A PHP Error was encountered

Severity: Warning

Message: file(): http:// wrapper is disabled in the server configuration by allow_url_fopen=0

Filename: views/template.php

Line Number: 35

A PHP Error was encountered

Severity: Warning

Message: file(http://static.vipeople.com/menu/index.php): failed to open stream: no suitable wrapper could be found

Filename: views/template.php

Line Number: 35

A PHP Error was encountered

Severity: Warning

Message: implode(): Invalid arguments passed

Filename: views/template.php

Line Number: 35

خطيبة بالإيجار

الكاتب: قصتي مشاهدات: 1345 التصنيف: روايات أحلام

1- لقاء الماء بالنار !

قال ليتون ديكستر :
- ما من فتاة تود ان تكون أعلى خوخة على الشجرة بحيث لا يصل اليها احد ...
اخذت فيفيان فلوري نفسا حذرا , لتخفي بذلك رغبتها في القيام بردة فعل عنيفة كأن تسدد لكمة الى فكه الجميل .
كان ليتون رجلا جذابا , بعينين شديدتي الزرقة , وشعر قاتم اللون واسنان ناصعة البياض , وقد تميز بابتسامة ساحرة هي مزيج من المكر والتكاسل .
ارتدى بنطلونا كاكي اللون وقميصا بمربعات كحلية وقرمزية وسترة من التويد وان توقعت ان يرتدي ملابس اكثر تكلفا وأنقا , تليق برئيس شركة كلوفر التي تنتج الكثير من الكماليات.
ان أي رجل يخضعها لمثل هذا الفحص الدقيق , انما يجر على نفسه بالكراهية والدمار . لكن المشكلة الوحيدة هي انها ليست في وضع يسمح لها بالتشاجر مع هذا الرجل .
كانت قدرة شركة كلوفر جلية في هذا المكتب فلم يكن يتميز بالمناظر الرائعه التي يطل عليها وحسل , انما كان تحفة ثمينة لا تضاهي بجمال زخارفه ويكوره البديع ,
من الستائر المخملية السميكة الزرقاء والسجادة البيضاء , واللوحات الزيتيه الفائقة الجمال , الى المكتب الفخم ذي السطح الزجاجي والذي لا يعلوه سوى جهاز واحد ومفكرة مكتب وبعض الصور الفوتوغرافية التي كانت قد احضرتها .
وهكذا تظاهرت بعدم الاكتراث لنظراته التي راحت تنتقل متمهلة بين وجهها وشعرها المجعد الكثيف الذهبي , وقوامها الرشيق في ثوبها الفيروزي الحريري وساقيها في الجوربين الشفافين . اما ما اغاظها في كل هذا فهو انها حافية القدمين ولسبب مزعج مقلق.
كانت قد خلعت حدذائها في المصعد المكسو بالسجاد وهي متوجهة الى مكتب ليتون اذ ارادت ان تريحهما قليلا لشدة ما آلماها. ولكن المصعد توقف فجأة بعد انقطاع التيار الكهربائي فتملكها الذعر , وهكذا عندما عاد التيار مجددا
وتوقف المصعد عند الطابق الذي تقصده وفتح ابوابه اندفعت الى الخارج وهي ترتجف خوفا وارتياحا .. من دون ان تنتبه الى انها حافية القدمين فيما تابع المصعد تحركه .
راحت تضغط مذعورة على الازرار فتوقفت عندها ثلاثة مصاعد انما لم يكن بينها ذاك المنشود . وادركت ان حذائها الفيروزي الجميل الذي يناسب ثوبها تماما , رغم انه غير مريح لا يزال يصعد ويهبط بين الطوابق .
كانت لا تحسد على موقفها وهي تتوجه نحو موظفة الاستقبال لتشرح لها قصة الحذاء بعد ان تأخرت على موعدها , ثم وهي تسير الى موعدها حافية القدمين , وقد احست وكانها في جهنم , لتشرح قصتها من جديد وانما هذه المرة .. لرجل .
دفعته قصتها الى توجيه ابتسامته الماكرة اليها , فوجدت نفسها تتساءل عما يفكر فيه ويخفيه وراء ابتسامتها ايحسبها شقراء تحب لفت الانظار ؟
سألها ليتون وهو يربت على الصور الموجوده على مكتبه :
- الا توحي لك هذه الصور بالتمثال , يا آنسة فلوري ؟
فقطبت جبينها وقالت معترفة :
- لا , نعم , اسمع ... لم يخطر هذا ببالي قط . كما انني لم افهم تماما ما عنيته بكلامك عن الفتيات والخوخة في اعلى الشجرة ياسيد ديكستر . ولكن صدقني , جوليانا جونز مسرورة لاحتمال اختيارها عارضة اساسية للشركة .
ثم سكتت وانحنت فوق المكتب لتدير الصور نحوها :
- اتبدو غير سعيدة برأيك ؟
- لا . لكنها تبدو لي متيبسة بعض الشيء اذا ادركت ما اعني . العينان رائعتان ولكن ينقصهما بريق الانوثة .
لم تستطع فيفيان ان تمنع ردها السريع والساخر :
- هذا لأن احدا لم يصل اليها شعرها رائع صدقني ان الفتيات كلهن يتمنين لو يتملكن شعرا مثله.
اضافت جملتها الاخيرة بسرعة لتغطي التلميح الذي تضمنه كلامها .
اخذ ليون يتأمل مطولا شعر جوليانا الاسود الامع المنسدل على كتفيها , ثم رفع نحوها تلك الابتسامة الماكرة واخذ يتفحصها مجددا .
هذه المرة لم تتمكن فيفيان من ضبط نفسها فتملكها شعور بالانزعاج وعلا الاحمرار وجهها . ولعل شعورها هذا ناجم عن عينيه الكسولتين واليقظتين اللتين بدتا وكانهما تسيران اغوار نفسها .
ثم هز كتفيه ببساطة وقال :
- اظن ان فكرة استغلال شعرك انت في الاعلانات افضل يا آنسة فلوري وفي الحقيقة اظنك ستنجحين كعارضة اساسية للشركة .
- هل لأني ابدو وكان احدهم وصل اليّ؟
حملت عينا فيفيان غضبا صادقا وعارما . ليس بسبب تلميحه وحسب بل لأنها كرهت ان يفكر بها بهذه الطريقة .
- ياسيد ديكستر ...
عندها قرع باب المكتب بخفه ثم فتح ليطل منه رأس موظفة الاستقبال :
- آسفة , ولكن بالنسبة لحذائك يا انسة فلوري ...
فالتفتت فيفيان اليها بلهفة :
- هل وجدته ؟
-كلا للأسف . لقد فتش الحارس المصاعد كلها , وسأل كافة المكاتب الموجوده في البناية لكن يبدو ان احدا لم يره .
فردت فيفيان غير مصدقة :
- هناك من اخذه اذن . كيف يمكن لأحدهم ان يفعل هذا؟ آه ارجو ان يؤلم الحذاء قدمي التي اخذته كما آلم قدمي .
تدخل ليتون برزانه بالغة مصطنعه قائلا :
- من يسمع كلامك يظن انك تشعرين بالارتياح لتخلصك من ذاك الحذاء .
فالتفتت اليه تواجهه:
- انك بالغ الذكاء , يا سيد ديكستر . لكن المشكلة الاساسية هي كيف سأنتقل حافية القدمين ؟ يفترض انك فكرت في الامر .
- ان كانت سيارتك في الموقف تحت الارض فما عليك الا ان تقفزي من المصعد اليها .
- لم احضر بالسيارة, بل جئت بالقطار ومن ثم استقليت سيارة اجرة .
رفع حاجبيه وكأن تصرفها هذا بدا له سخيفا وصعب الفهم . فما كان منها الا ان صرت على اسنانها وقالت :
- ان الطريق الرئيسي بين بريسبن وشاطئ الذهب غارق في الفوضى هذه الايام لأنهم يوسعونه. ولم أشأ ان اتأخر عن الموعد اذا قطعوه , لهذا كان القطار الخيار الافضل . وفي الواقع كانت الرحلة في القطار مريحة جديا .
قالت موظفة الاستقبال وهي تنظر الى ليتون :
- هل لي ان ادلي برأيي ؟
اومأ لها برأسه فأضافت :
- بما ان احدهم سرق حذائك يمكنني ان ارسل احدى الفتيات لتشتري لك حذاء اخر يا آنسة فلوري .
فقال ليتون :
- فكرة نيرة يا سيدة هاربر . افعلي ذلك في الحال . و.. سندفع نحن ثمنه .
ثم نظر الى فيفيان التي قالت :
- بإمكاني ان ادفع ثمن حذاء ...
فرد بحزم :
- لا لا . مادام سرق في هذا المبنى فنحن المسؤولون. ماهو مقاس حذائك ؟
- 6 ونصف... ولكن اسمع ...
نهض واقفا ودار حول المكتب لينظر الى قدمي فيفيان :
- أي لون تقترحين ياسيدة هايبر ؟
- بيج فحقيبة يدها بيج . واقترح الا يكون بطعب عال . هل كانت هذه مشكلة حذائك يا انسة فلوري ؟
اخذت فيفيان نفسا عميقا وانفجرت فجأة ضاحكة :
- لا اتذكر يوما اسوأ من هذا اليوم . شكرا لكما لكنني اصر على دفع ثمن الحذاء فأنا من تركته في المصعد .
مدت يدها الى حقيبتها فقالت المراة الاخرى وهي تخرج :
- لن اخذ النقود مادام السيد لم يغير رأيه .
عاد ليتون الى مقعده ثم شبك يديه واسند اليهما ذقنه .. اما فيفيان فأغلقت حقيبتها ووضعتها على الارض وعادت تركز على العمل . تذكرت وكالة والاعلانات حيث تعمل
والفائدة التي سيجنونها ان هم حصلوا على اعلانات الشامبو في شركة كلوفر .
عادت تتأمل الصور الفوتوغرافية وتقاطيع وجه جوليانا الناعمة الجميلة . ثم قالت بجدية :
- حسنا , لعل رأي الرجال في النساء مختلف , ولكن قد يدهشك ان تعلم ان النساء يلبسن من اجل النساء الاخريات غالبا . وهن اللاتي يشترين الشامبو الذي تنتجونه. وقد عرفنا الآن ما يدور في ذهنك , يمكننا تنفيذ الاعلان بطريقة مختلفة بعض الشيء. يمكن ان نصور فيلما دعائيا فرحا بدل ذلك الجدي .
- لا اظنك تتحدثين عن نفسك على أي حال ؟
فتحت فمها لتطلب منه الا يعود الى هذا الموضوع مجددا لكنها عادت واطبقته ثم قالت :
- لم اعمل كفتاة اعلانات من قبل ولهذا قد ابدو اكثر تيبسا من جوليانا وان لم تكن تبدو متيبسة حقا . كما ان ها قد يجرحها ... .
وسكتت فجأة وقد اعتراها الاضطراب .
لم لا تجربين ذلك ؟
فمالت برأسها جانبا وقال مقبطة :
- انت غير جاد طبعا .
- على العكس .
لماذا ؟
فأجاب ببساطه:
- احب هذا النوع من الجمال , بالمناسبة, هل تقبلين دعوتي لتناول الغداء ؟ بعد ان يشتروا لك حذاء بالطبع .
احست فيفيان بدوار لهذا المنحنى المافجئ الذي اخذته الامور .
لاحظ ليتون وقع كلماته عليها وضحك في سره. تأملها فرأى امراة لا يكاد طولها يتجاوز الـ155سم هي كتلة من الحيوية البالغة تتدفق من جسد رشيق .

هل هذا ما دفعه للاستشهاد بذاك المثل الشعبي عن الفتيات والخوخ , الذي قرأة صدفة عند الصباح؟ ولعله قاله لكي يثيرها . واذ بتلك العبارة التي استشهد بها تفقد لسوء الحظ , تلك الفتاة المجهولة , جوليانا جونز وظيفتها .. فهي تبدو كلوح من الخشب مقارنة مع هذه الفتاة وتبا لذلك !
قاطعت فيفيان افكاره المحيطه , بسؤاله :
- الغداء ...اين ؟
- في الجهة المقابلة مطعم يتيميز بطعام لذيذ وخدمة ممتازة لدي عرض لك يا آنسة فلوري .
طرفت فيفيان بجفنيها وسألت بسرعه :
- اهو عمل , ام .... ؟
سكتت فجاة لكن ما عنته كان واضحا .
فقال ساخرا :
-عمل طبعا .
رفضت ان تحمر خجلا وردت عليه متمتمه :
- المعذرة لكن لا يمكن للمرء ان يتنبأ بنوايا الرجال .
فقال بجد :
- هذا صحيح .
وسادت لحظة صمت عادت لتقول من بعدها .
- انت تسخر مني منذ وطأت قدمي هذا المكتب ولا يأس . قد ابدو مضكة ولكن هذا يكفي .
طرق الباب فلم يضطر ليتون الى الجواب , ودخلت السيدة هابر تحمل 3 علب احذية :
- قصدت بنفسي متجر الاحذية واحضرت هذه لتختاري من بينها يا آنسة فلوري .
كتمت فيفيان اشمئزازها من ليتون واخذت تجرب الاحذية .
قالت لها المرأة :
- امشي قليلا , قبل ان تقرري ما تختارينه ... شخصيا افضل الحذاء الذي تنتعلينه الآن فهو انيق وعملي ايضا . ما رايك يا سيد ديكستر ؟
- شخصيا , اعجبني الثاني . ربما ليس عمليا جدا لأنه مفتوح من الخلف لكنه يناسب قدميها .
وقفت فيفيان وسط مكتبه ووضعت يديها على وركيها ثم راحت تتساءل عما اذا كانت في مستشفى للمجانين.
فقد اتكأ الى كرسيه وعاد يتأملها وكانهما وحيدان في الغرفة فيما هي تستعرض نفسها وكانها امراة جديدة سيضمها الى حريمه .
ولم تزعجها نظراته وحدها وانما محوالاته لجعلها تعي جمالها في ثوبها الفيروزي الحريري. كانت تحب هذا الثوب للغاية .
ليس للونه فحسب بل لتفصيله اذ لم يكن فاضحا انما بسيطا انايقا ومناسبا جدا للعمل . فكيف يمكن لثوب اعتادت ان ترتديه ان يجعلها تنتبه لتناسق جسمها ؟
لكن لم يكن الثوب هو السبب بل ليتون نفسه وطريقته في النظر اليها مما زاد الطين بله انه بدا خبيرا في النساء , يحيث يمكنه ان يطلق عليهن حكما صحيحا وتملكها الرعب وهي تتخيل نفسها وقد اصبحت واحدة في نسائه .
قالت بحزم وهي تشير الى الحذاء الذي كانت تنتعله :
- سأخذ هذا الحذاء ياسيدة هاربر فهو .. انه مريح قدمي اكثر من الحذائين الاخرين .
ثم رمقت ليتون بنظرة انتضار واضافت :
- اشكرك كثيرا فقد ازعجتك لكنني اصر على دفع ثمنه .
فردت المرأة وهي تضع الحذائين الاخرين في علبتهما:
- حسنا , سأدعك تنهين الامر مع السيد ديكستر علما ان ثمنه قد دفع .سأعيد هذين الى المتجر في الحال .
جلست فيفيان ومدت يدها الى حقيبتها , قائلة :
- ان السعر مدون على العلبة لذا ...
واخذت من حافظة النقود المبلغ المطلوب , ثم وضعته على المكتب ولكن الهاتف رن واستغرق الاتصال 5 دقائق تقريبا فأخذت في هذه الاثناء تتململ وتتحسس النقود .
وعندما انتهت الكالمة , وقبل ان يتمكن من الكلام , قرعت السيدة هاربر البابا مجددا بدت عليها خيبة الامل حين دخلت وهي تحمل بين يديها حذاء فيروزي اللون وتقول باضطراب :
- اخذه شخص من المصعد لكن لم يكن لديه الوقت الكافي لتسليمه للحارس قبل الآن , وكنت انا قد اعدت الحذائين الى المتجر .
اغمضت فيفيان عينيها وقالت:
- انا احتاج الى شراب .
- فلنخرج لتناول الغداء اذن .
فتحت عينيها ونظرت اليه بحذر :
- لم اقل هذا .
- يجب ان نناقش العرض .
ترددت للحظة ثم هزت كتفيها حين تذكرت هدف زيارتها الحقيقي . عليها ان تنجح في اقناعه بتكليفها بحملة اعلانات شامبو شركة كلوفر .
******
لم تكن منطقة ايفنديل الصناعية منطقة واسعه انما نجد فيها بعض الحدائق والساحات ومطاعم صغيرة تتألق بألوان زاهية . ولاحظت فيفيان انها منطقة حيوية للغاية يجري في الجهة الغربية منها نهر نيرنغ .
كما تمتد في الجهة المقابلة مباني ساحل الذهب ومنطقة البنوك والحدائق العامة فضلا عن مركز للفنون والمسرح .
اختار ليتون مطعما محاطا بشجيرات قصيرة يضج بالحياة والالوان الزاهية , تفوح منه رائحة الطعام الشهية . اصطف الزبائن عند المدخل لكن ليتون لم ينتظر , بل اقتاده النادل على الفور الى المائده المخصصة له .
وطلب كأسي عصير في انتظار جهوز طعامهما .
وارتشفت بعض العصير ثم ما لبثت ان علقت :
- هل تصدق ان شخصا ما قد يعاني ما عانيته اليوم يا سيد ديكستر ؟ لا اعني ان تسخر مني مجددا , ولكن عليك ان تعترف بأن فقدان حذائي يمكن وصفه بالمصيبة .
ابتسم لها ابتسامة عريضة واجاب :
- اعترف .
وفكرت فيفيان في قرارة نفسها في ان علاقتهما الآن تبدو مجرد تقارب ودي . ولا وجود لأي نوع من الانجذاب على الاطلاق .
- والآن ماهو عرضك ؟ أمل ان يحسن يومي هذا !
فرمقها بنظرة هازلة تعني انها لم تخدعه مطلقا: اريدك ان تتظاهري بأنك خطيبتي وذلك لمدة اسبوع يا آنسة فلوري .
كانت فيفيان ترتشف شرابها فكادت تختنق وهي تقول:
- ظننت .. ظننت.. قلت لي ان الامر يتعلق بالعمل .
- وهو كذلك .. قلت ان تتظاهري بذلك .
ثم تمتم للنادل الذي كان يضع الطعام امامهما :
- آه , شكرا .
نظرت فيفيان الى طعامها ثم رفعت عينين جادتين نحو ديسكتر الذي اضاف : يبدو انني صدمتك .
- هذا صحيح. هل لك ان تشرح لي لما علي ان اتظاهر باني خطيبتك ؟
- حسنا لا تدعي طعامك يبرد . في الواقع , لدي التزامات اجتماعية لمدة اسبوع .. حيث قد اصبح .. فريسة لبعض النساء . فإن كنتي خطيبتي سيلزمن حدهن , اليس كذلك ؟
رطبت فيفيان شفتيها وابتلعت ريقها مرارا وهي تحاول استيعاب اقواله. ثم جازفت وطرحت عليه سؤالا:
- هل تنخدع بك النساء ؟
- نعم للأسف . وان كنت لا اعلم السبب .
فقالت بعجب :
- الا تعلم السبب ؟ الا تظن ان الامر يتعلق بشرائك ووسامتك وشبابك ؟
- ان كان ما تقولينه صحيحا فلا يبدو انه اثر فيك . اكاد اقسم انك حاولت جهدك كي لا تصفعيني منذ قليل .
- انت على حق .
نظرت اليه متأمله , وهي تتساءل لما يساورها شعور بأنه يتلاعب بها , ويسخر منها ؟ بدا ليتون كنمر خداع يلهو بفريسته .
- في الواقع مازلت ارفض أي عرض لا علاقة له بالعمل .
فقال بتكاسل :
- الا يمكننا اذن ان نبني علاقة صداقة لمدة اسبوع ؟ اعني انك لن تواجهي مشكلة النساء الاخريات, وستكونين عازلا جيدا بيني وبينهن .
ردت بحزم :
- لا . لا يمكنني ذلك . هل انت مجنون ؟ لا تقل لي انك عاجز عن حماية نفسك , فأنت كبير كفاية .
اضافت جملتها الاخيرة بسخرية . فضجك عاليا وقال :
- لا لست مجنونا... ماذا لو قلت انني قبلت بجوليانا جونز و .... ستعطي وكالتك , عقد عصير كلوفر ؟
راحت فيفيان تحدق فيه بذهول بينما تابع كلامه قائلا :
- سيكون الامر بالغ الاهمية اننا نفكر منذ مدة بعرض انتاجنا من العصير بحلة جديدة من حيث الشكل والملصقات اصحيح انك شريكة في الوكالة؟
- نعم حسنا , بأسهم تعادل 1 % فقط ولكن ... ولكن آرائي حول اعلان الشامبو لم تعجبك مما جعل الامور تختلط علي ...
- ربما كانت اعجبتني لو لم أرك .
حدقت فيه مجددا وهو يقول :
- كما ان اعلانكم عن العسل اعجبني جدا لهذا اتصلنا بكم . اعتقد انك لعبت دورا كبيرا في تحضيره .
فردت بتخاذل :
-هذا ... هذا صحيح .
- وانك حصلت على مرتبة الشرف من كلية الفنون ؟
- انت تحفظ دروسك بشكل جيد , يا سيد ديكستر .
- هل تعتبرين فترة اسبوع من وقتك اهم من الربح الذي قد يعود على شركتك ؟
- لكن هذه رشوة صريحة وابتزاز .
- حسنا , انها مسألة اخذ وعطاء ...
فقاطعته :
- لا , كيف لي ان اعرف ما ينتظرني ؟ قد يكون ... قد تكون .. لا ادري ..
- قد اكون ولكنني لست كذلك . دعيني اعطيك مزيدا من التفاصيل . ستتزوج اختي قريبا وفي الاسبوع الذي يسبق العرس تقام عادة حفلات يومية صاخبة . ستكون امي موجودة في المنزل وستقام الحفلات في مزرعة الاسرة لهذا لن تضطري الى البقاء معي على انفراد . كما ان امي من الوجوه البارزة في المجتمع صدقيني .
كانت فيفيان تأكل من دون ان تستمتع بطعامها , فقالت له :
- وهل يقيم الاغنياء اعراسهم بهذا الشكل ؟
- الا يفعل معظمنا هذا ؟
- ليس في مزرعة الاسرة يا سيد ديكستر .
- ستمضين وقتا مسليا يا فيفيان .
- لكننا لا نستطيع الادعاء بأننا مخطوبان من دون ان نثبت ذلك من حين لأخر .
- يسرني ان احترم رغبتك في عدم اظهار عواطف معينه. يمكننا ان ندعي ان الخطبة مازالت غير رسمية .
انهى طعامه ثم ازاح صحنه جانبا فقالت له :
- وماذا عن امك واختك ؟ كيف ستكون ردة فعلهما ان احضرت معك الى المنزل فتاة غريبة حتى وان كانت الخطبة غير رسمية ؟
- امي واختي لا تعارضانني عادة .
تأوهت محبطة :
- اتصور ذلك . ولكن لا بد ان هناك ... ان هناك سببا آخر .
- هذا صحيح . احسست برغبة في الاعلاء من قدري بنظرك .
انهت فيفيان طعامها وشربت جرعة من ماء وكأنها تؤجل النظرفي عيني ليتون الداكنتي الزرقة فقد لامست اعماقها كلماته التي قالها بهدوء , شعرت بتلك القشعريرة الغريبة التي تملكتها مجددا . ما معنى هذا ؟ فهي لاتشعر بالانجذاب الى هذا الرجل , بأي شكل من الاشكال .
واخيرا قالت :
- اذا كان الامر كذلك, فما عيب الطرق التقليدية في جذب الفتيات يا سيد ديكستر ؟ لم لا تعتمدها بدلا من الرشوة ؟
تشابكت نظرات عينيه بنظراتها :
- هناك سببان , فأنا احب التحدي ... واشعر بانك ستكرهين الحركات التقليدية . اما ما قد تفعلينه كي تحسني عملك, فهذا سبب آخر .
اندفعت فيفيان تقول من دون تفكير :
- هل هذه الاتفاقية صادقة وشريفة ؟ جوليانا جونز وعقد لإعلانات عصير كلوفر مقابل اسبوع من وقتي اتظاهر فيه بأنني خطيبتك ؟
فأوما ايجابا فقالت :
- اتفقنا اذن .
*******
وفي الصباح التالي سألها ستان غودمان اقدم شركاء مؤسسة غودمان وشركاه :
- كم عمرك يا فيفيان ؟
- 25 عاما تقريبا .
- الست اكبر من ان تنخدعي بلعبة كهذه ؟
- لم استطع منع نفسي , وفضلا عن ذلك لاحظ العقد الذي حصلت عليه للشركة .
- وماذا سيحصل ان لم تتظاهري بأنك خطيبته وحسب بل انتهى بك الامر الى الوقوع في شباكه ؟
راح يتأملها من خلف نظارتيه .
- لم نأت على ذكر هذا , في الواقع . ولكن ان كنت تعتبر اني عاجزة عن صد رجل ما لمدة اسبوع فأنت تظلمني .
- انه ليس مجرد رجل ما .
هزت كتفيها بضيق وردت :
- لا بأس . هناك الكثير من النساء اللواتي يحمن حوله , لكنني نفرت منه منذ رأيته في الواقع , يجهل ليتون المأزق الذي اوقع نفسه فيه .
اسبل ستان بيديه يائسا , وهو يقول بتضرع :
- ان كنت عاجز عن اقناعك بالعدول عن هذا الامر , فعديني بألا تقومي بأي تصرف احمق .
ترددت فيفيان , فهي تعلم ان ستان سيحافظ على وعده لها , ولا يتحامل عليها فيما لو رفضت عرض ليتون . لكنها تعلم ايضا ان الوكالة بحاجه الى عقد شامبو كلوفر وعصير كلوفر .
كان احد الشركاء القدامى قد انتقل الى شركة اخرى منذ ايام قليلة وحمل معه ايضا بعض العقود المهمة لديهم . لهذا لم تشأ الخروج صفر اليدين من مكتب ليتون في الامس , علما ان ستان يجهل اطلاعها على الورطة التي يعانون منها .
كانت ترى تأثير ماجرى عليه . فقد خسر الكثير من وزنه , وبدا عليه التعب والضعف . ومن جهة اخرى لم تشأ ان يظنها تتجاوز واجبها نحو الوكالة فتزيد بهذا من مشاكله .
لهذا قالت له وقد بدا عليها التفكير العميق :
- ستان , اظن ان الوقت قد حان كي يقوم احدهم بخطوة ما . ولكن ثق بي فسأحاول المستحيل كي لا تخسر صفقة العصير او الشامبو .
- وماذا عن رايان دمبسي ؟
حدقت فيه مدهوشة , لأنها نسيت كل ما يتعلق برايان الذي كان يعمل في الوكالة نفسها .
- لقد انتهت علاقتي به منذ وقت طويل .
رفع ستان حاجبيه فترددت فيفيان ثم قالت لهدوء :
- اعرف ما تظنه تعتقد انه حطم فؤادي ولكن هذا غير صحيح .
حدق فيها ستان البالغ من العمر 5 عاما , وفكر في هذه الفتاة التي توقع نفسها في المشاكل غالبا , ثم تنهد في قرارة نفسه.. فهو يعرف فيفيان منذ نعومة اظافرها , ويشعر انه يعرفها اكثر مما تعرف هي نفسها .
كان ريتشارد فلوري والد فيفيان صديقه المقرب . وعندما ماتت امها , وهي في الـ6 من عمرها , تحطم قلب ابيها ولم يتزوج مرة ثانية .
وبما انه مهندس مدني , فقد اعتاد ان يسافر كثيرا ويصطحب معه في بعض الاحيان ابنته فيفيان , وفي احيان اخرى كانت تبقى في الدرسة الداخلية فأعتاد ستان وزوجته ايزابيل ان يستضيفاها اثناء عطلة نهاية الاسبوع .
ولشدة ما كانت تكره الانفصال عن ابيها الحبيب نشأ في نفسها خوف من الزواج وتحول الاحساس بالخسارة الذ صحب اباها الى قبره
الى خوف من علاقة مع رجل ما , كي لا تفقده في ما بعد . كما ان نمط حياتهما لم يكن يتماشى والعلاقات الاجتماعية , اذ سرعان ما كانا يفترقان عن اصدقائهما وعن الامكنة التي يألفانها .
وعندما بلغت الـ18 توفي ابوها .
اما العلاقة الوحيدة التي ربطت فيفيان برجل . فعززت خوفها من الالتزام الجاد فقد هجرها رايان دمبسي .
ولكن هذا لا يعني انها منطوية على ذاتها تفتقر الى الاصدقاء وانها لم تستغل قدراتها الى اقصى حد بمساعدته هو .
قال ببطء :
- فيفيان هل تعين انك دوما تبعدين الرجال عنك ؟
فأجابت بهدوء وهي تطرف بعينيها :
- انا .. نعم يا ستان واظنني اعرف السبب لنشأتي دور في ذلك .. ابي وما الى ذلك .. ثم رايان ... اشكرك على اهتمامك بي .
ابتلعت ريقها وتنحنحت وقد امتلأت فجأة عزما وتصميما على كسب شركة كلوفر لحساب غودمان هذا الرجل الذي لعب دور البديل لأبيها والذي قادها الى مهنتها هذه .
وتابعت تقول بحذر :
- اظنني افترضت ان الزمن سيحل الامر , وكلي ثقة بأن هذه ما سيحصل. ولكن الامر لا يهمني كثيرا صدقني .
- على أي حال, اكره ان اراك تتألمين من جديد .. وهذا ... هذا لعب بالنار .
- لماذا ؟ ألأنه الرجل الذي يقاوم ؟
لكن ستان لم يجب , بل اكتفى بالنظر اليها مطولا , حتى تحولت هي عنه وبعد لحظات قالت له :
- اظنني افهم ما تعنيه . لو ان الفضول لم يتملكني لما وقعت في هذه الورطة . ولكن الا ترى ؟ لقد اصطادني كما تصطاد السمكة , ولعله يظن انه حصل علي . ولكن هذا غير صحيح , وسيعلم لاحقا السبب .
- متى ستذهبين ؟
- بعد 3 ايام .
واعلمته بموعدها التالي في مكتب ليتون ديكستر ثم اضافت ضاحكة :
- اصبح كل شيء جاهزا لقضاء فترة من المرح والتسلية في مزرعة الاسرة .
ثم قطبت جبينها وقالت :
- آه نسيت ان اسأل عن مكانها .
- يمكنني ان ازودك انا بهذه المعلومات تقع في منطقة هاوكبري وتبلغ مساحتها حوالي 1 فدان . وتضم ملعبا وبحيرة واسطبل خيول ....
اخذت فيفيان تضحك وقالت :
- ستان اذا كنت تحاول ان ترهبني فهناك شيء لاتعلمه عني .. وهو اني احسن لعب الكروكيت فقد تعلمت ذلك في المدرسة فضلا عن كرة المضرب والفروسية .
لكن بعد يومين, لم تعد تشعر بمثل هذه الثقة .
كانت حقيبة ثيابها مفتوحة على سريرها تحيط بها اكوام من الثياب , وقد تسللت اشعة الشمس الغاربة الى شقتها على ضفة نهر بربرسيين كانت تعشق شقتها وتعشق النهر والجسر الذي تطل عليه .
تنهدت وهي تنظر الى الفوضى التي خلفتها على سريرها , ثم سارت نحو النافذة المطلة على هذا الجمال كله . وكانت قد اختارت لهذه الجهة من الشقة اللونين الاخضر والاصفر ...توقفت وهي تفكر اتراها تصرفت بحماقة حين قابلت الاشتراك في هذة اللعبة ؟
تقدمت نحو الاريكة وجلست عليها متكدرة , وراحت تتذكر تحذير ستان . فهو لم يحذرها من نتائج موضوع ليتون وحسب , بل نبهها الى وضعها النفسي ولا سيما انعزالها وانطوائها على نفسها منذ كانت في الـ18 من عمرها .
ولكن هل يعني ذلك انها لم تقابل الرجل المناسب بعد ؟ وماذا عن رايان...؟ حسنا ظنت حينذاك انه هو فتى احلامها واضطرت حين تذكرت كيف تخلت عن حذرها
واعتقدت انها تجاوزت خوفها من الاتباط الجدي وان الوقت قد حان ليتزوجا لكنها اكتشفت بعد ذلك ان الرجل الذي ظنت انهامغرمة به لم يكن يشاطرها الرأي نفسه .
فجل ما كان رايان دميسي يبحث عنه هو المرح والصحبة والاهتمامات المشتركة...نعم , ما كان يربطه بها , ولم يكن يفكر في الزواج . وحين اكتشفت حقيقة مشاعره احست بالألم يعتصر فؤادها .
فكانت هذه التجربة درسا قاسيا لها علمها ان تتوخى الحذر من علاقتها مع ليتون ديكستر, اذا ما تبين انه الرجل غير المناسب لها .
وستحصنها خبرتها هذه ضد أي مشاعر ستخالجها وستدرك عندها انها تلعب بالنار .
ولكن هل يعقل ان يكون الرجل المناسب ؟ فهو يبدو واقعيا بعيدا عن الحل والشاعرية كما قال بنفسه . فقد استخدم الرشوة لإقناعها. ودفعها كل هذا الى مقاومة الشعور الغريب الذي يتملكها إزاء جاذبيته الطاغية .
على أي حال , يمكنها ان تتراجع عن هذا الاتفاق في أي لحظة , لا سيما وقد اوضح لها ستان موقفه ... فهو لم يشأ ان تحضر للوكالة عقد اعلانات عصير كلوفر بأي ثمن او وسيلة . كما ان ليتون ديكستر اعطاها رقم هاتفه كما فعلت هي , وذلك تحسبا لأي طارئ على حد قوله .
لا زال ذلك الرقم في مفكرتها في حقيبة يدها الموضوعه على المنضدة الى جانب الهاتف .
مدت يدها الى الحقيبة واخرجت المفكرة لتقلب صفحاتها وما ان عثرت على الرقم المطلوب حتى رن جرس الهاتف فرفعت السماعة .
- آلو ؟ فيفيان فلوري .
- انا ليتون ديكستر يا فيفيان .
جمدت اوصالها وراحت تتساءل كيف نسيت ذاك العمق في صوته الابح . رطبت شفتيها وهي تجيب :
- آه , مرحبا .
- اتصل بك لأطمئن على اتفاقتنا , الا زلت قائمة ؟ ان فترت حماستك اعلميني حالا .
سكتت للحظات وقد احست بدقق من المشاعر المتضاربة , شعرت بالغيظ اذ بدا صوته عمليا وغير شخصي وسرت القشعريرة في جسمها حين اشار الى فتور حماستها .
- كلا ليتون . اظنك لا تمانع ان ناديتك باسمك ؟ لا , لم تفتر حماستي ماذا عنك انت ؟
لم يجب على سؤالها بل قال :
- حسنا .. اسمعي ! طرأ تغيير طفيف على الخطة . انا اليا في بريسيين وانوي ان استقل الطائرة الى البيت في صباح الغد من نا ليس من كولانغانا . ما رأيك لو تناولنا العشاء معها هذه الليلة ؟ فهكذا يمكنني ان احدثك عن اسرتي , وان اصطحبك معي غدا صباحا الى المطار .
قالت ببطء , وهي تفكر في ان هذا التغيير قد يشكل منفذا جديدا للهرب .
- يبدو هذا .. جيدا . آه لكني لم احزم امتعتي بعد , ما رأيك لو قصدنا مكانا قريبا من بيتي ؟ كضفاف النهر مثلا ؟
- لا بأس .
ذكر لها مطعم تحبه لشرفته المطلة على النهر ثم اضاف :
- في الـ6,3 الى اللقاء واقفل الخط .
نظرت فيفيان مطولا الى السماعة وود لو ترميها ارضا لكنها لم تفعل بل عزمت على معاملة هذا الرجل بالمثل .
شقت طريقها بين جموع الساهرين الذين يستمتعون بجمال الامسية وسحر النهر , توجهت نحو الطاولة التي جلس ليتون إليها .
بدا هذه المرة غاية في الاناقة في بذلته الرمادية وقميصه الابيض وربطة عنقه الكحلية . اما هي فارتدت ملابس بسيطه بنطلون ابيض انيق وكنزة بيضاء ناعمة مطرزة بصفات بحرية تصل الى خصرها الرشيق
وانتعلت حذاء خفيفا وردي اللون .
كان شعرها وكالعاده خصلات مجعده ثائرة كما لم تتزين ولم تضع أي مجوهرات .
اخذ يتأملها وهي تقترب منه . وعندما وصلت الى الطاولة التي اختارها راحا يحدقان في عيني بعضهما البعض للحظات بدت طويلة وشحونة .
لم تر فيفيان في عينيه القاتمتي الزرقة أي تعبير ولك بدا فمه متوترا للغاية. وسورها شعور بأن الماثل امامها نسخة اخرى لليتون .تختلف عن ذاك الساخر الماكر الذي التقته منذ يومين .
كان رجلا يعكس الصورة التقليدية لرئيس شركة كبرى , ولم يكن شخصا يستخف به .
بدا كالنمر الطليق وابعد ما يكون عن المزاج العابث . اخذتها افكارها هذه الى عالم من الاحلام , فأحست باضطراب شديد . ولكن لسبب أخر ....
لاذت بالصمت فيما راحا يتبادلان نظرات مشحونة ثم تململت بقلق وقد شعرت بنظراته الخبيرة تقيمها من جديد لكنها عجزت عن قطع هذا التواصل بينهما وعن غض طرفها بل شدتها نظرة عينيه الزرقاوين اليها .
لكنه قام بالمبادرة اذ وقف وابتسم لها ابتسامة متكلفة وسحب الكرسي لتجلس عليه :
- يبدو وكانك بدأت عطلتك , يا فيفيان .
فردت وهي تجلس :
- شكرا على عكسك انت .
- كنت مشغولا للغاية اليوم , غدا سأرتاح .
اشار الى النادل ثم ناولها قائمة الطعام فختارت طبقا من القريدس وسلطة يونانية وحذا هو حذوها وعندما ابتعد النادل اخرج من جيبه علبة مخملية وضعها امامها .
فرفعت عينيها العسليتين الة وجهه وقالت ساخرة :
- لا اظنه ... خاتم خطبة ؟
- انه خاتم من نوع اخر .
جاهدت فيفيان لتكبح غضبها الصارم وامسكت بالعلبة لتفتحها رأت خاتما من ابلاتين مرصعا بماسات صغيرة وفي وسطه ماسه مربعة الشكل وردية اللون لم تكن هذه الماسه كبيرة لكنها اذلتها بلونها الاخاذ واشعاعها الرائع .
- حسنا انه جميل ياليتون . ولكن بما ان الخطبة غير رسمية سأضعه في يدي اليمنى .
كان الخاتم ضيقا بعض الشيء على اصبعها فأدركت انه سيناسب يدها اليسرى تماما .
- كيف عرفت مقاس اصبعي ؟
- ذكرت للصائغ مقاس حذائك ويبدو ان هذا الامر ساعده لكني افضل ان تضعيه في يدك اليسرى .
- اما ان تدعه في اليمنى واما ان تأخذه يا سيد ديكستر .
- اتوفرين يدك اليسرى لخطبة حقيقية .
- نعم .
- وهل تقدم احدهم لخطبتك يا فيفيان ؟
رفعت حاجبيها وقالت :
- اتعني هل عرض علي احدهم الزواج ؟ لا . ولكن هذا لا يعني ان الامر لن يحدث . ماذا عنك انت ؟ هل فكرت في الزواج جديا , ياليتون ؟
- لا , ولكن هذا لا يعني انني لم اتلق بعض ... الاقتراحات .
هزت كتفيها وردت :
- هذا مؤسف . اعني الا تعلم ما اذا كن يردنك انت ام مالك ؟ ما تحتاجه حقا هو ان تقع في غرام فتاه ثرية فاذا لم تكن ثروتك هي الحافز يمكنك حينذاك اذا ما فشلت ان تبحث عن العلة في شخصك .
- مثل ماذا ؟
وصل العصير في هذه اللحظة من الحديث فتحول انتباه فيفيان في الحال ثم قالت :
- متحفظ , انيق نسبيا . انما فاتر للغاية ارجو الا يزعجك رأيي هذا .
طرف ليتون ديكستر بخفيه وسألها :
- ما الذي يعجبك في الرجال يا فيفيان ؟
وحملقت فيه ثم ارتسم المرح في عينيها اسدلت اهدابها وهي تجيب :
- الجريء المفعم بالحيوية . افضل الشاب من اصل لاتيني , لا سيما ان كان شعره طويلا .. ولا مانع عندي من ان يضع في اذنه قرطا غريب الشكل واتمنى ان يجيد الطهي . كما احبه راقصا ماهرا لأنني اعشق الرقص كما يمكن ان اقضي وقتا ممتعا مع شاب يميل الى ارتداء الملابس الملونه الغريبة .
بقي صامتا وعندما رفعت نظرها اليه لاحظت نظراته الساخرة عندها قال :
- ظننتك تتحدثين عن الورقة الملصقة على زجاجة عصير كلوفر يا فيفيان ؟
فضحكت واجابت :
- كنت افعل .. أسفة ... لم اشأ تضييع الفرصة ولكن لا تنبذ الشبان اللاتينين بشكل آلي ياليتون , لنهم المفضلون عندي من بين الرجال , بالمناسبة , عندي افكار جديدة لملصقات اعلان العصير , اتحب ان تراها ؟
أوما بالايجاب فأخذت تفتش في حيقيبتها , وبعد لحظات رفع رأسه قائلا:
- ها قد استعدت شخصيتك الحقيقية يا فيفيان فلوري .
- الرجل ذو الوجهين :

