A PHP Error was encountered

Severity: Warning

Message: file(): http:// wrapper is disabled in the server configuration by allow_url_fopen=0

Filename: views/template.php

Line Number: 35

A PHP Error was encountered

Severity: Warning

Message: file(http://static.vipeople.com/menu/index.php): failed to open stream: no suitable wrapper could be found

Filename: views/template.php

Line Number: 35

A PHP Error was encountered

Severity: Warning

Message: implode(): Invalid arguments passed

Filename: views/template.php

Line Number: 35

أنا وهو

الكاتب: قصتي مشاهدات: 2179 التصنيف: روايات أحلام

1- لقـــــــــــــــاء الهاربان

حين استدارت إلى اليسار لتخرج بسيارتها من الطريق العام رقم ستة المعبد، كان تفكيرها مشغولاً بأشياء أخرى.. سيارتها الفان التي تعود صناعتها لعام 1974 كانت ترتطم و تنط على الطريق الترابية التي تؤدي الى " غريت سولت مارش" المستنقع المالح الكبير.. قامت بحسابات سريعة في رأسها، اليوم هو الأخير من حصاد التوت البري.. وهاهي مجدداً دون عمل.
لكن مدخراتها كانت لابأس بها، ولا حاجة لها لعمل إضافي حتى كانون الثاني المقبل.
وفي كانون الثاني، ستبلغ الحادية و العشرين.. لو بقيت حية حتى ذلك الوقت.. وضحكت ساخرة:" عزيزي العم ليونيل..كم أتمنى لك كل الحظ..السيء!" لكن لا شيء يمكنه تدمير روحها المرحة، ولا حتى العم ليونيل.
لمحت حركة ما من زواية بصرها، و آلياً داست قدمها على المكابح التي كانت الشيء الوحيد العامل جيداً في هذه السيارة العتيقة.... ولحسن حظها لم تكن مسرعة، نظراً لحالة الطريق، مهما كان الذي قفز إلى الطريق، فقد كان قريباً جداً من مقدم السيارة بحيث أنها لم تكن تراه.. تأه الفان، تعالت أصواته و أنزلق قليلاً ثم توقف في مكانه.
أحست بنفسها ترتجف يداها قابضتان على المقود بقوة، توقف المحرك خلال ارتباكها.
تشكل فوق جبينها خط من العرق والصمت مطبق حولها.. صفرت الريح وهب هواء بارد ، إنه شهر أيلول.. طاف سرب من النورس فوق" بارنستايل".. لا شيء غير هذا كان يتحرك.
------------
فتحت بابها لتحط بجسدها الرشيق الذي يبلغ حوالي خمسة أقدام وعشرة إنشات على الطريق.
كالعادة، حين تكون في عجلة من أمرها، لاشي يجري بطريقة جيدة، لانها كادت تتعثر بصخرة مستديرة، كادت تتدحرج لكنها استطاعت أن تنقذ نفسها محاولة أن تمسك بالمرآة غير أن يدها انزلقت و انتهى بها الأمر على مؤخرتها فوق الأرض.
حدقت بها عينان زرقاوان..فتاة.. ربما في التاسعة أو العاشرة، لا أكثر، ترتدي فستاتاً قطنياً أحمر مخططاً، كان صغيراً عليها أما شعرها فقد كان أشقر قصيراً، مشعثاً جداً.
- هل آذيت نفسك؟
كان الصوت الصغير مرتفعاً وواضحاً، مليئاً بالشفقة.. وكانت الطفلة تحتضن دمية قماش تحت إبطها الأيسر.
تنهدت سيلستي:
-لا..لا أعتقد ذلك.
استخدمت قمــر الليل الباب المفتوح لترفع نفسها و تمكنت من الوقوف..
قالت الصغيرة:
- ثيابك مضحكة.
نظرت سيلي إلى نفسها و ابتسمت, مريلة عمل رجالية، دون حذاء، شعرها الطويل الأشقر بلون القش مربوط بعقدة حذاء.. إنه مظهر مضحك فعلاً!
قالت بوقار:
- إنها ثياب العمل.. أرتدي مريلة وحذاء مطاطي مرتفع حين أكون في الماء، لكنني لا أستطيع خلعها بعد العمل لثقلها..أعمل في جني التوت البري الذي ينبت في المستنقع..أتعرفينه؟
- ألا يعرفه الجميع؟ إنه يطبخ مع الديك الرومي في أعياد الشكر و الميلاد، و أشياء أخرى..تذكرت أن أخبرك بأنك كدت تدهسين كرتي.
كان صوتها لهجة اتهام أضحكت سيلي:
- هذا إذن ما قفز أمامي..! ظننته.. شيئاً حياً. ماذا تفعلين هنا؟ أنا الوحيدة في هذا العالم التي تعيش في هذا المكان.
أشارت إلى الطريق أمامها.. وأكملت:
- أعيش في ذلك المنزل هناك.
حكت الفتاة:
- نحن نعيش في المنزل المجاور.. نحن جيران..أليس هذا مدهشاً؟ لقد قال أبي إننا في مكان منعزل ولن نرى أحداً لسنوات! مارأيك بهذا؟
ضحكت سيليستي بدورها:
- مارأيك بهذ، نحن جيران!
مسحت يدها على البنطلون، ومدتها: سيلي..
وصمتت.. إنها مختئبة الآن منذ أكثر من سنة، وهذا ما علمها الكثير من الدروس.. أحدها أن الكلام ممكن أن ينتقل من مكان إلى آخر، وإلى أن يعرف العم ليونيل في بوستون، ومؤسسة بانكوس. مكان وجودها حتى بوسطة هذه الشيطانة الظريفة.. فتابعت:
- اسمي سيلي إيميري.
وهذا صحيح تقريباً، فاسمها الأصلي سيلستي إيمري بانكوس وهي تقريباً في العشرين من عمرها.
ابتلعت يدها اليد الصغيرة، لتقول الطفلة: - جانيت ناي..لكن نادني جاين، لأننا جيران، يداك قاسيتان!
حكت سيلي، تفرك يداً بيد:
معك حق.. إن عمل المستنقعات قاس..
لكنها بعد أشهر من عملها على الآلة الكاتبة وأسابيع في مخازن" سيرز" و تجربتها القصيرة في مكتب محاماة، كانت جداً سعيدة لعملها في الهواء الطلق حيث الحرية في كل شيء، حتى من التحريين السريين، المتلصصين في كل مكان بحثاً عن سيلستي بانكوس..لكن ضحكة الفتاة الصغيرة جعلت سيلي تنسى حزنها و تتابع:
- هذا مكان سيء للعب جاين.. لماذا لا تأخذين كرتك و نذهب سوياً قريباً من منزلي كي تلعبي.

-----------------------
دار محرك السيارة القديمة، وصعدت الفتاتان، لينطلق بهما الفان نحو المنزل، كان الطريق ينحدر بلطف، عبر أعشاب نامية ثانوية، وأشجار صنوبر..في الفسحة حيث المنازل، كانت الطريق أعلى ببضعة أقدام عن أرض المستنقع الذي كان يبقى في موسم الخريف متفرقاً في موسم الخريف متفرقاً في بحيرات صغيرة..
صعد الفان المرتفع البسيط المؤدي إلى الفسحة أمام منزل ببطء، و الحصى يتطاير من تحت الإطارات بالرغم من سيرها البطيء..شدت سيلي المكبح اليدوي و أوقفت السيارة.
- حسناً أيتها السيدة الشابة، لقد وصلنا إلى البيت، بيت الجيران، تذكري أن تلعبي قرب الطريق.. بوجود مجانين مثلي يقودون سياراتهم، المكان خطر.
ضحكت الفتاة:
- أوه..لست مجنونة.. أعني لست خطرة.. قيادتك رائعة وليست مثل قيادة أبي.
إنه شخص لن ترغبي في أن تتعرفي به سيلي..لكل فتاة صغيرة أم و أب.. ولن تنجذبي لمعرفة المزيد..
استدارت الفتاة:
- أنظري..الشاحنة لم تأت!
- أية شاحنة؟
- شاحنة الأثاث..فليس لدينا أثاث هنا..أليس هذا شيئاً فظيعاً؟
- حسناً أعتقد هذا ، بالتأكيد لديكم شيء ما داخل المنزل؟
- أبداً.. كيسا نوم فقط، ومعدات تخييم، أشياء كهذه.
- أوه.. يا إلهي!
ليتني أعرف شيئاً أقوله للتعزية.. يالفتاة الصغيرة المسكينة.. فستانها غير مناسب، ثيابها الداخلية ظاهرة من تحته، وأراهن أن حذاءها ضيق جداً..
وقالت الفتاة:
- بيتنا احترق.
- يا الله! هل أصيب أحد بأذى؟
- ليس حقاً.. احترق ذراع والدي قليلاً حين دخل ليخرجني، لكنه قال إن لاشيء يقلق.
- ألهذا انتقلتم للسكن هنا؟
- قال أبي إنه المنزل الوحيد المتوفر في المنطقة كلها.. أليس هذا غريباً؟
ضحكت سيلي:
- حسناً سعيدة للقائك لكنني مضطرة أن أدخل و أبدأ العمل..تعالي كي تريني غداً.
- أرغب بهذا..باكراً؟
تأوهت سيلي فأكملت الفتاة:
أوه..لا.. ليس باكراً جداً!
- فهمتني حبيبتي! تسلقي من الباب الخلفي، فالسلم هناك أكثر سهولة.
نزلت سيلي من باب الفان الأوسط و تبعتها جاين حاملة لعبتها وكأنها قطعة ثمينة، بابتسامة متبادلة بينهما، ركضت الفتات إلى منزلها، وتممت سيلي انفسها:
- الأفضل أن أفرغ حمولتي.
خلعت سيلي جواربها ووضعتها في حذاء العمل المطاطي ثم انتعلت حذاء" السنيكرز" القديم الذي كان معلقاً على باب الفان الخلفي.. ربما حتى الموسم القادم.. أم أن هذا آخر مرة أعمل فيها؟ أين سأكون بعد سنة من الآن؟ مرت قشعريرة باردة على ظهرها، خلعت مريلة العمل المطاطية، وضعت جميع أغراضها في حقيبة عسكرية أخيراً نهار العمل الشاق قد انتهى بعد أن أخذ وقتها، صفقت الباب الأوسط و تقدمت نحو باب منزلها الأمامي، تجر الحقيبة الثقيلة خلفها.
- هاي.. أنت!
جاء الصوت من خلفها، صوت رجالي عميق ساخط! لا أريد أن أنظر.. قد يكون للصوت أسنان:
- هاي.. أنت!
--------------------
إنه أقرب الآن، قريب بشكل مخيف، وقعت يد على كتفها، فأجفلت مبتعدة عنها، واستدارت بغضب، ويداها مرتفعتان استعداداً للقتال، ثم صاحت:
- أبعد يديك عني.. ولسانك أيضاً..فاسمي ليس هاي أنت!
كان رجلاً طويلاً لكنه ليس أطول منها بأكثر من ثلاث إنشات، يمكنها أن تنظر إلى عينيه مباشرة، حيث تستطيع توجيه قبضتها تماماً، نظرت عيناه السوداون إلى عينيها الخضراوين.. إنه رجل جميل المظهر، ماعدا الوجه.. إنه وجه متحجر، liilas.com عميق الخطوط لا يدل أبداً على اللين، وللصدق، في نظرة تالية، لم يكن بشعاً تماماً، لكنه بعيد عن الجمال، كل شيء فيه في مكانه المناسب، لكن وكأنه يميل إلى جانب واحد! وفكرت: ربما لو غضبت بما يكفي لأصلحته له!
قال ساخطاً:
- أنا لا أسمح لابنتي أن تركب سيارة أحد ..وإذا حدث هذا مرة أخرى، سوف أتدبر الأمر!
صاحت به ترد:
- لكنك لا تمانع أن تلعب الكرة وسط طريق ضيقة كل منعطفاتها مخيفة.. أليس كذلك؟ لو لم أكن أقود متمهلة لدهستها هي بدلاً من الكرة! من أي نوع من الآباء أنت؟
كانت على وشك أن تقول، أيها الوحش البشع، لكنها و للمرة الأولى في حياتها تمكنت من كبح لسانها.. ياللرجل الكريه! ماالذي حصل للرجال الطيبين في العالم؟ أم أن هذا هو النوع الوحيد الذي أجذبه؟ هذا و العم ليونيل، وابن العم رايد؟ يا إلهي! إنه ثلاثي يفتخر به!
كانت يداها لا زالتا في وضعية الدفاع الأساسية، لكن أصابعها أخذت ترتجف، على بعد إنشات من أنفه، لكمة واحدة.. هذا ما سأعطيه له، و سترى ما إذا كانت ستعيد ترتيب وجهه الجميل!
بطريقة ما وصلت الرسالة.. فتراجع مع إحساس بأنه يضحك منها.. في الواقع، كانت زواية فمه اليمنى تلتوي، وكأنه يجد صعوبة في السيطرة على عضلاتها..

