني مدبرة لمنزلك ، بينما نحن لا نحب بعضنا كما هو واضح . و لكن ما يهمني أكثر هو.. هل ستوافق زوجتك على أن..
-ليس لدي زوجة .
تصريحه الفظ جعلها تنظر إلى عينيه الزرقاوين غير العاديتين. و من نظرته ، بدا سعيدا لأنه أعزب .
-و هل سأعيش معك في المنزل ؟
و تمنت من كل قلبها أن لا يقول نعم ، و أن لاتكون مضطرة للسكن معه لوحدهما. فهو يكرهها لما فعله رايان لعائلته ، و يكرهها لاقتناعه أنها أتت إلى المكسيك لترى ما إذا استطاعت الحصول على شيء ،
و تعلم بأنهما سيتشاجران كلما فكر بالموضوع ، و لأنها امتلكت حريتها حديثا ، فليست مستعدة أن تنتقل من ظلم والدها و استبداده ، إلى تحت حكم هذا المستبد الجديد ، و قال لها :
-ستعيشين معي تحت سقف واحد ، و لكن سيكون معك من يرافقك، إن كان هذا ما يقلقك ، فمدبرة منزلي تعيش هناك مع زوجها.. و طالما لن أنسى أن الأرنب السمين أفضل من النحيل..
يمكنك أن تنامي و انت مرتاحة ، سنيوريتا . و ستكون تينا ، و زوجها امادو منزعجين كثيرا إذا حدث شيء شرير في المنزل.
المزيد من الإهانات! و المزيد من التأكيدات بأنها آخر إمرأة في الدنيا قد يفكر بها . إنها تعرف القليل عن الرجال،
و لكنها ليست غبية كي لا تميز نظرة الإعجاب عندما تراها . و لكن ما يزعجها أن جوليانو يحاول تدمير ثقتها بنفسها. و لن تقول له إن كبرياؤها نابع من خجلها الطبيعي ،
و أنها لأكثر من مرة أرادت أن تكون ودودة مع الناس ، و أن عفويتها تنبع من تحفظها . و أنها فقط هنا في المكسيك و في الباص الذي أتى بها إلى هنا،
بدأت تخرج من عزلتها ، و بقي صامتا ليترك لها مجالا للتفكير ، ثم قالت :
-و هل أفهم من هذا أن علي أن أقوم بالأعمال الصعبة في منزلك؟
-ستعملين هناك و تنامين هناك.. أجل.
و ابتسم ، فأشاحت بنظرها بعيدا، فهناك معنى عميق في هذه الابتسامة الساخرة . إن ما من أحد يمكنه أن يزعجه و ينجو بفعلته ،
و إنه ستكون له الكلمة الأخيرة في الدين الذي على أخيها لعائلته، فهو يظنها سيدة كسولة لا تعرف طرف الفرشاة من قبضتها ،
و سيكون مسرورا جدا لرؤيتها جاثية على ركبتيها تنظف الأرض..
و قال لها:
-العمل الذي عندي لك ياكولين شادو ، هو تنظيف كامل للمنزل الذي سيسكنه المراقب الجديد الذي أتوقع قدومه بعد وقت قصير .
و ابتسمت له كولين ، فالعمل المنزلي و هي صديقان منذ زمن بعيد .
-و لكنني لا أتوقع أن يأخذ هذا مني وقتا طويلا ، و أنا لن أستطيع الحصول على أجرة سفري منك لقاء عمل أقل من أسبوع .
و جاء دوره في الابتسام، و تلاشت ابتسامتها أمامه :
-إذا حدث و أنتهى هذا العمل و كنت راضيا عنه ، قبل أن تكسبي مايكفيك ، فما من شك بأنني سأوفر لك عملا مماثلا .
و تكونت لدى كولين فكرة بأنها سوف تتجول في كل بناء مقام على أرض مزرعته ، قبل أن تقلع طائرتها في النهاية إلى إنكلترا و هي التي كانت تظن بأن والدها مستبد...!

***************

الفصل الثالث
عمل... عمل...


تقع "دورانغو" على سفوح تلال "سييرامادري" . و هناك كلمة واحدة فقط يمكن أن تصف المنطقة ، حيث يمتلك جوليانو إنريكو مزرعته ، و هذه الكلمة هي : جميلة !
و وصلا إلى "كواريتارو" في طائرة خاصة ، ثم استقلا سيارة لحوالي ساعة و نصف بعد أن وصلا إلى عاصمة المقاطعة .
في الصباح التالي ، لم يكن لديها أي مزاج للتفرج على جمال المنطقة ، و هو يقود السيارة باتجاه منزل المدير الجديد للمزرعة ، أو لتكون ممتنة للظروف التي أتاحت لها أن ترى هذا الجمال الرائع،
فكل ما كانت ترغب به ، أن تخرج من هنا ، بأسرع وقت ممكن .
رب عملها ، كما تنظر إليه الآن الجالس إلى جانبها بدا وكأن ليس لديه ما يقوله لها .و بالكاد كان لطيفا معها منذ أن وافقت على العمل عنده .
و نظرا لهذه الظروف فضلت أن تبقى باردة معه.. فالأشياء التي قالها عن رايان لا تزال تؤلمها ،و الأشياء التي قالها و فكر بها عنها ليست مشجعة كي تتخلى عن تحفظها الذي نما معها.
و تذكرت لحظة وصولهما يوم أمس ، كيف التفتت لتحضر حقائبها و لكنه قال لها:
-اتركيها فسوف يوصلها أمادو إلى غرفتك.
ثم دخل إلى منزله ، تاركا إياها تتبعه بسرعة ، خوفا من أن تضيع بعد دخلت ممرا يقود إلى العديد من الاتجاهات . و نادى:
-تينا!
و ظهرت إمرأة فوق الخمسين بسنوات ، لون بشرتها بني فاتح ، كانت كولين قد قرأت أنه يتولد من امتزاج الدم الهندي الأحمر و الأسباني ،
و هو يختلف عن بشرة جوليانو انريكو ، الذي كان بلون برونزي.
و تخلى رب عملها عن خشونته و هو يتحدث مع تينا بالأسبانية ، و التقطت كولين كلمة "سنيوريتا" و تأكدت أنه يتحدث عنها ، ثم التفت ليقدمهما لبعضهما، و بعد أن تصافحتا أكد لها ما كانت تظنه من أنه يتحدث عنها :
-تينا لديها غرفة جاهزة لك . و ستأخذك إليها ، نحن سنتناول العشاء بعد نصف ساعة .
و كانت على وشك اللحاق بتينا ، عندما استوقفتها كلمة "نحن" و لم تعجبها الكلمة ، فسألته:
-و هل سأتعشى مع باقي الموظفين ؟
فنظر إليها بهذا التكبر الذي تكرهه تماما:
-سوف تتناولين وجباتك معي .
-و لكن...
-وجودك في المطبخ مع تينا سوف يحرجها.
و أدركت أن عليها أن تتعلم الكثير بعد عن العادات المكسيكية ، بما أنهاخادمة هنا فلماذا سيحرج وجودها في المطبخ أي أحد .
شيء واحد تعرفه الآن.. لقد أكتفت تماما من تصرفات هذا المستبد ليوم واحد ! أن تجلس عبر الطاولة في مواجهته فهذا أمر غير مستعدة لتحمله ، فقالت :
-أرجو أن تعذرني سنيور.. و لكنني لست جائعة.
-و لكنك أكلت القليل عند الغداء.
-شهيتي دائما ضعيفة .
و تفرس بها من فوق لتحت ، و انتظرت تعليقا ساخرا حول نحافتها . و لكنه أثبت أنه سيد المفاجآت فقد فاجأها بقوله ببرود :
-اذهبي مع تينا ، إنها لا تعرف الإنكليزية ، و إذا احتجت لشيء فتعالي إلي .
و استدارت كولين مبتعدة عنه ، سوف تستطيع تدبير أمرها دون الا ضطرار للجوء إليه ، و لكن إذا كان لا يطيق حتى النظر إليها ، فلماذا يقترح عليها أن تراجعه ؟
الغرفة التي اصطحبتها إليها تينا ، كانت بيضاء ، باردة ، و الهواء الناعم يتدفق من النافذة المفتوحة ، و فيها سرير كبير على الطريقة المكسيكية ، و لم تمكث معها تينا أكثر من ثواني ،
و تلقت منها الشكر دون أن تبتسم "غراتسيا تينا" و أجابتها بأدب بالاسبانية : "عن إذنك" و تركتها .
بعد خروج تينا ، تفحصت الحمام الملحق بالغرفة ، و لم تستطع إلا أن تفكر بأن هذه الشقة فخمة جدا بالنسبة لخادمة للسنيور.
و لكن يا إلّهي كم هي تعبة ! لقد أرهقها التعب عند وصولها إلى أرض المكسيك ، و فكرت أن حماما سينعشها فدخلت إلى الحمام و أغلقت الباب وراءها.
بعد خروجها من الحمام الذي أنعشها ، لاحظت أن حقائبها قد أدخلت إلى غرفتها . و عندما أنهت فتح الحقائب و تفريغها أحست بالتعب ثانية ، و قررت أن تنام . و لكنها اكتشفت أن مفاجآت هذا اليوم لم تنته بعد.
فقبل أن تصل إلى السرير ، سمعت قرعا على الباب ، ففتحته لتواجه وجه تينا الجامد وهي تحمل صينية ، لا بد أن جوليانو إنريكو قد أرسل لها العشاء بقصد أن يجعلها تسمن ، فأخذت الصينية .
اهتمامه قد يعود إلى أنه يريد منها أن تنفذ عمل يوم غد أكثر من رغبته في رؤية المزيد من اللحم عليها.
أوصلتهما رحلتهما بالسيارة إلى منزل بدا مهجورا ، و كأنما لم يسكنه أحد منذ سنوات . و خرجت من السيارة و تبعته . و قال لها باختصار عندما تركته لتدخل إلى المنزل :
- خذي هذا .
فاستدارت كولين . "هذا" كان صندوق كرتون ، و أخذته منه ، ثم وقفت تنتظر بينما كان يخرج صندوقا أكبر و أثقل ، و سلة طعام للنزهات، ثم تناول مكنسة طويلة اليد لم تلاحظ وجودها من قبل ، و قال لها:
-أظن أن لديك هنا كل أدوات التنظيف التي ستحتاجينها.
و نزع القفل الخارجي عن باب المنزل الذي يعلم الله وحده ما يجاوره ، فهي لم تستطع أن ترى منزلا آخر على مدى النظر .
نظرتها الأولى إلى داخل المنزل جعلت معنوياتها تهبط . فالمكان قذر جدا! و هي التي كانت تظن أن بالإمكان تنظيفه في أقل من أسبوع! و استمرت تفكر بينما كان جوليانو يتجول بها من غرفة إلى غرفة دون أن ينبس بكلمة واحدة ، ستكون محظوظة إذا استطاعت إنهاء عملها فيه ، كما تريد ، قبل شهر!
و قالت معلقة :
-مما رأيته من البيت يبدو أنني سأكسب ثمن تذكرة سفري بمشقة .
و كانا قد وصلا إلى المطبخ حيث لاحظت الشحوم و الأتربة على الطباخ الذي بدا أنه بحاجة لأيام لينظف .
و ظنت أنها رأت الاشمئزاز في عينيه ، و لكنها لم تستطع معرفة ما إذا كان هذا بسبب حالة المكان أم بسببها . مع أنها لاحظت نوعا من الاعتذار في كلامه عندما قال :
-لقد أستخدم اللصوص هذا المنزل كمقر لهم لعدة أسابيع بعد هروب ساكنيه منه... سآتي لآخذك عند الساعة الرابعة . أبدأي العمل .
و أين ستبدأ ؟ المكان كله قذر . و عادت تجوب الغرف ثانية ، الأوساخ منتشرة في كل مكان ، المفروشات فيه و التي عرفت في الماضي يدا حنونة تعتني بها ، أصبحت الآن باهتة ، لا حياة فيها ، قذرة و ملطخة بالبقع...
و بدأت كولين..
الإرهاق كان رفيقها بعد أن أنهت الكنس من فوق إلى أسفل ، و هاجمتها نوبة سعال اضطرتها للتوقف .
ذكرى ما قاله المستبد "هل أنت خائفة من تلويث يديك " كان يحفز في أعقابها و يجعلها تتحرك لتعمل في وقت كانت بأمس الحاجة للجلوس.
و لملمت الأوساخ التي كنستها ، ثم فتحت الباب الخلفي .
و استقبلتها أشعة الشمس البراقة ، فتركت الأوساخ في الخارج و تجولت قليلا حتى وصلت إلى ناحية بدا لها أن الغسيل الأسبوعي يجري فيها . كان هناك مغسلتان كبيرتان و عميقتان . و لكن لايوجد مياه ساخنة ،
و قاومت شعورها بالتعب ، و صعدت إلى الغرف العليا و أنزلت الستائر من مكانها و حملتها إلى هناك لتضعها في الماء .
بعد أن أنهت غسيل الستائر ، و خلال بضع ساعات ، شعرت بأنها على وشك الانهيار ، و أصبحت حركاتها ثقيلة . و أعادت إقفال الباب الخلفي ، و نظرت إلى ساعتها ، ثم جلست .
و تمسكت بذراعي المقعد الخشبي تحتها و أخذت الدنيا تدور بها ، و فكرت بأنها قد تشعر بحال أفضل لو أحضرت الطعام من السلة لتأكله ، و لكن الفكرة جعلتها تشعر بالغثيان .
كان يجب أن تستريح لبعض الوقت ، فرفعت قدميها على المقعد ، الطابق العلوي بدأ يأخذ شكلا محددا ، و سوف تركز على العمل هناك هذا الأسبوع .
و هذا بالطبع يعني ، عندما يحضر جوليانو بوجهه المتجهم عند الساعة الرابعة سيظن بأنها لم تفعل شيئا طوال اليوم سوى الكنس في الغرف السفلى ، و لكنها تعرف أن شكوكه سوف تدفعه لتفحص المكان ، و سيعرف عندها أنها لم تتوقف حتى لتناول الغذاء.
و أجفلت ، بعد أن أدركت أنها لا بد قد غفت لثوان ، و فتحت عينيها . و علا الدم إلى وجهها ، و نظرت إلى ساعتها بسرعة ، ثم إلى الوجه المتجهم للرجل الذي دخل بصمت بينما كانت تغفو!
فشهقت قائلة :
-أنا.. إنها الثالثة و النصف فقط!
-و أنت أيتها الكسولة المثالية ، لم تكوني تتوقعين قدومي قبل الرابعة .
-و لكن .. أنا..
و لاحظت أنه غير مهتم بتفسيراتها ، و غير مهتم بالبحث عن أثر مما تراه عيناه حوله، و قال بحدة:
-تعالي..
و بدا أنه سيجذبها من مكانها بالقوة إذا لم تقف . و قال ساخرا:
-إذا كنت ستعملين بنفس السرعة التي عملت بها اليوم فلن تكسبي ثمن تذكرتك أبدا، يا كولين شادو.
عندما وصلا إلى المنزل كان غضبها قد انخفض قليلا . و صممت أن تعمل في الغد إلى أن تنهار ، كي تستطيع مغادرة هذا المكان المعادي في أقرب فرصة .
و دخلت المنزل من باب المطبخ لتضع سلة الطعام . و التفتت فتاة في مثل سنها من غسل الصحون ، و كانت طفلة سوداء الشعر تتعلق بها فدفنت الطفلة وجهها في تنورة الفتاة على الفور .
و توقف جوليانو ، فاضطرت للوقوف أيضا . و سمعت ذكر اسم تينا و هو يتحدث إلى الفتاة و كلمة "سيستا" و خمنت بأنه يسأل ما إذا كانت تينا ترتاح . و أجابته الفتاة :
-سي سينور.
-بونيو.
و انتبه عندها فقط أن كولين معه فقدمها للفتاة ، ايما و طفلتها بيلا ، و ابتسمت ايما على الفور و هي تصافح كولين ، و شعرت بحرارة مصافحتها ، و ازدادت حرارة ابتسامة كولين عندما مدت الطفلة يدها لها ، حسب تعليمات أمها ،
فالابتسامات تتخطى حواجز اللغة ، و كررت الفتاة وراء أمها : موتشو غويستو سنيوريتا(مسرورة كثيرا ياسنيوريتا).
و كانت كولين تستقيم في وقفتها بعد انحناءها لمصافحة اليد الصغيرة ، عندما التقت بعيني جوليانو إنريكو يحدق بها ،
فقد فهمت تفكيره بأنه يجد صعوبة في الرابط بين الفتاة الكسولة التي وجدها نائمة أثناء عملها و بين الفتاة التي بدت مسرورة لقضاء وقتها مع ابنة الخادمة... و اعتذرت من الفتاة ، ثم غادرت المطبخ .
و ساعدها الحظ فقط ، و ليس الحكم السليم لكي تجد طريقها إلى السلم ثم إلى غرفتها ، فهي لم تعتد بعد على المنزل.
و لاحظت فجأة أنه هنا ، و إلى جانبها.
و توقفت ، فهو ليس ذاهبا إلى غرفته ، فقد توقف أيضا ، و أحست بالقلق ، و حاولت أن تسيطر على الغضب الذي يجتاحها فقد توقعت أن تسمع منه تعليقا لا يرضيها و فكرت بأنه لو قال كلمة واحدة عن العمل الضئيل الذي يظن بأنها قامت به اليوم ، فسوف تصفعه.
و أخذ الغضب يتصاعد أكثر و أكثر في نفسها بينما كان يتفرس بها . ثم قال بشكل فاجأها، و هو رجل المفاجآت:
-يبدو عليك التعب . هل أقترح عليك أن تفعلي مثل تينا و ترتاحي قليلا ؟
و ذهلت لهذا التحول ، حتى كادت أن تقتنع بأن توافق معه ، و لكنها لم تستطع أن تنسى بسرعة أنه دعاها "بالكسولة المثالية"، وهذا مازال يحز في نفسها حتى أنها لم تشكره على اقتراحه. بل قالت متسائلة ببرود:
-و هل هناك شيئا آخر؟
و شاهدت البرودة تعود إلى عينيه ، و مع ذلك لم تندهش عندما أضاف:
-العشاء عند الثامنة.
-مع معرفتي أنني أكرر نفسي.. أنا لست جائعة.
و ظنت عندها أن كبرياؤها أثاره بقدر ما أثارها كبرياؤه. و الوميض السريع في عينيه أثبت أنها ليست مخطئة .كذلك الطريقة التي أشتدت بها قبضته اليمنى ، و عرفت بأنه أيضا يود لو يصفعها . و رد عليها بصوت بارد:
-إذا.. نامي دون عشاء . لقد تناولت وجبة جيدة اليوم ، و لا أنوي الطلب من تينا أن تحضر لك الطعام و تحمله إليك.
و ابتعد عنها ، قبل أن تتمكن من الرد عليه.
و في الصباح التالي ، عملت حتى بللها العرق ، و فكرت بأن عليها أن تكون ممتنة لأن تجد كل يوم مشمس مثل اليوم الذي سبق.
و لكنها أحست بالحر الشديد ، و هي تمرر المكواة جيئة و ذهابا فوق الستائر ، التي غسلتها في اليوم السابق . و عاودها الإرهاق الذي أصبح الآن مألوفا لها ، بعدما انتهت من الكوي ، و اتجهت نحو السلم لتنزل إلى المطبخ و تحضر ماتبقى من الستائر المنشورة على الحبال .
خطواتها كانت تعبة و بليدة ، و صامتة ، و غير قادرة على الأستعجال ، و عندما وصلت إلى الردهة السفلى أحست بالصدمة .
فالرجل الواقف هناك و ظهره إليها هو جوليانو إنريكو ، و لم تكن تعرف كم هي الساعة الآن ، و لماذا لم تسمع صوت سيارته ، و لماذا لم تسمعه يدخل المنزل .
و بدأ يستدير فنصبت كولين قامتها ، و رفعت كتفيها عاليا ، و لم يفتها أنه كان يتفحص ما فعلته اليوم ، أو ما لم تفعله بعد ، لأنها كانت قد قررت أن تترك العمل في المطبخ إلى النهاية.
-لقد عدت للعمل بجهد ثانية ، كما أرى.
-نحن الكسولات المثاليات معروف أننا لا نتحرك بسرعة البرق!
-هل أزعجتك تلك الملاحظة ؟
و تفحصت عيناه الزرقاوان شكلها المشعث ، يبدو أنه يظن بأنها كانت نائمة في الطابق العلوي . و أنها جاءت عندما سمعت صوت وصوله، فتابع ساخرا:
-من المؤسف أنها لم تزعجك بما فيه الكفاية كي تخرجك من كسلك.
-هل لكل المكسيكيين هذه الشخصية اللطيفة ، أم أن سحرك لا مثيل له؟
كم تحب أن ترى وجهه عندما يشاهد ما فعلته في الغرف العلوية . و تمنت لو أنه يفعل ، و لكن أمنيتها ذهبت أدراج الرياح..
و قال لها بحدة و هو يحمل سلة الطعام التي لم تلمسها :
-غدا أتوقع أن أرى بعض التقدم.
-و أية عقوبة سأتوقع إذا لم يحدث هذا؟
و كان جوليانو يسير بإتجاه الباب الخارجي ، و لكن لدى سماع كلماتها ، استدار و نظر إليها . و علمت عندها أنه نوع من الرجال من الحكمة الابتعاد عن الصدام معه.
-لقد تغاضيت عن كسلك لأنني ظننت أنك تحتاجين إلى يوم أو اثنين لتعتادي على الطقس ، و قد مضى عليك الآن ما يكفي في بلادي .و أنا لا أرغب بالأحتفاظ بك لتزيين هذا المكان.. و غدا سنيوريتا شادو ، سوف تبدأين العمل الفعلي .. حتى لو اضطررت للبقاء هنا للإشرف على عملك.
-و ماذا فعلت في حياتي لأستحقك؟
و تجاهلها و تقدم نحو الباب و فتحه ، ثم قال :
-و هل أنا بحاجة لأن أقول لك إنك من جلبت هذا لنفسك لأنك جشعة مثل أخيك ؟
و نظرت إليه نظرة جارحة ، و هو يقفل الباب.. يا إلّهي كم تكرهه! و بصمت جلست إلى جانبه ، و أدار السيارة و قادها بصمت. و كانا على وشك الوصول إلى المنزل عندما نظرت إلى معصمها بشكل آلي لتعرف الوقت ، فصاحت :
-ساعتي .! لقد تركتها في الطابق العلوي هناك.
و لأنها لم ترد أن يمن عليها بعودته لجلبها ، أضافت بسرعة :
-لا يهم.. سآخذها في الغد.
-و هل ظننت أنني سأعود لأحضرها لك؟
-ما أظنه بك سنيور قد يحول الهواء إلى اللون الأزرق ، لو سمعه أحد .
و أحست بالغضب عندما أدركت أنه بدلا من أن ينزعج من كلامها استقبله بشيء من السرور.
-لا بد أنني أثرت فيك يا سنيوريتا ، مهما كان نوع تفكيرك بي.
و خرجت من السيارة بسرعة ، و أدركت بعد أن فاجأتها لحظة دوار ، أنها لم ترد عليه بعد ، و أمسكت بمقبض الباب ، و حققت ما تريده بقولها :
-و أنا لا أريد تناول العشاء معك الليلة أيضا ، فأرجوك لا تطلب مني هذا.
- لم أكن أنوي أن أطلب.
و سيطرت على أعصابها ، و لكن عندما أصبحت داخل غرفتها انهمرت الدموع من عينيها ، و كل ما استطاعت عمله ، أن جرت نفسها إلى الفراش و استلقت . لم تكن قد شعرت بمثل هذا التعب في حياتها . و تركتها ملاحظاته الجارحة في حالة من الانهيار الجسدي و المعنوي.
و سيطر عليها النعاس الشديد ، و كانت تعبة لدرجة أنها لم تخلع نعليها . فدفعتهما واحدة واحدة ، و تركتهما يقعان على الأرض .
و بدا لها أنها لم تنم سوى دقيقة واحدة عندما سمعت صوتا في غرفتها . و أرادت أن لا تفتح عينيها ، و أن تستمر في النوم .
و لكن عقلها عارضها و جعلها تفتح عينيهالترى جوليانو إنريكو يقف ناظرا إليها:
-لا عجب أنك تعبة يا كولين . لقد أتت ايما لمقابلتي..
-ايما؟
-لقد كانت قلقة ، فعندما أفرغت محتويات سلة الطعام ، وجدت أنك لم تتناولي سوى القليل من العصير و بعض الدجاج ، و هذا كل ما دخل معدتك اليوم.
-لم... أكن جائعة .
ثم أخذ عقلها يعمل.. إنها تبدو خاضعة و معتدلة أكثر من اللزوم و لو استمرت على هذه الحال ، فسوف تعود إلى الاستسلام دون جدال . تماما كما كانت تتراجع عن المواجهة مع والدها.. فبدأت تستجمع قواها و تضيف بعض الحيوية إلى الشخصية الجديدة التي تحب أن تكونها .
ثم أضافت بحدة :
-على كل الأحوال أنا لست مجبرة على تناول طعامك إذا لم أكن أرغب به.
-ألهذا السبب لم تأكلي شيئا يوم أمس أيضا؟
و بدا الآن يعتقد أن فقدان شهيتها متعمدا . و قال إن ايما أخبرته بأنها لم تأكل شيئا يوم أمس أيضا ، و تابع:
-حسنا.. دعيني أقول لك شيئا سنيوريتا . لقد أتيت بك إلى هنا لتعملي... و لكي تعرفي أنك لن تحصلي على شيء دون مقابل و لكي تتعلمي الربح عن طريق العمل الشريف .
-بكلمات أخرى من أجل.. فائدة نفسي .
-سوف تلوثين يديك ، و لا تكوني مخطئة حول هذا الأمر ، لذا إذا كنت تفكرين بتجويع نفسك كي تكسبي العطف عندما تنهارين من نقص التغذية ، ففكري بالأمر ثانية ، ستأكلين و لو اضطررت إلى إطعامك بنفسي.. أفهمت هذا؟ أنت تعرفين موعد تناولي العشاء.
و نظر إلى معصمها الفارغ ، و خلع ساعته و رماها على السرير، و بقي شيء واحد ليرميه في وجهها. فصاح:
-و كوني هناك!


*****************

الفصل الرابع
لا تكن قاسيا!