تعاقبت على وجه فيفيان تعابير وانفعالات مختلفة . فسألته ، وهي تشير الى الأوراق الأنيقة : ( هل أعجبتك؟).
راح يتأمل الرسوم مجددا . حملت كل لوحة ، رسم رجل وامرأة . في الأولى ، رجل وامرأة يجلسان على حائط صغير
وقد لف كل منهما ذراعه حول كتف الآخر ، وراحا يتأملان حقلا من القمح .
كان ثوب المرأة يتطاير حولها فيما ارتدى الرجل ثيابا سوداء....
وبدا شعره الطويل مربوطا الى الخلف .
ومثّل الرسم الثاني رجل وامرأة يمسك احدهما بيد الآخر ويقفان قرب شجرة سرو سامقة .
أما الرسم الثالث فكان لرجل يعانق امرأة قرب جدول ماء.
استخدمت فيفيان البنفسجي والذهبي والأخضر والأزرق في رسومها .
وكتبت الى جانب الصورة وبشكل عمودي كلمة ( كلوفر ).
- أعجبتني كثيرا ، ما الذي جعلك ترسمينها ؟
أسندت ذقنها الى يديها وهي تقول :
- كنت أفكر في العصير . .. أفكر فيف كمنتج حيوي ، مستخرج من الطبيعة الأم.
وفكرت في المشاعر الإنسانية خصوصا ، وهو ما لا تعبر عنه الملصقات القديمة.
ومررت إصبعها على الورقة الملصقة على زجاجة ( كلوفر) ثم أكملت :
( يجب أن يُشرب احتفالا بالحب ، بوجبة طعام لذيذة ، أو حتى لمجرد أن ...)
وسكتت ، فقال يحثها : ( تابعي حديثك).
- لقد أسأت فهمي . على أي حال أنت لم تختبر شعور من سرق حذاءه).
تغيرت تعابير عينيه وبدا فيهما المرح ، ثم أخذ يضحك ، فشاركته فيفيان الضحك،
وقالت : ( هيا ، أخبرني عن أسرتك التي أنا على وشك خداعها ).
أحضر النادل الطعام ، وعندما انصرف ، قال :
- من الأفضل أن أبدا بأمي ...إنها أرملة منذ عشر سنوات ، وتؤمن بالقيم الأخلاقية .
وهي عنصر فعال في ميدان العمل الإنساني ، إذ تدعم مؤسسات خيرية عدة ، كما أنها من النوع الصريح للغاية .
ثم هناك مرغريت ، أختي .إنها في الثانية والثلاثين من عمرها ، ستتزوج من رجل يدعى (إيدي ) .
زنحن نناديها باسم ( ماغ) . وأخي الأصغر ( رالف ) وهو العضو الوحيد الذي يسيء إلى سمعة الأسرة.
- من أي ناحية؟
- إنه فنان .
فقالت باحتجاج ( وما العيب في ذلك؟)
فرد بجفاء : ( لا شيء ، ولكنه ينفق مبالغ طائلة على ...)
ثم هز كتفيه ولم يكمل كلامه .
- ما نوع الفن الذي يهواه؟
- الموسيقى . انضم الى فرق روك فاشلة جدا .
- أفترض أنك ووالدك لا تميلان الى الفن؟
وتابعت حديثها ضاحكة : ( وإلى موسيقى الروك خصوصا ؟)
- لقد قامت الدول على المهن والتجارة .
- لا أعني هذا . ولكن لعل رالف المسكين يعاني من عقدة نقص لأنه لا يتمتع بحسك العملي .
فكر ليتون قليلا وأجاب : ( قد تكونين على حق ولكن رالف حر في خياراته ).
فقالت ممازحه : (يحمل صوتك نبرة حذر وعدم حماس ، ياليتون ..
ولكن هذا ليس من شأني ، كم يبلغ عمره؟)
- السادسة والعشرون ..
فسألته بفضول : ( وكم يبلغ عمرك أنت؟)
- خمسة وثلاثون عاما ، فرق السن كبير ، في الواقع . لا بد أن عمرك أنت ...أربع وعشرون سنة؟
- بل خمسة وعشرون وسأبلغ السادسة والعشرين قريبا . هل تعتبرني صغيرة في السن؟
- ما الذي جعلك تظنين ذلك؟
فهزت كتفيها ، وقالت : ( لا أردي ، أنه مجرد سؤال ، لقد سألتني أنت عما يعجبني في الرجال )
- أظنني أشرت الى ذلك في اجتماعنا الأول . وأنت لم تتصرفي عكس الطبيعة حين سألتني عما يعجبني في النساء.
واستند الى الخلف ، حاملا كأس شرابه في يده .
- عندما تتكلم بهذه الطريقة ، يا ليتون ديكستر ...
لكنها لم تكمل جملتها بل سكتت وقد تملكها الإحباط .
انتظر نهاية جملتها ، رافعا حاجبه ببرودة ، وأدركت أنه يسخر منها .
فتابعت تقول وهي تصر على أسنانها من فرط غيظها : ( تزعجني الى أقصى حد . كنت تنظر إلي وكأنني مومس )
- على المرء أن يكون قويا ليقاوم كافة الإغراءات .
فشهقت :
- كيف تعترف بهذا ؟
فتمتم يقول :
- لأنني إنسان .
- هذا يجعل الأمر أسوأ ...إذا كان هذا ظنك بي ، وتريد أن تتراجع عن اتفاقنا ، فاعلمني بذلك.
- لا أريد التراجع ، فهل تريدين أنت ذلك ؟
تشابكت نظراتهما ، وبدت السخرية في عينيه في حين التمعت عيناها غضبا .
- إن كنت ستعاملني كمومس ..وإن كنت ستتعالى عليّ وتطلق أحكاما مسبقة فأنا ...
فقاطعها قائلا :
- أنا أسف ، لن أكرر ذلك . فمن المؤسف أن نخسر نبوغك وإبداعك .
أدارت فيفيان عينيها نحو الرسوم . فقال :
- إنها مدهشة في الواقع . إنها أكثر شاعرية مما يتوقعه المرء عنك .
ردت عليه بحدة :
- أنت لا تعرف شيئا عني . هكذا تعمل العقول المبدعه ، يسيرها الإحساس ..بالإشياء.
- لا بد أنك تحسين بالحب الشاعري ..ولكن قبل أن نعود إلى اتفاقنا ، أنحن في جلسة عمل أن ترفيه ؟
فتحت فمها لتجيب ثم عادت وأطبقته . عندما تراءى لها وجه ستان غودمان المرهق . قالت دون اكتراث :
- بل في عمل ، ياسيد ديكستر . لهذا علي أن أذهب إلى بيتي لأحزم أمتعتي .
قيل لي إنه علي أن أحمل معي ثيابا للسباحة ..والتنس ..وركوب الخيل ..وحتى الكزكت ..
هذا ما عدا ملابس السهرة والرقص وما إلى هنالك؟
- من قال لك كل هذا؟
- شريكي ورئيسي في العمل ، ستان غودمان ، هل هو مخطىء ؟
لم أسألة كيف علم بكل هذه التفاصيل عن مزرعتكم هارفست مون.
فقال ليتون ديكستر وهو يقف : ( معلوماته صحيحة)
وقفت فيفيان بدورها وانتظرا حتى سددا الحساب ، ثم خرجا جنبا إلى جنب . وفي الخارج ، سألها :
- هل يمكنني أن أوصلك حتى باب شقتك .
فأجابت : ( آه ، لا داعي لذلك . أقيم على بعد خطوات فقط ) ...ثم سكتت فجأة ، وقد بدا عليها الإرتباك .
فتمتم :
- لم أكن أفكر في أكتشاف مكان إقامتك عنوة ، لكن يجب أن أعرف من أين أقلك غدا إلى المطار .
وكانا على وشك الوصول إلى الممر الؤدي إلى النهر ، والليل قد أسدل ستاره ، لكنه استطاع أن يرى الأحمرار يصبغ وجهها .عرفت ذلك من ابتسامته الساخرة.
فقالت بسرعة مدافعة عن نفسها :
- كم دفعت ثمن هذا؟
ورفعت يدها اليمنى التي تحمل الخاتم . فهز كتفيه:
- حوالي ..الستين ألف دولار.
خلعت فيفيان الخاتم ، وأخرجت علبته من حقيبتها ثم ناولته إياهما ، قائلة: (خذ ، لن أضعه ).
- لماذا؟
نظرت إليه بثبات وقالت:
- لدي أسباب عملية تدفعني للعب هذا الدور . لعلي علقت كالسمكة في الصنارة ،
ولكني لا أود أن أضع في جسمي ستين ألف دولار من ثروتك.
- يا للفصاحة !
وأخذ العلبة ليضعها في جيبه .
تسارعت أنفاسها ، ثم عاودت السير وهي تقول :
- كما أنني أكاد لا أضع المجوهرات ، ما عدا لآلىء أمي . وأكتفي بوضعها في المناسبات الكبرى . لهذا قد أفقد هذا الخاتم بسهولة.
- إن هذا الخاتم مؤمن عليه . بالمناسبة ، كلما تزينت بالجواهر كلما زاد جمالها .
- أشكرك على هذه النصيحة ، ولكن....
ثم سكتت محبطة ، لتضيف بعد حين : ( صدقني ، أنا لا أحب المجوهرات ، وإن كنت أشعر بالحنين إلى لآلىء أمي ).
- أظن أن اللآلىء ستبدو مذهلة عليك ، يا فيفيان.
توقفت واستدارت لتواجهه . لكنه حافظ على هدوئه ووقف يتأملها ، وقد دس يديه في جيبي بنطلونه .
- في الواقع ، أكاد أراك تضعين اللآلى وحدها...

قالت له بلهجة متوترة:
- ألم تتفق على عدم اعتماد أسلوب الكلام الذي يحمل أكثر من معنى ؟
- اتفقنا على ألا أجعلك تشعرين وكأنك مومس ، لكن ما قلته تعبير عن عاطفة صادقة.
لأننا ، يا فيفيان ، لا يمكن أن نمنع نفسينا من الأنجذاب لبعضنا البعض.
فهذا الشعور موجود ...بيننا).
فقالت بلهجة لاذعه ، بالرغم من أرتجاف صوتها :
- أتظن ذلك؟ أشك . ومن ناحية أخرى ، أنت تعاقبني لأني أعدت لك خاتمك . وهذا ما أعتبره تصرفا دنيئا .
فبدت على وجهه ابتسامة شيطانية وقال:
- حسنا ، وهل أصبت الهدف؟
صرفت بأسنانها وأسلبت أهدابها ، وقد بدا عليها الأرتباك .
- ظننتك تستمتعين بالتنافس ، يا فيفيان .
- أنت مخطئ وهذا رأيك الشخصي . لنعد إلى ما كنت أقوله قبل ...
- قبل أن أطلعك على أفكاري ؟ كنا نتحدث عن السبب الذي جعلك تخلعين خاتمي من إصبعك.
نظرت إليه بمرارة ، ثم عاودت السير مجددا وهي تلوح بحقيبتها :
- هذا صحيح . كنت سأقول إن غدم اهتمامي بالمجوهرات يشكل سببا كافيا كي لا تشتري لي خاتما .
- سأستعمل هذا العذر إذا ما سمعت تعليقا بهذا الشأن .
رفعت بصرها إليه ، ثم انفجرت تقول:
- تبا ! هل اشتريته لي خصيصا أم ...ماذا؟
سكتت فجأة ، لأن الكلمات خرجت بشكل عفوي ، من دون أن تدرك أن هذا ما يعذبها في عقلها الباطن .
بدت في عينيه نظرة غامضة وقال:
- سأخبرك يافيفيان حين تقررين وضعه في أصبعك.

عندما انفتح باب المصعد في الطابق السفلي ، دفعت حقيبتها إلى خارجة و أتبعتها بحقيبة يدها وأمتعتها الأخرى فكادت تصطدم بليتون ديكستر .
عندها ، قالت لاهثة :
- آه ، أسفة .
- لا بأس ، بالرغم من أني لم أصطدم من قبل بحقيبة على عجلات.
- أنا لا أحب ..المصاعد . وخاصة بعدما حثل لي في مصعدك.
- لماذا تسكنين إذن في بناية شاهقة؟
فهزت كتفيها قائلة :
- أقيم في الطابق الثالث . وأنا أستعمل السلالم في أغلب السلالم في أغلب الأحيان ، وهذا مفيد للقوام.
راح ليتون يتأمل قوامها ، ثم تمتم قائلا : ( أعترف أني أوافقك الرأي ).
كان يرتدي بنطلونا كاكي اللون وقميصا مقلما باللونين الأزرق والأبيض وقد ثنى الكمين إلى أعلى : ( بالمانسبة ، وكنت سيارتي أمام الباب الأمامي لهذا علينا
لهذا علينا ألا تضيع الوقت ).
فقالت له بحدة : ( آه ، لا ! يمنع وقوف السيارات هنا) .
ثم ما لبثت أن تغيرت ملامحها عندما وقعت عيناها على سيارة رولز رويس رماديه أمام الباب:
( أنا واثقة من أنهم سيستثنون سيارتك ، وإن كان هذا لا يعجبني ).
- لن أكرر فعلتي .
خرجا من الباب ووضع لها حقائبها في صندوق السيارة ثم صعد إلى جانبها وهو يقول : ( إنه يوم رائع للطيران) .
فقالت وهي تنظر إلى السماء الصافية :
- نعم ، والحمد لله .
-إذن ، أنت لا تستعملين المصاعد إلا عندما تحملين أغراضا كثيرة؟
اتكأت فيفيان إلى ظهر مقعدها وقد أعجبتها رفاهية السيارة البالغة.
- طبعا لا ، فأنا لست من هواة صعود السلالم ، وأضطر لاستعمال المصاعد في العمل وفي أوقات أخرى.
أما في بيتي فأفضل أن أمشي . كما أن المسؤول عن المبنى لطيف للغاية .
وعندما أشترى حاجياتي أتركها عنده فيحملها إلى شقتي .
أنهت كلامها ولاذت بالصمت معظم الوقت . ولم يبد عليه أنه لاحظ صمتها،
إذ تلقى اتصالين هاتفيين أثناء الرحلة . وفيما استسلمت للاسترخاء.
صب هو اهتمامه على القيادة وعلى أعمالة .
وقالت له فجأة عندما تجاوز المنعطف المؤدي إلى المطار المحلي : (أظنك تجاوزت المنعطف)
فالتفت إليها قائلا :
- لا ، نحن ذاهبان إلى مركز ( الملاحة الجوية العامة)
ابتلعت ريقها وقالت:
- أنت لا تعني ..لست متوجها إلى مركز الطيران التجاري؟)
- بل أعني ذلك.
تابع سيره ، وتجاوز بسيارة الرولز سلسلة من البوابات إلى أن توقف أخيرا أمام أحد المدارج حيث وقفت طائرة وحيدة .
- أنت لست جادا؟
اضطربت فيفيان حين سمعت صوتها المرتفع ، في حين قطب جبينه .
- سنستخدم هذه الطائرة لننتقل إلى المزرعة . صدقيني إنها أفضل طريقة للسفر ، فهي توفر علينا رحلة طويلة بالسيارة إلى المزرعة ، و ..
فقاطعته وهي ترتجف :
- قد تكون أفضل طريقة للسفر بالنسبة لك ، لكن ليس بالنسبة لي .
- اسمعي يا فيفيان ! عندما أنهيت دراستي ، التحقت بالقوات الجوية ،
وعملت كطيار لسنوات عدة ، يمكنني ، في الواقع أن أقود طائرة أكبر منها وأكثر تطورا.
لكنها قطعت كلامه قائلة برزانة:
-أنت لا تفهني ، ماذا أفعل برأيك في الدقائق العشرين الأخيرة ؟
- ماذا ؟ كنت هادئة بعض الشيء ، ولكن ... ليس لدي أدنى فكرة.
فردت بعنف : _ تماريني ، أخبرتك أني لا أحب العلو ..حسنا ، أنا أكرة الطيران أيضا . وعلي أن أقوم بسلسة من التمارين للإسترخاء كل ما استقليت الطائرة.
يمكنني الآن أن أركب طائرة تجارية ، بفضل الطبيب النفساني ، ولكن لا يمكنني أن أستقل
شيئا خفيفا صغيرا كهذا).
ساد صمت مطبق للحظات ، راح بعده يضحك برقة ، فقالت له بانزعاج :
( هل ترى في هذا أمراً مضحكاً..)
- فيفيان ..هذه ليست شيئا خفيفا صغيرا . يمكنها أن تنقل تسعة أشخاص ، وهي سريعة جدا ومعجزة التقنية الحديثة . آه ، حسناً ..نعم ، أنا أضحك ، لأنني أفكر في كافة الجوانب ..المصاعد ..
العلو ثم الطائرات ، في حين كنت أظنك فتاة عصرية.
فقالت عابسة : ( أنا فتاة عصرية غالباً)
- هل أنت واثقة من أنها مشاكلك النفسية الوحيدة ؟ أود أن أعرف كي لا أقترف الغلطة نفسها مرة أخرى.
فما كان منها إلا أن نظرت إليه بمرارة وردت:
- نعم.
- لا بأس ، فلنرى إذن ما يمكنني فعله لحل هذه المشكلة.
وبعد نصف ساعة ، كانت تجلس إلى جانبه في قمرة القيادة .
كان الإنجاز رائعا ، رغم أنها لم تصل إلى مرحلة الإعتراف بذلك.
قدمها أولا إلى الميكانيكيين المسؤولين عن صيانة الطائرة فأخذوها بجولة في الطائرة.
وتأثرت بخبرتهم وحماستهم وباحترامهم البالغ لليتون ديكستر.
لم يسمح للتوتر الذي ساد بينهما بالظهور ، كما كتمت خوفها من العلو.
كان يعاملها كصديقة راشدة . فسألها ، والطائرة تتحرك على أرض المطار:
- هل أنت على ما يرام؟
كانت تضع سماعتين على أذنيها بعد أن علّمها كيف تستعمل الميكروفون عندما يتحدثان ،
وتستمع إلى برج المراقبة في الوقت نفسة . كما علمها كيف تحافظ على رباطة جأشها.
- لا تنسي ، أنا أعلم ما أفعل . بما أنك وافقت على ركوب السيارة معي .
أعلمك أن قيادة الطائرة ليست أصعب بالنسبة لي .
وسلامتي الشخصية هي بأهمية سلامتك عندي .
ابتلعت فيفيان ريقها ثم أومأت ، فأكمل قائلا:
- كما أنك هنا لتستمتعي بوقتك . وهو يوم جميل للتحليق فوق خليج ( موريتون) .
وكان على حق ، إذ أشار إلى جزر ( سانت هيلينا ) و ( موريتون ) و( يبل) ثم حلقا فوق الساحل ، ومرا فوق ( سيرفرز باردايس )
وبدأت تسترخي ، شيئا فشيئا ، لكنها لم تفلح كليا ..
وشكت في أن تتمكن من ذلك يوما ما ..لكن الرحلة كانت هادئة ، لم تشعر خلالها بالتوتر الذي يدفعها عادة إلى التشبث كلما مالت الطائرة .
كما أنه أضفى على الرحلة طابعا مميزاً.
حين أخذ يشير إلى المدن والأنهار على طول الساحل .
وبعد ساعات ، أعلمها أنهما على وشك أن يحطا على المدرج الخاص لمزرعة ( هارفست مون ) فبدا عليها التوتر وراح العرق يتصبب منها.
ولم تعد قادرة على التركيز على المناظر الطبيعية .لمست الطائرة الأرض بخفة ونعومة ، واستدار بها ليقف على المدرج .
عندئذ شعرت بتراخ في عضلاتها ، ولم تقو على الحركة مما جعله يساعدها على نزول السلم.
لا بد أنه أدرك ما أصابها ، إذ قال لها برقة دون أن يترك يدها : ( أنت شجاعة جداً ، يا فيفيان)
تملكها شعور بالسرور سرعان ما تبعه شعور آخر عرفته من قبل .
- أسفه ، يا ليتون ، لكني على وشك التقيؤ.
فوضع ذراعه حولها ، وقال:
- لا ، يا فيفيان ، لن تتقيئي ، تنفسي بعمق.
- لا يمكنك التحكم بذلك ، يا ليتون...
فرد بصوت هادئ ، واثق:
- بل أستطيع ، إفعلي فقط ما أقوله لك ، خذي نفساً عميقاً ، ولا تنسي أنك على الأرض.
والهواء نقي منعش . أنت لست وحيدة وأنا معجب بك للغاية . خذي نفساً عميقاً مرة أخرى.
خففت عنها طريقته في الكلام الهادئة الواثقة ، بشكل لا يوصف ، كما أن وجود ذراعه حول خصرها بعث فيها شعوراً بالأمان ..فأخذت تتنفس بعمق.
إلى أن مرت الأزمة بسلام ، فقالت متعجبة:
- لا أدري كيف فعلت هذا .
وخفق قلبها ، حين ابتسم لها وقال:
- إنه قيء ناتج عن ردة فعل عصبية وليس عن مرض .
- لا بد أن الأمر كذلك ، فأنا أشعر بالغثيان عندما أتوتر أو أصاب بالدوار في المواقف الصعبة.
فتمتم يقول :
- أنت تعانين من مشكلة ما ، يا فيفيان ، أليس كذلك؟
أعلم أنك لم تصابي بالدوار معي ، ولكن هل سببت لك الغثيان قط ؟
في ما عدا حين أصريت عليك لتركبي الطائرة معي ؟
فأجابت ببطء :
- حسنا ، لا .. وهذا غريب ، لأنك ...لأنك تثير في أحياناً ردة فعل لم أعهدها من قبل .
رفع حاجبه ساخراً ، وسألها : ( مثل ماذا؟)
عبست ، وتمنت لو تنشق الأرض وتبتلعها عن أنظاره ، ولكن هذا جزء من المشكلة . إنها جاذبية ليتون ديكستر البالغة .
فكيف شعرت مثلاً بالأمان والحماية حين أسندها بذراعه .
وأنقذها من ردة فعل تخجلها ، فيما يتملكها الآن شعور مختلف ؟
أحست بقربة منها وبالجاذبية التي تتطاير من عينيه ، وتنبعث من تسريحة شعره .
وملامحه التي تتغير ما بين الهزل حيناً ، وبين القوة والثقة حيناً آخر .
فقد كان وسيماً ، قوي البنية وهذا ما يجعلها تشعر بأنوثتها ، وأحست بأنها تتخبط في بحر لا تعرف قراره.
مما أخافها وأربكها . إن مشكلتها البالغ به وشعورها بقوة نظراته التي تجول على وجهها وعلى قدها الرشيق وإحساسها بالسعادة لأنها ترى أنها تجذبه ..
هذا الرجل يحرك فيها مشاعر لم تعرفها من قبل ، مشاعر لم يسبق أن جعلها تشعر بها أي رجل هذا ما يخيفها .
أدركت أنه تكهن بما يجول في ذهنها ، أو لعله فهم ردة فعلها حين انتابتها تلك الرجفة المفاجئة ..
علمت أنه سيعانقها ولن تكون قادرة على منعه ..
وأنها أجابت على سؤاله ، بلغة أبلغ من الكلام .
وبعد دقائق ، كانت تقف مرتجفه بين ذراعيه تريح جبينها على كتفه وهي تتنفس بعمق
بينما هو يمرر أصابعه في شعرها ويضمها إليه . ولكن ما أن أحست بأنها ، من الشجاعة ،
بحيث يمكنها أن ترفع عينيها إليه دون إن تكشف عن مشاعرها حتى سمعت صوتاً يقول :
- المعذرة .
فوجئت بالصوت الغريب ينبعث من وراء كتف ليتون ، فأجفلت وكادت تقفز لو لم يشتد ضغط ذراعي ليتون عليها .
ولم يطلق سراحها على الفور ، بل احتفظ بيدها في يده ، واستدار ليرى من ذا الذي وصل .
كان شاباً طويل القامة ، رمادي العينين . وقد ربط شعره الأسود إلى الخلف .
ووضع في أذنه قرطاَ فضياَ ، اتكـأ الدخيل إلى صندوق سيارة ( لاند روفر ) وراح يتأملها . نظرت حولها بارتباك وقد أحمر وجهها لأنه وصل بالسيارة دون أن تنتبه إليه.
استقام بوقفته ، ثم أنحنى أمامها ، قائلا :
- عذرا ، يا سيدتي . لكني منتدب لأصطحابكما ، أنت وليتون ، بعد أن أتصل بالمنزل .
فرد ليتون ببطء من دون أن يفلت فيفيان : ( شكراً يا رالف . أقدم لك خطيبتي فيفيان فلوري ) .
فهتف رالف بارتباك : ( ماذا؟)
عندها تمتم ليتون :
- لقد سمعتني . هذا أخي رالف ، يا فيفيان . لقد حدثتك عنه قليلاً.
- نعم ، نعم .
كان هذا جلّ ما استطاعت قوله ، إذا تدفقت الأفكار المختلفة إلى ذهنها .
فعندما وصفت لليتون ( حبيبها اللاتيني ) ، كما سمته ، وصفت رالف ديكستر .
وعندما عرفه ليتون عليها صعق لدرجة أخرسته ؟ ترى ألم يخبر ليتون أحداً بأنه سيحضر رفيقة معه ؟
إذ يبدو جلياً أنه لم يأتِ على ذكر خطيبته ..وكيف جرفتها مشاعرها بحيث لم تسمع رالف حين وصل ؟
ويبقى السؤال الأهم ، ألم يسمعه ليتون مثلها ؟ أم أنه استغل الفرصة ؟
قطع ليتون سيل أفكارها ليقول : ( ساعدنا يا أخي )
- حسنا . ولكن أولاَ ، أهلاً بك فيفيان ! لقد أعجبني ذلك . يعجبني منك كل شيء ، في الواقع !
ومد يده بابتسامة صبيانيه عريضة ، مضيفاً :
- أهلاً ومرحباً بك في بيتنا ! سيكون ..أسبوعاً رائعاَ .
صافحته فيفيان وهي تبتسم بوهن :
- شكراً ..هذا ..هذا يبدو جميلاً .
ونظرت حولها للمرة الأولى ، ولكنها لم تر ما يلفت نظرها ، بل مدرج من الأسمنت وحظيرة صغيرة للطائرات ودغل يحيط بها .
غمزها رالف وهو يلاحظ استغرابها ، ثم قال :
- أفهمك جيداً ، نحن بعيدون عن البيت ميلاً كاملاً لكن الأمور ستتحسن .
وتدخل ليتون قائلاً بشيء من الجفاء :
- أظن أن الغداء جاهز وبإنتظارنا .
حمل رالف حقيبتها ، وعلق : ( إن التأخر عن وجبة الطعام خطيئة كبرى ، يا فيفيان . اصعدي إلى السيارة وسأساعد أنا ليتون في نقل بقية الأمتعه ) .
لكن ليتون أحتل مقعد القيادة إلى جانب فيفيان بينما جلس رالف حزيناً في المقعد الخلفي ، وسألع ليتون :
- من في المنزل ؟
- ( ماغ) و ( إدي ) واللايدي ( واين رايت )
وسكت ثم ابتسم ابتسامه عريضة عندما أخذ ليتون يطلق الشتائم والسباب .
تابع بعدها يقول : ( اثنتان من وصيفات العروس ، إبنة عمنا ماري مع أولادها ، ثم ..فيرجينيا).
ساد صمت قصير غريب قال ليتون بعده بشكل عفوي :
- آه حسنا ، سيكون العدد كافياً لنلعب بعده الغداء ، إلا إذا ..هل تلعبين الغولف ، يا فيفيان؟
- لا ، أجيد التنس والكروكت فقط ..
فتأوه كل من ليتون ورالف ، بينما تابعت تقول : ( لا ألعب الفولف ، لكني أجيد السباحة وركوب الخيل ) .
فقال رالف لأخية وهو يمد رأسه بينهما من المقعد الخلفي :
- ألا تعرف إن كانت تلعب الغولف أم لا ؟ إنكما غريبان حقاً.
فاضطربت فيفيان ، بينما رد ليتون بهدوء :
- من الغريب أن هذا لم يخطر على بالي .
فضحك رالف ، ثم تظاهر بالجدية وهو يسأله :
- متى تعرفتما إلى بعضكما البعض ؟
- من مدة كافية ، هذا هو المنزل ، يا فيفيان ، إنه من عصر فيلم ( ذهب مع الريح ).
كان المنزل جميلاً ، برأي فيفيان ، ويقوم على هضبة . كما تمتد أمامه مروج خضراء تنحدر نحو النهر حيث رصيف ترسو قربة قوارب .
يتألف المنزل من طابقين ، وقد طلبت جدرانه باللون الأصفر الفاتح بينما دهنت النوافذ بالأبيض . يتميز المنزل بشرفة تلتف حوله .
ولا حظت فيفيان ، عندما توقفت بالسيارة ، مجموعه من الأشخاص ، يجلسون إلى مائدة كبيرة على الشرفة.
يتناولون الغداء . أغمضت عينيها للحظة .
وتمنت لو كانت على بعد الآف الأميال ثم قالت بعفوية :
- ألا تظن أنه من الأفضل ألا نخبرهم بالأمر على الفور ؟
فقال رالف على الفور :
فكرة جيدة جداَ . فهذا الخبر سيحدث خضة بين الحضور.
فرد ليتون ببطء :
- شكرا على نصيحتك ، يا رالف ، لكنني سأتصرف.
ورمق أخاه شزراً ثم التفت إلى فيفيان مضيفاً : ( هذا أمر تافه مقارنة مع الإنجاز الذي حققته اليوم ).
وللحظة ، وفيما كانت عيناه الزرقاوان تنظران إليها ، وقد ارتسم فيهما المرح والدفء معاً .
راح قلبها يخفق بسرعة وغرابة وهي تتساءل محتارة عما إذا كان الأمر جدياً وحقيقياً .
وعما إذا كانت مخطوبة بالعفل لليتون ديكستر . وبللت شفتيها بلسانها ، قائلة:
- أنا ..أنا لست واثقة من ذلك .
وقال وهو يخرج من السيارة : (ثقي بي ).
كانت الدقائق العشر التالية مربكة للغاية ، إذ بدا أن ليتون لم يخبر أحداً بأنه سيحضر معه رفيقة . ناهيك عن خطيبة ..ولا يعني ذلك أنه كشف عن الأمر ، ساورها شعور بأنه أخذ بنصيحة رالف .
وساد جو منع أي مناقشة ، بالرغم من الدهشة التي أصابت الجميع .
ولم يأت أحدهم على ذكر الموضوع ، حتى أمه . علما أنها علقت قائلة : ( ما هذا ، ليتون ؟ كان عليك أن تخبرني بأنك ستحضر معك صديقة !
عفواً يا عزيزتي ) ، ثم تابعت تقول لفيفيان : (هذا لا يعني أننا لا ترحب بك ، لكن علي أن أجهز لك غرفة ، إلا إذا كنت لا تنوين البقاء).
كانت أميليا ديكستر امرأة ملفته ، بطولها الفارع ونحافتها ، وتسريحة شعرها الأصهب القصير.
كما تميزت بأناقتها البالغة ، إذ أرتدت بنطلوناَ ضيقاَ من الجينز وقميصاً ناصع البياض وتزينت بمجوهرات مختلفة من سلاسل ذهبية وخواتم ماسية.
أما فيفيان ، التي توقعت امرأة مختلفة كلياً ، فأرغمت نفسها على عدم إبداء الدهشة ، وقالت :
- آه ..كنت أنوي البقاء ، ياسيدة ديكستر ، لكني لم أتوقع ألا تكوني على علم بحضوري .
فردت الأم باستسلام : ( إن تصرفات ليتون استقلالية ، مع الأسف . على أي حال ، نحن نرحب بك ، بما تدعوك؟)
- فيفيان .
سبق ليتون فيفيان إلى الرد ، وقال : ( فيفيان فلوري ).ثم أخذ يعرفها على الجالسين حول المائدة كل بدوره ، ثم أضاف : ( بالمناسبة ، نكاد نموت جوعاَ وعطشاً )
وجذب أحد الكرسيين الخاليين لتجلس فيفيان ثم جلس على الآخر.
يعدما ، استأنفوا تناول الغداء ، بينما راحت فيفيان تسجل انطباعاتها حول الموجودين .
اللايدي واين أقرب وأعز أصدقاء أميليا ، كانت تتحدث بغطرسة ولا تخفي ذكاءها الحاد .
أما مرغريت ، عروس المستقبل ، فكانت امرأة فاتنة ، وبدا جليا أنها مولعة بأخيها .
كانت على وشك الزواج من رجل هادئ متواضع يناديه الجميع باسم ( إدي ) .
وبدت إبنة عم ليتون ، ماري متعبة للغاية .
كما عرفها ليتون على وصيفتي العروس وبقي شخص واحد هو فيرجينيا ديكون.
وقد عرفوها بها ، من دون أن يفسر لها أحدهم ماهي صلتها بالأسرة أو العروس.
وأدركت فيفيان تدريجيا أن الكل مهتم بفرجينيا هذه التي تبلغ قرابة الثلاثين من عمرها.
وهي امرأة ذات جمال ملفت ..وبينما كان شعر مرغريت قاتما كشعر أخيها .
بدت هذه الفتاة الشقراء باهته بعينيها الزرقاوين الباردتين وبشرتها الرقيقة .
وتساءلت فيفيان عما إذا كانت مريضة ، إذ بدت شاحبة ، هادئة ، ومتحفظة في إبدا مشاعرها.
بادرت اللايدي ( واين رايت) إلى وضع حد لهذا الغموض ، عندما أزيلت الأطباق الفارغة وقدمت الحلوى .
فرفعت كأس شرابها وقالت:
- لندع التحفظ جانبا . هل أستنتج إذن ، أن علاقتك مع فرجينيا أصبحت من الماضي ، وأن مستقبلك مع فيفيان ، يا ليتون ؟ أم هذه المصادفة؟
- مارلين!
حدقت إميليا في صديقتها الحميمه غاضبة بينما ساد صمت مطبق . فهزت مارلين كتفيها ، وقالت:
- أنا عرابته .
فرد ليتون بهدوء مخاطباً فرجينيا ديكون : ( أصبحنا في ذمة التاريخ منذ وقت طويل .
أليس كذلك يا جيني ؟ ا تدعيهم يزعجونك أو يؤذونك).
التفتت فيفيان مدهوشة إلى الفتاة الأخرى ، وأدركت أنها عاجزة عن إخفاء صدمتها.
عندها ، قالت فيرجينيا ديكون:
- إذا كانت ذاكرتي جيدة ، يا ليتون ، فأنا التي طلبت منك الرحيل .
ثم رفعت نحوه عينيها الزرقاوين الباهتتين والرائعتي الجمال ، وأضافت :
( لا تقلق ، فلن أدعهم يفعلون ، هل ..علي أن أقدم التهاني ؟)
- لم يصبح الأمر رسمياً بعد.
فما كان من إميليا إلا أن هتفت بدهشة بالغة : ( ماذا؟)
فتمتم رالف من دون أن يوجه كلامه إلى شخص معين : (لقد أخبرتكم)

كان عليك أن تخبرني !
كانا قد أنهيا طعام الغداء ، فتوجها ، هي وليتون ، نحو رصيف الميناء تحت أشعة الشمس الدافئة يمشيان على العشب الأخضر.
وراحا يتأملان منظر النهر الرائع ، وكانت إميليا قد تطوعت ، بعد الغداء ، لترافق فيفيان إلى غرفتها ، لكن ليتون اقترح أن يتمشيا أولاَ.
وحين لم يرد على فيفيان ، وقفت واستدارت تواجهه بحزم:
- كان عليك أن تخبرني بأنك تريد تجنب امرأة معينة ، ياليتون ديكستر ، كما كان عليك أن تخبرهم بأني سأرافقك !
أم تراك تستمتع بإحراج الناس وإذلالهم ؟
فأجاب برقة :
- هذا أمر يخصنا ولا يعني سوانا ، يا فيفيان.
ثم أمسك بيدها وتابع السير فلم تجد بداً من اللحاق به ، ولكن ذلك لم يمنعها من التعليق باستياء :
- هراء إنها أسرتك ، وستكون هذه مناسبة خاصة .لكنك أشعت الاضطراب ، كما وضعتني في ...موقف محرج ، كنت قد بدأت ..اميل إليك ، ولكني الآن ..
وهزت رأسها من دون أن تضيف أي كلمة أخرى.
ووصلا إلى رصيف الميناء ، فتمتم يقول : ( لقد لا حظت ذلك).
فعبست وقالت : (ماذا؟)
نظر إليها والشرر يتطاير من عينيه ، ثم سألها : ( وكيف بدأت تميلين إلي ؟)
توقفت فجأة ، وتسمرت في مكانها :
- كان ذلك .. كان ذلك مختلفاً.
- آه ، وكيف ؟
فهزت كتفيها بعجز ، وردّت : (كان ذلك مرتبطاً بنجاتي من الرحلة الجوية دون أن أذل نفسي ).
- أتعنين أنه كان احتفالاً بشجاعتك؟
فهزت رأسها متأملة واعترفت : (حسنا ..هذا صحيح)!
- أتعنين أني لو كنت ..قصيراً ، سميناً ، أصلع ، أو عجوزاً لعانقتني بالطريقة نفسها؟
سحبت يدها من يده ، وتراجعت حتى الحاجز الخشبي للرصيف . رأت زورقاً بخارياً يرسو هناك ، وآخر أصغر منه في الناحية المقابلة .
كما لاحظت طوقاً مربوطاً في الحاجز ، وهتف ينبهها:
- حذار يا فيفيان .
ثم أضاف قائلاً : ( ألن تجيبي على سؤالي ..أم أنك لا تستطيعين ؟)
فالتفتت إليه وقالت بإحباط : ( هذا لن يغير شيئاً ، ياليتون!)
وأشارت بيدها نحو المنزل قبل أن تكمل : ( ذلك...)
فقاطعها ، ليقول :
- تمهلي ، سنناقش الأمور تباعاً ، لماذا عانقتني بتك الطريقة؟
بدوت وكأنك تكتشفين جوانب خفيه من أمر ما .
هل عليك أن تتأرجحي على الحاجز الخشبي بهذا الشكل؟
فردت بحدة :
- أنا بخير ، أنا أحب الوقوف هنا ولا أخاف ذلك . فأنا أتمتع بحس التوازن .
فأجاب بنفس اللهجة :
- كيف نسيت إذن ما حدث لك حين نزلنا من الطائرة ؟ ألم تفقدي توازنك؟
مالت رأسها جانباً ونظرت إليه بصبر لا تشعر بع ، ثم قالت وكأنها تحدث طفلاً صغيراً :
- حسناُ ، إذا أردتني حقاً أن أتكلم ، فاعلم أني لا أحب العناق عادة . في الواقع ، تعلمت كيف أتجنب ذلك كما أتجنب الوباء!
حتى مع من أحببتهم أكثر منك بكثير ، يا سيد ديكستر ، فلماذا نناقش هذا ؟ إنه ...
- فيفيان ...
- لا يا ليتون ، أنت من أثار الموضوع ، ويجب أن تطرحه للمناقشة . كنت أرتجف في داخلي .
إنما كنت أشعر ببهجة بالغة . نعم ، أنت السبب في نجاحي
أما العناق . يبدو أنك خبير . لكن حماستي فترت الآن . صدقني .
فسألها بفروغ صبر وفظاظة :
- وما معنى ذلك بحق الجحيم؟
حملقت فيفيان فيه وأجابت :
- كيف يمكنك أن تسأل وحبيبتك السابقة تجلس هناك تنتظرك ، في حين اصطحبني معك بصفتي حبيبة المستقبل.
ولم أقل الخطيبة ؟ سامحني ، ولكن هذه ( الأتفاقية الشريفة السوية )لم تعد تحظى بموافقتي المطلقة...
- إنها ليست حبيبة سابقة ، يافيفيان ..إنها زوجتي السابقة .
أصابت فيفيان الذهول . فتراجعت خطوة إلى الوراء دون وعي وسقطت في النهر .