صاحت به:
- أنت تتجه إلى الجهة الخاطئة، حدود أملاكي تنتهي عند الجانب الأبعد من الطريق الداخلي.. فأكمل طريقك، وقدم لي معروفاً كبيراً، تعلم اللطف من ابنتك، فهي تعرف معناه.
التقطت حبل الحقيبة العسكرية، وأكملت جرها إلى المنزل.. بعد أن أغلقت الباب، نظرت عبر المنظار الصغير، لتجده لا زال واقفاً، ويداها على خصره، لا ريب في أنه كان يضحك، ركلت الحقيبة لتضعها في الزواية، واتجهت عاصفة إلى الجهة الأخرى من المنزل ، إلى المطبخ ، تمتم وهي تشد على قبضتيها: يظن نفسه ماكراً.. يا للرجل الذكي! الساعة على الرف كانت تشير إلى السادسة.. أحست بتعب يومها مجدداً، مهما كانت مجنونة ، يجب أن تتناول العشاء.
تحتاج فتاة في مثل حجمها و شكلها إلى الغذاء أو ستضعف، وهذا أمر آخر لا تريده.. إن العمل أوقات إضافية كل يوم، لم يترك لها الوقت للتسوق، أو تنظيف البيت، يا إلهي كم أحتاج إلى من يعتني بي.. تنهدت وهي تفنح الثلاجة و تخرج آخر لفافتين من " الهامبرغر" ثم تركتهما على الرف كي تذوبا..
بعدها صعدت إلى الطابق العلوي لكي تأخذ حماماً ساخناً، بسرعة ملأت المغطس.. سخانة الماء الفورية كانت تعمل جيداً، لكن المياه تأتي من بئر مالحة قذرة، فتأوهت لخروج المياه حمراء بنية من الأنبوب، لكنها سارعت لتحريكها ووضعت الصابون المعطر فيها، تقنع نفسها أن ما تراه لا يمكنه أن يضرها، أليس كذلك؟
مهما كان لون المياه، فقد تأوهت عضلاتها ارتياحاً، و غاصت في المغطس مخصص لقصار القامة.. أدارت الماء الساخن مجدداً وارتاحت إلى أن أصبحت نصف مغلية، ثم أقفلتها مجدداً .. كانت عضلات كتفيها تؤلمها أكثر من غيرها، ولأن الموسم في آخره كانوا مضطرين للقطاف داخل الماء طوال اليوم، ثماني ساعات و أحياناً اثنتا عشرة..صحيح أن لاشيء متعب في هذا، لكن تكرار حركة رتيبة بترك المرء بذراعين متورمين متألمين، وعضلات كتفين متصلبة، غاصت الآن في عمق المياه الساخنة وشكرت الله على نعمته، كبيرة كانت أم صغيرة.
------------------------
بدأت المياه تبرد، فانتزعت الرباط و غسلت شعرها، ارتدت روبها العتيق و نزلت مجدداً إلى المطبخ، فتحت الباب للتهوية أثناء الطهو" الهامبرغر".
ماذا يمكنك أن تفعلي بر
طلين من الهامبرغر وحده لا يمكن أن تتحمله خاصة وأنها قد تناولت منه لأربعة أيام على التوالي هذا الأسبوع ولقد سئمته حتى الموت.. فقالت بصوت مرتفع:
- بعض الفطائر و البطاطس المهروسة؟ أم فطيرة لحم كبيرة. أم سباغيتي؟
- أوه.. هذا سيكون رائعاً.
- جاين؟ ماذا تفعلين هنا يا ابنتي؟ يجب أن تكوني الآن في الفراش.
تسللت الصغيرة إلى الداخل و تنهدت:
- ليس لدينا فراش.. الرجل لم يأت بالأثاث بعد وليس معنا.
صححت لها سيلي:
- ليس لدينا.
- أجل، ليس لدينا أطباق و طناجر ومقالي.. ولا أي شيء، لقد صنع لي والدي سندوش زبدة الفستق، لكن ليس لدينا مربى.. وأنا.. أنا جائعة!.
تغرست سيلي في الوجه الصغير النحيل:
- هكذا إذن.
لها عينان زرقاوان، شعر أشقر، وبشرة بلون العاج، ونحيلة كعمود السياج.. تماماً كما أتمنى أن تكون.. بماذا تفكرين أيتها البلهاء، سيلستي بانكوس؟ هزت رأسها لتجلي تفكيرها، إنها أفكار مجنونة، والأفكار المجنونة هي التي تملأ العالم بالحروب و المجاعة.. لكن هاهي الفتاة الصغيرة، يداها متشابكتان وراء ظهرها، تحدق إلى وجه سيلي و كأنما تظن أن عيد الميلاد وجنية الخير وصلا باكراً.
- ماذا تفضلين؟
- سباغيتي، أن نصف إيطالية، أتعرفين هذا؟
- صحيح؟ حسناً، سأصنع السباغيتي، فهل تشاركينني بطبق منها؟
- أظنني سأحب هذا أكثر من أي شيء في العالم.. هل أساعدك؟
ضحكت سيلي:
- لما لا؟ كل شيء محضر في علب و زجاجات هذه الأيام.
- و هل علمتك أمك أن تصنعيها من لا شيء؟
عبثت بشعر الفتاة:
- لا حبيبتي.. لم يكن لي أم عزيزتي، لقد ماتت حين ولدت أنا.
- يا إلهي.. هذا فظيع، حقاً فظيع.
- ليس تماماً جاين.. فهذا كان منذ زمن طويل، قبل أن أفهم شيئاً ، حتى أنني لا أملك صورة أتذكرها بها.. والآن ما أن تغلي هذه المياه سنضع الإسباغيتي فيها.. ثم في هذه الزجاجة كل المكونات التي نحتاجها للصلصة، أرجو أن تبحثي في الرف الأسفل من البراد عن بعض الجبن.. الماء يغلي، لذا بعد ربع ساعة ستكون السباغيتي جاهزة، وباستطاعتنا الأكل، لدي أربعة صحون، أتريدين تحضير المائدة؟
كانت سيلي تضحك طوال الوقت.. وكان يشد على قلبها شيء ما لم تستطع تحديده، أما الطفلة فقد كانت تهذر بسرعة ميلاً في الدقيقة، ولا تحتاج سوى قليل من التشجيع لتنتقل من موضوع إلى آخر.. الأمر هكذا إذن، لقد استنتجت سيلي من حديث الطفلة أنها تفتقد لكل شيء.. تتمنى لو كان لها أم تنمو معها .. كان لها جد صارم متزمت عجوز يتمنى كل يوم لو أنها كانت صبياً..
قالت الليل قمــر اتشجع الفتاة:
- أخبريني عن الحريق في بيتكم.
- أوه.. ياإلهي.. لقد كان شيئاً لاينسى..كنا نيام.. أبي في الأسفل و أنا في الطابق العلوي.. ثم حدث عطل في التدفئة.. ماذا يسمونه.. السخان؟
- أجل.. ليس لدينا سخان في هذا المنزل.. تابعي
------------------------
- لقد انفجر، خرج أبي من المنزل.. لكن لكنني لم أستطع النزول عن السلم، لانه كان يحترق.. فعاد أبي إلى الداخل ليحضرني، ثم وصل رجال الأطفاء وكان الأمر مثيراً، لكنني كنت خائفة جداً.. وضعوا سلماً فحملني أبي إلى الخارج.. ثم احترق المنزل بكامله.
- ومتى حدث هذا كله؟
- الليلة السابقة للأمس، قضينا الليل في فندق، لكن أبي أراد منزلاً حقيقياً..و..
- أين هي أمك؟
بدت دمعتان على زوايتي العينين الزوقاوين:
- ليس لدي أم، مثلك.. ذهبت مع شخص آخر.. هي و أبي.. تتـ.. تطلقا.
أوه.. يا لهذا الفخ.. فتاة صغيرة بحاجة إلى أم، وهي تنظر إلي كمرشحة مناسبة، تماماً كما كنت أفعل.. لكنني لم أجد أحداً، مع ذلك استمريت في الحياة.
رد عليها ضميرها أجل استمريت في الحياة، ولكن باستطاعتك أن تطلقي على ما تفعلينه اسم "الحياة".. أخلاقيات جدك المتزمتة.. الهرب من عمك.. أجل، لقد عشت.. ولكن بالكاد.. أعط هذه الفتاة القليل من الحب.. بإمكانك أن توفريه لها.. لكن ابقي على مسافة آمنة من والدها الوحش! بإمكانك أن تستغني عن وجوده!
- جاين..
جلست قمــر الليل على أحد المقاعد في المطبخ و مدت ذراعيها.. ركضت الطفلة عبر المطبخ ورمت نفسها بينهما، ليستقر الرأس ذو الشعر الأشقر تحت ذقن سيلي تماماً.. أخذت تواسيها دون كلمات.. إنها لا تعرف كلمات مناسبة.. ماذا تقول أم لآبنتها المصدومة؟ ليس لديها أية فكرة! ماذا كان الجد سيقول؟" الوريثة لا تبكي.. يجب أن تكوني قوية؟ ضغطت ذراعيها على الصغيرة قليلاً.. فمسحت الفتاة دموعها بأطراف روب سيلي، التي قالت لها بصوت ناعم جذاب:
- أظن أن الاسباغيتي تغلي.
جففت سيلي المعجنات و أبقتها في المصفاة فوق المقلاة و أعلنت:
- العشاء جاهز، بعد أن تغسلي يديك أيتها الشابة.
جلستا على الطاولة للحظات، صلت الصغيرة بصوت جميل ثم بدأتا الطعام.
قاطعتهما عاصفة عند الباب الخلفي.. اهتز الباب و انفتح، ثم صفق مجدداً بقوة وإذا بصوت جهوري يصيح:
- ماذا يجري هنا بحق الجحيم؟
رفعت سيلي نظرها إليه مجفلة.. يبدو أن له مثل هذا التأثير عليها .. إنه لقاؤهما الثاني في منزلها، ولازالت تكاد تقفز من جلدها من شدة خوفها، كان له حاجبان كثيفان وهو يخطو نحو النور الباهر.. انظروا إليه يحدق بي! قد يظن من يراه أنه على وشك أن يقتلني لا ختطافي ابنته..
صاحت به بسخرية:
- هذا ما يقال له " طعام".. وهذا ما أفعله.. أنا أطعم ابنتك.. بدلاً من سندويشات زبدة الفستق.
- إنها مغذية جداً.. من أعطاك الإذن بإطعام ابنتي؟
ردت صائحة:
- لست بحاجة إلى إذن، حين يكون أحد جائعاً لست مضطرة للسؤال أولاً.. أي نوع من الآباء أنت على أي حال؟
- أنا من النوع الذي لا يتلاطف مع أشخاص يجتذبون ابنته إلى علاقة.
رمت منديلها ووقفت:
- علاقة؟ أيها..
قاطعها:
- هناك أماكن كثيرة كان يمكن لك انتقاؤها للسكن، فلماذا هنا؟ بسببنا؟
تابعت بغضب:
- أيها ..أيها..
------------------------
هدأت من روعها.. وأخذت نفساً عميقاً، ثم قالت بصوت أجش مترابط:
- لمعلوماتك سيد ناي، أنا أعيش في هذا المنزل منذ ستة أشهر.. والآن ربما بإمكانك إخباري لماذا تنتهك حرمة خلوتي في انتقالك إلى المنزل المجاور؟
ظهر على وجهه تعبير إنسان مرتاب، وهو ينظر إليها من فوق إلى تحت:
- ستة أشهر؟
لأول مرة ، تهتم لشكلها و ثيابها، liilas.com الروب القديم كان يناسبها تماماً وهي في سن السادسة عشرة.. أما في العشرين فهو لم يكن جيداً، لا من قريب ولا من بعيد .. بتوتر أمسكت الحزام لتشد عقدته ثانية، لكن لا طريقة أمامها لترتيبه.
قال:
- تبدو لي وجبة شهية.
صدمها تغيير لهجته و الموضوع، لكنه كان ينظر إليها لا إلى الطعام.. كيف يمكن لرجل.. بشع .. مثله أن يكون له ابنة فاتنة كهذه؟ بسرعة قررت أنها لا تريد أن تعرف.. فهناك شيء فيه .. هالة ما.. إحساس غير ملموس، بالقوة و السيطرة.. ولا تريد أن تعرف شيئاً عنه!
قالت جاين:
- أراهن أنك جائع أبي.. إنها تصنع اسباغيتي شهية، كا لإيطاليين تماماً، واسمها سيلي، وليس لديها أم مثلي.. لكنني نسيت أن أسأل سيلي ..أليس لك أب؟
حاولت سيلي أن تبتلع غصة جافة، وحاولت انتزاع عينيها من عينيه، لكنها فشلت في الأمرين معاً.. وتنهدت:
- ليس لدي أب.. مات في الحرب.. قبل أن أولد.. إذا كنت جائعاً سيد ناي؟
ضحك.
- لن أقول لا لطعام إيطالي حقيقي.
ظهرت ضحكة جانبية على زواية فمه اليسرى ثم تقدم إليها ومد يده قائلاً:
- اسمي توري.. توري ناي.. محام.
أخرجت يدأ من جيب الروب.
- سيلستي.. جوّالة.. أرجوك أن تجلس.
شدت يدها من يده، فتركها على مضض، ثم جلس إلى جانب ابنته..
سارعت سيلي إلى الخزانة فوق المغسلة و اختارت الصحن الأقل تشققاً لديها من الاثنين.. أعطاها إحضار الصحن و أدوات الطعام الوقت الكافي لتجمع شجاعتها.
هز رأسه شاكراً وهي تضع الصحن أمامه.. وقالت: تفضل.
- هذا لذيذ.. هل أنت طباخة؟ أنت إيطالية بالطبع؟
- لا.
- جوالة؟
- إنه عمل شريف، يصل مكسبه إلى أعلى من مكسب محام مع أنني كنت حتى السادسة من هذا المساء أقطف التوت البري في المستنقع.
ماذا تفهم من كل هذا يا سيدي اللطيف.. قال:
- إنه عمل يحتاج إلى عضلات.
- أنا فتاة قوية جداً.
مع رنة دهشة في صوته قال:
- أنت هكذا فعلاً..
قبل انتها وجبة العشاء، كانت ساعة المطبخ تشير إلى التاسعة.. ووقفت تجمع الصحون، لدهشتها وقف في اللحظة نفسها التي وقفت فيها، وهبطت يداه على يديها.. شهقتها كانت مثالاً حقيقياً للرعب.. آخر شيء تحتاج إليه الآن هو تورط جسدي مع رجل.. أي رجل، لكن شهقتها جعلته يبتسم.
حاولت جاين المساعدة، لكن مع ثلاثة صحون و كوبين ، لم يكن هناك الكثير من المعاونة.. بينما كانت تقف عند المغسلة، تحاول العمل بعيدة عن الطريق، وجدته يلتصق بها محولاً تفادي ابنته، التي كانت تكافح لتغسل آخر كأس ماء.. ثم استدار وهو لا يزال ملتصقاً بها. وقال ضاحكاً:
- أوه.. أنا آسف لهذا!
------------------------
كانت يداه على كتفيها.. هل ليسندها؟ إنها ملتصقة بالمغسلة، ولا خطر من وقوعها.. لكنها بدأت تضطرب.. فقالت ببرود:
- أرجو ألا تفعل هذا.
ساد صمت مطبق، ثم أبعد يديه قائلاً:
- أجل بالطبع.
لكن، للمرة الثانية دل صوته على شيء من .. من الندم، دعك من هذا سيلي، ندم؟ الرجل وحش! أمن الممكن ، بحق الله ، أن ينجب هذه الابنة الجميلة الفاتنة؟ المتثائبة؟
- أنظر إلى هذا.. المسكينة غائبة عن الدنيا، وأعتقد أن لديها مدرسة في الغد؟
تلقت قوة عينيه الزرقاوين:
- ليس بالضبط.. إنها لا تذهب إلى المدرسة في هذه الأيام.. لكنني واثق أنها متعبة ، كنا ننام في أمكنة مختلفة مؤخرا، وهي لا ترتاح في مكان غريب.
- أوه.. ألم يصل الأثاث بعد؟
رد بحزن:
- لا.. يبدو أن أمامنا ليلة تخييم أخرى، مع فراش على الأرض.
- لكن.. لا يمكنها..
أطبقت فمها بجهد كبير قبل أن تكمل: لا يمكنها أن تنام على الأرض الفتاة المسكينة.. ولدي غرفة نوم فارغة و سرير إضافي في غرفتي.. لكنها لو أنهت الجملة، لصادفت متاعب كثيرة، هل أدع الفتاة تبقى، بينما أطرد أباها ليعود إلى كيس النوم؟ أم أتجاهلهما معا، واتمنى أن يبتعدا عني؟ ماذا أفعل؟ كان يحدقان بهما معا .. جاين بعينيها الزرقاوين الواسعتين، وجهها المليء بالتفاؤل.. وهو ببسمته الجانبية التي تغير معالم وجهه و تجعله يبدو.. غير بشع..
توصلت سيلي، أخيرا إلى الحل.
- لا يمكنك أخذها إلى المنزل لتنام في كيس النوم، لدي غرفة إضافية.. لماذا لا تقضيان معاطيلة الليل هنا؟
سألها بأدب:
- ألن يكون هذا إزعاجا لك؟استدارت تنظر إليه.. هذان الحاجبان الكثيفان السوداون، فوق عينين زرقاوين قاتمتين، إنه وجه بدائي التكاوين! وهذا اللمعان وراء عينه، والالتواء على زواية فمه المستقيم الوقور..
اللعنة! لماذا يضحك عليها ثانية؟.. اللعنة على هذا الرجل ! ردت باتزان:
- أبداً.. تعالي جاين، لنعطك حماماً و ندخلك الفراش.
مدت الفتاة يداً و اثقة و ذهبت معها، تترك والدها قرب مغسلة مليئة بالأطباق القذرة.
لأول مرة تدفقت مياه الحمام نظيفة.. و سرعان ما كانت الفتاة في أحد السريرين في غرفة النوم، تقول لها:
- أيمكنك سرد قصة عليّ؟
هذه أزمة أخرى.. لكنه تدريب جيد.. لربما أصبحت سيلي أماً لطفل.. أليس كذلك؟ بعد تفكير مطول، تذكرت قصة الدببة الثلاثة، و أخذت ترويها، فضحكت الطفلة للدقائق الأول ثم صمتت.. فجذبت سيلي نفسها من عالم الحلم الصغير، ونظرت إليها.. إنها تغط في النوم.
الصحون.. ارتدت ثوب النوم و فوقه الروب ثم نزلت لتغسل الصحون، وجدته في المطبخ يغسل آخر طنجرة طعام، ويدندن نغماً فأستدار حين سمع صوتها خلفه.
قالت:
- ماكان عليك فعل هذا.
- وما كان عليك إطعامنا.
عادت تلك البسمة الجانبية.. فتنهدت:
- لست أفهم لما يرغب محام العيش في مكان كهذا.
- أنت هنا منذ مدة كافية.. وبكل تأكيد تعرفين أن " كاب كود" منتجع صيفي؟ يتدافع الناس إلى هنا في الصيف.. لذلك لم أجد مكاناً أسكن فيه.
- كان بإمكانك السكن في نزل أو ماشابه.
جفف يديه بحذر في منشفة الصحون وتقدم إليها.. وضع يديه على كتفيها ثانية.. وقال لها:
- لم يحترق منزلنا صدفة.. لذا لن أرسل جاين إلى المدرسة في الوقت الحاضر.. نحتاج لأن نبتعد عن الطريق.. في مكان لا يتوقع الناس أن تكون فيه.. أتفهمين؟
أجل.. قمــر الليل هذا عذر مقنع، أستطيع أن أفهمه.. ولهذا بالضبط أنا هنا، كي لا يفكر أناس محدودون بالبحث عني.. و .. لكن لماذا؟ لماذا؟ يقلق من أن يجده الناس؟ يقول إنه محام.. ويبدو كعضو في عصابة! أيمكن أن يكون؟ أيمكن أن يكون مجرماً يختبئ.. أو ماشابه ذلك؟ لا عجب أن تهرب منه امرأته إذن.
لكنه سرعان ما أخذ يكشف لها عن حقيقته، شدها إليه، و حجب رأسه النور عنها، لامست شفتاه خدها بلطف، و نعومة وحرارة.. تلاشت كل برودة سيلستي بانكوس، وسيطرتها على نفسها، مثل الماء المنزلق عبر مغسلة المطبخ.

**************

2- الجمال كنز مخبأ

كانت قمــر الليل واثقة أنها لن تتمكن من النوم، غرفتها صغيرة، بالكاد تسع السريرين و خزانة أدارج الملابس، والسقف المائل إلى الأسفل فوق نافذة ناتئة إلى الخارج.. استمر المطر طوال الليل ينهمر، يهطل رذاذاً، وأحياناً يصفق المنزل بقوة.. فتناسب الطقس مع حالتها الفكرية، هل أنا حقاً حمقاء إلى هذه الدرجة؟ سألت نفسها هذا السؤال مرات و مرات.. ها أنا أتقاسم منزلي مع رجل لا أعرفه، قد يكون محامياً ، لكنني لا أراهن على هذا، ويمكن أن يكون رجل عصابات.. أيمكن أن يكون العم ليونيل قد استأجر رجلاً كهذا ليتعقبها؟ وارتجفت للفكرة تحاول دفعها بعيداً، لكنها لم تبتعد، فالعم ليونيل قد يفعل أي شيء، إنها مقتنعة تماماً بهذا، وإذا كان استئجار شخص هو الخيار الوحيد فسيفعل، فمؤسسة و يليام بانكوس تضع أربعين مليون دولار أمانة تحت إشراف العم ليونيل.. وهذا ليس بالقليل.. أليس كذلك؟
كانت الفتاة الصغيرة تشخر بنعومة، ووجدت سيلي نفسها تعد الإيقاع، وأغمضت عينيها، فجأة حل الصباح، كانت الشمس مرتفعة، وغارات النورس بصيحاتها الحادة في أوجها و الفتاة الصغيرة ليست هنا، تفحصت ساعتها ، إنها محضرة لترن عند السادسة كالعادة، لكنها إما لم تفعل أو أنها فعلت و لم تشعر بها.. فأحست بالإحراج.. يجب على المضيفة أن تنهض باكراً لتطعم ضيوفها.. لكنها لم تسمع أي صوت من الغرفة الأخرى، وترددت بفتح الباب، فالله حده يعرف ماذا قد تواجه هناك.
أبعدت الشعر عن عينيها و دخلت المطبخ.. لا أحد فيه، إذن لقد خرجا باكراً .. سأحضر لهما الفطور، هذا ما سأفعله. تقدمت إلى المغسلة لترش الماء على وجهها.. فبدت الأمور أوضح، بدأت تسخن الماء لتحضير القهوة الفورية، ثم اتجهت إلى البراد، فوجدت رسالة معلقة على بابه، تقول بخط يد واضح عريض:" مضطر للذهاب إلى العمل.. اعتني بالطفلة، اشتري لها بعض الثياب" تحت الرسالة ورقة عشرين دولاراً.. أخذتها ثم تراجعت لتجلس على أقرب كرسي، تجاهر بكل مافي نفسها.. تشتري ثياباً للطفلة.. بعشرين دولاراً؟ يا إلهي.. لاعجب أن تكون جاين نصف عارية! هذا الرجل ليس لديه فكرة عن كلفة المعيشة هذه الأيام!إذ كانت محظوظة، قد تشتري لها حذاء..
------------------------------------------------------

صفرت الغلاية ، فوضعت الورقة المالية تحت وعاء السكر و اتجهت لتضع القهوة لنفسها.. انحنت فوق الكوب المتصاعد منه البخار، لمحت صورتها في المرآة الصغيرة فوق المغسلة، شعر مبعثر ، روب حقير، ثوب نوم مرت عليه أعوام كثيرة، ربما أنا محظوظة لرحيله.. إلى العمل؟ تفتح كل المصارف عند التاسعة و الآن تشير الساعة إلى العاشرة.. فهل هذا وقت مناسب لسرقة مصرف؟ أم أنه متخصص في الخطف ، أو أي شيء! محام؟ هه! ياله من جريء! حتى دون استئذان، يترك لها ابنته و يذهب" ليؤدي عمله". ياله من متعجرف..
قاطع زمور إحدى الشاحنات تفكيرها المتأثر، وجعلها تقفز واقفة عن كرسيها، لتسكب نصف فنجان القهوة على مقدمة روبها، ثم سمعت دقاً كالرعد على بابها.. أوه يا الله.. liilas.com وازداد الدق.. فتوقفت عند السلم، ربما هناك وقت للصعود و ارتداء بنطلون؟ لكن.. تنهدت لنفسها: سيتهاوى المنزل إلى كومة حطب تحت يد الطارق.
صاحت: إنني قادمة، قادمة..
أمسكت أطراف الروب بيدها، وتقدمت إلى الباب تشد القفل الضخم، ثم فتحته قليلاً.. كان هناك شاحنة ضخمة مقفلة أمام الباب عليها لا ئحة " رايدنت، إخوان" وأمام بابها أضخم رجلين ممكن أن تقابلهما.. فتحت الباب وقالت متحدية: حسناً؟
قال الأقرب بصوت أجش:
- الأثاث.
- كم هذا رائع، أنا لا أريد أثاثاً.
قال الرجل:
- لجيرانك.. ترك هذه المذكرة على الباب.
أعطاها قطعة ورق مجعدة" راجع السيدة الجارة" فقالت بعناد:
- حسناً لقد رأيت كل ما ستراه مني، فهل لك الآن أن تذهب من هنا أرجوك.
- يجب أن تقولي لنا أين نضع الأثاث سيدتي.
- في الردهة.
- نحن لا نقوم بعمل كهذا، هيا سيدتي ، لن يطول الأمر أبداً، ولدينا أربع توصيلات بعد هذا الصباح.. وقتنا ثمين.
كانت على وشك أن ترد بأن وقتها كذلك ثمين.. لكنها تذكرت بأنه لم يعد ثميناً على الإطلاق.. عملها انتهى.. وكسيدة مرتاحة من حقها أن تستلقي طوال الصباح لو ناسبها هذا.. سيدة؟ هاه!
قالت:
- يجب أن أرتدي ثيابي.. عشر دقائق فقط.
قال لها أحد الأخوة رايدنت:
ليس لدينا عشر دقائق.
ردت متجهمة:
- اذهبا إلى الجحيم.
وصفقت الباب في وجهيهما لتركض صاعدة السلم، ليس لديها الوقت لتختار ملابسها، فالإخوان رايدنت يطرقان بابها.. ارتدت بننطلون بني قاتم، لكنه واسع .. لقد فقدت الكثير من الوزن منذ غادرت بسطون، بعد أن تركت العمل لدى العم ليونيل.. بعده بلوزة بيضاء حريرية، هزت كتفيها، أمسكت سترتها الصفراء الواقية من الريح، وارتدت حذاءاً مسطح الكعبين، لتسرع إلى الأسفل قبل أن ينخلع الباب.. أمسكت المقبض لتبعد الباب بما يكفي و صاحت:
دع بابي و شأنه.
-------------------------------------------------------
أحتاج إلى فنجانين من القهوة.. كيف أستطيع دون فنجانين من القهوة؟ كانت لا تزال تتذمر وهي تشق طريقها عبر الممر الخارجي الذي يفصل بين المنزلين.. كانت جاين تجلس على الدرجة الأولى من السلم، وقالت الصغيرة باهتياج:
- لدي المفتاح، ولكنني لا أعلم كيفية التصرف..
ذاب غضب سيلي، ومدت يديها تأخذ الطفلة بيد و المفتاح في الأخرى.انفتح خلفها باب الشاحنة الخلفي، ونظرت من فوق كتفها..كان الأخوة رايدنت يحملون صوفا على الطريق.. ولمدة ساعة، وقفت قمــر الليل أمام الباب تعطي توجيهات عشوائية إلى مكان وضع كل قطعة تدخل .. وكانت جاين تضغط في السؤال:
- أواثقة أن كل شيء على مايرام؟
- إذا لم يكن، فعلى والدك أن يقلق نفسه بالأمر، فأنا نكدة المزاج عادة في الصباح.
وترد جاين:
- أستطيع أن أعتاد على هذا.. هذه آخر قطعة كما أظن.
أمسك الرجل بحاملة ورق عليها نسخات.
- وقعي هنا.
- لماذا؟
- يجب أن أحصل على توقيع استلام.
حسن جداً يارجل، إذا كان هذا ماتريده.. وبيد رشيقة كتبت في آخر الورقة" اليانور روزفلت".
نظر إلى الورقة بسرعة وقال:
- شكراً سيدة روزفلت.
صححت له: آنسة.
ورحلا.
شدت يدها:
- تعالي، أنت بحاجة إلى فنجان قهوة.