ظلت كولين جالسة في مكانها فترة طويلة ، بعد أن خرج جوليانو. و نظرت إلى الساعة التي رماها لها. كانت ساعة ثمينة ، كما لاحظت دون كثير من الأهتمام، و لكنها كانت تقول لها إن أمامها أقل من ساعة لتقرر إذا كانت ستنضم إليه على المائدة هذه الليلة .
كانت تعلم لماذا يريد أن يجبرها على تناول الطعام ، فلن يكون لديها الطاقة اللازمة كي تختبر "العمل الشريف".. إنها لا تشعر بالجوع فعلا ، و ليس لديها شهية ، و هذا واقع واضح . و لكن هذا المستبد المكسيكي المتغطرس لن يتقبل هذا.
و تذكرت نظرته إليها عندما كانت تستيقظ ، و لكنها لم ترغب في أن تتذكر أنه لم يكن هناك قسوة في عينيه ، بل شيء قريب من الدفء. الدفء! وضحكت.. هذا مستحيل .
و مع ذلك فقد كانت هناك فكرة تقول لها إنه يستطيع أن يحادثها دون أن يحاول إهانتها .
و كأنما استيقظت فعلا الآن... فنزلت عن السرير و ذهبت لتنظر خارج النافذة . و تأملت طويلا شجرة الخوخ التي تنمو خارج غرفتها تماما. ثم تحركت نحو خزانتها ، و هي تشعر بكراهية أكثر له، سوف تتناول العشاء معه ، إذ يبدو أنها مجبرة . إذا كان يظن بأنه سيتنعم طويلا مفكرا أنه هزمها ، فعليه أن يفكر ثانية!
عند الثامنة تماما ، حسب ساعة جوليانو التي في معصمها ، تركت الغرفة . واثقة أن فستانها الطويل دون أكمام يناسبها تماما ، فقد أخبرتها المرآة بهذا.
و توقعت أن تشاهد رفيقها لا يزال غاضبا كما رأته آخر مرة ، و لكنها أخفت دهشتها عندما حياها بإيجابية أكبر .
-هل ترغبين في شراب قبل الطعام يا كولين ؟
إذا.. لقد عادت "كولين" ثانية ، و خلعت الساعة و أعطتها له :
-لا.. شكرا سنيور .
-اسمحي لي إذا أن أرافقك إلى غرفة الطعام . تينا تنتظر أن تقدم العشاء .
كان وجه تينا دون ابتسام عندما صبت لها الحساء في طبقها . و لم تكن كولين تنتظر أن تبتسم لها ، و لكن على الأقل أن تبتسم لمخدومها ، و هذا ما لم تفعله .
و رغم أنها لم تكن تشعر بالجوع ، فقد رفعت ملعقة من الحساء إلى فمها . و كان الحساء لذيذا . و تناولت ملعقة أخرى ، ُثم دخلت تينا ثانية و معها طبق نسيت وضعه على المائدة ، و سمعت جوليانو يقول لها شيئا بالإسبانية،
و أحست أن شهيتها قد غادرتها بعد أن شاهدت تينا تبتسم و هي ترد عليه . فوقعت الملعقة من يدها.
-ألم يعجبك الحساء ؟
إن له عينا صقر تراقبانها! و ردت عليه بأدب:
-الحساء لذيذ .
-لماذا لا تتناولينه كله إذا ؟
-لأن شهيتي للأكل ضعيفة ، لقد قلت لك هذا . أظن أن علي ترك مجال لما سيتبع الحساء .
ما تبعه كان أشهى لحم مشوي "ستيك" عرفته، قدمت معه السلطة . فقالت قبل أن تستطيع التراجع :
-لقد كنت أظن أن الطعام المكسيكي يقدم عادة مع الكثير من الفلفل الحار.
-و أنا ظننت أن الأفضل لك أن تأكلي الطعام الذي تعودت عليه ، طالما شهيتك بحاجة لتشجيع.
-و هل جعلت تينا تحضر وجبة إنكليزية خاصة لي ؟
-كانت مسرورة لهذا. و لقد هنأتها على الحساء على الطريقة الإنكليزية .
إذا لهذا ابتسمت له تينا ، فكل موظف يحب أن يمدحه رب عمله على عمله الجيد . لكنها يجب أن تنتظر طويلا قبل أن يمدح عملها .
بالطبع هي ليست بحاجة لمديحه.. و لاحظت أنه يراقب عدم تحرك السكين و الشوكة في يديها، فقطعت قطعة صغيرة من اللحم . لقد تعبت تينا كي تحضر هذا الطعام الخاص ، لذا ، و من أجلها ، وضعت قطعة اللحم في فمها.
-أخبريني شيئا عن حياتك في إنكلترا يا كولين .
كانت تتوقع وجبة طعام دون كلام ، فأدهشها سؤاله و لكنها أجابت بأدب :
-ليس هناك الكثير لأقول لك سينور.
-إذا أخبريني عن القليل الموجود، و ناديني جوليانو بالمناسبة .
لقد قلت إنك لم تكوني تعملين في إنكلترا؟
-آه.. لا..
كانت لا تزال مستغربة لتنازله من عليائه و طلبه منها أن تناديه باسمه الأول ، و خاصة أن باقي عماله يدعونه "السنيور".
-حسنا.. أنا..
و سعلت . و تملكها الرعب من أنها سوف تستغرق في إحدى نوباتها حتى تدمع عيناها و تنقطع أنفاسها . و لكن هذا لم يحدث ، و ابتسمت له بارتياح:
-لقد عشت في منزل كبير للغاية مع والدي .
و لم تعد تبتسم ، إذ أنها لم تتذكر فقط كم كان والدها مثيرا للمشاكل معها . بل أيضا كيف أنها و هي في الثالثة و العشرين قد اختصرت كل حياتها بهذه الكلمات القليلة .
لقد عاشت في ذلك المنزل الذي يشبه القبر الضخم مع والدها ، و هذا كان كل حياتها و وجودها و أخرجها سؤال جوليانو التالي من أفكارها البائسة :
-ألم يكن لديك أم ؟
-لا.. لقد توفيت و أنا في السابعة.
-و هل سيكون والدك وحيدا دونك ؟
بوجود آغي باركر أو بدونها ، فهو لن يشعر أبدا بالوحدة. و لن يكون أكثر سعادة لو علم أنها أختفت عن وجه الأرض. لن يفتقدها أحد.
-سوف يتزوج ثانية عن قريب.
-أوه.. لهذا إذا قررت ترك إنكلترا.. فأنت لم تحبي زوجته المستقبلية.. أنت تغارين منها.
أغار منها! كم هو مخطئ ، فوصول آغي باركر أتاح لها فرصة الخلاص . إنها لا تحبها ، و لكن ليس بدافع الغيرة ، و ستكون دائما ممتنة لها ،
فبسببها حصلت على حريتها... و تطلعت بالرجل الذي كان يتفرس بها و منعت ضحكة هستيرية من الأنطلاق... أية حرية هذه! فعندما تكون تذيب أصابعها حتى العظام في العمل لهذا المستبد ، فهي مازالت عبدة له كما كانت لوالدها.
-ظننت بأنك اتخذت قرارا حول سبب مغادرتي إنكلترا ، و لا تقل لي إنك غيرت رأيك و اقتنعت الآن أنني لم أجئ إلى هنا لأنشب مخالبي فيما قد أستطيع الحصول عليه؟
و أحست فجأة بأنها اكتفت ، و غادرتها شهيتها ، فوقفت .
-و لكنك لم تنهِ طعامك بعد.
و وقف بدوره . و طوله الفارع يغطي عليها و هو يمنعها من الخروج ، القسوة في عينيه ذكرتها بإيزابيلا و كيف هجرها شقيقها المخادع ، و نظر إلى قطعة اللحم التي لم تنهها بعد ثم عاود النظر إليها ، فقالت بعناد :
-لقد أكلت كل ما أستطيعه.
و علمت بأنه سيجرها لتعاود الجلوس إذا لم تفعل بنفسها .
-إذا تناولت المزيد سوف أحس بالغثيان .
و اختفت قسوته فورا. و مد يده ليمسك بذراعها و يسندها قائلا:
-و هل أنت مريضة ؟ لقد فكرت من قبل بشحوبك...
و ردت عليه بجفاء:
-لم أشعر بأنني أفضل حالا في حياتي . و لكنني سأشعر أفضل بعشر مرات لو تركت ذراعي و سمحت لي بالذهاب إلى غرفتي .
و هي تتكلم كانت تفكر أن ليس هناك أمل بأن يفعل ماطلبت منه لذا ، و عندما ترك ذراعها ، وقفت دون حراك . بينما أخذت عيناه الزرقاوان تتفحصان شحوب وجهها.
-لا يبدو عليك...
-ليلة سعيدة يا سنيور.
و لم ترغب في البقاء لحظة أخرى لتسمع ما سيقول حتى لا يغير رأيه . و تجاوزته لتخرج ، فناداها:
-كولين!
و توقفت عند السلم ، و أبقت ظهرها إليه حتى لا يرى عينيها المبللتين بالدموع، فتابع:
-سنخرج في وقت متأخر غدا صباحا.
و أخذت تفكر و هي مستلقية في الفراش ، من أين ستجد القوة اللازمة لتعلق الستائر في الغد.
و أيقظتها نوبة سعال في الليل ، و تركتها مقطوعة النفس تشهق ، يجب أن يكون سعالها قد تلاشى الآن و لكن بما أنها منزوية لوحدها داخل ذلك المنزل فهي لم تتعرض كثيرا للشمس التي أمرها الطبيب أن تعرض نفسها لها.
و أرهقها السعال ، فاستلقت ثانية ، و بدأت على الفور بالسعال من جديد و أحست بالتعب ، فجلست في الفراش و هي مبللة بالعرق.
فرفعت الأغطية عنها ، و قد شعرت بحاجة ملحة لبعض عصير الليمون الساخن ، فهذا أوقف السعال من قبل ، سوف تنظف كل شيء من ورائها و لن تحس تينا بأنها كانت في المطبخ . و استندت إلى باب غرفتها محاولة إيقاف السعال قبل أن تفتحه.
و غطت فمها بيدها ، و ذهبت إلى المطبخ حيث أضاءت النور و أغلقت الباب ، و لكن قبل أن تبحث عن الليمون جلست قليلا،
و أحست بالتعب و الإرهاق، و بالسرور لأن أحدا لا يراها و هي على هذا الحال. كرامتها تطالبها بأن لايعرف جوليانو أي شيء عن هذا ، فسيقول بأنها تسببت به لنفسها لأنها لا تأكل جيدا ، و شعرت برأسها يدور.
و أجبرت نفسها على ترك الكرسي ، فهي بحاجة إلى قدر ما تستطيع من النوم كي تكون مستعدة لعمل الغد ، و لكنها لم تبتعد سوى خطوات عندما فتح الباب وراءها فالتفتت بسرعة .
و من خلال نظرها الغائم رأت الرجل الذي لم ترد أن يعرف ما يحدث لها ليلا ، و لكن كلمة "يا إلّهي" التي خرجت منه بعد أن رآها أعطتها فكرة بأنه لم يكن سعيدا بما رآه.
و بدأت تترنح ، و وجدت راحة كبيرة عندما ، و بخطوة واسعة ، و صل إليها و أمسك بها ، و تعلقت به بضعف ، و أسندت جسدها عليه إلى أن أحست أن الدنيا من حولها تعود لطبيعتها، و علمت بأنها لم تعد مهددة بالإغماء فحاولت التحرك ، و لكنها لم تستطع ، فبقيت متعلقة به و نسيت أنها لا تريده أن يعرف حالتها.
-لقد.. أتيت إلى هنا.. لأحصل على... بعض الليموناضة... الساخنة.. السعال لا يتوقف...
و تعلثمت بآخر كلمة قالتها ، و انهارت ثانية، و عادت تسعل السعال القاسي الجاف.. و كان جسدها مليئا بالعرق ، حتى أن ملابسها أصبحت مبللة ، ثم تحرك الكتف الذي عادت للاتكاء عليه ، و أبعدها قليلا لينظر إلى وجهها المجهد ، و فيما هي تقول له:
"أنا آسفة" لاحظت أن لا قساوة في وجهه
و ظنت كولين أنها تهذي عندما شاهدت فمه يتحرك و كأنه يبتسم.. هل يبتسم لها؟ ثم بدأت يداه القويتان تحركانها نحو الكرسي ، و قال لها:
-اجلسي هنا قليلا يا كولين.
كان صوته ناعما ، رقيقا لطيفا جدا حتى أنها ظنت بأنها تحلم، فهو لم يكلمها أبدا بمثل هذه الطريقة من قبل . و جلست حيث قال.
لأنها بكل بساطة لم تكن تملك القوة الكافية لفعل شيء آخر .
و راقبت الطريقة الفعالة التي تعامل بها مع الليمون و السكر و الماء ، ثم وضعها في وعاء فوق النار، و مع أنها كانت تحس بالدوار فقد كانت أكيدة أنها لا تتخيل أن هذا المستبد يحضر لها شراب الليمون الساخن الذي تحتاجه. و قال لها مبتسما :
-لن أتأخر عليك.
و تركها و خرج ، و لم يتأخر ، و لكن عندما عاد كان السعال قد تملكها ثانية، و لم يضع أي وقت في فحص حرارة محتويات الوعاء على النار، أو في صبه في كوب و إعطاءه لها:
-أشربيه على مهل .
و أحست بالراحة فورا. و كان مريحا جدا لحنجرتها المجروحة ، فهمست :
-شكرا لك.. أنا بخير الآن ، و لكن هل لي أن آخذ بعضا من الشراب معي إلى الغرفة ؟
-سأضعه لك في ابريق.
-لا داعي لذلك.
و كل ما حصلت عليه من رد كان ابتسامة ، و ظنت أنه لن يحضر الابريق لها، فحاولت صب كوب آخر لتأخذه معها ، فقال لها بسرعة:
-اتركيه يا كولين.. سوف أجلبه إلى غرفتك.
و كانت بحاجة لكل قواها كي تصعد السلم ، فوقفت و ساقاها ضعيفتان ، فقال:
-هل أنت مستعدة للعودة إلى فراشك ؟
-نعم.. شكرا لك يا جوليانو.
و لكنها ما إن خطت خطوتين على السلم حتى شعرت بأن ذراعيه أصبحا حولها ، و لم تدرك إلا و قد حملها إلى فراشها ، و قال لها بلهجة ناعمة :
-أعتقد أن هذه الطريقة أسرع.
و أحست بالارتباك ، ربما المرض يظهر أفضل ما لدى الرجل .
مع أنها ليست مريضة، بل تشعر بالانزعاج من السعال الذي يستغرق وقتا طويلا ليتركها ، و كانت تشعر بالدوار و هو يفتح الباب ، و رأسها مرتاح إلى صدره و وضعها بكل لطف في فراشها و سألها:
-هل تستطيعين تدبير أمرك لوحدك ؟
-أوه.. أجل.. أنا أفضل بكثير الآن .
و لأنه أصبح جوليانو إنريكو جديد أمامها ، شخص يبتسم لها ، فقد ذاب كل تحفظها التقليدي . و ابتسمت له بدورها.
-سأذهب الآن لأحضر لك الليموناضة .
كانت تفكر بأنها ستنتظر عودته ، ثم خروجه من جديد ، كي تغير ثوب نومها المبلل بآخر جاف ، عندما شاهدت أنوار سيارة تصل و تنعكس على نافذتها ، و تساءلت من يكون هذا الزائر الليلي يا ترى ؟ أم أنها تتخيل هذا كما تخيلت سرور جوليانو عندما نادته باسمه الأول ؟
و عندما عاد جوليانو و في يده كوب الليمون ، لم يكن لوحده ، و أوضح لها قائلا :
-هذا صديقي الدكتور بريغادينو.
-دكتور ؟ و لكنني لا...
-لست بحاجة لدكتور.. لقد اكتشفت فيك يا كولين شادو ، التصميم على عدم الاستسلام . و اسمحي لي ، بما أنني الرجل الذي سيكون مسؤولا عنك خلال إقامتك في بلادي ، أن أعرف ما هو الأفضل لك .
و لم يكن هناك مجال للجدال مع لهجته هذه . و تقدم الدكتور من فراشها ليفحصها ، و لكن جوليانو استرعى انتباهها عندما قال :
-سأحضر تينا .
و صرخت "لا..!" ، و تركز انتباه الرجلين عليها .
-و لكن راوول سيفحصك .
-لقد سببت مايكفي من إزعاج ، أولا أخرجتك من فراشك ، ثم في منتصف الليل الدكتور بريغادينو . و لن أقبل أن أزعج نوم تينا .
-لا خيار لك في الأمر ، إلا إذا قبلت أن أبقى كي أساعدك في خلع ملابسك .
فصرخت بحدة و قد أجفلت للفكرة "لا!" و عادت النظرة الناعمة إليه و هو يبتسم و غادر الغرفة لإيقاظ تينا .
و جلس الطبيب إلى جانب السرير ، و سألها بإنكليزية جيدة حول كل المعلومات التي يريد أن يعرفها عن مرضها ، و دخلت تينا مسرعة إلى الغرفة.
و بدت كل هذه الجلبة على شيء لا يذكر . ففي غضون دقائق كان الطبيب قد فحصها ، و ساعدتها تينا في تغيير ملابسها.. كل ما بها سعال لا يريد أن ينتهي . و تمنت لو يتركونها بسلام ، فهي تعبة و يمكن لها أن تنام لفترة طويلة.
و ما إن غادر الدكتور و تينا الغرفة حتى غرقت بالنوم . و لم تعلم بأن جوليانو أمضى دقائق طويلة يتحدث إلى الطبيب ، و لم تعلم أيضا أنه عاد للدخول إلى غرفتها و وقف يتأمل بوجهها الشاحب ، و شعرها الأشقر المتموج المنتشر على الوسادة ، ثم أطفأ المصباح الصغير بجانب السرير ، و خرج .
و بدا لها كل شيء كالحلم عندما استيقظت في الصباح التالي .
و لم تكن متأكدة أن ما حدث ليس حلما . إلى أن نظرت إلى ما كانت ترتديه مرميا على الأرض ، و شاهدت ابريق الليموناضة . فهل حقا نادت جوليانو إنريكو باسمه الأول ؟
تحت ماء الدوش تمنت لو أنها تعرف كم الساعة الآن . و أحست بالانزعاج لأنه سيشرف اليوم على عملها . و تذكرت الطريقة القاسية التي نظر بها إليها عندما رفضت ازعاج تينا من نومها . لابد أنه سيكون غاضبا جدا إذا لم تسرع في التحرك في عملها .
عندما خرجت من الحمام و جدت جوليانو في غرفتها . كان يقف مستندا إلى طاولة الزينة ، و عيناه تراقبانها . فقالت قبل أن يقول لها أية كلمة قد لا تحب سماعها :
-لقد تأخرت.. أعرف هذا.. و أنت تعلم أن ساعتي...
-و ماذا تريدين أن تفعلي بحق الجحيم ؟
-أنا مستعدة للذهاب إلى العمل.. لم تكن بحاجة لأن تحضر لتأخذني.. كنت على وشك...
-و هل أنا ظالم إلى هذا الحد ؟
و تذكرت ليلة أمس ، لطفه ، الطريقة التي حملها بها إلى غرفتها ، و الطريقة اللطيفة التي وضعها بها في الفراش . و شعرت بالضعف ، و لكن لا يمكن أن تسمح لنفسها أن تضعف أمامه .
-في الحقيقة أجل.. أنت ظالم.. و إذا سمحت أخرج من الغرفة لأستعد للذهاب...
-المكان الوحيد الذي ستذهبين إليه يا كولين الصغيرة هو إلى الفراش.
كم تبدو هذه الفكرة رائعة! و أرادت بكل يأس أن تستسلم لها ثم فكرت بأنها لن تتمكن بهذه الطريقة من الهرب من تحت سقف منزل هذا الرجل.. فصاحت:
-ماذا... و أعطيك الفرصة لتقول بأنني ادعيت المرض بقصد أبقى هنا ؟ لا.. هذا مستحيل!
-لم أكن أعلم عندها أنك مريضة . لماذا لم تقولي لي ؟
-يا إلّهي.. إنها مجرد انفلونزا.
-و لكنك التقطت جرثومة قوية بشكل خاص... و هذا ما عرفه راوول بريغادينو من وصفي له لطريقة سعالك ، و مما قلتيه له.
-لا شيء في صحتي لا يمكن لقليل من الشمس شفاؤه ، طبيبي في إنكلترا قال لي.. و لذلك...
-و هكذا لقد أتيت إلى المكان المناسب دون شك . و بما أن قدميك ترتجفان ، فمن الأفضل أن أضعك في الفراش .
-لن أفعل هذا...
و أحست أنها على وشك الأنهيار ، فتقدم منها و كأنه يحاول إقناعها و لكنه أمسك بذراعها ، و كأنما يريد أن يهزها بعنف فقالت :
-لا تكن قاسيا معي!
كانت تشعر بأنها على وشك البكاء ثانية ، و خافت أن لا تستطيع منع دموعها فيما لو هزمها ، و أجابها بصوت هادئ :
-أنا لا أنوي أن أكون قاسيا معك .
ثم جذبها لتجلس على السرير ، و جلس بقربها مضيفا :
-راوول قال لي إنك بحاجة لراحة تامة... فاستسلمي يا كولين ، أنت تعرفين جيدا أنك لا تصلحين للعمل .
و أرادت أن تجادله ، و أدرك أنها لن تعترف بالهزيمة . ثم رأت الابتسامة على وجهه من جديد ، و قال :
-استسلمي ، أنت تعرفين أنني لن أصطحبك إلى ذلك المنزل ثانية.. هل ستجعليني أعترف بأنني كنت قذرا معك لأنك لم تنجزي العمل الذي أردت أن أراه ، في وقت كنت فيه مريضة أمس و قبل الأمس .
-و لكنني لست...
-ألست مريضة يا كولين ؟
-بلى...
و ابتلعت ريقها ، و قد سحرتها فتنته . عندها ، و بكل لطف ، أخذها بين ذراعيه معانقا ، فاستسلمت ، دون أن يكون في ذهنها أي تفكير بالتراجع .
و ارتفعت حرارة جسدها حتى ظنت بأنها ستحترق ، و تعالى اللون الأحمر إلى وجهها بحيث أنه لا يمكن أن يراه حتى و لو كان قصير النظر .
و عاودتها كراهيتها له ، و هي تسمعه يضحك للمرة الأولى . ثم توقف عن ضحكه و قال مداعبا:
-كولين شادو... لقد تملكك الخجل! لماذا ؟ أعتقد أنني أول رجل خارج مهنة الطب يلامس جسدك!
و ازداد لونها احمرارا من الخجل ، مضافا إليه شعور بأنه يعتقد أنها من الطراز القديم ، ثم قال و كأنه يؤكد ظنه بأنها لم تكتمل أنوثتها:
-هيا الآن يا طفلتي.. استلقي في الفراش.. تينا تنتظر لتحضر لك البيض المسلوق و الخبز المحمص على الطريقة الإنكليزية.