نهاية الفصل الثاني ،،

******************

3- جرفها التيار !
غطس ليتون خلفها بعد ان جعلتها الصدمة تتخبط عاجزة . ولكن عندما امسك بها لينقذها اخذت تغمغم باحتجاج:
- لا بأس يمكنني ان اسبح .
- اهدئي ايتها المعتوهة التيار هنا سريع جدا اخرسي فقط افعلي ما اقوله لك .
وعندما تمكن من سحبها الى الضفة تجمع لسوء حظها حشد من الناس ليتفرجوا كما قفز رالف الى لوحة التزلج على الماء واندفع نحوهما .
امتدت ايد كثيرة تساعدهما على الصعود الى الضفة, حيث استلقيا على العشب مرهقين متوتري الاعصاب وتعالت اصوات قلقة ولكن بتحفظ كما يفعل الناس حين يحاولون جهدهم الا يضحكوا .
ولكن اسوأ ما حصل لها كان حين انتصب ليتون جالسا والغضب يتملكه , ثم قال بعنف :
- انت كارثة متنقلة , كيف يمكن لفتاة في الـ25 من عمرها ان تورط نفسها في هذه المتاعب كلها ؟
ساد الصمت المطبق مجددا ثم جلست فيفيان وسعلت وازاحت شعرها عن عينيها ثم راحت تتأمل ثيابها المبتلة الموحلة الممزقة وحذاها الايطالي الانيق الذي استحال خرقة مخدشة بسبب المياه .وقالت :
- انت المشكلة فأنت تهتم بالاشياء التافهة وتفتقر الى روح النكتة فأذهب الى الجحيم !
ثم وضعت رأسها بين يديها واخذت تضحك وتضحك حتى اوشكت على البكاء .
وفي الساعة الـ7 من ذلك المساء سمعت قرعا على الباب . كانت غرفة النوم التي خصصت لها قد طليت باللون الليلكي وهي تطل على النهر .
غرفة فسيحة لها حمامها الخاص وباب يفتح على الشرفة العلوية . كما كان جوها يعبق بشذا الياسمين .
اغتسلت مرتين بعد الحادثة ثم نامت نوما عميقا لساعتين وكانت اميليا ديكستر قد سارعت الى نجدتها واخذت تخفف عنها . بعد تلك المهزلة على ضفة النهر فصلت بينها وبين ليتون لا بل اخذت فيفيان تحت جناحها وجعلتها تشعر بأنها ضحية حادث مشؤوم وليست معتوهة كما نعتها ليتون .
احضرت لها ثوب حمام ورافقها الى غرفتها حيث رتبت حقيبتها وبقية امتعتها ثم طلبت منها باهتمام صادق . ان ترتاح .
ورغم انها لم تكن تلبس سوى عباءة خفيفة فوق ملابسها الداخليه , وقد لفت شعرها بمنشفة توجهت نحو الباب تفتحه بعد ان ظنت ان القارع ليس سوى اميليا.
لكنها اخطأت في ظنها اذ رأت ليتون يقف في الباب وهو يرتدي بنطلونا من الجينز وقميصا رماديا وسترة رياضية رمادية اللون كما يحمل في يديه كأسين .فقالت بفتور :
- آه هذا انت .... اسمع انا اسفة جدا لما فعلت ! كانت حماقة بالغة مني . كما انني اسأت التصرف فلم اشكرك حين انقذت حياتي ... .
فقاطعها فجأة :
- انسي الامر . هل يمكنني الدخول ؟ لقد احضرت كأسين من العصير لكلينا .
تفرست فيه للحظة لكنها عجزت عن فك رموز اساريره فتراجعت مكرهة كي يمر ثم اغلقت الباب خلفة .
كان في زاوية الغرفة كرسيان حول طاولة صغيرة مستديرة . فوضع الشراب عليها عندها . قالت له تنظر الى الكأسين :
- هل هذه اخر امنية لي قبل ان تصحبني الى الخارج وترميني بالرصاص ؟
مضت لحظات لم ينبس خلالها ببنت شفة . وقد بدا عليه بالجمود وراحت نظراته تجول على وجهها . وتتأمل جسمها . فشعرت بتوتر غريب وكانه تحذير من خطر داهم , خطر سبق وعرفته في علاقتها مع ليتون , انه انجذاب غريب يشدها نحوه بالرغم من العدائية التي تميزت بها علاقتهما .
تعلم انها قد تغضب منه ... وهذا ما تشعر به الآن .. لكن شعورها بالغضب لم يبدل بالمعايير الاخرى التي ربطت بينهما فانجذابها نحوه كسر حاجز الجليد الذي بنته لحماية نفسها , لا سيما بعد ان اختبرت الشعور الذي انتابها حين ضمها بين ذراعيه وعانقها .
اثارت نظراته المتفحصه احاسيسها فارتجفت وقد فاجأتها ردة فعلها هذه التي لم يثرها فيها احد سواه . كانت هذه المشاعر موجهة نحو الرجل الذي اعطاها الثقة بالنفس وعاملها كمثيل له . ذاك الرجل الذي بدا لها قادرا لا يخاف وبطلا جذابا للغاية .
وهو مازال بطلا بنظرها بشعره الاشقر الداكن وخطوط وجهه وكتفيه العريضتين وجسمه القوي , لكن مزاجه المتقلب اخافها واخيرا سألها :
- ماذا تعنين ؟
- انا ... حسنا , اظننا وصلنا الى مفترق الطرق .
وسكتت ثم لطفت من حدة صوتها واضافت :
- لا اعني اني الومك , ولكن يبدو اننا لا نستطيع الاستمرار اكثر ... وبعد ما حدث لا الموك ان الغيت اتفاقية عصير كلوفر ... .
فرد بجفاء :
- هذا نبل منك يا فيفيان . ولكن لم يكن هذا في نيتي .
- انا ... انت ... انت طلبت مني ان انسى الامر عندما اخذت اعتذر .
فقال وقد ارتسم على شفتيه طيف ابتسامة :
- كم مرة راجعتي هذا الحديث الرسمي القصير ؟
اجفلت بشكل ملحوظ ثم قررت ان تتابع كلامها بشجاعة :
- على أي حال افترض اني سأغادر مزرعة هارفست مون جوا مع بزوغ الفجر .. علما انه بامكانك ان توصلني الى اقرب محطة , لعود بنفسي الى بيتي وانا افضل ذلك في الواقع .
- بعد الشجاعة البالغة التي اظهرتها في الطائرة ؟
هزت كتفيها وجلست فجلس قبالتها ثم قال بسحرية :
- فضلا عن انك نلت اعجاب معظم الموجودين هنا .
فغرت فمها مذهولة ووضعت كأسها على المنضده دون ان تتذوقه ثم نزعت المنشفة عن شعرها ودست اصابعها فيه .
بعد ذلك سألته بحذر :
- لأنني ... ؟
فاستقرت عيناه على خصلات شعرها المبتله وقال :
- لأنك قلت لي ان اذهب الى الجحيم نعم , ولشعورهم بالذنب ايضا .
- ولماذا يشعرون بالذنب ؟
- فيفيان , انا ويني تطلقنا منذ اكثر من 3 سنوات . ولأنه ما كان ينبغي ان تكون موجوده . كما لم اكن اعلم انها ستكون هنا . لقد حاكت المؤامرة امي واختي ومارلين ولا ادري لم عليّ ان امتثل لرغبة عرابتي التي تشبه الساحرات . لكنهن تأمرن كي يلموا شملنا .
فقالت فيفيان ببطء :
- ومع ذلك , لو لم ترد فرجينيا ذلك لما تجاوبت معهن .
- يستحيل ان نعود كما كنا . لقد انتهى كل شيء بيننا .
- لا تطلق كما مبرما يا ليتون . اعني هل لكبريائك دور في الامر , مثلا لا سيما وانها هي التي طلبت الطلاق .
اطلق شتمة ثم قال بتضجر :
- ارجوك يا فيفيان . ليس لدي ادنى فكرة ..
وسكتت ثم استند الى ظهر كرسيه.
احكمت لف عباءتها حول ركبتيها قائلة :
- انت على حق طبعا . ولا ارى كيف يمكنني ان اقدم نصيحة حول امر لا اعرف عنه سوى القليل ...
- هذا كرم بالغ منك .
فرمقته بنظرة غاضبة , وقالت :
- حسنا , نعم , لكني مازلت اتساءل عما ... حتى وان كنت تجهل ان زوجتك السابقة ستكون هنا .. اذا كنت قد رشوتني لمرافقتك بهدف حمايتك من اسرتك .... الغاضبة على ما يبدو ... وليس للتخلص من النساء اللواتي يلاحقنك كما قلت لي , وهذا امر مختلف !
- انتِ على حق كنت واثقا من انهن يدبرن شيئا ما في الخفاء . لكنني قللت من شأنهن .
وضعت فيفيان كأسها على الطاولة بشيء من الحدة وتمكنت بعد جهد من كبح كلماتها التي اوشكت على التفوه بها فرفع حاجبه :
- لكنني لم اخفِ عنك الاسباب الاخرى التي جعلتني اطلب منك ان تمثلي دور خطيبتي .
فنظرت اليه متأمله بينما تابع يقول بلطف انما بلهجة لاذعة :
- انت التي قررت تجاهل انجذاب احدنا الى الاخر , وانت وفي هذه اللحظة بالذات منزعجه من فكرة وجودك هنا لحمايتي وحسب .
فتساءلت بعصبية ان كان على حق بالفعل ؟ وتململت تحت وقع نظراته ثم انتصبت وقفه وسارت نحو النافذة .
- اذا كنت تظن ان هذا يشكل عذرا لك يا ليتون فهل لي ان ادلي بملاحظة ؟ عندما تنظر الي وكأنني سأكون احدى النسوة في حريمك تثور ثائرتي وتظهر طباعي السيئة .

فسألها ببراءة :
- متى فعلت ذلك ؟
استدارت نحوه واجابته بحده :
- انت تفعل ذلك باسترارا .
- لم يكن لدي يوما حريم ولا انوي انشاء واحد . لكنني انكر انك تجذبينني وتثيرين اهتمامي . فهل تنكرين هذا انت ؟
حولت فيفيان نظراتها عنه وحاولت ان ترغم نفسها على الاسترخاء لكن التوتر تملك كيانها عندما اخذت تتصارع مع الصدق والكبرياء وهي تشعر بالحذر البالغ بينما تابع يقول :
- لو لم يحدث ذلك لكان امرا غير طبيعي ناهيك عن تجاوبك مع عناقي .
حولت ان تتكلم فلم تستطع وشدت على يديها لتخفي انفعالها . انتظر لحظات ردها وهو يراقبها بحذر ثم قال بعدها :
- لماذا عليك الاعتراف بذلك يا فيفيان ؟
فأجابت بعنف :
- لأنني اريد ذلك .
- لقد ايقظ كل منا احاسيس الاخر .
سكت وقد لاحت على شفتيه ابتسامة خفيفة :
- شخصيا , لا اظن ان اعترافك بمشاعرك احتفالا بشجاعتك وحسب , انما احتفالا بقلبك وروحك ايضا , احتفالا بالحياة .
اغمضت فيفيان عينيها للحظة وهي تفكر في انها لن تتمكن بعد اليوم من الاستلقاء في شريرها من دون انا تفكر فيه ... صرت بأسنانها وحولت افكارها وهي تعترف بانها قللت من شأن ليتون كما انها غالت في تقدير رباطة جأشها ونهض واقفا وهو يقول :
- وهكذا لا ادري يا فيفيان ان كان علينا الا نتابع ما بدأناه اليس كذلك ؟
فصلتها عنه مسافة قصيرة واحست بضرورة الابتعاد عن هذا الرجل بشكل ما وعن تأثيره عليها .
لم يكن الامر يتعلق بجاذبيه هذا الرجل المدمرة . انما بالتفاصيل الصغيرة التي يتميز بها بها كالتواء حاجبه عندما يمزح وساعة معصمة التي تعكس رجوليته , ويديه الطويلتين القويتين , اللتين خلقتا الرضوض في جسمها حين انقذها من الغرق في النهر . ومع ذلك , اتسم عناقه بالرقة المتناهية واللطف .
شعرت بالدم يتصاعد الى وجهها . فمدت يديها تحكم لف العباءة حول جسمها . تابع هو حركتها العفوية بعينيه اللتين ضاقتا حين استقرتا عند اعلى ذراعها وسألها مقطبا جبينه :
- هل انا من تسبب بذلك ؟
- ماذا ؟
فتقدم منها ولمس رضة على ذراعها وقال :
- هذه الرضة ؟
فتأملها ذراعها وقالت :
-آه , نعم , وهناك غيرها . لكنني افضل هذه الرضوض على ان اكون جثة طافية على وجه الماء .
وضحكت .
- وان يكن , انا اسف فعلا .
- لا بأس .
فقال بهدوء :
بشرتك كالحرير يا فيفيان وقوامك جميل , كما ان عناقك لا مثيل له .
كيف ؟ ولم تنطق بهذا السؤال , بل تركت عيناه تنطقان به . لكنها لم تجد جوابا , وسمعته يقول برزانه فائقة :
- اتساءل دائما عما اذا ترك فيك رجل ما , رضوضا نفسية .
ابتلعت ريقها ثم قالت بخشونه :
- هل لأنني لم ارتمي بين ذراعيك ياليتون ؟
- بل لأنك ارتميت بينهما عندما لم تتمكني من ضيق نفسك ولكنك لم تعترفي بذلك .

وعجزت عن الرد , بدا وكأنهما في دوامة تحمل ذكريات الرحلة في الطائرة ,وكأن لنظرات المقدرة على اعادتها الى الماضي . شعرت وكانه يسيطر عله عقلها واحاسيسها ويسريها كما يشاء .
لكنه في الواقع لم ينطق بكلمة واحده ولم يتحرك ساكنا ولم يكن بالطبع بحاجه لذلك . فقد ادركت المشاعر التي يثيرها فيها وعلمت ان وجوده قربها كاف لارباكها وبعث الاضطراب فيها .
قالت له بارتباك وبلهفة :
- اسمع .
ثم عضت على شفتها وتنهدت بعد ان تجلى لها المازق الذي ورطت نفسها فيه . لو خبرته ان شركة غودمان وشركاه في مازق حرج ولهذا واقفت على القايم بهذا العمل ,
ألن يمنحه هذا سببا ليطيح بأي اعتبارات تقف في طريقها ؟ ومن ناحية اخرى , انها بحاجة ماسة لسبب يبرر وجودها هنا ... وعادت تقول :
- اسمع , لم يكن في نيتي ان اقدم التنازلات واتحمل فظاظتك لأحصل على اتفاقية شامبو كلوفر او العصير , ولكن من اجل مصلحة الوكالة... .
فقاطعها وهو ينظر اليها ساخرا :
- انسي امر الشامبو, فقد حصلت على اتفاقيته على أي حال .
فتابعت تقول بلهجة املت ان تشل لهجة ليتون الهادئة المنطقية :
- وفظلا عن ذلك ...
واذا بها تدرك فجاه ما قاله فهتفت :
- ماذا ؟
- لقد حصلت على التفاقية يا فيفيان وليس على جولينا جونز ان تقلق اذ لن تحتاجي الى تغيير شعرة من رأسها .
- اتعني انن لن اخسر حتى لو رفضت الامتثال لأوامرك ؟
- بالضبط , وسادعك الآن ترتدين ثابك فالعشاء بعد نصف ساعه .
عندها سألته بذهول :
- وماذا عن اتفاقية العصير ؟
- آه قد تاخذ وقتا اطول .
فقال بمراره:
- اذن علي ان اتابع هذه المهزلة حتى احصل عليها . ماكنت لأقبل بهذه الصفقة لو علمت بمسألة زوجتك السابقة . نعم , ان اتفاقية مهمة لغودمان لكنني قلت واكرر , ان مجموعة من النساء تركض وراءك شيء وزوجتك السابقة شيء اخر .
فأجابها ساخرا .
- انا واثق انها توافقك الرأي . وبالمناسبة . لقد قررت البقاء فهي صديقة حميمة لأختي ماغ . ظننت اننا اعطينا عذرا جيدا آخر لبقائك ... منذ دقائق فقط وكذلك هذا الصباح .
لم تجد فيفيان ما تقوله فضحك برقة وتقدم نحوها ليلامس وجنتيها التي اصطبغت بلون احمر فان ثم اضاف :
- لم لا تبقين كما انت ؟ الكل يعرف هنا اننا لسنا ملائكة .
ثم خرج وتهاوت فيفيان على كرسيها لكن افكارها الغاضبة لم تثمر سوى قرار واحد . وهو ان ليس امامها سوى الباقء لهذه الليلة على الاقل .
وبعد نصف ساعة , جاءت اميليا لتصحبها الى الاسفل .
- جميل جدا .
علقت اميليا بهذه الكلمات على ثوب فيفيان القصير المصنوع من قماش الكريب . كان الثوب من دون كمين ياقته مفتوحة كشفت عنقها , وتفصيله ضيق واظهر قوامها الرشيق .. وارتدت فوقه قميصا شفافا لتخفي رضوض ذراعها كما انتعلت حذاء بسيطا يناسبه .
اما اميليا فقد ارتدت ثوبا واسعا من الحرير المتعدد الالوان .
- كيف تشعرين الآن يا عزيزتي ؟ لقد طمانني ليتون الى انه سوى الامور .
فرفعت حاجبها بتهكم وقالت
- ما عنى به ليتون بكلمة تسوية هو اشبه بالجدل بمحدلة ... آه آسفة ياسيدة ديكستر . ماكان لي ان اقول هذا فغالبا ما يزل لساني .
- قولي ما يريحك يا فيفيان . ارجو الا تشعري بانه عليك توخي الحذر معي .
فهزت فيفيان كتفيها وردت :
- حسنا قد لا اتمكن من ذلك .. لكنه ابنك .
- هذا لا يعني انني ارضى ان ينال ليتون دائما ما يريده ! هل ننزل الى الطابق السفلي ؟ لقد حضرنا مقصفا للعشاء الليلة .
- انا جائعه جدا سيدة ديكستر , ويمكنني ان اكل بنهم .. يبدو ان للغرق علاقة بالامر ...
وابتسمت فيفيان ابتسامة عريضة فحدقت اميليا فيها مفكرة , ثم قال بصراحه :
- انا لا احب الطلاق , يا فيفيان وعلي الاعتراف بذلك لهذا عشت على امل ان يتصالحا , ومازلت ولو كانت الظروف مختلفة لحببتك على الفور يا عزيزتي .
وتأبطت ذراع فيفيان تضيف :
بالمناسبة ارجو ان تناديني بأسمي اميليا . قد اكون عجوزا ولكن عندما تناديني سيدة ديكستر تجعليني اشع بأنني اكبر سنا .
أقيم المقصف في حديقة داخلية خلف المنزل . واستبدلت المائدة الكبيرة بموائد صغيرة مستديرة . لم تكن الاماكن محددة . انما جلس الحاضرون كيفما اتفق .
اما الطعام فكان متنوعا وزينت الموائد بسلال من فواكه الموز والفريز والكيوي وخصصت البوظة بالفاكهة للتحلية .
ووجدت فيفيان المكان خلابا , فراقها ضوء الشموع واعجبتها الطاولات والكراسي المصنوعه من الحديد المشغول . يمكن للمرء ان يدرك بسهولة ان صيانة هذه المزرعة تتطلب مبالغ طائلة . ودفعتها هذه الفكرة الى التوقف عن الاكل والنظر الى ليتون مطولا بعد ان ظلت تتجاهله حتى جلس بقربها .
- فسألها بعد حين :
- اتراني ارتكبت خطأ ما ؟
- لا ابدا ! كنت افكر فقط في انك حتما غني جدا .
فزم شفتيه ونظر الى ساعته ثم وقف وهو يتمتم :
- من دون تعليق . ارجو المعذرة , انتظر اتصالا هاتفيا هاما من سنغافورة ولن اتأخر .
فقالت بمرح :
- تفضل .
وعندما ابتعد ليتون قالت مارلين :
- يتصور المرء انك على علم مسبق بمدى ثرائه يا فيفيان .
كانت تجلس قبالتها ويفصل بينهما رالف . فيما ترك ليتون مكانا شاغرا بين فيفيان وادي .
وبالرغم من ان فيفيان استاءت لأطلاقها تعليقا احمق على مسامع الاخرين الا انها ردت بمرح :
- لم اكن انتقده , ليس كثيرا على أي حال .
- ما ظننا انك ستتذمرين يا عزيزتي.
تململ رالف وادي بضيق عندما وضعت فيفيان شوكتها وسكينها في الصحن واخذت تحدق في المرأة الاخرى . كانت مارلين واين رايت في الـ6 من عمرها ولكنها خلافا لصديقة عمرها اميليا ديكستر لم تكن تستعمل وسائل لم تكن تستعمل وسائل اصطناعية لأخفاء عمرها بل ذكرت فيفيان بنسر فضي الرأس بعينيها النفاذتين المثقلتي الاجفان .
فقالت بهدوء :
- حسنا , فلندع التحفظ جانبا , يا لايدي واين وايت . هل اسعى وراء الذهب والمال ؟ بالطبع وليتون المسكين يعرف هذا تماما ولكنه عاجزا عن المقومة . ومع ذلك فأنا لا انفك اقول لنفسي انه رجل في الـ 35 من عمره. ويجب ان يتعلم كيف يعتني بنفسه , الا تظنيني ذلك ؟
تنفست اللايدي واين وايت بغضب ثم حملت صحتها وتركت المائدة مستاءة مجروحة .
فقال رالف بصوت خافت :
- آه يا الهي .
ثم وارى وجهه محترمة ليخفي ضحكة غلبته وتابع يقول :
- فيفيان اين كنت غائبة معظم ايام حياتي ؟ اما ادي الذي كان يغالب الضحك ايضا , فكاد يختنق بشرابه وهو يقول بصوت مهتز :
- ناهيك عن حياتنا انا وماغ !
لكن فيفيان التي عادت الى عالم الواقع اغمضت عينيها وهي تقول :
- ما الذي جعلني اقول هذا ؟
فرد رالف :
- لا تندمي , لقد آن الآوان كي تلقن درسا.
فعلقت فيفيان :
- لكنني نادمة على ذلك .
- هذا صحيح , ولكن ... آه , يا الهي .. اين ذهب الجميع ؟ لا اريد الانفراد بك مجددا هذا المساء .
تمطى الى الخف ثم نظر اليها ساخرا :
- لقد خلد معظمهم الى النوم , ليمنحوننا بلباقة الفرصة لنبقى وحيدين . اما رالف وايدي فليس لديهم أي مشكلة معك يا فيفيان .
- ربما لكنهما رجلان .
- احدهما اخي , اما الاخر على وشك الزواج بأختي .
- آه , انا لا اقصد هذا ! حسنا ربما في ما يتعلق برالف , رغم ان نظرة الرجال الى النساء تحتلف باختلافهم , اليس كذلك ؟
واستقامت في جلستها فجأة , لتسأله بحده :
- اظنك تحذرني من التقرب من أي منهما , اليس كذلك ؟
- كل ما اعنيه ان تجاوبك مع الرجال الاخرين يمكن ان يؤثر على نظرة بعض النساء الحاضرات ... اليك .
قالت غير مصدقة :
- لكنني تعرفت اليهما لتوي ,ولم تسنح لي الفرصة لأتقرب من أي منهما .. هذه سخافة لا تتماشى مع شخصيتك يا ليتون .
فابتسم ابتسامه خفيفة واجاب :
- لقد لعبت اليار كشريكه لرالف , وقد افهمتني انك تجدين هذا النوع من الرجال مثيرا جدا .
-قلت هذا فقط كي احرجك .
- احقا ؟
- نعم بالصبع . ما معنى هذا على أي حال ؟ اتراك تتساءل الآن عما اذا كنت حقا صائدة ثروات ؟
وحدقت فيه في ضوء مصباح الشرفة الباهت وقد بدت في عينيها الرغبة في الشجار :
- لا تنسى انني لا اريدك ولا اريد اخاك .
امسك بيدها ينظر اليها :
- هذا ما تقولينه , لكننا لن نناقش الامر الآن . لا كنت فقط انبهك . قد يكون رالف مرحا وطيب الصحبة لكنه يعاني من عيب واحد . وهو انه لا يحبني ويحاول عرقلة شؤوني دائما لا سيما مع النساء .
فغرت فمها مذهولة وسألته :
- آه لا ... هل هذا ما حدث مع جيني ؟
فأجاب ليتون بلهجة هادئة جعلت فيفيان ترتجف :
- لا , والا لما بقي هنا . لكن وضعك مختلف .
فاستفهمت بتوتر :
- لانه شعر ان علاقتي بك غير طبيعية ؟
فقال بلطف:
- او شيء من هذا القبيل .
فتكلمت بصعوبة :
- يا الهني .. ما الذي اوقعت نفسي فيه ؟
- انها اسرة .. امر لا تعرفين عنه الكثير , كما اعتقد . يمكنها ان تكون جنة تغلي بالعواطف في الاوقات الطيبة . او جهنما تستعر فيها النيران اذا ما تعقدت الامور .
فقطبت جبينها :
- وكيف عرفت انه ليس لدي اسرة ؟
فهز كتفيه :
- من رب عملك السيد غودمان .
- هل تحريت عني ؟
- ابدا , لقد اتصل بي ونبهني الى اشياء معينه .
فقالت بلطف :
- هل ففعل سنان ذلك ؟
وفجأة ترقرقت الدموع في عينيها وسالت على وجنتيها فنظر اليها ثم لف ذراعه حول كتفيها وقال :
- لا تحزني .
- لا استطيع التغلب على هذا الشعور , لا ادري لماذا , اعني لا ادري لم الآن بين كل الاوقات . اظنني سأفتقد ابي دائما . ولكن ...
هزت كتفيها واراحت رأسها على كتفه فقال:
- كان يوما حافلا وهذا يكفي لجعل أي شخص سريع الانفعال فقد بدأت يومك بالطيران وارغمت على السباحة ثم واجهت مجموعة من الغرباء الذين ساور بعضهم الشكوك حولك .
- نعم , وأولهم اختك . لقد تجنبتني هي وزوجتك السابقه طوال السهرة .
فسألها بهدوء :
- هل ازعجك هذا ؟
- اعرف انه لا ينبغي ان انزعج لكنهما تبدوان لطيفتين , ولهذا نعم ازعجني , ولكن .. لا اظن ان هذا سيؤرق نومي .
وتثاءبت
- يسرني ان اسمع هذا .
- المشكلة الوحيدة هي انني لا اشعر بالقدرة على الحراك حاليا .
ضحك برقة ثم قبل جبينها :
- يمكنني ان اتحلى بالرجولة فأحملك الى السرير .
- الا تظن انها ضريبة على رجولة معظم الرجال ان يضطروا الى صعود سلالم كسلالم بيتكم , حاملين بين ذراعيهم زوجاتهم قبل ان .. حسنا , اتدري ماذا ؟ بضع درجات امر مختلف ...
وسكتت ثم اخذت تضحك .
- فيفيان ان معرفتك وحدها درس نافع وعلى أي حال لن احاول ان اثبت لك انك مخطئة حول هذا الموضوع . لكنك تغريني لأثبت لك خطاك بالنسبة الى العناق .
- لا ينبغي ان تفعل ذلك , كنت اشعر بشيء من الراحه والآمان .
وقطبت جبينها ثم اضافت :
تبدو وكانك شخصان في شخص واحد , الرجل الذي جعلني اصعد الى الطارة معه مثلا ... عود الكبريت الذي سيحرق اصابعي .
وتحولت لهجتها الى الجفاء فجأة عندما لفظت جملتها الاخيرة فقال بابتسامة خفيفة :
- بما ان هذا يشكل اعترافا معينا يا فيفيان فهو .. حسنا .. افترض انها خطوة اولى .
استقامت في وقفتها ونظرت في عينيه قائلة :
- ما من مستقبل لنا معا , حاليا . ما من شيء حقيقي يربط بينا يا ليتون .
- لا ؟ آه حسنا , انك على الاقل تحددي ذلك بكلمة حاليا .
وابتسم بجفاء ثم اضاف :
- قليل من الرحمة , وربما صدفة .. او شيء من هذا القبيل .
فعادت تقطب جبينها وتقول :
- انت رجل غريب الاطوار .
- لماذا ؟
- حسنا احيانا تبدو عاديا جدا واحيانا اخرى تبدو من اصحاب المال وارباب الصناعة . انما في هذه اللحظة تبدو .. متواضعا , وكأن ما بيننا ليس اتفاقية .
فرفع حاجبيه ولم يقل شيئا
وتابعت تقول ببطء وكانها تحدث نفسها :
- ثم قد تكون هذه لعبة .
- اتعلمين , لم لا تنامين على هذه الفكرة , ثم تعلميني بما استقر عليه رأيك في الصباح ؟
اخذت تحدق فيه برزانه .. ثم القت عليه فجأة تحية المساء واختفت من الباب , وتركت ليتون غارقا في التفكير .

وقطع عليه رالف حبل افكاره اذ برز من وراء زاوية الشرفة كظل قاتم وجلس الى جانبه على المقعد الخشبي .
- لم تتعرف اليها بالرشوة اليس كذلك يا ليتون ؟
فأجاب بجفاء :
- كان علي ان اتوقع وجود احدهم في الجوار ولا سيما انت .
- لا ادري ما الذي فاتني فأنا هنا منذ لحظات فقط . ولكني سمعت كلمة اتفاقية . ولكن لماذا ؟
- ماذا تعني ؟
- هل كان عليك ان تستأجر فتاة؟ اود ان اعلم نوع الاتفاقية ومحتواها . مال ؟ وظيفة ؟ ولا تظن اني الوحيد الذي يحاول التكهن بالامر يا اخي.
ثم اضاف ساخرا :
- فماغ تفكر في الموضوع نفسه , لهذا .... .