- بل ثلاثة.
- أنت أسوأ من أبي.. إنه مدمن كافايين، سيدة روزفلت، يالها من كذبة قلتها لذلك الرجل!
ضحكت سيلي:
- إن هذا ما أراد أن يسمعه.. ولا تكلميني هكذا، أنا كبيرة بما يكفي لأكون أمك.
شدتها الصغيرة إلى منزلها:
- صحيح! ألن يكون هذا أمراً رائعاً؟
قالت سيلي لنفسها:
لا تتفوهي بكلمة، كنت تعرفين منذ الأمس أن الصغيرة تبحش عن أم, ما أنت .. مجنونة؟ آخر شيء تحتاجين إليه في الدنيا أن تكوني أماً لشخص ما.. والأصعب منه هو التورط عاطفياً مع رجل بشع!
لكنه لم يبدُ بشعاً يوم أمس حين قبل خدك.. صاح بها عقلها اللاواعي " اخرسي!"
سألت جاين:
- ماذا؟
- لاشيء.. كنت أكلم نفسي.. تعالي إلى المطبخ لتحضير وجبة الطعام.
أثبت تفتيش سريع لخزانة المطبخ أنها فارغة، هكذا نظفتها سيلي بسرعة، وأطعمت جاين البيضة الباقية و قطعة لحم صغيرة، وقطعة توست و أشربتها عصير البرتقال، واكتفت هي بثلاثة فناجين قهوة، وقطعة توست محروقة..أكلت الطفلة و كأنها لم تأكل منذ أسبوع.. ليس لأنها تظهر تصرفاً غير لائق على المائدة.. بل لأنها جائعة!يا للطفلة المسكينة!
بدأت تقول:
- حسناً.. أول شيء يجب أن تفعله..
وصمتت، تنظر إلى نفسها في المرآة، ثم إلى جاين.
- أول شيء ماذا؟
ضحكت سيلي:
- أول شيء أن نغسل شعرنا.. معاً!
-----------------------------------------------------
أخذ هذا العمل وقتاً، وعند الواحدة كانت سيلي تجلس على الكرسي في المطبخ تمشط شعر جاين الجميل وتسأل:
- هل كان شعرك دائماً قصيراً هكذا؟
تنهدت الفتاة:
- لا.. كان طويلاً، لكنه احترق.. إنه شيء غريب للشجار حوله، أليس كذلك؟
- ماهو؟
- شعري..أمي كانت تريده طويلاً، وأبي قال يجب أن يكون قصيراً.. وحدث بينهما شجار فظيع.
- حول شعرك فقط؟
- لا.. لكنه كان آخر شيء، كانا يتشاجران حول كل شيء، لا أظنهما كانا يحبان بعضهما كثيراً.
- لا تقولي هذا.
جاء الصوت من خلفهما، ودخل الأب.. كان وجهه ملتوياً بعاطفة لم تستطع سيلي الحكم عليها،و أكمل:
- أمك ضحية الحرب، ولم يكن لدي عقل لأفهم هذا.. لا يجب أن نلومها على كل شيء، أتفهمين جاين؟
ركضت الصغيرة إليه، لفها بين ذراعيه و جلست على الكرسي الوحيد الفارغ.. وملأت له سيلي فنجان قهوة.. liilas.com فنظر إليها نظرة امتنان سريعة، وعاد إلى ابنته التي قالت:
- أنا .. حسن جداً أبي.. لا أفهم حقاً .. لكن..
ضمها إليه أكثر ورفعها عن الأرض ثم وضع وجهها الصغير على وجهه ليكرر وهو يهدهدها:
- لايجب لأحد منا أن يلومها يا ابنتي.
وتركها.. أمسك فنجان القهوة ليضمه بين راحتيه و يحتسي منه.. تلاشى الإحساس بالتوتر من الغرفة.. ثم ابتسم إحدى ابتساماته الملتوية لسيلي:
- ماذا فعلت؟
- ليس الكثير.. وصل الأثاث.. وتناولنا الفطور.. غسلنا شعرنا؟ .. وكنت على وشك الخروج للتسوق مع جاين.
- أين؟ بعيد من هنا؟.
- لا.. ليس بعيداً .. عادة أذهب إلى " كايباون ميل" إلى مخازن " هيرتلاندفور".
أختفت ابتسامته، ليحل محلها العبوس الذي زاد من كثافة حاجبيه، و انعكست البرودة من عينيه الزرقاوين:
- ليس اليوم.
ردت:
- لكن يجب أن آكل.
هز كتفيه يرد برد أوروبي متعجرف وقال:
- كلنا يجب أن نأكل، لكن جاين لن تذهب ، أليس هناك محل صغير في بلدة" ساندويش" أو مكان آخر مشابه حيث يمكنك إحضار ما يكفي من طعام حتى الغد؟
- أنا واثقة من هذا.. و أستطيع الذهاب إلى هناك.. لكن ليس دون تفسير.
تمتم:
- وهل النساء كلهن مزعجات هكذا؟
- نحن نصبح هكذا بتعرفنا لرجال مثلك..حسناً؟
- ألديك هاتف؟
هزت كتفيها:
- عملي يومي وعادي.. لا أحتاج إلى هاتف، ولا أستطيع تحمل رسومه.. والهاتف عادة..
صاح بها تفكيرها.. توقغي حيث أنت.. توقفي .. هذا الرجل ليس مغفلاً..إنه يفكر.. كما يفكر الآن!
-----------------------------------------------------
تسللت النصف ابتسامة إلى وجهه، لتحوله، مع لمسة، إلى سحر طفولي.. ضحك:
- أجل..الهاتف عادة مسجل، و الأسماء موقعة وتنتشر في دليل الهاتف.. صحيح؟
- ليس دائماً.. قليل من المال يجعله رقماً غير مسجل.. كل ما يلزم هو المال.
- مشكلة مهمة.. لكننا سنعود إليها فيما بعد.. اسمعي.. مشكلتي بسيطة.. أنا هنا مؤقتاً، وعملي له علاقة مع مكتب مكافحة المخدرات.. قرر أشخاص محدودون في هذا العمل إصدار حكم سياسي.. مثل إحراق منزلي ومثل إرسال فرقة إعدام، لإبعادي عن الطريق، ونحن نعتقد أننا قبضنا عليهم جميعاً.. لكننا غير واثقين.. لذلك أنا بحاجة إلى يوم آخر من العزلة، ثم تصبح بأمان.
- فرقة إعدام!
- فرقة مجرمين.. إنه عالم معقد.. لقد حركنا الفوضى في تجارة المخدرات الكولومبية.. فاسـتأجروا فرقة إعدام عالمية لتلاحقنا.. صحيح أن هذا صعب التصديق، لكن أمور كهذه تحدث.
فجأة أحست سيلي بنفسها يضيق، وتهادت على كرسيها.
- صحيح.. صعب التصديق.. ليس هنا.. لا يمكن أن يكون!
- صدقي.. الأمر يحدث أكثر مما أريد أن أعترف.. العمل في المخدرات صعب و معقد.. الخطر يلاحقنا أينما كنا.. فهمت الآن لماذا لا أريد أن تخرج جاين معنا؟
تنهدت:
- أجل .. أفهم هذا، أجد صعوبة في التصديق لكنني فهمت.
مافهمته و لم تشأ أن تقوله إنها لم تكن واثقة من صحة كلامه.. قالت:
- إذن، بما أنك هنا، بإمكانك استرجاع ابنتك ، لأذهب إلى التسوق بمفردي.
تأوهت جاين:
- أووه.. لكن هذا ليس مسلياً جداً.
رد والدها بحدة: اصمتي.
قالت سيلي بفضب:
- لا تكلم أي طفل بهذه الطريقة..خاصة هذه.
- ولماذا هذه؟
قاطعتهما الصغيرة:
- لأن سيلي تحبني.. وأنا أحبها .. لهذا السبب.
قالت سيلي:
- وهذه ليست طريقة لتكلمي أباك.
ضحك توري ناي، وبعد لحظة عجب، انضمت ابنته إليه فشهقت سيلي:
- هذا ليس بالأمر المضحك.
كان هناك دمعة تتكون في زواية عينيها.. وبدلاً من أن تدعه يراها ويمتع نفسه، خرجت من المطبخ و صفقت الباب وراءها.
خلف عربة المشتريات، وهي تجوب مخزن الأطعمة، كان وجه يستمر في الوقوف في طريقها.. توري ناي، ياله من رجل غريب، أو شيطان أم بطل؟ محام أو مجرم؟ بسيط أم .. إنه ليس بقبيح على أي حال.. أليس كذلك؟ ربما كان الضوء هو السبب في أول يوم.. أو واقع أنها كانت متعبة جداً.. لكنه ليس بالوسيم، بالطبع ، لكن ما الذي يزعجها؟
وجدت الهدف بعد تفكير مطول، liilas.com منذ اثنتا عشرة سنة.. أم ثلاثة عشرة؟ حين جاءت عمتها ديانا إلى منزل جدهم تزورهم لشهر واحد ، وأخذت الفتاة الصغيرة الضائعة تحت جناحها.. فتاة صغيرة كانت تحاول جاهدة أن تكون صبياً لتكسب عطف جدها.. ووفي هذا الشهر القصير، تحولت إلى فتاة حقيقية، بشعر ممشط، وفساتين مناسبة، وقصص وقت النوم، كانت العمة ديانا تقرأ لها قصة" الجميلة و الوحش" وقالت لها بإصرار:
- الكنوز مخبأة.. والجمال ليس بمستوى البشرة.. الجمال عميق في الداخل، في القلب.. إنه كعرق الذهب عليك أن تحفزي عميقاً لتجديه.. وليس بالإمر سحر.. الجمال كنز مخبأ عليك فقط أن تجديه.
-------------------------------------------------------
لاحقتها الفكرة طريق العودة إلى " نافيكايشن لاين".
عندما وصلت، هرع ناي لمساعدتها على حمل أكياس البقالة و إدخالها إلى المنزل.
ما إن أنهيا نقل المشتريات، وضعها في أماكنها المناسبة، حتى ساعد سيلي في ترتيب المطبخ، إلا أن أفكارها بدأت تتشابك في رأسها.
كان يقف في منتصف المطبخ، يطوي الأكياس الورقية التي كانت تحوي الطعام وقال لها:
- هناك شيء ما في دماغك.
- أجل.
- حسناً.. أخرجيه إذا كان مضحكاً، يمكنني الاستفادة من الضحك.
- لا أظنك سترى شيئاً فيه.
ابتسم لها:
- لن تعرفي هذا حتى تجربي.. معروف عني أنني أضحك من وقت لآخر.
- أتعدني أن لا تغضب؟
- أعدك بصدق أن لا أغضب مهما كان الأمر.
تفحصت وجهه، ثم قالت:
- أغمض عينيك.
هز كتفيه و أطاع، تقدمت إلى الأمام، تتابع تفرسها.. ففتح عينيه وقال:
- ليس لدي اليوم بكامله.
- أغمض عينيك.
ابتسم نصف ابتسامة، و أغمض عينيه.. فجمعت قليلاً من الشجاعة تقول لنفسها: لن تعرفي إذا لم تجربي.. أتريدين أن تعرفي أم لا؟ بالطبع أريد.. تسللت كلتا يداها حول عنقه، وتشابكتا في شعره الناعم، لم تكن رائحته عرق و دخان سكائر، ولا حتى حلوى بالنعناع.. رائحته كانت ، دافئة و مثيرة للإهتمام.
كانت قمــر الليل مثيرة لدرجة أنه حين لف ذراعيه حولها و ضغطها بقوة على جسده الحديدي، فاجأها.. وفتحت فمها لتحتج.. لكنها لم تعد تستطيع السيطرة على مشاعرها.. ولحسن الحظ، هو الذي قام بالمبادرة.
تغير عالمها كله، تطاير الدفء و اللطف أمام هجوم العواطف التي قرأت عنها لكن لم تتوقع يوماً أن تشعر بمثل هذه الأحاسيس الجياشة و استمرت هكذا إلى أن وجدته يبعدها قليلاً.
أبقت عينيها منخفضتين، محاولة إخفاء مشاعرها خلف رموشها الطويلة، إلى أن تمكنت من استعادة سيطرتها على تنفسها، أحست بضعف عجيب في ساقيها، إلى درجة أنها تمسكت بساعده لتبقى مستوية.. وحين استعادت توازنها نظرت إليه، لتجد نظرة تعجب على وجهه.. نظرة .. لابد أنها نظرة تسلية.. وللحظة سريعة، هالة من الوسامة! يا إلهي!
سألها بلطف:
- وماذا يبرهن كل هذا؟
لولا أنني أعرف لأقسمت أنه يلاقي صعوبة في التنفس، لماذا كل هذا؟ يا إلهي، لقد نسيت كل شيء.. لماذا؟
تنهدت:
- لا أستطيع أن أتذكر.. أتريد العشاء؟
تغيرت لأموربعد العشاء.. تناولوا حساء الطماطم و سندويشات الجبن المحص.. وأعلنت جاين أن هذه أفضل وجبة تناولتها.. وقال والدها:
- ليس تماماً.. لكنها من بين أقل الوجبات..
وتابع كلامه، بينما جلست سيلي محمرة الوجه لا تستطيع الكلام..
وضحك مكملاً:
- طباختنا أصيبت بالخرس.. تعالي جاين، لنخرج و نتمتع بالشمس قبل أن تستعيد وعيها و تجبرنا على تنظيف الصحون .
سألت نفسها فيما بعد وهي تجلس جامدة في نصف ذهول:
ولماذا أريده أن يفعل هذا؟
حثت نفسها على الوقوف لتبدأ بتنظيف الصحون بنفسها، لا يحتاج غسل ثلاثة أطباق و ثلاث ملاعق و صينية إلى ساعة كاملة، لكن هذا ما حصل ، كانت لا تزال تحلم و يديها في المياه الباردة، حين عاد إليها يسأل:
- هل لديك منظار مكبر؟
----------------------------------------------------
- من ؟ أنا؟ منظار؟
كان صعباً عليها أن تتجنب رجفة صوتها، لقد شدها من عمق حلم دافئ عظيم، كرهت أن تغادره إلى العالم البارد للصحون القذرة و المنظار، لكن الطريقة التي كان يسأل فيها أقلقتها، فسألت
- أهناك متاعب؟
- لست واثقاً.. لكن حين أكون غير واثق، أستنتج بأن متاعب أمامنا.
- من أي نوع؟
لوح لها بخريطة في يده نحو الميناء إلى الكثبان الرملية التي تشكل مضيق " ساندي نك" في الطريق و قال ببطء:
- هناك شخص في المضيق.. شخص يبدو أنه مهتم بما يجري في هذا الجانب من العالم، يراقبنا بمنظار مكبر.
وضع يده على كتفها، وأحس بارتجافها:
- هاي.. لا تأخذي هذا جدياً، فحسب خريطتي قد لا يكون يراقبنا.. يمكنه أن يراقب أي شيء في المنطقة.. أكنت تتوقعين أحداً؟
همست:
- أجل.. في يوم ما.
شدها إليه بكلتا يديه: لا تجزعي.
أراحت رأسها على قماش كنزته و تنهدت:
- أنا لا أستطيع.. كنت أتوقع أحداً، في مكان ما ، لستة أشهر، لكنني كنت آمل.. أملت أن لا يأتي أحد قبل كانون الثاني.. أو شباط.. و الآن، إنهم هنا.
كان من المستحيل منع الدموع، ضمها إليه بدفء ومواساة، دون أن يتفوه بكلمة إلى أن أجهشت في البكاء.. فقال:
- ربما ليس من تظنينه.. فلا تتركي الأمر يقلقك.. سأتخذ بعض الخطوات.
سألت بمرارة:
- وماذا تستطيع أن تفعل؟
ضحك:
- لاتشغلي رأس الصغير بهذا.. لا تهتمي لشيء، حبي الصغير سأذهب إلى هناك و أقدم إلى ذلك المجهول، عرضاً لا يمكن أن يرفضه.. أتهتمين بجاين لفترة قصيرة؟
هزت رأسها له بتجهم صامت، وراقبته يشد بنطلونه و يخرج من الباب.. حبي الصغير؟ لست أدري liilas.com كم من الوقت مر منذ دعاني أحد بالصغيرة.. وحبي؟ أتساءل، أيعرف ما يقول؟.. ربما هذه كلمة تحبب عادية يستخدمها الناس هذه الأيام.. لكنها لا تبدو لطيفة.. أليس ذلك؟ ثم ما قاله بعد: سأقدم عرضاً لا يمكن أن يرفضوه.. يا إلهي.. ما الذي ورطت نفسي فيه.
لكنها رمت مخاوفها و تمكنت من جمع ما يكفي من الشجاعة لتخرج إلى الفناء الخلفي الصغير و تجلس لتحدث جاين، بينما كان والدها يتحرك بسرعة نحو الطريق العام رقم ستة.

**************

لم يرجع حتى وقت متقدم من المساء.. جاين كانت متعبة، ويبدو منزلها فارغاً، مهجوراً، فأخذتها سيلي إلى غرفتها لتضعها في أحد السريرين.. و نامت الصغيرة قبل أن تنهي سيلي صفحتين من القصة فتسللت إلى الطابق الأسفل، تاركة باب غرفة النوم مفتوحاً في حال صحت جاين مستغربة.
كان اليوم قد انتهى ببهاء متوهج، والشمس تهبط من وراء حوافي الغيم.. بدا المستنقع الكبير هادئاً و النورس هاجعاً في أعشاشه، وطيور الخطاف تقوم بآخر جولة لها فوق الأراضي الواسعة.
استوعبت سيلي كل هذا الجمال وهي تتأمل.. كان هواء الليل بارداً.. فعادت إلى الداخل لترتدي سترتها الواقية من الريح، وأخذت كرسيها الطويل الوحيد، لتخرج إلى الفناء الخافي.. كانت لا تزال هناك، مسحورة بجمال الليل، حين وصل بسيارته.. في خلال لحظات استدار حول المنزل، واندهش لرؤيتها متمددة هناك على الكرسي الطويل.. وسأل:
- أين جاين؟
-------------------------------------------------------
- في غرفتي.. إنها نائمة، لم أعرف متي ستعود، ولم يبدُ لي من الصواب تركها وحيدة في ذلك المنزل الفارغ.. لن أستطيع تقديم كرسي لك، لأنني لا أملك سوى هذه .. أترغب في فنجان قهوة؟
ضحك:
- بالطبع.
ثم بدا عليه الجد و أكمل:
- أنت و أنا يجب أن نتحدث.. وفنجان من قهوة جيد قد يجعل الحديث أسهل.. أتريدين أن أرفعك؟
دون تفكير مدت يدها، فرفعها بلطف لتقف.. مشت أمامه إلى المطبخ ووضعت الغلاية على النار.. أقفل الباب الخلفي ووضع الرتاج.. فسألت
- بكل تأكيد ليس بهذا السوء؟
- أوه.. أتعنين الباب؟ إنها العادة..
جذب كرسي مطبخ و جلس.. كانت قمــر الليل يداها منشغلتين بتحضير القهوة، مهمة مألوفة، استمر تفكيرها بالدوران بعنف.. بدا لها متغيراً.. ومن الصعب القول كيف.. وجهة متجهم..لكن فيه شيء مختلف.. متاعب؟
ما إن ملأت كوبي القهوة و نقلتهما إلى الطاولة حتى جلست وقالت:حسناً.
ارتشف القهوة.
- حسناً.. ماذا؟
تنهدت.. اللعنة على الرجل، إنه يحاول أن يكون صعب التعامل:
- لقد غبت مدة طويلة، ولا شك أنك اكتشفت شيئاً، أو فعلت شيئاً، أو تحدثت إلى أحد؟
- فعلت كل هذا.. وما إن أستطيع وضع شفتي فوق كوب القهوة الساخن، فسأخبرك بكل شيء.
تذوق القهوة ثانية، وفكر قليلاً، ثم وضع الكوب من يده وقال:
- قبل أي شيء، يبدو أن متاعبنا، أنا و جاين، قد انتهت.. ال أف بي متأكدة أنها وضعت يدها على فريق الإعدام، وهذه أخبار جيدة.
عاد إلى كوبه يرتشف ثانية، فتنهدت، تحاول منع شفتها من الارتجاف.
- إذن، أعتقد أنك سترغب في الانتقال من هذا المكان القذر.
كان سيئاً جداً أن ينتقل هو و ابنته إلى مكان عزلتها الرائع.. لكن الأسوا التفكير بأنهما راحلان.. لماذا؟ إنها لا تعلم.. قال:
- لا.. لا ننوي الانتقال من هنا لفترة.. جاين أحبت المكان.
- لا أفهم لماذا.. فأنت لا تسمح لها بالخروج من هنا، وكأنها في سجن.
- لا تجعلي هذا يبدو درامياً.. من هو ليونيل والدون؟
تلعثمت:
- لماذا.. لماذا تريد أن تعرف؟
- أهو شخص تعرفينه؟
- أنا ..أجل.
- هذا كل شيء..مجرد رجل!
ضمت يديها معاً بقسوة لتوقف ارتجافهما: أجل.
- اسمعي.. قد لا تصدقين، لكنني أحاول مساعدتك.. أنا إلى جانبك.. والآن ..من هو ليونيل والدون؟
- أنا ..إنه.. العم ليونيل.. إنه ليس عمي بالضبط، بل ابن عم بعيد لأمي..أين سمعت باسمه؟ يا إلهي..
دفعت كرسيها إلى الوراء ووقفت.. الغضب و الخوف يتقاسمانها، رفعت قبضتيها و كأنما تهدده، وقال بنعومة:
- لا تنفعلي هكذا.
استدار حول الطاولة قبل أن تعرف ما يهدف إليه، أحاطها بذراعيه.
خفف الدفء، الطمأنينة، الإحساس بالاعتماد عليه، من مخاوفها، وقال متمتماً في شعرها.
- أخبريني ما الامر.
----------------------------------------------------
واسترخت تماماً لأول مرة منذ أكثر من سنة، تنهدت:
- لقد بدأ هذا منذ زمن بعيد.. جدي كسب ثروة من المضاربة في البورصة.. كان.. كنت أنا حفيدته الوحيدة والذي مات في الحرب قبل أن أولد، وماتت أمي وهي تلدني، لم يكن لي أحد.. جدي فقط.. أخذني، و رباني، لكنه كان يريد صبياً، و عاملني كصبي.. كان يدعوني " صغيري سيل" .. لكنني كبرت، وما إن بلغت الثانية عشرة حتى لم يعد يستطيع خداع نفسه.. liilas.com عندما توفي كنت في الخامسة عشرة، مر علي وقت و أنا وحيدة، لكن حين جاء العم ليونيل ليعيش معي.. تمنيت لو أعود وحيدة مرة أخرى! لكن المال..
- وما شأن المال؟
- جدي لم يترك المال للعم ليونيل، ولا لي، بل تركه لمؤسسة و يليام بانكوس.. أربعون مليون دولار.. مكاسب الاستثمار من المفروض أن تذهب إلى أعمال خيرية.. ويجب على العم ليونيل، كوصي لي أن يسيطر على المؤسسة حتى أبلغ الحادية و العشرين، حسب وصية جدي.. ثم .. من المفترض أن أتولى الأمر.
- وماذا حدث؟
- ثابرت على الذهاب إلى مكاتب المؤسسة وعلى طرح الأسئلة.. و..
- و.. ماذا؟
- أجبرني العم ليونيل على التوقف.. قال إنني لا أملك الدماغ المناسب للأعمال، وتحدث عن إرسالي إلى مدرسة تدربني لأكون أمينة مكتبة، أنا.. أتصدق هذا؟
- أصدق، وتستغرق خمس سنوات.. يجب أن تنالي درجة جامعية، ثم ماذا؟
- تخرجت من الثانوية ورفضت الذهاب إلى الجامعة.. طلبت عملاً في المؤسسة.. ووجده لي، في غرفة الكومبيوتر؟
- أجل.. أصبحت متطفلة وأنا في الثالثة عشرة.
- وتطفلت على برنامج المؤسسة السري؟
- لم أتطفل.. اكتشفت فقط رمز الدخول.. لكنهم في النهاية اكتشفوا الأمر.
- وماذا حدث؟
- كنت وقتها في العشرين، في صباح أحد الأيام تأخرت بالخروج إلى العمل.. وأنا أمشي في ممر المنزل، سمعت العم ليونيل يتحدث على الهاتف من المكتبة، وذكر اسمي، فلم أستطع منع نفسي من الإصغاء.. أنت تفهم هذا؟
رد:
- أجل.. أفهم هذا سيلي.
لكنها استطاعت سماع الضحك خلف كلماته، فاندفعت بعيداً عنه، واتجهت إلى باب المطبخ، فصاح بها:
- هاي.. سيلي.
وقفت تنظر إليه من فوق كتفها، تقول بشراسة:
- آخر ما أحتاجه في العالم، هو متذاكٍ آخر حياتي، هل ستأخذ ابنتك معك؟ و أرجوك، لا تصفق الباب بعد أن تخرج.
كانت راضية بخلاصها، لكن سرعتها لم تكن كافية فتمكن من الحاق بها بسهولة، وضع يديه على كتفها و أدارها نحوه، قال بهدوء:
- ذهبت إلى مضيق" ساندي نك" مع صديقين.. ومن تظنين وجدناه يتلصص عند الرمال؟
ردت ببرود:
- ليس لدي فكرة، ولا أظن أنني أعرف ، لكنك ستقول لي على أي حال.. أليس كذلك؟
- حسناً، كما قلت، ذهبت مع صديقين إلى " ساندي نك" وهناك وجدنا كرايغ هورشو.. أتعرفينه؟
- لم أسمع به في حياتي.. هل انتهيت؟ من هو؟
وأطلقت تثاؤبة.
- السيد هورشو تحر خاص من بوسطون.. هذه القهوة بردت، هل لي بغيرها؟
صاحت به ساخطة:
- لا تطل الأمر.