******************
الفصل الخامس
لن تستطعي الرحيل!



نامت كولين معظم النهار... كان يقطع نومها لحظات صحو.. تحاول فيها إعادة جمع شتات أفكارها ، و تعود تتذكر ذلك العناق الذي تشاركت فيه مع جوليانو إنريكو ، كان عناق رجل لإمرأة، بغض النظر عن أنه عاملها فيما بعد كطفلة.
لم يكن عندها وقت للتفكير لماذا لم تدفعه عنها ، و لماذا لم تجد عناقه مزعجا في وقت كانت تظن أنها تكرهه كثيرا . فكلما كانت تفتح عينيها و يجول هذا الخاطر في ذهنها كانت تجد إما تينا أو ايما تنتظر صحوها.
و عندما استيقظت تماما ، و شعرت بأنها أكتفت من النوم ، و بأن طاقتها قد عادت إليها ، كانت الشمس قد غابت في الخارج ، و لأول مرة هذا اليوم لم تكن لا تينا و لا ايما في غرفتها.
و عادت تفكر بالعناق بينهما، و أدركت عندها ، و الدماء تدفئ خديها ، أنها لن تستطيع مواجهته على طاولة العشاء . هي فقط غير مستعدة بعد لرؤيته.
و اكتشفت، سريعا بينما كانت تسمع وقع خطوات رجالية في الممشى، أن جوليانو ليس من النوع الذي ينتظر دعوة لزيارتها.
و فتشت بسرعة عن فرشاة الشعر ، و لم تجد الوقت كي ترتب خصلات الشعر المشعثة ، و لا أن تسرح شعرها على كتفيها . فبدون أن يزعج نفسه بالقرع على الباب ، فتحه و دخل متقدما من سريرها ، و قال بخشونة و هو يرمي لها ساعتها على الفراش :
-لقد كذبت علي .
و انتقلت عيناها من الساعة التي كانت قد نسيتها حيث كانت تعمل إلى وجهه ، فقال :
-اعتقدت أنك ستحتاجينها.
و علمت أن اللحظة غير مناسبة لشكره ، فقد كان غاضبا جدا!
-لا بد أنك أرهقت نفسك كي تنجزي ما أنجزتيه من عمل . و لا عجب أن أصبحت مريضة!
و كأنما لم يتحمل النظر إليها ، اتجه نحو النافذة لينظر إلى الخارج . و أدركت أن عليها قول شيء ما . و لكنها لاحظت أنه على وشك فقدان السيطرة على أعصابه . و كانت معتادة على استرضاء أبيها . و أوشكت أن تستخدم نفس الأسلوب معه ، عندما أتتها فكرة... لماذا تفعل ؟ منقسمة ما بين الشخص الذي كانته و بين ما تريد أن تكونه ،
أدركت أنها لن تستطيع التخلص من آثار الماضي لو أنها استسلمت عند أول صعوبة.. لماذا قد تفكر باسترضائه بعد كل الأشياء الفضيعة التي قالها لها في الماضي... و لماذا يجب أن تخاف من غضبه على كل الأحوال؟
-متى كذبت عليك ؟
-لقد كذبت علي بصمتك.. كان بإمكانك القول لي ، بالأمس و قبل الأمس ، أنك قررت تنظيف ذلك المكان ابتداء من فوق . و لم تقولي كلمة واحدة عندما دعوتك بالكسولة المثالية . هذة الكلمة أزعجتك و أنا أعلم هذا ، و مع ذلك لم تقولي كلمة واحدة.
-لقد توقعت منك أن تتجول في المكان لترى بنفسك ما فعلت .على كلٍ.. لقد أفادك هذا.. و ما كان يجب أن تظن...
-و لكنني لست أنا من عانى من التعب ، أيتها الحمقاء!
و هكذا أضاف لقبا جديدا مما يحتفظ به لها من ألقاب في جعبته.
-أجل لقد عانيت.. و لكنني بخير الآن . لذا لا حاجة للجدال في الموضوع... و أرجوك أن تغلق الباب و أنت خارج.
النار التي لمعت في عينيه لهذه الإهانة جعلتها تتمنى لو أنها لم تقلها ، و بدا و كأنه على وشك أن يخنقها ، و صاح :
- أيتها ال...
و صمت فجأة.. و استعدت لتصرخ... أنا آسفة.. آسفة.. آسفة! ثم شعرت بالسرور لأنها لم تفعل.. فبطريقة ما استطاع أن يسيطر على أعصابه ، و ربما لاحظ كيف شحب وجهها لعدوانيته. و قال :
-أنت على حق...
إذا كان لم يستخدم العقاب الجسدي عليها ، فهذا لأنها سوف تضطر إلى تحمل لسع لسانه .
-كنت مخطئا في افتراض أنك كسولة . أنت مستعدة للعمل الشاق لتحصلي على ما تريدين.. أليس كذلك يا جميلتي ؟
-أحصل على ما أريد؟
-ألست كذلك ؟ ألا تسعين للحصول على انطباع جيد عنك ؟ ألم تعملي على غسل و كوي الستائر و أنت على وشك الانهيار ، بقصد واحد و هو الظهور بمظهر البائسة عندما وجدتك منهارة ليلة الأمس؟
و تطلعت مشدوهة و شهقت قائلة :
- أتظن أنني...
-إنك أدركتي أن هناك أشياء تستطيعين الحصول عليها أكبر مما كنت ستحصلين عليه عن طريق شقيقك... على كل ، سأترك لك مهمة إثبات أنني على خطأ.. كولين شادو.
و تركها تغلي بالغضب و خرج .
استيقظت كولين باكرا في اليوم التالي . و غضبت من نفسها لأن رأي جوليانو لم يهمها . و لم تكن تنوي كذلك أن تبرهن له عن شيء. و كل ما كان في ذهنها و هي تنزل إلى الطابق الأرضي ، رغم شعورها بأنها ليست على ما يرام تماما ، أنها كلما عادت إلى العمل أسرع، أنها كلما كسبت ثمن تذكرتها بسرعة أكثر ، و تستطيع عندها أن تبتعد عنه و عن انتقاداته المريرة.
و خرج جوليانو من خلال أحد الأبواب عندما وصلت إلى أسفل السلم فقال لها فورا ونظرة ساخرة تطل من عينيه :
-و ما هي الملاحظات الطريفة التي تجول في رأسك هذا الصباح؟
-قبل أن تعتقد أنني أتيت لأبرهن لك شيئا.. أقول لك إنني سأعمل اليوم .
و مرت نظرة السخط على وجهه بسرعة ، لكنها لم تدم طويلا . و أصبحت نظرته فجأة مفكرة ، و عاد الشيطان إلى عينيه :
-ظنوني حولك ثبت أنها كانت خاطئة . ألم تكوني محرجة يوم أمس؟ هل خدعتني عيناي لرؤيتك محمرة الوجه عندما عانقتك قبل وضعك في الفراش؟
-ما.. ماذا تعني!
فقال بحدة:
-سأعطيك عشر ثواني للعودة إلى فوق .و إذا لم تتحركي سأحملك إلى غرفتك . و سأضعك بنفسي في فراشك.
-لن تفعل!
-أربعة.. خمسة...
و صرخت بغضب :
- أيها القذر!.. أيها المكسيكي القذر!
-ثمانية.. تسعة...
و في منتصف طريقها على السلم ، سمعت ضحكته من خلفها ، و تمنت لو أن في يدها شيء تقذفه به. كما سمعت ، الرجال المكسيكيون يتوقعون من نسائهم الخضوع التام ، و لكنها ليست إمرأته، و لا تنوي أن تكون خاضعة له.
لقد كانت خاضعة طوال حياتها... و لم يقع اختيارها إلا على المكسيك من بين بلدان العالم لتحقق حريتها!
و شاهدته من نافذة غرفتها و هو يخرج.. ليس بالسيارة كما هي عادته ، بل سمعت وقع حوافر جواد فقفزت إلى النافذة ، و رأته يبتعد على ظهر جواد أسود رائع ، كم تمنت أن يرميه الجواد عن ظهره، ولكن لا أمل بأن يحدث هذا ، كما لاحظت ، فالجواد و خياله كانا يسيران و كأنهما جسم واحد .
يبدو أنه ذهب إلى المزرعة ، و سيبقى هناك طوال النهار ، و كانت مصممة أن لا تخضع لإرادته بالعودة إلى الفراش ، فنزلت إلى المطبخ لتعرض المساعدة في اللحظة التي اختفت فيها أصوات وقع حوافر الجواد.
و أخذت تشير لتينا ، و كأنها تكنس و تغسل و تنفض الغبار ، متمنية أن تفهم ما تريد . و ظنت أن تينا فهمت عليها ، عندما أشارت إليها لتتبعها.
و لكن أملها خاب بعد أن لحقت بها عبر الردهة إلى الباحة المرصوفة خارج المنزل ، حيث أشارت إلى كولين بالاستلقاء تحت الشمس على كرسي نوم و ترتاح ، و كانت كلمة "السنيور" التي مرت من خلال تدفق الكلمات بالإسبانية منها ، كافية لتوضيح أن السنيور أمر بأن لا تمد يدها إلى شيء هذا النهار.
و لم ترد أن تزعج تينا التي كانت كالملاك معها يوم أمس ، فتمددت على الكرسي . و ابتسمت لها تينا ابتسامة مفاجئة ، و انسحبت لتكمل عملها .
و تمددت كولين تحت الشمس أكثر من ساعة ، دون أن تفكر بشيء .
المناظر الخلابة من حولها ، للمزارع على التلال العالية ، الخضراء التي تحيط بها السماء الزرقاء الصافية ، لم تترك مجالا لأية أفكار مزعجة في نفسها ، بالقرب منها كان بركة سباحة ، مياهها مغرية ، مع أنها لم تكن سباحة ماهرة ، وراء البركة تمتد مروج خضراء ، و زهور ، ملونة بكل الألوان ، و ورود و مارغريت ، بينما الهدوء يلف المكان كله من حولها .
و انتقلت عيناها عن مساكب الزهور الجميلة ، ليشد انتباهها رجل يقوم بالحفر ، كان في حوالي الخمسين من عمره ، و شاهدها بدوره ، و كان قريبا منها بحيث أنه رآها تبتسم . و لكن شيئا ما في الطريقة التي كان ينظر بها إليها جعل ابتسامتها تختفي . شيء ما جعلها غير مرتاحة ، شيء يجب أن تعرف ما هو مما جعلها تقرر أن لا تجرب بركة السباحة اليوم .
و كانت على وشك أن تقرر أنها لم تعد تتمتع بالاستلقاء هنا ، عندما خرجت ايما تحمل صينية قهوة .
-لم أعلم بأنك وصلت .
و قابلت ايما هذه الكلمات التي لم تفهمها بابتسامة ، ثم لاحظت أن الفتاة شاهدت البستاني ، و علمت أنه مسالم عندما نادته ايما :
-ماركو.. القهوة!
و ارتشفت كولين قهوتها ، و لم يعد ماركو موجودا ، فعاودها الشعور بالارتياح، حتى أنها بدأت تشعر بالسعادة عندما ركضت الصغيرة بيللا إليها، و قد تغلبت على خجلها من كولين ، و هي تصيح بسرور ، دون اهتمام إذا كانت كولين تفهمها أو هي تفهم عليها مكررة كلمة "فياستا" أي الاحتفال مرات و مرات ، و علمت بعد أن خرجت ايما وراء الصغيرة ، أنهم سيقيمون لها حفلة عيد ميلاد قريبا ، و رفعت ايما يدها إشارة إلى أن الصغيرة سيصبح عمرها أربع سنوات .
و عندما بلغت الساعة الثامنة , كان شعور بالجوع يسيطر عليها ، بالرغم من أنها لم تفعل شيئا هذا اليوم ، فتناولت طعاما خفيفا ، و كان امادو و ماركو يأكلان في المطبخ عندما أدخلت الأطباق الفارغة ، وسط احتجاجات ايما و تينا ، و علمت عندها أن ماركو هو من يقوم بالأعمال المختلفة في المكان.
و قررت أن الاستلقاء طويلا تحت الشمس أمر غير حكيم ، فخرجت لتتمشى بعد الظهر ، و قامت بجولة على العديد من المباني و الاسطبلات حيث يعمل العديد من الرجال ، ذوي الشعر الأسود و العينين البنيتين على عكس رب عملهم ، و كلهم يرتدون قبعات القش ، و لم تكن من طراز (سومبريرو) المكسيكي المشهور كما تصورت كولين .
عند المساء ، ارتدت فستانها الطويل الذي ارتدته يوم تعشت مع جوليانو آخر مرة ، كانت متأكدة أن تينا قد أخبرته بكل ما فعلته خلال اليوم .
و لم ترغب في أن يأتي إليها بنفسه ليأمرها بالنزول ، فدخلت غرفة الجلوس عند الساعة الثامنة إلا ربع ، و وجدته هناك يصب لنفسه كأسا من الشراب...
و بدأت الكلام معه لتظهر له أنها على استعداد لأن تكون مؤدبة :
-يبدو أنك غير معتاد على الشراب الوطني.. كما أرى؟
-في بعض الأحيان.. يبدو أنك تحسنت.. ماذا تحبين أن تشربي؟
-أشرب مثلك.
و أشار إليها بالجلوس ، ثم قدم لها كأس الشراب ، و جلس في المقعد المقابل لها . كانت مصممة على البقاء هادئه و عادية ، و تريده أن يبقى هادئا إلى أن تجد جوابا على سؤال ظل يجول في ذهنها طوال اليوم ، و قالت له:
-لون شعرك أفتح من باقي المكسيكيين الذين قابلتهم.
و شعرت بالندم فسارعت للقول:
-آسفة لم أقصد أن أكون غير مهذبة معك؟
-هل يحيرك لون شعري؟
-أجل.. أنا لم أشاهد مكسيكيا لون عينيه أزرق أيضا.
-هناك الكثير هكذا في الشمال.. و من المعروف أننا أخذنا هذه الألوان من أسلاف فرنسيين و ليس من أسلاف اسبانيين.
ثم بدأ يروي لها كيف تلقى الامبراطور مكسيمليان الدعم من الفرنسيين ، و كيف أن البعض منهم بقي في البلاد و تزوج من فتيات محليات. عذوبة حديثه جعلت تفكيرها يبتعد عن السؤال الذي كانت ترغب حقا في طرحه عليه ، و وجدت نفسها تسأله عما إذا كان قد تعلم الفرنسية عن طريق أسلافه . فأجاب بالفرنسية "وي" ، و ابتسمت مرغمة ، لأنه تلفظ بهذه الكلمة بطريقة مضحكة.
خلال هذا عيناه بقيتا مثبتتان عليها ، و لم تفهم لماذا ، ثم قال :
-تصبحين أجمل عندما تبتسمين يا كولين ، يجب أن تبتسمي دائما .
و أزعجها هذا التعليق الذي يجب أن يكون إطراء ، فهو قد جعله يبدو و كأنه تقرير أمر واقع ، فربما لم يكن يقصد به الإطراء . و قالت له :
-أنت تتكلم الإنكليزية بطلاقة أيضا .
-لقد تلقيت تعليمي لسنوات في أمريكا... أرى أنك أنهيت شرابك ، فهل ترغبين في المزيد أم نذهب لتناول العشاء
-أفضل العشاء.
و قال لها بعد أن رآها تبتسم :
-أعتقد أن فكرة ما أضحكتك ؟
-كنت.. أفكر فقط بشيء ما .
و انتظرت كولين إلى نهاية العشاء لتسأل السؤال الذي كان يلح على الخروج من لسانها:
-جوليانو... كنت أتساءل...
-أنا مصغ إليك .
-حسنا... لا يبدو أنني أعمل بشكل جيد لكسب ثمن تذكرة سفري.
-غريب.. و لكن من رأيي أنك قمت بعمل أكثر من جيد فيما طلبته منك .
-و لكنني لا أظن هذا . لذا كنت أتساءل.. إذا...
و نظرت إليه ، و انزعجت لأن تعبيراته لم تتغير ، و انزعجت أكثر لأنه قنع بالجلوس و تركها تجمع شتات تفكيرها لما ستقوله :
-هل تستطيع أن تقرضني ثمن تلك التذكرة ؟
و هكذا خرج السؤال منها ، و انتظرت رده مقطوعة الأنفاس . و رفعت رأسها عاليا بانتظار رفضه. و سألها بعد توقف بدا لها طويلا :
-أقرضك ؟
و وجدت بعض التشجيع لأنه لم يجابهها برفض قاطع . و بدا أن كبرياؤها قد فارقها و هي تقول له :
-سأعيد لك ، كل قرش منها.. و أعلم أنك لن تتضايق من دفعها..
-هكذا إذا... لقد كنت تتجولين بفضول اليوم لتعرفي مدى ثرائي .
-لا.. ليس الأمر هكذا. لقد خرجت لأتمشى ، صحيح، و لكن ليس لأتجسس ، كما تسمي الأمر.
اللعنة عليه ، لقد فهم بشكل خاطئ ، و ابتعد كثيرا عن محاولة فهم وجهة نظرها . و كل ما نجحت به هو أنها أكدت له بأنها تسعى وراء المال تماما كأخيها.
و لم يكن عندها أدنى فكرة عن كيفية إقناعه كم هي مخلصة ، و لكن مهما يكن ، عليها أن تحاول . و عليها أن تجلس و تتحمل كل ما سيتهمها به ، فهي لن تتمكن من الصراخ في وجهه كما ترغب .
فعليها أن تخرج من هنا , و عن طريقه هو فقط يمكن تحقيق هذا .
و لكن قبل أن تتمكن من ترتيب الكلام الذي ستقوله ، كان يسخر منها قائلا :
-يبدو عليك أنك متشوقة للذهاب... هل هذا يعني أنك لا تحبين هذا المكان ؟
-منزلك في منطقة جميلة جدا... و لو.. أن الظروف كانت مختلفة ، فأظن بأنني سأكون مسرورة جدا لهذه الفرصة.. لقضاء بعض الوقت هنا.. و لكن...
-و لكنك أدركت أنني لست فريسة سهلة لعينيك؟
و ازداد غضبها ، فصاحت و قد آلمها اتهامه لها ثانية بأنها صائدة فرص.
-اللعنة عليك!
و كان رده مع ابتسامة باردة لأنه نجح في تحطيم برودها .
-تقولين بأنك ستردين المبلغ لي.. فهل يجب أن أقبل بطلبك؟
و هكذا بهدوء ، أطفأ نار غضبها بالعودة إلى الموضوع المهم ، و بدلا من أن ترميه بكوب الماء تنفست الصعداء ، و بدا لها أنه على استعداد لبحث الأمر.
-أجل بالطبع. سيكون هذا مجرد قرض .
-و هل لي أن أسأل كيف تنوين أن تدفعيه؟ مما فهمته منك ، فوالدك هو معدم مثلك تماما ، و إلا لكنت أبرقت له لتطلبي المبلغ عندما كنت في الفندق في (كواريتارو).
-والدي لا يفتقر إلى المال!
-و لكنه لا يميل لإرسال أي مبلغ من ماله لك ؟
-لقد دفع ثمن تذكرة سفري إلى هنا .
-بالنسبة لرجل بخيل هكذا ، يبدو أنه كان مستعدا للدفع لمجرد الخلاص منك . هل كان سعيدا للخلاص منك؟
و آلمها السؤال ، مما أجبرها أن تدافع عن والدها ، فقالت بهدوء :
-لم يكن في منزله الجديد مع زوجته مكان لي.
-ألم يكن والدك يحبك ؟
و جاء دورها للسخرية، فلم ترغب في أن يلاحظ أن الرد على سؤاله يؤلمها أيضا :
-لم يقل لي هذا ابدا.
-عندما يكون الحب موجودا فلا حاجة للكلام فيه ، فمعرفته غريزية .
و عادت إليها كراهيته ثانية و هي تجيبه:
-إذا..قد أفهم من هذا أن والدي لم يكن يحبني .
و شعرت بالغضب من هذا الحديث ، و استمر جوليانو بالنظر إليها دون أن يرد ، فتابعت:
-و أفضل أن لا نتكلم عن والدي أو عن نقص عاطفته لي ، لو سمحت .
-حسن جدا... و لنعد إلى ما تقترحينه لرد القرض الذي قد أفكر بأن أعطيه لك .
-سأحصل على وظيفة.. عندما أعود إلى بريطانيا.
-و ماذا ستعملين ؟ إذا كنت قلت لي الحقيقة ، فإنك لم تعملي من قبل .
-أعترف بأنني لم أعمل من قبل لقاء أجر ، و لكنني كنت مدبرة منزل والدي و كنت أنظفه أيضا .
و عرف جوليانو أنها لا تخاف من العمل أبدا .
-لا شك في هذا .
و بدا صادقا ، و علمت أنه تذكر ما قامت به في منزل المدير .
-لم أكن أريد أن أطلب منك ، و لكن بما أنني لم أجد رايان.. فأنا...
ها قد أفسدت الأمر . و أدركت هذا عندما ذكرت أسم رايان فكل ما سيتذكره الآن هو ايذاء شقيقها لفرد من أفراد أسرته، و استنتجت هذا من تصلب فكه الفجائي . يبدو أن كراهيته لرايان و كل ما فعله أكبر من أن ينساها ، و دفع بكرسيه إلى الخلف و وقف:
-أرى أن شهيتك قد تحسنت ، و لكن بما أن الوجبة قد انتهت فأرجو أن تعذريني.. فلدي أوراق يجب أن أدرسها.
-و لكن.. ماذا عن تكاليف سفري ؟
و وقفت بسرعة ، و تقدمت نحو الباب لتصل إليه في نفس الوقت الذي وصله. فهي لم تجلس هنا طوال السهرة حتى يخرج في النهاية و يصفق الباب في وجه آمالها.
-تكاليف سفرك؟ لقد اقترحت بنفسك أن تعملي لاكتسابها. و هكذا ستفعلين ، و لكن ليس في بلادك.
-و هل سأبقى.. هنا؟
-لبعض الوقت كما أظن... هذا إلا إذا كنت تنوين ان تتبعي مثال ما فعله شقيقك.
إذا.. فتفكيره لا يزال مركزا على رايان ، و أجابته:
-أنا.. لم أفهم عليك.
-لم تفهمي؟.. شقيقك ظن أنه وجد لنفسه إمرأة ثرية ، ألم يفعل هذا؟
-و هل تعتقد... هل تظن أنني قد أمثل عليك كي أحصل على تكاليف سفري دون أن أعمل بالمقابل؟
-لا أذكر أنك عارضتيني يوم أمس عندما عانقتك .
و لم تدري ما لذي يزعجها أكثر ، أهي عجرفته التي لا تطاق ، أم الخجل الذي غمرها لأنه كان يقول الحقيقة، و لكن يدها اليمنى التي تلهفت أكثر من مرة للوصول إليه ، لم يعد باستطاعتها إسكاتها ، و قبل أن تفكر ، اختارت يدها اللحظة المناسبة لتنطلق في الهواء .
و صفعته على وجهه تماما ، و هي بالكاد تعرف ماذا تفعل ، فيدها كانت تتصرف باندفاع ذاتي عنيف . و قالت بعد الصمت الذي تلا :
-بما أننا لا زلنا في مجال التذكر ، أتذكر أنني نسيت أن أعطيك هذا بالأمس .
الابتسامة التي ظهرت على وجهه لم تعجبها أبدا . و قال بنعومة :
-أنا أشعر بالفعل يا كولين شادو ، أن هذه العقوبة أكبر من الجريمة . لذا اسمحي لي يا عزيزتي كولين أن أصحح هذا التوازن.
و لم يكن لديها أية فكرة عما سيفعل ، مع أنه قد خطر في بالها أكثر من مرة بأنه يرغب في ضربها، و لكنها لم تكن تظن بأنه سيرد على التحية التي قدمتها له لتوها.
مع ذلك ، فقد أسرعت بالتراجع ، و اكتشفت أنه أسرع منها في الحركة ، و لكن ليس ليضربها.. و في لحظات لم تدري بنفسها إلا و هي ما بين ذراعيه . و جسده الذي لامسها يوم أمس قد عاد ليلامسها ثانية.
و لكن هذه المرة لا تقارن بالمرة السابقة ، و قاومت كي تتخلص ، فهي لا تريد أن تبقى بين ذراعيه.. و لكن يا للسماء.. مالذي يحدث لها ؟ إنها تشعر بالسلامة و الأمان بين ذراعيه ، و مع ذلك فلا يجب أن تشعر هكذا. و شهقت :
-لا تفعل هذا!
و استطاعت أن تبعد نفسها قليلا عنه ، و لكنه عاد ليحكم ذراعيه من حولها ، و حاولت التخلص بقوة ، و أن تجذب جسدها بعيدا عنه ، و لكنه استمر في الضغط عليها بشدة ، ثم ذهلت لشعورها بأن الخوف قد بدأ يختفي من داخلها ليخلي الطريق أمام مشاعر جديدة .
و لم تعد تقاوم بل أحست بالدوار ، و عندما تركها ، و جدت أنها تحدق بغباء في عينيه اللتان بدتا و كأنهما تكشفان كل ما يدور في أعماقها .
-ألم تكوني تتوقعين وجود هذه المشاعر في داخلك ؟
و أحست بغضب شديد لأنه يسخر من سذاجتها . و أخذت تفكر بماذا سترمي في وجهه، ثم قفزت إلى ذهنها فكرة قد تكون الحل لكل مشاكلها .
-بإمكانك الأحتفاظ بمالك... فأنا لست بحاجة إليك! أول شيء سأفعله في الغد أن أذهب إلى القنصلية البريطانية . فهم موجودون هنا لحل مشاكل مثل مشكلتي ، و لمساعدة البريطانيين المقطوعين هنا .
و تمنت أن تكون محقة... و لكن غضبها لم يؤثر به أبدا.. و لاحظت على الفور أن ما يجري وراء عينيه الذكيتين لن يعجبها أبدا .
-بعيدا عن أن ليس هناك قنصلية بريطانية في "دورانغو" فعائلتك مدينة لعائلتي سنيوريتا .
و أخذ يحدق بها ، و الجليد في عينيه على عكس المظهر اللامبالي الذي كان يتقنع به . يجب عليها إذن أن تدفع الدين قبل أن يوافق على ذهابها . لكنها ستحاول إيجاد قنصلية بريطانية في مكان ما ولو كلفها هذا المال القليل الذي تملكه ، و لكنه قال لها :
-لو حاولت الخطو خطوة واحدة خارج أملاكي ، أيتها الآنسة الشامخة الأنف ، فسوف أضع شقيقك في السجن قبل أن تحصلي على مقعد في أية طائرة .
-السجن ؟ لا تستطيع ، فأنت لا تعرف مكانه .
-لدي اتصالاتي ، و أستطيع معرفة أين ذهب . و لن يكون صعبا على البوليس أن يلقي القبض على رجل إنكليزي .
و تمنت كولين أن يبقى شقيقها مختفيا ، بالرغم من رغبتها في أن تجده . و أخفت خوفها ثم قالت متحدية :
-لا تملك شيئا ضده... و لم يرتكب أي خطأ!
-لنتخلى عن الجدال الأخلاقي ، بما أنك ملوثة مثله.. و يكفي أن أقول ، إنني أستطيع التفكير بشيء سيبقيه في قبضة البوليس إلى أن يقدم للمحاكمة .
-و لكن.. بإمكان محام بارع أن يظهر بأنه اتهم زورا.
-ربما.. و لكن ليس قبل أن يختبر الحياة في سجن مكسيكي .
و بينما كانت تحاول فهم ما يقصده ، تركها و توجه نحو الباب ، و فتحه منتظرا أن تخرج منه و تابع :
-قوانينا مختلفة عن قوانين بلدكم ، فهنا نعتبر المسجون مذنبا حتى تثبت براءته .
و تحركت كولين و كأنها إنسان آلي ، مذهولة ، لا تستطيع التصديق بأن هذا الرجل الذي عانقها بكل لطف يمكن أن ينقلب إلى رجل بارد يجري الثلج في عروقه . و نظر إليها و قد لاحظ كم أثرت كلماته بها .
-و هل ذكرت لك أن جدول محاكمنا مشغول جدا ؟ و أن على شقيقك مواجهة وقت طويل في السجن قبل ...
و تركته إلى غرفتها قبل أن يكمل كلامه.. لقد هزمها ، و هو يعرف هذا . و ليس أمامها أية فرصة سوى أن تطيعه في كل شيء إذا كانت تريد ان لا يختبر رايان شكل السجن في المكسيك من الداخل .