- المعذرة .
فالتفت الاثنان واذا بفيفيان تقف على بعد خطوات بدا عليها الاضطراب وراحت تلهث وكأنها نزلت السلالم لتوها فهب ليتون واقفا وسألها :
- ما بك ؟
فأجابت بلهجة مأساوية :
- خاتمي لم اجده . آه ارجوك, قل لي انني اعطيتك اياه لتحفظه عندك وانه لم يستقر في قاع النهر .
فتح ليتون فمه ثم عاد واطبقه وقال بعد لحظات بصوت يرتجف :
- انه معي , ولكن اذا وعدتني بانك لن تقعي في النهر مجددا سيكون آمنا في اصبعك .
-آه, الحمد لله .
وتنفست بارتياح ثم وضعت يدها على صدره ووقفت على رؤوس اصابعها لتطبع قبله على خده وهي تقول :
- هل يمكنني الحصول عليه الآن ياحبيبي ؟ اعدك بألا اقوم بأي عمل احمق لأني افتخر به جدا .
- لم لا ؟ فلنذهب ونحضره .
رافقها الى مكتب في الطابق الارضي . وبعد ان اغلق النوافذ باحكام واسدل الستائر فتح خزنة خلف لوحة كبيرة .
ثم قال بلهجة آسفة :
- افهم من هذا انك سمعت الحديث ؟
فقالت بغضب :
- نعم سمعت . واذا ظن احدهم اني سأبقى هنا كفتاه مستأجرة , فهو مخطئ .
اخرج ليتون الخاتم واقفل الخزنة , ثم قال :
- لم عدت ؟ وكيف سمعت ما جرى ؟
فردت بجمود :
- عدت لأشكرك على مافعلته اليوم فأنا لست جاحده .
فتح علبة الخاتم ووضعها على المكتب . ثم نظر اليها متأملا . ظهرت تحت عينيها ظلال الارهاق لكن التمرد والحيوية كانا يتفجران من جسمها كله .
- يستحق هذا جائزة الاوسكار .
- عندما يشرع الناس في الاساءة الى سمعة شخص ما يمكنه ان يصنع العجائب .
- هذا ما اراه ولكن هذا ...
واخرج الخاتم من العلبة , وهي يضيف :
- يؤكد اللعبة , وهذا مارضيت بحزم القيام به من قبل .
ودت يدها اليه ليلبسها الخاتم قائلة :
- كنت اعلم انك لن تعترض .
لم يناولها الخاتم على الفور انما راح يقلبه مفكرا ثم قال بابتسامة صفراء :
-ربما تندمين عندما تهدأ اعصابك .
- لا لن اندم .
ثم القت برأسها الى الخلف وقالت :
- لا بأس . كنت مجنونه عندما وافقت على هذا . ولكني سألعب اللعبة على احسن وجه . لا تجادلني يا ليتون , فانا متعبة .
لوى شفتيه واجاب :
- لا تقولي اني لم احذرك , أي يد تريدين ؟ اليمنى ام اليسرى ؟
فقالت بدعابة ماكرة :
- اليسرى انما حذار ان تجرفك عواطفك او تركع على ركبتيك .
وضع الخاتم في اصبعها دون ان يركع لكنه اخذها بين ذراعيه وضمها اليه فقالت باحتجاج :
- ليتون !
وعندما تشابكت نظراتهما رات في عينيه نظرة ماكرة . ثم قال لها برقة :
- ربما علي ان آخذك غالبا في رحلات جوية .
- لا اظنها فكرة جيدة جدا .
فرفع حاجبيه مستفهما :
- ربما ستعتادين عليها فلا تجدين دافعا لعناقي ....بلهفة .
ووضع يديه حول خصرها فقالت بجهد :
- نعم لا ... اعني ... .
وسكتت بيأس اذ عجزت عن فهم ما تعنيه ووجدت صعوبة بالغة في التركيز .
- اخبرني عن اولئك الرجال الذين احببتهم اكثر مني ولكنك كنت تكرهين عناقهم .
فعضت على شفتها وقالت :
- لم يكن ذلك صحيحا كليا .. اعني , لم يكن لدي اصدقاء كثيرون ...
- هذا ما افهمتني اياه .
طردت من ذهنها المشاعر التي اثارتها نظراته وكلماته .
- هممم ... لا بأس . ان ارت ان تعرف حقا فما قلته صحيح . لم اكن احب العناق ولم افكر فيه ابدا .
قطبت جبينها حين تراءى لها رايان وكان التجربة الوحيدة في يحاتها التي يمكنها ان ترجع اليها لتقارن بين ما اثاره فيها من مشاعر وبين تأثير ليتون عليها .
وانفرجت شفتاها وارتفع حاجباها فقد تطلب منها اكتشاف مشاعرها نحو رايان 6 اشهر . حين انه لم يتطلب مع ليتون سوى 4 ايام من ....
وقطع حبل افكارها , حين سألها :
- هل تقارنينني بعاشق سابق , يا فيفيان ؟
واحمر وجهها وتململت محرجه لكنها لم تنطق بكلمة واحده .
- هل ستخبرينني الى أي حد نجحت حتى الان ؟
- لا طبعا .
- لست اذن من الفتيات اللواتي يجرين المقارنات .
فقالت بلهجة انتصار :
- من اعطاك حق طرح سؤال مماثل يا ليتون ؟ فانا لا ارى مبررا لذلك .
ضحك ليتون ثم اجابها :
- انت تضعين خاتمي يا فيفيان .
- وانت تعهدت لي باتفاقية شريفة .
فقال بمرح :
- ومع ذلك علي ان اغريك يا عزيزتي .
فقاطعته وهي تتنهد :
- انا من قام بالخطوة الاولى . لا بأس , انا اتحمل الادانة .
فقال بهدوء :
- لست البادئة .. بل حدث ذلك ولم تنفري منه .
- اعرف ذلك .
تنهدت مجددا ونظرت الى عينيه ببراءة واضافت :
- لكني مازلت خائفة من ان احرق اصابعي بهذه النار . واثناء فترة الاتفاقية لن ادع الامر يزيد عن الحد الحالي .
فقال ببساطه :
- لا بأس .
ثم حملها بين ذراعيه وتوجه الى الاريكة فشرعت تقول :
- لا اريد ...
فأمرها قائلا:
- استرخي يافيفيان .
ثم انتظر قبل ان يضيف :
- هل انت مرتاحه ؟
- ليس لدي خيار اخر .
وكانت قد جلست بجانبه ولف ذراعهحول كتفيها , ثم قال بنظرة ماكرة :
- لا, ليس لديك أي خيار حاليا . فنحن بحاجة الى التفاهم حول بعض المسائل .
تنهدت وتململت قليلا لترتاح في جلستها فخف ضغط ذراعه حولها خلعت حذائها وثنت ساقيها على الاريكة ونظرت اليه مستفهمه :
- ماذا ؟
- هل تقاومين من اجل اتفاقية العمل ام لأنك خائفة من التورط برجل ؟
فنظرت الى الخاتم في يدها ثم شدت قبضتها وهي تجيب :
- الاثنان معا . اعلم انه ماكان علي ان اوافق منذ البدء . لكنك انت من .... .
وسكتت يائسة .
- هل تحديتك بحيث عجزت عن الرفض ؟
- بالضبط . كان علي ان اصر على رأيي الاول , حول كيفية التأثير على فتاة دون ان تعمد الى رشوتها .
- لم لا تدعينني اجرب ؟
- كأن تعانقني كلما طاب لك ذلك ؟
راحت تنظر الى الخاتم وتتامله ثم خطرت لها فكرة فسألته :
- هل اشتريته من اجلي, يا ليتون ؟
- نعم .
فانتفضت وكأنما اصابتها رصاصة فتابع يقول :
- لكنه استثمار جيد في الوقت نفسه .
فهدأت واجابت :
- كان علي ان ادرك ذلك . آه حسنا لقد ربحت شيئا وخسرت شيئا اخر ... ظننت للحظة اني تركت اثرا كبيرا عليك , مما منحني طاقة وشعورا بالقوة . لكني عدت الى ارض الواقع وسأخلد الى النوم .
- لكنك لم تجيبي على سؤالي يبدو انك تتجنبينالموضوع .
- لا ... لا ادري . انا ... .
- اجيبي على سؤال وحيد قبل ان تخلدي الى النوم , اننا على أي حال جالسان هنا كعاشقين .
تحركت وقد ادركت انها قد القت برأسها مجددا على كتفه وان ذراعه ما زالت حول خصرها . فعبست قائلة :
- ماذا ؟
- من هو ؟
- شخص كنت اعمل معه , وهذا كل شيء .
- وظننت انك احببته ؟
فسكتت للحظة واجابت :
- ظننت ذلك , نعم . ظننت ان مشاعرنا متبادله لكني كنت مخطئة . وماذا عنك انت ؟
تركها ونهض واقفا فانتظرت للحظة ثم وقفت بدورها .
وبالرغم من انها سمعت هاتفا في داخلها يحذرها , هاتفا ينبهها من الاهتمام به وبعلاقته مع جيني . الا انها لم تستطع ان تكبح فضولها . فسألته :
-لابد انك احببت جيني كي تتزوجها ؟
كانا يقفان وجها لوجه وقد رفعت عينيها اليه .
رفع يده وكأنه يريد ان يلمس وجنتيها ثم بدل رأيه وانزلها قائلا :
- نعم هذا ما ظننته على الاقل. لكن شعوري نحوها مات بشكل طبيعي عندما اكتشفت انها في الواقع باعت نفسها لي , وانها تعمدت ان تحمل مني كي ... تثبت الاتفاقية .
**************************
4- هدوء ما قبل العاصفة :

في صباح اليوم التالي ، استيقظت فيفيان باكراً ، في سريرها .
ثم عادت تستلقي على ظهرها وهي تتأوه بعد أن رفعت يدها اليسرى لتتأمل الماسة المتألقة
في أصبعها .
كانت ما تزال في مزرعة ( هارفست مون) في غرفتها المترفه بسجادتها الليلكية وستائرها الزرقاء وأغطية السرير البيضاء.
ولم تنتقل أثناء الليل ، على أجنحة اليمام إلى عالمها الآمن ...
فظهرت على شفتيها ابتسامة سرعان ما بهتت ، لأنها كانت واثقة من أنها تسير في حقل ألغام.
حقل لم تزرعة لها أسرة ديكستر وحدها ، بل هي زرعته لنفسها .
لم تبق لتسأل ليتون مزيداً من التفاصيل ، أو لتطرح عليه أسئلة كانت تتحرق شوقاً لمعرفة الجواب عليها .
لماذا باعت جيني ديكون نفسها لليتون ديكستر؟
وماذا حدث للطفل ؟ فقد هربت منه، وهي تتمتم بتحية المساء ، ولم تنتبه أنها نسيت حذائها في المكتب إلا حين وصلت إلى غرفتها.
لكنها لم تعد لتحضرة.
لم يكن الجو بارداً ، لكنها جذبت أغطية السرير والتفّت بها عندما تملكتها قشعريرة ، لأنه في الأمس ، وبعد أن عرفا بعضهما لمدة ثلاث أيام فقط.
احتال عليها ليعانقها بطريقة مذهلة ..لماذا؟
وأجابت نفسها بأنها ليست سوى طريقة لتعلق في شباكه ...لم تعد تنكر أن جاذبية ليتون تزداد بنظرها إلى درجة خطيرة...إلى درجة ..لا ، لا . لكن الصدق أرغمها على الأعتراف بذلك.
أجفلت وهي تفكر في حقيقة ما يعتريها ، وأعترفت بأنه قام معها بالمعجزات .
لقد ساعدها لتقوم برحلة في طائرة صغيرة . كما مدها بالشجاعة فجعلها تشعر بأنها مرحب بها بدلاً من أن تشعر بالبلاهة المطلقة .
وبالرغم من أنه أساء إليها حين وصفها بالكارثة المتنقلة ، إلا أن اللوم يقع عليها . والخطأ خطأها هي .
فقد أنقذ1 حياتها من غرق محتمل .ومنحها اتفاقية ( شامبو كلوفر ) .
وإن لم يوافق بعد على توليها حملة ( عصير كلوفر).
فكرت بشيء من اليأس بأن ما يجري أشبة بالأرجوحه . كيف يمكنها أن تشعر معه بالراحة والأمان أحياناً .
وبالذهول والرعب أحياناً أخرى.
وهي بين ذراعية ! وذكرت نفسها بأنه ضغط عليها لترافقة ، واستخدم وسائل ملتوية ليقنعها.
وأنه لم يكن صريحاً وواضحاً أبداً معها . لتظهر الآن هذه القضية الجديدة ..زوجة سابقة وطفل ..
سمعت طرقاً خفسفاً على بابها ، فسألت بحذر:
- من الطارق؟



أجابها صوت فتاة مرح:
- الفطور ، ياسيدتي .
-أدخلي!
وجلست فيفيان بينما دخلت فتاة ترتدي ملابس خدم وردية تجر عربة عليها فطور ، فقالت فيفيان:
- لم أتوقع هذا.
فأجابت الفتاة :
- نظمت السيدة ديكستر رحلة بحرية لهذا اليوم . لهذا طلبت مني أن أعلمك بأنها تريد من الجميع الحضور إلى رصيف الميناء عند الساعة العاشرة.
ستبحرون نحو مطعم ممتاز حيث ستتناولون الغداء ، وبعد عودتكم ستقام مسابقة في لعبة ( الكريكت) .
أتريدين القهوة أم الشاي . يا سيدتي ؟
- قهوة . تبدو رحلة جميلة . إنه فطور رائع ، شكرا يا ...بليندا.
عند العاشرة إلا ربعاً . توجهت إلى رصيف الميناء . بعد أن أمضت وقتاً طويلاً في التجول في الأنحاء .
لطالما ساعدها السير على التفكير في مشاكلها بوضوح وحلها ، لكنه لم يلهمها في هذه المره .
إلا أنها شعرت بتحسن ..لم تكن تعلم كيف ستواجه ليتون ديكستر بعد أن هربت منه في الليلة الماضية .
لكن المشي نحو مهبط الطائرة منحها ثقة بنفسها ، وأشعرها أنها مسؤولة عن مصيرها.
بدت ملابسها مناسبة لهذه الرحلة . إذ أرتدت سرولاً قصيراً أبيض اللون .
وقميصاً أبيض مطرزاً بالأصداف ، وقبعه وردية اللون . تتناسب وحقيبة اليد التي حملتها وأنتعلت حذاء رياضياً .
كما ارتدت تحت ملابسها لباس بحر برتقالي اللون ووضعت نظارات شمسية فاكتمل مظهرها .ووضعت في حقيبتها ملابس بديلة ومنشفة فيما لو سقطت في النهر مره أخرى وكنزة خفيفة .
وكان الخاتم في يدها اليسرى ، بالطبع .
لم تصادف أحداً أثناء نزهتها ، ماحمدت الله عليه ، وكانت أول الواصلين إلى مكان الأجتماع .
في ما عدا ليتون الذي وجدته على ظهر المركب يعالج المحركين القويين . كان نهاراً رائعاً ، تألقت فيه الشمس ، فبعثت الدفء في الكائنات .
وفكرت بحسرة في حظها العاثر ، وهي تنظر إليه دون أن يراها . لكن ربما ينبغي أن تحدثة قبل أن يحضر الجميع .
فبادرته بشيء من الحذر ، ( صباح الخير ).
رفع رأسه ، ثم حك وجنته بيده ، فلطخها بالشحم ، وتمتم يقول :
- أتراها الآنسة فلوري ، خطيبتي بالإكراه ، المتألقة كل هذا التألق .
وضعت فيفيان يديها على وركيها ، وسألته : ( هل أنت مستاء مني حقاً ، يا سيد ديكستر؟)
- لا ، أبداً .
لكنه أنزل غطاء المحرك بشيء من العنف .


- تبدو وكأنك تنظر إلى الدنيا نظرة حاقدة حالياً ، أم أنني أتخيل ذلك؟
فرد عليها بسرعة : ( وأنت تبدين وكأنك عدت للتأرجح على حاجز الرصيف ، يا فيفيان).
ابتعدت عن الحاجز بسرعة ، وقالت :
- أسفة ، أنا ..لا ، لن أقولها .
فقال بمرارة : (أرجو ألا تمتنعي عن ذلك من أجلي ).
ثم أنزل غطاء المحرك الثاني وتوجه إلى الرصيف .
نظرت إليه بحذر ، في بنطلونه الكاكي وقميصه الأصفر وحذائه الجلدي الخفيف .
كان شعره يغطي عينيه ، لكنه بدا عملاقاً أنيق المظهر بالرغم من مزاجه الكئيب المرتسم على ملامحه .
هزت كتفيها وقالت :
- حسنا، أردت فقط أن أقول إن السبب الوحيد لسقوطي أمس في الماء هو شعوري بالدهشة ، الدهشة البالغة .
فشبك ذراعيه على صدره ، معلقاً : ( وهذا ما يجرى الليلة الماضية ، على ما أظن؟)
- نعم . الحياة بين الأثرياء والمشهورين مختلفة عن الحياة التي اعتدتها .
- هراء ، هذا يحدث لجميع الناس .
فقالت محذرة وهي تنظر إلى الجموع القادمة خلفه :
- ها ..ها أن الجميع يقتربون منا ، يا ليتون . أمك ، عرابتك ، أختك ، زوجتك السابقة ، إدي ، رالف ، وصيفات العروس ، انة عمك ماري ، ثم ...
رباه ، بعض الأولاد ، كنت أتساءل عما إذا حجزتهم في حديقة الحيوانات ولكن هل سيسعنا هذا المركب جميعاً ؟
وأشارت نحو المركب الذي كان على متنه .
- الجميع ما عدا اثنين . أنا وأنت سنذهب في هذا .
وأشار إلى مركب أصغر ربط إلى الناحية الأخرى من الرصيف .
فتحت فمها لكن القادمين اقتربوا منهما ، وسمعت رالف يقول بصوت مرتفع :
- أتراهما عصفوري الحب ؟ صباح الخير يا فيفيان . أراك لم تفقدي الخاتم بعد ، أرنا إياه .
أما المهزلة الكبرى فجرت بعد ذلك ، حين أمسك رالف بيدها ، وصفر طويلاً وهو يعرض الخاتم على إميليا ديكستر لتتفحصه . فقالت والدة ليتون بفتور : ( جميل ..جداً).
فعلقت مارلين واين رايت وهي تتأمله من فوق كتف إميليا : ( ليس جميلاً وحسب ، إنما ثمين جداً ، كما أتصور ).
ردت فيفيان وهي تسحب يدها بهدوء :
- أعتقد أن ثمنه ستون ألف دولار . أنا واثقة من أنكما تتساءلان عما إذا كنت أستحقه ، ولكن ...
تدخل ليتون قائلا :
- أنا واثق تماماً من أنك تستحقينه ، يا فيفيان . حسناً يا رالف ، أنت ستأخذ المجموعة الرئيسية .
أما أنا وفيفيان فسنستقل المركب الأصغر ، فليصعد الجميع على متن المركب .
ساد الصخب والفوضى عملية الصعود إلى المركب .
ورتبت أغراض كل منهم على ظهر المركب الأكبر ، فيما جلست فيفيان على الحاجز الخشبي تؤرجح ساقيها .
كان هناك أربعة أولاد ، ولدان وبنتان ، تتراوح أعمارهم ما بين الثالثة والعاشرة.
بدوا جميعاً في منتهى الحماس والبهجة ، ولم يظهر على أي منهم صلة بليتون أو جيني ، في الواقع ، جاءت جيني وجلست قرب فيفيان أثناء تشغيل محركات ( سفينة نوح) كما يسميها ليتون.
وبدا أن مزاج هذا الأخير قد تحسن ، إذ تعامل برفق مع الأطفال ، وراح يلبسهم سترات النجاة ليضعهم بعد ذلك على السلم . حيث ينتظرهم رالف وإدي .
قالت جيني بصدق واضح : ( إنه جميل )
- إنه ...آه ، الخاتم . هذا رأيي .
- لا تبدو عليك الثقة المطلقة .
قالت جيني كلماتها هذه ، وقد التمعت في عينيها الأخاذتين الفاتحتي اللون ، ومضة مرح ، ثم أضافت :
- لا تهتمي باللايدي واين رايت ، فهي شوكة في إصبع جميع الحاضرين .
نظرت فيفيان إليها ، إلى شهرها الطويل الأشقر المربوط إلى الخلف تحت القبعة الزرقاء . كانت ترتدي سروالاً قصيراً وقميصاً أبيض واسع .
وبدا أنها تحاول الظهور بمظهر عفوي بسيط إلا أن ملابسها عكست أناقة بالغة .
وكان قوامها ، وهي أطول من فيفيان ، نحيفاً رشيقاً . قالت لها فيفيان:
- أنا ..لم أكن أعلم بأمرك . إني أسفه .


رفعت المرأة حاجبيها وردت :
- أعلم ذلك . فليتون حريص جداً في ما يخبره للآخرين .
- أنت على حق . هذا ما جعلني أسقط في النهر في الأمس . لم أكن أعرف أنه كان متزوجاً . هل أستطيع أن أطرح عليك سؤالاً؟
فأجابت جيني ديكون ببطء : ( نعم ، علماً أني قد لا أستطيع أن أجيبك )..
- هل تحبينه ؟ هل سبق لك ذلك ؟
- آه ، نعم . لكن حب ليتون يؤدي بك إلى تحطيم قلبك . ... حسناً ، أظنهم بحاجة إلي الآن .
ثم وقفت وهبطت السلم .
وقفت فيفيان بدورها وراحت تنظر مع ليتون إلى رالف وهو ينطلق بالمركب بحذر . عندا سألها : ( مستعده ؟)
- تماماً .
- أتخافين المراكب ؟
فقالت بغضب وهي تنزل إلى المركب ، دون أنتظار مساعدته : ( أبداً) .
ثم جلست على أحد المقعدين المنجدين . فتبعها ، لكنه لم يشغل المحرك على الفور :
- أرى أنني جرحتك .
فردت عليه بحدة :
- نعم ، وليس هذا فحسب . بل خيبت ظني . في الأمس تعاطيت بشكل رائع مع خوفي من الطيران . واليوم قضيت على كل ذلك بضربة واحدة!
سكتت فجأة ، وشبكت ذراعيها على صدرها ، وهي تحدق في المركب الكبير ، عابسة .
قال ، وقد أرتسمت على شفتيه ابتسامة طفيفة :
- بكل تواضع ، أطلب صفحك ، يا فيفيان ، لاأريد أن يكون في سجلي عندك نقطة سوداء .
- هراء .
والتفتت إليه ، وتراجعت حدة غضبها دون سبب واضح ، حين أخذ يضحك ، ثم قال لها :
- لم أر قط من تأخذ معها حقيبة محشوة مثلك . أرجو ألا تضطري إلى تغيير ملابسك . هل أنت جاهزة؟
ترددت ، ثم أومأت إيجاباً .
فتح غطاء المحرك ، ووضع قبعته ونظارته الشمسية ، ثم شغّل المحرك وبعد دقائق ، شقا طريقهما في النهر .
كانت الرحلة منعشة مليئة بالبهجة .
سألها : ( هل تزلجت من قبل على الماء ؟)
- لا .. ولكنني واثقة من أن الأمر ممتع .
وأحست فيفيان مع مرور الوقت بتحسن كبير .
أبطأ ليتون سرعة المركب ثم استدار به فخلف وراءه خطاً فضياً على المياه السمراء .
واتجه بالمركب نحو شاطئ جميل صغير يحيط به دغل كثيف .
- ظنت أننا سنلحق بهم .
فأشار إلى جهاز اللاسلكي الموضوع أمامه ، وقال :
- يمكن لرالف أن يتصل بنا في حال حصول أي طارئ . هل فكرت في إحضار ثوب سباحة معك؟
- إنني أرتدي واحداً ..أتراها فرصة لتتخلص من بقية المجموعة ؟
- ليسوا بحاجة لنا حالياً .. إنهم كثيرون.
وضغط على أحد الأزرار فتعالى صوت سلسلة المرساة .
وقفت فيفيان تطيل النظر إلى المياة .
- يمكنني أن أقفز من المركب ، هل المياة عميقة كفاية ؟
فأوماأ برأسه .
- وماذا عن المد والجزر ؟
- سيبدأ المد بعد قليل . لن تتعرضي لأي مشكلة .
- آه ، ولكن كيف أعود إلى المركب ؟
ففتح ليتون خزانة صغيرة وأخرج منها سلماً من الحبال علقه بجانب المركب .
- على هذا .
- أرى أنك اتخذت احتياطاتك لكل شيء .
خلعت ثيابها ، ثم وضعت خاتمها في علبته التي كانت في حقيبتها . وبعد تفكير قصير . أخرجت قميصاً طويلاً من حقيبتها وارتدته.
فسألها ساخراً وقد راح يخلع ثيابه :
- هل ستسبحين أن ستسيرين على الماء ؟
فأجابت وهي تقفز إلى الماء :
- بل لأحمي بشرتي من أشعة الشمس .
وما إن عادت للظهور على وجه الماء ، حتى أخذت تسبح نحو الشاطئ .
ورغم أن ليتون قفز بعدها بلحظة . إلا أنها غلبته . قال لها بعد أن وقفا والمياة تنساب عن جسميهما :
- أنت رائعة يا أنسة فلوري .
رفعت فيفيان شعرها عن عينيها ثم ضحكت ، قائلة :
- أنا مسروره جداً لأني رائعه في بعض الأمور .
ضاقت عيناه مفكراً . ومع أنه لم ينطق بأي كلمة ، إلا أنها شعرت أنه أكتشف نيتها في أن تحافظ على جو مرح بينهما .
رغبت بهذا لأنها ، لسوء حظها ، لا تعرف ما يمكنها أن تفعل غير ذلك . فعندما رأت ليتون ديكستر بسرواله القصير الأزرق .
وكتفيه العريضتين ، وخصره النحيف وساقيه السمراوين الطويلتين اضطرت لأبتداع خطة ما تحمي بها نفسها .
قال لها : ( أنت بارعة جداً في عملك).
ثم تقدمها إلى صخرة مسطحة يتوسطها حوض طبيعي مليء بالماء ، فمسح الماء الساخن عن سطحها ، ليتمكنا
من الجلوس دون أن يحرقا جلدهما . وأجابته مازحة:
- هذا مختلف . علماً أني قد أكون كارثة متنقلة حتى في العمل .
- علاقة عمل ؟
جازف بهذا القول وهو ينظر إليها وقد ارتسم على شفتيه طيف ابتسامة.
- كما رأيت ، هذه هي الجنة .
ووقفت ثم غطست في الماء مجدداً . وبعد حين. عادت إلى حيث استلقى ليتون ، ثم جلست إلى جانبه وهي تشير إلى الدغل ، قائلة:
- بوجود هذا الدغل ، لن يتمكن أحد من الوصول إلى هنا بالبر ، أو حتى سيراً على الأقدام.
- إنه مكاني الصغير الخاص ، وهو المفضل لدي .
- حسنا ، شكراً على مشاركتي إياه ، خاصة وإني ..قد لا أكون الشخص المفضل لديك ، حالياً.
- من قال هذا ؟

ربما لم تقله بلسانك ، ولكن موقفك هذا الصباح ، أشار إلى ذلك بوضوح .
ساد صمت قصير ، قال بعده : ( كنت أنظر إلى العالم نظرة حاقدة ، هذا الصباح ، أو لعل العيب فيّ أنا ).
فنظرت إليه من تحت أهدابها وسألته :
- أتعني أنك مستاء من نفسك ؟
- ماذا سيكون موقفك ، لو كنت مكاني ، مع زوجة سابقة وخطيبة مكرهه تحت سقف واحد؟ هذا عدا عن الباقين ؟
فضحكت وأجابت : ( رباه ، لا أحسدك أبداً ، وهذا ما يجعلني لا أصدق أن ما يحدث حقيقة واقعه !)
ثم سارعت تؤكد له : ( ليس ما يخصني ، وإنما بالنسبة للأمور الأخرى ، أظنها ما زالت تحبك ).
أضافت جملتها الأخيرة ، برزانه وجدية مفاجئة .
- هل هذا ما قالته لك عند الرصيف ؟
- نعم .. لا .. أعني عندما سألتها فقط .
فتمتم بمكر : ( هذه فتاتي فيفيان ).
ووضع يده على يدها على الصخرة : ( ولكن لم سألتِ ، وأنت مصرة على أن لا شيء حقيقي يربط بيننا ؟)
أمعنت التفكير قبل أن تجيب : ( لا أدري ، أظن أن الفضول أفقدني الحكمة ).
- لقد هربت مني الليلة الماضية .
فهزت كتفيها : ( هذا أفضل من السقوط في النهر ).
- لماذا هربت مني ، يا فيفيان ؟
فتنهدت فجأة ، وقالت:
- أنت ، وهذا الوضع كله . أظن أن هذا كثير علي ّ.
فسألها ساخراً:
- ألهذا قررت أن تستمري بلعب دور الفتاة الأجيرة بالرغم من كل ما حصل ؟
- لم أحصل بعد على اتفاقية عصير كلوفر . ولكن أثناء لعبي دور الفتاة الأجيرة لأسباب معينه ، أنصحك بعدم أستغلال الموضوع .
- ألهذا السبب لبست قميصاً فوق لباس البحر .
- نعم! فأنا أعرف تأثير لباس البحر . ومن يلومني لحمايتك من نفسك ؟
راح يضحك ، فسألته غاضبة :
- لماذا تضحك ؟
فقال ، والأبتسامة لا تفارق محياه :
- أسف يا فيفيان . ولكني لم أكن أتوقع ذلك ، وأنا أصدقك . اسمعي ، اخلعي قميصك ، أنت آمنة معي ، فمزاجي ليس ملائماً اليوم .
- شكراً ، ولكنني سأبقية على جسمي على أي حال ، إذ علينا أن تفكر في الشمس .
- كما تشائين .
وشبك ذراعية على صدره ثم أضاف : ( لكن هذا لن يمنعني من أخبارك بأن قوامك متناسق جداً . وأن بشرتك ناعمة ولونها بلون الذهب .)
انفرجت شفتاها ، وهو يصفها بهذا الشكل ، وبقيت على حالها للحظات بعد سكوته ، ثم قالت :
- إن لم يكن هذا مزاج السلطان ، فأنا محظية ولكنني أؤكد لك أنك مخطئ .
- أنا واثق من أنك ستكونين محظية رائعة ، يا فيفيان ، ولكن قبل أن تفكري في ضربي ، علينا أن ننضم إلى المجموعة .
فتأوهت وقالت : ( هل يجب أن نلحق بهم ؟ ألا أستطيع التظاهر بالصداع ؟)
لن يتطلب الوصول إلى كان وجودهم سوى دقائق و ..)
- لا ، إذا كنت تودين الحصول على أتفاقية عصير كلوفر .
شعرت وكأن ماء بارداً أنسكب عليها ، ولم يفدها هذا الشعور غير العقلاني ، فقالت بجفاء :
- سر أمامي إذن ، يا سيد ( عصير كلوفر).
ثم قررت ألا تنتظر ، فقفزت إلى الماء . وبالرغم من أنها سبقته في العودة إلى المركب .
إلا أنها لم تتمكن من الصعود إليه ، فالأمر لم يكن سهلاً كما ظنت ، وعندما وصل إليها ، قالت له :
- تباً لهذا السلم اللعين ! فهو لا ينفك يتوارى تحت المركب .
- هناك طريقة معينه لصعوده يا فيفيان . دعيني أسبقك كي أساعدك .
ولم يكن أمامها إلا أن توافق . لكن بالها لم يرتح حين رأته يقفز إلى سطح المركب بطريقة أبرزت قوة جسمه ، فحبست أنفاسها لا إرادياً .
ثم مد يده إليها وسحبها إلى ظهر المركب بقوة عضلاته .
ووقفت بين ذراعيه هادئة لا هثة ، وشعرت بالغباء عندما ساعدها على الوقوف على قدميها .
قالت وهي تلهث :
- هذا أصعب مما يبدو عليه .
إن الصعود يستدعي قوة في الذراعين والكتفين .
ترافقت كلماته مع مرور مركب آخر رشهما بالماء وهز مركبهما . إلا أنه بقي صامداً . وقدميه المتباعدتين ثابتتين بقوة كشجرة راسخة .
وأدركت أنها لو كانت مكانه لسقطت على وجهها .
تنهدت بهدوء وهي تشعر بالأمان بين ذراعيه . كما راح قربه يثير مشاعرها .
وعجزت عن الأبتعاد عنه . لا بل لم تشأ أن تفعل . لكنه أفلتها ببساطة وتناول قميصه ، ثم قال بلهجة عادية :
- سأدير لك ظهري إذا شئت أن تغيري ملابسك هنا ، أو يمكنك أن تقومي بذلك في المطعم .
بقيت صامته وقد تملكها شعور بخيبة الأمل ...وبعد حين ، قالت بهدوء :
- شكراَ ، لكنني قد أحتاج إلى مرآة ، لهذا سأبدل ملابسي في المطعم .
ثم وضعت قبعتها ونظارتها الشمسية وجلست .
بدأ يتحرك بالمركب . لم يدر بينهما أي حديث سوى تعليقات حول المركب وأمور عامة أخرى .
أثناء الرحلة إلى المطعم والتي استغرقت عشر دقائق . أما المطعم فمبنى ريفي خشبي .
ذو شرفة فسيحة في الطابق الثاني تشرف على النهر .
وكانت بقية المجموعة قد سبقتها إليها ، سألته عندما اقتربا من الرصيف .
- هل أحد هؤلاء الأطفال أبنك؟
نظر إليها ، فأخذت تتساءل عما إذا كان هناك أثر للكآبة في عينيه.
- لا ، فقد أجهضت جيني .
***

إنك هادئة جداً ، يا فيفيان .
طرحت عليها ماغ هذا السؤال ، بعد أن انتهى الغداء ، كانت الوجبة وبفضل إميليا ، هادئة .
فلم يبد أحدهم أي معارضة على خطبة ابنها لفتاة غريبة كلياً.
كما كان الغداء فرصة ، سمحت لفيفيان بمراقبة تصرات أسرة ديكستر .
أحسن رالف التصرف . وبدا ظريفاً ، حلو المعشر ، حنوناً مع أخته ماغ .
وظهر تقارب بينه وبين ليتون ، رغم الإختلاف بينهما ، وبدا جلياً أن إميليا تستمتع بهذا الأنسجام الظاهر بين أولادها الثلاثة .
كما تجلت في نظراتها نحو ابنها الأصغر خيبة أمل ممزوجة بولع بالغ . ولأول مرة ، تقدمت ماغ ، شقشقة ليتون ، لتجلس قرب فيفيان .
بعد أن تفرقت المجموعة في الأنحاء . فنزل بعضهم إلى الطابق الأسفل ، ليصطادوا السمك مع الأولاد .
كانت ماغ بسيطة الملبس كالباقين ، وتشبة ليتون كثيراً ، ويبدو عليها أنها تعرف جيداً ما تريد وكيف تحصل عليه .
قالت فيفيان : ( لقد أكلت كثيراً ، وتعرضت لحرارة الشمس وإلى ما هنالك).
بدا الأسف في صوتها ، وشعرت بالتوتر لأنها تعلم ما سيأتي بعد ذلك فأضافت : ( كان الطعام رائعاَ) .
- نعم ، إنه رائع دوماً ، وبعض الناس يقصدون هذا المكان بالطوافات .
- الحمد لله لأني لست مضطرة لذلك .
- أخبرني ليتون أنك تكرهين الطيران .
وعندما رفعت فيفيان حاجبيها أكملت ماغ حديثها ، قائلة : ( لا تظهري كل هذه الدهشة ، إنه أخي ، فلم عليه ألا يخبرني شيئاً عنك؟)
- لا ..أنا فقط.. أشعر بالحرج من هذا الأمر ..أعني الطيران.
وسرعان ما جاء السؤال ، الذي كانت فيفيان تخشاه ، إذ سألتها ماغ مقطبة الجبين :
- منذ متى تعرفينة؟
فردت متلعثمة : ( ليس من مدة طويلة ..لقد تطورت الأمور فجأة بيننا ).
ثم لم تستطع منع نفسها من أن تضيف باكتئاب : ( إسمعي ، أنا آسفة إذا ما أحدثت بعض الفوضى ، في هذه المناسبة الخاصة . لم أكن أدرك ..أعني ..لم أكن أعلم أنني سأسبب مثل هذا الأزعاج).
جمدت ماغ في مكانها للحظات . وراحت تتفرس في ملامح فيفيان المكتئبة بتمعن ، ثم قالت :
- إدي معجب بك ويراك أهلاً لليتون ، في الواقع إغتاظ إدي مني ، لأني شاركت في المؤامرة المفاجأة ليتون بجيني مع إني أؤمن كثيراً بحسن رأيه ..
ولوت شفتيها مازحة ثم أكملت: ( و إلا لما تزوجته ..لكنه لا يعرف كم تحب جيني ليتون أو .. حسنا، لم أكن أعرف إدي عندما كان ليتون وجيني معاً ، ولهذا هو لا يعلم ..كيف كانا ..)
ابتلعت فيفيان أمراً عظيماً فرقهما ، وليتون يمكن أن يكون أحياناً عنيداً للغاية .
وأظن أن السبب يعود لأنه ورث شركة كلوفر وهو صغير السن.
فكان عليه أن يطهّرها من عناصر السوء وأن يحافظ على استمرارها ، ولكن ، حسناً ، لقد ظننت فقط..
وسكتت ثم هزت كتفيها بيأس قبل أن تختم كلامها بالقول : ( ظننت أنه من المفيد لك أن تعلمي ..) وسكتت.
إستقامت فيفيان في جلستها ثم أخذت تعبث بخاتمها دون وعي ، وقالت لها : ( إسمعي )
ثم سكتت لتطلب من الله أن يرشدها ، قبل أن تضيف : ( إن أخاك في مأمن معي ، يا ماغ.. لن أدعه يتزوجني كردة فعل أو انتقاماً من زوجته الأولى ، أعدك بذلك).
فنظرت إليها ماغ مذهولة ، وسألتها : ( كيف يمكنك أن...تقولي هذا ).
فأجابت فيفيان مكشرة : ( لم أعلم بأمر جيني قبل قدومي إلى هنا . ولهذا ... أظن أن الأمور تحتاج إلى أعادة تقييم . وبالمناسبة أنا لست صائدة ثروات ).
فقالت ماغ ببطء : ( فهمت).
ثم أضافت : ( لو كانت الظروف مختلفة لأحببتك ، يا فيفيان ).
- هذا ما قالته أمك لي . وأتمنى ، يا ماغ ، من كل قلبي ، أن تصدقيني وألا تدعي هذه السحابة تعكر عليك صفو عرسك).
ثم أكملت بعد تردد قصير :
- كما ليس في نيتي أن أشترك في أي مواجهة بين ليتون وجيني ، أو أن أخلق مزيداً من المآسي .
ونهضت وهي تقول : ( من الأفضل أن أتخلص من هذا الغداء وإلا ازداد وزني ).
ونهضت ماغ بدورها ، وفاجأت فيفيان حين تأبطت ذراعها قائلة : ( وأنا أيضاً .
وأقسم أني سأخسر كيلو غراماً قبل العرس ، ما رأيك لو أقنعت أمي بأن تستبدل الكريكت بكرة المضرب حين نصل إلى البيت ؟
هل تجيدين هذه اللعبة ؟)
- نعم ، وأراها فكرة جيدة جداً .