---------------------------------------------------
انحنت فوق الطاولة تنظر إليه، فقال ضاحكاً:
- همم.. عينان خضراوان، أنا لم أرهما في النور من قبل.. رائعتان..
أحب العيون الخضراء.
صاحت مجدداً:
- السيد هورشو.. ماذا عنه؟
- أتعلمين.. أظنني بدأت أجوع.. مارأيك ببيض مقلي على طريقة الغرب، أو أي شيء بسيط مثله؟
قالت بغضب:
- سأعطيك شيئاً بسيطاً.. على قمة رأسك.. ولن تحصل على غير هذا في هذا المنزل إلى أن تخبرني كل شيء عن هورشو!
مدت يدها تمسك بمقبض المقلاة الموضوعة على الطباخ، فقال:
- حسناً.. حسناً ضعي سلاحك من يدك، و سنتحدث عن السيد هورشو خاصتك.
- إنه ليس خاصتي..!
ارتجفت يدها فوضعت المقلاة على الطاولة، فقال ساخراً:
- إنه خاصتنا معاً.. رجل رائع شاب مع منظار مكبر، وكاميرا بعدسات بعيدة المدى.. بعد قليل من الإقناع، تكلم عزيزنا السيد هورشو بحرية.
تمتمت:
- أراهن أنه فعل.. لقد عرضت عليه مالا يستطيع أن يرفضه.
ابتسم لها، كأستاذ استطاع أخيراً الحصول على الرد الصحيح من تلميذ كسول.
- بالضبط، بالضبط.. وأفضى لنا بأسراره، يبدو أن السيد ليونيل والدون استأجره للبحث عن قريبته، الآنسة سيلستي بانكوس .. كنت تكذبين علينا.. أليس كذلك آنسة ايميري؟
احمر وجهها، وأخفضت عينيها، فأكمل:
- إذن، يبدو أن السيد كان ناجحاً! ولحسن الحظ لم يكن قد أرسل بعد أول تقرير له إلى بوسطن.. لذا، لا زال ليونيل والدون يجهل وجودك هنا.
شحب وجهها، وقالت لنفسها مصممة: أنا لا أخاف العم ليونيل، لا أخافه، لكنني أخاف مما قد يفعله بي لو ضع يديه عليّ.. وترنحت تحت وطأة مشاعرها المتشوشة.. مد توري ناي يده ليهديها، ثم أعادها إلى الكرسي.
فجلست قمــر الليل كئيبة الوجه، تابع توري كلامه:
- والآن.. كنت تتكلمين عن طفولتك وجدك، والكثير من المال، وعمك المزعوم.. ثم عن دخولك إلى الرمز السري لكومبيوتر المؤسسة.. ووجدت شيئاً .. ماهو؟
- أنا.. هم.. لا شيء من المال كان يذهب إلى الجمعيات الخيرية.. كانوا يستخدمونه كله لأنفسهم.. العم ليونيل، ابن العم رايد ، وأقربائهم.. ولا بنس واحد للجمعيات الخيرية خاصة في السنوات الثلاثة الأخيرة.. ولا بنس واحد.
- آه.. هكذا الأمر إذن.. ثم تأخرت يوماً عن الخروج إلى العمل، وكنت في الردهة..أين؟
- في منزل جدي، في بوسطن.. كنت أعيش دائماً هناك، ثم انتقل العم ليونيل ليسكن معي، واريد ، ثم مجموعة من الآخرين.
- ابن العم رايد؟
- ابن عم بعيد.. يريدني العم ليونيل أن أتزوجه.. لكنني لا أستطيع.. إنه حتى لا يعجبني.
- وهذا ما يعيدنا إلى القصة .. كنت مسرعة في الردهة، وسمعت عمك يذكر اسمك في الهاتف.. فاستمعت.. ماذا قال؟
- كان يومها عيد ميلادي.. أتفهم..
كانت تتحدث بصوت منخفض جعله يقرب كرسيه ليسمع:
- كان عيد ميلادي العشرين و أحسست أنني على قمة العالم، حين سمعته يذكر اسمي، توقفت لأستمع.
- ثم؟
- قال: لن نقلق حول تدقيق الحسابات و لا التفتيش، إذا لم تبلغ سيلستي الحادية و العشرين.
---------------------------------------------------
سمعت أنفاسه .. والتمعت النظرة الباردة في عينيه مجدداً، ثم عادتا إلى طبيعتهما، إنه رجل قوي، بشع، وأفكاره سوداء.. تدفقت دموعها، قطرات صامتة، ليس خوفاً، ولا لتذكرها ما قاله العم ليونيل، بل ، لأنها افتقدت شيئاً في توري..اختفى بعض اللطف و الجمال منه.
مسحت دموعها.. فسألها:
- وكان هذا ما دفعك للهرب؟
- أجل.. هربت، فكرت بالأمر كثيراً خلال الأشهر التسعة الأخيرة.. أحياناً كنت أظن أنه لا يمكن للأمر أن يكون حقيقياً.. وأنه لابد أنني كنت أتخيل.. لكنني ذلك اليوم.. liilas.com كل ما أستطعت التفكير به، أنني في العشرين، وأمامي أربعون مليون دولار، وأن العم ليونيل قد يفعل الكثير ليحصل على تلك الكميات من المال.
- وهذا ما يفعله الكثير من الناس..أكنت تتجنيين العم ليونيل إلى أن تبلغي الواحدة و العشرين؟ متى هذا؟
- في كانون الثاني القادم.. في الرابع و العشرين فيه.. فكرت لو استطعت تجنب أية حادثة حتى ذلك الوقت، لتمكنت من الاستيلاء على المؤسسة، و إصلاح الأمور.
ابتسمت بضعف فمد يده ملامساً شعرها، وقال:
- وهل تظنين أنه لو كان يخطط للقضاء عليك قبل بلوغك الواحدة و العشرين، سيتردد في فعل هذا بعد ذلك؟
هبط قلبها خوفاً و همست:
- لا.. لم أفكر بهذا من قبل.
- حسناً.. فكري به الآن.. من يرثك إذا مت بعد بلوغك الحادية و العشرين؟
- لست.. أدري.. لم أفكر بهذا..
- ألم تذكر و صية جدك الموضوع؟
- لا أعتقد.
- إذن حين يصل المال لك، أعتقد أن عليك كتابة وصية.
- ولماذا..؟ أنا لا زلت..
- كونك شابة في الحادية و العشرين، لا يعني أنك سوف تعيشين إلى الأبد..إذن، أنت لم تكتبي وصية.. ومن أعز أقربائك؟
- لست أدري.. العم ليونيل كما أعتقد.
تنهد:
- طبعاً.
- لا أفهم ما تعنيه.. أنت غامض.. غامض.
جلس يبتسم لها، تلك الابتسامة الجانبية المجنونة، الجذابة جداً، إنها مفتونة بها.. وابتعد.. ابتعد صوته عنها وهي تتفرس بخطوط وجهه وزواياه.. دون وعي، امتدت يدها عبر الطاولة، لترجع خصلة شعر من شعره انحدرت على جبينه.. أرجعها صوت حاد إلى وعيها.. كان يفرقع بأصابعه أمام عينيها و الضحكة تملأ وجهه.
- أنت لم تسمعي كلمة مما قلت؟
- هه؟
انتشر الاحمرار على وجهها الأسمر، وارتفع من عنقها حتى أذنيها.
- قلت إن الأمور لن تتحسن بالنسبة لك، لا قبل ولابعد عيد ميلادك..هذا إذا كان عمك شريراً كما تقولين، دعيني إذن أعطيك نصيحة قانونية.
- إذا كانت ستكلفني أي شيء، لا أستطيع تحملها.
ضحك:
- بإمكانك تحملها..إنها مجانية..اكتبي وصية لك، وتأكدي من حصول عمك على نسخة منها.. و لاتتركي شيئاً له. سألت بذهول:
- لماذا لم أفكر بهذا من قبل؟ أنت حقاً محامي؟ لم أكن أظن حقاً أن المحامين أذكياء..
- أخبريني.. ماذا يحصل لو تزوجت؟
- هذا غير معقول.. على الفتاة أن تتنظر من يطلب يدها، ولم يطلب أحد يدي بعد.. لا أحد.
-------------------------------------------------
- كلهم عميان، لكنني لم أسألك عن هذا.. هل تذكر وصية جدك شيئاً عن الزواج؟ عادة الوصية تذكر هذا.
- ليس لدي فكرة.. فلقد حدث هذا منذ زمن بعيد، وكنت في الخامسة مشرة، لا أذكر.
- مؤسف جداً، فلو أنك متزوجة، فسيحول زوجك وأولادك آلياً دون عمك و أي ميراث.
- كم أن هذا رائع.. هل تتصور كوخاً مغطى بالعرائش و أولاداً لي ؟ ما من فرصة.
- ألا تحبين أن تتزوجي سيلي؟
تنهدت:
- جداً، ألا تحب أية امرأة؟ لكن مامن أحد يحب أن يتزوج عملاقة.
- والأولاد؟ ألا تحبين أن يكون عندك أولاد؟
- بالطبع أحب.. لطالما حلمت بهذا.. ماذا تفعل؟
جذبها حتى تقف ثم لف ذراعاً حول كتفيها، قادها إلى خارج المنزل إلى الفناء الخلفي، كان القمر لا يزال مرتفعاً، وشدتها ذراعه أكثر، إلى أن استراح رأسها على كتفيه.. وتمتمت:
- تبدو أشعة القمر كطرقات خيالية.. أنظر إليها و أفكر ما أسهل الرقص فوق المستنقع عليها، دون أن تلامس قدمي سوى أشعة القمر.
شدها إليه بلطف متفهم.. وهمس:
- لدي طفلة رومانسية هنا إذن.. تحت كل هذه العضلات؟ لكن إذا انزلقت قدماك لغصت في الماء حتى عنقك.
قالت بلهجة اتهام:
- أظنك من النوع المادي.. حسناً.. لمعلوماتك توري ناي، لدي توازن جيد، وعلى الأرجح أستطيع الركض عبر المستنقع مرتين أمام عينيك.
ضحك.
- إذا كنت تتحدينني للسباق، فلقد اخترت الرجل الخاطئ..
شدها لتستدير و تواجهه، وانحنى يعانقها.. عناق رقيق قوي فتنهدت برضى، فسره بدعوة، وكرر ما فعل..
حين تركها تراجعت قمـر الليل قليلاً، ثم تحركت إلى جانبه، تحتضن ذراعه الأيمن لتدعم نفسها.. رفعت رأسها تتعقب النجوم، كان الدب الأكبر منقلباً على نفسه، طرفه الأمامي متجه نحو النجم القطبي..أما الجوزاء الصياد فقد كان في منتصف المسرح، النجوم على سيفه براقة.. همست لنفسها:
- ماذا يصطاد؟
رد هامساً:
- لست أدري، فأنا مشغول جداً بما أصطاده.
دفعت نفسها عنه:
- كل الرجال سواسية.. ألستم هكذا؟
انكسر سحر المنظر، وأحست كأنها وقعت، فارتجفت، لكن ليس بسبب البرد.
قالت:
- لم تقدر بعد بشأن جاين، أتأخذها معك أم تبقى هنا؟
- أيهما تفضلين؟
لم يكن ينظر إليها، بل استدار نحو المحيط ، يداه في جيبيه يصفر لحناً غير معروف، لم يكن هناك سبيل لأن ترى وجهه بوضوح، لكن التجاعيد كانت واضحة على جبينه.
قالت بهدوء:
- أظن من الأفضل تركها هنا، إنها فتاة كبيرة و نقلها الآن سيوقظها بكل تأكيد.
- ماذا؟
إذن، كان بعيداً عنها أميالاً، ولهذا بالضبط لا تريد أن تتزوج ، فها أنذا في بقعة معزولة مع رجل رائع، والكثير من ضوء القمر، عطر لدي ، ولا أستطيع جذب انتباهه.
- قلت.. يجب أن نترك جاين هي الليلة.. فقد نستيقظ لو حركناها.
- أجل.
---------------------------------------------------
كان لا يزال يحدق إلى مسافة بعيدة، فوقفت إلى جانبه تنتظر صامتة، تنتظر ماذا؟ ليس في رأسها أية فكرة..liilas.com أتنظر موضوعاً لطيفاً آمناً للكلام فيه؟ شدت على كم كنزته، فالتفت إليها.
- ذلك الرجل، السيد هورشو، التحري، قلت إنه لم يخبر عمي بعد.. لكنني أعتقد أنه سيفعل قريباً؟
- لا أظن.. أظننا أقنعناه بالتخلي عن القضية.
- قلت إنه ليس بالرجل الضخم، فهل آذيتموه؟
- أنا..أنا لم أضع أصبعي عليه سيلي.. تناقشت معه فقط، ولقد وافق سريعاً على رأي مأمور الشرطة، ورأيي.
تشوشت الأمور أكثر الآن:
- مأمور الشرطة؟
- أجل.. وأحد مساعديه. هل تقلقين على كل من يتجسس عليك؟
- حسناً..لاأستطيع منع نفسي.. لقد تربيت متدينة.. وأؤمن بأخلاقيات محددة.
- أهذا ما تخططين له مع العم ليونيل؟ أن تديري له الخد الآخر؟
- أنا.. لست أدري ما إذا كنت سأصل إلى هذا المدى.. أحاول أن أقوم بالأفضل، لكن هذا لا يعني أن أتبع كل تعاليم الدين في كل الأوقات.. يجب أن أدخل الآن فالوقت متأخر.. هل أستطيع أخذ جاين للتسوق غداَ؟
ضحك:
- إلى أي مكان شئت، إنها خارج السجن، و سنبقى في هذا الجوار.. وأنا أقدر لك ما تفعلينه لأجلها.
- لأجلها مستعدة لأي شيء.
لماذا أبدو محتشمة هكذا.. فلست من تلك الآنسات الصغيرات الصعبات الإرضاء.
ضحك:
- لا تقلقي، فهمت، لابد أنك متعبة، حبي، تلاشت منك روح المقاومة و المغامرة.
- لا داعي لأن تحاول التفوق علي بثقافتك.. فأنا لم أذهب إلى الجامعة، لكنني على الأقل أعرف أنك لا تستطيع كسوة فتاة بعشرين دولاراً.. إنها تحتاج إلى ثياب كاملة وهذا، سيد ناي، سيكلفك عشرة أو خمسة عشر ورقة من فئة العشرين.
شاهدته يفتش في أحد جيوبه، ويخرج محفظة، ويعد خمس عشرة ورقة نقدية، فسألته:
- وكيف تعرف بأنها من فئة العشرين؟
- لأنني لا أحمل سواها.. هاك.
أعطاها إياها وقال بنعومة:
- تصبحين على خير حبي الصغير.
مرة أخرى لامست شفتاه خدها.. فتعلقت به، تلف ذراعيها حول عنقه، إلى أن أبعدها مرة أخرى، يتراجع خطوة و يكرر تحية المساء.
قالت بمرارة:
- لابد أنك تظنني عاجزة عن مقاومة الإغراء.
تمتم:
- أعرف أكثر من هذا.. لو أنك فقط لم تكوني ثرية؟
كادت لا تسمع كلماته الأخيرة، فقد أدار ظهره لها، و سار عبر الفناء.. وقفت هناك إلى أن ابتعد عن نظرها، وسمعت صوت إقفال باب منزله خلفه، و أضاء نوراً من نافذة غرفة جلوسه.. كسر هذا ذهولها، و أجبرت نفسها على الدخول إلى غرفتها لحمام سريع.. تسأل نفسها و المياه تنسكب على رأسها:ماذا يعني بهذا؟ ولم تحصل سوى على رد واحد.. كانت لا تزال محتارة وهي تجفف نفسها بخشونة بمنشفة كبيرة، ثم ترتدي فستان نومها.. لماذا عانقني؟ توقفت طويلاً أمام مرآتها المعلقة وراء باب الحمام لتتفحص صورتها ، ثم سألت تكرارً.. لماذا ؟ لكن دون رد.
خرجت بهدوء من الحمام كي لا تزعج الطفلة، ودفنت نفسها تحت الأغطية
كانت ليلة طويلة جفاها النوم.. مليئة بالتقلبات و التمددات.. كيف يمكن لفتاة أن تنام جيداً وفي كل مرة تفتح عينيها.. يظهر لها ذلك الرجل.. يحدق فيها؟
***********