*******************


الفصل السادس
بدون خبرة


خلال ثلاثة أيام ظل قلب كولين مليئا بالمرارة على جوليانو إنريكو. و عند وقت تناول الطعام لم تكن تتكلم معه إذا استطاعت تجنبه ، و تشعر بفرح قلبي عندما يظهر الإنزعاج منها . و كم كانت تفضل أن تتناول طعامها في المطبخ مع الآخرين .
و لم تكن الأمور بينهما تتحسن حتى على تتبع تعليمات الطبيب حرفيا ، و ترتاح . و بعد هذه الأيام الثلاثة أصبحت كولين متلهفة لعمل أي شيء .
في اليوم الرابع جلست في الفناء الخارجي ترتشف قهوتها الصباحية ، يبدو أن هناك بعض الفوائد من تكاسلها الإجباري .و إحدى هذه الفوائد هو تعرفها بالموجودين في المنزل أكثر .
و توقف تفكير كولين عندما خرجت بيللا الصغيرة ، كعادتها كل صباح ، لرؤيتها . و تذكرت أن الطفلة الحبيبة قد أتمت الرابعة في هذا اليوم . و مدت كولين يدها إلى حقيبتها و أعطتها قطعة شيكولاتة بالحليب من النوع الذي يفضله شقيقها رايان ، و الذي جلبته معها ظنا منها أنه غير متوفر في المكسيك . و كان هذا كل ما تستطيع أن تعطيها إياه . و أخذتها بيللا بسعادة و أمسكت بها بيديها و هي تركض إلى الداخل و تصرخ "مامي" .
و كان ماركو في المطبخ عندما دخلت كولين لتعيد صينية القهوة ، و احتجت تينا كالعادة ، و تقدمت ايما لتشكرها على الشيكولاتة التي أعطتها لبيللا و حاولت كولين أن تفهم ما كانت تقول ايما بالإسبانية عن الاحتفال . فقال ماركو و ابتسامة على وجهه تبرز أسنانه الصفراء :
-ايما تسألك عن الحفلة .
لقد برهن ثانية على أنه مفيد .
و إذا كانت قد فهمت بشكل صحيح ، فهي مدعوة لحفلة عيد ميلاد بيللا بعد ظهر هذا اليوم . و بمساعدة ماركو ، وإشارات من ايما تأكدت أنها فهمت بشكل صحيح . و بعد قبولها الدعوة بإبتهاج ، تركت المطبخ ، على الأقل سيكون هناك نوع من التغيير في حضورها الاحتفال .
يبدو أن ساعات عمل ايما كانت مرنة و بما أنها لم تكن تعمل بعد الظهر ، فقد تم الاتفاق على أن يرافق ماركو كولين إلى الكوخ الذي تسكنه ايما مع زوجها . و عند الثالثة صعدت إلى "فان" قديم بدا بدهانه الباهت , و محركه ، صالح لتسلق الهضاب أكثر من السير في البلد .
و خففت العربة من سرعتها بينما بدت مجموعة الأكواخ على مرمى النظر ، و مد ماركو يده ليغير سرعة السيارة ، فلامست يده الضخمة ركبة كولين ، و يبدو أن الأمر كان عفويا ، و كان تفكيرها مشغولا بأشياء أخرى ، فالتفتت إليه مبتسمة ، و نسيت الأمر ، و عاد تفكيرها ثانية إلى الحفلة .
-سأعود لآخذك سيدتي .
قال ماركو هذا بخليط من الإسبانية و الإنكليزية ، و كانت كولين تفكر بما قاله حتى أنها لم تلاحظ الطريقة التي كان يلعق بها شفتيه.
-موتشاغراتسيس ماركو .
و توجهت نحو الكوخ الذي أشار إليه حيث تعيش ايما ، و زوجها و فوجئت عندما دخلت الكوخ الصغير الساحر . فقد كان هناك جيش من النساء.. لا بد أن عيد ميلاد طفل في المكسيك حدث كبير ، و أدركت كولين هذا قبل أن يقع نظرها على قالب الحلوى ذو الثلاث طبقات . لم تكن قد حصلت على عيد ميلاد لها طوال حياتها . و لكنها حضرت حفلة قبل وفاة والدتها ، و قالب الكاتو في تلك الحفلة ، كما تتذكر لم يكن مشابها بأي حال لهذا القالب الضخم الجميل .
و ابتسمت ايما مرحبة بها بحرارة ، و شعرت بأنها ضيفة مميزة . ثم خرجت من المطبخ إلى الحديقة حيث الطاولات و الكراسي ، و البعض منها مستعار من الجيران ، كما لاحظت كولين ، و الأطفال ثيابهم الملونة يلعبون و يمرحون .
كانت الحفلة قد بدأت عندما حضر الرجال من عملهم باكرا . و قدمت ايما زوجها لكولين ، ثم تجمع الأولاد من حوله و أعطوه قناعا من كرتون يمثل مهرج السيرك صائحين "بيناتا.. بيناتا!". فربط القناع على وجهه و حمل الدمية على عصا ، و أخذ يدور بها ، و الجميع يرقصون و يغنون و يدورون حوله ، و هم يضربون الدمية بالعصي .
ذروة هذا الحفل كان بعد أن قطعت أول ساق للمهرج الورقي الذي كان يدور به زوج ايما ، ثم إحدى ذراعيه ، و قام الأولاد بضرب الدمية بقوة ، و تساقط كل أنواع السكاكر و الحلويات من رأس الدمية . و نتج عن هذا تجمع مضحك للأولاد على الأرض ليحصلوا على ما وقع على الأرض . و تكوم الأولاد على الأرض ليجمعوا ما يقدرون عليه حتى أن ابتسامة كولين اتسعت ثم انفجرت بالضحك .
و أمسك أحدهم بذراعها فأدركت ، بعد أن خفت ضحكتها و لا زالت الابتسامة عريضة على وجهها ، أن شخص ما قد وصل و أنها تسد عليه الطريق . فالتفتت ، الواصل المتأخر كان جوليانو إنريكو ، و لاحظت أن نظرته مثبته على فمها الضاحك ، الذي بالكاد كانت تفتحه للحديث في رفقته خلال الأيام القليلة الماضية . و اختفت الابتسامة .
-هل تتمتعين بالاحتفال ؟
لقد كنت أتمتع... فلماذا جاء إلى هنا؟ و برز تحفظها البارد بكامل قوته . فقالت ببرود :
-أجل.. كثيرا.
و لكنها لم تعد كذلك . فهي الآن راغبة بترك الحفلة، فوجوده قد أفسد سعادتها ، و قالت بخشونة و لكن بأدب :
-اعذرني...
و حاولت الابتعاد عنه. سوف تودع الجميع ، ثم تبدأ بالعودة إلى المنزل ، و قد تلتقي بماركو في الطريق .
و لكن نيتها في الابتعاد عن جوليانو لم تصل إلى نتيجة . فعندما وصلت إلى حيث والدا الطفلة الفخورين، كان جوليانو إلى جانبها . و تمتم لهما ببعض الكلمات ، ثم وجدت نفسها تسير معه و يده تمسك ذراعها بحزم ، بينما كان يتبادل التحيات مع الحاضرين .
ماذا يظن أنه يفعل.. يمسك بذراعها بحزم ، بينما كان يتبادل التحيات مع الحاضرين .
يظهر بأنه مرافقها ؟ وغضبت... و لم تتردد عندما أصبحا خارج المنزل في أن تجذب ذراعها من يده ، و هي تستعد لتوديعه ببرود . و قالت :
على الأرجح سأراك وقت العشاء.
و كانت هذه إشارة صرف له ، و لكنها أدركت من نظرته الغاضبة أنه لم يعجبه ما قالته.
-سأصطحبك بنفسي إلى المنزل .
-لا.. سيأتي ماركو لمرافقتي.. و سأذهب الآن ما...
-ماركو لن يأتي ليأخذك . و أنت لن تمشي إلى أي مكان في هذا الحر .
-لقد اتفقت مع ماركو أن...
-و أنا قلت له أن يتابع عمله.
و فكرت كولين بغضب.. يا إلّهي كم تكرهه! و اضطرت ، قبل أن يقوم بجرها بالقوة ، أن تتجه إلى سيارته . و لكنها لم تنظر إليه و هي جالسة بقربه . و لم يقم بتشغيل المحرك على الفور ، مما دفعها للنظر إلى وجهه المتجهم .
-في المستقبل لا تخرجي إلى أي مكان مع ماركو.. هل هذا مفهوم ؟
و لم تكن تنوي أبدا الذهاب مع ماركو إلى أي مكان . و لكن هذا لم يمنعها من إجابته على الفور :
-من تظن نفسك.
-أنا الرجل الذي سيدفع أجرة سفرك .
فردة عليه بحدة :
-أنت تحب أن تكرر هذا دائما!
و ضرب بيده بقوة على المقود . لقد أثارته أكثر مما يحتمل . و قال راعدا:
-ابتعدي عنه!
و أدار السيارة بعنف.
و استغرقت رحلة العودة نصف الوقت الذي استغرقته مع ماركو ، و بصمت ثقيل يجثم كالقلعة ما بينهما.
توقعها أن تشاهد جوليانو عند العشاء كان خاطئا . و شاهدت النور من تحت باب مكتبته ، لا بد أنه أمضى عدة ساعات هناك . و ربما سيتناول عشاءه وهو يعمل.. و هذا أفضل لها فبقاؤه داخل مكتبته ، سيوفر عليها ضرورة تحمله أكثر مما تستطيع.
و اكتشفت مستغربة أن لا شهية لها على الطعام ، و لا يمكن أن يكون السبب ما تناولته في الحفلة ، لأنها لم تأكل الكثير هناك.
في اليوم التالي كانت مشاعر الثورة تغلي في داخلها. فقد سئمت و تعبت من فرض جوليانو لقوانينه الخاصة عليها . و ها هو يوم آخر من الكسل و عدم الحركة يواجهها .
عند الساعة الحادية عشر من هذا الصباح ، أحست بالقلق و هي تقاوم أوامر جوليانو بأن ترتاح ، و فكرت بأن تنظيف منزل مدير المزرعة أفضل لها من أن لا تعمل شيئا ، و كانت في الباحة الخارجية عندما برز ماركو من جانب المنزل . و فكرت أن تعتذر له لأنه تلقى تأنيبا من جوليانو بالأمس . و سارت نحو المرجة لتفعل هذا.
و بعد الاعتذار ، رأت من ابتسامته التي تبرز أسنانه الصفراء أنه لا يحمل أية ضغينة ، و قال لها بالإنكليزية المكسرة :
-نزهة في السيارة ؟
و اعتقدت أنه يعني بأنه ذاهب إلى البلدة لعمل ما ، و أنه يعرض عليها أن يأخذها معه . و كان يحمل قطعة خشب في يده ، فربما هو بحاجة لمسامير أو أي شيء لهذه الخشبة .
و بأسف هزت رأسها بالنفي . فهي لن تستطيع بسهولة أن تنسى ما يستطيع جوليانو فعله لشقيقها لو أنها خطت خطوة خارج حدود أملاكه . و لكن التمرد في داخلها , و عرض ماركو أخذها إلى البلدة أعطاهافكرة أخرى . فقالت :
-أنت.. تأخذني إلى الكاسا الخاص بالمشرف؟
فقال لها ماركو على الفور :
-سي.. سي .
و فكرت كولين ، كم هو لطيف لأنه لم يحمل ضغينةضدها لتسببها بأن يلذعه جوليانو يوم أمس بلسانه . فقالت :
-مومنتو.. دقيقة واحدة.
و بشعور مبهج لأنها سترد الكيل لجوليانو إنريكو العظيم التبجيل ، أخذت تفتش في المكتبة حيث كانت قد شاهدت رزمة مفاتيح ، و لم تأخذ وقتا طويلالتتعرف إلى مفتاح منزل المشرف . فأخذته و أسرعت إلى حيث يوقف ماركو عادة سيارته .
و كان من عادتها أن تخرج من المنزل من باب المطبخ نحو الفناء الخارجي ، و نظرت إليها تينا باستغراب فقالت لها كولين :
-منزل المشرف... ماركو سيأخذني إلى هناك .
و عندما استمرت تينا تنظر إليها باستغراب أبرزت المفاتيح ، وكان رد فعل تينا عندها مهتاجا و صاخبا ، فقالت صائحة :
-لا.. لا..
فضحكت كولين وأجابت :
-سي!.. سي.. بلى.
و اتجهت نحو الباب.. فلتقل لجوليانو , فلماذا ستهتم به ! سوف تعلق الستائر اليوم.. و جلست إلى جانب ماركو في السيارة ، و انطلق بها ، متجاهلا خروج تينا و هي تصيح به بملء فمها بالإسبانية .
مرة أخرى خلال قيادته للسيارة ، لمست يده ركبة كولين . و لكن الابتسامة على وجهها هندما استدارت لتنظر إليه تلاشت فجأة ، حتى و لو ظنت بأنها تخيلت تلك النظرة على وجهه.
و فكرت.. لا بد أنني مخطئة ، و بدأ السرور يتلاشى ، و تحركت نحو الباب أكثر ، حتى و هي تظن بأنها تخيلت تلك النظرة في عينيه، و دفعها الشعور بالقلق للقفز فورا من "الفان" عندما أوقفها ماركو قرب المنزل . و قالت :
-غراتسياس ماركو .
و اكتشفت أنها اختارت المفتاح الصحيح ، إذ فتح باب منزل المشرف و دخلت ، الطابق الأرضي كان كما تركته ، و شعرت بطاقتها الكاملة ، فتوقفت في المطبخ حيث كانت تعليقات الستائر ، و حملتها ثم صعدت إلى الطابق العلوي و هي تتشوق لتعليقها.
و كانت تقوم بتثبيت العلاقات على الستائر عندما استدارت لسماع صوت .
-لنمرح.. ايه سنيوريتا ؟
و قبل أن يستوعب عقلها ما قاله ، و ماذا يفعل هناك ، بدأت يداه الغليظتان تفكان أزرار قميصه.. و تصاعد الذعر فيها ، و شعرت بالغثيان ، و جف فمها.. يا إلّهي.. يمكن أن تصرخ حتى ينفجر رأسها هنا و لن يسمعها أحد ، و قالت ، محاولة أن تجعل صوتها حازما :
-لا.. ماركو . لقد فهمت كل شيء بشكل خاطئ .
و بدا أنه لم يسمعها أبدا ، و ضحك ، و عيناه تجولان فوق جسدها و كأنهما تعريانها ، و اقترب منها .
و تحركت بسرعة بينما كان يفك حزامه ، و قفزت من فوق السرير إلى الجانب الآخر ، و التفتت إلى النافذة ، و تذكرت أن هذه النافذة بالذات لم تنفتح معها المرة الماضية . فقالت :
-لا.. لا مرح.
و هو بالتأكيد أقوى منها ، و لكن يجب أن تبقى بعيدة عنه ، فلو تقدم منها و أمسكها فلن تستطيع المقاومة ضد جسده الضخم . و قال :
-سي... فياستا..
إذا فهو يريد أن يحتفل . و لم تتحرك عيناها عنه ، و التقطت قضيب الستارة . قد لا يكون سلاحا فعالا ضده ، و لكن هذا كل ما استطاعت أن تجده.
و شاهدته ينظر إلى القضيب في يدها ، وبدأ يضحك ، ثم فجأة ، بعد أن ماتت ضحكته ، ظنت أنها سمعت في الصمت الذي تلا صوت محرك سيارة . و انبعث الأمل فيها ، و لكنها كانت خائفة من أن تذهب إلى النافذة لتنظر إلى الخارج. فيتمكن ماركو عندها من الإمساك بها . فهو لم يسمع شيئا ، كما لاحظت ، فقد أخذ يقترب منها بالتدريج و شاهدت النظرة النهمة في عينيه .
ثم توقف فجأة ، فقد سمع بدوره هدير صيحة :
-كولين!
و تبع الصيحة وقع أقدام تصعد السلم الحجري .
و خفق قلبها بشكل أعنف ، و هذه المرة من الارتياح ، و انهمرت الدموع من عينيها بعد أن دخل جوليانو الغرفة ، و نظرة غضب شيطاني على وجهه و قد شاهدها تدافع عن نفسها بقضيب ستارة رفيع . ثم نظر إلى ماركو الذي انفجر بالثرثرة.
ما كان يقوله ماركو ، لم تفهم كولين منه شيئا. ربما يقول بأنها هي من أتت به إلى هنا . و لكن جوليانو لم يهتم بتفسيراته، إذ أخذ يزأر و كأنه الثور البري ، و جر ماركو إلى خارج الغرفة بعيدا عن نظرها . و من أصوات الضرب و اللكم و الصراخ تمكنت أن تحزر ما حدث .
و لم يكن هناك شك في ذهنها ، على الرغم من ضخامة جسد ماركو ، أنه سيحصل على أسوأ عقاب من جوليانو ، و شعرت بالأمتنان و الدفء لمخدومها الذي أسرع لنجدتها ، و أتى من حيث لا تدري لإنقاذها .
و لم تكن كولين معتادة على الاستسلام للبكاء ، و لكن خلاصها من الرعب الذي تملكها ، عبر عن نفسه بنحيب عنيف أخذ يهز جسدها هزا ، و لم تستطع إيقافه .
و كانت الدموع لا تزال تنهمر على وجهها عندما عاد جوليانو بعد دقائق . و سمعت صوت محرك سيارة ماركو ، و علمت أن جوليانو لم يقتله . و لم تستطع السيطرة على نفسها لأن دموعها ظلت تنهمر .
و تجاهلت نظرة الغضب في عينيه و أخذت تصيح بانفعال :
-جوليانو.. أوه جوليانو! إنها غلطتي.. أنا.. أنا لم أفهم.. كان علي أن أعرف...
و من خلال دموعها لاحظت أن الغضب زال عن وجهه ، و بخطوات سريعة أخذها بين ذراعيه القويتين المريحتين ، و أخذ يربت بيده على ظهرها ليهدئها ، ثم قادها نحو السرير ليجلس معها هناك ، و همس بنعومة :
-و كيف يمكن أن تعرفي هذا و أنت تفتقرين إلى الخبرة ؟
و مد يده ليضع رأسها على كتفه . فبكت قائلة :
-كان علي أن أعرف ما هي نوعيته.. لقد شككت أنت فيه.. لذا قلت لي أن لا أذهب معه إلى أي مكان . أليس كذلك ؟
و أسكتها بسرعة محاولا تهدئتها :
-لقد طردته.. انتهى أمره الآن.. لا تفكري به .
-أنا.. آسفة..
و لكن المشاعر التي بقيت لسنوات طويلة مكبوتة خرجت من قوقعتها العادية و لم تعد تستطيع أن تسيطر عليها بأي شكل كان .
و أصبح تحفظها من الماضي ، فقد كانت عطشى إلى كل ذرة من الراحة والأمان اللذان توفرانه لها ذراعه الملتفة من حولها ، وضمت نفسها إليه ، و التفت ذراعاها حول وسطه و هي تتمسك به بلهفة .
و رفع يده عن شعرها، و وضعها تحت ذقنها ليرفع رأسها كي ينظر إلى عينيها . كم يبدو غريبا أن شخص تكرهه كثيرا يمكن أن تشعر بمثل هذه الراحة بين ذراعيه . و كل ما خطر ببالها تحت نظرته المتفحصة، كم أنها تبدو سيئة المنظر له :
-لا بد أنني أبدو مريعة .
و كان هذا كل ما استطاعت قوله ، و أصابعه الرقيقة تمسح الدموع عن وجهها المبلل . و قال بنعومة :
-أنت تبدين جميلة .
و من حيث لا تدري ، استطاعت أن ترسم ابتسامة على شفتيها ، لأنه قال لها مرة أنها تبدو جميلة عندما تبتسم .
و ساد الهدوء الغرفة ، و لم تعد كولين تبكي ، و لم تعد تشعر برغبة في البكاء . كانت ملتصقة به ، لأن شيئا ما كان يحدث لها و لم تكن واثقة ما هو . و كل ما أصبحت أكيدة منه أنها قطعا لا تكرهه أبدا . لأن التصاقها به هكذا لم يكن يبدو لها أمر خاطئ . و قال جوليانو:
-أعتقد.. أن علينا الذهاب الآن .
-أجل..
و لكنها لم تبعد ذراعيها عنه ، كما لم يبعد هو أيضا ذراعيه عنها . و قال وهو ينظر إلى عينيها :
-أنا..
ثم صمت ثانية و مد ذراعه الأخرى ليلفها من حولها في عناق ناعم طويل . و همس في أذنها :
-لا تخافي..
و أرادت أن تقول له بأنها ليست خائفة ، و لكنها لم تكن متأكدة من هذا ، فلم تقل شيئا ، بل همست بصوت مرتجف "جوليانو" فقال بنعومة :
-هل ضايقتك ؟
و ردت عليه هامسة "أوه.. لا" .
و احمر وجهها لما قالته ، و ابتسم عندما شهد احمرارها . و همس لها :
-تي كويرو .
-و ماذا يعني هذا ؟
فابتسم بحنان :
-أريدك... تي آمو .
و عانقها من جديد ، و أحست بشيء في حنجرتها حاولت أن تهدئه فلم تستطع... كانت على وشك الانفجار بنوبة سعال حاد مؤلم . و انتابها الذعر لهذا ، فدفعته بصدره ليبتعد عنها ، و تركها على الفور لتجلس مرتاحة .
نوبة السعال لم تحدث . و لكنها علمت أنها أفسدت كل ما كان يجري بينهما . و كانت على وشك أن تقول إنها آسفة ، و لكن العبوس الذي شاهدته على وجهه منعها ، ثم عاودها تحفظها من جديد .
و قال لها بخشونة :
-أنت دائما تختارين اللحظة المناسبة يا كولين شادو ، لتذكري الرجل بأنك مريضة مؤخرا.. و تحتاجين للراحة!
كيف تستطيع أن تقول له أنها بخير ؟ منذ دقائق كان بإمكانها أن تقول هذا، ولكن هذا قبل أن يعود تحفظها إليها ، فالفتاة التي عادت لتكونها الآن لن تحلم أبدا بالقول له أي شيء قد يفسره و كأنه دعوة له . و سألته و هي بحاجة لأن تبعد تفكيرها عما حدث للتو ، أو عما أرادت هي أن يحدث :
- و كيف عرفت بأنني هنا ؟
و ابتسم لها ابتسامةأخبرتها بأنه أصبح يعرفها معرفة أكثر مما تفضل أن يعرفها ، و أجابها بقسوة :
-لقد عدت إلى المنزل لأجري مكالمة هاتفية حول حفلة عشاء عمل هذة الليلة.. و لكن قبل أن أقترب من مكتبي ، ركضت تينا إلي و أخبرتني أنك خرجت للتو مع ماركو.. لقد استطعت أن تري بنفسك ماذا يحدث عندما لا تطيعين أوامري يا كولين ؟
و تمنت كولين لو أنها تستطيع أن تكون قاسية مثله ، لو أنها تستطيع أن تكون تجد ذلك التمرد السابق في نفسها لتقول له إنها ليست أنثى مطيعة ، حتى و لو أن أوامره بأن تبقى بعيدة عن ماركو ثبت بأنها مصيبة . و لكنها كانت قد مرت برعب حقيقي ، لم يترك في نفسها ذرة تمرد . و قالت له :
-لقد قلت إنني آسفة!
و أملت أن يترك الحديث في الموضوع ، و لكنه لم يفعل بل سألها :
-لماذا أتيت إلى هذا المنزل ؟ لقد ظننت أن منزلي مريح أكثر .
-المكان يعجبني .
-أتقولين بأن منزلي لا يعجبك ؟
-ليس الأمر هكذا .
-و ما هو إذا؟
-أردت.. ان أعمل شيئا . فأنا أشعر بخير الآن ، ومليئة بالحيوية . لم أسعل منذ أيام .
و احمر وجهها عندما تذكرت الوخز الذي شعرت به في حنجرتها في لحظة غير مناسبة أبدا . و بشكل لا يصدق وجدته و قد عاودته روحه المرحة عندما تذكر بدوره تلك السعلة الصغيرة التي لم تكن في وقتها المناسب ، و أخذ يضحك و هو يقول :
-يجب أن تفعلي شيئا حول هذا السعال المثير للأعصاب .
و ترك لها أن تستنتج كل ما تريد من وراء ملاحظته . و عادت بسرعة إلى الموضوع الذي كانا يتحدثان به :
-أنا.. لست معتادة على الكسل . و أردت أن أقوم بعمل ما .
و لحسن الحظ نجحت في دفع تفكيره إلى إتجاه آخر ، و أختفت ابتسامته ، و لكن قسوته لم تعد ، و قال عابسا :
-لن تعودي إلى هنا ثانية .
و لم تعرف كيف ستعده بهذا ، فقلة الحركة قد أثرت على أعصابها ، و بما أن هناك الكثير من العمل هنا ، و ماركو مطرود ، فهي لن تستطيع أن تعده بأن لا تعود إلى هنا لتكمل عملها ، و لكن عليها أن تجد وسيلة أخرى إذا لم يقبل جوليانو بأن يوصلها إلى هنا... و سمعته يقول :
-هل سمعتني يا كولين ؟
-لا أستطيع.. أن أعدك.
و رفعت إليه عينيها العنيدتين ، و لاحظت أنه لا يهتم بعناد المرأة.
و لكن الأمر الآن في قبضة يدها و لن تدع هذه الفرصة تفلت . و قال لها :
-حسن جدا... تعالي إلى هنا إذا أحببت.
و ظنت أن الحديث انتهى ، فوقفت ، و لكنه لم يكن قد أنهى كلامه :
-مع أنني يجب أن أحذرك ، حتى لو طردت ماركو خارج أملاكي ، إلا أن الأملاك واسعة جدا و لا أستطيع ضمان أن لا يتسلل إليك في ليلة مظلمة . لقد قلت من قبل إن هذا المنزل كان محتلا ، ألم أقل لك هذا؟
هل هو يخدعها أم أنه جاد ؟ و هل يعتقد حقا أن ماركو قد يعود ، أم أنه قال هذا كي يخيفها و يتأكد من أنها لن تقترب من هذا المكان ثانية ؟ و اعتقدت أن الفكرة الأخيرة هي الراجحة . و لكن حتى و لو كانت راجحة ، فهي لن تخاطر . و ظهر على وجهها ذلك الوعد الذي أراده جوليانو بأن لا تقترب مرة أخرى من هذا المنزل . لكن روح التمرد عاودتها أخيرا:
-أنت كذاب قذر.
و بدأ يضحك :
-هذا ليس لطيفا منك أبدا يا سنيوريتا . بعد كل ما فعلته لأجلك!
***

و تناولت كولين عشاءها وحيدة ، و عادت إلى غرفتها ، وهي منزعجة لأن رفيقها الوحيد على العشاء كان مرتبطا بموعد عشاء عمل في الخارج ، أو ربما هو يتناول العشاء مع إمرأة ، لا ينتابها سعال عصبي في اللحظة غير المناسبة .
عندما استلقت في فراشها عاودتها ذكرى ما قاله ساخرا "بعد كل ما فعلته لأجلك!" و لم تستطع أن تجد سبيلا إلى النوم .
بالنسبة لها ، ما فعله كان أكثر من إنقاذها من ورطتها في (كواريتارو). فهذا الصباح أيقظها من طفولتها و أدخلها إلى مرحلة الأثارة و العاطفة .
عند منتصف الليل ، سمعته يعود ، عندها استطاعت أن تنام .
و لكنها استيقظت عند الواحدة ، و شعرت بأنها لن تستطيع النوم ثانية فأضاءت المصباح الصغير قرب السرير و جلست .
و عاد التفكير في جوليانو يشغل ذهنها ثانية . و أسترعى انتباهها دخول حشرة طائرة ضخمة تبلغ الثلاث انشات طولا ، عبر النافذة لتقف على الطاولة الصغيرة قرب السرير.
و بقفزة واحدة خرجت من سريرها و اتجهت نحو الباب ، و فكرت بذعر أن لسعة هذه الحشرة قد تكون سامة ، و تحركت كولين بسرعة أكثر ، و لم تتردد سوى لحظة قبل أن تفتح الباب و تخرج ، ثم اتجهت إلى الغرفة التي أشارت إليها ايما مرة على انها غرفة جوليانو ، و صاحت :
-جوليانو.. جوليانو!
و حاولت أن تسيطر على رعبها ، مع أنها أقفلت الباب على تلك الحشرة الخضراء المخيفة . و عندما فتح الباب و هو يلف الروب من حوله أكملت :
-هناك.. شيء.. شيء في غرفتي!
-شيء ؟
لا بد أنه كان لا يزال نصف نائم ، و لكن عندما شاهد ذعرها استيقظ تماما :
-ما هذا الشيء... ابقي هنا.
و أزاحها جانبا و سار با تجاه غرفتها ، و لكنها لم تستطع تركه يدخل دون أن تنذره .
-أنها حشرة خضراء كبيرة ، و لست أدري إذا كانت سامة أم لا .
و دون تردد فتح جوليانو الباب ، ودخلت كولين معه و قلبها يخفق رعبا . رأت، كما رأى هو ، أن الحشرة لم تتحرك من مكانها ، فهمست و هي خائفة أن تبعد عينيها عن الحشرة .
-ما هذه ؟ هل هي خطرة ؟
-عادة.. مثل هذه الوحوش ، تجد لها مسكنا في شجرة الخوخ.
-أعلم هذا. فهناك شجرة خوخ خارج غرفتي .
-يجب أن نتخلص منها يا كولين.. و عليك أن تكوني شجاعة جدا... فهل أنت شجاعة يا كولين؟
كانت تعلم أنها ليست شجاعة أبدا . فلو كانت مصنوعة من معدن البطلات لكان عليها أن تترك والدها عندما طلب منها شقيقها ذلك ، وقالت كاذبة :
-أجل.. ماذا تريدني أن أفعل ؟
-أعطيني يدك.
و وضعت يدها على الفور في يده ، و هي تتمنى أن لا يشعر بارتجافها . و تقدم جوليانو نحو طاولة السرير ، فأخذ العرق البارد يتصبب على جسدها ، و هو يرفع يده الأخرى و يمدها ، و راقبته حابسة أنفاسها ، و هي ترغب في الهرب ، كلما اقتربت يده أكثر من ذلك الشيء . و شجعت نفسها كي تطبق أي تعليمات يصدرها بالحرف الواحد.
ثم ، و بعد أن بلغت أعصابها درجة الانهيار ، أطبق جوليانو يده على الحشرة بسرعة و أمسك بها ، واستدار نحو كولين و ابتسامة تملأ وجهه من الأذن حتى الأذن.. و قال:
-أيتها الحشرة البريئة غير المؤذية ، لقد أخفت كولين حتى الموت!
و بينما كانت كولين تقف مشدوهة و فمها مفتوح ، ترك يدها و تقدم نحو النافذة حيث أطلق الحشرة.
حشرة خضار غير مؤذية! و تحول خوف كولين الفظيع إلى غضب شديد لم تعرفه من قبل فأخذت تصرخ :
-أنت خنزير! أنت شيطان كذاب قذر ! لقد أرعبتني!
غضبها كان أكبر من أن تحتويه الكلمات ، و كالوحش الكاسر تقدمت منه و أخذت تضربه بقبضتيها , وأمسك بمعصميها و قال ضاحكا :
- أوه يا كولين! لقد كذبت أنت أيضا . و لم أستطع أن أقاوم هذا المزاح ، ليس بعد أن قلت لي كم أنت شجاعة .
-هذا ليس عذرا!
و أخذت ترفسه بقدميها العاريتين ، و هي تتلوى كي تخلص نفسها ، و كان لا يزال يضحك عندما سمعها تقول "أيها الهمجي المكسيكي" فرد عليها :
-لقد ظننت أنك عاطفية هذا الصباح أيتها القطة المتوحشة ،و لكن...
-أترك ما حدث هذا الصباح خارج هذا الموضوع!
و لم تلاحظ أن مقاومتها قد تسببت في الوقوع كرسي على طاولة الزينة و أن حلية مكسيكية أثرية وقعت على الأرض.
و زادها الفشل غضبا ، لأن محاولاتها للإفلات منه كانت دون جدوى . و عادت ترفسه ثانية . و لكن هذا أكد لها أكثر ، و بألم، أنها حتى لو خرجت عن طورها ، فجوليانو يعرف تماما كيف يسيطر عليها .
فبدون أي جهد ، التقط ركبتها من خلف بقدمه ، وقبل أن يسقطا إلى الأرض لوحها كي يسقطا معا فوق السرير . و ما استردت أنفاسها حتى أحست بالفراش الثابت من تحتها و جسد جوليانو القاسي من فوقها . و عندها فقط ذهب عنها غضبها ، بعد أن اجتاحتها أحاسيس مختلفة تماما . و قالت : "جوليانو" و وجدت نفسها عاجزة عن قول المزيد فقال لها و هو ينظر في عينيها :
-لا بأس عليك.. سأتركك حالا ، و لكن دعيني أرتاح بقربك للحظات لأتمكن من الأعتذار عما فعلته .
ما فعله كان يتلاشى من ذهنها أكثر فأكثر، و كل ما كانت تفكر به الآن أنها لا تريده أن يذهب . أرادت بقاءه ، و هي تعلم أنه يريد أن يبقى ، و قال لها :
-يجب أن لا نتعانق.. هل بإمكانك مسامحتي على تخويفك هكذا؟
-و لماذا.. فعلت؟
-أكثر من مرة نظرت إلي نظرة ازدراء . و عندما أتيت بك إلى المنزل اليوم لم تكن هذه المرة الأولى التي تنظرين إلي فيها بازدراء. و كنت أخشى أن لا استطيع مقاومة مشاعري عندما تصبحين دافئة أكثر معي .
رده أدهشها و جعلها تتحرك ، و أحست به يتوتر ، و سمعته يقول بانفعال:
-ابقي جامدة.. يا كولين.. بحق الله.
-أظن.. أظن أن عليك الذهاب .
الابتسامة في عينيه أعلمتها بأنه يعرف أنها تكذب ، و لكنه تجاوز عن كذبتها ، ربما ليعوض عنها الخوف الذي أصابها، و قال و هو يبتعد عنها :
-أظن أنك على صواب .
و لكن قبل أن يتحرك أكثر ، سمعا صوتا عند الباب ، و أدركت كولين عندها أنه إذا لم يكن قرعها على باب جوليانو، و صراخها له بأعلى صوتها قد أوقظ أحدا ، فإن صوت الكرسي يقع و الحلية المكسيكية تصطدم بالأرض كافيان لإيقاظ كل من في المنزل .
و لكنها لحظتها كانت مرعوبة و لم تفكر بكل هذا . و نظرت بسرعة إلى الباب و رأت تينا لم تكن لوحدها بل أن أمادو معها يقفان أمام الباب .
و لم يكن هناك أي شك من التعبير الذي برز على وجه تينا ما قد ظنته حول ما كان يفعله السنيور في غرفة نومها .
و قبل أن تصدر كولين أي صوت ، و كذلك جوليانو ، الذي لم يقم بأي مجهود ليشرح لهما عن موضوع الحشرة ، و دون أن يصدر عن تينا و أمادو أية كلمة ، ابتعدا عن الباب و اختفيا عن النظر .
-لماذا لم تقل شيئا؟
-و ماذا كان علي أن أقول ؟
-لقد ظنا.. ظنا أننا كنا.. كنا نائمين معا.
-أولم نكن هكذا؟
و رفع حاجبه بطريقة ساخرة كانت آخر قشة تقصم ظهر البعير ، فقالت :
-ليس بالطريقة التي ظناها.
-و هل يقلقك ما تظنه تينا و زوجها الطيب ؟
و تذكرت وجه تينا غير المبتسم ، و الابتسامتين الوحيدتين اللتان رمتها بهما ، و علمت تماما أي منها تفضل . فقال:
-نعم.. نعم يهمني .
و أدركت عندها من النظرة في عينيه أن ما سيقوله لها ، إما أن يجعلها تضربه أو يسكتها.. ثم قال و هو يهز كتفيه دون اكتراث :
-حسن جدا... إذا كان رأي تينا و زوجها يقلقك لهذه الدرجة... فسأتزوجك.