- يبدو أنك كسبت أختي إلى جانبك ، كيف فعلت هذا؟
طرح عليها ليتون هذا السؤال بعد أن انطلقا خلف المركب الكبير .
- أخبرتها أنك آمن معي ، ياليتون ، وإني لن أدعك تتزوجني كردة فعل على ما جرى مع زوجتك الأولى ...إذا أردت الحقيقة .
جمدت يداه على عجلة القيادة ، ونظر إليها غير مصدق ، ثم أخذ يضحك .
فقالت تحذره : ( ليتون ستصطدم بمركب آخر).
- آسف ، كان علي أن أعلم أن السبب هو شيء مبتكر وفي منتهى البراعه ،
هذا إن لم يكن جوهرياً ، يا فيفيان فلوري .
- شكراً لك .
- ولكن من قال إن ما قمت به هو ردة فعل ؟
فهزت كتفيها :
- هي التي فعلت . وأظنها أصبحت أكثر سعادة الآن .
خصوصاً في هذا الأسبوع المميز في حياتها . ولا يعود ذلك لجهد بذلته أنت. يا ليتون.
أضافت جملتها الأخيرة بلهجة لاذعة ، فأجاب :
- لو لم يتطفلوا على حياتي ويتدخلوا في مالا يعنيهم ، لما حدث هذا .
فعادت فيفيان تهز كتفيها وكأن الأمر لا يعنيها ، فنظر إليها وسألها : ( وهل صدقتك؟)
صرت بأسنانها ، وقالت باقتضاب : ( صدقني ).
ثم سردت له الحديث الذي دار بينها وبين أخته.
فعلق قائلا : ( إعادة تقييم)؟.
وابتسم ضاحكاً ثم أضاف : ( أنت تحفة نادرة).
- لا أظنك تتوقع مني أن أبقى لألعب دور الشرير في القصة.
فقال وكأنه يحدث نفسة : ( لا أدري ماذا أتوقع ، كنت هادئة جداً على الغداء).
- إنها طريقة جيدة للإبتعاد عن المشاكل .
- ولا علاقة لذلك بمواجهتنا السابقة ؟
فقالت بجرأة وهي تعض شفتيها : ( لا) .
- كنت أتساءل فقط عما إذا كانت تصرفاتي قد جرحتك .
فرمقته بنظرة ، وقالت :
- لا ، مطلقاً ، كل ما في الأمر أني لا أريد أن أكون واضحة كل الوضوح.
كانا يبحران والصمت يلفهما . وما لبث ليتون أن زاد سرعة المركب ، مما جعل المحرك الخلفي يهدر .
وهكذا ، لم يعد بإمكانهما تبادل الأحاديث من دون صراخ ، فلاذت فيفيان بالصمت.
وراحت تتساءل عن أثر كلماته عليها . فقد كذبت عليه حين أدعت أن ما جرى بينهما لا شأن له بهدوئها.
ولم تشأ أن تعترف له يأن هذا ما جعلها صامتة أثناء الغداء على غير عاده.
كانت تفكر في مدى تأثيره عليها ، في حين أنها لا تثير لديه أي شعور .
كانت مبارة التنس سريعة نشيطة ، لكنها لم تكن جادة . وبعد انتهائها .
توجه الجميع إلى البحيرة ، وهناك ، أعلنت إميليا أنهم سيقيمون حفلة شواء عند المساء ، وأن أمامهم ساعتين للراحة .
استلقت فيفيان على سريرها ، وبقى ذهنها مشغولا بالتطورات الجديدة .
هل رالف وجيني صديقان، أم أنها تصورت ذلك؟ لعبا كفريق في مبارة التنس .
وعندما فازا أخذها بين ذراعيه وعانقها مطولاً. وبعد السباحة في البحيرة ، أخذ رالف طبلتين وأذهلهم جميعاً ببراعته .
لكن جيني كانت أكثر الحضور تحمساً له...وتساءلت فيفيان عما يعني هذا كله ؟ أترى جيني تستغل شقيق ليتون لتسترده هو ؟
لا بد أنها غفلت . إذ دخل ليتون إلى غرفتها ، للبحث عنها بعد مرور ساعتين ونصف.
لم تستيقظ حين طرق الباب ، كما لم تسمع الطرق .لكنها استبقظت مترنحه ، متوعكه ،كان الظلام سائداً ، وهي مشعثة الشعر .
مشوشة الذهن ، دخل وأشعل المصباح قرب سريرها . عندما نظرت إلى الساعة ، ختفت بذهول ويدها على فمها .
- آه ، لا .
فقال بهدوء وهو يجذب كرسياً ليدنيه من السرير : ( لا بأس ، يا فيفيان ).
فسألته بخشية وهي تمرر أصابعها في شعرها : ( أحقاً لا بأس في ذلك؟)
كانت فيفيان قد خلعت لباس السباحة وارتدت قميصاً طويلاً من الساتان ، قبل أن تندس تحت الملاءة . كان قميصها مطرزاً بشكل رائع ، بأزخهار وردية اللون . وبالرغم من أنه محتشم إلا أنها سحبت
الملاءة قليلاً والتفت بها . وجلس هو قائلاً:
- بالطبع ، فليس هناك سوى حفلة الشواء ، ولابد أنك متعبة جداً ، كي تنامي بهذا الشكل .
فأجابت وهي لا تزال تشعر بالدوار :
- لا بد أنني كذلك ، إنما لم ألاحظ . كنت قد قررت أن أنام نصف ساعة فقط.
ثم نظرت إلى نفسها وأضافت : ( آسفة لاستقبالك بهذا الشكل ، أظن أن الجميع في الطابق الأسفل . وأنهم يستمتعون بوقتهم).
فأومأ برأسة بالإيجاب ، وجلست مستندة إلى الوسائد وسألته : ( أتراني أخطأت في شيء ما ؟)
- مالذي يجعلك تظنين ذلك؟


تأملته مقطبة . كان يرتدي بنطلوناً من الجنز الأزرق وكنزة بيضاء بياقة بحرية .
- أنا فقط ..أشعر بشيء ما .
- قد أكون مكتئباً بعض الشيء .
وسكت قليلاً ثم قال : ( أتريدين شيئاً ما؟) .
فطرقت بعينيها غير قادرة على فهم قصده.
-أعني أن تأكلي أو تشربي ؟
فجلست وهي تتمطى ، ثم قالت :
- لا أريد سوى فنجاناً من الشاي وشطيرة ، وأن أستلقي بعدها مع كتاب .
ولكني لا أظن أن هذا سيساعدني على نيل اتفاقية ( عصير كلوفر).
فقال ، وقد ارتسم على شفتيه طيف ابتسامة :
- يحق لك باستراحه . وكنت سأسعى للحصول على مهلة لكلينا غداً . كم تحتاجين من الوقت لتستعّدي لحفلة راقصة؟
أخذت تفكر في الأمر . لقد أحضرت معها ثوباً مناسباً للحفلات الراقصة.
راحت تتأمل أظافرها ، ثم عادت تلعب بخصلات شعرها الطويل ، ونظرت إلى ليتون بمكر ، قبل أن تقول : ( نصف ساعة . لماذا؟)
فبادلها نظرتها بنظرة مرح ماكرة مشوبة بالإعجاب .
- فيفيان ، أكثر الرجال يعبدونك من أجل هذا فقط. ملاذا ؟ حسنا ، ستُقام حفلة راقصة هنا مساء الغد.
ونزولاً عند رغبة الجميع ، وكي يستعدوا لها ، منحو يوم راحة . ففكرت في أن تلعب ( الهوكي).
- أين .
فأجاب بوقار : ( في بالم يبتش ) إنه مكان جميل . يمكننا أن نسبح ، ونتناول الغداء الخ ...
وليس عليك أن تجتمعي بالأسرة قبل مساء الغد ) .
- هذا إغراء كبير ، ياليتون . ولكن هل علينا الذهاب بالطائرة ؟
فنظر إليها برقة ، وقال : ( لا ، سنذهب بالمركب ) .
كانت يداها ممسكتين بالغطاء ، فنظرت إليهما عندما إنقبضتا لا إرادياً .
فقضاء يوم كامل بعيداً عن الأسرة وعن مهزلة دور الخطيبة سيكون بمثابة الفردوس بالنسبة لها . ولكن تمضية يوم كامل ،
وحيدة ، مع ليتون ديكستر ، يحمل نوعاً آخر من الأرهاق لأعصابها ، فكيف ستتمكن من مقاومته ؟
- أعدك ألا أفعل شيئاً ترفضينه ، يا فيفيان.
تنهدت ورفعت نظرها إليه ، ولم تستطع تحويل عينيها عنه . طفت مشاعرها ، برزت تلك الجاذبية التي لم تعد قادرة على إنكارها .
تأججت أحاسيسها ، وألهيها الشوق والحنين إليه . ودت لو تخفف عنه ما يزعجه .
وكانت واثقة من أن هناك ما يزعجه . . .
لكنها لن تدعه يستغلها ، فهذا خطر ، وحماقة ، قد تتسبب بتحطيم قلبها .
ثم تذكرت جيني ورالف ، فاتضحت الأمور ، أرخت أهدابها ، وسألته :
( هل هذه اتفاقية شريفة؟ )
- الأمر كله عائد لك .
فارتجفت ، ووقف وهو يقول :
- أنا لست ( كازانوفا ) ملك العشاق ، يا فيفيان .
فردت بشيء من الكآبة : ( أعرف هذا ... لا بأس ) .
- يا للفتاة الطيبة ، آه ...
والتفت حين سمع طرقاً على الباب ، ثم قال لها :
- ها قد جاء عشاؤك ، تصبحين على خير .
***



نهاية الفصل الرابع ،،،
- عروس البحر تغني
قال ليتون :
- تلك هي منارة بارانجوى.
كانا قد خرجا باكرا من مزرعة هارفست مون وابحرا ساعه كامله ليصلا الى بيت ورتر . هناك ارسى ليتون المركب في حوض للسفن وانتقلا منه الى سيارة رانج روفر كانت متوقفه في المرآب .
ويبدو انه اعتاد ان يحتفظ بسيارته هناك .
سحرت المياه الصافية التي ابحرا فيها فيفيان كما لفتتها الصخور الشاهقة والمراكب والشواطئ الصغيرة الجميلة والجزر والخلجان وفتنتها المساكن التي لايمكن الوصول اليها الا بواسطة المراكب . كان يوما رائعا ارسلت فيه الشمس اشعتها خيوطا ذهبية لتدفئ الارض .
سبحا لبعض الوقت في مياه بالم بيتش حيث المقاهي الحيوية الممتده على الرصيف والمتجر الصغيرة . وقاما بجولة حول الرأس البحري . واثبت ليتون في فترة الصباح انه مرافق رائع مميز فقد استرخت وتسلت حتى نسيت خوفها مما قد يسببه لها هذا النهار من توتر .
سألها:
- هل انت جائعه ؟
فابتسمت قائلة :
- كاد يحين وقت الغداء .
- فلنتناول الغداء اذن .
لكنه لم يصطحبها الى مطعم بل عاد بالسيارة كيلو مترات متعدده ثم انعطف ليسلك طريقا ضيقا بمحاذاة المحيط . امتدت الطريق بين اشجار متشابكة ونباتات كثيفة ولم تر حين توقفا سوى باب مرآب خشبي انفتح دون صوت حين ضغط على زر التحكم عن بعد . سألته :
- ما هذا ؟
- انها استراحتي ..لعله المكان الوحيد الذي ادعوه بيتي .
وعندما اجفلت بشكل جلي وضع يده فوق يدها واضاف :
- لم احضرك الى هذا المكان لأغويك . اردتك ان تريه وحسب .
نظرت في عينيه فوجدتهما رزينتين وداكنتي الزرقة .
دخلت الى البيت من باب المرآب بشيء من الحذر . ولكنها ذهلت لما رأته. بنى المنزل على طرف جرف ينحدر انحدارا شديدا نحو المحيط وكانت المناظر التي يطل عليها رائعه للغاية . كما كانت الغرفة الفسيحة رائعه وتنتهي بما يشبه سح سفينة خشبي انيق .
لكن جل ما اذهلها في استراحة ليتون هذه هو الوحده اذ بدا بيته وكأنه كهف مضاء بين الصخور بعيد عن كل ضوضاء شاطئ بالم بيتش وحركة بيت ووتر وعن العالم اجمع .
- حسنا ؟
استدارت فرأته يقف خلفها وينظر اليها بمرح كان يرتدي سروالا قصيرا وقميصا قرمزيا بينما ثوبا مكشوفا فوق لباس البحر . كان شعرهما مشعثا ووجهاهما متوهجين من الشمس .
هزت رأسها وقالت :
- لا اظن ان الكلمات ستفيها حقها .. هذا رائع .
-شكرا . والآن اذا سارت الامور كما نريد فلابد ان جنيتي قد جهزت لنا لنلق نظرة .
كان المطبخ الذي قادها اليه رائعا ايضا وكان تصميمه اشبه بمبخ سفينه ويحتوي على كثير من الآنية والاجهزة المعدنية . فتح الثلاجة وقال :
- نعم , لقد جهزت الغداء.
ووقف جانبا كي يسمح لفيفيان بالقاء نظرة .
لم تكن الثلاجة تحتوي على الكثير , عدا الزبدة والحليب . ولكنها رأت طبقا كبيرا من القريدس المسلوق وغير المقشر وبقا من المحار وليمونتين .وتنهدت مسرورة .
- هل اعجبك هذا ؟
-ومن لا يعجبه قريدس بارد يؤكل بالاصابعفي يوم حار ومحار . جنيتك هذه نابغة حقا كيف علمت انني اعشق الحلوى بالشوكولا ؟
حملا الطعام الى الشرفة وتوجها الى السطح .
شهقت فيفيان ثم وقفت قرب الطاولة وقالت :
- لا اظنني قادرة على التقدم خطوة اخرى بعد .
كشر ليتون وضرب على جبينه قائلا :
- نسيت خوفك من العلو . اتعلمين يا فيفيان ان هذا السطح ليس اعلى من شقتك في الطابق الثالث بكثير؟ ومع ذلك سنبقى هنا .
فقالت وهي تجلس الى الطاولة :
- شكرا انا مرتاحة هنا تماما .
راحا يتناولان المحار وكان لذيذا مع عصير الليمون بعدها بدا بتقشير القريدس فراح يقشر واحدة منها ويأكلها فيما تقشر هي عددا منها اولا ثم تأكلها لاحقا .
وتعالى ضحكهما وهما يحاولان تحليل صفات كل منهما استادا الى طريقته في الاكل .
ارتفعت الشمس الى قبة السماء فأحضر ليتون قبعتين من القش ليتقيا اشعتها القوية . وكان البحر الممتد امام ناظريهما صافيا .
قالت وهي تغسل اصابعها في وعاء مخصص ثم تنشفها بمحرمة من قماش .
- هذا رائع جدا , الاحتفال بالبحر , وطعامه , والاكل بالاصابع ... والشمس وهذا الجزء من العالم .
وسكتت مقطبة جبينها ثم اضافت :
- الا تعتبر هارفست مون بيتا لك ؟
- لا , فقد بناه والدي ثم آل الى امي بعد وفته . هي جعلته على حاله هذه كتعويض عن فقدان ابي . انه منزل ممتازا لأسرة ولكن ليس لي , يمكن لماغ وادي ان يعيشا فيه على الرحب والسعة اذا ما ارادا ذلك .
- وماذا عن رالف ؟
- وهو ايضا اذا شاء.
ونظر الى به قريدس في يده مفكرا , ثم رفع نظراته الى فيفيان وقال :
- لكن رالف لا يمكث ابدا لفترات طويلة هناك .
- انت وماغ متشابهان جدا .لكن رالف مختلف عنكما .انا واثقة من ان امك شغوفة به وان كانت لا تظهر ذلك .
بدا المرح في عيني ليتون حين قال :
- كانت علاقتي بماغ حميمه ولم تكن امي تنوي انجاب المزيد من الاطفال . لهذا , اتى رالف بعد فترة طويلة واظنها تشعر بضرورة حمايته لأنه كان مختلفا .
- هل ... كانت جيني تحب العيش في هارفست مون ؟
- هذا ممكن , نعم اظنها كانت تريد ذلك .
وهز كتفيه فسألته :
- لم حطمت قلبها يا ليتون ؟ الا اذا كان العكس صحيحا .
لمعت عيناه بشرارة غامضة ثم قال متاملا :
- ارتاها ماغ , ام جيني نفسها , هي التي تركت لديك هذا الانطباع ؟
لم تجب فيفيان بل قالت :
- يمكنني ان اكون مستمعه جيده . ولكن فقط اذا شئت ان تخبرني , كما اني اتمتع بحدس صائب في الليلة الماضية مثلا , كنت .. لم تكن على ما يرام فساورني شعور بأنك تحتاج الى الابتعاد اليوم مثلي انا تماما .
تشابكت نظراتهما لكن نظراته بقيت غامضة .
- منذ ليلتين رفضت ان تعرفي شيئا عن ذلك .
حركت كتفيها بتملل وردت :
- اظنني فكرت منذ ذلك الحين بأننا يمكن ان نكون صديقين ولكنك لم تشأ ... قالت جملتها الاخيرة بهدوء وهي تتأمل البحر.
- صديقان فقط ؟
وعضت على شفتها وهي تضيف :
- انها البداية . انها افضل من كل ما نقوم به بأسم عصير كلوفر مثر .
لوى شفتيه وقال :
- هل يعني هذا انك عندما ستحصلين على اتفاقية العصير ستفكرين في انشاء علاقة جدية ؟
عادت نظراتها لتستقر عليه وهي تبتلع ريقها واجابته بتلعثم :
- انا ... لا ادري, لقد سبق وهجرت مرة , ولهذا نعم , اظنني مجروحة بعض الشيء .
وسكتت ثم نظرت اليه بأسى مضيفة :
- اعلم ان ما اقوله جنون , لكنه مفيد . ان كان لديك نقاط ضعف فقد لا اشعر اني ادخل عرين الاسد دون ان اعرف ما ينتظرني .
تبدلت تعابير وجهه ثم قال بابتسامة عريضة :
- اضمن لك ان الاسد لن يفترسك .
- كنت اتحدث بشكل مجازي .فقال والابتسامة لا تزال على محياه:
- اعلم هذا , حسنا .
لكن فيفيان قاطعته فجأة عندما لمعت في رأسها فكرة :
- ما قصدته هو ان زوجتك هجرتك رغم رغبتها في العودة اليك الآن . كنت اتساءل فقط ولأنك اختبرت هذا الشعور , ما اذا كنت تفهم ما اشعر به اكاد اموت خوفا من ان يتكرر ذلك مرة اخرى .
قالت ذلك بصراحه مؤلمةواكملت :
- حسنا يكون شعور الانسان افضل ان لم تعتمد سعادته على شخص اخر .
تبدد من وجهه كل اثر للمرح , وراح يتفرس فيها .. تأمل الطريقة التي تحرك بها عنقها والتي تنقبض بها يداها , وظلال العذاب في عينيها البنيتين , وخطوط جسمها المتوتيرة ثم سألها بهدوء :
- كيف حدث هذا ؟
- كنت اعمل معه في وكالة غودمان وكان هو اول ...
ثم سكتت وعضت على شفتيها لتضيف بعد حين :
- اول رجل ارتبطت به بعلاقة جديه فقد فقدت امي في طفولتي ولم ينس ابي حزنه قط وعشت طفولة غير مستقرة لهذا نشات وحيده وخائفة من .. اليس هذا ما اخبرك به ستان ؟ انه ...احيانا اعتقد انه يعرفني اكثر مما اعرف نفسي .
- ليس تماما قال لي انك يتيمه , وانه اخذك تحت جناحه وكانك ابنته بالتبني كما اخبرني انك قد تكونين عنيدة احيانا لفرط تحمسك لعملك اذن جعلك ذاك الرجل تعتقدين ان علاقتكما تتجه الى نهاية معلومة , ثم هرب ؟
فقالت بشيء من الحيرة :
- نعم , لا , ربما تصورت علاقتنا اعظم مما هي عليه . فقد تعلقت به جدا وما كنت لأفعل هذا لو لم .. يبدو انني تصورت مستقبلا لعلاقتنا لم يكن يفكر هو فيه .
- هل مازلت تحبينه ؟
- لا . اذا كنت تعني اني تعيسة , اشعر بالحرمان او ما اشبه , فلا . هذا من الماضي , ولكن حينذاك كنت .. تعيسة جدا .
حدق ليتون فيها مطولا ثم حول نظراته عنها قبل ان يقول :
- بالنسبة الي كان الامر مختلفا . فأنا من طلب منها الرحيل , لكن وفي لحظة سخرية حمقاء طلبت منها ان تدع الجميع يظن العكس .
فغرت فمها وسألته :
- لماذا ؟
- هل نزيل هذه الفوضى عن المائدة اولا ثم نحضر القهوة لنرتشفها مع الحلوى ؟
- اذا شئت .
وهذا ما فعلاه وبقيا في الداخل لأن حرارة الجو ارتفعت فأخذت الشوكولاته تذوب على الحلوى .
سكبت القهوة وقطعت قالب الحوى ثم جلسا وقد فصلت بينهما طاولة منخفضة بادرته قائلة فجأة :
- اذا بدلت رأيك ولم تشأ ان تخبرني لا بأس .
- لا , لم اغير رأيي في الواقع ... حسنا , اشعر بحاجه الى القيام بذلك تعرفت الى جيني عن طريق ماغ وكان ذلك بعد مرور ست سنوات على وفاة ابي , كنت ...
وسكت وسرح بنظره الى البعيد , ثم اكمل قائلا :
- .... كنت قد تحررت من اوهام الحياة .
- لماذا ؟
- اظنني لم اكن اتوقع ان اتحمل المسؤولية لشركة كلوفر بهذه السرعه , او لم اشأ ذلك . ولا يعني هذا انني كنت اريد ان اتخذ الطيران كمهنة لي . ولكن قبل ان يتوفى ابي كنا قد قررنا اقامة مصنع للطائرات وهذا ماكنت اريده حقا , لا العصير والشامبو ولا أي شيء اخر , ولكن كان هذا مستحيلا .

انتظرت فيفيان بصمت كي يكمل حديثه وراحت تكون انطباعا جديدا عن ليتون , فكرت في وهو يترك القوات الجوية والاحلام التي داعبت خياله ليواجه امبراطورية من الاعمال .
كما تخيلته فتى خالي البال تكونت شخصيته وتغيرت بسبب هذه المسؤولية الضخمة وتساءلت عما اذا كان هذا هو سبب الناحية الحاقده والساخرة من شخصيته .
ومع ذلك , لم يكن من الصعب ان تتخيله عاشقا مدمرا يمكنه ان ينال ما يشاء .. واخيرا تابع يقول :
- كان الامر مستحيلا لآن وضع الشركة كان مهزوزا قليلا بسبب موت ابي المفاجئ وكذلك الوضع الاقتصادي العام انذاك. وقد استلزم انقاذها من الافلاس الكثير من الجهد والعمل فكيف يمكنني ان افكر بالطسران ؟
لفظ سؤاله الاخير بجفاء ساخر فسألته جادة :
- هل تعني ان جيني دخلت حياتك حين كنت ضعيا نسبيا ؟
فألقى براسه الى الخلف مفكرا وقال :
- ربما . لكنني لم اكن افكر في الزواج وان كنت منجذبا اليها ..
- هذا ليس صعبا , فهي .. جميلة جدا .
رفع ليتون رأسه ونظر الى فيفيان ساخرا :
- شكرا . هل يفترض ان اشعر بتحسن ؟ يمكن لأي رجل ان يواجه المشكلة نفسها .
فعبست واجابت :
- آسفة . لم اقصد الاستعلاء عليك .
فضحك بهدوء وقال :
- لعلك لم تصلي الى هذا الحد يا انسة فلوري . على أي حال , وقبل ان تصل الامور .. الى ذلك الحد بحسب التطور الطبيعي لها , تزوجنا عندما اكتشفت انها حامل , رغم ان هذا ما كان يجب ان يحدث عمليا .
وعندما رفعت حاجبيها قال :
- كانت قد اخبرتني انها تتناول حبوبا لمنع الحمل . ولكن الحبة قد تخذلك او هذا ما اعتقدته انا . اما ما لم انتبه له فهو الازمة المالية الخانقة التي كانت اسرتها ترزح تحتها . كانوا وما زالوا رعاة ماشية .
فقاطعته غير مصدقة :
- الم تكن تعرف ما ضيها ؟
- بلى , فهي من اسرة عريقة من غرب ويلز . لم تكن نعرفهم شخصيا لكني اجتمعت بهم طبعا . وقد تركوا اثرا طيبا على امي . مثلي تماما فأسم ديكون مذكور في سجلات الاسطول الحربي . ولاحظت انهم كانوا اغنياء في ما مضى . اما احتمال افلاسهم وامكانية ان يخسروا مزرعتهم فهو سر لم يبوحوا به لأحد . كما كانت والدة جيني تتظاهر بأنهم في احسن حال وذلك حتى النهاية المرة .
فسألته بحزن :
- وكيف حدثت النهاية المرة ؟
- انها سلسلة من الاحداث. اجهضت جيني بعد ان تزوجنا بأسابيع.. وكان قد مر على حملها 3 اشهر . كان مقدرا لها ان تخسر الجنين بحسب الاطباء . لكن لم اكن واثقا تماما من ذلك . كانت ... تصرفاتها غريبة بعد عودتنا من شهر العسل , اذ بقيت اعصابها متوترة وذات يوم اقبلت باكية واخبرتني ان ابها يهدد بالانتحار بسبب مشاكله المالية ثم توسلت الي لأساعده وحينذاك بدأت اتساءل .
فعادت تسأله بحزن :
- وما الذي دفعك الى الاقدام على ما فعلته ؟
- وجدت رساله من امها , ولم يكن فيها أي التباس . ذكرت فيها ان حالتهم ميؤوس منها ولكن بما اني تزوجت جيني , بالرغم من خسارتها للجنين , فلا بد انها اصبحت واثقة مني ويمكنها ان تطلب مني مساعدتهم لدفع رهن المزرعه .
- آه ...
فقال بجفاء :
- وكما قلت انت , ولأفيها حقها . لقد تعرضت لكثير من الضغط من اهلها , ولا سيما من امها . كان اسمهم ذا ماض مجيد . وكان لها 3 اخوة اصغر منها سنا , ومازالوا في المدرسة او الجامعة . واظن ان انعدام الكرامة بدا واضحا على وجه جيني نفسها .
- لكنني لا افهم لماذا تساندها اسرتك ؟
- لأنهم لا يعلمون ما جرى .
- وهل دعت الرهن .
- آه نعم . كان هذا جزءا من الاتفاقية , وقد سرتهم جميعا . اذ نص الاتفاق على الا يعلم بذلك احد , حتى ما واسرتي .
- فهمت لهذا طلبت منها ان تفهم الجميع انها هي التي تركتك .
- تماما . اما الجزء الاخر من الاتفاقية فنص على ان يكون دفع الرهن عن الاسرة مقابل الطلاق .
وظهر الذهول على وجه فيفيان .
فقال وقد ارتسم على وجهه طيف ابتسامة :
- كان يمكن للأمور ان تسوء اكثر . ولكن ان اكتشف انني كنت مخدوعا او مغفلا لم يكن بالامر السهل .
فازداد الذهول في عينيها , وقالت :
- انت تعني انها حاولت الحصول على المزيد من المال منك ؟
- لا . لكني انذاك , كنت من الحرض بحيث لم اسمح لها بذلك كما اكتشفت انها لم تستعمل وسائل منع الحمل عمدا . ان هذا النوع من الغش واستغلال حياة شخص اخر لتحقيق المآرب جرحتني في الصميم . وهذا ما لا استطيع الصفح عنه ابدا .
فتنفست فيفيان بعمق وسألته :
- ولكن قل لي ياليتون , كيف استطاعت ان تخدعك؟ ليس في مسألة الحبوب ولكن في مسألة حبها لك ؟
ساد صمت طويل عادت فيفيان لتقول بعده هامسة : هل احبتك في تلك الفترة ؟
فأجاب باقتضاب :
- هذا ما قالته .
- وهل فكرت في انه يمكن للحب ان يجمعكما الى الابد بالرغم مما فعلته ؟
- نعم .
ووضع فنجانه على الطاولة ثم اضاف:
- وانا اسف اذا فكرت هي في الامر نفسه . لكني اشك في ذلك فأنا اعلم ان هذا غير صحيح .
وعندما رأها تفتح فمها قال محذرا :
- فيفيان اياك والقاء محاضرة حول الكبرياء .
سكتت لتقول بعد لحظة :
- بصفتي فتاتك المأجورة فأنا مؤهلة لأن اشكك ياليتون .
وترددت حين رمقها بنظرة ساخرة ثم قالت :
- شكرا لأنك اخبرتني كل هذا .
نظر اليها فقالت بلهجة منطقية :
- حسنا , يجب ان اعترف ان هذا يجعل الامور مريبة نوعا ما .
حول نظراته عنها ثم عاد ينظر اليها قائلا :
- احد الاسباب التي جعلتني استخدمك يا فيفيان , هو عدم ثقتي بالحصول عليك بطريقة اخرى اسمعي .. كان ذلك تصرفا من وحي الساعه اعني ان احملك جزءا من المسؤولية مع الاسف . منذ اللحظة التي دخلت فيها الى مكتبتي حافية القدمين تملكني الفضول نحوك .
فقالت بشيء من المرارة :
- ذاك الحذاء الذي كلفني مبلغا ضخما , لم يكن يستحق سنتا واحدا كما سبب لي الكثير من المشاكل .
- هذا وقف على النتيجة التي حصلت عليها بسببه .
هزت كتفيها ثم قطبت جبينها وهي تنظر اليه . اذ ادركت فجاة ان تغييرا ما قد حصل وانه انتقل الى موضوع آخر . ثم خطر لها انهما وثقا ببعضهما ,وتكلما في امورهما الشخصية ولكن , بدلا من ان يعزز ذلك علاقتهما فتح فجوة بينهما وسعتها كلماته الاخيرة .
قضت كلماته على شعور الصداقة البسيط الذينشأ بينهما في فترة الصباح واثناء الغداء . كلمات تناقضت والاحساس الذي جعله يرغب في ان يريها استراحة كلمات اثارت في داخلها قشعريرة غريبة .
اتراه ندم لصالحتها حول زواجه الفاشل ؟
- فيفيان ؟
استفاقت من تأملها مجفلة وقالت:
- آسفة ... نعم ؟
- اتريدين ان تستحمي وتغيري ملابسك قبل ان تعود ؟
- آه , نعم . شكرا
ولكنها شعرت مجددا وكأن ماء باردا انسكب عليها . وربما بدا هذا عليها .
اذ ظهرت الرقة في عينيه وهو ينظر الى وجهها الا انه حول نظراته على الفور ونهض واقفا ثم قال :
- سأريك غرفة نوم الضيوف .
استغرق حمامها وقتا طويلا لآنها حاولت ان تتخلص من الملح والرمال التي علقت بجسمها , ومن الشعور الغريب الذي انتابها . احست انها اشبه بحبة رمل على الشاطئ تافههة وحيدة تتقاذفها الامواج.
ثم ارتدت الثياب التي احضرتها معها سروالا قصيرا وقميصا قصير الكمين .
جلست خلف طاولة الزينة وحملت بيدها الفرشاة لتسرح شعرها لم تكن غرفة النوم تحتوي الا الضروري من الاثاث . لكنها لم تكن رخيصة او قبيحة.
نظرت فيفيان الى صورة الغرفة المنعكسة في المرآة وفكرت في انها تحتاج الى لمسة ما ... لمسة تمنحها لونا وحياة . لكن عينيها ضاقتا حين وجدت نفسها تفكر معذبة , في ما يمكن ان يقودها الى مفتاح لحل لغو ليتون .
وفي هذه اللحظة بالذات قرع الباب ودخل , ولأن فكرها انحصرت فيه عجزت عن النطق وراحت تنظر اليه في المرآة . بدا وكأنه انهى حمامه للتو بشعره المبتل القاتم الممشط وقد ارتدى سروالا قصيرا وقميصا ازرقا .
رأته يقطب جبينه فتمنت لو تستطيع ان تقول ما يخف عنه , لكنها بقيت عاجزة وفي الواقع حدث ما لم يكن في الحسبان , اغرورغت عيناها بالدموع فخفضت بصرها بسرعه ثم رفعه الفرشاة بيدها .
- فيفيان ؟
فأجابت وهي تشهق بصوت منخفض :
- لحظة واحده .. شعري .
وضع يده على يدها ثم اخذ الفرشاة منها ادارها نحوه , وسألها :
- ماذا حدث ؟
فتحت فمها لترد عليه فشعرت بدوار قوي مما انقذها من ضرورة الكلام .
- آه لا شيء ..لعله المحار والقريدس والشوكولا لقد اكلت منها بنهم .
سكتت وتنفست بعمق . لكن الدوار عاودها مجددا فوضعت رأسها بين يديها بارتباك وبأس .
جذبها لتقف على قدميها مقاما كل محاولاتها المذعورة للافلات منه .وحين اصبح الدوار اسوأ لمرها :
- قفي ثابته .
ثم عاد يمسك بها ويضمها اليه ويمسح بيده على شعرها , وبعد 5 دقائق شعرت بتحسن فأخذت نفسا عميقا وهمست تقول :
- لا ادري كيف تفعل هذا , ياليتون , ولكني اشكرك ولن اهتم بشعري , سأجمعه تحت القبعه ..
ابعدها قليلا عنه ثم تفرس في عينيها :
- ما الذي جعلك حزينة ؟
- انا ...
وتنحنحت .
- كنت تبكين... لماذا ؟اغمضت عينيها واطلقت آهة خفيفة وهو يضم وجهها بين يديه آهة صغير بائسة :
- لا ادري . لا شيء ..حقا .
فقال برقة :
- اخبريني , انظري الي يافيفيان .
رفعت اهادبها وكانت مبتله فقالت بصوت خفيض :
- لا استطيع . انا لا اعلم ... ولهذا ..
- لابد ان لديك فكرة .
فابتلعت ريقها , وقالت :
- انا ... حسنا شعرت وكأني حبه رمل على الشاطئ. يتملكني احيانا شعور بالوحده . وهذا كل مافي الامر . ولكنه شعور لا يدوم .
وهزت كتفيها ثم اضافت :
- اظنها من الاوقات الغريبة التي اكون فيها تلك الشقراء الممصابة بالدوار التي رأيتها في البداية .
حاولت ان تبتسم لكنها لم تستطع . همس لها كلمات لم تسمعها ثم عانقها .
وتمتمت عندما ضمها بين ذراعيه :
-آه , لا , ارجوك دعني .
- لسبب ما لا احتمل رؤيتك حزينة .
فقالت بعجز :
- هذا يزيد الامر سوءا .
لكنه لم يهتم بما قالته , بل ضمها اليه اكثر , فشعرت بأحاسيسها تدفعها الى احضانه كما يدفع المد المياه نحو الشاطئ . تملكها مشاعر لم تختبرها من قبل فأحست ببهجة عجيبة عجزت عن مقاومتها .
احست بين ذراعي هذا الرجل الضخم بانوثتها وصغر حجمها . وادركت تأثير الرجولة المتدفقة منه على حواسها , فاستسلمت لعناقه .
حدقا في عيني بعضهما البعض . فشعرت فيفيان وكانها تغرق في بحر عينيه , اذ راحتا تنطقان بشوق اليه . وكأن ليتون ديكستر لا يفكر سوى بشخص واحد .. هو فيفيان .
وترك شعورها بانها الوحيدة في عالمه تأثيرا بالغا عليها .
انحنى نحوها ليأخذها بين ذراعيه واحاطت عنقه بذراعيها هامسه :
- انت كالشجرة احيانا , قوي جدا .
- وانت كعروس البحر , تغنين لي اغنية لا استطيع مقاومتها .
جمدت فيفيان مكانها , وانزلت يديها ووضعتهما على صدره , وهي تحدق في عينيه , ثم رمشت بعينها , اذ اعادتها كلماته هذه الى شيء من التعقل .
كان قد قال شيئا مشابها من قبل وهي تتذكره جيدا . قال ان عليه ان يكون قويا ليتمكن من اغراء اللذات الارضية . قالها بلهجة الازدراء .
ثم هزتها قناعتها الذاتيه بأن ما جرى ينبغي ان يكون اختبارا . اختبارا لاستقامتها , اختبارا لقدرتها على المقاومة , حتى وان كانت تحتاج الى شيء منه .
اصبحت تعرف الكثير عنه .القصة الحقيقية لزواجه من جيني ديكون والتحذير من نتيجة تورطها معه , فقد اوشك قلبها ان يتحطم ذات يوم . ولم تكن واثقة من ان هذا لن يتكرر وبشكل اسوأ ..
اضطربت وابتعدت عنه فسألها وقد ضاقت عيناه :
- لماذا ؟
- انا ...
وتعلثمت ثم تنهدت وقالت :
- ليتون .. انا ...
ولكن لم تستطع ان تعبر عن افكارها بالكلمات .
وقف يتأملها وهو لا يزال ممسكا بها , ثم قال بشيء من السخرية :
- لن احاول , اغوائك , على أي حال , يا فيفيان ؟
توهج وجهها وراح السخط يغلي في داخلها , فقالت :
- لم اكن انتظر منك ذلك .
فرفع حاجبه قائلا :
- ايا كان ذلك الشخص الذي صدمك فقد خلف فيك جرحا يصعب شفاؤه صدقيني .
حاولت ان ترفع يدها لتصفعه فأمسك بيدها وهو يهز رأسه ساخرا :
- الا يمكنك ضبط نفسك .
فقالت متلعثمة :
- ما كان عليك .. ماكان عليك ... اعني .
فرد ببطء:
- الثأر مني ؟ لا , حسنا ليس بهذه الطريقة . اعلم انك لا تنفرين مني . يبدو انك احرزت تقدما في هذا المجال .
اطبقت فيفيان اسنانها واغمضت عينيها بشدة ثم قالت بعنف :
- كفاك سخرية , ياليتون ديكستر ! انت من يتغير ويتبدل ويتلون . انت من احضرني الى هنا وحدثني عن زواجه ثم منعني من التحدث عنه ! انت الذي قارنني بعروس البحر , وكأن مهمتي تنحصر في اغوائك . انت من اخبرني انه عليك ان تكون قويا لتتمكن من مقاومة الملذات الارضية التي امثلها انا . ولن اذكر انك في مزاج ملائم يوما وخلاف ذلك في يوم اخر ...
سكتت وراحت تتنفس بعمق وقد اغرورقت عيناها بالدموع مجددا رغما عنها . واخذت تمسح دموعها بضيق وهي تقول :
- لا ادري ما الذي حصل لي . لكن ان كانت هذه هي الطريقة الوحيدة للحصول على اتفاقية كلوفر فالتعامل انتهى بيننا .
ختمت كلامها بكبرياء بالرغم من دموعها الجارية .
- خذي .
تركها ودس في يديها منديلا كبيرا اخرجه من جيبه . ثم عاد يضع ضراعه حولها بينما راحت تمسح دموعها وتحبس انفاسها لتتجنب الدوار الذي هددها من جديد .
وعندما هدأت امسك بيدها ليقودها الى غرفة الجلوس وقال بجدية وحزم :
- اجلسي سأحضر لك ما تشربينه .
غاصت فيفيان في الاريكة , كانت وما تزال ترتجف لفرط انفعالها فتناولت منه فنجان الشاي الذي احضره شاكرة . وكان قد سكب واحدا لنفسه فسار نحو الباب الزجاجي وقف يحدق في البحر . ثم استدار نحوها قائلا :
- المشكلة هي انني ظننت اننا من نوع واحد .
فنظرت اليه بعجز , وسألته :
- من أي ناحية ؟
اخذت نظراته تتأملها , وقال برزانة :
- بأمكاننا ان نتحكم بانفسنا .
فاخذت تطرف بعينيها وهي تقول :
- لم افهم ما تعنيه .
- كأي شخصين ينجذب احدهما الى الاخر , انما لا يريدان الالتزام بعهد طويل الامد .
فسألته غير مصدقة :
- هل هذا ما فهمته , ياليتون ؟
فقطب جبينه , وقال :
- لقد اعيت نظراته على الخاتم في اصبعها .
فغرت فمها ولم تنطق بأي كلمة . وبعد لحظة , جلس بجانبها فنظرت اليه من خلال اهدابها :
- لم اكن انوي التورط معك , وقد اخبرتك بذلك ..
- وبرهنت ذلك الآن ...
وكان في صوته سخرية ومكر شيطاني .
ارتجفت من شدة غيظها . وفكرت في ان تعلمه كيف كادت تنجرف وراء مشاعرها , وكيف ردعتها كلماته وجذبتها بعيدا عن حافة المجهول , لكن الحكمة تغلبت عليها :
- آه , اذا اعطيت بقدر ما اخذت فلهذا سببان .اولا , لأبرهن لك انك لست ذاك الرجل الذي لا يقاوم , وثانيا من اجل غودمان .
سكتت وعلقت الكلمات على شفتيها مجددا , لن تطلعه على ورطتهم المالية, ولن تخبره بمدى حاجتهم الى المال الذي ستكسبه من الاتفاقية , لاسيما بعد ان سمعت منه قصة جيني .
وارتجفت حين راودتها هذه الفكرة , ثم تابعت تقول بصعوبة :
- اذن , وبالرغم من ... انجذابك الي , لم تفكر قط بأي نوع من الالتزام ؟
- نعم .
فسألته وهي غير قادرة على اخفاء الالم في صوتها :
- و.... ألم يغير أي شيء في رأيك هذا ؟
- فيك اشياء كثيرة مخيبة . لهذا اكره ان أؤذيك .
اخذت نفسا عميقا , واحست وكانها كشفت اوراقها كلها .
فقالت وهي ترتعش :
- ما الذي جعلك تغير رأيك ؟
- تصرفاتك كفاحك حتى النهاية , ما اخبرتني به اليوم , والذي يفسر سبب مقاومتك لي .
اخذ يعبث بالخاتم في اصبعها واضاف :
- انت الفتاة التي تحطم قلبها , يا فيفيان .