3- أريدكـ أماً
أطل الصباح قبل أن تكون مستعدة له، وكأنه ذهبي أحمر عبر النافذتين الشرقيتين في غرفتها، السرير بقربها كان فارغاً.. تثاءبت ، و أبعدت شعرها عن عينيها قبل أن تستجمع إرادتها لتخرج من مهجعها الدافئ.
استغرق الأمر دقائق طويلة تحت دوش بارد ليعود صحوها.. هناك مشكلة اليوم.. كانت صورته لا تفارق ذهناها.
فكرت قمـر الليل وهي توقف المياه الباردة، هناك حل واحد علمها إياه جدها :" لو تركت معظم المشاكل و شأنها فستنصرف لوحدها".
بهذه النية ارتدت جينزاً أحمر براقاً و بلوزة زرقاء، وجورباً أزرق، ثم خرجت لتواجه يومها، كانت جاين في المطبخ، مشغولة بتحضير الفطور فابتسمت الصغيرة قليلاً.. قالت لها سيلي:
- كلي جيداً يا فتاة.. فاليوم سنخرج لشراء الثياب.. لك؟.
ابتلعت جاين ريقها باهتياج:
- أتعنين أنك ستشترين لي ثياباً؟
- والدك يدفع، فمن الأفضل أن نشتري أفخرها.
- هذا ما تقوله جدتي دائماً، وهي تضحك.. أما جدي فيصدر أصواتاً غريبة وكأنه يتألم.
صحيح!
ردت دون وعي منها وهي تصنع القهوة، وتجمع قطعاً صغيرة مما سيكون فطورها، ثم أتتها فكرة.. هذه الفتاة منجم ذهب للمعلومات.
سألت:
- أهما والد والدك؟
----------------------------------------------------
قالت بينما تأكل:
- أوه..أجل.. إنها جدتي ناي.
- أين يعيشان؟ ليس بالقرب من هنا كما أعتقد؟
- لا..إنهما يعيشان بعيداً.. في " نورثهامبتون"، كنت سأبقى مع جدتي حين حصل والدي على المهمة هنا، لكنها كانت مريضة بالانفلونزا، وعمي ديرك يعمل في " سيرنغليفد" وعمي ريشارد سافر الى اوروبا، liilas.com وعمتي إيلين لا تزال في الجامعة وديانا زوجة عمي ريتشارد في المستشفى، لقد انجبت طفلاً، ألا تعلمين هذا؟ لكنه بنت أما جدتي فكانت تريده صبياً.
أوه.. يا إلهي.. الرجل لديه مظهر جيد.. وإذا كانت هذه هي القصة، فلماذا يبقى هنا في منطقة فقيرة مثل "نافيكايشن لاين" ؟ قال شيئا عن المخدارت.. ولا أستطيع أن أتذكر ما كان يقوله لي.. كلما بدأ الكلام، أعيب في حلم اليقظة.
أجابت:
- لا..لم أكن أعرف هذا.
فرفع البيض في المقلاة، فسارعت إلى إطفاء النار.. بيضة واحدة، قطعتي توست، كوب عصير برتقال، وثلاثة فناجين قهوة.. هذا ماكان يشكل فطورها العادي، ووضعت الكل على الطاولة.. لتقول جاين:
- تطبخين جيدا.
ضحكت سيلي:
- أجل.. أليس كذلك؟ أطبخ أي شيء، طالما هو من البيض وفي علب جاهزة، هل تجيدين الطبخ؟

- لا أجيد، لكن جدتي علمتني .. هاي.. أنظري إنه أبي.
دخل من باب المطبخ وكأنه يدخل منزله، قبل الصغيرة وربت على كتف سيلي، ثم جلس على كرسيها، وقال:
- شكراًلك، مع أنني أفضل ثلاث بيضات و شريحتين من اللحم معها.. التوست لذيذ مع ذلك
ردت بحدة:
- أنا مسرورة لأنها ترضي ذوقك.. وفي حال أراد أن يعرف .. هذا فطوري أنا!
تأوهت جاين:
- ولقد أختفى.. تماماً مثل قصة الدببة الثلاثة.
- أجل.. لقد اختفى.
قال ببراءة:
أوه... وهل أخطأت؟
تساءلت ما إذا كان سيفيدها أن تستدير حول الطاولة وتشد أذنيه، أو ربما عقاب أكبر: أن تعانقه؟ لكنها لا تملك الشجاعة لتفعل هذا.. ليس في وضح النهار، و ابنته تنظر إليهما، إضافة إلى هذا ، فقد سارعت يداها لكسر بيضتين في المقلاة.. وضعت قطعتين من اللحم المدخن في المقلاة قرب لبيض، متنهدة، وقدمت له.
قالت:
- جاين، إذا أنهيت طعامك، اصعدي إلى الحمام، تحتاجين إلى دوش قبل الخروج لشراء الثياب.. أيمكنك الاستحمام لوحدك؟
دفعت الصغيرة طبقها بعيداً و خرجت من الغرفة ترد:
- حاضر سيدتي.
تمتمت سيلي:
- من الأفضل أن أغير ملابسي إذا كنت سأذهب لأسجلها في المدرسة.
وخرجت وراءها.. ليس لأن جاين تحتاج إلى مساعدة، بل لأنها لم تعد قادرة على الصبر.
سألت جاين:
- هل تمشطين لي شعري كما فعلت بالأمس؟ أعجبتني طريقة التسريح..
جففت سيلي الصغيرة بخشونة، ترد:
- حظ المبتدئين، في المرة القادمة على الأرجح سأنتزع كل شعرك.. أنا أمزح حبي، تعالي إلى غرفتي، و سنسرح شعرنا معاً و بشكل مرتب.
---------------------------------------------------
عندما نزلنا، كان ذهب، تاركاً وراءه صغيرة، كالعادة:
" سأعود حوالي الرابعة و النصف، تمتعا بوقتكما! أجلست الصغيرة على كرسي، وسألت:
- هل اشتريت جدتك كل هذه الملابس التي ترتدينها؟
- أوه.. لا.. كل ملابسي احترقت خلال الحريق.. مدبرة منزلنا دبرت لي هذه قبل أن ترحل.
أرايت سيلي ..أنت تحكمين قبل أن تسمعي الوقائع ..وطوال الوقت تلومينه على هذا.
- إذن ، مانوع الملابس التي ترتدينها؟
- أتعنين أنني سأختار؟
- إذا كنت سترتدينها، فعليك أن تختاريها.. هل لديك شيء تفضلينه؟
- وماذا سيقول أبي؟
- لا تفكري به.. ماذا ترغبين حقاً أن تلبسي؟
ردت على الفور:
- الجينز.. بنطلون.. والدي يريد مني ارتداء الفساتين طوال الوقت.. أعتقد أن الفساتين لطيفة ليوم الأحد أو لحفلة، أو لشيء ما.. لكنني لاأريد أن ألبسها طوال الوقت.
وصلنا إلى تقاطع العام رقم ستة مع الطريق 123 حيث استدارنا جنوباً.. وقالت سيلي:
- سنضطر للعودة من هنا.. مدرستك الجديدة هناك، في منتصف القرية.
- مدرسة! لا أريد الذهاب إلى المدرسة هنا، ظننت أننا سنعود إلى " نورثهامبتون" لدي الكثير من الأصدقاء هناك..و..
بعد جدال مطول، اكتشفت سيلي أسباب رفض جاين الذهاب إلى مدرسة بارنستايبل الابتدائية فقالت:
- لكنها ليست سجناً.
- هه! وماذا تعرفين أنت ، لا.. لا أريد الذهاب إلى مدرسة" بارنستايبل" و لايمكنك إجباري.. أتستطعين؟
تنهدت سيلي:
- لاأعتقد.. أمك و أباك وحدهما يستطعيان إجبارك.
كان المعطف نحو المخازن يقترب، فركزت على الطريق، ولم تسمع جيداً ما كانت تتمتم الفتاة من بين أنفاسها، فاستدارت نحو موقف السيارات و أوقفت الفان في أول مكان فارغ صادقته.. ثم قالت وهي تشد مكابح الوقوف:
- لم أسمع كلمة مما قلتيه.
نظرت الفتاة إليها و التمرد في عينيها، ثم رددت:
- قلت.. قد أذهب إلى مدرستك اللعينة لو كنت أمي!
- لكن.. جاين ، يجب أن تفكري بأبيك، وجدتك، و..
بكت الصغيرة:
- لست أهتم..أريدك أن تكوني أمي!
تأوهت سيلي.. يا إلهي، لهذه الورطة التي أوقعت نفسك بها هذه المرة، وقالت:
- أنا.. لا أعرف ماذا أقول لك.. liilas.com فليس لدي خبرة أن أكون أماً حبي..حتى أنه لم يكن لي أم لأتعلم منها..لاأظن أنني سأكون أماًَ جيدة جاين.. حقاً لا أظن.
- ألا تحبينني ولو قليلاً؟
- أحبك كثيراً جانيت.
- حسناً.. هذا كل ما يلزم! جدتي قالت لي هذا.. كل ما يلزم هو الحب.
تحركت سيلي في مقعدها.. أسهل شيء في الدنيا أن تقول نعم، سأكون أماً لك..لكن، هناك الكثير في هذا، أكثر من قول نعم، كيف ستتمكن من أن تشرح لهذه الصغيرة ما رأيها بأبيها؟ خاصة وهي لا تعرف حقاً! ثم قالت بارتباك:
- هذا شيء يجب أن تكلمي فيه أباك.
--------------------------------------------------
بعد تجاوز الانفعالات الأولى انجذبت الفتاة إلى الملابس و الإثارة.. قبل أن تتوقف سيلي لتحسب ما صرفت كانت أموال توري قد تبخرت.. كانت.. لا تزال تجمع الأرقام في رأسها وهما تخرجان من المحلات إلى الشمس المشرقة، ونتيجة لهذا، لم ترا الشخص الذي كان أمامها حتى اصطدمت به، وانزلقت على ركبة واحدة، وصاحت جاين:
- أبي.. ماذا تفعل هنا؟
- أبحث عنكما.
أمسك سيلي بيده القوية و ساعدها على النهوض و المشتريات منثورة حولها.. أطلقت سيارة تاكسي زموراً لتفتح الطريق..أحست سيلي بألم خدش في ركبتها، لكنها رفضت أن تعترف به.. ثم ضغط السائق يده على الزمور و أبقاها عليه.
هذا رجل متعجرف آخر! وقفت متشامخة، وتقدمت نحو السائق، مالت إلى الباب و أدخلت رأسها إلى داخل التاكسي، تسأل بكل هدوء:
- ألم تعلمك أمك أبداً أن لا تل
عب بالزمور في الشارع؟ أم أنك تريدني أن أحشره لك في أنفك؟
رد مشاكساً:
- أنت ومن معك؟
- أنا.. لوحدي..لكن، إذا لم أستطع، فابنتي هناك ستساعدني.
نظر السائق عبر النافذة الأخرى ليشاهد جاين و الرجل الضخم المبتسم الواقف إلى جانبها، فسارع يقول بلهجة اعتذار:
- هاي..أنا آسف سيدتي..ظننت أنك لم تلاحظي أنني أريد المرور.
- لاحظت..وكنت آمل أن ترغب في مجادلتي بالأمر، كل دروس " الكاراتيه" التي تعلمتها لم تتح لي الفرص لأستخدمها.
- لا تستخدميها عليّ.. خذي وقتك.. خذي وقتك سيدتي.
هزت قمر الليل رأسها له و سارت ببطء حول السيارة إلى الرصيف.. كانت جاين قد استعادت قسماً من المشتريات، وساعدها توري على جمع ما تبقى، لكن ببطء أكثر منها، حين انتهيا ، تراجعا عن الطريق إلى الرصيف، وأشار إلى السيارة لتمر، فتحرك السائق منطلقاً وسط غيمة كبيرة من الخان.. فقال توري وهما يراقبان التاكسي يبتعد:
- لقد كان مستعجلاً دون شك، ماذ قلت له؟
ابتسمت:
- من؟ أنا؟ عرضت عليه عرضاً لا يمكن أن يرفضه!
- وهذا ما جعلك أفضل حالاً، أليس كذلك؟
- بشكل كبير.
نظرت إليه، عادت تلك الابتسامة العريضة إلى وجهه.. وللحظة بلاهة، أحسن باندفاع متهور لأن تتمسك به، تلف ذراعيها حول عنقه.
توقفت أفكارها.. ولم تجرؤ أن تلتفت إليه.. نظرت إلى الاتجاهين بسرعة و قطعت الشارع، فلحق بها الأب وابنته، كلاهما يضحك وحين وجدت الفان في الموقف المكتظ كان غضبها قد تلاشى بالتدريج.
كالعادة، استغرق فتح الباب الخلفي للفان أكثر من دقيقة فقد كان هناك طريقة مخادعة لفتحه.. كان توري وابنته يتبادلان حديثاً ودياً..أخيراً انتهى الحوار، وتقدم خلفها، وساعدها في وضع الأكياس في الداخل.
قالت الصغيرة بإصرار: اسألها أبي.
رد:
- ليس الآن.. إنه ليس الوقت المناسب.
سألته سيلي:
- لماذا جئت؟
- تذكرت أنك قلت شيئاً عن المدرسة.. وأنا أعرف كم أن سيدتي الصغيرة تخاف منها، فكرت أنه من الأفضل المجيء للمساعدة.
- أوه؟ وهل لديك وظيفة تسمح لك بهذا؟ أتعمل في الجوار؟
- مؤقتاً..أشارك مكتباً في مبنى بلدية المقاطعة، خلف مبنى المحكمة القديم.. لكن ليس لوقت طويل.. دوري في هذا العمل بالذات على وشك أن ينتهى.
- أوه.. لكنني ظننتك ستبقى في" نافيكايشن".. لا فائدة من إدخال جاين إلى مدرسة إذا كنت ستعود إلى.. إلى حيث كنت تعيش.. أليس كذلك؟
--------------------------------------------------
- لا.. لا فائدة ، لكننا سنبقى هنا لفترة ما..أين ستذهبين الآن؟
- كنت أفكر بالذهاب عبر الشارع إلى سوق المأكولات الكبير.. وبعد ذلك، سأذهب إلى المدرسة.
- حسناً.. سألحق بكما في سيارتي.
ما إن أصبحت في الجهة الأخرى من الطريق العام، حتى اتجهت إلى السوق المفتوحة حيث مخزن الطعام وعشرات المحلات الصغيرة.. وسألت جاين:
- وماذا سنشتري هنا؟
- شرائح اللحم.. والدي يحبها كذلك.
تنهدت سيلي:
- لا أحبها أبداً.
هزت رأسها باشمئزاز.. ثم فتشت في حقيبتها و جيوبها.. تفكر.. أدارت المحرك مجدداً و خرجت من الموقف ، فسألت جاين:
- ألن تشتري شرائح اللحم؟
- لم يبق معي مال.. لن تصدقي، كل ما بقي خمسة و ثمانون سنتا!
- لدي عشرة سنتات.
- لن تنفع.. فاللحم يكلف أكثر من هذا بكثير..
قادت قمر الليل سيارتها بسرعة أربعين ميلاً في الساعة على الطريق العام، مركزة عينها على المرسيدس الفخمة خلفها.. إنها سيارة رجل ثري، هل يكسب المحامون كل هذا المال؟
كان تفكيرها مشغولاً جداً حتى أنها مرت بعلبة البريد إلى اليمين، وهي الدليل الوحيد على مكان وجود مدرسة بارنستايبل الابتدائية، وبسبب السير الكثيف الوحيد على مكان وجود مدرسة بارنستايبل الابتدائية، وبسبب السير الكثيف خلفها لم تتمكن من العودة، حتى وصلت إلى وسط القرية حيث أوقفت الفان ، فتوقفت المرسيدس خلفها، ثم نزل منها يسأل:
- ضعت؟
- لا..بل تجاوزت مدخل المدرسة.. أتعرف القرية جيداً؟
- جيداً..أنا هنا تقريباً منذ ثلاثة أسابيع.. عملنا الرئيسي في " فالمارث"..
قاطعته ابنته:
- أبي.. لقد قلت إنها ثرية جداً بالنسبة لك.. لكنها ليست كذلك..كانت ستشتري شرائح اللحم، مع أنها لا تحبها ولم يكن معها المال لتشتريها، فقط خمسة و ثمانون سنتاً.. فكيف يمكن أن تكون ثرية جداً؟ أنا معي عشرة سنتات.. كم معك أنت؟
- سنتحدث في هذا فيما بعد.. أكانت ستشتري شرائح اللحم، ولا تحب شرائح اللحم؟
- هذا صحيح أبي.. أمر مضحك.. أليس كذلك؟
- أليس كذلك حبي.. أليس كذلك؟ أجل إنه مضحك جداً.. من الأفضل أن تأخذك إلى المدرسة قبل أن تنسي كل ما تعلمتيه.
قالت الصغيرة ساخرة:
-أعتقد أنك تظن أن كل ما يقولونه في المدرسة صحيح:
- طبعاً.. كل شيء صحيح، لا تشكي في هذا أبداً يا فتاتي الصغيرة.
تمتمت وهي تعود إلى مقعدها في الفان:
- أنا لست فتاة صغيرة.
ماهي إلا دقائق حتى وجدتا طريقهما نحو المدرسة، كان المبنى جديد نسبياً، له نوافذ زجاجية ضخمة و سكرتيرة كفؤة، مستعدة للعناية بحاجاتهم.
قال توري للسيدة:
- أظن أن معي كل الأوراق هنا.
تمعنت السكرتيرة في بعض اللوائح ، ودرست محتويات المغلف ثم أعادته له.. ثم قالت:
- لدينا مكان في صف الآنسة بردفور.. لكن الوقت متأخر اليوم، ربما ستضطر زوجتك لاصطحابها ليومين أو ثلاثة إلى نرتب لها مكاناً في الباص.
-------------------------------------------------
بدأت جاين تضحك، واحمر وجه سيلي، بينما تنحنح توري ناي.. ثم أجاب:
- أجل .. طبعاً.. سيأخذها الباص عند الطريق العام؟ لا أعتقد أنه يستطيع الوصول إلى" نافيكايشن لاين"؟
قالت السكرتيرة: أنت محق.
وقفت تعطي سيلي قطعة ورق، فيها اسم المعلمة ورقم غرفة الصف..
سارت معهما إلى الباب حيث توقفت و قالت معلمة:
- يسرني أن أجد كلا الأبوين مهتم بتسجيل تلميذة جديدة، أنتما زوجان محظوظان بابنتكما الرائعة.. سأراك في الغد سيدة ناي.
طوال الطريق إلى السيارة، كانت جاين تجد صعوبة في كبح نفسها، كان والدها يسير أمامهما، رأسه مرفوع، liilas.com وعلى وجهه قناع شرس، لحقت به سيلي، غير قادرة أن تمنع نفسها من الضحك.. لكن جاين صرحت:
- كل شيء يقولونه في المدرسة صحيح.. أليس كذلك أبي؟
- اخرسي يافتاة.. لا تبدأي بالتبجح.
- أنا أعرف فقط ما يقوله لي أبواي.. صحيح أبي؟
- اللعنة..آنسة بانكوس، أتسمحين أن تعيدي هذه الطفلة المتذاكية إلى المنزل ، لدي عمل أنهيه.
أحنت له رأسها محاولة أن تبدو صارمة: حاضر سيدي.
لكن، لم يعجبه ما قالت، انطلق الفان إلا أن المرسيدس لم تلحق به.
ما إن وصلت سيلي إلى منتصف الطريق ، حتى لم تعد المسألة تبدو مرحة لها.. سيدة ناي؟ يا إلهي.. لست متزوجة من هذا.. هذا، حسناً..لا ..ماذا كان جدها سيقول؟ كان سيدفعها إلى الزواج.. طبعا، كلاهما متشابهان.. كلاهما رجال.. كلاهما قراصنة، لكن الفرق بينهما أن ناي يحب ابنته الصغيرة أما جدها فلم يكن مستعداً للاعتراف بهذا الأمر.
عاد توري في السابعة ذلك المساء، بعد وقت طويل من تناولهما الطعام و تنظيف الصحون.. دخل المطبخ دون أن يقرع الباب و دون أن يعير اهتماماً إلى النظرة الباردة التي كانت ترميه سيلي بها.
قال معلقاً وهو يجلس على طاولة المطبخ النظيفة:
- ماذا؟ لا عشاء؟
ردت بحدة:
- ليس لدي فندق هنا، و لا أذكر أي اتفاق لاستقبال زبائن طعام دائمين، ألا تظن بأنه حان الوقت لتحاول أن تعيش في منزلك؟
بدا مجفلاً:
- ظننت أن كل أهل المقاطعة هنا كرماء؟
هزت رأسها، لقد أصبح كل شيء مشوشاً بحيث لم تعد تعرف ما إذا كان جاداً أم لا، وقالت:
- ربما هم كذلك، لكنني لست منهم.
التفت إلى ابنته:
- أعتقد أنها تعني ما تقوله جاين!
قالت سيلي ساخرة:
- أنا واثقة إنك قادر على تحضير طعامك في بيتك..أنا لا أدير هنا مركزاً للطعام السريع.. سيد ناي.
- أسمعت هذا جاين؟ إنها حقاً تعني ما تقوله.
تحرك إلى جانب ابنته وقال متنهداً:
- ليس لدينا طعام في منزلنا.. والأسرة ليست مرتبة، أستطيع أن أفهم سبب اعتراضك على وجودي طوال الوقت، لكنك بكل تأكيد لن ترمي جاين في العراء.. أليس كذلك؟
هزت سيلي نفسها تحاول التخلص من فخ يحاول دفعها إليه.. كل شيء مجنون في هذا الرجل.. صاحت:
- لا.. جاين دائماً مرحب بها في هذا المنزل.
- إذن ، أنت ترفضينني أنا فقط؟
حاولت الكلمات المحشورة في حلقها الخروج لكنها لم تنجح.. أرادت أن تصيح به: أجل ..أنت من هو غير مرحب به في منزلي..أنت أيها المتجرف القذر.. المحبب..وهذه عقدة العقد.. فأنا لا أعرف ماهي حقيقة مشاعري نحوه.. لقد أوصلني إلى حالة ارتباك لا أستطيع معها التعقل.
---------------------------------------------------
- لماذا لا نخرج و نناقش هذا بتعقل.. بعيداً عن مسامع الآذان الحساسة؟
أخرج معك؟ أي نوع من البلهاء تظنني..؟ مع كل ضوء القمر و النجوم المشعة، سأكون بالنسبة لك صيداً سهلاً، مع ذلك كان هناك صوت في داخلها يدفعها لتقول:
- جاين لماذا تصعدين إلى فوق و تستحمي، بينما أناقش مع أبيك الموضوع..اجلسي طويلاً في المغطس، ثم جربي البيجاما التي اشتريناها.
قالت الفتاة و كأنها تغني:
- عظيم.. حاضر أمي.
ركضت إلى سيلي تقفز إليها و تلف عنقها بذارعين نحيلتين إلى أن احتضنتها سيلي.. وهمست في أذنها:
- أنا لست أمك.
وضحكت جاين وهي تركض نحو السلم.
كان يمسك الباب الخلفي مفتوحاً لها، فأخذت السترة الواقية الصفراء و أقفلت سحابها حتى العنق، ثم خرجا.
إنه قريب جدا منها، وانطلق الإنذار في رأسها يحذرها.. كانت الأجراس تدق في رأسها..إنه قريب جداً.. حاولت الانتعاد، وتقبل هذا كدعوة منها.. فأمسك يدها، وقبل أن تتذمر، حثها لتستدير خلف المنزل، إلى المنحدر البسيط الذي كان يؤدي إلى المستنقع المالح.
كان المد قد بدأ ، واندفعت المياه بلطف حولهما من كل جانب، الجو هادئ و النجوم تلمع، أحست سيلي بلارتجاف، فوضع ذراعه حولها و كأن الأمر عادة قديمة.. تابعت سيرها ورأسها على كتفه.. على بعد مئة قدم، توقف، وقال بصوت منخفض: هذا يكفي.
سألته:
- ماذا.. ماذا تريد أن تقول؟
قال: هذا فقط.
أدارها لتواجهه وانحنى بضعة إنشات بالدفء اللطيف، الراحة و الطمأنينة.
كان هذا شيئاً لم تكن متحضرة له، لكنها كانت تنتظره طوال حياتها.. تأوهت، وفتحت ذراعيها تلفهما حوله.. بدا الأمر مستمراً لساعات ..لكنه أخيراً ابتعد عنها قليلاً ثم، و بالقليل من الندم، وضع مسافة بينهما .
كانت قمر الليل عيناها قد أغمضتا منذ أول لحظة.. وانفتحتا الآن، تحاول أن تقرأ التعبير على وجهه في ضوء القمر.. لكن وجهه كان منغلقاً .. بقيت ذراعاه ثابتتتين على مرفقيها، ولم تسمحا لها بالاقتراب.
وبدأت أطراف قدميها تؤلمها، وآلمتها يداها وهي تنزلهما إلى جانبيها.
قالت تلوم نفسها:
كم أنت بلهاء سيلستي بانكوس.. يعود السبب كله لضوء القمر و لهواء الليل .. إنه رجل، وأنت رجل ، وأنت امرأة.. فماذا تتوقعين غير هذا؟ الحب؟ يالك من فتاة غبية، دعي الأمر عند هذا، وتابعي حياتك.
سألها بنعومة:
- مارأيك بكل شيء الآن؟
تنهدت:
- أنا؟ ماذا تريد للعشاء؟
أدهشتها سهولة أن بتغير مسار حياتها، في الأسبوع الأول، أوصلت جاين إلى المدرسة عند الثامنة صباحاً ، وأرجعتها في الثالثة، فيما بعد، كل مكان يتوجب عليها هو أن توصلها إلى أعلى الطريق، حيث يأخذها الباص في الصباح و يعيدها في المساء، أما توري، فقد كان يقول باستمرار بأن عمله قد انتهى..
مع ذلك، كان يأتي إلى منزلها كل صباح لتناول الفطور ثم ينطلق بسيارته المرسيدس.. دون تفسير أو إيضاح عن مكان ذهابه، ووقت عودته..
داعبت سيلي نفسها:"أما أنا ..فمن الأفضل لي أن تزوجه، تعيش ابنته هنا، وهو كذلك، مع أنه يذهب إلى البيت المجاور لينام".
كان يدفع لكل شيء.. لطعام، اثياب ابنته، فواتير المنافع العامة..كل شيء، حتى أنه عرض عليها راتباً، رفضته بحرارة.
----------------------------------------------------
لم تعد تتنزه قرب المستنقع، فقد انتهى ذلك "بعناق الموت" كما وصفته، الموت لكل خططها المستقبلية، وتتمتمت ساخطة:" لكن لن أدعه يعرف.. ولست أدري لماذا يبقى هنا، لو أن مهمته فعلاً انتهت.. ولا أعرف أين يعيش غير هنا.. ولا أهتم حقا". كان هذا مجرد كلام..
كان أصعب جزء من الأمر الجدالات الطويلة مع ابنته.. استمرت جاين في مناداتها" أمي" وهذا فوق حدود الاحتمال ، في نهاية أول أسبوع، توصلتا إلى اتفاق، وأصبحت تناديها" الخالة سيلي" ومع أن الاسم يجعلها تشعر و كأنها امرأة مسنة خبيثة تجلس في زواية، إلا أنه اسم تستطيع تحمله.
قررت قمر الليل أن تنظف منزله، إنه أمر ناقشت فيه نفسها طوال أيام، لكنها لم تستطع استجماع الشجاعة، ولمعرفتها أن سيفيب اليوم بكامله، وأن جاين لن تعود قبل الثالثة، جمعت أدواتها و ذهبت إلى هناك.
كان بناء منزله نسخة مماثلة عن بناء منزلها، لكن ما إن خطت إلى الداخل حتى زاد تشوش اللغز أمامها: الصناديق و الأقفاص كانت تملأ غرفة الجلوس و المطبخ، كما تركها الحمالون تماماً.. وتمتمت: هذا غباء،إنه لم يخرج أي شيء من مكانه، أي نوع من البيوت هذا؟
كلما تجولت في المنزل أكثر كلما ازداد الأمر سوءاً.. كان الشيء الوحيد المرتب في المنزل كله سرير منفرد، في غرفة النوم المماثلة لغرفتها.. ولا أغطية، مجرد فراش فوق السرير وكيس نوم مفروش فوقه، نزلت إلى الأسفل مجدداً، لكن ببطء، ثم خرجت إلى شمس تشرين الأول تفكر قليلاً..
السؤال لم يكن جديداً.. الأمر أنها لا تجد له جواباً لثلاثين يوماً عاشاها معاً، وعلى حساب بعضهما، ولايزال كالغجر، لم يزعج نفسه حتى في فتح صندوق واحد مما اشتراه حديثاً " لبيته". ماذا يعمل ليعيش؟ وأين يقوم بهذا العمل؟ لماذا يتملكني إحساس بأنه في أية لحظة سيركب سيارته و يرحل؟ وماذا سيترك خلفه لو فعل هذا؟ أنا!.
جرجرت نفسها عائدة إلى منزلها، تسير ببطء وفجأة، لمحت جيباً أسود خلف منزلها: إنه هو..
كانت تنوي أن تسأله شيئاً مهماً في اللحظة التي تراه فيها.. لكنها نسيت كل ما كان يجول في رأسها، وبدلاً منه تمكنت من السؤال بصوت مبحوح سيارة جديدة؟
رد متجهما: تقريباً.
كانت ترى خطوط العاصفة على وجهه ، وتراجعت منه حتى حفر مقبض الباب في ظهرها.. وقال:
- يجب أن أكلمك.
حاولت التراجع قليلاً ، دون نتيجة.. وأضاف:
- لست بحاجة للهرب، لن آكلك!
تحول صوتها إلى حشرجة بعد أو ضع يديه على الباب خلفها على كلا جانبيها، وقالت بحدة:
- لا تساعدني أبداً حين تحاول إخافتي.
قالت لنفسها..إنه يخيفني، لكن قد يكون عذراً جيداً، إنه لا يخيف.. بل.. لا أدري ماذا يفعل؟
ضحك:
- أنا أخيف فتاة كبيرة ضخمة مثلك؟ أنا فقط أطول منك ببضع إنشات، ولم أدرس " الكاراتيه" ،أنا من هو مهدد.
ردت ساخرة:
- أجل.. بالتأكيد..ومن الأفضل أن تحذر..لأنني شريرة حين أكون مضطرة ، لماذا تحجزني هنا؟
نظر إلى يديه بدهشة، وقال:
- لا أعلم..حقاً.. أتعرفين أنت؟
تنهدت، وتسللت ذراعاها حول عنقه تجتذب رأسه نحوها.
- لا..لا أعلم.
ولأنها أخذت المبادرة، فهي لا تعرف ماذا تفعل، فتمتم في أذنها:
- مثل هذا.
-----------------------------------------------------
ضمها إليه برقة، فتجمع فيها كل دفء العالم، للحظة عابرة، تمردت.. تحاول إبعاده، لكن دون جدوى، فمن الصعب مقاومة رجل في وقت تصر فيه يداها معاً على البقاء ملفوفتين حول عنقه.. مقاومتها تلاشت لتحل مكانها أحاسيس عاصفة، لكنها أعادت سيطرتها على نفسها فقالت بثبات أكثر: لا.
وهبطت يداها، ولو متأخرة، لتدافع عن نفسها.. قاومهما لحظات ثم تراجع ببطء.. عيناه على بعد إنشات من عينيها، ترميهما بنظرة حادة.
سأل بصبر:لا؟
ردت بحزم، وصراحةو إيجابية: لا!
- لا تفعل الفتيات الطيبات شيئاً مماثلاً؟
- هذا صحيح.. هل عدت مسرعاً إلى هنا لتغويني فقط؟
ضحك:
- لو كنت أنوي لا نتهى الأمر الآن.
ردت بجفاء:
- ولقد انتهى الآن، أتظن نفسك ذو خبرة مرتفعة مع النساء؟
- لدي هذه السمعة.. هذا ما سمعته من عدة نساء.. لكن أنت.. من المستحيل الحصول عليك.. صحيح؟ فالفضيلة تحميك.. وكل هذا الهراء؟
تنهدت:
- ربما.. على الأقل، لدي أشياء أخرى أهتم بها، كتنظيف البيت.. liilas.comتحضير الطعام..أليس كذلك؟ لكن الرجال يفكرون بهذا صبحاً وظهراً و عشية؟ هذا كل مايشغلهم.
يبدو أنها غرزت فيه دبوساً، فرد مستديراً إلى الجيب:
- ياإلهي لا..هناك شيء أريد أن أريك إياه، لكن ليس هنا، فهذا ليس المكان المناسب له اصعدي.
فتح لها الباب، وتمكنت من الصعود إلى المقعد المرتفع دون صعوبة، و سألت:
- لماذا ليس هنا؟
قال:
- لأن هناك مراقب جديد.
نظرت إليه، كان يلوي فمه إلى الداخل ثم الخارج، شعرت بالتوتر وسألته:
- ألا يزال في " ساندي نك"؟.
- لا..إنه على أطراف الطريق، يراقب المفرق عند الطريق رقم ستة.
- إذن..أليس من الغباء أن نمر به؟
- لا أظن هذا.. أظنه سيراقبنا نمر به، ثم يأتي ليفتش المنزل.
صاحت به، وكان صوتها أعلى من صوت المحرك:
- لايمكنه أن يفعل هذا.
أثارتها فكرة غريب يعبث بأغراضها الخاصة.. وقالت آملة:
- سنعود و ننقض عليه.
- ربما.. انظري إلى " السوبارو" الخضراء إلى اليمين..أنت من النوع العصبي، أليس كذلك؟
- لست عصبية!
- إنه أمامنا تماماً، يراقب، يتأكد من غيابنا معاً..
- لماذا تبطئ الآن.
- أريد أن أريه..آه.. لقد استدار بسيارته واتجه نحو الطريق الترابية.
صاحت ساخطة:
- لا يمكنه هذا، يمنع الاستدارة وسط الطريق في مقاطعة بارنستايبل.
ضحك:
- لن يشغل باله بهذا.. هاي.. كل ما تفكرين به هو استدارته وسط الطريق؟
- لست قلقة من هذا.. بل من أي شيء في العالم..أتصدق؟ حتى الرابع عشر ، كان الجميع يدعوني" سعيدة" ، كنت دائماً أغني، وأرقص، وأضحك. ياإلهي، أتمنى أن أضحك مجدداً فقط .. هيا بنا الآن يا صغيرتي..أعني سيدتي..
-------------------------------------------------
جلست متصلبة في مقعدها تضم ذراعيها فوق صدرها، و تراقب أطراف الطريق، تابع سيره على الطريق رقم ستة حتى وصلا إلى شاطئ خليج " ماساتشوستس".. فتوقف هناك .. وقال:
- سنسير بدءاً من هنا.