*******************

الفصل السابع
الخطوبة

عندما استيقظت كولين لتواجه يوما مشرقا جديدا ، تذكرت ما حدث ليلة أمس ، وكيف أنها ردت على جوليانو بأنها "ليست قلقة لهذه الدرجة" على قوله لها دون اكتراث "سأتزوجك".. و لم يتأثر أبدا برفضها له ، و توقف لإعادة الكرسي مكانها قبل أن يخرج بهدوء من الغرفة .
و تركت فراشها ، في وقت ما من هذا النهار ستواجه مدبرة المنزل وجها لوجه . و كما توقعت ، النظرات القاتمة كانت سيدة هذا اليوم . و حتى ايما ، التي كانت دائما مرحة و متألقة ، بدت متأثرة بتصرفات تينا الحادة و غير المبتسمة .
و عندما غادرت ايما إلى منزلها ، صعدت كولين إلى غرفتها لتغسل شعرها خلال الوقت الباقي ، و تمنت لو أن هناك وسيلة سحرية تنقلها على الفور إلى إنكلترا ، فوجه تينا كان داكنا مثل الرعد طول اليوم ، و حتى أمادو نجح في أن يبقى صامتا .
هل هكذا سيدوم الحال إلى أن تكسب ما يكفي لثمن تذكرتها ؟
و كيف ستكسبها إذا كان جوليانو مصرا على أن يعاملها و كأنها نصف معاقة و لا يسمح لها بأن تفعل شيئا ؟
كان شعرها يشع بالنظافة و الحيوية عندما ارتدت فستانها الطويل الوحيد ، الذي تم غسله الآن عدة مرات مع كل ما تحتويه خزانة ثيابها ، و هكذا أصبحت مستعدة للانضمام إلى جوليانو لتناول العشاء.
و لم يكن جوليانو على موعد عشاء في الخارج ، و لا في مكتبته ، بل شاهدته و هو على وشك الصعود على السلم عندما بدأت هي تنزل .و أحست بأنه يراقب كل خطوة تخطوها و هو واقف عند أسفل السلم وعيناه مثبتتان على شعرها الأشقر اللماع ، دون ذكر الاحمرار الفجائي الذي لون خديها لذكرى حرارة جسده بالقرب منها ليلة الأمس .
و لم يكن لديها أي شيء تقوله إلى أن وصلت إليه ، فقال والابتسامة في عينيه و قد لاحظ ازدياد الاحمرار الذي غطى وجهها:
-كنت على وشك الصعود لأصطحبك .
-أوه...
و تساءلت في نفسها لماذا لا تستطيع أن تتعامل مع ما حدث ليلة أمس بينهما بطريقة عفوية كما تفعل باقي الفتيات . و دون ذلك الخفقان في قلبها ، الذي بدأ منذ أن شاهدته . و جمعت كل برودها لتتابع قولها :
-ستتناول العشاء في المنزل الليلة إذا ؟
و تلاشت الابتسامة عن وجهه على الفور لهذا التصرف المتعجرف . فصاح بها :
-توقفي عن هذا يا كولي!
و فهمت ما يقصده ، و لكنها تظاهرت أنها لم تفهم محاولة الحفاظ على موقفها :
-أتوقف؟
و حاولت تجاوزه و المرور أمامه و رأسها مرفوع عاليا ، و لكنه أوقفها و أمسكها بيده القوية بحزم و منعها من أن تتقدم خطوة واحدة .
و نظرت بازدراء إلى يده على ذراعها ، ثم إلى عينيه الزرقاوين.
و لكنه سيطر على الغضب الذي أثارته فيه بأعصاب فولاذية :
-هذا الاحمرار على وجهك يقول لي إن كولين شادو الطبيعية دافئة. إمرأة بدم أنثوي كامل احتويتها بضع مرات بين ذراعي.. لذا تنازلي عن كبريائك يا كولين شادو .
و عادت الابتسامة إلى وجهه ثانية ، و رفع حاجبه و هو يقول ممازحا:
-إلا إذا أحببت أن أفعل شيئا لأخرج المرأة الكاملة فيك ، من مخبئها ؟
و تهاوت عجرفتها المصطنعة ، فقالت و كأنها تعتذر ، فهي تعرف تماما أنه لا يمزح ، فقد فعل هذا من قبل :
-أنا.. متحفظة بطبعي.. و.. لا تظن أنني أتعمد العجرفة... فمرتين بين ذراعيك تكفياني...
-أنت لست بارعة في العد.
و بدا أنه تفهم أن تحفظها أمر طبيعي فيها ، فأنزل يده عن ذراعها و أشار بنفس اليد أن تدخل غرفة الطعام . قائلا ببرود :
-العشاء يبدو أفضل من هذا الحديث .
و مع عودة جوليانو لبروده ، وغضب كولين المختفي وراء تحفظها ، كان جو العشاء غير مريح.
و زاد الأمر سوءا بدخول تينا لتقدم الطعام ، و لم تبتسم لأي منهما ، و أخذت كولين تحرك اللحم و الخضار دون شهية ، فقال لها :
-ماذا دهاك بحق الشيطان ؟
-لا شيء .
و جعله جوابها على حافة الانفجار . فصاح :
-بل هناك شيء و حق الجحيم! لم تأكلي ما يكفي لقوت عصفور ، و تجنبتي النظر إلى تينا في كل مرة دخلت فيها إلى هنا... فهل أنت ضعيفة الشخصية لدرجة أن لا تتقبلي فكرة نسيان تربيتك الباردة حتى و لو في بعض الأحيان ؟ هل هذه هي مشكلتك ؟
-أنا لست ضعيفة الشخصية...
ربما كانت تظن هذا بنفسها ، ولكنها علمت العكس بعدما غادرت إنكلترا ، و لكنه أطلق غضبا في داخلها ، لم تكن تعترف بأنها تمتلكه ، و أكملت كلامها :
-و إذا كانت شهيتي ضعيفة ، فماذا تتوقع غير هذا و تينا تبدو و كأنها تأمل أن أختنق بكل ما آكله .
و صمتت فجأة ، مرتعبة مما قالته ، فقد جلس يستمع إليها مطبق الشفتين . و غادره غضبه،و انتابها شعور رهيب بأن كل ما فعلته هو أنها سببت المشاكل لتينا ، و قال :
-تينا ؟ و ما دخلها بكل هذا ؟
و أحنت كولين رأسها و قالت :
-إنها.. ليست غلطة تينا.. فكلانا نعرف أنها إمرأة تقية متدينة ، و عندها مبادئ أخلاقية عالية.. و لابد أنها صدمت لما... لما شاهدته.. أو لما ظنته ليلة أمس .
-آه.. فهمت .
و لاحظت في عينيه تلك النظرة اليقظة التي تشير إلى أن عقله يعمل :
-تينا تعاملك ببرود كعادتها.. أليس كذلك ؟
فقالت بسرعة "لايهم" ثم أدركت أن ليس هناك من سبب لتنزعج من أجل تينا فكلتاهما خادمتان عنده . و حاولت الابتعاد عن الموضوع فقد أرادت أن تذكره بعملها ، و أنها كلما بدأت العمل سريعا كلما استطاعت مغادرة منزله في وقت أسرع ، و لكن جولينو كان البادئ بتغيير الموضوع .
-أخبريني المزيد يا كولين عن حياتك في إنكلترا .
-أظن أنني أخبرتك كل ما يمكن أن يقال .
-لقد قلت لي إنك كنت تدبرين أمر منزل والدك.. و لكن لا بد أن هناك أكثر من هذا .
-لقد كانت.. حياة... غير مهمة .
-ألم يكن لديك أصدقاء شبان ؟
و تمنت أن تقول له نعم ، و تذكرت ذلك الولد الذي كان يسكن قربهم و الذي عانقها يوما و ارتجفت لعدم إعجابها بهذه التجربة ، و لكنها وجدت نفسها تقول :
-لم تكن أول رجل عانقني .
-و لكنك لم تتلقي الكثير من التدريب ؟
-أنا.. لم أصل إلى مرحلة البطولة بعد .
و لم تدرك إلى أين يقود حديثه عندما سأل:
-و لكن ليس لديك شاب خاص.. في إنكلترا ؟
و فتح الباب و عادت تينا الغاضبة إلى الغرفة ، فأجابت "لا" و لكنها لاحظت أن ردها لم يثر اهتمامه. و توجهت ابتسامته إلى تينا و هو يتحدث إليها بالإسبانية.
و التفتت تينا إليها ، فأدركت أنه قد تكلم معها في موضوع نظراتها المستنكرة لها . فقد ابتسمت تينا فجأة بأعرض ابتسامة وجهتها إليها ، و ليس ذلك فقط ، بل استدارت حول الطاولة و تقدمت منها لتصافحها ، و الكلمات تتدفق من فمها ، و لكن بعض الكلمات بدت مألوفة ، فذهلت كولين و سألته :
-ماذا.. لقد قالت تينا شيئا عن.. نوفيا والسنيور! أنت لم تقل لها.. أنت لم تقل إنني خطيبتك أليس كذلك ؟
و رد عليها مسرورا :
-لقد ظننت أن هذا يسعدك .
-و لكن.. و لكنني قلت لك الليلة الماضية إنني لن أتزوجك .
-الأمر كان مختلفا ليلة أمس... و أنا أعترف أنني قد استعجلت في اقتراح أن نتزوج.. فلم أكن أدري ماذا سأفعل لو وافقت. و لكنني لم أقل شيئا اليوم عن الزواج منك .
-و لكنك.. قلت لتينا ، إننا مخطوبان ؟
-سي.. و لكنك تعرفين جيدا ، كما أعرف ، أن الخطوبة يمكن أن تفسخ بسهولة .
و جمدت في مكانها ، فقد أدركت أنه تذكر معاملة شقيقها لإيزابيلا ، و أنه لم ينس و لا للحظة ، العار الذي لحق بعائلته على يد أحد أفراد عائلتها . و هذا سبب عودة الجفاء إلى صوته عندما قال :
-و سأقدر لك أن توافقي على اتفاقية ودية عندما نفسخ الخطوبة بيننا بدل أن أسمع بها مثل إيزابيلا و يعرف الجميع بأنك تخليت عني .
و كانت تريد أن تخبره أنها لا تنوي المشاركة بأية خطبة زائفة ، ولكن ما قاله أسكتها ، فقد فات الأوان لإنكار الخطوبة إذا كانت لا تريد الإساءة إلى عائلته مرة ثانية . فقد أسرعت تينا خارج الغرفة لتخبر زوجها أمادو ، و لابد أنها الآن تستخدم الهاتف و أن نصف سكان "دورانغو" قد علموا بالأمر.
و صاحت كولين بوجهه:
-اللعنة عليك يا جوليانو إنريكو .
فتساءل بكل براءة :
-و ماذا فعلت ؟
-تعلم جيدا ماذا فعلت! أنت تعرف أنني لا استطيع نكران الخطوبة . دون أن..
و توقفت عن الكلام فقد أدركت أنها ألزمت نفسها بهذا . وعلمت أنه أدرك ذلك أيضا ، عندها غادرته القسوة و انفرجت شفتاه ، و تراجع قليلا على كرسيه و قال بنعومة:
-لقد فعلت ذلك لحمايتك يا كولين الحلوة .

***

في الصباح التلي ، انتظرت كعادتها منذ أن وصفها جوليانو بالمريضة ، إلى أن خرج من المنزل ، ونزلت إلى الطابق الأرضي.
يبدو أن لا جدوى من المناقشة و الغضب حول الوضع الجديد الذي وجدت نفسها فيه .
هل هذا يعني أنها ستصدق ما قاله جوليانو عن رايان ؟ و قطبت غير قادرة على تصديق أن رايان الذي تعرفه ، يمكن له أن يتقدم لخطبة فتاة ثم يهجرها بعد أن يعلم بأنها ليست الوريثة التي كان يظنها...
في الطابق الأرضي ، كان اللقاء الذي استقبلت به يوم أمس لا يقارن أبدا بما لقيته اليوم . فقد استقبلتها تينا بالابتسام وايما بالسعادة و الفرح فمن الواضح أنها قد علمت بخطبة السنيور لها . و تقدمت لتصافحها بحرارة .
و بالتدريج بدأ جو المنزل السعيد يؤثر بها ، و حان وقت الغداء ، ثم مضى ، و بدأت تحس بالراحة . و عند منتصف وقت بعد الظهر ، و تينا ترتاح ، وبيللا نائمة ، و ايما تقوم بكوي الثياب كانت كولين تقطع الردهة حاملة بعض ثيابها لتكويها في غرفتها فاعترضتها ايما رافضة تركها تقوم بالعمل بنفسها.. عندها التفتت وجها لوجه مع جوليانو .
و أجفلت ، و حاولت أن تقول بأنها لم تكن تتوقع رؤيته قبل العشاء ، و لكنها فوجئت به يتقدم منها ويقبلها على خدها محدثا صوتا عاليا ، و لم تستطع أن تبعده لوجود الثياب بين يديها ، و حاولت التراجع ، و الرد عليه بحدة ، و لكنه منعها بنظرة شيطانية و قال هامسا :
-يجب علينا أن نحافظ على المظاهر يا كولين .
-آه.. بالطبع .
فضحك و قال معلقا :
-توقفي عن الجدية يا عزيزتي الصغيرة.. لم تكن قبلة بالمعنى الكامل.
-و هل هكذا تراني.. طفلة؟
فابتسم ، و النظرة الشريرة لا تزال في عينيه و قال :
-قد تكونين محافظة ، و غير مجربة يا صغيرتي كولين ، و لكن بالرغم من هذا يجب أن تعلمي أنني عرفتك إمرأة ناضجة عندما احتويتك بين ذراعي.. و أن المرأة الناضجة قد أثبتت نفسها في تجاوبك معي .
و إذا كان يبحث عن طريقة لمنعها من الجدل ، و إذا كان هدفه السعي كي تحمر خجلا ، فإن كولين لم تخيب أمله ، في أي من المسألتين ، و قالت :
-سأراك عند العشاء .
-و لكنني أتيت إلى المنزل لأراك.
-لتراني؟
لماذا خفق قلبها لكلماته ؟ و لم تجد الجواب رغم التركيز الذي بذلته ، إلى أن ظنت بأنه يريد أن يتحدث معها حول الأسئلة التي تقلقها ، فقالت :
-أوه.. بالطبع.. نحن لم نتوصل لاتفاق حول موعد إعلاننا أننا لن نتزوج.. أليس كذلك ؟
و هجرته روحه المرحة في الحال ، وقال لها بجفاء :
-سنتكلم في غرفة الجلوس.
-سآخذ غسيلي إلى...
و فوجئت بغضبه ، و أمسك بثيابها المكوية و رماها على السلم . و أخذها من ذراعها و هو يقول :
-سنتكلم الآن..
و جرها نحو غرفة الجلوس الكبيرة ، و بدا عليه أنه يجاهد كي يتغلب على الغضب الذي أثارته فيه ، و قال لها :
-هذه أول فرصة لي لأعطيك هذا .
و وضع يده في جيبه ، و أخرج منها علبة خاتم . و فتحها ليظهر فيها أبهى خاتم سوليتير الماس رأته في حياتها ، و حدقت غير قادرة على إبعاد نظرها عن ما يلمع و يشع في يده ، ثم قالت و قد خنقتها الدموع :
-هذا.. ليس ضروريا ل...
-بل ضروري جدا . و أول ما ستنظر إليه تينا الليلة هو الخاتم الماسي الذي يعطيه المكسيكي للأسباسا المستقبلية .
زوجة المستقبل ؟ و لكنها لن تصبح زوجته! لقد تمادى كثيرا ، و لن تضع خاتمه ، و لكن جوليانو أمسك بيدها و دفع الخاتم في اصبعها ، و قبل أن تدري ما ستقول ، وجدت نفسها تصيح من الفرح .
-أوه ، جوليانو.. إنه خاتم جميل جدا!
و بدا أن كلامها أسعده . أو ربما كان ذلك مجرد رضى لأنه تغلب على رفضها ، و لم تتحرك لانتزاعه من يدها . فقال متوددا:
-الحلية المناسبة لأجمل يد .
و لكن كولين كانت قد استعادت تعقلها ، فجذبت يدها من يده ، و لم يتمسك جوليانو بها ، و أنزل يده إلى جانبه مستعدا لتلقي المعارضة . و لكن معارضتها جاءت هزيلة جدا .
-هل ستتوقع تينا أن ترى خاتم الالماس في اصبعي عند العشاء حقا؟
-ليس هذا فقط ، بل هي تتوقع أن أطير بأسرع وقت إلى إنكلترا لأطلب يدك من والدك .
-لا تستطيع أن تفعل هذا!
و تلقى جوليانو هذا بتكبر المكسيكي المفاخر ، و هو يقول بخشونة :
-و هل سيعارض والدك ؟
و اخفضت كولين عينيها ، فهي تشك في أن يكون والدها مهتما بالأمر كثيرا . مع أن أي والد في الدنيا لا يتمنى صهرا أفضل من هذا المكسيكي الطويل الوسيم الثري . و ما من أب يعارض في تسليم ابنته إلى يد تحميها بشكل أفضل منه . و رفعت عينيها لترى الفخر و الكبرياء في نظرته و هو ينتظر ردها . فقالت بهدوء :
-ما من أب قد يعترض عليك.. و بالتأكيد لن يكون أبي.. هل هذه عادة في بلدكم أن يسعى العريس لرضى والد العروس ؟
و هز رأسه بالإيجاب ، و شعرت بالسعادة عندما لاحظت أن التوتر المتكبر قد غادره . و قال شارحا :
-العادة أن لا يطلب العريس بنفسه هذا مع أنه يكون موجودا بالطبع . فالعادة أن يقوم والده أو شقيقه بالتحدث عنه .
و بدت هذه العادة جميلة و رسمية لكولين . وسألت سؤالا لو أنها فكرت به لما سألته :
-و هل طبق رايان هذه العادة ؟
فأجاب ببرود :
-لقد فعل ، في غياب والده ، لقد أثر على كاهن ابن عمتي بصدقه و جعله يقوم بهذا الدور . و كلانا يعرف كم كان صادقا في مشاعره لإيزابيلا عندما أخبرته أنها لا تتوقع أي مال خاص بها .
-شقيقي...
-أنه حشرة... سأراك وقت العشاء .
و تركها واقفة ، وكان واضحا إنه غير مهتم بكل ماقد تقوله للدفاع عن رايان . لم يكن لديها ما تدافع به عنه ، و لكنها كانت واثقة أنه ، بالرغم من طيشه و حماقته أحيانا ، لم يكن أبدا من النوع الذي يستحوذ المال على عقله ، و لا تستطيع تقبل فكرة أنه يجري وراء المال كوالدهما .

***

و ابتسمت تينا لها ونسيت أن تقدم الحساء و هي تقول بدهشة :
-أوه.. بونيتا.. كم هو جميل!
و وقفت قرب كرسيها مبهورة بالخاتم الرائع في اصبعها.
و ابتسمت كولين لها ، لأنها في الحقيقة لا تعرف كيف ترد عليها . و لكن الابتسامة تلاشت حال إن غادرت تينا الغرفة ، فقد دخل جوليانو و أخذ يحدق بها ، و سألها بهدوء :
-هل أزعجك شيء ما ؟
-و من أين تريدني أن أبدأ ؟
-لقد كنت تبكين.. لماذا يا كولين ؟
لم تكن تريد أن تجيب ، مع أنها تعلم أنها ستضطر . و سوف يعرف لماذا كانت تبكي قبل أن ينتهي العشاء . وتنهدت بيأس و قالت :
-لست واثقة من أنني أعرف ما بي... أنت، أنا ، رايان...
-شقيقك؟
-أجل.. في كل مرة تسمع فيها اسمه تصبح شريرا!
-و لي أسبابي كما أظن . أهذا ماجعلك تبكين ؟ ألأنني أصبح شريرا عندما أسمع ذكر شقيقك ؟
-أنا لست مسؤولة عما فعل .
-أنت تعترفين إذا بأنه مذنب ؟
-لا.. أنا لا أعترف. ومهما تكن صفات رايان ، فأنا أعرف أنه لا يهتم بالمال.. إنه ليس كذلك.. و أنا أعرفه.
جوليانو لن يصدق أبدا ما تقوله للدفاع عن شقيقها ، و هي مقتنعة بهذا ، لذا فقد ذهلت عندما قال لها بعد تفكير :
-لقد كان علي أن أعيد النظر في رأيي بك يا كولين , و قد يستغرقني و قت أطول لأغير رأيي بشقيقك .
و ابتسم لذهولها لما قاله. و أضاف :
-هل يسعدك لو وافقت على أن لا أكون شريرا عندما نتحدث عن شقيقك فيما بيننا في المرة القادمة ؟
و لم يكن أمامها مجال للتفكير بمدى تأثير سحره عليها ، فقد دخلت تينا المبتسمة لتقدم الوجبة الرئيسية . و وجدت نفسها تقول بعد أن خرجت تينا :
-لقد ذكرت أنك قد أعدت التفكير برأيك بي .
-لقد أعدت التفكير برأيي أنك قدمت إلى هنا لاصطياد الثروة ، اعتذاري عن هذا قد فاته الوقت كما أخشى . فهل ستسامحيني يا كولين الحلوة ، لأنني فكرت بمثل هذه الأفكار عنك ؟
-أولم تعد تفكر بأنني...
-لا.. لم اعد.
و عندما تكلم ثانية ، كان حديثه في موضوع مختلف . و أدركت أن ما كان يفكر به عنها لم يعد مهما أبدا .
-يجب أن نقرر بسرعة في أي يوم سنقيم حفلة خطوبتنا.
-حفلة خطوبة! و لكن لا لزوم لها.. حقا .
و نظر إليها بعينيه الحادتين ، و قال بصوت هادئ :
-أخشى أن تكون الحفلة ضرورية . فقد تلقيت التهاني عدة مرات اليوم ، و هذه المكالمةالهاتفية قبل أن أدخل للعشاء كانت من شخص يتمنى لي السعادة ، فقد أصبح خبر خطوبتنا في كل مكان .
-و لكن من السخف إقامة حفلة خطوبة و نحن نعرف كلينا أن الخطوبة ستفسخ و أنني لن أبقى هنا طويلا .
-هل تفكرين بالذهاب إلى مكان آخر؟
-أنت تعرف هذا. فور أن أكسب ثمن تذكرة السفر ، و هذا أمر آخر أود الحديث فيه، كيف سأكسب هذا المال في وقت أمضي فيه نهاري في كسل دون أن أفعل شيئا ؟
-كنت بحاجة للراحة ، و أنت...
-و لكنني لم أعد أحتاج للراحة ، فها أنا عالقة في بلد ليس بلدي ، متلهفة لأقوم بعمل أكسب منه أجرة سفري ، و مع ذلك فكل عرض أتقدم به للعمل يرفض . و كأن هذا لا يكفيني ، فأستيقظ ذات صباح لأجد نفسي متورطة في خطبة إجبارية دون أن يكون هناك مجال للخلاص منها ، لأنه.. لأنه..
-لأن ماذا ؟
- اللعنة عليك! كيف أستطيع نكران الخطبة ؟ لقد عانت عائلتك ما يكفي من إذلال من عائلتي .
-و هل هذا يزعجك ؟
-ألن يزعج أي إنسان لديه ذرة شرف و كرامة ؟
-و هل تعترفين بأن شقيقك يفتقر للشرف و الكرامة ؟
و لم تبدو نظرة الشر في عينيه ، كما وعد ، عندما ذكر اسم شقيقها ، و لكنها قلقت ، فقد كانت لهجته حادة مع ذلك .
فقالت له بإرتباك :
-هل يمكن أن نبقي شقيقي خارج الموضوع ؟ الأمر ينتهي بنا إلى الخصام كلما ذكرنا اسمه.
-ألا ترغبين في الخصام معي ؟
-لا.. لا أريد .
و لم تكن تريد حقا ، و لكنها في نفس الوقت لم تكن تريد الخضوع .
-كل ما أريده.. أن.. أن أخرج من هنا و أعود إلى بلدي .
و تأخر كثيرا في الرد حتى ظنت أنه لن يرد ، و كأنه لا يهتم بما قالته . و لكنه أنهى صمته ، و بدا في صوته نبرة سرور لم تكن متوقعة ، و قال :
-من المستحيل علي أن أعلن في وقت قريب أن خطوبتنا قد انتهت ، و بما أن الجميع الآن يعرفون بها فلا بد أنك تتفهمين الأمر .
-أجل..
فهي تعلم أنه سيكون هناك الكثير من الكلام إذا أعلنا أنهما غيرا رأيهما خلال أربع و عشرين ساعة ، دون ذكر المعاناة التي ستتحملها لعودة تينا إلى إمرأة مشاكسة كما كانت بالأمس . و قال جوليانو :
-و لكن.. أظن أننا سنتمكن من تجنب إقامة الحفلة ، و سأذيع بأن صحتك لم تصبح بعد ملائمة لمثل هذه الإثارة .
و لم تعترض ، فبالرغم من شعورها بأنها بقوة الحصان ، إلا أنها هي من بدأت بمعارضة فكرة الحفلة . فتمتمت قائلة :
-شكرا لك .
-و بما أنك متلهفة جدا للعودة إلى أرض ميلادك.. فأنا أقترح ، وهذا يتعلق بموافقتك ، أن نبقى مخطوبين لثلاثة أشهر ، عندها نعلن أننا أخطأنا ، ثم أشتري لك تذكرة سفرك إلى إنكلترا .
-ثلاثة أشهر ؟
-هل أنت موافقة؟
-أوافق.. و هل أستطيع العودة للعمل ؟
-ليس من المناسب لخطيبة جوليانو إنريكو غاتورادي أن تقوم بالأعمال المنزلية..
و علمت من لهجة التفاخر هذه أنها لن تستطيع الجدال ، ثم ابتسم ، و غمرتها موجة من الافتتان بسحره ، و قال :
-و لكن إذا رغبت ، بإمكانك مساعدتي في أعمالي المكتبية .

و اعتادت كولين على العمل المكتبي بسرعة كما البطة معتادة على الماء . و اكتشفت أن عدم معرفتها بلغته ليس عائقا لها . فمعظم أعماله كانت مع شركات أميركية ، و في هذا المجال تركها تعمل .
طباعتها على الآلة الكاتبة ، بالرغم من استخدامها لاصبعين فقط ، أخذت تتحسن أيضا ، كما لاحظت بعد أسبوعين ، و أحست بسعادة أكبر لم تكن تتوقعها .
و إذا كان خجلها قد بدأ يذوب أيضا فهذا شيء أسعدها أكثر ، و لم تعد تتردد في دخول معقل تينا ، المطبخ ، بل كانت تجد الترحيب هناك كما في أي مكان آخر.. و لاحظت في تينا حرارة أكثر تجاههافي هذه الأيام ، و تمنت أن لا يكون هذا بسبب خطبتها إلى السنيور فقط .
و سمح لها أيضا بتذوق الطعام المكسيكي ، دون بهارات كثيرة ، و طعام الغذاء كان يتألف في هذه الأيام من نوع يدعى "تورتيلا" يحضر بعدة طرق : مع فاصوليا و يدعى"فرايجولس" أو الجبنة و يدعى "تاكوس" و التورتيلا المقلية مع اللحم و الفلفل الأخضر و البندورة و الخس و تدعى "توستادس" ، و تورتيلا مطوية محشوة باللحم و الجبنة و الصلصة و تدعى "انشيلادس" .
و لكن الطبق المفضل لديها إضافة إلى القهوة بنكهة القرفة ، كان الفلفل الأخضر الحلو المحشو بالجبنة و المغموس بالبيض ، المطبوخ .
و تأملت كولين نفسها في مرآة غرفة نومها قبل أن تنزل إلى الطابق الأرضي لتبدأ عملها يوم السبت . لقد قال لها جوليانو إن لا لزوم لأن تعمل اليوم ، و لكن هناك بعض الرسائل يجب أن تطبعها يوم الاثنين ، الأفضل أن تطبعها اليوم ، و ابتسمت لنفسها في المرآة ، و قد لاحظت أنها بدأت تكتسب اللون الأسمر ، و أن هذا يناسبها .
و تركت المرآة ، و فكرها مشغول بجوليانو ، لم يكن قد لمسها منذ اليوم الذي قبلها و هي تحمل الغسيل بحيث لم تتمكن من منعه . و تذكرت أيضا ذلك اليوم الذي عاد فيه باكرا ليجدها في ثوب استحمام قديم من أيام المدرسة تتمشى قرب بركة السباحة . و كانت قد أنهت كل ما لديها من عمل... فقالت له :
-لقد كنت أعمل .
و ابتسمت ، فقد أنهت الذي تركه لها ، و بدت و كأنها تشعر بالذنب لأنه ضبطها و هي ترتاح . و أجاب ضاحكا:
-أنا واثق من هذا.. و لكن يسمح لنا جميعا ببعض التسلية .
و تجولت عيناه عليها و هي في ثوب السباحة . الطريقة التي تكلم بها معها ، و الطريقة التي توقف بها أمامها و انحنى حتى أصبح وجهه قريبا منها ، كلها كانت تشير إلى أنه يلمح إلى أن خطوبتهما تسمح له ببعض التسلية ، و عندها تأكدت و قد اقترب وجهه منها كثيرا ، أنه سيعانقها.
شعورها بأنها لن تمانع ، جعلها تنهض بسرعة و تقول بخشونة :
-سأذهب.. و أستحم .
و دخلت المنزل ، و لاحقتها ضحكة جوليانو ، و أسعدها سماع ضحكته ، و سألت نفسها : ماذا هناك في هذا الرجل الذي جعل مشاعرها الداخلية تثور بهذا الطريقة .
و غادرت كولين غرفتها ، و أخرجت معها الصينية التي كانت تينا تصر على أن تحضرها لها كل صباح إلى غرفتها.. و نادت تينا بمرح قائلة :
-بونس دياس تينا..
و ردت تينا التحية و هي تبتسم ، ثم توجهت نحو المكتبة ، و غادرها مرحها عندما فكرت بالساعات التي ستقضيها قبل رؤية جوليانو عند العشاء .
و دخلت المكتبة ، عندها لم يعد لديها أي وقت للتفكير لماذا يجب أن تنزعج إذا لم تشاهد جوليانو قبل العشاء . فقد كان هناك في المكتبة ، و لم يخرج . و لاحظت أن تعابير وجهه كثيرة الجدية و هو يقفل سماعة الهاتف ، و عرفت أن شيئا مريعا قد حدث . فسألته بسرعة :
-ماذا.. حدث ؟
و لم يجب جوليانو على الفور ، و لكنه ثبت نظره عليها ، و أحست من تأخره في الكلام أن ما حدث ، لا بد أنه يعنيها ، فسألته :
-ما الذي حدث ؟ لا بد أنه حدث شيء ما.. أليس كذلك ؟
و هز رأسه متجهما :
-شقيقك... لقد أصيب .

****************

الفصل الثامن
تبكي على صدره!