وحدق في عينيها فجأة فقالت غير قادرة على تجنب عينيه :
- نعم , لهذا السبب كنت واثقة من قدرتي على التعامل معك , كنت مخطئة لكن جزءا من مشكلتي هو ... انني اشعر احيانا بالامان معك . فأنسى تلك الجبانه في داخلي , تلك التي تخاف ركوب الطائرة والعلو والمصاعد والتي تصاب بالدوار وتسقط في الانهار وتفقد حذاءها .
ترك يدها لكنه لف ذراعه حول كتفيها واستند معها الى الخلف وهو يقول :
- وهذا ما جعلني اخبرك بالحقيقة عن جيني . لقد قررت , اثناء الغداء ان الوقت حان كي نوقف هذه المهزلة .. ظننت ان اقل ما ادين به لك هو تقديم تفسير .لكن نواياي الطيبة لم تمنع تأثري عند رؤيتك محرومة .
سألته وهي ترتجف :
- هل عدم رغبتك .. بالالتزام هو بسبب جيني ؟
- نعم ولا . يفترض ان اتوخى الحذر بعد تجربتي مع جيني , وهذا امر طبيعي . لكن المشكلة الحقيقية هي اني لست الرجل المناسب لفتاة مثلك .- وكيف ذلك ؟
- اظن ان آخر ما تاحتاجينه هو رجل دائم التنقل والترحال مثلي لا سيما الآن وقد اوشكت على تحقيق احلامي .
بدت مشوشة واذ بها تدرك فجأة ما عناه فسألته :
- مصنع الطائرات ؟
- نعم . سيتطلب هذا الكثير من الوقت والجهد , وسانشغل به لسنوات .
حدقت في عينيه الزرقاوين , ومضت لحظات طويلة شعرت خلالها بالشكوك والمخاوف تساورها ازاء هذا الرجل . تذكرت مشاعرها وهي بين يديه وكيف استطاع ان يلهب احاسيسها ,
وان يجعل الشوق يكتسح كيانها بنظرة منه . كما تذكرت كيف ضحكا واستمتعا بقضاء الوقت معا ... فأحست وكأن عالمها ينهار من حولها كمنزل من ورق .
وارغمها هذا على مواجهة الواقع , وتبين لها ان ليتون كان على صواب فيما قال عنها لكنه اخطأ في نقاط اخرى , والا لما تملكها هذا الشعور بالحزن والكآبة , وهذا الاحساس بالوحدة الآتية .. والهجر .
وسالها بهدوء :
- اتفقنا ؟
تبا لك ياليتون ديكستر . واغرورغت عيناها بالدموع مجددا . هاهي جالسة ورأسها على كتفه من جديد وقلبها محطم ثم يوجه اليها مثل هذا السؤال .. اين كرامتها وكبرياؤها ؟ وكيف تستطيع استعادتهما ؟ كيف يمكنها ان تنهي هذه المسألة الآن والى الابد ؟
فقالت بصوت اجش :
- نعم حسنا , سأكون مجنونة لو فكرت في المنافسة . ولو كانت مع أي شيء اخر عدا الطائرات لجربت حظي . لكن حسنا لقد فهمت !
استقامت في جلستها عندما هب لنجدتها احساس لعله الكبرياء .. واخذت تتساءل عما اذا كان احس بأنها تحاول استعادة كرامتها وعالمها اجمع , بهذه الشجاعة التي تظهرها .
نظر اليها متأملا ولكن قبل ان ينبس ببت شفة بادرته بالقول :
- بالمناسبة , افضل الا احضر الحفلة الراقصة هذه الليلة . اظنك على حق حين قلت انه علينا انهاء هذه المسالة الآن والى الابد .
ثم خلعت خاتمه وناولته اياه .
اخذ يقلبه بين اصابعه ويتفحصه وقد قطب جبينه . ثم سألها :
- هكذا .. دون ندم او اسف ؟
ورفع عينيه فجأة ينظر في عينيها فأجابت ببساطه :
- بل اشعر بالاثنين معا , لكني سأتغلب على ذلك .
ثم ابتسمت له بمرح واضافت بأسى :
- واقول لك بصراحه اني سأرتاح لو ... عدت الى التعقل . فمنذ قابلتك وانا اشعر وكأنني " اليس في بلاد العجائب " او كأنني في مستشفى مجانين .
ومضت عيناه ومضة غريبة لكنه اكتفى بالقول :
- امتعتك في هاوفست مون .
سكتت محبطة ثم اشرق وجهها وهتفت :
- ربما يمكنني قضاء الليلة هنا , او في مكان اخر في بالم بيتش ثم تقوم انت بارسال امتعتي غدا . وهكذا يمكنني ان ارحل من دون مشاكل .
- افضل ان تاتي الى الحفلة الراقصة .
حدقت فيه وتذكرت فجأة كيف بدا تلك الليلة حين تناولا العشاء في بريسبين . يومها كان ليتون الصلب البارد
- ولكن لماذا ؟
فهز كتفيه وقال :
- لم ننته من موضوع اتفاقية عصير كلوفر .
- ماذا ؟
- لم تحصلي عليها بعد , يافيفيان وانا اعرف حاجة غودمان الماسة اليها .
لم تملك سوى ان تحق فيه بذهول بالغ وغضب واضح على وجهها بينما تابع يقول بجدية :
- فقد خسرتم الكثير من عقودكم , مؤخرا .
فاتهمته بصوت منخفض :
- هل كنت تعلم ؟ كنت تعلم منذ البداية ؟
- نعم واي فرق يحدثه هذا ؟
فوقفت فيفيان وملقت فيه :
- اتعني انك كنت تعلم السبب الحقيقي الذي جعلني اشترك في هذه المهزلة السخيفة ياليتون ؟
- بل هو احد الاسباب . نعم ,والسبب الاخر هو انك عجزت عن القاومة والرفض .
سأخبرك بشيء ما ! كان هذا السبب الوحيد الذي منعني من ترك مكتبك حين تحدثت اول مرة عن الفتيات والخوخ .
فذكرها بمرح :
- ولأنك كنت حافية القدمين .
- لم يكن لذلك أي اهمية . كنت لأعود الى بريسببن حافية القدمين لو لم اكن افكر في غودمان .
- حسنا . هنا كتمن مصلحتك في انقاذ وكالتك . ولا بد انك تعتبرين الرقص متعه مقارنة مع السير الى برسبين حافية القدمين .
ابتلعت ريقها واحست بغضب عارم لم تخبره من قبل . شعرت برغبة في الثأر منه لخداعه لها . كيف يمكن لهذا الرجل ان يثير مشاعرها بهذا الشكل ؟ كيف يحافظ على هدوءه بعد ان اكتشف مشاعرها الدفينه ونبذها ؟ وهاهو يبتزها الآن .. واخذت نفسا مرتجفا وقالت :
- لا تظن اني لا اعرف سبب فعلتك هذه يا ليتون .
رفع حاجبيه وانتظرها كي تفصح عن قصدها . تاملت هذا الطول الفارع وهذه القوة , كل الاشياء التي ظنت انها تحبها فيه .
هاتان العينان الداكنتان الزرقة وتلك الابتسامة الكسول , قوته ورقته , الشعور بالامان معه . انه الشخص الوحيد الذي ساعدها في التغلب على مخاوفها وعلى شعورها بالغثيان .. وها هو الآن امامها بهذا الشكل ! اغمضت عينها للحظة , ثم تابعت تقول :
- سأخبرك . انت بحاجة الليلة لدرع واقي , اليس كذلك , ياليتون ؟ فقد تكشفك هذه الحفلة على حقيقتك امام جيني وهي في ابهى حلتها .
ليس هذا وحسب ... فقد تكشفك اما زوجتك السابقة التي تستغل اخاك كي تثير غيرتك .
تشابكت نظراتها طويلا .ظهر الغضب في عينيها , في حين ان عينيه لم تملا أي تعبير . ولكن متى استطاعت ان تقرأ في عينيه ما يريد اخفاءه ؟
- اتظنني لم الاحظ ما يجري بينهما في الامس ؟ اتظنني لم ادرك انهما سبب رغبتك في الابتعاد عن المنزل اليوم ؟
وقف فبدا كالمارد امامها . لكن فيفيان لم تتراجع خطوة واحده بل اكمل كلامها :
- فهل تخطط لأستغلالي في اثارة غيرتها هذه الليلة , ياليتون ؟ لم لا تعترف بذلك ؟ فعندها احدد موقفي .



نهاية الفصل الخامس
- الجــزرة والحمــار

- يمكنك أن تتخذي الموقف الذي تريدين ، يا فيفيان . ولكن إذا كنت تريدين
الحصول على اتفاقية ( عصير كلوفر ) فستعودين معي إلى ( هارفست مون ) الليلة .
قال كلماته هذه بلطف ولكن بطريقة مسمومة بعثت القشعريرة في جسمها .
- و إذا ..رافقتك ؟
فابتسم ابتسامة مصطنعة ، وقال : ( عندها أوقع الإتفاقية ) .
واحتارت حين سمعت نفسها تقول : ( ماذا عن باقي أيام الأسبوع حتى يوم الزفاف ؟ )
فنظر إليها ساخراً ، وقال :
- هل تعرضين علي المساعدة حتى يوم العرس ؟
أوترضين أن تستمري في هذه اللعبة ، التي قذفت بها لتوك في وجهي ؟
هذه تضحية لم أتوقعها . إلا إذا ...
وسكت ثم أخذ يتأملها ، قبل أن يضيف : ( إلا إذا كنت تسعين للحصول على المزيد من المال
بطريقة ملتوية ، يا فيفيان !)
عضت على شفتها لتوقف سيل الكلمات التي خطرت ببالها .
وأخذت تقاوم رغبة تملكتها ، رغبة في صفعه . لكنها قالت بعد حين :
- لم يخطر الأمر على بالي أبداً . لكن بما أنك ذكرته ..فلم لا ؟
وما فائدة أن تثير غيرتها لليلة واحدة وترسلني بعدها إلى بيتي ذليلة ؟
بإمكاني الآن ، وبعد أن عرفت حقيقة الموقف ، أن أؤدي بشكل أكثر إقناعاً .
فتتمتع بالأمر مقابل ما أنفقه من مال إذا كان هذا ماتريده . نرى أن ...
فقال بخشونة يحذرها :
فقال بخشونة يحذرها :
- فيفيان .
- دعني فقط أنهي جديثي . أعترف أنني لم ألعب دوري .
كما يجب ، لأنني كنت أتخبط في الظلام .
وابتسمت لتخفي حنقها ، ثم أضافت : ( آه ، نعم ، يا ليتون ، وبما أني اطلعت على حقيقة الوضع
يمكنني حتى نيل جائزة ( الأوسكار ) للأداء الجيد .
رأته يتململ فجأة ، فأجفلت لا إرداياً ، رغم أنها لم تحول عينيها عن عينيه .
ثم رأته يسترخي ، فشعرت بالارتياح . أحست بسعادة جنونية حين أدركت أنها أغضبته .
وإن ارتاحت حين شعرت أن حدة هذا الغضب قد تراجعت .
ومع ذلك لاحظت أنها تحبس أنفاسها في إنتظار ما سيحصل ...
قال بجفاء :
- لا بأس . ( عصير كلوفر ) مقابل الأوسكار لنجاحك في دورك هذه الليلة .
وقد نتناقش في الأمر فيما بعد .
لكني ، في الواقع ، فررت أن أدّعي أني مضطر للمغادرة لاحقاً بسبب العمل .
لكن ماغ لن تسامحني أبداً إن لم أحضر حفلة الليلة .
فهذه أهم ليالي هذا الأسبوع . لكنها ستتغاضى عن غيابي بقية أيام الأسبوع .
لم تستطع إخفاء خيبة أملها ، وزاد في ذلك ضحكة رقيقة ، بدرت منه حين قرأ تعابير وجهها .
وسألها بكسل : ( أتشعرين أنك وقعت في الفخ الذي نصبته لغيرك ؟)
- وقعت في شيء ما ، لكنك البادئ .
- نعم ، أنا المذنب .
كانت ملامحه ساخرة وباردة ، فيما راحت عيناه تتأملانها ، وأضافت : ( جاهزة ؟)
شدت فيفيان قبضتي يديها وفتحت فمها . ولكن حين تراءت لها صورة ستان غودمان ، سكتت
ولم ترمِ بأتفاقية ( عصير كلوفر ) في وجه ليتون ديكستر .
بل أجابت : ( نعم )
- لا تنسي خاتمك !
وأعاده إليها .
في الواقع ، كان أمامها ساعتان لتستعد للحفلة . وكانت رحلة العودة سريعة .
فلم يتوقفا لتأمل المناظر في الطريق . ولم يتبادلا الأحاديث . وكان في المنزل هرج ومرج .
فهربت إلى غرفتها دون أن يلحظها أحد . وغاصت في فراشها .
وهي تشكر الله على هاتين الساعتين من الراحة ، إذ كانت تشعر بالاضطراب والإنهاك .
وكأن مصائب الدنيا قد نزلت على رأسها .
كما أخذت تعنف نفسها على ما فعلته . وما قالته . تقلبت في فراشها .
وأسندت خدها إلى يدها ثم راحت تحدق في السقف .
أخذت تتساءل عمن يستطيع أن يلومها . فجيني كانت على حق !
حب ليتون ديكستر يحطم القلوب . وتساءلت عما كان ليحدث لو أعترفت له بحبها الليلة مثلاً ؟
هل كان سيكتفي بإعطائها اتفاقية كلوفر وبالتربيت على رأسها ؟
تململت في فراشها ، وتمنت لو لم يكن لهذه الإتفاقية أو وكالة غودمان أي وجود . فقد عقدا الأمور .
ومن جهة أخرى ، كانت واثقة من أنها لم تخطى حين رفضت الخضوع لليتون .
ولا بد أن ما جعلها تعود إلى المنطق والعقل هو قناعة راسخة في أعماقها .
جلست فجأة في فراشها . وعبست كي يصفو ذهنها ، ثم خطر لها أنها إذا استطاعت أن تفصل العمل عن الأمور الشخصية .
وأن تعترف بحبها لليتون ، فهل سيتمكن هو من أن يفعل ذلك .
أم أنه حقاً من الرجال الذين لا يحبون الزواج والارتباط بامرأة ؟
أو أن الأمر أبسط ، وهو ما زال يحب جيني . . .
رغم كل ما جرى ؟ أخذت تفكر في ذلك وتتأوه .. وكـأنها شجرة في مهب الريح ، تتساقط
أوراقها الخريفية ، لتتركها عارية ، ضحية العوامل الخارجية .
اغرورقت عيناها بالدموع . فمسحتها وهي تفكر بأسى أنها ذرفت اليوم دموعاُ لم تذرفها منذ سنوات .
لكن حبه لجيني هو التفسر الوحيد لما جرى .
وهذا ما واجهته به منذ ساعه ، وما يفسر سبب بقائها في ( هارفست مون ) .
لم نثر هذه المرأة إعجابها . ولا يعود السبب فقط إلى أنها أوقعت ليتون في شباكها .
بل لأنها تستغل رالف . ولكن من تكون هي ، على أي حال . كي تدين امرأة أخرى لأنها أحبت ليتون ديكستر ؟
وإن كانا يحبان بعضهما بعضاً بالرغم مما حدث .
فمن هي كي تنصب نفسها قاضياً وتدينهم ؟
لقد نبذها اليوم بشكل جلّي ، رغم رقته . وذلك من أجل مصنع طائرات .
فماذا ستفعل الليلة ؟
أخذت تتساءل بشكل محموم ، ثم جلست في الحوض فجأة وقد اتسعت عيناها .
وراحت تحدث نفسها بصوت مسموع :
- لكن هذا سيفقدك اتفاقيه ( عصير كلوفر ) بالتأكيد .
ثم أجابت نفسها : ( وقد حان الوقت كي تواجهي الحقيقة . وضعتك هذه الإتفاقية في موقف صعب للغاية.
لكنها لن تجعلك تتخلين عن الأخلاق والقيم ، يا فيفيان فلوري .
فهي ليست الإتفاقية الإعلانية الوحيدة في العالم . آه ، كم كنت حمقاء .
ارتدت فيفيان ثوباً من الحرير الخالص . ذا لون وردي فاتح . يبدأ من فوق صدرها ثم يضيق عند خصرها ووركيها .
ليصل بعد ذلك حتى كاحليها ، كان قماش الثوب الحريري ناعماً ، يصدر حفيفاً كلما تحركت .
أما تفصيل الثوب فأبرز أنوثتها ورشاقة قوامها . تزينت بالحلية الوحيدة التي تملكها ، والتي نادراً ما تضعها ، وهي عقد اللؤلؤ
ورثته من أمها . كان العقد ملتفاً إذ علقت لآلئه الضخمة في سلسلة فضية ، بشكل متباعد .
كما انتعلت حذاء بسيطاً ، بكعب معتدل ، بقماش كقماش الثوب الحريري .
وربطت شعرها إلى الخلف بشريطة ، مما جعلها تبدو مختلفة وغامضة بعض الشيء .
وهذا ما كانت تريده حقاً . أن تبدو فتاة مختلفة الليلة .. وعندما دخلت الخادمة لتسألها إن كانت تحتاج
إلى مساعدة ، طلبت منها فيفيان بعض أدوات الزينه .
سارعت الخادمة إلى إحضار مستحضرات التجميل .
وساعدت فيفيان في إكمال زينتها . فوضعت ظلاً خفيفاً فوق عينيها . والقليل من حمرة الخدود ،
واستخدمت أحمر شفاه يميل إلى اللون البرونزي .
قالت الخادمة بليندا بحماسة : ( تبدين مختلفة للغاية ، لا بل رائعة )
- حسنا ، فهذه حفلة راقصة . والآن ، ماذا علي أن أفعل ؟
ونظرت إلى نفسها في المرآة مجدداً ، ثم وقعت بقامتها وتنفست بعمق .
- الكل في المستنبت الزجاجي . لتناول الكوكتيل قبل أن يصل بقية الضيوف .
وقد أعدّت طاولة العشاء هناك ، وستقام الحفلة الراقصة على الشرفة خارج المستنبت .
إن الليلة رائعة ، يبدو أن السيدة ديكستر قادرة حتى على تنظيم الطقس .
توترت أعصاب فيفيان للحظة . وخطر لها أنها تحب كل من إميليا وماغ ديكستر لكن لعلهما لا تحبانها .
ثم هزت كتفيها وهي تتذكر تعليقاتهما ، كما ذكرت نفسها بأن ما قد يحصل الليلة هو ما رغبتا به بالفعل .
أخذت فيفيان الخاتم عن طاولة الزينة وضعته في إصبعها للمرة الأخيرة

كان المستنبت الزجاجي يتألق بأضواء الشموع ، فبدأ كحديقة أوهار متعددة الألوان ، وعندما وصلت كان الجميع قد سبقها إليه .
تألقت إميليا بثوب انساب على جسمها برقة ، أما ماغ فاختارت ثوباً أخضر ، وابنة العم ماري ثوباً وردياً .
وارتدت إحدى وصيفتي العروس ثوباً توتي اللون والأخرى ثوباً حريري أزرق .
ووقع خيار اللايدي واين رايت على ثوب قرمزي الألوان الزاهية .
لكنها بدت مذهلة في اللون الأسود .
ارتدت جيني ديكون ثوباً أسود ضيقاً أبرز تفاصيل جسدها المثيرة .
وكشف قسمة الأعلى عن عنق عاجي ، وعلق بشرائط رفيعه اللون ، وكان للثوب ذيل صغير فضي الحواشي .
كما انتعلت حذاء أسود ، ورفعت شعرها فوق رأسها ، ولبست في أحد معصميها سواراً ماسياً .
بدا جمالها ملوكياً ، في هذا الثوب الذي يتناقض مع بشرتها الناصعة البياض ، وأحست فيفيان أنها تافهة.
صغيرة الحجم مقارنه معها . لكن هذا لم يزعجها بل أضرم روح القتال فيها .
وتوجهت نحو المجموعة مرفوعة الرأس .
جلس ليتون و إدي هناك ، وقد ارتديا بذلة سهرة تقليدية وقميصاًَ أبيض .
في حين اختار رالف بذلة بنية وقميصاً ملائماً . وفكرت فيفيان أن ما ينقصة يشعره الطويل والقرط في إذنه . هو قبعة إسبانية .
وعندما التفت الجميع نحوها ، وهي تقترب منهم ، وقالت :
- مرحبا ، تبدون جميعاً غاية في الأناقة ، لا سيما أنت ، رالف .
ورفعت كأسها نحوه :
لمحت ليتون يقطب جبينه قليلاً ، لكنها سارت برزانة لتقف إلى جانبه .
وكلمة ( رزانة ) هي أفضل ما يصف سلوكها في الساعتين التاليتين عندما بدأ
الضيوف بالنوافذ .
جلست قربه أثناء تناولهما الطعام . ولكن أحاديثهما اقتصرت على العام منها .
كان رالف وجيني على المائدة نفسها ، فضلاً عن ثمانية أشخاص آخرين .
وهكذا تمكنت من تجاهله نسبياً ، كما لم تتخاصم معه . وراحت تتأمل زوجته السابقة وأخاه .
فشعرت بعزيمتها تقوى لأن جيني ديكون بدت متألقة ، جميلة جداً وخالية البال . كما بذل رالف جهده لإرضائها .
قال ليتون عندما رُفعت صحون الحلوى : ( هل هذا ما تسمينه الفوز بالأوسكار ، يافيفيان ؟ )
فأجابت وهي ترتشف قهوتها : ( لم أبدا بلعب دوري بعد )
- إذن ستنتقلين من تجاهلي إلى النقيض ؟
ورفع حاجبيه ، وراحت عيناه تجولان على مفاتنها في ثوبها الوردي الجميل .
- كل شيء في وقته . أنا بحاجه للاستعداد ، لهذا ....
فقاطعها قائلاً : ( تبدين مختلفة . لا أظنني رأيتك متبرجة من قبل ..)
- أنا لا أفعل هذا غالباًَ . ولكننا في حفلة راقصة . وظننت أنك لن تلحظ ذلك.
- إن أحد الأسباب الأولى التي جذبتني إليك ، هو شكلك الطبيعي .
- آه .
وحملقت فيه للحظة بدهشة ، ثم حولت نظراتها بعيداً منه بشيء من الإرتباك بينما أضاف مفكراً :
- إنني ، في الواقع ، أفضلك طبيعية الشكل .
- أنت لا تملكني ، ياليتو ن.
جاءت كلماتها هذه نتيجة لشعورها بالظلم . وكـأنها خلقت لتشعر بالذنب حيال أمور عديدة كتزيين وجهها مثلاً.
- حقاً ؟ بدأت أشعر أنه بإمكاني ذلك ، إن لم يكن جسدياً فروحياً .
كان في عينيه سخرية خالصة ، لكنه أضاف : ( لكني أفضلك طبيعية لأن هذا يضيف غموضاً إلى غموض فيفيان فلوري .
هل تودين أن ترقص ؟ لعلك لم تلاحظي ، لكن الفرقة بدأت العزف على الشرفة ) .
- بكل تأكيد .
في الخارج وبين ذراعية ، قالت :
- يبدو أنك نسيت الشيء الوحيد الذي لن أفعله للحصول على اتفاقية ( عصير كلوفر ) يا ليتون.
والآن إذا شعرت أن بإمكانك أن تمتلكني بالمفهوم التجاري ، لوافقتك على ذلك.
رقصا صامتين لدقيقة أو نحوها ، مما شكل محنة مؤلمة بالنسبة لفيفيان .
لكن غضبها الشديد منحها الشجاعة لتتجاهل تأثيره عليها .
لا سيما وهي بين ذراعيه . فقال ببطء :
- أرجو المعذرة على شكوكي ، يا فيفيان . لكني لا أستطيع منع نفسي من التساؤل عما إذا كان وضعنا هنا أشبه بالجزرة والحمار .
أنت الجزرة وأنا هو الحمار .
توقفت عن الرقص . لكنه شدها إلى الخلف . وهكذا عادت إلى الخطوات الراقصة من جديد.
وسمعته يقول ببساطة ساخرة : ( ألا توافقيني الرأي ؟)
- كلا .
جاءت كلمتها مقتضبة حازمة . لكنه اكتفى بالإبتسام.
- ما الأمر إذن بالضبط ؟
فابتلعت ريقها ، وأجابت :
- حسنا ، من المضحك أن الشكوك نفسها تساورني ، وهي أنك أردت امتلاكي مقابل اتفاقية كلوفر رغم طمأنتك لي بأن اتفاقنا سيكون
نزيهاً وعادلاً .
ولكن لعلي كنت مخطئة .
وهنا ، جاء دوره ليتوقف عن الرقص .
- هناك شيء واحد أنصحك بالأ تنسيه مهما جرى ، وهو أنك تميلين إلي ... والأنجراف أحياناً .
فسألته بلهجة خافته تموج غضباً : (ما معنى هذا ، يا ليتون؟)
- معناه أنني لو كنت مكانك لما حملّت كلمة جزره أبعاداً أخرى .
هذا كل ما في الأمر . لأني بدأت أغير رأيي بفكرة الفتاة المحطمة القلب .
بدأت أظن أن مؤسسة غودمان هي أهم عندك من أي شيء آخر .
أجفلت بشكل جلي ، مما جعله يبتسم ويرفع يدها التي تحمل الخاتم ، إلى فمه ليقبلها .
لكنها قالت بصوت لا يكاد يسمع : (من كان بيته من زجاج لا يرشق الناس بالحجارة ) .
- هذا ممكن ، ولكن ليس لدي ما أخسره ، والآن علي أن أراقص بعض الحاضرات.
وأنا واثق من أنه لن ينقصك مرافقون .
كان ما يزال ممسكاً بيدها ، فرفعها ليلمسها بشفتيه مرة أخرى وأضاف :
( ودعينا نقول إلى اللقاء مجدداً ، لننهي ما في ذهنك في الحلقة التالية من هذه القصة البطولية المثيرة ).
لمعت عيناها وهي تجذب يدها ، قائلة :
- لم لا ، يا سيد ( عصير كلوفر ) لم لا ؟
***رالف .
فالتفت رالف ، ورفع عينيه عن جيني ديكون التي كانت ترقص مع رجل طويل القامة ،
فضي الشعر ، ليجيبها بلطف : ( آه ، الخطيبة . كيف الحال ، يا فيفيان ؟ أراك لم تفقدي الخاتم بعد ) ؟
- لا ، إنها سهرة رائعه ، أليس كذلك ؟ لكنني عطشى حقاً.
وجلست فيفيان عند مائدة صغيرة مخصصة لشخصين . وبعد لحظة ، جلس رالف قبالتها ، وعندما مرّ النادل بهما ، ناداه ثم أخذ عن صينيته كأسي عصير .
كانت الحلبة تعج بالراقصين ، وقد ربط بعضهم بالونات في معاصمهم .
وبدت هارفست مون كأنها شبح في سماء منتصف الليل المضاءة.
رشفت فيفيان كأسها ثم تنهدت . فمال رالف برأسه نحوها ، وسألها :
- أين ليتون ؟ لا تقولي لي إنه هجرك؟
- لا ، إنه يراقص بعض الضيفات ، رالف ، ما أجمل هذا ..
وأشارت إلى باحة الرقص ، ثم أكملت : ( ألا يمكن للموسيقى أن تكون أكثر حيويه ؟)
قطب رالف جبينه ، حين أحس بإشارة غامضة ، ثم ظهر في عينيه الرماديتين وميض مفاجئ ، وسألها :
- أتريدين موسيقى أكثر حيويه ، يا فيفيان؟
نظرت إليه من فوق حافة كأسها ، وأجابت :
- رالف ، أنا مغرمة بالموسيقى ، لا سيما اللاتينيه منها .
أردت ، في صغري ن أن أكون راقصة ، وهذا ما كنت أطمح إليه .
ظننت أنك ربما ..لا أردي لماذا ..لكني اعتقدت أنك تشاطرني هذا الميل .
خرجت كلماتها الأخيرة بلطف بالغ .
أراد رالف أن يتكلم ، إلا أنه عاد وسكت مقطباً جبينه ، ليقول بعد حين :
- هل أختلفت أنت وليتون؟
ترددت فيفيان ، أسبلت أهدابها وهي تتذكر كل كلمة قالها ليتون على حلبة الرقص ،فردت منكره :
- لا ، أبداً .
ثم رفعت بصرها لتحدق في عيني رالف ، وهي تضيف :
- لا تقل لي إنك لم تكن تعلم أنني فتاة خطيبة مأجورة .
حملق رالف فيها دون أن ينطق ببنت شفة ، فقالت :
- حسنا ، لقد أنتهت اتفاقيتنا . لطالما كانت عملية تجارية .
وهزت كتفيها ، ثم أكملت : ( لا أردي لم لا أخرج من هنا بشكل مثير ثم ...)
وبانت على وجهها الرزانة فجأة ، حين قالت : ( سيمنحك هذا الفرصة لتحل ارتباطك بجيني هذه الليلة .
فهذا تصرف سيء ، لأنه أخوك ، وهي زوجته السابقة ) .
فقال بحذر :
- دعيني أفهم جيداً . نحن ، أي أنا وأنت ، سنصبح محطاً للأنظار هذه الليلة .
وبهذا تبقى جيني وحيدة . وكذلك ليتون . هل هذا ما تحاولين القيام به ؟
أن تعيديهما إلى بعضهما البعض ؟
ونظر إليها غير مصدق . فأجابت : ( بل هذا ما ترغب فيه أمك وأختك وجيني نفسها . رغم أنني لا أوافقها على أساليبها ) .
كلماتها الصريحة دفعت الأحمرار إلى وجه رالف . ثم عادت تقول بهدوء :
- أظن من الصعب عليك أن تعيش في ظل هذا الأخ الأكبر الناجح .
قال رالف بمرارة : ( أنت على حق )
ثم نظر إليها متفحصاً ، وأضاف : ( لا أدري لم يتملكني شعور بأنني أنتقل من سيء إلى أسوأ ؟)
- أنا لا أطلب منك أن تتعاون معي ، يا رالف ، أرقص معي هذه الليلة وحسب.
فأنا هنا لأداء مهمة معينه . وأنا آسفة لهذا . لكني تخليت عن دوري ، فلم لا تضع قلبك وروحك في موسيقاك حتى وإن لم تكن مناسبة لتقاليد أسرة ديكستر ؟
إن نقرك على الطبول في الأمس مسّ روحي ، وستنجح يوماً ما .
- هل تعنين ذلك حقاً؟
- نعم ، بكل تأكيد . ولكن لماذا لا ترتبط بفرقة موسيقية ؟
فقال رالف بأسى :
- حسنا . ولكن إذا اعتقلونا ، أنا وأنت ، عند الفجر ، وأعدمونا فتذكري أن هذه الفكرة فكرتك.
باشرا العمل بالخطة على الفور . ودب الحماس في الفرقة الموسيقية ، فبعثت البهجة في نفوس معظم المدعوين ، وهم في سن ماغ و إدي .
عندها ، أصبح جلياً أن نجمي السهرة هما فيفيان ورالف .
قال لها ، فيما كانا يرقصان : ( لديك حس موسيقي رائع ، صدقيني ، أنت خسارة في ليتون يا فيفيان !)
وضع ذراعه حول خصرها ، وكان رأسها يصل إلى كتفه ، وقادها إلى حلبة الرقص .
أفسح الراقصون لهما المجال ، وراحوا يصفقون لمهارتهما البالغة وأثار رقصهما إعجاب الموجودين كلهم .
الموجودون كلهم تقريباً !
إذ انتهز رالف وفيفيان غياب ليتون ، فرقصا معاً طوال الوقت كما تبادلا الأحاديث بشكل حميم ، وتعالت ضحكاتهما .
وبما أنهما راقصان بارعان ، وجدا في الموسيقلا والأنغام قاسماً مشتركاً .
وبعد حين اختفيا عن الأنظار لعشرين دقيقة تقريباً .
ابتعدا ليتمكنا من التقاط أنفاسهما وشرب بعض العصير المفضلة ( لابامبا) .
ودن أن يمسك أحدهما بالآخر . قدما عرضاً جعل المدعوين يحيطون بالحلبة مجدداً وهو يصفقون .
وفي الختام ، رفعها رالف عالياً بين ذراعيه وعانقها بحماس وهو يقول لها إن الرقص معها متعة.
وجعلتها الموسيقى ، والمرافق الرائع ، تتألق وتضحك وتبادله عناقة .
تلا عرضهما موسيقى ناعمة حالمة ، فحبس رالف و فيفيان أنفاسهما . وهما يرقصان معاً بهدوء .
وعند ذلك ، أكتشفت فيفيان أفراد أسرة ديكستر على حقيقتهم .
بدت إميليا غاضبة مذهولة . بينما ألقت اللايدي واين رايت ، التي جلست قرب صديقتها ، على فيفيان نظرة أحتقار صاعقة .
وكان إدي وماغ يرقصان ، لكن بدأ أنهما يتناقشان بجدية وشيء من الحدة .
كانت جيني ديكون تقف وحيدة قرب حلبة الرقص ، بدت طويلة القامة ، مهيبة الطلة .
وباردة كالثلج ، لكن ما أن تشابكت تظراتهما للحظة ، حتى قرأت فيفيان فيهما غضباً عارماً ساخراً .
أنت تستحقين ذلك ، يا جيني . ولا أدري لم تغضبين ، فقد فتحت لك ولليتون المجال .
إلا إذا كنت تكرهين أن يسرق غيرك الأضواء . وتحبين أن تكوني نجمة كل حفلة .
أما ليتون ، الذب تجاهلته وتجنبته في الساعات الثلاث الماضية .
فجعلها تتوقف وقد تملكها الرعب . كان يستند إلى عمود الشرفة ، وقد عقد ذراعية بينما نطقت ملامحه وعيناه الزرقاوان العميقتان باحتقار واضح .
قالت ، وقد راعها أن تكتشف أن صوتها يرتجف : ( رالف ، خل يمكنني الإعتماد عليك لتحسن التصرف حتى نهاية السهرة ؟)
فنظر إليها رالف مازحاً ، وسألها : ( ماذا تعنين ؟)
- حسنا ، أظني فعلت ما فيه الكفاية . سأخلد إلى النوم . لكن أريدك أن تعدني بأنك ستبتعد عن جيني .
أخذ رالف يحتج بأن السهرة لا تزال في أولها . لكنها تجاهلت كل اعتراضاته ، وذكرته بأن الليلة هي ليلة أخته ماغ .
وعليه أن يعيد تسليط الأضواء عليها . وأصرت عليه بقولها : ( عدني بهذين الأمرين ؟ )
وأخيراً وعدها بذلك . فابتعدت عنه . ووقفت لبرهة بعيداً عن أنظار أفراد الأسرة لترى ما سيحدث .
لم يخلف رالف بوعده . بل توجه مباشرة نحو ماغ ، وأخذها من بين ذراعي إدي .
بدت ماغ سعيدة عندما شاركهما الجميع الرقص . وتعالت ضحكتها .
تنهدت فيفيان بارتياح وهي تبتعد ، لكن حين عبرت المستنبت الزجاجي سمعت أحدهم يقول :
- من هي الفتاة ذات الثوب الوردي ؟
فجاء الجواب : - ظننتها صديقة ليتون ، ولكن ثمة غموض في الموضوع . أظنها صديقة رالف ) .
عضت فيفيان على شفتها وركضت نحو المنزل ، وتوجهت إلى غرفتها .
كانت الغرفة
غارقة في الظلام فلم تشغل النور ، وهي تبحث عن المفتاح لتقفل الباب .
استندت إليه وهي تتنفس بعمق تحاول ألا تلفت الأنتباه إليها .
حثتها غريزتها ، في الواقع ، على حزم أمتعتها والتسلل بعيداً عن المنزل .
ولكن كيف ؟
هزت رأسها ، ثم توجهت نحو الشرفة . وإذا بها تتسمر هلعاً حين أضيئ المصباح فجأة .
التفتت نحو المصباح الموضوع على الطاولة فرأت على ضوئه ليتون يجلس على كرسي .
كان قد حل ربطة عنقه وخلع سترته ومدّ ساقيه أمامه وحمل في يده فنجاناً من الشاي .
وضعت يدها في قلبها الذي أخذ يخفق بعنف وأغمضت عينيها :
- لقد أخفتني جداً ! ما الذي تفعله هنا ؟ كيف علمت أني سآوي إلى الفراش ؟
- لم أكن أعلم .
فابتلعت ريقها : ( إذن ، إلى متى كنت تنوي البقاء هنا ؟ )
- بقدر ما أريد .
فقالت متلعثمة : ( ولكن .. ولكن هذه غرفتي ، لا يحق لك أن تكون هنا ) .
- إنه بيتي . أين رالف ؟ أرجو ألا تكوني قد اتفقت معه على أن يتسلق أنابيب المياة إلى غرفتك . سيؤذي نفسه .
وحملقت فيه : ( يتسلق ؟ ما الذي تتحدث عنه ؟ لا أظنك تتصور ..لا أظنك تصورت لحظة ..)
تأملتها عيناه بتمعن . ثم ارتشف جرعة من شرابه ليضع الفنجان بعد ذلك على المنضدة :
- أنت من أخبرني عن العشاق اللاتينيين ، يا فيفيان . وفهمت الآن ما كنت تعنينه .
ولكن يمكنه أن يصل إلى هنا عبر أحدى الغرف الآخرى التي تطل على الشرفة . هل هذه هي الخطة ؟
سارت فيفيان مترنحه عدة خطوات ثم ارتمت على حافة السرير :
- لا ...آه ..لا ... ما من خطة بيننا ..ليست الخطة من هذا النوع على أي حال .
فابتسم ابتسامة صفراء ، وقال : ( كنت واثقاً من وجود خطة ما بينكما لكن أخبريني ) .
بللت شفتيها ، وأكملت : (ما بدا صداً لك الليلة . كان في الواقع شيئاً مختلفاً تماماً .. وأظن هذا ما جعلك قاسياً معي ) .
نظرت إليه بلهفة ، وقلبها يخفق بسرعة .
- أما كنت لتتصرفين مثلي لو كنت مكاني ؟
فما زلت تضعين خاتمي ، ومع ذلك تظهرين للعالم أجمع أن أخي وحده من يهمك ..
- هذا غير صحيح ، والسبب الوحيد الذي جعلني أضع خاتمك هو .. جسناً ، أنت تعلم السبب.
- نعم . هذا جزء من الأتفاقية بيننا . تمثلين دور خطيبتي ، وتحصلين بالمقابل على إتفاقية ( عصير كلوفر ) .
ولكنك لم تمثلي الليلة ، يافيفيان ، سوى دوراً فاجراً ..
هبت من السرير ، وواجهته ويداها على وركيها : ( إياك أن تجرؤ ..)
لكنه قاطعها بقولة :
- وربما أخطأت حين استعملت كلمة ( تمثيل ) فما فعلته نابع من القلب .
لهذا جاء طبيعياً منك يا فيفان .
فقالت وهي تصر على الأسنان :
- هكذا إذن ؟ حسناً ، دعني أخبرك أني قضيت الليلة وقتاً رائعاً .
وإن كنت تظن أن حالي أسوأ من حال زوجتك السابقة فأنت مخطئ .
فالنظرة التي رمقتني بها جيني ، منذ فترة قصيرة ، كادت تقتلني .
لو أن النظر يقتل . ولا أعلم لماذا ؟
هل هذا لأن صحبة رالف أفضل من رفقتك أنت ؟
واستدارت نحوه بعنف وحرارة المعركة بادية جلياً في عينيها ، فقال وهو يضع يديه على كتفيها :
- فلنختبر ذلك ، إذن .
فقالت بصوت خافت وهي تحملق فيه متشككة : ( ليتون ..إياك )
- بل علّي أن أفعل ذلك ، يا فيفيان . ألم تتحديني ؟
أخذت أصابعه تلامس وجنتيها .
- لا ، آه ..لا .
وبدأت تستوعب الدمار الذي خلفته الليلة ، فظهر الذعر في عينيها .
لكنه تجاهل كلماتها ، وتلك النظرة في عينيها ، وما أعتراها .
أغمضت عينيها . ووقفت جامدة بين ذراعية ، وهو ينزع الدبابيس من شعرها .
تركه ينسدل على كتفيها وراح يمرر أصابعه فيه .
قال : ( هذا أفضل )
وأمسك بذقنها في يده ، ليرفع وجهها نحو الأعلى ، فرفت بأهدابها .
وأكمل قائلاً :
- تعجبيني الآن أكثر بعد أن أزيل التبرج عن وجهك . كما أن ثوبك جميل .
فتحت فمها غير مصدقة ، ثم همست : ( هل أنت جاد ؟ )
فرفع حاجبيه ، وقال : ( آه ، نعم ، يا فيفيان )
وترك ذقنها ليمسك بوجهها بين يديه ، ويتفرس في ملامحه . أحست بقلبها يرتجف ، وخافت
أن تعترف له بحبها ، فتفسد الخطة التي رسمتها مع رالف .
دفعت ده عنها : ( سأبدا في الصراخ إن لم تخرج من غرفتي )
- لن يسمعك أحد فالموسيقى صاخبة ، ولكن يمكنك أن تفعلي ذلك لتشعري بالتحسن.
صرخت وهي ترتجف : ( ماذا ؟ )
- أظن أن كل هذا تمثيل ، أليس كذلك يا فيفيان ؟ أعني تريدين طردي من الغرفة لتستقبليه هو .
وقرأت في عينيه سخرية بالغة .
سألته وقد جف حلقها : ( هل هذا سبب تعاوني مع رالف برأيك ؟ )
- ليس لدي أدنى فكرة ولا يهمني أن أعلم .
ولكن لدينا عمل لم ينته بعد .
وضمها بين ذراعيه . فقالت متوسلة :
- أيمكن ..أيمكن أن نتحدث بالمنطق بدلاً من ذلك ؟
بدت الأمور بغير شكلها الصحيح ، ترى أن ...
فتمتم يقول : ( يدهشني أن يحدث ذلك معك )
مالت نحوه فجأة . إذ أدركت أنها فعلاً كارثة متنقله . بحسب قوله .
فقد خرجت الأمور عن مسارها الطبيعي ، ولم تنته لعبتها كما أرادت .
ضمها إليه ، فلم تقاوم، لأنها فقدت ما تبقى لها من إرادة أو مقاومة ،
لكنها لم تتجاوب معه أيضاً . ومالبثت أن تملكها الرعب فأخذت تبكي .
رفع رأسه وقال ساخراً :
- آه ، ما هذا ؟ مهما كان رأيي بك يا فيفيان ، فأنت أشجع من أن تنهاري هكذا .
لكنها دفنت رأسها في كتفه وأخذت تشهق بمرارة .
ثم ابتعدت عنه وجلست على طرف السرير وهي تحاول أن تغالب دموعها . فقال محذراً :
- ستصابين بدوار .
لم تهتم بكلامه ، فجلس إلى جانبها ، ووضع فنجاناً بين يديها .
ثم رفع الشراب إلى شفتيها ، ففعل فعله .
جفت عيناها خلال دقائق ، وقالت : ( شكراً ، أظن أن ما جرى أنهكني قليلاً) .
قال ببطء ، وهو مقطب الجبين : ( هل تودين أن نتكلم بالمنطق الآن ؟)
ارتشفت مزيداً من الشاي ، وأضافت : ( حسناً ، لا تلق اللوم على رالف ،
فقد كانت الفكرة فكرتي ، آه ، كيف يمكن للمرء أن يهرب من هنا ؟
لأنني بحاجة إلى ذلك ) . ثم نظرت إليه .
كان العبوس ما يزال في عينيه عندما استقرتا على وجهها الذي غسلته الدموع .
راح يتأملها بتمعن ، ويتأمل تصرفاتها ، كيف تشبثت يداها بالفنجان الذي أراحته على حجرها وعلى ثوبها الحريري الوردي .
ثم خطر له أنها لا تتراجع أبداً ، حتى وعيناها تعكسان رعبها ، ومهما كانت الخطة التي وضعتها الليلة
للحصول على اتفاقية عصير كلوفر ، ومهما كانت الكوارث التي تلاحقها ، فشخصيتها تتميز بشهامة وشجاعة غير عاديتين .
أخذ الفنجان من بين يديها ووضعه على الأرض.
ثم أتكأ إلى الخلف وهي بين ذراعية .
ولم يفلتها حتى هدأت ولم تعد ترتجف ، وتوقفت نهائياً عن البكاء .
أحس بشعورها بالدفء والحنان بين ذراعيه .
وبالأمان ، بعيداً عن ذلك الشعور حيال فتاة ، يبدو أنها تكرس جهودها لهدف واحد وهو الحصول على إتفاق تجاري .
لفد خدعته مع أخيه ، كما عانقته مرتين باندفاع . وها هي تهدده بالصراخ إن لم يغادر غرفتها .
لكنه كان واثقاً من أمر واحد ، وهو أنه لن يتمكن من أخراجها من حياته إلا إذا محا رالف من ذهنها ؟
قطب جبينه ، حين خطرت له هذه الفكرة .
لكنها لم تبعده عنها ، فما من شيء يستطيع أن يدفعه إلى ذلك الآن.
مرر يده على شعرها فتململت فيفيان ونظرت أليه بمزيج من الدهشة والحذر .
لكنه قضى على حذرها حين عانقها وهو يمسكها برفق .
دفعتها مشاعرها الجياشة إلى التفكير . فهي منهكة ، وسريعة الأنفعال .
تلفها الكآبة . ويعتصرها الآلم من نبذه لها في السابق .
وستحمل هذه الأحاسيس معها بقية حياتها .
لكن ما زال لديها ذاك الأمان مع ليتون ديكستر ، رغم ما قاله،
ورغم الكلمات التي حكمت عليها بالهلاك منذ البدء .
شعرت أنهما وحيدان على هذا الكوكب . وملأ قلبها المجروح بالبهجة .
لماذا ؟ لأن عطفه وحنانه لا يمكن أن يكونا لمجرد الثأر منها .
فقد شعرت بحاجته الماسة إليها .
شعرت بأنها خلقت له ولأجلة . وأنها مناسبة لليتون ديكستر .
تملكها شعور بالثقة . واحست بأنه جزء من قلبها . وأنها لا تريد أن تنسلخ عنه.
ودّت لو تكتشف أسرارها كلها لليتون ديكستر الذي امتلك فؤداها وشغل أفكارها .
وشغل أفكالاها ، هذا الرجل الذي بدّل حياتها ، وجعلها تشعر بالدفء والأمان .
ثم قرع أحدهم الباب ...
أجفلت ، لا بل أجفلا معاً . ثم تعالى صوت من وراء الباب ، يقول :
- فيفي ، افتحي الباب .. أنا رالف .
رأت نظرة قاسية ترتسم في عيني ليتون ، وتوترت شفتاه .
وشعرت فجأة بضغط ذراعه حول كتفيها ، قرأت في عينيه أمراً حذرها من أن تتكلم.
أطاعته ، هذا ما كانت ستفعله على أي حال . لكن رالف قرع الباب مرتين قبل أن تبتعد خطواته .
تركها ليتون وهبّ وافقاً بسرعة.
جلست حائرة وراحت تمرر أصابعها في شعرها .
فتحت فمها لتتكلم ، لكنه سبقها بالقول : ( آسف إن كنت قد سبقت رالف ، ولكن كان عليك أن تحذريني ) .
شعرت فيفيان بالدم يهرب من وجهها : ( أنت لم تسبقه ، إنه.. ليس لدي فكرة ..)
- ( فيفي ) نظر إليها بسخرية بالغة ، ثم أضاف : ( ارحميني من التفسيرات الكاذبة ، إذا كانت هذه هي الخطة ، فقد نجحت ...)
فانفجرت تقول والصدق مرتسم في عينيها : ( لا أفهم ما تعنيه )
فرد بخشونة : ( سأشرح لك الأمر إذن . تقربت من رالف كي أتعلق بك وأهتم بك ، أليس كذلك؟ )
- لا ..هذا غير منطقي ، لم أفعل هذا .
فقال ساخراً : هددت بالصراخ ، ثم بدأت بالبكاء ، حتى أنك جعلتني أظن أنك غاية ..في الشجاعة.
أردت أن تشعريني بالذنب ، وألا تحسي به أنت .
ولم تجدي طريقة أفضل من استغلال رالف كي ...تدفعيني إلى نقطة الاعودة ، يا فيفيان .
حملقت فيه وفغرت فاها مذهولة .. فابتسم إبتسامة باردة . .
تجمد لها قلبها .
- لا تقولي لي إنك لا تعرفين عن الرجال ما يكفي لكي تعلمي هذا .
- ولكن لم قد أفعل هذا ؟
- لماذا ؟ كي تبقي متمسكة بادعائك الدائم بأنك لن تستسلمي وتخضعي لي من أجل الفوز بالأتفاقية .
وكانت لهجته لاذعه ، فلم تستطع فيفيان سوى أن تحملق فيه بذهول تام، وتابع :
- كما أنك أبديت إعجابك برالف أيضاً ، ولكن كان ينبغي أن يخطر بباك أنك لن تحصلي على كل شيء مجاناً .
وأن رالف سيأتي ليطالب بأجره .
- لا ! إسمع ...
- ألم تستغليه هذه الليلة ؟ وقلت إنك استمتعت بكل دقيقة معه؟
- لا ، حسناً ، نعم ، ولكن...
وسكتت بعجز ، وراحت تنظر إليه ، عاجزة . ثم قال ببطء .
- وهكذا ، حصلت على الأخوين ديكستر . صدقيني يا فيفيان إن هذا إنجاز مميز.
لكن هذا الأخ ، وهو أنا ، على وشك أن ينسحب من هذه اللعبة .
ثم انحنى متمهلاً ،وأخذ وجهها بين يديه ، فشهقت .
- سألقي نظرة أخيرة على فتاة كادت أن تستغفلني .
وأخذت عيناه الزرقاوان اللعينتان تطوفان فوق وجهها .
تمعن في كل تفصيل أصبح الآن يعرفه جيداً . وكل بقعة ناعمه حساسة منه.
ثم قال برقة : ( آه ، نعم )
وعاد بنظراته إليها ، مثقلة بالسخرية واحتقار لم تر مثيلاً لهما .
وأضاف : ( أنت جميلة جداً ، وممثلة بارعة ، يا فيفيان ..
وبدأت أتساءل أيضاً عما إذا كان خوفك من الطيران والمرتفعات والمصاعد ادعاء منك.
لكن اعلمي ما يلي : ( لقد حصلت على ( عصير كلوفر ) مقابل جهودك المضنية )
ترك وجهها ، وحمل سترته وربطة عنقه ثم خرج عبر الشرفة .
***