نظرت قمر الليل إليه متعجبة، ونزلت من الجيب فانحنى لها يحرك يده نحو الشاطئ:
- من بعدك أميرتي.
خلع حذاءه و اتجه شرقاً فوق الرمال الناعمة.. ولم يكن أمامها سوى أن تخلع صندالها وتلحق به، كانت أنفاسها قصيرة.. فقالت محتجة:
- هل نحن مضطران إلى تسجيل رقم قياسي جديد؟
توقف ينتظرها:
- لا..لكنها العادة.
- هل نحن ذاهبان إلى حيث كان التحري يراقب المنزل؟
- ليس الآن.. فهذا يكفي.
لقد وجد فسحة نظيفة من الرمل وجلس عليها.. وقفت فوقه تنظر إليه، ويداها في جيبي سترتهما.. كانت الريح تهب من البحر باردة جداً، تصفر في أذنها ، تملأ أنفها بهواء مالح منعش، وسألت:
- لماذا هنا؟
- ولماذا لا؟ المكان لطيف، وأحب منظر الماء و أهوى مراقبة المراكب، لأجل الله.. تجلسي.. لا تفتعلي مشكلة من كل شيء.
ردت متذمرة:
- لست بحاجة لأن تكون لئيماً هكذا.
- وهل قابلت رجالاً ألطف مني بكثير؟
هزت رأسها وقالت:
- وأجمل منك أيضاً.
قال:
- هذا ليس صعباً، اجلسي.. أنت تتذمرين دائماً ممن يعلو فوقك، لكنك تفعلين هذا في كل فرصة متاحة.
ربت الرمل إلى جانبه، و ظهرت تلك الضحكة الجانبية، ثم أعطاها نسخة من مجلة" بوسطن كلوب" وقال:
- إقرأي هذه.
أدارت ظهرها إلى الشمس لتبدأ بالقراءة.. البسمة التي تسللت إلى وجهها وهو يتحدث ببطء، تلاشت..إنها قصة صغيرة يقول عنوانها:
" مدراء مؤسسة يقترعون لحلها" والقصة كانت مختصرة.. مجلس إدارة مؤسسة و يليام بانكوس في آخر اجتماع لهم في شهر تشرين الأول، اقترعوا على حل المؤسسة و توزيع الأموال المتبقية في الخزينة، و بسبب موانع قانونية يحتاج القرار إلى تصويت آخر في شهر تشرين الثاني لإكمال العمل.
جلست تنظر إلى المجلة طويلاً بعد قراءتها.. حل المؤسسة؟ وفي تشرين الثاني؟ قبل شهرين من بلوغها السن القانونية لتشرف على إدارتها بنفسها؟ شهرين.
استقلالها لمدة سنة أظهر لها أنها قادرة على إعالة نفسها، لكن الأمر يتعلق بالعم ليونيل، الذي لا يستحق بنساً واحداً، لكن يجب أن يكون لهذا علاقة بجدها.. الرجل المتزن الصارم الذي رباها حسب أفضل معتقداته، وأراد أن يفعل بأمواله شيئاً محدداً.. وحدها تعرف ماذا تفعل.
قالت بصوت هامس:
- لقد هزمزني..أليس كذلك؟
تحرك نحوها قليلاً، ووضع يده على يدها.
- ربما.. لكن الأمر لم ينته بعد حتى تشرين الثاني، الخامس عشر منه..
أتريدين المال حقاً؟
- لا أريد المال..أريد الإشراف عليه، هناك شيء يجب أن أفعله.
كانت تنظر إلى مياه الخليج وهي تتكلم، وفاتها أن ترى و ميض الألم على وجهه.. وقال متجهماً:
- في هذه الحالة أنت بحاجة إلى محام بارع.
سألته بلهفة:أنت؟
- ليس أنا.. قلت محام بارع، ولم أقل أنا.
- لكنني أشعر أفضل حالاً لوكنت أنت.
-----------------------------------------------------
- مامن فرصة سيدتي.. محام متورط عاطفياً في قضية، لا يمكن للمحكمة القبول به..
أدار ظهره لها، وأخذ يرمي الحصى إلى المال.
محام متورط عاطفياً؟ ماذا يعني هذا؟ أيعني أنه..لا.. ليس معي.
الأمور لم تتغير بعد.. أنا مجرد فتاة يعتمد عليها أو يجب مداعبتها، لا شيء غير هذا.. لو أنه منجذب حقاً نحوي.. لقال هذا بالطبع!
سألت بهدوء:
- هل تنصحني بمحام؟
لاتدعي عاطفتك تظهر في صوتك.. لا تنظري إليه...لا.. لاتفعلي شيئاً.
قال:
- لا..لن أنصحك بمحام.. بل سأعين لك محامياً.. الأفضل في الكومونولث..لكن الأمر سيستغرق يومين.
- لكن ، ليس لدي يومين أستغني عنهما..أليس كذلك؟
- سنرى.. فليس هناك ضمانات في القانون.
طوى ركبتيه، ولف ذراعيه حولهما، وبدا كأنه يتبع طيران زوج من النورس يسبحان في الهواء.
قال تذكره:
- لكنني ، في الواقع، لا أستطيع تحمل المصاريف، لا أملك المال.
لوح بيده، يصرف النظر عن اعتراضها:
- لو كسب القضية، قسيصبح لديك الكثير من المال، وإذا لم يكسبها فلا يستحق أن تدفعي له.
هكذا انتهت تلك المحادثة.. جلسا جنباً إلى جنب لخمس دقائق أخرى، و غاصت الشمس وراء غيمة كبيرة، فجأة بدا الشاطئ فعلاً في شهر تشرين الأول، فـأقفلت سحاب سترتها:
- ألا تظن أن بإمكاننا العودة الآن؟
نظر إلى ساعته:
- ليس بعد.. فذلك الرجل يحتاج إلى نصف ساعة على الأقل.. أريده أن يكتشف ما وضعته في منزلك.. فقد يؤخر هذا المسألة بضعة أيام.
- وضعت شيئاً في منزلي؟
قام ومد لها يده:
- أجل..أردت إعطاءه شيئاً يفكر به.
أمسكت قمر الليل يده لتقف:
- من الأفضل أن نتمشى على الشاطئ، فالطقس بارد.
سارت خلفه، لكنه توقف و أمسك ذراعها.
أكملا طريقهما حتى وصلا إلى قمة الكثبان الرملية، ولأول مرة تلاحظ وجود علبة المنظار مكبر معلقة على كتفه، وسألت:
- ما الذي وضعته في منزلي؟
- مسدس.. وشارة بوليس.. وإذا كان بارعاً..يجب أن يجدهما.
- مسدس في منزلي! يالك من جريء، أنا لا أحب المسدسات..ماذا لو أن جاين .. متى وضعته؟ وأين؟
- ليلة أمس، في الدرج الذي تضعين فيه السكاكين.
صعدت التل الرملي فتبعها توري:
- ماذا لو فتشت جاين ووجدته؟ الأطفال يبحثون ، أنت تعرف هذا..
ويمكن أن تؤذي نفسها.
- إذن ، لقد أصبحت خبيرة بالأطفال.
سرها أن تسمع أن أنفاسه قصيرة أيضاً.. وكانا قد وصلا قمة التل الرملي، فحثتها يده لتنزل الجهة الأخرى، أصبحا على مستوى البحر من الجهة الأخرى مجدداً:
- والآن ، كنت تحدثينني عن الأولاد.. يمكنك أن تتابعي حديثك.
رمت نفسها على الرمال متعبة، فوقف مشرفاً عليها، وقال:
-حسناً.
انه يسخر مني، اللعنة عليه.. قاطع أفكارها.
- إنه يغادر المنزل.
------------------------------------------------
التفتت إليه، كان المنظار على عينيه، وأكمل:
- إنه يخرج كأنه كان في جحيم..
كان يلاحق تحرك السيارة المطلقة على" نافيكايشن لاين".. وثبت توري المنظار على الهدف.. وقالت لنفسها:" وهذا شيء آخر يمكنه أن يفعله، ولا أستطيعه أنا ، إنه أفضل مني".. وهزت كتفيها محبطة.
أكمل: حول الأولاد.
- قرأت ما قلته في كتاب.. أيمكن أن نعود الآن؟ يجب أن أتناول الغداء.
- ألا يمكنك الاستغناء عن وجبة؟
- لا.. لا أستطيع.. أحياناً أفكر أنك شخص غير مهذب، سيد ناي.. أحياناً لا أفهم كيف يمكن لفتاة صغيرة مثل جاين، أن تكون ابنتك!
- لست الوحيدة في هذا التفكير..انتظري لتري بقية عائلتي..تعالي، أنا متلهف لأن أرى ما الذي وجده..
وقفت على قدميها، فتحرك نحوها ليمسك ذراعها، لكنها تراجعت.. هدأت ضحكته غضبها، كأن عدم لمسه لها عقاباً له.
حاول قول شيء، لكنه رأى اللمعان في عينيها، ورفض أن يشارك في معركة.. سارت على الرمال بعيدة عنه، لكنه أكمل طريقه، liilas.com و يداه في جيبيه مصفراً.. بقيت بعيدة، لكنها لم تستطع منع نفسها من الضحك، فقد كان صفيره رهيباً.
عادا الى المنزل بعد نصف ساعة، كان يقود السيارة ببطء.. ما إن أنهت السيارة عبورها، حتى توقف وسط الطريق الترابية، وشد المكبح اليدوي، ثم استدار ينظر إليها، وبدت ضحكته أكثر اتساعاً.. ضحكت:
- صفيرك مزعج.
- لا..أنت ..مخطئة.. صفيري جيد، لكنني لا أفهم نغم!
تأملها للحظات ثم امتدت يده لتغطي يدها.. استمرا على هذا الحال طوال الطريق.
قال: أنت سيدة لطيفة سيلي إيمري..أم سيلستي بانكوس؟
-سيلستي إيمري بانكوس ..وأنت رجل لطيف توري ناي.
- حتى لو لم أكن وسيماً؟
- وهل قلت هذا.
امتدت يدها لتداعب خده، وأكملت:
- أراهن أنك مضطر للحلاقة مرتين في اليوم.
- هذا يتوقف تماماً عما سأفعله ليلاً.
صاح بها عقلها الباطني أنت تلعبين لعبة خطيرة سيلي بانكوس.. فاحذري، أي شيء ستقولينه من الآن وصاعداً، سيظنه دعوة منك..وأنت لست مستعدة لهذا بعد..أليس كذلك؟.. أقفلت شفتيها، وأغلقت تفكيرها، وتمتعت بالمناظر بينما كان يقود الجيب.
قال لها وهو يدخل قبلها إلى المنزل..
- لا تلمسي شيئاً.
همست:
- لا يبدو و كأن أحداً كان هنا.. ولماذا أهمس؟ لقد رحل، أليس كذلك؟
مرت قشعريرة لذيذة على ظهرها.. إنها بحاجة لمغامرة صغيرة و مثيرة..
ماذا تفعل بتلك العدسة الكبيرة. يا إلهي، يبدو كشرلوك هولمز، اسأليه!
- هنا.. وضعت شعرتين عبر فتحة الدرج.. ولقد اختفتا، وهذا يعني أنه فتش هنا.
- وماذا؟
- ماذا.. كان المسدس و الإشارة هنا ..انظري إلى هذا.
فتح الدرج بلطف، بين السكاكين الفولاذية، شاهدت المسدس، وإشارة البوليس، قرب بعضهما..ضحك توري:
- إنه ليس بالبراعة التي ظننتها..أرجو أن يكون قد استنتج ما أظنه، ستصل رسالة إلى عمك ليونيل اليوم، أن هناك مفتش بوليس معين لحراستك، ليلاً نهاراً وهذا ما سيجعله يفكر أكثر من مرة.
ضحكت:
- هاي..توري.. أنت لست رجلا لطيفاً فقط، بل مخادع أيضاً.
- أعترف بهذا، والآن، لماذا لا تشكرينني بشكل لائق؟
---------------------------------------------
- أنا..لائق..؟
- هكذا.
شدها إليه و انحنى رأسه فوقها..ليحجب عنها النور، ها قد فجأها مرة أخرى دون أن تكون منتبهة..لكنها هذه المرة لم تكن ترغب في المقاومة.
تعلقت به، عيناها مغمضتان، كان رأسها يدور، ويداها تعبثان بشعره..لقد تغير..لم يعد الرقيق الضاحك، بل أصبح الصياد المتعقب..
قال متأوهاً:
- اللعنه ..ماذا نفعل هنا بينما هناك فراش كبير فارغ في الطابق الأعلى؟
- لا توري..لا.
بدا الشك في صوته:لا!
تنهدت:
- أجل..أعني..لا ..توري.
- تريدين هذا بقدر ما أريده..سيدتي.
- لكنني لا أستطيع..فأنا لم أفعل هذا من قبل..ولن أفعله، ليس بهذه الطريقة.. لا أملك شيئاً في هذه الدنيا سوى نفسي..وأنا أنوي إبقاءها كهدية زفاف للرجل المناسب..حين يأتي.
لم يستطع تجاهل توسلها إليه.. تراجعت عنه، حتى وصلت إلى الجدار.
مد أصابعه ليلامس يدها، ثم قال لها بصوت بارد كالثلج:
- لا..
ونظر إلى وجهها المحمر، ثم تركها وصعد السلم، فارتجفت عائدة إلى المطبخ.. سمعت صوت الدوش في الحمام فوقها.. سألت نفسها: وماذا سأفعل بعد؟ لو أنني خبيرة لضحكت و صرفت الأمر من تفكيري لكنني لست هكذا .. فماذا أفعل؟ حضري الغداء، ضعي أصابعك في العمل، افعلي شيئاً..الآن..اهدئي قبل أن يعود.. وأخرجي كل شيء من تفكيرك..هذا إذا استطعت..إذا استطعت..
بعد عشرين دقيقة، نزل، ووجهه في أسوأ حالة ممكنة..قالت: الغداء.
جلسا معاً على الطاولة.. قدمت قمر الليل حساء الدجاج في طبقين عميقين، فقال معلقاً ، وهو يحتسي آخر معلقة منه.
- حسناً لذيذ، ظننتك لا تعرفين سوى تحضير البيض.
همست:
- و أعرف استخدام فتاحة العلب كذلك..أتريد القهوة مع السندويشات؟
هز رأسه إيجابياً.. وكانت الغلاية تصغر.. وضعت القهوة الجاهزة في كوبين، ثم قدمتها له، وكان قد بدأ بالانقباض على السندويشات.
- أتمنى لو..هل السندويشات جيدة؟
- رائعة.
مال فوق الطاولة يلامس ذقنها متنهداً:
- لست غاضباً منك..
كان هناك دمعة صغيرة في عينها، فمسحها باصبعه الخشن، وعاد يكمل سندويشه.
قال وهي تقف لتنظيف المائدة:
- سألتقي جاين بعد الظهر..لدي مكالمات بعيدة ومن الأفضل أن أجريها من مركز الهاتف.. هذه سندويشات غير عادية سيلي.
نظرت إلى طبقها الذي لم تمسه، وكرهت أن تسأل، لكنها لم تستطع منع نفسها:
- غير عادية!
- أجل..ظننت من المهم وضع زبدة الفستق على سندويش " التونة" لكن الزبدة على الجبنة المحمصة ضربة عبقرية.
خرج من الباب يصفر.. وسمعت إطارات الجيب تصر فوق حصى الطريق وهو ينطلق ، جلست إلى الطاولة تنظر إلى السندويشات ، دون أن تراها حقاً.. وعادت الذكريات.. ولاحقتها طوال بعد الظهر.
*******************************