و أنشب الذعر مخالبه فيها . و ظلت مصدومة للحظات ، و كل ما استطاعت أن تفعله هو التحديق بجوليانو ، و مشاعرها تعلن أنه مهما يكن رايان قد فعل ، فإنه شقيقها ، و هي تحبه ، ثم قادها جوليانو لتجلس ، و انطلق منها سؤال :
-هل.. هل إصابته خطيرة ؟
-سيعيش.. هكذا قيل لي .
و من خلال انفعالها خطرت لها فكرة أنه لا يبدو مسرورا لأن رايان سينجو . فقالت و نظرة عناد على وجهها :
-أريد رؤيته .
-بالطبع.. سآخذك إليه .
-و هل تعلم أين هو ؟ هل هو في دورانغو ؟
-أنه في مستشفى في مدينة مكسيكو . الأفضل أن تحضري حقيبة صغيرة . فقد نبقى هناك لبضعة أيام .
العمل كثير و مضني لجوليانو.. و مع ذلك فها هو يعرض عليها أن يترك عمله لبضعة أيام.. و لن تستطيع تركه يفعل هذا .
-لست بحاجة لأن تأخذني بنفسك . أستطيع الذهاب لوحدي .
و تركت كرسيها و اتجهت نحو الباب ، فقال بحدة :
-لقد قلت إنني سأصطحبك بنفسي .
لقد قرر رأيه بالنسبة لهذا . و كل ما ينتظره منها الآن أن تحزم حقيبتها كي تبدأ رحلتهما . و لكنها توقفت عند الباب ، و قد صدمتها خيبة الأمل لفكرة أنه لا يثق بها . فهل كان يظن أنها مثلها مثل رايان ، سوف تتخلى عن خطبتهما ؟ و قالت واعدة :
-أنا... سأعود .
و أجابها بخشونة :
-هذا صحيح.. و لكن معي .
و كأنه كان متأكدا ، رغم وعدها . أنها لن تعود ، و ستتركه مع حمل آخر من العار . و تابع :
-لدي بعض الأعمال العالقة في مدينة مكسيكو .
و هكذا عاد إليها تحفظها الذي كانت تأمل أن يكون قد ودعته إلى الأبد . و أستمر معها إلى أن حطت الطائرة بهما في مدينة مكسيكو . و قال لها :
-أظن أنك ترغبين في الذهاب فورا إلى المستشفى .
-أجل.. أرجوك .
و رافقها إلى خارج المطار و انتظر السيارة التي استأجرها ، ثم وضع حقيبتيهما في صندوقها ، و استدار ليجلس في مقعد السائق . فقالت:
-هل بإمكانك إخباري كيف حصل الحادث ؟
-حادث ؟ و من قال إنه حادث ؟
-أتعني أنه لم يكن حادثا ؟ و أن اصابته مفتعلة.. عن عمد ؟يا إلّهي.. لا!
-هذا جزاءه لهربه مع إمرأة متزوجة .
أليس هناك من نهاية لما يمكن أن يفعله رايان ؟ و ابتلعت ريقها بصعوبة ، و أرادت أن تعرف المزيد .
-أتحاول القول لي إن صديقته ، التي ترك إيزابيلا لأجلها.. هي متزوجة ؟ و هل تقول إن زوجها قد ضربه ؟
-لو لم أكن أعرف زوج بولا فرناندو ، و أعرف أن لديه العديد من الأشخاص ليقومو عنه بهذا العمل..لما تعجبت .
-و لكن هذا ليس عدلا!
و لم يرد عليها ، و كانت متأكدة بأنه يعتقد أن رايان يستحق كل ما حدث له، و أكثر ربما .
و عندما وصلا إلى المستشفى ، تركها جوليانو في قاعة الاستعلامات ، ثم ذهب كي يسأل . و شعرت بأنها مدينة له ، و أنها لا تستطيع مقاومة إعجابها به كثيرا في هذه اللحظات . و عاد جوليانو و قال لها :
-سآخذك إلى غرفته .
القسم الذي كان رايان فيه ، يقع في أعلى المبنى الضخم ، و عندما وصلا إلى هناك ، توقف عند الباب ، و قال و نظرة باردة على وجهه:
-سأنتظرك هنا .
النظرة التي كانت على وجهه ، أخبرتها بأنه عند أول نظرة إلى الرجل الذي هجر إيزابيلا ، فهو سوف ينهي ما بدأه غيره مع رايان ، و فكرت أن عدم رؤيته له ستكون أفضل .
كان هناك ستة مرضى في القسم الذي يرقد فيه رايان ، واحد فقط منهم كان ممددا ، و الباقي جالسون يراقبونها ، و تقدمت من سريره ، شعره الأشقر كان المظهر الوحيد الذي استطاعت أن تتعرف عليه من رأسه... فصاحت :
-أوه.. رايان ! ماذا فعلوا بك ؟
-كولين ! كولين... من أين أتيت بحق السماء ؟
الكلام كان مؤلما له ، و لكن دهشته لرؤيتها هناك ، و هو يظنها في إنكلترا ، جعلته يتجاهل الألم ، و اعطته ملخصا لما حدث معها منذ وصولها لحضور زفافه ، و أخبرها أنه لم يستلم رسالتها ، و قالت له إن جوليانو إنريكو قد عرض عليها ، متلطفا ، وظيفة كي تكسب أجرة سفرها إلى بلادها . وقال متعجبا :
-أنت تعملين لجوليانو إنريكو !
-و هل تعرفه ؟
-سمعت عنه ، و لم أكن أعتقد بأنه سيساعد أحدا من أقاربي أبدا .
-لقد كان لطيفا جدا معي ، أكثر مما ينبغي . و لكن المهم الآن ، كيف تشعر ؟
-و كيف أبدو ؟
و قالت له متصنعة المرح . مع أنها أرادت البكاء على منظر وجهه :
-لقد شاهدتك من قبل بشكل أفضل .
و كان الكلام مؤلما له ، فلم تمكث طويلا معه في زيارتها الأولى . و ودعته بقبلة رقيقة ، و لم تدر كيف استطاعت منع دموعها من التساقط ، و هي تغادر القسم .
و لكن ما إن أغلقت الباب وراءها حتى أعمتها الدموع ، و ملأ رأسها وجه رايان المسكين المعطوب ، مع أضلاعه المكسورة التي أخبرها عنها . و لم تعرف أين هي ذاهبة و هي تسير في الممر . و من خلال دموعها شاهدت جوليانو يقف أمامها .
كان واقفا دون أن يقول كلمة ، عيناه على وجهها الذي تجاهد في السيطرة على تعابيره ، و أعطتها ذراعه التي أحاطها بها شعورا بالأمان ، و هما يسيران نحو المصعد ثم أجلسها في السبارة ، و قال :
-سوف نحجز في الفندق أولا ، ثم نتناول بعض الطعام .
و لم تكن جائعة ، بل مصدومة ، و لم تستطع أن ترد عليه ، و أوقف السيارة في موقف الفندق تحت الأرض ، و صعدا معا إلى قاعة الاستقبال ليدبر غرفا لهما . ثم استقلا المصعد .
و حجز لهما جناحا من عدة غرف . و ظل بجانبها إلى أن الحمال من الجناح ، فأخذ يتفحص غرف النوم . و عاد ليضع لها حقيبتها في الغرفة التي أختارها لها . ثم عاد و أمسك بذراعها و نظر في عينيها .
-لقد تحدثت مع الطبيب بينما كنت في زيارته.. سيكون على ما يرام يا كولين ، بخير تماما . و قال الطبيب إنه سيتمكن من الخروج بعد بضعة أسابيع . و لن يقولوا إنه سيغادر المستشفى لو أن إصابته خطيرة . أليس كذلك ؟
و تنهدت بعمق و قالت و هي تبكي :
-أوه يا جوليانو... إنه.. يبدو بحالة رهيبة!
و جذبها بين ذراعيه ، فدفنت وجهها في صدره و أخذت تبكي ، بكل صدمتها لما حدث لريان . و أخيرا ، و هي ما تزال بين ذراعيه ، جف دمعها ، و شعرت بالخجل عندما لاحظت أنها بللت قميصه بدموعها . و قالت له :
-أنا لا أبكي عادة ، فلماذا أبكي دائما على صدرك ؟
و تناولت المنديل الذي قدمه لها و مسحت عينيها به ، فقال مداعبا :
-ربما لأنني دائما أكون في المكان المناسب في اللحظة المناسبة .
في هذه اللحظة ، اكتشفت اكتشافا مرعبا ، و صعقت حتى العظام لاكتشافها أن مشاعرها تتدمر كلما اقتربت منه ، و كلما نظرت إلى عينيه الزرقاوين . و علمت أنها وقعت في حبه .
و صدمت لمعرفتها أن هذا هو سبب خفقان قلبها في عدة مناسبات... مناسبات تكون فيها بين ذراعيه ، أو حتى دون أن يلمسها ، و أخذ يسير في الغرفة ، و بدأ قلبها بالخفقان ، و حدقت به . فقال لها :
-هل أنت بخير ؟ لقد فقدت شيئا من لون وجهك .
-أنا على ما يرام.. الأمر عائد للصدمة فقط.. الصدمة لرؤية رايان هكذا.. أنا... هل تمانع إذا لم أذهب معك لتناول الطعام... لست جائعة أبدا .
-لماذا لا ترتاحين لمدة ساعة ؟ لدي بعض المواعيد قد تمتد قرابة الساعة .
و لحاجتها للبقاء لوحدها.. فقد رأت أن أفضل اقتراح سمعته منذ مدة طويلة .
و أمضيا في مدينة مكسيكو أكثر من بضعة أيام . و أملت كولين أن يكون ما شعرت به من حب لجوليانو هو محض خيال ، لكن في الأيام التي تلت كانت تغوص أعمق و أعمق في حبه ، و اقتنعت أن هذا الأمل كان أملا فارغا... بعد أقل من شهرين ، سوف تفترق عنه ، و لم تستطع أن تفكر كيف ستتمكن من هذا .
أيامهما هناك ، أصبحت روتينية بخروج جوليانو في الصباح لمتابعة أعماله ، و يعود دائما ليصطحبها إلى المستشفى لزيارة رايان ، و لم يعرض عليها مرة واحدة أن يدخل ليراه . و احترمت مشاعره ، ألم يفعل لها ما فيه الكفاية ، ألم يسافر معها إلى مدينة المكسيك بعد ساعة من تلقيه الخبر ؟ و لم تطلب منه هذا أبدا. و بعد كل مرة تزور شقيقها ، كان يقودها في السيارة خارج المدينة ، إلى مكان يبعدها عن التفكير بشقيقها و ما حل به .
يوم الأحد ، اصطحبها جوليانو إلى بلدة سياحية تدعى "كويرتاكاكا" يقال بأنها أقدم منتجع في المكسيك ، و من هناك ذهبا إلى بلدة مناجم الفضة "تاكسكو" أجمل بلدة جبلية . و يوم الأثنين ذهبا إلى "كواتا جويتو" المدينة التي تحوي أروع شبكة من الطرقات تحت الأرض ، تمتد تحت المدينة تماما.. و هناك دلها جوليانو على المنزل الذي عاش فيه "دياغو ريفيرا" أشهر رسام مكسيكي .
و من هناك أخذها إلى "سان ميغال الاند" المكان المعروف بإقامة أكبر مجموعات من الفنانين فيه . و هناك تناولا العشاء . و قال لها جوليانو :
-و الآن.. ماذا نستطيع أن نفعل لنشجع شهيتك ؟
لم تفته ملاحظة عزوفها عن الطعام ، و لكن بسبب رغبتها في إرضائه ، حاولت جاهدة التفكير بشيء فقالت :
-اظن أرغب في البيتزا .
و قرب وجهه من وحهها ، و ظنت أنه سيعانقها هنا في الساحة و أمام الجميع ، و أخذ قلبها يخفق ، و تلاشت الابتسامة عن وجهها ، فهي تريده أن يعانقها ، و لكنها كانت خائفة من أن تتعلق به أكثر من اللزوم . و عندها سيفضح سرها .
و لكن على الرغم من أن وجهه كان قريبا منها إلا أنه لم يعانقها .بل رفع يده ليمرر اصبعه على وجهها قائلا :
-إذا سنتناول البيتزا يا سيدتي .
و سار بها من الساحة المكتظة بالناس ، إلى شارع جانبي منحدر و توقف أمام مبنى عليه لافتة كتب عليها "هاماميا" و سألها :
-في الداخل أم في الخارج .
-بل في الخارج .
و تشاركا معا في تناول "بيتزا" عملاقة وضعت أمامهما على طبق كبير . و هما جالسان إلى طاولة خشبية كبيرة في الفناء الخارجي .
و أكلت حصتها حتى آخر قطعة . ثم جلست معه تحت حفيف أوراق الشجرة التي تتدلى من فوقهما ، شجرة مشمش كما اعتقدت .
في داخلها ، لم تعد متأكدة من شيء ، كل ما كانت أكيدة منه أنها تقع في حبه أكثر فأكثر ، و حبها له قد بدأ يحرقها .
بحلول يوم الثلاثاء ، طرأ تحسن طفيف على حالة رايان . و زال التورم عن وجهه ، و أصبح قادرا على السير في القسم قليلا . و بما أن الألم قد أصبح أقل الآن فقد ظنت أنه حان الوقت لتسمع القصة منه .
و لم تكن تدري من أين تبدأ ، و أحست بالسرور عندما لم يبدو محرجا لذكر اسم بولا ، و قال بصراحة أخوية :
-لن أبقى هنا يوما واحدا أكثر مما يجب .
-و لكن الطبيب يقول...
-لا تقلقي يا كولين ، لن أقوم بأي تصرف غبي . و لكن بولا تنتظرني في أكابولكو و سوف أذهب إلى هناك بأسرع وقت ممكن .
و لكنه ليس في حالة تسمح له بالذهاب إلى أبي مكان ، و خاصة إلى أكابولكو ، التي تبعد أميالا كثيرة . و لا بد أنه يدرك هذا . و لكنها تعرفه جيدا ، و تعرف أنه سيحاول هذا بالتأكيد . لذا تركت الكلام في هذا ، و قررت أن تركز الحديث حول بولا :
-الأمر جدي إذا.. بينك و بين بولا؟
-بإمكانك المراهنة على حياتك بأن الأمر جدي . يا إلّهي.. أتظنين بأنني كنت سأفسخ خطوبتي لإيزابيلا في هذه المرحلة المتأخرة لو لم يكن الأمر جديا ؟
و بدا مستعدا للحديث بصراحة ، فقالت له أول ما خطر ببالها :
-إيزابيلا ، و عائلتها ، يظنون أنك تخليت عنها لأنها قالت لك إن والدها ليس ثريا .
-يا إلّهي ! كم هم جماعة متفاخرة . كنت أتوقع أن يظنوا هذا بدل تصديق القصة الحقيقية . أنت لم تصدقيهم.. أليس كذلك ؟
-لم أستطع تصديقهم . مع أن الفتاة المسكينة كانت مصدومة بشكل رهيب لأنك أخبرتها متأخرا جدا بتغيير رأيك .
-الأفضل لها أن تنزعج الآن من أن نتزوج ثم أتركها لأذهب مع بولا فيما بعد .
-و هل كانت بولا سبب فسخك الخطوبة ؟
-قابلتها بعد وقت قصير من إعلان الخطوبة ، و كنت أعتقد أنني أحب إيزابيلا.. حقا، و لكن بعد دقائق من حديثي مع بولا ، عرفت أنها المرأة الوحيدة المناسبة لي . و مع ذلك حاولت أن لا انكث بوعدي لإيزابيلا يا كولين.. صدقا لقد حاولت . و لكنني كنت أقابل بولا صدفة بإستمرار ، و كانت هذه اللقاءات تشعرني بأنني عدت إلى الحياة . إنها متزوجة من رجل قذر و غير سعيدة معه ، و لاحظت الطريقة التي يعاملها بها ، و لم استطع تحمل هذا .
-و هكذا هربت معها .
-لاشيء كان يمكن أن يمنعني بعد أن عرفت بأنها تشعر بنفس مشاعري . و لكنني كنت أعرف أن هناك صعوبات ستواجهنا .
-و هل بحث عنك زوجها ؟
-بكل الطرق! بولا و أنا كان معنا مال يكفينا لسنة ، و لكن بعد اختبائنا لبضعة اسابيع ، فكرت أن نعود إلى مدينة مكسيكو حيث يمكن أن أجد عملا . و كانت واثقة أن زوجها سيلحق بنا ، و في يوم لمحت أحد أشقاءه .
-أوه.. و لماذا لم تهرب..
-أهرب ؟ أنا أحب بولا و أريد الزواج منها ، لم استطع يا كولين ، و هل أمضي بقية حياتي هاربا ؟
-و لكن بولا ذهبت إلى أكابولكو .
-لا تظني أنه كان سهلا علي إقناعها بالذهاب . إنها عنيدة جدا. و لكنني لم أرغب أن تكون موجودة عندما تتطاير اللكمات.. و اكتشفت بولا أنني أعند منها .
-و هل.. هل تعلم بما حدث لك ؟
-ان الاخوة فرناندو ضربوني ؟.. بأقل تفاصيل ممكنة ، فأنا أتصل بها يوميا .
-و هي تتوقع أن تنضم إليها في أكابولكو ؟
لا أريدها أن تعود إلى مدينة مكسيكو حتى أتأكد أن الأخوة فرناندو قد غادروها .
و أخذ يتحدث عن بولا . و كيف أن كولين ستحبها إذا تقابلا . و بدا واضحا أن شقيقها متيم بحب بولا ، و بما أنها غارقة في الحب بنفسها . لم تستطع سوى أن تتمنى لواحد من عائلة شادو على الأقل أن يجد السعادة في حبه...
و قبل أن تنهي زيارتها أخبرته عن نية والدهما الزواج من آغي باركر و قالت :
-لا بد أنهما تزوجا الآن .
-أرجو أن يسعدها أكثر مما أسعد والدتنا .
و هذا ما ترك لكولين شيئا تفكر به و هي تغادر المستشفى . فرايان أكبر منها بخمس سنوات ، و بإمكانه أن يتذكر كيف كانت حياة والدتهما مع والدهما ، و إذا كانت تلك الحياة تماثل حياتها معه الخالية من السعادة ، فلا بد أنه لم يكن هناك سعادة في زواجهما .
-هل حدث شيء لرايان ؟
و تقدم جوليانو منها ، و كانت هذه المرة الأولى التي يستخدم اسم رايان فيها . و تبددت الأفكار التعسية من ذهن كولين على الفور ، كالسحر، مجرد سماعه يتلفظ باسم شقيقها دون عدائية ، جعل عينيها تلمعان كالنجوم ، و قالت :
-إنه بخير... إنه يتحسن .
-و لكنك تبدين مستائة .
-أوه.. لقد كنت أفكر بما قاله لي رايان .
و لم يتحرك ليفتح لها الباب كما هي عادته ، بل وقف منتظرا أن تتابع كلامها ، و تخبره ما الذي أزعجها ، و كأنه يجذب الكلام منها جذبا :
-لقد كان.. يخبرني عن الأوقات التعيسة التي مرت بها أمي مع أبي قبل أن تموت .
-و حياتك لم تكن فراشا من الورود أيضا.. أليس كذلك ؟
-الورود لها أشواك.. أليس كذلك . و هي غير مريحة أحيانا . رأيك بأن رايان لم يتزوج إيزابيلا لأنه اكتشف أن المزرعة لك و ليس لوالدها كان رأيا خاظئا على فكرة ، فقد أحب بولا لدرجة لم يستطع أن يفعل شيئا سوى...
و لكنها كانت تكلم نفسها ، فقد تركها جوليانو و ذهب ليفتح الباب لها . و لأن وجهه كان متجهما ، فلن يدهشها أن يأخذها رأسا إلى الفندق . لذا كانت مفاجأة لها عندما رأته يسير عبر زحام السير ، ثم يخرج بها خارج مدينة المكسيك . فسألته :
-أين نحن ذاهبان الآن ؟
و عندما لم يرد ، اعتقدت أن مزاجه متكدر و لا يرغب في الكلام معها . و أدارت وجهها عنه و قد ملأت الدموع عينيها ، و ارتفع رأسها بكبرياء و هي تحدق خارج النافذة ، ثم جفت دموعها بنفس السرعة التي تدفقت بها . فقد بدا أن جوليانو قد قام بمجهود خارق للسيطرة على أعصابه ، و سألها :
-هل تحبين رؤية الاهرامات القديمة ؟
-أنستطيع ذلك و أين ؟ هل هناك منها في مكان قريب ؟
-في "تيو تيهواكان"..
و وجدت كولين "تيوتيهواكان" مكانا شديد الروعة . فالموقع الرائع يحتوي على هرمين ضخمين جدا ، الأصغر رغم ضخامته ، كان هرم القمر ، و الأكبر هرم الشمس . و كان هناك مبان أخرى تاريخية ، مثل معبد "كوتزا لكوتل" ، و كلها موجودة على طول شارع عريض اسمه "شارع الموت" .
و لكن قبل أن تسير إلى أي مكان ، أصر جوليانو على أن يتوقفا في أحد الأكواخ العديدة القريبة حيث يباع كل شيء ابتداء من سجاد الجدار المكسيكي ، إلى قطع الشطرنج المصنوعة من الاينوكس ، و اشترى لها قبعة قش ، و بطريقة احتفالية ، وضعها على رأسه ، ثم تراجع ليبدي إعجابه بها :
-ظريفة جدا.
و ضحكت كولين ، و صممت أن لا تفكر بما سيحدث بعد شهرين من الآن . و وجدته دليلا سياحيا رائعا ، قادر على الإجابة على أي سؤال : هل عاش الأزنكيون هنا ؟ و من هو كواتزلكوت ؟ و العديد من الأسئلة الأخرى.. و لم يحاول استعجالها ، وتسلق معها الهرم درجة درجة ، و بدا مستعدا للوقوف تحت حرارة الشمس قدر ما تريده ، كي تتأمل مناظر الريف المحيطة بهما.. إلى أن تذكرت كولين أنها ترتدي قبعة بينما جوليانو عاري الرأس .
و بدآ ينزلان درجات الهرم ، و بما أنها لم تكن متعودة على المرتفعات ، كانت تتردد في وضع أي رجل قبل الأخرى و لاحظ جوليانو هذا وقال لها :
-تمسكي بي...
و قدم لها ذراعه القوية الثابتة لتمسك بها ، و عندما وصلا أسفل الهرم ، شعرت بالارتياح و شكرته ، فقال مداعبا :
-أنت أردت أن تتسلقي .
-أردت أن لا يفوتني هذا .
و ضحكت ، فقد أحست و كأنها ستنفجر من السعادة بعد أن عاد لمداعبتها .
تلك الليلة ، لم يكن النوم مشكلة لها . و بما أنهما يتشاركان نفس الحمام ، و جوليانو يبقى مستيقظا ليقرأ أو يعمل ، فإنه لم يستطع تجنب رؤيتها و هي تمر أمامه بثياب النوم .
يوم الأربعاء ، بدا أن رايان قد خطا خطوات واسعة نحو الشفاء . و ارتاحت كولين لأنه لم يذكر بأنه سيغادر المستشفى عندما يشعر بأنه على ما يرام . و خرجت من المستشفى و في رأسها فكرة أن تجد الشجاعة الكافية لتطلب من جوليانو أن يتحدث إلى الطبيب لأجلها .
بعد الظهر اصطحبها إلى الحدائق العائمة في "كوشيملكو" ، و نسيت كل شيء فيما يتعلق برايان ، بعد أن استحوذ عليها ذلك الموقع الرومانسي .
و جلسا في قارب مزين بأوراق الأزهار ، سار بهما فوق الماء ، مارين ببائعي زهور على مراكب صغيرة ، و آخرون يبيعون الطعام .
و لكن سعادة كولين لم تعد تعرف حدودا عندما تقدمت فرقة عازفين ،"ميراشيري"، معتمرين قبعات عريضة للرعاة المكسيكيين ، و توقف جوليانو و دفع لهم أجرهم ، و بدأوا بالعزف .
و بعد أن انتهت رحلتهما في المركب قالت له و هو يساعدها على النزول إلى الشاطئ :
-كانت نزهة رائعة .
-كنت أعتقد بأنها ستعجبك .
-لا يجب عليك أن تأخذني إلى مثل هذه النزهات ، أعني إذا كانت تضجرك .
-و هل قلت إنني ضجرت ؟
-حسنا.. لا ، و لكن..
-إذا لم تحسني التصرف.. لن آخذك إلى حفلة الفلكلور الراقصة هذه الليلة .
-الليلة؟
-عادة يقيمون مثل هذه الحفلات يوم الأربعاء و يوم الأحد.
-أوه.. و لكنك تريد العودة إلى دورانغو يوم الأحد .
-سوف أنتهي من أعمالي عندما يأتي يوم الأحد .
-أجل.. أجل.. بالطبع ستنتهي .
و قابلتهم عاصفة رعدية في مدينة مكسيكو . و لأنها تحب التفرج على العواصف ، لم تستطع مقاومة رغبتها في الخروج لمشاهدتها في الشارع ، على الرغم من وجود طريق مسقوف من المرآب إلى الفندق
و شق السماء برق عنيف ، و لكنها لم تخف ، بل أجفلت عندما أمسكتها يد قاسية لتجذبها و يقول لها جوليانو :
-أليس عندك عقل ؟
ثم جرها وراؤه إلى الفندق .
و كان لا يزال غاضبا عندما وصلا إلى جناحهما ، وعيناه الغاضبتان تنظران إلى المطر في الخارج الذي لم تشاهد مثله من قبل .
ثم و دون أن يخطو خطوة ، بدا و كأن شخصا آخرا يسيطر عليه ، فارتفعت يده ببطء ، و بدا يتحسس خدها . و ارتفع اللون الأحمر إلى و جهها ، كانت تريد أن يلمسها ، بحاجة إلى هذه اللمسة ، و لكنه أشاح بوجهه عنها بحزم .
و راقبت كولين ، و كأنها تراقب فيلما بالسرعة البطيئة ، اللون يغزو بشرته ، بعد أن أدرك ما كان سيفعله . ثم أصبح صوته خشنا ، خشنا لدرجة لم تسمعها منه طوال هذا اليوم.
-لأجل الله.. اذهبي و غيري ملابسك.
و ذهبت كولين بسرعة ، و لكنها سمعته يتمتم :
-يا إلّهي..
ثم قال شيئا عرفت من معلوماتها القليلة بالإسبانية أنه يعني :
-أنا بحاجة لشراب قوي كي أهدأ .

*******************


الفصل التاسع
حرة ، ولكن...