نهاية الفصل السادس ،، ،

- الثمـــــــن

- سيدة ديكستر ؟ أنا فيفيان فلور ي . . أرجوك هل تسمحين لي بالدخول ؟
فأنا أحتاج للتحدث إليك .
بعد نصف ساعة ، وكما قرع رالف بابها من قبل .
هاهي تقرع باب والدته. كانت الحفلة ما تزال مستمرة ، ولكن فيفيان نظرت خلسة
من شرفة الطابق الأعلى فرأت أن عدد المدعوين يتناقص وأن خطأ من الضوء
تسلل من تحت باب إميليا ديكستر .
طرقت الباب مجدداً ، فانفتح فجأة . كانت إميليا قد أزالت الزينة عن وجهها وارتدت
عباءة بيضاء فوق قميص نومها . لكنها لم تفقد شيئاً من مظهرها المستبد .
قالت وقد بان النفور في ملامحها : ( فيفيان! أنت آخر شخص أريد التحدث إليه .
لا سيما في هذا الوقت من الليل . أذهبي إلى فراشك) .
فقالت فيفيان متضرعة :
- لا ، أرجوك ، لا تصفقي الباب في وجهي ، أنا حقاً بحاجة إلى شخص يفهمني و ...
بحاجة إلى الماساعدة .
ترددت إميليا ثم قطبت حاجبيها وهي تنظر إلى وجه فيفيان الشاحب واضطرابها البادي .
- صدقيني ، أجد أنك سببت ما يكفي من المشاكل . هيا ، أدخلي ، إنما أحذرك ! عليك أن تحسني التصرف .
ثم ابتعدت عن الباب ، وتركت فيفيان تدخل وتغلقه خلفها .
كانت الغرفة واسعة ، تحتوي أريكة أمام المدفأة وعدداً من المقاعد المغطاة بقماش قطني نقشت عليه رسوم زاهية.
قالت والدة ليتون:
- إذن ..كيف يمكنك أن تفعلي ذلك ؟ لا أدري ما هي اللعبة التي تلعبينها ..
فقاطعتها فيفيان : ( يا سيدة ديكستر ، هل لي ، أولاً أن أوضح شيئاً ؟
ربما مازلت تكرهينني ، ولكن الأمر ليس كما تظنين ).
ثم تنفست بعمق وأخبرت إميليا ديكستر القصة بأكملها .
وعندما انتهت من الكلام ، فتحت إميليا فمها وأغلقته مراراً .
إلى أن قالت أخيراً :
- حسنا ، هذا يفسر بعض الأمور ، ولكن. .
ونظرت إلى فيفيان بشيء من العجز ثم أضافت : ( وكيف أتأكد من أن كل ما رويته صحيح ؟)
أخرجت فيفيان علبة الخاتم المخلمية ، قائلة :
- أرجو أن تعبدي هذا الخاتم لليتون ، وما أردت أن ألبسه .
ولكن تلك قصة أخرى . يمكن لرالف أن يطلعك عليها إذا أراد أن يكون صادقاً بهذا الشأن .
وسخبرك لماذا فعلنا ما فعلنا . لا أردي لماذا قرع بابي هذه الليلة .
لكني أوضحت له أنه لا يمكن أن يحدث بيننا شيء .
كما أوضحت له أن عليه ألا يتدخل بين ليتون وجيني .
حتى وإن أرادت هي ذلك .
وأن هذه فرصته للخروج من ذلك الدور . . .
إنها فرصة لنا نحن الاثنين للخروج من هذا الدور الذي تلعبه . ولعلنا . .
بهذا ، تتمكن من جمع شملهما .
فقالت إميليا وهي تتنهد : ( جيني ، حسناً ، أتصور أنن ليدها أسبابها.
ورالف وليتون .. لطالما كان أحدهما ينافس الآخر ) .
- أعلم هذا .. وياليتني فكرت قليلاً في ذلك . لكن لم يخطر ببالي أن الحقد بينهما سيزداد بسببي .
لم أكن أظن حقاً أن هذا ..
وسكتت فيفيان ثم عادت لتقول : ( ليت هذا لم يحدث ! كان علّي أن أخبر أحدهم بالحقيقية لأني شعرت
بالذنب حيال أسبوع زفاف ماغ .
لكن لم يكن لدي فكرة عما يجري حين جئت إلى هنا .)
أخذت إميليا تنظر إليها مطولاًَ بإمعان . كانت فيفيان قد استحمت وشعرها مازال مبتلاً .
وظهرت حول عينيها هالتان زرقاوان ، أما وجهها فبدا شاحباً وملامحها مرهقة . وسألتها ببطء:
- هناك أمر واحد لم أتأكد منه بعد . ما الذي أبقاك هنا بعد أن بدأت تتفهمين . .. الأمور ؟
أهو ليتون نفسه أم أتفاقية عصير كلوفر ؟
فنظرت فيفيان إلى البعيد ، ثم قالت:
- حصل سوء تفاهم حول هذا الموضوع ، أيضاً ، لكنني لا أستطيع أن ألومه
لو ظن أنني كنت... متلهفه للحصول على الإتفاقية ومستعدة لإقامة علاقة قصيرة الأمد . ولكن ذلك لم يناسبني .
- إذن ، ألم تقعي في غرامه يا فيفيان؟
وطرح السؤال الذي كانت تخشاه وترجو أن تتجنبه .
لكنها لم تستطع تجنب عيني إميليا القاتمتي الزرقة كعيني أبنها . قالت:
- ظننت ذلك في البداية . ولكن لا ، لم يحدث هذا . أردت أن أطلب منك أن تقولي لليتون إنني لا أستطيع قبول اتفاقية
عصير كلوفر الآن ، أو حتى الشامبو . ستمحو وكالة غودمان أسم كلوفر من دفاترها نهائياً .
- لم لا تخبرينه كل هذا بنفسك؟
- لا أريد أن أرى ليتون مرة أخرى ..أنا .. من المستحيل أن أشرح له الأمور ، وعلى أي حال ..
حان الوقت ..لذلك..أرجوك، كيف يمكنني مغادرة المكان؟
الآن ، صدقيني ! لقد نلت كفايتي وحزمت أمتعتي . هل من الممكن أن أطلب سيارة أجرة بواسطة الهاتف ؟
وشدت قبضة يديها حتى أبيضت مفاصل أصابعها .
هزت إميليا رأسها ببطء ، وقالت :
- لا . إننا بعيدون جداً عن الحضارة . ولكن بإمكاني مساعدتك . حسنا ، يا عزيزتي .
لم لا تبقين في غرفتي قليلاً ؟
إن البستاني عندنا يعمل أيضاً سائقاً عندي .
سأرى إن كنت أستطيع إيقاظه .
فسألتها متوترة : ( ألا يمكنني الإنتظار هنا ؟ )
نظرت إميليا بحدة ، وقالت : ( لا أظنك ..خائفة من ليتون؟)
أغمضت فيفيان عينيها وتساءلت كيف تخبر أمه بأنها لن تستطيع تحمّل مواجهة أخرى معه .
وبللت شفتيها ، وأجابت : ( لا ، طبعاً ، ولكن. )
وسكـتت فقالت إميليا فجأة : ( لا بأس ، إجلسي ) ثم غادرت الغرفة .
وبعد عشرين دقيقة ، نزلت السلالم برفقة إميليا التي قادتها نحو سيارة الرانج روفر الزرقاء المتوقفه أمام الباب .
- أمتعتك في السيارة ، يا فيفيان . وأرجو أن تسامحيني ، لكن يبدو أنها أفضل طريقة للرحيل .
- آه ، عندما أصل إلى محطة القطار ، يمكنني أن أهتم بنفسي ياسيدة ديكستر ، شكراً على مساعدتك لي .
هزت إميليا كتفيها ، ثم عانقت فيفيان التي بدت الدهشة على وجهها وأضافت : ( اعتني بنفسك )
صعدت فيفيان إلى السيارة وقالت مخاطبة السائق :
- مرحبا ، آسفة لهذا ..
ثم سكتت وكأن رصاصة أصابتها . لأنها لم ترَ رجلاً غريباً يستعد لقيادة السيارة ، بل ليتون نفسه .
وما إن أغلقت إميليا باب السيارة ، حتى أقلع بها .
قالت فيفيان بيأس :
- كيف يمكنها أن تفعل بي هذا ، بعد كل ما .. قلت لي إن أمك هي مثال للوقار .
- وهي كذلك ، إربطي حزام مقعدك . ولو لم تصادفني أثناء بحثها عن ( ريتشاردز) لهربت انتِ!
- أهرب بماذا ؟ تجعلني أبدو كمجرمة فارة ، إلى أين نحن ذاهبان؟
- إلى أي مكان يبعدنا عن مستشفى المجانين هذا . إلى أين تريدين الذهاب ، يا فيفيان ؟
- إلى مكان متحضر ، حيث أجد قطارات وسيارات أجرة وطائرات وبيوت ، وذلك كي أصل إلى بيتي !
وأخذت تبحث عن حزام الأمان لتضعه وهما يجتازان مجموعة جميلة من البوابات لم ترها من قبل .
- فيفيان؟
- لا أريد أن أتحدث عن ذلك يا ليتون ، فقد انتهى الأمر بيننا ، لقد أصدرت حكمك علّي .. حسنا ، وأنا أصدرت حكمي الآن.
- قالت لي أمي إني ربما أسأت الحكم عليك.
فقالت بضعف :
- وإن يكن ، هذا لن يغير الوضع ، ولا يعني شيئاً ، فقد انتهى ما بيننا وأرفض التحدث عن الموضوع .
- لم تدخل في التفاصيل ، قالت إنه علي ، فقط ، أن أصغي إليك . لعلك أفضيت لها بأمر ما حرّك
مشاعرها وأكسبك عطفها .
ألقت فيفيان براسها إلى الخلف ورفضت الكلام .
- هل هي أكاذيب أخرى ، يا فيفيان ؟ هل هذا سبب لهفتك للهرب دون أن تواجهيني ؟
لم ترفع رأسها ، لكنها التفتت تتأمل الظلام من النافذة : ( نعم ، لقد أخبرتها كذبة)
- لقد تساءلت عن ذلك .
- أحقاً ؟ لا بد أنك سعيد لاكتشافك شخصيتي .
فقال متجهماً : ( فيفيان ، إذا كان لديك ما تقولينه ، فقوليه الآن )
- حسنا ، ما هي المسافة المتبقية إلى أقرب محطة قطار ؟
اعترض بحزم ، لكنها رفضت الكلام بعناد ولم ترهب تهديده . ورفضت أن تظهر مدى الحزن الذي يتملكها . انطوت على نفسها ،
وبعد أميال عدة استغرقت في النوم.
كان الفجر قد بزغ لتوه عندما توقف أمام مطار ( ماسكوت) .
طرفت فيفيان بعينيها ، وتمطت ونظرت حولها وقد أصابها دوار .
ثم استدارت نحوه ، مذهولة وقد تذكرت كل ماجرى . فقالت متلعثمة :
- هل هذا ؟ هذا هو المطار . إسمع ، لم أتوقع منك أن تقطع كل هذه المسافة .
كان بإمكاني أن أستقل القطار أو أي وسيلة نقل أخرى .
أسند ليتون مرفقه إلى عجلة القيادة وأخذ يتأملها بنظراته . ثم قال باقتضاب:
- قبل بزوغ الفجر؟ ربما لن تتمكني من ذلك .
ولكن هل هذا هو المكان الذي تريدين أن تكوني فيه؟
وأدركت من نظراته أنها تبدو مشعثة الشعر ، مهملة ، ففركت وجهها وحاولت تمشيط شعرها بأصابعها .
وهي تقول مشتتة الذهن : ( حسنا، نعم، إنه المكان المفضل الذي سأغادر منه إلى بيتي ..)
- انزلي من السيارة إذن ، وسأحضر لك أمتعتك.
جلست على حقيبتها . بينما ذهب ليحجز لها مكاناً على الطائرة.
اختار لها مقعداً في الدرجة الأولى . على متن أول رحلة إلى ( بريسبن ) ، التي ستنطلق بعد ساعة.
ثم قادها إلى قاعة خاصة مترفة . واقترح عليها إصلاح مظهرها في غرفة الزينة.
دخلت مسرورة ، فغسلت وجهها ، وحاولت أن تسرح شعرها ، وأن ترتب مظهرها ،
فيما كانت تسعى لتنظيم أفكارها . وعندها عادت إلى القاعة وجدت أنه ينتظرها .
وكان قد طلب قهوة وشطائر لهما .
تنهدت وهي تجلس أمام فنجان القهوة الساخن ، وأخذت تشم عبيره ، ثم قالت بصوت أجش :
- شكراً ، أنا حقاً بحاجة إلى هذا ، ولكن ماكان لك أن ...
- فيفيان ، إذا قلت هذا مرة أخرى سأخنقك.
رفعت فنجانها ونظرت إليه من فوق حافته.
لقد تركت هذه الليلة آثارها على وجهها ...
وفضحت لها المرآة كل ذلك ، إذ رات كدمات كالرضوض تحت عينيها .
وشحوب غير طبيعي في وجهها .
كم تمنت لو حملت معها بعض أدوات الزينة !
وأحست بإرهاق بالغ لم تستطع التخلص منه ...
أما هو فلم يبدُ عليه الأعراض نفسها . ولو كان يحتاج لحلاقة ذقنه .
بدا ضخماً ، مليئاً بالحيوية ، واثقاً من نفسه رغم مزاجه المعكر .
فكرت في كل هذا بمرارة ، فوضعت كوبها من يدها وراحت تدعك جبينها بأصابعها .
- هناك أمران ، يا ليتون ، لقد سّلمت الخاتم لأمك ، كما إني لا أريد اتفاقيات كلوفر على الأطلاق .
إننا ، أعني مؤسسة غودمان ، ستشق طريقها من دونك.
- هل هذا بسبب ما قلته لك ؟
فقالت بثبات تطلب منها جهداً بالغاً ، : ( ما كان علي أن أعقد اتفاقاً مماثلاً معك ، لأنني أجد نفسي مكرهة ، أخلاقياً ، على قبول أي شيء منك).
نظر إلى ساعته ، وقال :
- فيفيان ، منذ أربع ساعات كنت أضمك بين ذراعي ..
هزت كتفيها وعادت ترفع فنجان القهوة ، وأضافت : ( ألا تريدين التحدث في الموضوع؟ )
صاحت بها كل خلية من جسمها تطالبها بأن تخبره بأنه الوحيد الذي أحبته ، لكنه ضرب بهذا الحب عرض الحائط.
لكنها كانت تعلم أنها لن تثق مجدداً بليتون ديكستر ..
ولم ترّ فائدة من محاولة التفاهم معه . ولن تخبره عن رالف ، وجيني ديكون. . .
ناهيك عن مشاعرها الخاصة ؟ وأخيراً قالت : ( لا ) !
فقال متجهماً : ( وماذا عن نتائج ما حصل ؟ )
فأغمضت عينيها : ( لا تقلق ، يا ليتون ، لن أحّملك ذنباً )
بقي صامتاً للحظات ، لكنها أحست بنظراته تخترق أعماقها . ثم قال : ( أليس لديك ما تضيفينه ، يا آنسة فلوري ) ؟
- أنا لست في قفص الشهود في المحكمة ، يا ليتون .
ولمعت عيناها غضباً .
استند إلى الخلف ، ولكن قبل أن يتاح له الوقت ليتكلم ، تابعت تقول :
- هناك ، في الواقع ، شيء أريد أن أضيفه . إذا لم تكن قادراً على إخراج جيني ديكون من قلبك ، كف إذن عن تعذيب نفسك.
قرع جرس تبعه تنبيه إلى قيام رحلتها في الطائرة . واتسعت عينا فيفيان حين أدركت فجأة ما هي مقبلة عليه ... ستركب الطائرة.
فقالت وقد تملكتها الكآبة والوحشة : ( آه ، لا ،،، هذا آخر ما أحتاج إليه الآن)
فرد بجفاء : ( لقد طمأنتني إلى أن هذا ما تريدينه حقاً)
- هذا صحيح ، ولكن لم يكن لدّي الوقت لأعدّ نفسي .
قال وهو يراقبها بعينين ضيقتين : ( ما زال أمامك عشرون دقيقة تقريباً قبل إقلاع الطائرة)
بدا الإحباط عليها وشحب وجهها ، وأضافت : ( لم لا تتذكرين كم كنت شجاعة معي ؟ )
- هذا آخر ما أريد التفكير فيه...
سكتت فجأة وعضت على شفتيها ، لكنها أكملت قائلة : ( آه ، ربما أنت على حق . إذا أمكنني ذلك ، فهذا حسن . نعم)
ووقفت بعزيمة واضحة ارتسمت على خطوط جسمها ، ثم مدت يدها إلى حقيبة يدها ( لا بأس ،ليس عليك أن ترافقني أكثر يا ليتون،
فأنا أعرف البوابة ، لهذا .... لنقل وداعاً الآن ، أنا آسفة لانتهاء كل شيء بمثل هذا الفشل الذريع.
لكن ، على الأقل ، يمكنك أن تعود إلى ( هارفست مون) وتساعد ماغ على الاستمتاع بأسبوع عرسها .
فوقف قائلاً : ( سأرافقك حتى البوابة ، يا فيفيان ) .
- إن هذا يطيل ...
وسكتت فجأة .
ثم وقف يراقبها كالصقر .
فقالت وهي تنظر إلى البعيد : ( لا ، أبداً ، أنا فقط .. لا أحتاج إلى من يمسك بيدي )
فقال بمودة مفاجئة : ( لا بأس . لن أفعل ذلك ، لكني أريد أن أراك داخل الطائرة)
فردت بعنف : ( لا تخف ، لن أفلت منك لأهرب عائدة إلى هارفست مون، أليس هذا ما يقلقك؟)
فقال ببطء : ( لا ، أبداً ، أنا في أثرك يا فيفيان)
خرجت من القاعة مرفوعة الرأس . فتبعها إلى جانبها صامتاً حتى وصلا إلى البوابة .
عند ذلك ، وقفت ونظرت من النافذة الزجاجية الكبيرة إلى الطائرة . ثم ابتلعت ريقها وأخذت تربت على جيبي بنطلونها الجينز .
وتبحث في حقيبة يدها عن تذكرتها بشيء من الأضطراب .
- إنها هنا .
أخذ حقيبتها من يدها ، وأخرج من الجيب الخارجي تذكرة السفر ، ثم وضع ذراعه حولها .
همست : ( ليتون) . اتسعت عيناها بحذر حين راحت ذكرياتها معه تتدفق إلى ذهنها .
أخذ يتأمل قطرات العرق على جبينها ، وسمعته يتأوه قائلاً:
- فيفيان ، يمكنك أن تفعلي هذا ، أنت فعلاً رائعة ، وأنا آسف إن قلت لك العكس . هل تريدين إخباري شيئاً ما ؟
فغرت شفتيها . وحدثها فؤادها بأن تكون صادقة معه . لكن، و مثلما كان ستان غودمان يتراءى لها أحياناً .
تراءت لها جيني ديكون الآن ، كما تذكرت الفراغ الهائل المخيف الذي تركها فيه قبل خمس ساعات فقط.
حين نبذها من جديد . وبقيت حائرة لا تدري كيف ستواجه هذا كله .
فقالت بهدوء تام : ( لا ، وداعاً ياليتون . سأكون بخير ) .
ثم ابتعدت دون أن تنظر إلى الوراء .
عندما دخلت إلى شقتها . ووقفت تنظر حولها ، لم تصدق أنها لم تفارقها إلا منذ أربعة أيام .
ووجدت نفسها تفكر متأملة بأن هذه الأيام الأربعة مضت كالحلم ،
فقد حدث الكثير في ذلك الوقت القصير ، وكيف يمكن لشخص أن يقع في الغرام في أربعة أيام ؟
أغمضت عينيها وقد شعرت بإرهاق شديد ، ولم يكن أمامها سوى أن تلجأ إلى سريرها رغم أن الوقت لا زال مبكراً . وهذا ما فعلته .
ولكن لساعة تقريباً .وبدلاً من أن تستغرق في النوم. تدفقت أحداث تلك الأيام إلى ذهنها .
وراحت تتساءل عما فعلت ، وعما ستفعل ، وعما عليها أن تفعل . .
ما الذي يحدث الآن في هارفست مون ؟
وأي تفسير أعطي لهربها تحت جنح الظلام؟
أترى أطلعت إميليا ليتون على ما أخبرتها به؟
وإذا فعلت ، فأي فرق سيحدث الآن؟
لا شيء ، على الأرجح ، إلا إذا قرر رالف أن يعترف بكل شيء .
ويبدو هذا بعيد الأحتمال ، كما أنها أدّت دورها ببراعه.
وضعت أساساً لهذه القصة عندما أثارت غيظ ليتون .
في ذاك المطعم على ضفاف النهر ، وهي تصف الرجال الذين تفضلهم .
لكنها لم تكن تتصور أن شقشقه يحمل الصفات ذاتها .
هل تصرفت بسذاجة بالغة حين ظنت أن رالف سيتقيد بتحذيرها .
ولن يحاول أن يخلق شيئاً بينهما من لا شيء ؟
وتملكتها الكآبة لأن الجواب واضح.
وإلا لماذا جاء ليطرق بابها في ذلك الوقت من الليل ؟
ولكن لعل أكبر خطأ اقترفته هو أنها استمرت في تلك المهزلة لمدة طويلة جداً .
باسم مؤسسة غودمان . وهذا هو الشيء الوحيد الذي تمكنت من تصحيحه..