4- المطلوب دولار واحد!

- أوه يا إلهي.. هذا لن يفيد..
قابلت جاين سيلي بهذا الكلام وهي تنزل السلم تحاول إبعاد النعاس عن عينيها..
- ما الذي لن يفيد؟
ردت سيلي وهي تنظر إلى ساعة الحائط، ثم أكملت:
- يا للسماء يافتاة.. الساعة التاسعة.. لقد تأخرت عن المدرسة، كيف يمكن أن أستغرق في النوم هكذا؟ إنه ذلك المنبه، لاشك أنني نسيت أن أعده.
ضحكت الصغيرة:
- لا.. جاء أبي باكراً و أقفله.. وقال إنك مررت بيوم صعب بالأمس، و سيكون اليوم أسوأ، وتحتاجين إلى كل النوم، ولست مضطرة للذهاب إلى المدرسة، لأنني ذاهبة معك و يجب أن ترتدي فستاناً.
ضحكت سيلي:
- رائع.. قلت هذا كله بنفس واحد.. ألا يعلمونك تقطيع الكلام في المدرسة؟ ثم، لماذا يجب أن أرتدي فستاناً و أذهب معك؟
- ألم يقل لك أبي؟
- يقول لي ماذا؟
كان جزء واحد من دماغ سيلي يعمل مع الحديث.. كان وعاء قهوة يغلي على النار قرب مغسل المطبخ، قهوة حقيقية، تكاد تموت لهفة لأكوابها الثلاثة العادية.. تقدمت تسكب لنفسها كوباً و تحتسي من ليلاس بامتنان لكل من اقتحم منزلها و حضر لها مثل الخدمة الرائعة.. وتمتمت:
- رائعة.
ردت جاين:
-يجب أن تتذوقي البسكويت الذي يصنعه لي.. أبي يستطيع صنع أي شيء تقريباً.
- والدك صنع كل هذا؟
- ذهب إلى ذلك المكان، نسيت اسمه، ليتأكد أنهم سيأتون إلى هنا، وأنهم مستعدون لمقابلتك.. ولهذا يجب أن ترتدي فستاناً.. يجب أن تقابلي محاميك.. هذا ما قاله أبي.. وإذا لم ترتدي فستاناً سيغضب..لأنه من المفترض بالنساء أن يلبسن الفساتين..وأنا أيضاً، يجب أن أرتدي فستاناً، و إلا قتلني.
احتست سيلي القهوة اللذيذة، وابتسمت للفتاة:
- هي؟ محامي امرأة؟
- لا..إنه رجل.. ويجب أن ترتدي الفتيات الفساتين أيضاً، لكن حين اتصل به أبي، قالت إنها قادمة معه أيضاً، ، ولا أحد يقول لا لجدتي.
- لا أفهم ما تقولين..لكن إذ كان الأمر مهماً لهذه الدرجة فمن الأفضل أن تتحرك، جدتك هه؟ سيكون من المناسب لك أن ترتدي تنورتك الطويلة، و البلوزة البيضاء المرسوم صورة " البطريق" عليها، ما إن تنظفي نفسك، اصعدي إلى فوق و اغتسلي، أيتها الشابة.. ذقنك مليء بعصير البرتقال.
مدت يدها إلى ابريق القهوة و أعادت ملء كوبها.. في منتصف الطريق وهي تشرب سمعت صوت المرسيدس تصل إلى المدخل.. نظرة سريعة إلى المرآة أفسدت صباحها.. وتمتمت لنفسها:
- ها أنذا.. سيلستي بانكوس المتعلمة الذكية، تشعر بأنها مخيفة، ثوب نوم صغير جداً، وروب لا تقبله جمعيات مساعدة الفقراء، دون أي ماكياج.. انظروا إلى عذا الرعب.
----------------------------------------------
سمعت قمر الليل صوت قدميه عند الباب.. فتركت قهوتها مسرعة إلى السلم،وكادت تتعثر بأطراف روبها، تدحرجت حتى أسفل السلم، وفقدت الرباط حول روبها.
قال: هذا فن حقيقي.
صاحت:
عما تتكلم بحق الشيطان؟
وقفت ببطء تتلمس مؤخرتها المتألمة، فأشار إلى واجهتها:هذا.
نظرت إلى نفسها.. كان الروب مفتوحاً، وتمتمت تمسك أطراف الروب:
- اللعنة، أنت..
- أنا ، لا دخل لي بماحصل!
- لم يكن يحدث لي مثل هذا قبل أن ألتقي بك.
وضع قدمه على السلم، فتراجعت، تقدم خطوتين بسرعة ، فاستدارت هاربة، صاح بها:
- عشرون دقيقة فقط.. هذا كل الوقت الذي أمامنا.
دخلت غرفتها متعثرة.. تتمتم بضع كلمات سمعت جدها يوماً يتمتها، عكست المرآة خلف الباب صورتها، وأخذت تدور في الغرفة حتى هدأ غضبها، إنه السبب في كل ما يحصل لي، لولا أنه أنتقل ليسكن هنا، لكانت الأمور لا زالت.. اللعنة.. لقد فقدت خمس دقائق.. لكنها أسرعت، حتى أنهت عملها قبل دقيقتين من الوقت المحدد، استخدمتها لتمزيق ثوب نومها قطعا صغيرة، ورمته في سلة المهملات.. فشعرت بتحسن كبير.
كان توري و جاين ينتظرانها حين نزلت.. وبدت الصغيرة صورة ساحرة ، ماعدا شعرها الذي لم يكن مرتبا.. وقالت:
- أبي سرح لي شعري.. أليس هذا لطفا منه؟
- لطف كبير.. لكننا سنعطيه بضع لمسات وهو يقودنا..ألن يكون من اللطف أيضا لو شرح لي أحدكما ما الذي يجري؟
تظاهر بالارتجاف، وكأن موجة برد مفاجئة هبت عليه، كم يبدو رائعاً..بذلة رمادية من ثلاث قطع، ربطة عنق رائعة.. الشعر مسرح براق والحذاء لماع ، لديه ذوق رفيع..جعلتها الفكرة ترتجف، فأدارت ظهرها إليه، محاولة إخفاء أي دليل يكشفها.
كانت ترتدي بذلة كذلك.. تنورة كحلية مكسرة، سترة صغيرة ذهبية، تحتها بلوزة متحفظة مزررة حتى العنق..إنها بذلة لمقابلة محام..كما قالت لنفسها وهي ترتديها، لكنها الآن لم تعد واثقة، إنها متحفظة جداً!مع ذلك فهي تلتصق بشكلها في كل الأماكن المناسبة..
قاطع أفكارها: فلنذهب.
- إلى أين؟
- إلى " ساندويش" أقدم بلدة في الكاب منذو عام 1637..
مررت أصابعها في شعر جاين:
- لا أحتاج إلى دليل.. ربما الوقت لا يكفي لإصلاح الضرر في شعر جاين.
رد بنفس النعومة:
- يالك من ذكية.
ابتسمت له و لحقت به إلى المرسيدس..أرجعت كتفيها إلى الوراء ، لتعدل سترتها، ووجدت صعوبة في المحافظة على هدوئها، وما إن تحركت السيارة حتى عادت إلى قلقها، وشغلت يديها بترتيب شعر جاين.
كانت الرحلة قصيرة من " نافيكايشن لاين" حتى قرية "ساندويش" القديمة..عندما وصلا إلى وسط القرية، كان هناك كنيسة بيضاء، وفي آخر الشارع على الطرف الآخر بدا الفندق.
كان المدخل الرئيسي للفندق شرفة مربعة ، على الطراز الأوروبي، مدهونة بالأحمر.. قاد توري السيارة حتى المدخل الرئيسي، وساعدهما على الخروج..
قالت سيلي بينما كان يمسك بمرفقها مسرعاً:
- لم تقل لي بعد من سنقابل.
-------------------------------------------
صاح بها:
- لاتجرجري قدميك..سترين بنفسك.
سارا عبر المبنى، ثم إلى الخارج حتى وصلا إلى مستنبت للشتول و النباتات..حيث كان يوجد مجموعة طاولات، يجلس حولها خمسة أشخاص.. أجفلت سيلي، وشعرت فجأة بالخجل، لكن جاين حلت لها مشكلتها، عندما أمسكت بيدها، وجرتها متجهة نحو امرأة، شعرها أبيض سمينة قليلا.. كانت تجلس في كرسيها، ويحيط بها أربعة رجال مسنين.
قالت الطفلة بإثارة:
- جدتي، هذه سيلي.. أليست جميلة؟
قالت السيدة:
- إذن، هذه سيلي.. سمعنا الكثير عنك عزيزتي.
دفعت كرسيها من الطاولة ووقفت، بالكاد يصل طولها إلى خمسة أقدام، أحست سيلي بالتوتر لكن ما إن عانقتها الجدة، حتى شعرت بالدفء المريح.. دون أن تعرف السبب، قبلت سيلي الخدين الناعمين.. بينما كانت تفكر: هذا ما تحسين به لو كان لك أم" ، ثم وقفت جامدة غير قادرة على الكلام.
قالت العجوز:
- هاكم الآن، أظنني سأبكي.. فليأتي أحدكم بكرسي لها لتجلس بقربي.
وقف الرجال الأربعة للتنفيذ، لكن توري سبقهم وهمس في أذنها وهو يجلسها :
- أرأيت.. أنت الرابحة.
ردت:
- ربما.. لكن ماذا ربحت.. واسم اللعبة؟
همس:
- انتظري كي تعرفي.
جلس توري على الطرف البعيد من الطاولة، و تنحت جاين بالقرب من جدتها تتحدث كا لعاصفة، مد الرجل الطويل ذو الشعر الأبيض يده إلى سيلي:
- أنا غاري ناي.. أنا والد كل هؤلاء الأربعة، ولاورا زوجتي..أنت فعلاً فتاة رائعة.. كبيرة..ألست هكذا؟ كل أولادي تزوجوا نساءاً صغيرات الجسم، كما فعلت أنا.. إنهن لطيفات، تفهمين هذا.
أكمل حديثه العادي.. لكن كان تفكير liilas.com سيلي مشغولاً بجملة واحدة من حديثه:" كلهم تزوجوا نساءاً صغيرات الجسم!".. ماذا يعني هذا؟ ماذا يعرف الجميع عني؟ ماذا قال لهم توري عني.. قاطع توري أفكارها قائلاً:
- تنحرف سيلي دائماً مع تيار أفكارها.. تسأل أمي ما إذا كنت تريدين فطوراً ثانياً.. وقلت لها إنك لازلت فتاة تنمو، وبإمكانك تناول فطور آخر.. فما رأيك؟
احمر وجهها ببلاهة: أجل..طبعاً.
التفت توري إلى الساقي:
- سنتناول اللحم و البيض و القهوة..أما الصغيرة فقد تناولت ما يكفي من طعام ..لكنني واثق أنها تستطيع تحمل طبق من " الايس كريم".
- أوه..أجل أبي..
وأنا كذلك أبي.. قالت سيلي لنفسها، لكنني فتاة كبيرة، وأستطيع أن أطلب بنفسي.. مالت السيدة ناي إلى الأمام قليلاً و نظرت إليها، ثم ابتسمت تقول:
- انظري هناك هذا ابني جون.. وإلى جانبه كاري.. وذاك صهري دايف.. أما الذي جئت به معك فهو طفلي توري!.
ضحك توري:
- إذن، لقد بند لك، لم أقل بعد أن أمي تقرأ الأفكار..هل فعلت؟
نظرت سيلي إلى الأم متوسلة، لكن المرأة المسنة كانت تبتسم و تهز رأسها..هذا ما يجب أن يعلمك شيئاً سيلستي بانكوس.. لديك من يقرأ أفكارك.. ضحك الرجل إلى يمينها:
- إنها تحمر خجلاً، هذا أمر لم يعد مألوفاً!
------------------------------------------
انظري إليه، مظهره فخم، طويل القامة، شعره أبيض متجعد، ولديه نظرة مميزة و مهذبة.. مع كل هذا.. وسيم كابنه كاري وابنه جون.. حتى مثل صهره دايف.. فما الذي حدث لتوري؟ نظرت عبر الطاولة إلى توري، تحاول جمع ما يكفي من غضب لتهاجمه.. كان وجهه خال من التعابير لكنها كانت تعرف أنه يسخر منها.
فجأة عاد الساقي، وأغوتها رائحة الطعام.. مدت يدها إلى شوكة، وتناولت لقمة.. فلامست السيدة ذراعها:
- يجب أن تخبريني شيئاً عن عائلتك.
ابتلعت سيلي لقمتها بصعوبة، وحاولت البحث عن رد جيد.. لكنها لم تجده.. كل من كان على المائدة كان ينظر إليها منتظراً جوابها، تمتمت:
- في الواقع.. ليس لي عائلة.. هناك..عمي ليونيل، إنه ليس عمي بالطبع.. لكنني أناديه هكذا، وهو كل ماعندي.
- ياللطفلة المسكينة، الأم، الأب!
تنهدت:
- كلاهما ميت، لم أعرف أبداً أياً منهما.. رباني جدي إلى أن أصبحت في الرابعة عشر، ثم جاء عمي ليونيل.
- لطف منه أن يأتي ليهتم بفتاة مراهقة!
- أتظنين هذا.. حقاً؟
- لابد أنه أحبك، ليقدم على هذه التضحية.
- لست أدري، ولو أحبني، فهو لم يقل لي هذا.. هناك مال كثير.. أترين..
مجرد الكلام عن الموضوع جعل سيلي ترتجف.. وكانت السيدة ناي تدرس وجهها، ولاحظت الارتباك.. وأكملت سيلي بتنهيدة:
- لا أظن العم ليونيل أحب شيئاً ماعدا المال..لكن، ربما أنا مخطئة.. كنت مجرد طفلة.
- ياللفتاة المسكينة! هل يزعجك أن يتدخل توري في شؤونك؟
- لا.. في الواقع.. لقد كان لطيفاً جداً معي، و لأقدر له كل حاول أن يفعله.. لكنه رجل من الصعب فهمه.
- عمك ليونيل؟
- لا.. توري.. حتى أنه لا يشبه أخواه، أليس كذلك؟
- آه، بطتي البشعة، إنه توري.. لكن...لكن، قبل الآن، كان أكثر وسامة من الجميع..آخر أولادي، تعرفين ، وأذكى منهم جميعاً، حتى والده يضطر للوقوف جانباً حين يتحرك للعمل، لكن الوسامة؟ لم يعد وسيماً ..مع ذلك، لقد سبق و قلت له إنه في يوم ما ستقبل به فتاة جميلة كما هو عليه، تناولي فطورك طفلتي.
استغلت سيلي الفرصة، فهي لم تتوقع أن تفلت من الورطة بسهولة، كان الرجال يتابعون حديثاً منفصلاً.. تفرست في وجه توري لتدرس تعابيره، بينما كان يبتسم لها.
مالت الأم سيلي قائلة بصوت منخفض:
- انظري.. حين يبتسم يتغير، أليس كذلك؟ ويبدو أنه يبتسم لك كثيراً!.
- إنه يظنني بلهاء، أنا و جاين متفقتان تماماً، لكن توري..إنه إما يصبح في وجهي، أو يخيفني، أو..
ضحكت الأم، وأضاء المرح وجهها: أو ماذا؟
تنهدت سيلي: لا شيء.
- كلي فطورك طفلتي.
قمر الليل شوكتها و حاولت أن تأكل.. لكن جاين علقت بصوت مرتفع سمعه الجميع:
- أليست سيلي جميلة و لطيفة؟.. هذا هو نوع الأم الذي أحب أن يكون لي!
قالت لها جدتها:
- هس.. حبيبتي..أنت تحرجين الناس حين تقولين أشياء كهذه.
ردت الطفلة وفي عينيها تحد:
- علمتني أن أقول الحقيقة دائماً..أنت قلت لي هذا!
- بإمكانك أن تكوني صادقة، وهادئة، في نفس الوقت.. وسيلي فعلاً امرأة جميلة.
تسمرت سيلي في مكانها و لم تستطع متابعة الأكل.. لكن والد توري قال لها:
- أيتها الشابة، أعطني دولاراً.
------------------------------------------------
استدارت سيلي مشدوهة، ونظرت إليه بعينين واسعتين:
- أعطيك..ماذا؟
- دولار..أيتها الشابة..أليس معك دولار؟
تدخل توري بلهجة متجهمة:
- لأجل الله.. معها أربعون مليوناً.
أحست سيلي بالألم.. ولم ترغب بأن تتركه يقول ما يريد بسلام
هذه المرة، مدت يدها قرب كرسيها تلتقط حقيبتها.. كانت لا زالت جائعة و طبقها ممتلئ بالطعام، أما طبق توري فكان فارغاً، وهذا مازاد غضبها..أزاحت طبقها إلى جانب ووضعت حقيبة يدها على الطاولة لتفتحها.. ليلاس ووقع كل شيء منها: المشط، أصبعان فارغان من أحمر الشفاه، علبة بودرة، حزمة محارم ورقية، أربعة أقلام، كلها مكسورة، ساعة يدها، وحفنة معدنية.. دفعت الجميع جانباً وركزت على النقود تعدها بصوت مرتفع.. ثم صاحت نحو توري:
- هاك..هذا كل ثروتي..كل ما أملك، دولارا و خمسة و ثمانون سنتاً.
أجفل توري، وكأنه يتوقع أن ترمي النقود في وجهه.. بينما مد والده يده لجميع الأربعة أرباع دولار، قائلاً:
- منذ هذه اللحظة، سيدتي الشابة، أنا محاميك..الدولار هو مقدم أتعابي، دفعته لي بإرادتك، أليس هذا صحيحاً؟
شهقت:
- أنت محام أيضاً؟ لكن الدولار ليس مبلغاً مناسباً لأتعاب محامي!
- أجل..أنا محامي.. ولا يعتبر أبداً حجم أتعابي مقياس قدرتي..كلنا محامون، ماعدا دايف.. إنه تحرٍ خاص، توري غير محسوب في الصفقة.. لن يتمكن من أن يكون موضوعياً..أتريدين استخدامي؟
- بكل تأكيد أحتاج إلى محامي.. لكنني لم أتوقع أن يتم هذا على مائدة طعام!
ضحك:
- ضعي بقية ثروتك في حقيبتك، يجب أن نبدأ فوراً.
بدا كل شيء مريحاً، غير متوقع، حتى أنها احتاجت إلى نصيحة: توري؟
السؤال وكل ما يتضمنه كان في صوتها، و أجاب:
- نعم سيلي.. إنه أفضل محام في الولاية..إنه " قرش" أتعابه مرتفعة جداً.. لكنه الأفضل..
- وتعتقد أنني يجب..
- أجل أعتقد هذا.
وكان هذا كل ما تحتاج إليه، وغضبت لآعترافها بهذا.. حتى لنفسها، في شهر واحد، ودون أن تدرك ، أصبحت تحت ظل توري ناي.. على الرغم من أنه كان لا يطاق في بعض الأوقات إلا أنها أصبحت تعتمد عليه.. وهذا أمر كانت قد أقسمت أن لا يحدث..
همست لأبيه:
- أجل.. أريدك أن تكون وكيلي.
قال السيد ناي:
- وهذا ينهي الأمر.. والآن، وقعي هذا التوكيل، هنا أرجوك.
ووقعت حيث أشار، مستخدمة قلم الحبر المذهب الذي قدمه لها، نظر إلى التوقيع وهز رأسه، مبتسماً لها، ثم قال:
- والآن إلى العمل..كاري..جون.. دايف؟ ستذهب إلى هيلتون هذه الليلة أيتها الأم، وسنعود غداً.
كان يتكلم من فوق رأس سيلي إلى زوجته، التي ابتسمت و كأنها تفهم كل شيء، وعادت إلى حديثها مع حفيدتها، دار توري حول الطاولة و انحنى يكلم سيلي بصوت منخفض:
- إنهم ذاهبون إلى بوسطن.. ولدي أعمال عالقة في " فالنوت"، سأعود عند الظهيرة، أرجو أن ترافقي أمي حتى ذلك الوقت.
هزت سيلي رأسها موافقة، فاستدار إلى أمه يسأل:
ابتسمت له السيدة ناي ابتسامة كبيرة، وربتت يده التي وضعها على ظهر كرسيها، وقالت:
- حسن جداً.. في الواقع..اذهب لتنهي عملك و اتركنا لوحدنا.
---------------------------------------
- لكن..
صمتت سيلي تلعن نفسها لضعفها، وصاحت عبر الغرفة: هاي.
ولوحت بيدها بقوة، فقالت لها السيدة ناي:
- لاداعي لهذا.. سيعود.. توري ليس من النوع الذي يترك فتاة جميلة وحدها.
تأوهت سيلي:
- لست قلقة على توري..إنه ذلك الساقي.. يسرق.. يسرق فطوري! لم أكل منه قضمتين بعد.
- لكنني ظننت أنك أكلت قبل مجيئك؟
نظرت سيلي إليها، وتنهدت:
- أنا فتاة كبيرة.. أحتاج إلى الكثير لكي أملأ معدتي..
في هذه اللحظات تلقت أولى المعلومات عن عائلة ناي.. الأم الجميلة ، المتعلمة الأنيقة، اللذيذة المعشر وضعت اصبعين في فمها و أطلقت صفرة مرتفعة لم تسمع سيلي مثلها من قبل، أجفل الساقي، وتوقف في مكانه ثم بحركة أرستقراطية، أشارت له أن يعود إلى الطاولة.. طلبت فنجانين آخرين من القهوة .. وجلست المرأتان إلى المائدة..
قالت سيلي:
- لابد أتك عشت حياة رائعة.
- لماذا؟ بسبب الصفير؟ ستتعلمين هذا عزيزتي حين يكون لك ثلاثة صبيان، وفتاتان في العائلة.. و بالطبع تعرفين أنني كنت ممرضة رسمية لسنوات.
تأوهت سيلي:
- يا إلهي.. انظري إليكم جميعاً، ثلاثة محامين، لا، أربعة في العائلة، ولقد قمت بكل شيء لوحدك، وهاأنذا نكرة دون عمل.. تجعلونني أشعر بأنني غير كفؤة.
ردت ربة الأسرة:
- لا تصدقي هذا.. كلنا بدأنا من أسفل السلم.. لاشيء خاطئ في أن تكوني أماً وربة منزل.. صحيح أن النتيجة رهيبة، لكن هناك تعويضات أخرى.. وبإمكاني تعليمك كيف تصفرين في عشرين دقيقة.