و غادرته روحه المرحة و بدا أنها لن تعود عندما انضمت إليه لتناول عشاء باكر قبل ذهابهما إلى الحفلة الراقصة ، و أوشكت أن تقول له أن ينسى أمر الحفلة . و لكنها علمت أن الحصول على التذاكر لم يكن سهلا ، فآثرت الصمت .
و مع ذلك فقد ظل لطيفا معها كما كان دائما ، و لكن كان ينقص تلك اللمسات ، وتلك اليد التي تقودها ، و هما يتجهان لدخول "قصر الفنون" . و كانت واثقة في قرارة نفسها أنه سئم من اصطحابها إلى أماكن لا بد أنه زارها العديد من المرات . و صممت على أنها في الغد ، عندما يلتقيها في المستشفى ، سوف تدعي صداعا و تعود إلى غرفتها .
روحها المعنوية كانت منخفضة لدرجة أنها ظنت أن من المستحيل أن تتمتع بالحفلة التي كانت على وشك أن تبدأ ، و لكن ما إن بدأت أول رقصة ، التي تصف بدء العالم ، الازتيكي ، و تبعتها رقصات أكثر بهجة و ألوانا ، ثم المغني و الممثلين ، ثم رقصة القبعات المكسيكية الشهيرة ، حتى غمرتها السعادة و نسيت أفكارها .
و بدت بهجتها واضحة على وجهها ، و هما يغادران مقعديهما ، و غير قادرة على شكر جوليانو بما يكفي ، و قالت له و عيناها تعكسان مدى سعادتها إنها لم تكن تعتقد أن الحفلة ستكون جميلة جدا هكذا .
و ظنت أنه سيبتسم ، و لكنه عاد إلى عبوسه .فهي كالبلهاء خرجت لتقف تحت المطر.. فلماذا فعلت هذا ؟ ألم يكن الأفضل لها أن تبقي هذه الرغبات العفوية مدفونة فيها ؟ فلو لم تخرج تحت المطر لما شعر بالرغبة في معاملتها كطفلة ، و هذا أمر أزعجها أكثر ، لأنها كانت تريد أن ينظر إليها كامرأة ، و لا تريده أن يعاملها مثل... مثل شقيقة صغيرة له .
عندما بلغا جناحهما ، أخبرتها نظرة إلى وجهه أن أفضل خدمة قد تؤديها له هي أن تتمنى له ليلة سعيدة و تذهب إلى فراشها ، و لكنه أوقفها بالطريقة التي دائما يدهشها بها من قبل أن تتمكن من إلقاء تحية المساء عليه .
-هل ترغبين في شيء.. تأكلينه أو شراب من أي نوع ؟
-لا شكرا لك .
كانت تشعر أنها على وشك البكاء ، و أرادت أن تكون لوحدها ، و تقدمت خطوة نحو الباب ، و مرة أخرى لم تتح لها فرصة قول "تصبح على خير" إذ قال :
-هل.. صحة أخيك تتحسن ؟
و كأنما خرج منه السؤال رغما عن إرادته . و عاد الكبرياء إلى نفسها ثانية ، كلما أسرعت في إراحته من واجب العناية بها كان أفضل . و نطقت باسم أخيها متعمدة :
-رايان ؟ إنه يتحسن بشكل غير عادي . و لن يطول به الأمر حتى يصبح قادرا على مغادرة المستشفى .
-أنا مسرور لسماع هذا... فلن يكون عندك أي اعتراض إذا ، إذا عدنا إلى ديارنا مساء الغد ؟
الديار.. أرادت أن تبكي عندما سمعت هذه الكلمة ، و لكن كبرياؤها منعها . هي ترغب في العودة إلى الديار معه ، إلى دورانغو ، و لكن بالطريقة التي قالها علمت أنه سيسر كثيرا إذا استطاع أن يتخلص منها . فقالت و هي تعض شفتها :
-أنا... أظن أن رايان يستطيع العناية بي الآن .
يا إلّهي.. يجب أن يكون جوليانو سعيد بهذا القول ، و لكن بدلا عن ذلك قطب جبينه و بدا و كأنه الرعد الأسود . و تابعت كلامها :
-لن أعود...
و كان هذا كل ما استطاعت قوله ، إذ تقدم منها بخطوة واحدة ، و أمسك يدها اليسرى ، و رفعها أمام عينيها :
-و هل نسيت هذا ؟ أنسيت أنك تضعين خاتمي ؟
-لا.. لا . و لكنك كنت.. كنت.. حسنا.. لقد ظننت ، بما أنك ضجرت من.. هذا الوضع.. فقد تكون هذه اللحظة المناسبة لفسخ...
-سأعلمك عندما يصبح الوقت ملائما لفسخ الخطوبة.. فقد اتفقنا على أن تكون الخطبة لثلاثة أشهر ، أتذكرين هذا ؟
و ادركت كولين أنها مهما حاولت التمسك بكبريائها ، فلن تستطيع المزايدة عليه في هذا المجال .
و قال و هو يصر على أسنانه :
-عندما أعود غدا إلى دورانغو ستأتين معي.. مفهوم ؟
لقد حاولت ، بالرغم من معارضة قلبها ، فقد حاولت ، و تذكرت الأيام الماضية التي ظلت فيها معه ، و هذه النزهات التي رافقته فيها ، بينما كان يستطيع بكل سهولة أن يتركها لوحدها ، فأحست بلين مشاعرها ، و أحست أيضا أنها ستبقى دائما مدينة له.. فقالت بهدوء :
-لقد فهمت .
و تخلى عن عبوسه ، و تقبل موافقتها بابتسامة . و فوجئت كولين نفسها بتصرفها العفوي .
فدون أن تدري تماما ماذا تفعل ، تقدمت منه و طبعت قبلة على خده .
و ارتفعت يداه إلى ذراعيها ، و ظنت أنه سيجذبها إلى ما بين ذراعيه ، و لكن الحركة التالية التي قام بها ، كانت أن دفعها عنه و قال بصوت أجش :
-لماذا فعلت هذا ؟
-لأنني شاكرة لك.. لكل ما فعلته لأجلي.. و للوقت الذي قضيته معي خارج مزرعتك...
-عندما أريد عرفانك بالجميل ، سأطلبه!
ثم أضاف ساخرا و هو يدخل غرفة نومه :
-و هل غاب عن بالك أنني كنت أعمل منذ وصلنا إلى هنا ؟
و هكذا ، و بوضوح ، أخبرها عن السبب الرئيسي لقدومه إلى مدينة المكسيك و أن هذا لم يكن بسببها . و قد أزعجه شكرها له. ربما يضايقه جدا أن يساعد فردا من عائلة شادو .
كانت متأكدة أن وقتا طويلا سيمضي قبل أن تستطيع النوم .
فارتدت ثياب نومها و وضعت كل شيء آخر في الحقيبة ما عدا ما سترتديه غدا .
ليس أمامها خيار سوى أن تعود معه إلى دورانغو ، و الطريقة اللطيفة التي عاملها بها قد انتهت الآن ، و تأملت أن يمضي ما تبقى من الشهرين بسلام .
في الصباح التالي ، كانت ثقتها بنفسها أكبر ، و عاد إليها تحفظها بقوته الكاملة ، و عندما أنضمت إليه في غرفة الجلوس . و كانت قد سمعت و صول الإفطار قبل دقيقتين . و لكنها فقدت شهيتها عندما حياها تحية الصباح بطريقة جافة .
و أعطاها هذا فكرة عما ستكون عليه الأمور من الآن و صاعدا ، و هي تصب فنجان قهوتها ، و قال لها :
-أمامي يوم مليء بالعمل . و قد لا أعود إلا قبل موعد سفرنا بوقت قصير .
و ماكان يريد أن يقوله في الواقع ، أنها إذا كانت تتوقع أن يصطحبها في نزهة بعد زيارة شقيقها ، فالأفضل أن تنسى الأمر .
و لكنها بدأت تحس بالصداع على كل الأحوال ، لذا فلا لزوم لأن يزعج نفسه . و دون أن ترد عليه حاولت صب فنجان آخر من القهوة له.. فأوقفها قائلا :
-لا تزعجي نفسك ، فلدي موعد بعد خمسة عشر دقيقة.. و حضري نفسك لتكون جاهزة عند السابعة .
-حسن جدا .
و فكرت أن تعرض عليه حزم حقيبته . و لكنها لم تفعل ، فاليوم لا يبدو أنهما أصدقاء.. هذا إذا كانا قد أصبحا أصدقاء أبدا..
و قبل أن يخرج ، مد يده إلى محفظته ، ثم أعطاها ببرود بعض المال . فقالت بحدة :
-لا أريد مالك!
-ستحتاجينه للتاكسي ذهابا و إيابا من المستشفى .
-لدي ما يكفيني .
و لكن الكلمة الأخيرة كانت له ، فقد ترك المال على الطاولة بقربها و خرج .
و صممت أن لا تلمس بنسا واحدا منها... فما معها يكفيها لأكثر من نصف دزينة من التاكسيات... أمامها أكثر من شهرين بعد لتتحمله . و سوف تعيد له المال في أول مناسبة .
و وصلت إلى المستشفى أبكر من المعتاد . و كان هذا لصالحها.. فلو أنها التزمت بنفس موعد زيارتها المعتادة ، لما كان شاهدت رايان أبدا ، فعندما دخلت القسم ، لم تشاهده خارج السرير فقط ، بل كان مرتديا ثيابه . و صاح مرحبا :
-كولين! لقد حاولت الأتصال بك في الفندق منذ وقت قصير ، و لكن جناحك لم يجاوب .
و كان هناك سؤال في صوته... سؤال كان يقول إنه قد سأل عنها باسمها ، و عندما لم يحصل على رد سأل عن جوليانو إنريكو ، و عرف بأنها تشاركه الجناح . و لكن ، بالنسبة لها ، الشرح سيكون طويلا و يتضمن أمور لا تريد قولها له .
فتجاهلت نظرته المتسائلة ، و حاولت معرفة ما يريد أن يفعل ، و أين يظن بأنه ذاهب . و أخبرها أنه سيسافر إلى أكابولكو.. فشهقت قائلة :
-و لكنك لا تستطيع... لست بحالة جيدة.. انظر إلى نفسك!.. أنت..
-وفري كلامك يا كولين.. لقد سمعت كل ما ستقولينه من الموظفين هنا... مع أنني ، ولسبب وجيه ، لم أخبرهم أين سأذهب .
-و هل قالوا لك أن من الغباء أن تخرج من المستشفى ؟
-لقد اتخذت قراري.. و سأستقل الباص بعد ساعة .
-الباص ؟ و لكن ستستغرق الرحلة وقتا طويلا ، و أنت لست مؤهلا ...
-لم أستطع الحصول على تذكرة طائرة ،فالأماكن كلها محجوزة ، و أريد أن أرى بولا اليوم .
و كان يترنح على قدميه تقريبا ، و لكن التصميم الذي رأته في عينيه ، أعلمها أنها تضيع وقتها في اقناعه بعدم الذهاب.. و قال لها :
-سأذهب يا كولين .
و عندما علمت أن رحلة الباص ستستغرق مابين الست و السبع ساعات ، ازداد قلقها عليه . لا يمكن أن تتركه يذهب لوحده ، و قالت له بعناد يماثل عناده :
-سأذهب معك إذا ، هذا إذا أردتني معك .
و سألت نفسها هل كان سيحاول الاتصال بها ثانية في الفندق لو لم تأت ، أم أنه كان ينوي الاختفاء دون ترك أي أثر مرة أخرى ، و يتركها دون أية فكرة عما إذا كان سيلتقيان ثانية ، و رد عليها على الفور :
-بالطبع أريدك معي . أريد أن تلتقي بولا بك . خذي هذا..
و التقط مغلفا و أعطاه لها .
-لقد كتبت لك رسالة عندما لم أستطع الاتصال بك في الفندق .و كنت سأعطيها لإحدى الممرضات لتسلمك إياها . و ذكرت فيها أين يمكن أن تجديني خلال الشهر القادم.. و على فكرة وضعت لك فيها ثمن تذكرة عودتك إلى إنكلترا في حال سئمت العمل لجوليانو إنريكو ، و أردت العودة .
عندما ذكر اسم جوليانو ، عاد التساؤل إلى لهجته ، و لكن مرة أخرى اختارت كولين أن تتجاهله.. و عليها الآن تعود إلى الفندق و تترك لجوليانو رسالة تشرح فيها أنها لا تستطيع ترك رايان يسافر لوحده في الحالة التي هو فيها . فقالت :
-علي أن أعود بسرعة إلى الفندق.
و دفعت المغلف إلى أخيها فقال لها :
-احتفظي به يا حبيبتي . لقد وعدتك بدفع أجرة سفرك إذا أتيت إلى هنا . ألم أفعل هذا ؟
-و لكن...
-دون و لكن... يا شقيقتي الصغيرة . ارجعي إلى الفندق و افعلي ما عليك أن تفعليه ، بينما أتصل بمحطة الباص لأحصل على مقعد . سألتقيك في المحطة بعد ثلاثة أرباع الساعة.. أيمكنك أن تلحقي بي ؟
-أجل...
و هي في طريقها إلى الفندق داخل التاكسي ، فكرت ماذا ستكتب لجوليانو ، و لكن ما إن دخلت غرفتها و شاهدت حقيبتها جاهزة حيى واتتها فكرة.. لماذا تزعج نفسها بالكتابة ؟ فجوليانو لا يهتم البتة بما ستفعله هي أو رايان... أليس من الأفضل لها أن تتركه الآن ؟ إذا عادت معه إلى دورانغو فيكون أمامها شهرين طويلين قاسيين لتعاني فيهما . شهرين الله وحده يعرف ما سيحدث خلالهما .
جوليانو سيكون شخصا باردا و دون مشاعر . فهل تستطيع تحمل شهرين من هذه المعاملة ؟ ألم تهرب من والدها لتجد لنفسها حياة جديدة ؟
و ركبت كولين تاكسي آخر ، و دون أن تكتب رسالتها ، و حقيبتها إلى جانبها على المقعد . بعد فوات الأوان ، ندمت لأنها لم تكتب كلمة تشرح فيها كل شيء لجوليانو . هي تعلم الآن أنها لن تعود إليه ، و لكن كان عليها أن تكتب بضع كلمات تشكره فيها . و غضبت من نفسها.. لماذا؟ لقد حاولت إظهار عرفانها بالجميل له الليلة الماضية ، و رمى لها هذا العرفان بالجميل في وجهها... و بكل وضوح لم يرغب في أن تشكره .
الرحلة الطويلة إلى أكابولكو ، كانت مريحة بالمناظر الخلابة التي لم تفكر كولين بأنها ستراها يوما . غابات بعد جبال ، غابات من الأشجار تمر بها ، تنتصب عالية يتخللها نبات الصبير ، هنا وهناك .
و حاولت كولين أن تركز تفكيرها على المناظر أمامها : طفل يركب حمارا صغيرا ، الذرة التي تنمو في كل مكان يمكن أن تزرع فيه ، و لكن عندما أخذت بقرة تسير الهويناء على الطريق ، عادت أفكارها إلى دورانغو و إلى مزرعة جوليانو . و تذكرت المرات العديدة التي ابتسم لها ، أو ضحك لها أو حتى عليها... لا فرق . و هذا ما جعلها تتساءل ماذا تفعل و هي ذاهبة إلى أكابولكو ، في وقت كل ما ترغب فيه حقا هو أن تكون معه .
ثم تذكرت منظر وجهه المتجهم هذا الصباح .
و حررها من أفكارها الممزقة ، صوت رايان ، الذي كانت تظن بأنه نائم إلى يسارها ، إذ حدق فجأة بالخاتم الماسي في اصبعها و صاح :
-هاي... ما هذا ؟
يا إلّهي ... لقد نسيته في غمرة انشغالها بالقرار حول الرسالة.. يا إله السموات.. جوليانو لم يصدقها عندما قالت له إن رايان لم يكن مهتما بأي كسب مالي قد يحصل عليه من الزواج بإيزابيلا.. و الخاتم يساوي ثروة... و سيعتقد الآن... و قال لها رايان مقاطعا أفكارها :
-أظن أنه حان الوقت لتقولي لأخيك الأكبر كل شيء . أليس كذلك ؟
-لقد نسيت أن أعيده .
-لجوليانو إنريكو ؟ منذ متى و أنت مخطوبة له ؟
-منذ شهرين تقريبا .
-عمل سريع .
-و كم استغرقك من وقت لتقع في حب بولا ؟
-لقد غلبتيني ، و لكن ماذا تفعلين هنا معي و أنت تحبينه ؟
-أنا.. نحن.. لقد تكلمنا مع بعضنا قليلا . و تشاجرنا .
-سيتوضح لك كل شيء عن قريب . و هل تستسلمين أولا و تتصلي به الليلة ؟
-لا.. أعتقد هذا .
فضحك و قال :
-و تتهميني بأنني عنيد!
و عاد إلى النوم .
الفتاة السوداء الشعر التي قابلتهما في أكابولكو لم تكن جميلة كما وصفها رايان ، أو كما تصورت كولين أن تكون . و لكن ما كان ينقصها من جمال كانت تعوضه بأن تتصرف على سجيتها . و لم يمض وقت طويل حتى أدركت لماذا هرب رايان معها دون أن يترك أثرا .
الدفء في ابتسامة بولا ، و الحنان الذي صاحت به عندما رأت وجه رايان الذي كان ما يزال يحمل آثار الكدمات ، و الطريقة التي تعانقا بها ، كل هذا أخبر كولين أنها أمام حب حقيقي... لو أن جوليانو فقط...
و أوقفت أفكارها عند هذا الحد . فجوليانو لن يحبها أبدا . و لا بد أنه في هذه اللحظة بالذات يكره حتى التفكير بها... أوه... لماذا لم تتذكر أن تترك الخاتم له ؟
و خلال يومين.. مرحت كولين كثيرا في أكابولكو . و سبحت كما باقي السواح في ثوب السباحة، و واجهت الأمواج التي كانت ترتفع ثم تضرب الشاطئ.. و لاحظت أن رايان و بولا ليسا بحاجة لشخص ثالث ليكملا سعادتهما بإجتماعهما ثانية . فبقيت بعيدة عنهما قدر استطاعتها .
و في صباح أحد الأيام ذهبت في نزهة في قارب أرضه من زجاج . و علمت تماما. بعد أن توقف القارب و أخذ بعض البحارة يغطسون من تحته ، لماذا لم تشعر بالإثارة... إذ لم يكن جوليانو معها .
شاطئ أكابولكو كان له منظر رائع من الصخور و التلال ، و كانت واثقة أنها كانت ستراه مذهلا ، في ظروف أخرى ، و لكن جوليانو كان يلتهم كل أفكارها . و كانت تتذكر كل مرة كان يكشف فيها عن رأيه فيها بأنها "صائدة ثروة" و كانت تعرف بأنه لا بد أن يكون الآن يلعن نفسه لأنه تركها تخدعه .
عليها أن تعيد الخاتم له ، بالطبع . و لكن كيف ؟ و وقفت في ظل شجرة لوز تتساءل هل تستطيع أن تؤمن على الخاتم لإرساله في البريد ؟ و لكن ماذا إذا ضاع ؟
في الليل ، عندما أصر عليها رايان و بولا أن تذهب معهما لمشاهدة القافزين من الأمكنة المرتفعة في "لاكويبرادا" قالت لهما إنها تفضل أن تنام باكرا ، فاعترض رايان :
-و لكنك نمت باكرا ليلة أمس . و كثرة النوم ليست صحية يا فتاة ! و هل قمت بتلك المخابرة بعد ؟
-إذا سآتي معكم لرؤية القافزين .
و أدركت أن شقيقها لا بد أنه أخبر بولا بأنها مخطوبة لجوليانو ، و أنهما تشاجرا .
و وقفت كولين برهبة بينما كان القافز الشاب يتسلق الصخرة العالية ، و يقف فوق منصة القفز . و بنظرها تسلق تلك الصخرة أمر خطر يماثل القفز إلى الماء في الأسفل . و كانت قد سمعت أن القافزين يعدون الأمواج قبل القفز ، و عند رقم محدد يقفزون .
و أغمضت عينيها خوفا على حياة القافز عندما رمى بنفسه . و جعلها التصفيق و الهتاف تفتح عينيها . لتنظر إلى الماء . من وجهة نظرها التصفيق هذا سابق لأوانه ، فالأفضل أن ينتظر الجميع حتى يظهر القافز فوق الماء ليحيوا شجاعته .
في طريق عودتهم إلى الفندق ، خطرت لها فكرة أن تطلب من رايان إرجاع الخاتم لجوليانو عنها . رايان كان يتحسن يوميا ، فربما الطقس الحار في أكابولكو قد أفاده ، أو ربما القوة التي اكتسبها من رؤيته لبولا ثانية ، لذا يستطيع أن يطير إلى دورانغو ، و لن تكون الرحلة شاقة كما كانت رحلة القدوم إلى هنا .
بعد أن نزلوا من التاكسي ، و ساروا نحو الفندق نادته "رايان" فالتفت إليها ، و لاحظت شحوبا خفيفا في وجهه ، من آثار ما مر به ، فتلاشى اهتمامها حول الخاتم ، و تابعت بصوت ضعيف : "لا شيء" فقال لها بعد أن دخلوا المصعد "اتصلي به"...
و وصلت كولين قبل رايان و بولا إلى بركة السباحة ، في الصباح التالي ، حيث اتفقوا على اللقاء ، و هي متشوقة لرؤية أخيها .
ترددها كان قد أشرف على نهايته . فهناك أمر واحد يمكنها أن تفعله ، ودهشت من نفسها لأنها لم تكتشفه من قبل . قد يستلزم منها الكثير من الشجاعة ، و هي تعرف هذا . و لكنها لم تدر ظهرها لحياتها القديمة لتصبح جبانة و غير قادرة على الوقوف في وجه الصعاب .
و لاحظ رايان هذا عندما شاهدها ، و علم أن ساعات ترددها قد ولت فقال لها بعد أن أجلس بولا على مقعد مريح :
-و هل ستتصلين به الآن ؟
فردت عليه كولين بهدوء :
-لقد قررت العودة لرؤيته .
و اكتشفت عندها كم هو رائع شقيقها . فقال لها بجدية :
-كما يبدو عليك ، فأنت ترغبين في ركوب أول طائرة للعودة .
ثم التفت إلى بولا ليقول لها إنه ذاهب مع كولين ليحجز لها تذكرة طائرة و سيعود قريبا .
حب رايان لبولا ، خلق في نفسه حسا بالمسؤلية ، و هذا واضح من الطريقة التي منع بها كولين أن تدفع أجرة سفرها ، مع أنها اعترضت بأنها لا تزال تملك المال الذي أعطاه لها . و قال هامسا :
-أنا متأكد أنك لن تحتاجي للمال لشراء تذكرة السفر إلى إنكلترا.. لذا اشتري لنفسك هدية زواج مني و من بولا .
كانت تعلم أنها ستعقد الأمور أكثر إذا قالت له إن الزواج لن يتم . فرفعت نفسها إليه و قبلته شاكرة .
و ذهب رايان و بولا معها إلى المطار ، و أظهرت بولا محبتها لها من خلال العناق الحار الذي تم بينهما بعد عناق شقيقها لها . ثم قال رايان :
-أنا أعرف كرهك لاستخدام الهاتف ، و لكن اتصلي بي خلال الثلاثة أسابيع القادمة لأطمئن عليك لأننا بعد ذلك سننتقل من عنواننا الحالي .

***

حتى دون أن يكون لديها أية فكرة عما قاله جوليانو لتينا وأمادو عندما عاد إلى منزله من دونها ، فقد كانت واثقة ، بعد أن حطت الطائرة بها في دورانغو أنه لا يريد منها الأقتراب من منزله .
و هكذا حجزت غرفة في فندق متوسط ، بعد أن أدركت أن الوقت متأخر و كانت على وشك الاتصال به و إنهاء الأمر . إلا أن التفكير السليم أشار إليها بأن من الأفضل الانتظار إلى الصباح ، فقد يكون جوليانو قد خرج لتناول عشاءه خارج المنزل . و مع ذلك فقد التقطت الهاتف عند التاسعة و طلبت رقم منزله ، و إذا كان في الخارج ، فهي تكون قد حاولت على كل الأحوال ، و علمت أنها ستواجه أوقاتا قاسية ، فعلى الأقل ستعود لسماع رنة صوته التي تتشوق لسماعها .
و بدا الانتظار و كأنه لن ينتهي . و أحست بالتوتر حتى أنها كادت تضع السماعة من يدها . ثم سمعت صوتا.. صوت جوليانو ، يتحدث بلغته المكسيكية ، و تعلقت بالسماعة و كأنها جزء منها ، و سمعت التململ في صوته عندما لم يرد عليه أحد ، و تعلم جيدا أن ضيقه سينقلب بعد لحظات إلى غضب ، و سيوجه هذا الغضب إليها مباشرة . فقالت :
-جو.. جوليانو .
و لم تسمع سوى الصمت المطبق ، إلى أن جاءها صوته ، و قد تعرف على صوتها ، بالإنكليزية هذه المرة و برباطة جأش ، و هدوء ، حتى أنها عرفت أنه كان يجاهد للسيطرة على نفسه كي لا ينفجر صارخا فيها ، كما تستحق تماما ، و قال متسائلا :
-كولين ؟ كولين أهذه أنت ؟
و كأنه لا يصدق ، لا يستطيع التصديق بعد أن هربت منه ومعها تلك الماسة الثمينة ، أن عندها الجرأة لكي تتصل به ثانية .