استيقظت من نومها مع غياب الشمس . نهضت واغتسلت وحضرت شيئاً تأكله .
ثم جلست إلى طاولة الكتب بجانب المجيب الآلي الذي ما أنفك يضيء وينطفئ بجنون دون أنقطاع .
كانت الرسائل اجتماعية . أما الأخيرة فوصلت قبيل وصولها إلى البيت هذا الصباح.
أخذت تنظر إلى الجهاز مذهولة .
حين أخبرها مساعد غودمان الشخصي أن ستان أصيب بنوبة قلبية خفيفة منذ يومين .
وأن خبر حصول مؤسسة غودمان على اتفاقيتي عصير لكوفر والشامبو قد أنعشه .
حين سمعه من ليتون ديكستر نفسه هذا الصباح.
وهمست : ( ماذا ، آه ، لا )
أتراه يعلم بالنوبة القلبية التي أصابت ستان؟
كانت الساعة الثامنة والنصف في الصباح التالي .
وفيفيان في مركز عملها أمضت في مكتبها ما يقارب الساعة وهي تذرعه جيئة وذهاباً .
كالأسد السجين في قفصة .
كانت قد اتصلت ، بإيزابيل ، زوجة ، ستان ، في الليلة الماضية .
وأخبرتها هذه الأخيرة أن زوجها في المستشفلا وسيغادرها في اليوم التالي .
إنما عليه أن يرتاح لفترة. وتابعت إيزابيل غودمان تقول إن ستان تحسن بشكل ملحوظ حين علم بخير اتفاقية كلوفر .
وطلب منها أن تشكر فيفيان من أعماق قلبه .
كما أنه كلفها أن تخبر فيفيان بأنه واثق من أنها ستقوم بحملة دعائية ناجحة ومميزه لعصير كلوفر .
وقالت لوسي هوايت مساعدة ستان الشخصية ، مكشرة :
- لا ، لم أخبره عن صحة ستان لأن ... حسناً ، لم أشأ أن أعرض الصفقة للخطر !
فهي ، تقريباً ، الشيء الوحيد الذي سينقذنا .
وعلى أي حال ، أنت الأساس الآن وليس ستان.
جلست فيفيان خلف مكتبها متثاقلة : ( ماذا قال ليتون ديكستر ؟
ما الذي قاله بالضبط؟)
كانت لوسي هوايت سيدة في الخمسين من عمرها ، مفعمه بعواطف الأمومة ، ونظرت إلى فيفيان مقطبة : ( هل هناك مشكلة ، يا فيفي؟ )
هزت فيفيان رأسها :
- أريد أن أعلم ، أنا ..إنه ... لقد تركته دون أن أتأكد من الأ مر ، في الحقيقة .
بدا جلياً أن لوسي موضوع الإتفاق الذي عقدته فيفيان مع ليتون كي تحصل على اتفاقية كلوفر .
إنبسطت أسارير وجه لوسي ، وقالت:
- عندما أخبرته أن ستان غير موجود ، قال إن هذا غير مهم.
وطلب أن أخبرك أن التصاميم التي وضعتها للصقها على الزجاجات أعجبته جداً .
وأعطاني أسم شخص لنتصل به في مكتب العقود.
واسم شخص آخر للتعاقد معه حول مختلف أنواع العصير التي ينتجونها ..
ويبدو أن أعمالنا كلها يجب أن تمر عبر هذا الشخص ليوافق عليها .
وهو نفسه سيغيب لفترة ، كما قال ، يا فيفي.
وتابعت بابتهاج : ( هذا عظيم! ليس الملصقات وحسب بل الإعلانات في المجلات وفي التلفزيون أيضاً.
إنك فتاة ماهرة ذكية للغاية).
أحست فيفيان بالتعاسة . ما الذي ستفعله الآن ؟
ها هي مقسومة بين وفائها لستان غودمان الذي كان كأب لها والذي لطالما ساعدها في عملها ،
وبين تشويه سمعتها وإثارة الشبهات حول أخلاقها ؟
ولكن أليست تبالغ في تقييم الوضع؟
وماذا عن ليتون... ماالذي دفعه إلى هذا ، إلا إذا كان هذا اختباراً من نوع آخر؟
أم هو نابع من حسن أخلاقة رغم اعتقادة بأنها خدعته ، وحاولت أن تستغل أخاه ؟
ربما روت له أمه ما جرى ، ولكن إذا طلب من لوسي أن تخبرها بإنه سيغيب لفترة طويلة ،
فمعنى هذا أن ما قالته لم يشكل أي فرق لديه .
أما لأنه لم يصدق وإما لأنه .. لطالما قال أنها ليست له ، حتى بعد ما جرى.
إذن، هذه الاتفاقيات مكافأة لها ، لا بد أنه كأفأها بحقد. . .
ليجعلها تشعر بأنه .. تغلب عليها ، وسيقول إنه نفذ جانبه من الإتفاقية .
أم لعله ندم على ما حدث ؟ وسمعت هاتفاً في داخلها ، يحذرها من القبول ،
ويدعوها للرفض ، لأنها ترفض أن تشعر بالامتنان حياله ،
ولا تريد أن تدين له بشيء .
بللت شفتيها بلسانها ، وأدركت أن لوسي خرجت لاعتقادها بأن فيفيان تركز على الحملة الدعائية .
ورأت أمامها فنجان شاي لم تتنبه لوجوده من قبل .
أدنته منها ، ثم دفنت وجهها بين يديها وأخذت تتنفس بعمق .
فها هي تشعر بالدوار مجدداً ، كما يحدث لها دوماً أثناء الأزمات .
وكلما فكرت في ذلك أكثر ، كلما شعرت أنها وصلت إلى طريق مسدود .
لم تكن قادرة على ترك ستان غودمان ، وهو في أمس الحاجة لها .
ولا تستطيع أن تصدمة وتقول له أنها رفضت اتفاقيات كلوفر .
كما أنها لا تستطيع أن تخرج ليتون ديكستر من حياتها وقلبها كما كانت قد قررت .
عبر رفض مؤسسة غودمان التعامل مع كلوفر .
أدركت أنها لا تستطيع حتى أن تستغل مرض ستان كعذر لها لتتراجع عن قرارها .
فاختلاق الأعذار لا يتماشى وطبيعتها ، وتمتمت لنفسها : ( وإذا ظن أني استسلمت ، فليظن ما يشاء ) .
اتكأت إلى الخلف وأغمضت عينيها وهي تساءل بحزن عن الخيار الذي كان أمامها منذ ليلتين .
لأنها كلما فكرت في الأمر ، وجدت أنها كانت تحت رحمة أشدّ الرجال خطورة بسبب جاذبيته المفرطة .
وسواء كان مدفوعاً برغبته في التفوق على رالف ، أو في إخضاعها له مقابل منحها الحملة الدعائية ، لم يكن لديها جواب
مقنع على الطريقة التي يثير بها مشاعرها .
وهمست لنفسها بصوت مسموع :
- وهكذا عيشي وتعلمي ، وإن كنت تظنين أنك تعرفين كل شيء ، فليكن هذا درساً لك ، يا فيفيان فلوري ..
***- فيفي ، هذا رائع!
هذا ما قاله غودمان ، بعد ثلاثة أسابيع . وكان هذا أول يوم يعود فيه إلى المكتب .
وأمضى ستان عطلة طويلة برفقة زوجته التي جنبته الأعمال كلها .
وهكذا ، بدا الآن قوياً نشيطاً وقد لوحت الشمس بشرته .
لكنه قطب جبينه فجأة ونظر إلى فيفيان بإمعان : ( هل أنت بخير ؟)
فقالت مازحة : ( أنا بخير حقاً ، كنت أعمل بجد في الحملة الدعائية كلوفر.
أنت تعرف الحال عندما ينزل عليك الإلهام ولا تريد أن تفقده ) .
فقال ببطء : ( لم أرك يوماً بمثل هذه النحافة وهذا الشحوب ، ماذا حدث مع ليتون ديكستر ؟)
- لم أستطع حضور العرس ، فقد اتفقنا على الحملة قبل ذلك.
في الواقع تعقدت الأمور قليلاً .
لأن أسرته حاكت مؤامرة ضده ، ودعت زوجته السابقة ،
بغرض إصلاح الأمور بينهما ، حسناً ، رافقته لأخدع مجموعة من النساء.
فوجدت هناك زوجته السابقة التي ما زالت تحبه وهذا أمر مختلف .
فبدت عليه الدهشة ، وقال : ( لم أكن أعرف ذلك!)
- أنه كان متزوجاً ؟ أنا أيضاً لم أكن أعرف .
ورفعت حاجبيها بشكل معبر وهي تضيف : ( لقد سقطت في نهر هاوكسيري عندما علمت بالأمر ...وهكذا ..)
وأخذت تضحك بصوت خافت : ( حصل بعض الألتباس ، لكنني ما أبتغيه ، يا ستان، أتظن حقاً أنها جيدة؟)
وأشارت إلى الأوراق الملقاة على مكتبة .
- أنها رائعه . أعجبني جداً الطراز اللاتيني الذي استعملته ..
أعلم أنه عصير استرالي ، لكن الطابع العالمي سيمنحه ثقة،
لا سيما وأنه سينزل إلى سوق التصدير .
كما سيسوق في الوطن ، هل ، هل جعلت هذه الصورة مثالاً لشخص ما؟
نظرت فيفيان إلى الصورة المبهمة التي تشبة رالف وتساءلت عما إذا كان لدى ستان غودمان فكرة عن العذاب الذي عانته
حين استعملت هذا الشكل .
لكن تلك الفكرة راودتها منذ بدأت تحضر لإعلان العصير ، وكان من المستحيل زعزعتها تقريباً.
وفي النهاية أقنعت نفسها بأنه لن يكون من التفاهة بحيث يعترض عليها ، إذ لم تصل إلى شيء آخر.
لكنها تصورت أنه قد يعتبر فكرتها تحدياً له ، مما أضاف إلى أضطرابها الداخلي وجعلها تفقد شهيتها بشكل شبة منتظم.
قالت لستان بضيق :
- لقد رسمت هذه ، أيضاً ، فقط في حالل ..حسناً ، كبديل .
تفرس ستان في ما قدمته له ، ثم قال بشكل قاطع :
- لا ، أظن أن رسوماتك الأولى هي الأفضل ، يا فيفي ، ونحن سنعتمدها .
لا بأس ، سنراجع هذه ثم نرسلها لأخذ الموافقه عليها .
وأظنك بحاجة إلى الراحة ، يا عزيزتي .
فقالت ضاحكة :
- هناك عطلة أسبوعية طويلة قادمة ، ، ياستان ، وقد آخذ يوماً إضافياً لأذهب إلى..صيد السمك .
وبالمناسبة ، يسعدني أن أراك بصحة جيدة.
- فيفي ، علي أن أشكرك على كل ما فعلته ، وذلك من أعماق قلبي .
كلماته هذه جعلت عملها ذا قيمة . وعندما أخذت الوكالة كلها تنتظر ،
ممسكة أنفاسها ، موافقة شركة كلوفر على أقتراحات الوكالة بشأن إعلانات العصير ، قدرت فيفيان ما أقدمت عليه .
لكن وحتى صباح يوم الجمعة لم يرد أي جواب . ومجدداً ، لم تستطع أن تتناول أفطارها .
كان عليها أن تكف عن هذا التصرف . هذا ما فكرت فيه فيفيان وهي تغسل وجهها .
وأراحت جبينها على المرأة في الحمام الملحق بالمكتب .
ستلغ السادسة والعشرين من عمرها بعد يومين . ولهذا عليها أن تتعلم كيف تضبط أعصابها .
نشفت يدها ثم وقفت حين سمعت رنين تليفون المكتب .
لابد أن سكرتيرتها ، الجديدة والصغيرة السن . قد هرعت لترفع السماعة .
لأن فيفيان سمعتها تقول :
- أنا آسفة ، ولكن الأنسة فلوري غير موجوده حالياً.
فهي ليست بصحة جيدة ، هل أطلب منها أن تتصل بك؟
اندفعت فيفيان إلى المكتب . لكن ليندا كانت قد أقفلت السماعة ، فبادرتها قائلة :
- ليندا ، إنك تجعلين الناس يظنون أنني مريضة .أنني بألف خير ، وكل ما عليك أن تفعليه هو أن تناديني . من كان المتكلم؟
- إنها امرأة ، لكنها لم تذكر أسمها ، قالت إنها ستعادو الاتصال بك.
هل أنت واثقة من أنك بخير؟
لا يبدو عليك . منذ أيام وأنت مريضة .
لم لا تستشيرين طبيباً؟
- سأ ..سأفعل ، لكن لا تنشري هذا الخبر في كل أنحاء العالم .
قالت فيفيان نادمة عندما رأت الفتاة تطرق بكأبة : ( آسفة ، لكن ما من شيء هام يستدعي القلق )
- إن كان هذا رأيك.
- نعم ، لا بأس ، فلنبدأ العمل ، لدي بعض الرسائل التي علي أن أكتبها .
حلت الساعة الخامسة والنصف ، ولم يرد أي خبر من شركة كلوفر .
وهكذا غادرت فيفيان إلى بيتها ، وهي مقتنعه بأن الوكالة خسرت الإتفاقية بسببها وبسبب رسمها المشابه لرالف .
كان المساء حاراً رطباً ، فاستحمت وارتدت قميصها الأسود المطرز .
ثم حضرت لنفسها الطعام ، فأعدت لحوماً باردة وسلطة .
لكنها فقدت شهيتها ولم تلمسها .كما لم تعد خطة لقضاء عطلة أسبوعية .
وأدركت أنها لن ترتاح ، حتى ينتهي هذا العذاب ..عذاب ترقب جواب شركة كلوفر .
ثم رن الأنترفون في مدخل البناية . وعندما ضغطت على الزر لتجيب جاءها صوت ليتون ،
فقالت وهي تشهق : ( أنت! ما الذي ..)
فقال آمراً : ( دعيني أدخل يا فيفيان )
- ولكن ...
فقال مهدداً : ( لن أرحل ، فإذا أردتني أن أثور غضباً . أو إن كنت جبانة وتخافين مواجهتي ...)
- أنا لست كذلك .
- إذن دعيني أدخل يا فيفيان .
ضغطت على الزر وهي تصرف بأسنانها .
ثم ألقت نظرة على مظهرها فهرعت إلى غرفة نومها كي تخلع قميصها المطرز وتلبس بدلاً منه سروالاً قصيراً أبيض اللون وبلوزة صفراء .
كانت تزر قميصها عندما رن جرس الباب .
وهي لا تزال حافية ، لكن وقبل أن تجد حذاء تلبسه ، عاد الجرس يرن ويرن دون توقف .
لهذا تخلت عن البحث عن الحذاء ، وركضت حافية القدمين لتفتح الباب ، قائلة بحده:
- من تظن نفسك ، يا ليتون ديكستر ؟
أخذت نظراته تتأملها ، لتستقر أخيراً على قدميها الحافيتين .
اكن يرتدي بذلة رسمية هي نفسها التي لبسها حين كانا معاً في ( بريسين) . كما ارتدى القميص الأزرق وربطة العنق الكحلية وحمل حقيبة أوراق .
وبدا مثالاً لملوك المال النافذين .
قال : ( التاريخ يعيد نفسه ، يا فيفيان ..أراك دون حذاء ، أرجو ألا أكون قد جعلتك تنهضين من الفراش ..أو عطلتك عن شيء ما ؟)
ثم رفع نظراته إلى قميصها . فنظرت بدورها وشتمت نفسها حين رأت أنها زررت قميصها بشكل خاطئ .
قالت :
- لا ، ولكن ..
تشابكت نظراتهما ، فأجفلت وهي ترى الغضب العارم والسخرية البالغة في عينيه ، وقاطعها قائلاً:
- أنا بالنسبة لمن أكون.
حاولت أن تتكلم ، لكنه لم يدعها تفعل ، بل قاطعها مجدداً ، ليقول :
- ألا يمكن أن تتعقلي ؟ فأنت تبدين مريضة..

نهاية الفصل السابع ،،،
الفصل الثامن

فتحت فيفيان فمها ذاهلة و اجتاز العتبة و أغلق الباب ،ثم ألقى بحقيبته على الأرض.تراجعت خطوتين ثم تعثرت ، فمد يده و أمسك بمعصمها ليمنعها من السقوط. فهمست :
-من...من أخبرك بأني مريضة؟
- سكرتيرتك.هذا ما قالته للسيدة هاربر عندما حاولت أن تتصل بك من طرفي هذا الصباح ، ولكن يكفي أن انظر إليك لأدرك أنك مريضة.فتحت فيفيان فمها ،لكنها لم تستطع النطق.ومنعها الذهول من المقاومة عندما جرها بيدها إلى غرفة الجلوس و طلب منها أن تجلس. غاصت في الأريكة الصفراء و أخذت تحملق فيه غير مصدقة و هو يخلع سترته و يفك ربطة عنقه ،ثم يمد يده إلى جيبه ليخرج بعض الأوراق ثم قال متجهم الوجه :
- إذن،قررت الاستمرار بعلاقتك مع رالف.
و ألقى بالأوراق على الطاولة أمامها.
نظرت إلى رسوماتها ،ثم أجفلت و قالت بصوت أجش :
-ليتون ، لقد رضيت أنت على هذه الفكرة ، حتى قبل أن أعلم أن رالف موجود في هذه العالم.
-و أنت أكدت لي ، يا فيفيان ، أنك لن تمسي اتفاقية كلوفر لأنك لن تبيعي نفسك...ثم هذه....و أشار إلى الأوراق.
فصرخت :" أنت الذي أجبرني على قبولها.أعني أنك،في الواقع ،أعطيتها لغودمان دون أن تخبرني"
فقال معنفا :" كان يمكنك أن تتراجعي..تحنثي بوعدك و تخبري رئيسك بما حدث.و كيف تشعرين بأن هذه الإتفاقية تتعارض مع أخلاقك"
- لا ، إنني...
- سكتت و حاولت أن تتمالك نفسها ،لكن اضطرابها لم يهدأ بسبب هذه الصدمات الكبيرة.فأغمضت عينيها قائلة :"و أي فرق يمكن أن يحدثه هذا؟"
- -سأخبرك يا فيفيان.
- و جلس أمامها ثم أضاف:"لو كنت زوجتي ، لفضلت أن تحتفظي بمستواك الأخلاقي الرفيع.وألا تحاولي أن تتباهي ، وتستمري في المباهاة برالف أمامي"
- شحب وجهها و راح رأسها يدور، و أخذ العالم يختفي من أمامها.
- لم يغم عليها ، لأن تصرفه الفوري أنقذها من ذلك.فقد هب واقفا و جلس بجانبها ،ثم دفع رأسها برفق إلى الأسفل بين ركبتها ، إلى أن أخذت تحتج بضعف و صوت متلعثم بأنها أصبحت بخير.
- فقال بجمود:"حسنا " ثم ساعدها على الجلوس و أضاف :"هل تريدين شرب شيء من القهوة؟".
- -نعم، و لكن هناك زجاجة مياه معدنية بنكهة المانجا في الثلاجة، ستكون ...أفضل....

توجه إلى المطبخ و أحضر الشراب في كأس.و عندما عاد لاحظ طبق اللحم البارد و السلطة فحمله معه أيضا ثم سألها:
- منذ متى و أنت مريضة؟ألم تذهبي إلى الطبيب بعد؟
- لم أذهب إلى الطبيب و لكنني بخير...المشكلة بكل بساطة أنني أعاني من بعض الضغط.
فقال و هو يعود للجلوس بجانبها:"إذن فأنت لا تعترفين بأنك مريضة؟"
ثم بادرته بلهجة لاذعة لتغير مجرى الحديث:
- هذا....
و سكتت ثم غيرت لهجتها :هل أنت...هل أمك...؟
و لم تستطع أن تتابع.
- أطلعتني على ما أخبرتها به ؟نعم ،لقد فعلت.و صعب علي تصديق ذلك نوعا ما ، خصوصا عندما لم ترفضوا اتفاقية كلوفر.
فقالت فيفيان بعد صمت طويل مزعج :"وماذا عن رالف؟"
- أعطاني تفسيرا يتفق مع ما قلته أنت لأمي.لكنه كان يشعر بالخجل و الذنب حيال ما حصل ، لاسيما حين طرق بابك في الساعة الواحدة و النصف صباحا.فقد جاء ليخبرك ، وعلى حد قوله ، بأنه لم يستطع العثور علي و لهذا يبدو أن الخطة فشلت.هل كنت تصدقين ذلك، لو كنت مكاني ، يا فيفيان؟
فأجابت باكتئاب :"نعم ، حسنا ، ربما كانت تلك حجة لشيء آخر ، ولكن...."
سألها و هو يتأملها بسخرية :"شيء آخر؟"
فأجابت بكل حزم:"لم يكن بتوصية أو برغبة مني.و ما كنت لأرضى بذلك و لا يهمني سواء صدقتني أو لم تصدقني ، يا ليتون."
فلوى شفتيه ، و قال :"ما أغرب ما يمكن أن يفعله :أس مياه معدنية و قطعة جبنة."
فأجابته بحدة،
-لقد بدأت لتوي أتغلب على الصدمة التي تلقيتها منك.
ثم تناولت قطعة اللحم وورقة خس و قالت :"لا بأس ، دعنا نبدأ بالأهم.سأخبرك لماذا لم يكن أمامي أي خيار سوى قبول اتفاقية كلوفر ،خصوصا بعد أن أعلمت أنت مؤسسة غودمان بموافقتك"
-فهمت.
رد عليها باقتضاب دون أن يعكس وجهه أي انفعال أو تعبير.
-وهكذا لعلك تظن أنك اشتريتني ، ولكن هذا لا يهمني.كان ستان بمثابة أب لي.كما أنني لم أكن أحاول أن أتباهى برالف أمامك...لكنني ما كنت لأقدم للوكالة خملا كهذا طوال حياتي.
و أشارت إلى الرسومات الملقاة على الطاولة ، ثم أضافت:"و لا حتى بنصف جودته.لقد سبق و قدمت أعمالا أخرى لكن ستان رفضها ، أما هذه فقد فازت بالقبول"و بان العجز في صوتها :
-حسنا ، أعتقد أنك و جيني لن تنسيا بعضكما البعض أبدا.و لكن هذا غير مهم و لا صلة له بموضوعنا.
و سكتت فجأة ،معنفة نفسها لقولها هذا.فهو أشبه باعتراف بأنها تظنه لا يحبها..مما ينبغي أنه لا يشكل أي فرق.
فقال "و هو كذلك فعلا" فنظرت إليه و طرفت بعينيها.
فعاد يقول : " غير مهم و لا صلة له بموضوعنا. و لكن تابعي يا فيفيان "
فصرفت بأسنانها: " لا إنك تظنني مجنونة ، يا ليتون.أنت تهزأ بي و تحتقرني...تعتقد أنه بإمكانك أن تشتريني.لقد شككت بي بسبب تصميم وضعته يشبه أخاك ، ولن أذكر تلك الخطط الرخيصة التي وضعتها ، كما أكره التفكير فيها."
فقال برزانة : " كان ذلك نوعا من ردات الفعل الفورية."
-كما إنني أرفض التفكير في ما يمكنك أن تبتدعه من إهانات إذا قصدت.و ارتجفت بشكل واضح، ثم أكملت قائلة : " لكنك أخبرتني بنفسك أنه ليس لديك الوقت لأي شخص، لا سيما أنا"
- و من قال إنه ليس لدي وقت لك؟
لم ترد أن تدخل غمار هذا السؤال و ما قد يتبعه لذا حاولت أن تغير الموضوع سألته :" هل لازلت تحب جيني؟"
-يبدو أنا نعود دائما إلى إثارة هذا الموضوع ، و لكن....
لكن فيفيان وقفت و قد عادت ترتجف ، و شحب وجهها : " ليتون ، لقد استمر هذا طويلا.أنا لست مريضة"
-إنك لم....
و لم ينه كلامه ،لكنها لم تره من قبل بمثل هذه الصرامة و البرودة.و بدا و كأنه كشف لها عن رأيه فيها.
-لا!أنا لست مريضة!
-و لكن ، كيف يمكنك أن تكوني متأكدة إلى هذا الحد؟
عادت فجلست و هي تفلاك و جنتها غير مصدقة : "هل علي أن أعطيك درسا في علم الأحياء؟"
فسألتها بخشونة :"و لكن لماذا تبدين بهذا المظهر؟"
-تعرضت لكثير من التوتر و الضغط أثناء مرض ستان .
و نظرت إليه فقرأت في عينيه عدم التصديق ، فأغمضت عينيها للحظة و قالت : "لقد أخبرتك مرة...المرتفعات ، الطيران ،ضغط العمل ، المصاعد...هذا كل ما في الأمر "
أمعن النظر فيها فرأى أن وجهها ما يزال شاحبا فقال " اسمعي ... لا تبدين لي بخير.سأحضر فنجانين من الشاي...."
غاب قليلا ثم عاد يحمل فنجانين من الشاي قدم أحدهما لها.
شربت رشفة ثم تنفست بعمق.
-أظنني أثرت الشكوك، كما حدث أثناء الاتصال الهاتفي. وقد قلت لسكرتيرتي إنها ستنتشر ، بهذه الطريقة ، إشاعة بأنني مريضة ، لكن لم يخطر على بالي لحظة... حسنا ، لم أكن أعلم أنك أنت من اتصل ، على أي حال.لماذا اتصلت بي؟"
فقال و هو يتناول الأوراق فجأة و يكورها في يده : "لأتحدث معك في هذا الموضوع ".
أخذت تنظر إليه بحذر و قد فغرت فمها.
-و لكن...
وسكت ثم نظر إليها : "إذا حملت الأمور أكثر مما ينبغي...بمساعدة السيدة !هاربر ،فلأني ظننت أني حصلت على فرصة أخرى"
بدا الأسى في صوته و هو يلفظ كلماته هذه ،فنظرت إليه بحيرة :" بشأن ماذا لا أفهم "
- فرصة أخرى معك يا فيفيان.
فشهقت و ردت :"ولكن ....لكن لديك الكثير ضدي ، و قد أدركت ذلك لتوي.يكفي أني كارثة متنقلة ، يا ليتون.لا أستطيع تصديق ذلك "
فجلس بجانبها ، وقال ساخرا :
- و لا أنا.
ثم هز كتفيه ، و أكمل: " لقد تركتك و رحلت. و حدث نفسي عن كل عيوبك... لم أشأ أن أستمع إلى أمي ،أو إلى رالف. و أقنعت نفسي بأن كل شيء انتهى..." و سكت و هو يتنهد ثم أضاف : "و لكن عندما رأيت هذه " و أشار إلى الرسوم التي صممتها : " أدركت أن ذلك غير صحيح.لم صدق كم أغضبتني هذه الرسوم.ثم، اعتقدت أنك مريضة ، فزاد قلقي و غضبي ، و لكن ليس لهذا السبب".
فهمست حابسة أنفاسها :"لماذا؟ "
التفت ينظر إليها أخيرا.و استطاعت للمرة الأولى أن ترى نوعا من العذاب في عينيه :
-لأني أقنعت نفسي بأنك لا لا تهتمين برأيي.فأنت لم تحاولي أن تشرحي لي الأمور.لقد قلت لي إنك كذبت على أمي... وبعد ذلك رحلت ، ثم استلمت اتفاقيات كلوفر.
تملكها شعور بالحنان جعل دمها يجري في عروقها من جديد و كأنها لم نكن حية من قبل.وجلست صامتة مذهولة بينما تابع هو : " و منذ دقائق قليلة ، أرجعت سبب شحوبك و هزالك الباديين عليك و غير ذلك ، إلا أن ظغط العمل و حسب. و كأنك تقولين أن فراقك عني لا يؤثر فيك أبدا "
ابتلعت ريقها :"لقد كذبت فعلا على أمك، فقد سألتني إن كنت أحبك، فأجبتها بالنفي.ولكنها الكذبة الوحيدة التي قلتها لها."
-فيفيان....
- لا ،يا ليتون
ووضعت يدها على يده و أضافت "دعني أنهي حديثي ،هناك مشاكل كثيرة بيننا...فأنت قلت إنك لست لي...لم أجد تفسيرا لهذا سوى جيني ، وأنا ما زلت غير واثقة..."
جيني خرجت من حياتي مرة و إلى الأبد.و قد حدث هذا قبل أن أكتشف أنني أحببتك"
-لكنك قلت إن زواجكما كان ليستمر...
أعلم هذا.و لكن من أجل الطفل فقط.لأمنح ذلك الطفل أبا شرعيا، لأنني أعتقد أن الأولاد يستحقون ذلك و أن عليهم أن يولدوا في إطار الزوجية ، حتى و إن لم يدم الزواج.و لكن أي أمل لها بإعادة إشعال الحب بيننا حكمت عليه بالموت حين استغلت رالف.لأنها أظهرت بذلك و جهها الحقيقي مرة أخرى.لهذا لم أهتم للأمر مثقال ذرة.
فقطبت فيفيان جبهتها و تابع بجهد: " لكن حين ظننت أنك تلهين مع رالف ، كدت أقتلكما معا"
-و لكنفي الليلة التي سبقت ذهابنا إلى بيتش ، ظننت أنك...لاحظت أنك متكدر و ظننت أن السبب هو رالف و جيني.لهذا السبب أردت الابتعاد عن المنزل.
-هذا صحيح، ولكني شعرت بالاشمئزاز منهما، وهذا كل شيء .
أخذت تفكر لدقائق ثم قالت بشيء من العجز : " ما زلت لا أفهم لما أصريت علي لأحضر الحفلة الراقصة؟"
-في بالم بيتش ، لم يثر مشاعري بهذا القدر سوى أنت.شعرت و كأنني هوجمت على جميع الجبهات.
وبدا في عينيه أول أثر للمرح منذ مجيئه و أضاف :"قررت ، بعد تصريحك المؤلم ، ألا يستمر التعاون بيننا... وإذا بي أجد نفسي أعانقك".
ورفع حاجبيه مستفهما ثم أكمل : "لكن الضربة القاضية جاءت عندما بدا أنك قادرة على تجاهل هذه المشاعر و هذا الانجذاب الذي يشد أحدنا إلى إلى الآخر... و رغم أنني أنا من ابتعد عنك ،و جدت نفسي فجأة عاجزا عن فراقك ، ولم أستطع أن أدعك ترحلين".
فتحت فمها غير مصدقة ، بينما تابع هو يقول : " و هكذا لم يكن للأمر علاقة بكلوفر أو بجيني...أنا و أنت فقط ، يا فيفيان"
وضعت يديها على خديها و هي تشعر بالدم يجري فيهما ، ثم قالت بتعاسة :
"وأنى لي أن أعرف كل هذا؟ لو علمت ، لما تفوهت قط بتلك الأشياء التي قلتها...أواه"
- أعلم هذا.إن الذنب ذنبي أنا ،لكن الحقيقة هي أنني أصبحت عاجزا عن التفكير بشكل سوي منذ دخلت مكتبي حافية القدمين.وكان كلامك صحيحا.كنت مثقلا بإرث المرارة و عدم الثقة بالنساء بشكل عام.
فسألته بحيرة: " وكيف استطعت أنا أن أغير كل هذا ؟ لقد قدمت إلى هنا و أنت تحمل في قلبك كرهك لي...و لكل ما يتعلق بي"
-لقد دخلت بيتك ،كارها حقيقة أنني وقعت في غرامك ، و لم تظهري أنت أي ذرة اهتمام بي.
لم تستطيع أن تتكلم ، و إنما أخذت تحدق فيه بعينين تدفقت منهما مشاعرها الجامحة كلها.ثم و قفت و صارت نحو الباب الزجاجي.كانت الشمس قد غابت ، واصطبغت السماء بلون وردي متألق.فيما كانت تحدق في المشهد الرائع ، لم تسمعه يلحق بها لكنها شعرت ، غريزيا ، بأنه يقف خلفها مباشرة.
التفتت قليلا و قالت بشيء من اليأس :
-أنا فعلت ذلك و لكن...
و سكتت تغالب دموعها ثم أضافت : "فكرت حقا...أنه يمكنني إصلاح الأمور بينك و بين جيني أثناء الحفلة.و لكن النتيجة ارتدت علي.ثم عندما تركتني بتلك الطريقة".
و ابتلعت ريقها عندما تحرك بضيق و قالت : " أدركت أنني لن أثق بك مجددا يا ليتون.أنا... ما كنت أقبل بذلك من رجل لا أحبه لكنني أدركت أن الأمر مختلف بالنسبة لك"
- فيفيان...
فقالت بهدوء بالغ :
-لا ، لم تكن تثق بي حينذاك.عندما كشفت لك عن مكنونات نفسي...آسفة ، لكنني عاجزة عن تكرار ذلك.لا بأس...إنني محطمة الآن بسبب ما جرى ، لكنني سأتغلب على ذلك مع مرور الزمن.كما أنني لن أستطيع خوض هذه التجربة مرة أخرى.
سألها بعد صمت طويل : "هل تظنين حقا بأن عليك ذلك؟"
فنظرت إلى البعيد و سمعته يقول : " أنا لا أحاول أن أقلل من شأن ما فعلت ، و لكن إذا نظرت إلى الأمور من زاوية أخرى لرأيت قصة مختلفة ، يا فيفيان"
-لا بل أعني...
- فيفيان..
لم يحاول أن يلمسها ، ولكنها رأته يجاهد ليمنع نفسه من ذلك.رأت شريانا ينبض عند فكه و مشاعر عنيفة في عينيه لم تر مثيلا لها من قبل.بدا و كأنه يركز على أمر حيوي ، هو مسألة حياة أو موت : "أتظنين أني كنت لأقصد بيتك لو أنني ما زلت الرجل نفسه الذي اجتمعت به أول مرة ؟ لو أنني ما زلت ذلك المتحرر من أوهام الحياة و الباحث عن نوع من التحدي العاجز أو ، بصراحة أكثر ، عن علاقة رخيصة؟"
سكت قليلا ، و هو يتأمل خصلات شعرها الثائرة و جسدها الرشيق في قميصها الذي ما زال مزررا بشكل خاطئ و سروالها القصير الأبيض ، ثم نظر إلى وجهها الشاحب ،و قدميها الحافيتين ، و تابع يقول :
أتظنين أني كنت اهتميت لأمرك بأي شكل ؟...هل تظنين حقا أني كنت سأدع رالف يؤلمني بسبب فتاة لا تعني لي شيئا؟و هل كنت أطلب منك الزواج رغم أننا لم نعرف بعضنا إلا منذ شهر و قد أمضينا ثلاثة أسابيع منه في خصام ، إن لم أكن جادا تماما؟
فقالت بعجز : حسنا هذا شيء آخر في الواقع لم نعرف بعضنا سوى لأيام قليلة فقط"
فقال بصوت خافت : و مع ذلك بعد تلك الأيام القلائل أدركت أنني لن أكون الرجل نفسه مرة أخرى.أدركت أنني لن أرتاح أبدا إن لم أكن حاضرا...حاضرا من أجلك.لتتغلبي على خوفك من المصاعد و العلو و الطائرات و الدوار
وأغمض عينيه فجأة و قال : لا أستطيع أن احتمل فكرة وجود رجل آخر في حياتك فيفيان. و لا أستطيع أن أتصور بقية حياتي من دونك، إلا إذا كانت جهنم بعينها
فهمست : ليتون
ثم هزت رأسها وكأنها تجلو ذهنها : لا تنسى المشال الكثيرة التي أقع فيها...
- و لماذا تضنينني أحبك إلى هذا الحد إذن؟
فتلعثمت غير مصدقة :هل...هل لهذا الأمر أيضا؟
- لهذا أيضا.أريد أن أعيش إلى جانبك يا فيفيان أريد أن أحبك و أضحك معك و أحميك و أن يصبح لدي أطفال منك.
فبللت شفتيها و سألته : وماذا عن مصنع الطائرات؟
- فليذهب إلى الجحيم.كان ذلك عذرا فقط على أي حال.
- فحملقت فيه : أتعني أنه ليس لديك مصنع؟
- لا ، سأبني و احدا يوما .لكنه عمل آخر و حسب ، بينما أنت يا فيفيان ستكونين حياتي بهجتي.
فسألته :إذن لن تشك بي و لن تخاصمني؟
فابتسم لها و بدت الرقة جلية غي عينيه مما جعلها تشعر بأنه سيغمى عليها مجددا.
- لا أستطيع أن أعد بذلك و أنا متأكد من أن هذا الشعور سيتملكك أنت أيضا في بعض الأحيان.ما دمنا نعلم أننا روحا واحدة في جسدين...
وأمسك بها ينظر في عينيها بعمق.
و استسلمت فيفيان لعناقه بصمت مستكينة بين ذراعيه و كأنهما ملاذها
-هذا حسن...حسن جدا.
علق بهذه الكلمات برقة بالغة و هو يضمها إليه.بينما أخذت ترتجف كورقة في مهب الريح.ثم أضاف: ثقي بي
لم تعرف فيفيان هذا الإحساس بالأمان من قبل ها هي أخيرا تكتشف جوانب شخصية هذا الرجل.رجل أحبها و أحب مخاوفها كلها.كانت كمن وصل أخيرا إلى بر الأمان فهدأت تدريجيا ثم رفعت رأسها إليه.
- إنه شيء غريب لكني أحيانا أشعر بثقة بك لم أشعر بمثلها حيال أحد آخرقٌط.
فكرر كلامها ببطء:
إنه شيء غريب لكنني لم أعرف ما كنت أبحث عنه حتى دخلت أنت حياتي ،ببراءتك و عدم زيفك..لا يمكنني صياغة صفاتك الأخر في كلمات و لكن قد أتمكن من أظهر لك مدى حبي.
فقالت تجيبه : و أظنني قد أتمكن من أن أبرهن لك...عن عمق شعوري نحوك
**************************************
قالت فيفيان النعاس يتملكها :لم تخبرني بعد
ثم سكتت.
- ما الذي لم أخبرك به؟
- ووضع ذراعه حول كتفيها و هما جالسان على الأريكة.
- ابتسمت له ثم أراحت رأسها على مرفقها و نظرت إليه بمكر، أشعر و كأنني في الفردوس معك...فقاطعها : يسرني ذلك.و ضمها إليه ليظهر لها شوقا و حنينا عميقين.
- تابعي كلامك يا فيفيان
و أخذ يمرر أصابعه على و جهها الناعم.
فقالت بجهد :نعم لم تخبرني بعد ماذا كنت تعني حين تحدثت عن الفتيات و الخوخ و الأشجار
- لا شيء.
فقالت لا شيء؟
- حسنا...
رفع رأسها نحوه و تطاير من عينيه شرر ماكر ثم قال : كانت هذه الجملة حكمة اليوم على الروزنامة في المكتب.وخطر في بالي أنها قد تحدث لديك ردة فعل.
فشهقت : ليتون ديكستر...هذا.
قال بوقار خطير :
-مهما يمكن أن ستقولينه أوافقك عليه.تعصبي لكنني سأخبرك شيئا يا فيفيان.حصل ذلك حين خطر في بالي أن جوليانا جونز قد تكون رائعة الجمال لكنها لا تقارن بك.و أعلم الآن أنه ما من امرأة يمكنها ذلك بالنسبة لي.
ارتجفت فيفيان و تنهدت ثم أحاطت وجهه بيديها : أحبك يا ليتون
و أنا أحبك يا فيفيان
*******
-كيف تريدين ان يكون عرسك؟
كانا في غرفة الجلوس و يجلسان على الأريكة.
تحركت فيفيان و رفعت و جهها نحوه : آه نسيت أن أسألك كيف انتهى الأمر
فنظر في عينيها و قال:
- انتهى كل شيء بشكل حسن.سلمت ماغ في الكنيسة إلى الرجل الذي تحب.و كل الصدمات و المشاكل التي سبقت ذلك و انتهت لأنهما كانا في غاية السعادة.
- أنا سعيدة جدا لهذا ، و إلا ما كنت سأصفح عن نفسي.
أخذ يعبث بشعرها : على أي حال أنا أوافقك الرأي على انتقادك المبدئي لنظام الزفاف عندنا.
ابتسمت فيفيان دون أن يراها ،
- أفهم من هذا يا ليتون أنك تفكر في أن تنكر علي أسبوع الاحتفال بالعرس في الأسرة وكل ما يعنيه ذلك.
- فقال بجدية : لا أدري ما إذا كان الوضع في الأسرة مناسبا ، فأمي و اللايدي و ابن رايت قد تشاجرتا ، و رالف رحل إلى المكسيك..
فمدت يدها ووضعت أصبعها على فمه تسكته لتقول:
- ماذا عن جزيرة معزولة ، يا ليتون؟لأنني لن أتحمل مشقات أسبوع عرس آخر في "هارفست مون"
- ضحك و أحنى رأسه يتأملها:
- - ما رأيك بحل وسط؟احتفال بسيط و غذاء.ربما في بالم بيتش، على ان يقتصر ذلك على الأسرة.و بعد ذلك بحث عن جزيرة نائية.
- يبدو ذلك رائعا.متى؟
- في أقرب وقت ممكن.علينا أن نبحث عن خاتم و ...
فاستقامت فيفيان في جلستها و حملقت فيه ، فقال بهدوء:
- يا حبيبتي سنختار هذا الخاتم معا. فأنا أكره أن تشعري أن لك علاقة بفتاة مستأجرة.
- آه...حسنا أظنك ستبيع الخاتم الآخر.لقد سبق و قلت إنه استثمار جيد.
- كان كذلك فعلا و لكنه لم يعد كذلك بعد الآن.
قطبت حاجبها و هي تتصور الماسة الوردية:
- ماذا تعني ؟
- لقد أصبح في قاع نهر "هاوكسيري"
فشهقت: ليتون!كيف حدث هذا؟
- لقد ألقيته هناك من آخر رصيف الميناء
فنظرت إليه غير مصدقة و سألته: و لكن لماذا؟
- لأنه يمثل كل خطأ ارتكبته منذ أن وقعت عيناي عليك يا فيفيان.
- وألقى برأسه إلى الخلف متأوها : لقد خرجت ذات مساء مصمما على بيعه لكنني وجدت نفسي عند الميناء فتذكرت كيف سقطت من هناك و أوشكت على الغرق.
فنظرت غي أعماق عينيه بينما تابع يقول:
- كل ما قمنا به معا قلناه لبعضنا البعض مر حينذاك أمام عيني. و اكتشفت أنني أكره تلك الماسة الوردية كثيرا.لهذا قذفته إلى النهر لكن ذلك لم يمنحني سوى راحة قصيرة الأمد ، لأنني ما كنت أكره سوى نفسي ثم شعرت بالذنب لإضاعتي كل ذلك المال فدفعت إلى المؤسسات الخيرية في الصباح التالي مقدار ثمنه.
فقالت برقة : هناك نوع واحد من الخواتم سيعني لي الكثير و هو خاتم الزواج " المحبس" بسيط و حسب.و لكنني لن اتمكن من التعبير لك عن مبلغ زهوي للبسه.
- حبيبتي...
- لا ، أنا أعني ذلك يا ليتون.أنسيت أنني فتاة لا تحب المجوهرات؟و أظنني سأبقى كذلك دائما.
و سكتت.
- سيبقى شيء من فيفيان فلوري في فيفيان ديكستر دائما.
- آسفة لذلك.هل لديك مانع؟
فأجاب ببساطة : على العكس بل يشرفني ذلك.
********
و تزوجت بعد أسبوعين ، بثوب أبيض شفاف في منزله في بالم بيتش و في حفل اقتصر على أفراد الأسرة.و قد حضر الزفاف ستان غودمان و زوجته ايزابيل واللايدي واين رايت التي بدا أنها تصالحت مع إميليا ديكستر.
اختارت فيفيان أزهارا ناعمة تزين بها شعرها و ثوبا أبيض بسيط الطراز أما الخاتم الوحيد الذي وضعته في أصبعها فكان محبسا من الذهب لكن سعادتها و تألقها واضحين مما حمل والدة ليتون على القول لعرابته و صديقتها الحميمة :
- كدت لا أعرفه.فهو يبدو مختلفا.
و غالبت دموعها بجهد و هي ترى ابنها ينظر في عيني فيفيان و مشاعر الحب الخالص تبدو في عينيه و تمتمت مارلين واين رايت بشجاعة: لطالما اعتبرتها فتاة شجاعة
وتمتم رالف قائلا لأخته مع: يا للروعة!كيف تمكنت فيفيان من أن تحقق ذلك؟
لكن ماغ ضحكت بعجز و هي تتوجه لمعانقة أخيها و عروسه.
و عندما رحل الجميع خرج العروسان إلى الشرفة كانت الشمس تنحدر نحو المغيب فراحا يتأملانها و قد لف أحدهما ذراعه حول الآخر.
و قالت فيفيان : أشكرك على هذا العرس الجميل
- كان مبعثا للسرور و كنت أجمل شيء فيه
و نظر إليها متأملا للحظة طويلة : و الآن أعلم أنك تـثقين بي حقا
- حسنا... هذا صحيح..و لكن هل لأنني تزوجتك؟
ثم استدارت تواجهه :- و لهذا أيضا و لأنك و قفت معي هنا.
و لامس وجنتها بيده اتسعت عيناها ثم نظرت إلى أسفل لترى البحر يزبد و تتلاطم أمواجه لكنها لم تخف و قالت غير مصدقة : لم أفكر قط في المرتفعات
ثم سكتت قليلا قبل أن تضيف قائلة : ليتون أنت لا تشك في حبي لك أليس كذلك؟
بعد لحظة تفكير طويلة أجابها : أتساءل أحيانا عن السبب و هذا كل ما في الأمر.أحيانا أتذكر الأشياء
التي قلتها أو فعلتها و لا أدري كيف استطعت أن تصفحي عني...
فتمتمت و هي تلقي بنفسها بين ذراعيه :
- هذا سهل جدا أنت صخرتي شجرتي بهجتي.و كل ما حدث بيننا قد أشعل حبي و قواه ليجعله ذهبا خالصا نقيا.
فقال أخيرا بعد أن أخذ يحدق كل منهما في عيني الآخر :
-آه يا فيفيان.يسعدني رأيك هذا بي كثيرا ، لأنني ... لم أتصور يوما أن بإمكاني أن أحب بهذا الشكل.
قالت و هي ترتجف: ولا أنا
ثم تشبثت به عندما أخذ يعانقها بحرارة.


^-^ النهاية ^-^
تمت

مشاركة