*************


الفصل العاشر
حب يقهر الكبرياء



مسحت كولين عينيها بظهر يدها و هي ترد هامسة :
-أجل.. هذا.. هذا أنا... لقد كنت في.. أكا... أكابولكو .
-و ماذا بحق...
و غادرته طريقة كلامه الهادئة ، حتى أن كولين سارعت ، و قد تنبأت بانفجار غضبه ، لمقاطعته قائلة :
-لقد ذهبت مع رايان .
فرد عليها بوحشية :
-أعلم هذا..
لا بد أنه قد جن عندما علم برحيلها ، و رحيل خاتمه الالماسي معها ، و مع ذلك فأول رد فعل له الإسراع إلى المستشفى . و لم يعطها فرصة للتفكير أكثر ، مع أنه بدا أنه يحاول المستحيل للسيطرة على نفسه :
-أين في أكابولكو ؟.. في أي فندق أنت ؟
-أنا.. لست.. في أكابولكو الآن .
و لم يستطع ان يسيطر على غضبه أكثر ، فانفجر مزمجرا في أذنها:
-إذا أين أنت بحق الجحيم ؟
و أرادت بأي طريقة أن ترضيه و تهدئه فأعطته على الفور اسم الفندق :
-إنه هنا.. هنا في دورانغو .
-أنت في دورانغو ؟
و بدا لها و كأنه قد اضطرب لجرأتها في المجيء إلى هنا . فسارعت للتفسير له :
-لقد نسيت أنني أرتدي خاتمك عندما ذهبت .
و عرفت عندها أن غضبه أصبح أقوى من أن يسيطر عليه ، عندما أتتها الكلمات راعدة عبر الخط قبل أن يقفل السماعة :
-يبدو لي أنك نسيت أشياء أخرى كثيرة غير هذا !
و تخدرت أحاسيسها ، و حدقت بالهاتف في يدها ، قبل أن تعيد السماعة إلى مكانها . و لم تحاول خلع ملابسها لتأوي إلى الفراش ، بل بدأت تذرع الغرفة ، و أفكار عديدة تجول في رأسها ، مؤلمة جدا ، لا يمكن لها أن تتحملها و هي مستلقية .
بعد نصف ساعة ، هدأت بشكل ما ، و لكن اضطرابها و قلقها كان يمنعانها من الراحة . لن تستطيع أن تجد الجرأة ثانية للاتصال به ، ليس الليلة على كل الأحوال ، و تمنت أن يعيد الاتصال بها ، بعد أن يهدأ ، ربما ليطلب منها أن تترك الخاتم في إدارة الفندق كي يستلمه . و عندما مرت نصف ساعة أخرى ، و لم يرن جرس الهاتف ، تأكدت أنه لن يتصل .
قد يتصل غدا ، و حاولت التفكير في الوضع بشكل منطقي : بما أنها مضطرة لانتظار مكالمته ، فالأفضل لها أن تبقى هنا لتدبير ترتيبات عودتها إلى إنكلترا .
قرع فجائي عنيف على بابها جعلها تتخلى عن أفكارها لتفتح الباب . و شحب وجهها ، فجوليانو هو آخر شخص ممكن أن تتوقع رؤيته واقفا هناك ، و عيناه كأنهما قطعتان من الثلج الأزرق . و دفع الباب بكل هدوء ، و بنفس الهدوء دخل الغرفة . و قال :
-جيد.. أرى أنك لم تأوي إلى الفراش بعد.. هل أغراضك جاهزة ؟
-أغراضي ؟
-سوف تغادرين الفندق.. لا.. بل أنت غادرتيه فعلا ، لقد دفعت فاتورتك .
-و لكن.. أين نحن.. أين.
و توقفت عن الكلام بعد أن نظر إلى وجهها و قال معلقا :
-تبدين تعبة .
ثم تناول حقيبتها عن الأرض ، و فتحها ، وتوجه إلى الخزانة ، ثم إلى الحمام فجمع فرشاة أسنانها و مشطها و وضعهما في حقيبة زينتها ، و لملم الأغراض القليلة التي أخرجتها من حقيبتها ، قبل أن تدرك ماذا يفعل . فجعلها تحفظها تقول له بعناد :
-لن أذهب إلى أي مكان معك يا جوليانو... أنا . لقد عدت فقط لأعطيك هذا .
و خلعت بسرعة الخاتم الالماسي الجميل من اصبعها و مدت يدها به إليه .
و لكنها لم تشعر بالخاتم يغادر يدها لفترة طويلة.. فقد مد يده و أمسك بيدها ، و أعاد الخاتم إلى مكانه . و قال صائحا :
-لقد وافقت على الخطوبة لثلاثة أشهر سنيوريتا . و ما من أحد يحنث بكلمته معي . حتى أنت! فإما أن تسيري معي أو أحملك و أخرج بك من هنا... فقرري الآن .
و جلست كولين مشدودة الأعصاب بقربه في سيارته ، و قاد جوليانو السيارة بغضب و عنف . لم يكن لديها أي بديل عن القدوم معه .
فقد كانت تعلم أن ما من شيء يمنعه من أن ينفذ تهديده و يسير خارجا من الفندق و هو يحملها على كتفه بينما هي ترفس و تصيح أمام الجميع .
و هو يعرف هذا تماما ، اللعنة عليه ، كان يعلم أنها تخشى أن تتعرض للسخرية علنا ، و طول الطريق ، في صمت ، باتجاه المنزل ، كانت تشعر بالغضب من تسلطه عليها . إذا لقد كان حريصا على أن لايفقد كرامة وجهه أمام مجتمعه ، و لا بد أنه لم يخبر أحدا أن خطوبتهما قد أنتهت . و قد يكون ذكر شيئا عن اضطرارها للعودة إلى إنكلترا على عجل ، أو أن والدها مريض.. أو أي حجة أخرى .
كولين تعلم جيدا ما يكمن وراء رفضها العودة معه ، كانت خائفة . خائفة من أن يصر جوليانو على أن تبقى هناك لشهرين آخرين . ليس بسبب أن الأمر سيكون أسوأ عندما يحين وقت سفرها ، بل ، بما أنها تحبه ، فقد يكتشف خلال هذين الشهرين الحقيقة . و كبرياؤها لن يتحمل هذا .
و تلاشت ثورتها عند أول نظرة للبيت العزيز المألوف لها . و لم تعرف كيف استطاعت حبس دموعها عندما توقف جوليانو أمام المدخل . و لكنها استطاعت ان تحافظ على هدوئها و هي تخرج من السيارة و تدخل المنزل معه . و قال لها :
-سآخذ حقيبتك إلى غرفتك ، و إذا لم تكوني ترغبين في أي شراب منعش ، فأقترح عليك أن تذهبي إلى النوم فورا .
-لا أريد شيئا .
و جالت عيناها بمحبة في جدران الردهة البيضاء . و لم يكن أمامها مجال للرفض عندما تقدم جوليانو صاعدا السلم ثم فتح لها الباب غرفة فوقها ، و وضع حقيبتها هناك ، فانضمت إليه .
و مرت من أمامه إلى الداخل دون أية كلمة . لم تكن تريده أن يمد يده ليلمسها ، أو يؤثر عليها ، و هي تمر من أمامه . و بما أن هدفه في إعادتها إلى هنا قد تحقق ، فيجب أن تكون عدوانيته قد بدأت تتلاسى الآن :
-تصبحين على خير يا كولين.. نامي جيدا .
و ردت عليه باختصار :
-تصبح على خير .
و رفعت نظرها إليه ، فاكتشفت عيناها أفكاراغير سعيدة.. و أحست بيده ، دافئة ، رقيقة ، تقترب من وجهها.. و قال بنعومة :
-لا تأخذي الأمور بهذه القسوة يا كولين الحلوة .
و عانقها بسرعة و لطف ثم تركها و خرج .
أوه.. لماذا عانقها؟ و أخذت الدموع تنهمر من عينيها و هي تتأوه . لقد حاولت جهدها أن تكون باردة و متحفظة ، و ها هو يعانقها ليفسد كل شيء .
و خلعت ملابسها لترتدي ثياب النوم . و لم تستطع فعل شيء للدموع التي كانت تنهمر كالمطر من عينيها . كم تغيرت من تلك الفتاة التي كانت . عندما كانت تعيش مع والدها لم تبكي أبدا.. أبدا ، لأنها و بكل بساطة لم تكن حية . و الآن و قد خرجت من ذلك الفراغ ، و هي تشعر ، و تتألم مثلها مثل باقي الناس تماما . و الألم أكبر لأنها لم تكن تعرف ألم الحب من قبل .
و استمرت دموعها بالتساقط .
عندما أحست بوخز حاد يهاجم حنجرتها ، شعرت كولين أن قنوطها أصبح بدون حدود ، فمنذ مدة طويلة غادرها هذا السعال المضني . و ها هو يعود الآن ، بسبب تعبها كما هو واضح ، و هي لم تنم بشكل مريح منذ مدة ، و لهذا فلن تستطيع الدفاع ضده
و تركتها نوبة سعال قصيرة تشعر بالأرتجاف . بعض الليموناضة الساخنة ستفيدها بالتأكيد.. و لكن ذكرى ذلك اليوم الذي تسللت فيه عند منتصف الليل لتحضر بعضا منه ، عاودتها ، و لن يجعلها أي شيء تكرر تلك التجربة .
و لم تمر كولين من قبل في حياتها بمثل شعور البؤس هذا الذي أحست به و هي جالسة على حافة سريرها بثوب نومها القطني الرقيق ، تمسح الدموع عن وجهها ، التي سببها الحزن و الألم أكثر مما سببتها نوبة السعال ، و التي يبدو أنها توقفت الآن ، و شكرا للسماء . و أزاحت شعرها عن عينيها ، ونظرت إلى الالماسة اللماعة... ثم لاحظت أن باب غرفتها مفتوح .
منذ متى كان جوليانو واقفا هناك ينظر إليها ؟ لم يكن لديها أية فكرة .
ربما منذ لحظة ، و ربما أكثر ، فقد كانت منشغلة جدا في تهدئة نفسها و مشاعرها ، فلم تسمع الباب يفتح ، و لم تشعر أبدا بوجوده ، إلى أن تحرك و عندها رأته . فشهقت ، ثم سعلت ثانية .
كان لا يزال مرتديا ثيابه ما عدا كنزته ، و لا بد أنه كان على وشك خلع ثيابه للنوم عندما سمعها تسعل . و تقدم منها وأعطاها كوبا ساخنا لتشرب منه . و قال لها بهدوء :
-لقد تخلى عنك هذا السعال في وقت قصير خلال إقامتك في منزلي . ويبدو أن طقس أكابولكو لم يناسبك كما ناسبك طقس دورانغو .
و تمنت لو أن دموعها تتوقف بسهولة كما أوقف الشراب الساخن سعالها ، و تمنت لو أن جوليانو لم يكن لطيفا هكذا معها . فهذا لن يفيدها أبدا في المعركة التي تدور في نفسها لايقاف البكاء . أرادته أن يخرج ، و لكنه لم يكن يبدو مستعجلا للعودة إلى غرفته الآن بعد أن توقف سعالها ، و كانت خائفة جدا من أن يلاحظ ، بعد أن توقف السعال ، أن عيناها لا تزالان تدمعان . فقالت ، مديرة وجهها عنه :
-سأكون بخير الآن.. شكرا...
و وضع يده تحت ذقنها ، و مع أنها حاولت أن لا تلتفت إليه فقد كانت أصابعه مصممة على أن تجعلها تنظر إليه .
و رفعت عينيها المبللتين إليه ، و لكنها لم تستطع أن تفهم التعبير الذي على وجهه . و كانت يده ثابتة بلطف تحت ذقنها ، و أملت.. لا.. لم تأمل ، أن يبقى لطيفا هكذا معها ، و أحست بالارتباك عندما ترك ذقنها ، و تقدم ليجلس على حافة السرير بقربها ، و قال لها بخشونة لكن دون عدائية :
-دموع يا كولين ؟ هل أنت تعيسة لهذه الدرجة بالعودة إلى منزلي ، حتى أن ذلك جعلك تبكين ؟
و فكرت فورا أن تنفي هذه الفكرة . أليس من الحكمة أن تكون حذرة معه؟.. فأمامها شهرين بعد تقضيهما معه ، و أجابت ببطء :
-ليس.. ليس الأمر هكذا .
و أخرجت منديلا من جيب ثوب نومها و حاولت جاهدة أن ترتب نفسها ، وحالفها الحظ فقد توقفت دموعها . و سألها بهدوء :
-و ماذا إذا ؟
-لا يهم...
-و لكني أعتقد أن الأمر يهمني .
و أحست بقربه منها بشكل غامر . فقد كانت تجلس بقربه على السرير و ليس من مجال كي تبتعد عنه . و أمسك بيدها اليمنى ، و هذا أيضا لن يساعدها ، و أخذ يمرر اصبعه على ظهر يدها . و تابع :
-أنا أعلم أنك لا تبكين بسهولة يا كولين . و الأوقات القليلة التي شاهدتك تبكين فيها كان لها ما يبررها ، فقد انطلقت بشكل طبيعي من معاناة عاطفية...
-لا تقل هذا!
قالت كلمتها بسرعة و قد لاحظت أنه يقترب من الحقيقة ففكرت عندها أن هذه الكلمة قد كشفت الكثير ، و لكن عندما تساءل جوليانو عن سببها ، عرفت بارتياح أنه لم يربط معاناتها العاطفية به.. أو بمشاعرها نحوه .
-لا تخافي مشاعرك يا صغيرتي . و لا تمنعيها.. فأنا أفضل أن تعترفي بالتعاسة لفراق شقيقك الذي عدت للاجتماع معه مؤخرا ، على أن أعتقد بأنك تعيسة لإعادتي لك إلى منزلي .
و أعادت الكلمات في ذهنها حالمة "إعادتي لك إلى منزلي" كم بدت هذه الكلمات منه طبييعية! و كأنه يؤمن بأن منزله منزلها ، و ليس لها مكان آخر . و تماسكت ، فمهما عنى بكلامه ، فهو لم يقصد ما ظنته . هذه مجرد طريقة في الكلام ، فالإنكليزية ليست لغته الأم .
و يجب أن تذكر نفسها بهذا ، و عندما لم ترد عليه ، قال مؤكدا :
-هل أنا على حق... أليست الدموع بسبب فراقك لرايان و لهذا أنت حزينة ؟
-سأشتاق إليه .
-ولكنك سترينه ثانية .
و لاحظت الابتسامة على وجهه و هو يحاول إسعادها ، و بما أنها لا تستطيع البقاء محبطة هكذا ، ليس و هو موجود معها ، و ليس قبل أن يخرج ، فسوف لن تسمح للأفكار التعيسة أن تدخل إلى نفسها ، و حاولت جهدها أن ترفع من روحها المعنوية.. و قالت بسعادة مفتعلة :
-بالطبع سأراه .
و عندما أدارت وجهها لتقدم إليه ابتسامة ، وجدته يبتسم أيضا .و سرت لأنها قامت بهذا الجهد . و قال لها ببطء :
-لن أمانع إذا دعوتيه إلى هنا .
و أزال الذهول بسمتها عن وجهها :
-و هل ستسقبله هنا ؟
-إذا كانت هذه رغبتك .
-و لكن...
و صمتت غير قادرة سوى على النظر إليه . و عاودتها الرغبة في البكاء ، لأن جوليانو الذي يكره رايان بالتأكيد لما فعله مع عائلته ، تمنعه كرامته من أن يراها تعيسة في منزله ، لأنها ودعت شقيقها إلى الأبد ، فتغلب على الكراهية في نفسه كي تستطيع أن تجد الشهرين القادمين مليئين بالسعادة . و قالت بهدوء :
-لا أستطيع فعل هذا معك يا جوليانو .
-لا تستطيعين فعل ماذا ؟
-أن أسمح لك بالتنازل عن كرامتك لأجل كرامتي .
إذا كان قد فهم ما قالته أم لا ، فلم يظهر عليه أي دليل ، و لكن نبضات قلبها تسارعت عندما سمعته يقول :
-الحب يقهر أي كبرياء .
فهل لاحظ أن عندها بعض الكبرياء فيما يختص به ؟ لقد فقدت كبرياءها عندما بدأت تبكي لأجله ، و عندما شاهدها و هي تبكي ، و بسرعة حاولت إبعاده عن موضوع الحب ، فقالت :
-لا أعتقد أنني سأرى رايان قبل عودتي إلى إنكلترا ، بولا و رايان سوف يبقيان في أكابولكو لعدة أسابيع ثم سينتقلان من هناك و سوف يكتب لي إلى إنكلترا بالطبع .
و تذكرت أن ليس عندها منزل في إنكلترا ، فتابعت :
-مع أنني لم أحضر ترتيباتي للإقامة هناك بعد ، و سوف يضطر للكتابة إلى عنوان البريد أو بأية طريقة أخرى إلى أن أستقر في منزل .
-أليس لك مكان للإقامة مع والدك ؟
-لقد قلت لك إنه سيتزوج ثانية.. و قد عرض المنزل للبيع عندما سافرت .
-و كذلك قلت إن لا مكان لك في منزله الجديد . أتعنين أنه لا يوجد لك غرفة في منزله ؟
-لا أريد الذهاب إلى هناك .
و أدركت بأنه قد فهم أن والدها لا يريدها أن تعيش معه ، فقد عرض عليها ببرود :
-يمكنك الإقامة هنا . بإمكانك جعل هنا منزلك إذا رغبت .
من المؤكد أنها لم تسمع بشكل صحيح ، فحدقت به ثانية . و اخذت أفكارها تدور محاولة أن تفهم ما يقصده حقا :
-أتعني... أن أبقى في المكسيك.. أن أبقى في دورانغو ؟
و رد عليها بنفس البرودة:
-أعني.. أن بإمكانك البقاء هنا.. هنا في منزلي .
-لا!...
جاء ردها فوريا و عنيفا ، و هذا جعل حاجبيه ينكمشان بتقطيبة سوداء ، و لكن بالنسبة لكولين لم يكن هناك أي جواب آخر ، فلم يكن لديها بعد فكرة عن كيفية تمضيتها للشهرين القادمين هنا . و لم تجرؤ على التفكير بالبقاء مدة أطول .
و أن تراه كل يوم ، أن تتعشى معه ، أن تعمل معه... و اسكتت أفكارها بحزم ، و قالت ثانية بنبرة تأكيد على ما تقول "لا!" .
-إذا.. لم يكن الأمر كما ظننت ، لقد كان بكاءك لأنك غير سعيدة هنا .
فصرخت :
-لا.. لا.. لا!
و أرادت أن تقف لتبتعد عنه ، و لكنها و جدت نفسها محشورة بينه وبين قوائم السرير . يجب عليها أن تهدأ ، فلن تستفيد من ثورتها .
و تنفست نفسا عميقا ، و هي مدركة من نظرة التجهم على وجهه أنه لا يصدقها . فقالت بهدوء قدر ما استطاعت :
-بلدي هي إنكلترا . أنا.. أحب بلدك.. و لكن بعد شهرين سوف أعود إلى إنكلترا .
و لم يعجبه ما قالته . حتى اعترافها بمحبة بلده لم تجعل نظرته القاتمة تضيء . و فجأة بدا كأنه ضجر منها كما حدث معه في الفندق في مدينة المكسيك . فقال بخشونة :
-إذا اذهبي.. اللعنة عليك! و لن أفعل شيئا لمنعك . و حين تنتهي فترة خطوبتنا سوف أشتري لك بنفسي تذكرة سفرك .
و آلمها كلامه ، فقد غرز سكينا في قلبها ، و بدا فجأة أنه لا يهتم بها ، و يستطيع أن يتحول من رجل عرض عليها سقف بيته ، إلى رجل لا يستطيع انتظار اليوم الذي يستطيع فيه الخلاص منها .
و تغلب كبرياؤها ، فرفعت رأسها بكل شموخ و قالت :
-تستطيع الاحتفاظ بمالك يا جوليانو إنريكو غاتورادي .. فأنا أستطيع دفع ثمن تذكرتي بنفسي .
-أتستطيعين؟.. و كيف حصلت على المال ؟ من أعطاك إياه ؟
-رايان شقيقي . إذا كان لا بد أن تعرف .
ثم لاحظت على الفور توترا سيطر عليه ، تو تر امتد إليها ، و بدأ يزعجها.. شيء ما صدمه ، و عرفت هذا.. و لكن دون أن تعرف ما هو . و طال الصمت بينهما و هي تعيد تذكر ما قالته له ، و لكنها لم تستطع أن تفهم ما الذي يمكن أن يوتره هكذا و كأنه فخ منصوب على وشك الانطلاق .
ثم ، كسر الصمت ، و كانت كولين على وشك اكتشاف ما استنتجه من كلامها :
-لقد حصلت على أجرة سفرك ، ومع ذلك عدت إلى دورانغو ؟ إلى المكان الذي يبدو أنك متلهفة جدا لتبتعدي عنه ؟
لهجته كانت باردة ، و لكن كان فيها مغزى معين... إشارة جعلتها تقلق ، و ذلك لأنه كان مهتما جدا بجوابها :
-لقد قلت لك لماذا عدت .
و عليه أن يصدق ، حتى و هي تدرك الآن أنها كانت تكذب على نفسها ، و تابعت :
-لقد نسيت إرجاع الخاتم لك.. لقد أخبرتك بهذا.. و الخاتم كان السبب الوحيد في...
-هل هذا صحيح يا كولين ؟
أوه.. يا إلّهي !.. هذا أمر رهيب.. سوف تموت من الحرج إذا استمر هكذا ، إذا اكتشف أنها... و هزت كتفيها :
-يا للسماء يا جوليانو... ما هي الأسباب الأخرى إذا ؟..أعتقد حقا أن عليك أن تخرج الآن.. انظر إلى الساعة... لن نستطيع كلانا أن نستيقظ صباحا بشكل ملائم .
فرد عليها بنعومة :
-تبدين مذعورة يا طفلتي... لماذا يا كولين ؟ ما الذي يخيفك ؟
-لا شيء.. لا شيء يخيفني.. أنا أريدك أن تخرج .. كي ..أستطيع النوم .
و لعقت شفتاها الجافتين ثم ذكرته بسرعة :
-لقد قلت بنفسك إن التعب يبدو علي .
و أجفلت عندما جعلته هذه الملاحظة يلتفت ليحدق بها . ثم لم تعد تطيق نظرته المتفحصة ، خوفا من أن يكتشف ما بها . واندفعت من مكانها بينه وبين قوائم السرير ، و ذهبت لتقف إلى جانب مقعد مستدير عبر الغرفة .
فوقف جوليانو و وضع يديه في جيبي بنطلونه ، و قال :
-ربما تكونين تعبة... و لكنني أشك أنك ستستطيعين النوم في هذه الحالة التي أنت فيها .
-و كذلك لن أستطيع النوم قبل خروجك.. أليس كذلك ؟
-إذا ، يبدو أن حل المشكلتين بين يديك . كل ما عليك أن تفعلي هو القول لي لماذا ، و كان بإمكانك عن طريق دزينة من الطرق إعادة الخاتم لي ، لماذا عدت بنفسك.. و عندها سأخرج .
-لقد عقدت اتفاقا معك للبقاء شهرين هنا .
-و لكنك كنت مستعدة للتراجع عن الاتفاق عندما أتيت إلى دورانغو لآتي بك إلى هنا .
-أنا.. أنا.. حسنا.. كنت أعيد النظر . لقد كنت.. بدوت .. في مدينة المكسيك .. إنك .. في النهاية .. لم تكن ترغب في بقائي معك . و تذكرت هذا عندما وصلت إلى دورانغو.. ففكرت أنني...
-أنت كاذبة بائسة يا كولين شادو.. هل تعرفين هذا ؟
و عندها فقط انفجرت ، و لم تعد تستطيع الاحتفاظ بسرها ، فكل جهودها لمنعه من معرفة الحقيقة ذهبت أدراج الرياح و هي تصيح به :
-اللعنة عليك يا جوليانو... أنا أحبك! قل عني الآن إنني كاذبة !
الصمت في الغرفة أصبح يصم الآذان . فمهما كان يتوقع سماعه ، فلا يمكن أن يكون هذا . وتمنت لو تنشق الأرض و تبتلعها و هي تراه واقفا مسمرا في مكانه ، و وجهه قد فقد لونه .
و لم تعد تتحمل هذه النظرة المذهولة على وجهه ، فأدارت له ظهرها بسرعة ، محاولة أن تمنع الدموع من الخروج ، متمسكة بما تبقى لها من كبرياء ، و قالت له بجفاء :
-أرجوك أن تخرج سنيور.. لقد أردت الانتقام لما فعله شقيقي مع عائلتك... و أظن أن حبا غير متبادل هو تعويض كاف لك .
و سمعته يتحرك ، و كان يجب أن تقول له شيئا واحدا بعد قبل أن يخرج :
-سأعود غدا إلى إنكلترا .
الصوت التالي الذي كانت تتوقع سماعه ، هو صوت فتحه للباب و هو خارج . لذا أصابتها الصدمة عنما أمسكت يداه القويتان بذراعيها و أدارتها لتواجهه ، فتراجعت بقوة ، محاولة الافلات .
و لكنه ، كما اكتشفت ، لم يكن ينوي أن يتركها . و كان عنده بضع كلمات ليقولها لها ، و يفاجئها بها ، حتى و لو اضطر ، لأنها لم ترفع رأسها إليه ، أن يقولها لقمة رأسها الأشقر :
-و ماذا ، يا صغيرتي كولين ، تريدينني أن أفعل بخطوبتنا ؟
-ألا يمكنك.. أن تفكر.. بقصة ما ؟ أعلم أن فقدانك لماء وجهك يقلقك، و.. و لكن.. و لكنني سأنفذ أي شيء تريد...
-أفقد ماء وجهي؟ لا يا عزيزتي كولين . ما يقوله الناس عني لا يهمني .
و هذه أول مفاجأة لها . فقالت محتجة :
-و لكن... لهذا السبب تمت خطوبتنا .. أليس كذلك ؟
-لقد أصبحنا مخطوبين لإنقاذ ماء وجهك أنت بسبب أفكار تينا الشريرة عنك .
و فكرت بتعاسة أنه غير مهتم ، فقالت له باختصار :
-حسنا لقد أردت الانتقام من عائلتي ... و هذا هو السبب الوحيد لإتيانك بي إلى هنا في المقام الأول .. كي...
-كم تحبين أن تستنتجي استنتاجات خاطئة . لقد كنت بحاجة لسبب كي أحضرك معي .. بالطبع... كان علي أن أصطحبك إلى هنا يا كولين.. و لم أكن أستطيع مغادرة كواريتارو من دونك .
ذلك لأنها كانت على وشك الإفلاس .. اللعنة. و لكنها فكرت بحيرة . كان بإمكانه تركها هناك دون اكتراث... هل هي الفروسية في نفسه إذا لم يكن السبب هو في جعلها تعمل بعد اعتقاده أنها لم تتعب نفسها من قبل ، فهل هي شهامة الفروسية التي دفعته لكي لا يتركها هناك معدمة ؟ و قالت بجفاء :
-كان بإمكاني الذهاب إلى القنصلية البريطانية.. و عندما أخبرهم بأنني لا أملك المال الكافي...
-لم تكوني لا تملكين المال الكافي ، بل كنت معدمة .. و هذه كانت أكبر ضربة حظ لي .
-و لماذا ؟
فسألها بنعومة :
-ألا تعرفين لماذا ؟
و هزت رأسها بالنفي ، و لم تغادره رغبته في مداعبتها بإزعاج ، و لهجته الرقيقة تهدد بإذابتها ، و سألها متابعا :
-أليس لديك أية فكرة ؟
و عادت كولين تفكر ، و لم تستنتج شيئا . يبدو أنها لم تعد تستطيع الفهم بسبب حبها له.. و ربما بإمكانها أن تفكر بجلاء أكثر لو لم يكن معها في الغرفة .. لو لم يكن يحتضنها ، و يتحدث برقة إليها .
-لا شيء.. لا فكرة أبدا .
و فجأة أخذت تتعلق به ، و رأسها مرفوع إليه ، و عدم التصديق يملأ عينيها ، عندما قال لها بحنان :
-ألم يكن هناك في حياتك أي حب يا كولين ، حتى لا تستطيعين أن تفهمي.. أنني مهتم بك ؟
-أنت.. مهتم.. بي ؟
عيناه كانتا تقولان لها إنه يهتم . و كذلك ابتسامته الناعمة على شفتيه. و مع ذلك لم تكن مصدقة بعد ، و قال لها بهدوء :
-لماذا إذا ، فتحت حقيبتك لأرى ما تحتويه محفظتك ؟
-و هل أردتني أن أكون مفلسة ؟
-أردتك في بيتي.. و كونك مفلسة أعطاني الفرصة .. أجل يا حبي .. أردتك مفلسة .
-و لكن.. و لكنك لم تكن تحبني يومها .
-كنت أكره نفسي أكثر.. كرهت نفسي لقوة تأثيرك علي منذ أول لحظة احتويتك بها بين ذراعي.
-عندما أغمي علي .
-لقد ظننت عندها أن السبب هو التعب . و لم أكن أعلم أن السبب هو مرضك .
و تجهم وجهه و كأنه يكره نفسه لإجبارها على العمل ، و أذاب تجهمه عدم تصديقها .و أخذ قلبها يخفق بالسعادة ، و كانت واثقة بأنه سيسمع هذه الدقات . و قال لها :
-لقد التقطتك بين ذراعي ، و علمت عندها أنك كل حياتي .
فقالت له و هي ترتجف ، و ذراعاه القويتان تلفانها :
-أوه.. يا جوليانو !
-أوه يا كولين ..
و ضمها إليه أكثر ، ثم نظر إلى عمق عينيها ، عميقا حتى روحها :
-أردتك أن تكوني مفلسة .. يا ملاكي.. فقد احتجت لهذه الفرصة ، أية فرصة ، فهي كانت تعني أنني لا أستطيع تركك تذهبين .
-ألم تكن تريدني أن أترك... المكسيك ؟
-إلا إذا كنت معك .
و أراحت كولين رأسها على صدره ، و هي تشعر بالهدوء و السلام .
و لأن الأمر كان لا يصدق ، خافت أن تقرص نفسها حتى لا تستيقظ و تكتشف أنها كانت تحلم .
و خلال دقائق طويلة أبقاها جوليانو قرب قلبه ، و أخذ يربت على شعرها بنعومة ، ليظهر لها عمق مشاعره . و أخذ يخبرها كيف أنه كان يريدها معه ، حتى قبل أن يجيء إلى الفندق ليصطحبها كان قد اتصل بتينا لتحضر غرفة الضيوف . على أمل أن يفكر بحجة ما ليحضرها معه . و قالت له كولين :
-صدقا؟
-صدقا . أيتها المتشككة الصغيرة .
و شد عليها بذراعيه حتى كاد يسحق ضلوعها.
-دايوس.. يا إلّهي كم أحبك ، يا جميلتي كولين!
-أوه يا جوليانو ، أنا أحبك كثيرا.. و كنت أظن أن قلبي سيتحطم!
-تي كويرو.. تي آمو...
-تي آمو ؟
-هذا يعني أنا أحبك .
-قد قلت هذه الكلمة .. في الأسبوع الأول لوجودي هنا.. ذلك اليوم في منزل المشرف .
-ألم أقل لك إنني منذ البداية عرفت بأنك حياتي ؟
-أوه يا جوليانو .. كم أتمنى لو أنني كنت أعرف هذا يومها .
فابتسم و قال :
-لا أظن بأن الكلمة كانت ستعجبك يومها . لقد اكتشفت بأننا شخص واحد جسديا ، و لكنني لم أكن أعتقد ، مع وجود روحك الصغيرة المتحفظة ، أنك كنت تحبيني يومها ؟
-ربما لا.. فأنا لم أتعامل مع رجل من قبل ، و لا أعرف هذه الأمور و كنت أظن أن شيئا ما يحدث لي ، لروحي الصغيرة المحافظة . لقد اكتشفت أنني أحبك عندما دخلنا الفندق في مدينة مكسيكو... و كانت المرة الثانية التي أبكي فيها بسببك .
حبه كان جديدا عليها ، و جعلته تقطيبتها الصغيرة المتحيرة يتخلى عن أية رغبة قد تساوره ، وأصبح تواقا لإزالة هذه التقطيبة عن وجهها .. فقال :
-ما بك.. مياموري(يا حبي)؟ أخبريني.. فلا شيء يجب أن يزعجك أو يؤلمك بعد الآن .
-إذا كنت تحبني ، فلماذا كنت باردا معي في نهاية إقامتنا في مدينة مكسيكو ؟
-أحبك؟ بل أعبدك! يا حلوتي الصغيرة ، و لكن البرود ؟ ربما بدوت هكذا ، و لكن لم يكن هذا يعكس مشاعري الداخلية .. ففي داخلي كان هناك اتون مشتعل طوال الأسبوع.. و كان أمرا خاطئا أن أستبقيك معي في نفس الجناح ، و لكن أردتك أن تكوني هناك . و طننت أنني سأتحمل هذا . ظننت ... أنني نجحت في الابتعاد عنك . ثم يوم خرجت تحت المطر لترقصي.. أثرتي رغبتي فيك التي هي جزء من حبي لك ... هل تمانعين بهذا ؟
-أبدا.. لقد كنت تقول ..
-كنت أقول يا سيدتي الصغيرة المقطبة . أن رؤيتك ذلك اليوم ، و قد التصقت بك ملابسك ، كنت على وشك أن... و الطريقة الوحيدة لتجنب أن يحدث هذا ، هو أن أتظاهر بعكس ما أشعر . فأنا لم أرد أبدا أن أؤلمك يا حبيبتي .
و ابتسمت له كولين لتظهر له أنه لا يمكن أن يؤلمها أبدا ، فحبه لها هو كل ما يهمها.. ثم تكلم عن يوم عاد إلى الفندق و وجد أنها سافرت إلى أكابولكو :
-لم أستطع يومها التصديق ..لقد توقعت أن تكوني بانتظاري ، و لم أستطع التصديق حتى بعد أن وجدت أن ثيابك و حقيبتك مختفيتان .
-و هل سامحتني ؟
-أسامحك على أي شيء يمنحني حبك لي.
و جعلته دقة على الباب يسحب ذراعيه من حولها ، ثم يستدير نحوه ، و فتح الباب و رأيا تينا تقف هناك . و هذه المرة شاهدت الابتسلمة على وجهها ، وهي تنقل نظرها من الفراش إليهما .
و تبادلت مع جوليانو عدة كلمات بالإسبانية ، ثم تركتهما و باب غرفة النوم مفتوح و هي تقول :"بيوناس نيتشاس سنيوريتا" أي ليلة طيبة سيدتي . و قال جوليانو و هو يجلس على السريرو يجذب كولين معه :
-هناك أوقات أفكر فيها جديا بالاستغناء عن خدمات تينا .
-لا!..
-و هل تحبينها ؟..
-نعم.. أحبها .
-في هذه الحالة سأتركها تبقى معنا ، لقد قالت إنها سمعتك تسعلين و رأت ضوء غرفتك عندما أتت لتستمع إلى سعالك .
-الحبيبة!
-هذا ليس ما دعوتها به للتو . و لكن بما أنها ذهبت و هي تبتسم ، فأنا أشك في أنها غضبت .
و أمسك بيدها اليسرى و رفعها إلى شفتيه ، و قبلها بكل حنان حيث تضع الخاتم .. وقال لها بأسف :
-سأتركك الآن يا حبيبتي.. و لكن فقط إذا وعدتيني بالاستيقاظ باكرا... فلن أكون صبورا بانتظار رؤيتك .
-ألن تعمل في الغد ؟
-لدي الكثير لتحضيره ، فمع هذا الخاتم الذي يرتاح في اصبعك و الذي نسيت أن ترديه إلي... قد يكون علي أن أضع خاتما آخر بجانبه ليسليه ؟
و كان هذا أجمل طلب زواج سمعت عنه كولين . و شع الحب من عينيها و هي تقول هامسة :
-قريبا.. نعم قريبا.. أرجوك ، يا جوليانو!






تمـــــــــــــ بحمد الله ـــــــــــــــت

مشاركة