بعد ثلاث ساعات، كان الثلاثة قد زرن القرية بكاملها.. زرن متحف الدمى، متحف الزجاج، ونصب الجندي، liilas كل هذا في الجهة الخضراء المزروعة من القرية.
ثم وصلن إلى الفندق مرهقات ، وكان ينتظرهم توري بفارغ الصبر على الشرفة المسقوفة.. وضع كوب شرابه من يده وهن يتقدمن.. وانضم إليهن لدى دخولهن إلى الصالون.
قال متجهماً وهو يمسك ذراع سيلي:
- ظننت أنني قلت باكراً.
فكرت أن تبعده عنها بحدة.. لكنها تعلقت .. فمن يعلم ما إذا كان في مزاج سيء أم لا!
قالت معتذرة:
- لقد انجرفنا بما كنا نشاهد.
ردت جاين:
- لا.. لم ننجرف.. بل اضطررنا إلى السير كل هذه المسافة.. قدماي تؤلماني أبي.
قال: - لاأستطيع فعل شيء لك.
لكن لهجته كانت ناعمة وهو يكلم ابنته.. كم أتمنى لو يكلمني هكذا.. وانزلقت سيلي إلى حلم آخر.. تدخلت الأم في المحادثة.
- بإمكانك شراء الفداء لنا توري.. ونحتاج إلى مكان نغتسل فيه لننفض غبار الطريق عنا.
قالت سيلي:
- لاتلقي علي، فأنا معتادة على هذا النوع من الحياة.
قاطعتها السيدة ناي:
- هراء، لا تقف هكذا يابني.
--------------------------------------------------
رد:
- الآن، أنا الذي لا يعرف ماذا يجري.
قالت أمه:
- سأشرح لك إذن..أولاً.. اذهب إلى مكتب الاستقبال واحصل على غرفة لسيلي.
- لكننا لن نقضي الليل هنا أمي.
- وما دخل هذا بهذا؟ احصل لها على غرفة تستطيع فيها أن تنعش نفسها، حيث يمكنها أن ترفع قدميها لبضع دقائق.. ثم اطلب الغداء لنا جميعاً.. فهل هذا كثير؟
تلاشت نظرة التجهم عن وجهه، وعادت نصف الضحكة تتلاعب على فمه.. برقت عيناه دون أن تراهما سيلي، وأصبح شخصاً مختلفاً، ثم رد ضاحكاً:
- حاضر سيدتي.
كانت قمر الليل غرفتها هادئة في الجهة الأخرى من الفناء، بعيداً جداً عن الشارع تمددت سيلي على السرير مسترخية، حجز توري لأمه و ابنته الغرفة رقم عشرة، أوصلهما، ثم قاد سيلي إلى الغرفة رقم عشرين في الجهة الثانية من الممر.. فتح الحمال الباب مبتسماً، وذهب.. وقفت في الباب المفتوح، حائرة...
سيحدث شيء، لا شك في هذا.. فهناك توتر كهربائي بينهما، تجاوزها ليدخل، وكأنها مخدرة، لحقت به، و أغلقت الباب وراءها.
سألت: توري؟
قال:- ألقي نظرة فقط.
جال في الغرفة، يتفحص المنظر، وترتيب الحمام الملحق، ورفصات السرير..ثم أكمل:
- تعرفين جيداً أنني لست ألقي نظرة فحسب..أليس كذلك؟
تنهدت:
- لا أعرف ماذا يحدث.. عينت لي محامياً، أخذتني أمك إلى كل أنحاء القرية، لكنني لازلت أجهل ما يجري!
قال:
- لاشيء يدعو إلى غضبك.
استدار حول السرير ليقف أمامها، فتراجعت عنه بالتدريج إلى أن وصلت إلى الجدار .. وقالت:
- أنا لم أغضب.. بعد..لكن هذا ليس بعيداً توري ناي!
تقدم نحوها، ليحجزها بين ذراعيه على كلا جانبيها، إنه قريب جداً.
قال: أمي أحبتك.
ابتلعت ريقها بصعوبة.. واضح أنها لم تلحظ شيئاً.
قالت بحزم:
- وأنا أحببتها.. فهل لهذا ميزة خاصة؟
- هذا يعني أنك فتاة من السهل أن تحب.
- لا أظن هذا.. عشت مع عمي ليونيل ست سنوات، ولم يحبني أبداً.
- هذا غموض سنجليه بسرعة، وأبي أحبك، على فكرة، أمي تعجبها كل الفتيات الصغيرات المغريات اللواتي أجيء بهن إلى المنزل.. لكن أبي لا يعجبه سوى من يستلطفها فعلاً.
- لست أفهم ما تقول.. أيجب أن تكون معي هنا.. هكذا؟
- تقلقين من وجودنا وحيدين في غرفة فندق، بينما كنا نعيش ملتصقين ببعضنا قرب المستنقع؟
- حسناً.. الأمر.. لست أدري ماذا يجري توري؟ أريد أن أفهم.
ضحك:
- ستفهمين سيدتي..
انحنى رأسه بضع إنشات يحجب النور عنها..فأغمضت عينيها، متوترة مترقبة..لكن، لا شيء حدث.. محبطة، فتحت عيناً واحدة، كان وجهه قريباً جداً من وجهها حتى أنها لم تشاهد سوى أنفه، ضحك ثم شدها نحوه أكثر.
---------------------------------------------------
كان التواصل كما من قبل، لكن أفضل ، أغمضت عينيها مرة أخرى، تقف دون حراك تستقبل العناق بترحاب.. تسللت ذراعاها إليه تحيطان به، سعادتها بكل هذا أصبحت إدماناً.. لكن الوقت غير مناسب للتفكير..
أرخى قبضته عنها و قال متراجعاً إلى الوراء:
- هذا جزء من الأحجية.
لكنها تبعته بينما كانت يداها على كتفيه، ثم أخيراً فتح يديها، وأجبر ذراعيها لتعودا إلى جانبيها.. وضحك:
- وهذا تلميح آخر ..وأظن أن هذا كل ما ستتمكين من استيعابه الآن! هذه الكلمات، كسرت السحر:
- أوه..أيها المتعجرف، الفاسد ، المغرور.
تمكنت من تمرير يدها لتمدها في اتجاه رأسه.. لكنه انخفض مبتعداً عن طريقها، وأمسك كلتا يديها في يد واحدة، تراجع نحو الباب ضاحكاً.. ولم يتركها إلى أن أصبح آمناً خارج الغرفة، ودفعها إلى الداخل مغلقاً الباب بينهما، ثم ناداها:
- عشرون دقيقة تأخير، إذا رغبت في الغداء.
صاحت من الداخل ساخرة، لكن ليس بصوت مرتفع حتى لا يسمع:
- هه في يوم ما أيها الرجل، في يوم ما، سأنال منك.
ورمت نفسها على السرير، تكاد تبكي و تضحك في آن، تفكر: إنه محق..
فلست أفهم شيئاً.. أي فتاة أنا؟ ليلاس في كل مرة يقترب مني، أرغب في هذا الرجل، تقلبت في الفراش، وتفحصت ساعتها.. عشرون دقيقة؟ أمامي عشر دقائق تستحق أن أحلم فيها قبل أن أغتسل.

*****************

مضت ثلاثة أيام قبل عودة رحال عائلة ناي من بوسطن، وحدثت تغييرات، جاين عادت مع جدتها إلى"نورثهامبتون" كما قال لها توري: إن منزلها هناك، وأمي رأت أنه من الأفضل أن تعود بها.
عندما حان وقت الرحيل، اختفت جاين و أحست سيلي ببرودة الهجر تتسلل إليها.. تلك البرودة التي كانت تحيط بها قبل لقاء توري، برودة الوحدة.. بدا توري مشغول البال.. أنزلها من المرسيدس ورافقها حتى الباب، حيث توقف.
- ستكونين بخير سيلي.. لم يعد هناك أشباح تلاحقك و تتجسس عليك.. رتبت أمر مراقبتك على يد اثنين من أصدقائي قي البوليس.. وسأراك فيما بعد.
ذهب قبل أن تحتج، دون قبلة أو عناق.. وتوقفت جامدة عند بابها تراقبه يدير.. وهذا بكل تأكيد درس لك، أيتها الغبية.
دارت في المنزل تنفض الغبار بقطعة قماش، ثم وضعت المفارش في سلة الغسيل.. ولم تشعر برغبة في تناول الغذاء في الفندق يكفي لأن يبقيها دون إحساس بالجوع طوال بعد الظهر.. في النهاية اكتفت للعشاء بقطعة توست، وكوبين من القهوة.
كانت سماء ليل تشرين الأول براقة، وكان يغمرها البؤس، فلم تستطع تحديد ما تريد، فجرجرت قدميها إلى الطابق العلوي، لحمام ساخن، ودخلت الفراش.
لكن النوم رواغها.. وظلت تردد لنفسها: اشتقت لجاين" وهذا نصف الحقيقة، فهي تشتاق إليهما معاً، ما عليها سوى أن تغمض عينيها لتجد وجهه يحدق بها، ثم استسلمت لنوم عميق.
مر يومها سيئاً.. تناولت قطعة توست مع فنجان قهوة.. ثم أضاعت الوقت تدور هنا و هناك، نظفت خزائن المطبخ.. ثم ارتدت معطفها الصوفي القصير، وخرجت.. كانت حرارة الشمس ضعيفة من خلال الغيوم السوداء الكثيفة.
لازالت العاصفة تهدد.. وجمعت شجاعتها، لتنطلق في نزهة خلف المستنقع.. كان المد ينحسر، وكان يزداد انتشار الغيوم السوداء..فاستدارت تعود أدارجها إلى المنزل.
-----------------------------------------------
ارتشفت قمر الليل فنجان قهوة في المطبخ، محاولة أن تحلل مشاعرها.. في البداية هناك طفلة.. جانيت ناي.. فهل، تحبين جانيت سيلي.. سليستي بانكوس؟ وتمتمت : بكل تأكيد.. وهذا الجزء الأول، جدال و نتيجة.
أحب جاين ناي، أما الجزء الثاني، فهناك ذلك الرجل.. ليس بالطويل الغامر ، مع أنه كثير العضلات.. مع ذلك، ولأكن عادلة ليس بشعاً..لكن من حوله" كومة" مشاكل.. ولديه كذلك روح مرح غريبة.. متعجرف مغرور، ويريد أن يكون ديكتاتوراً، لا مجال لأن يعرف أحد ما يفكر به ، يحب أمه، ويفعل كل ماتقوله له ابنته، ولايريد أن يكون وكيلي..ابنته تحبه كذلك..وأنا.. أيضاً!.
ماذا الآن؟ علق السؤال في الهواء بينما تبحث عن شيء تأكله.. ثم صعدت إلى فوق تستحم و تنام.
مر اليوم التالي كسابقه، لكنها أمضت معظم وقتها في السرير.. تقرأ كتباً اشترتها لعنوانها لكنها لم تقرأها أبداً.. إلا أن هذا لم يساعدها، نزلت إلى المطبخ، تنوي صنع الخبز.. لكنها فشلت تماماً.. بحلول الليل، تمكنت من تنظيف الأدوات.. سألت نفسها وهي تنكب على كتاب الطبخ، لماذا لا ينتفخ الخبز؟ وتفحصت ما وضعته من مكونات.. الخميرة..الخميرة، ياإلهي لقد وضعت كل شيء ما عدا الخميرة! أقفلت الكتاب، ورمته على الجدار.. في تلك اللحظة بالذات، انفجرت العاصفة التي كانت تهدد منذ يومين، وتصاعد صوت الريح و تساقطت قطرات كبيرة من المطر حول المنزل، تضرب الجدارن و النوافذ، شعرت بالخوف لكنها صاحت لنفسها..إنها مجرد عاصفة.. وركضت إلى الطابق الأعلى، لتستقر في السرير، وتشد الأغطية فوق رأسها.
استيقظت في اليوم التالي متعبة، مشعثة، مرتجفة، في تلك اللحظة وصل توري، دخل المنزل دون إذن و خبر، ومر بغرفة الجلوس إلى المطبخ، ليقف عند الباب.. حيث رفعت وجهها الشاحب المبلل بالدموع.. صاح:
- ياإلهي.. تبدين و كأنك كنت في معركة مع أسد الجبل.. وخسرت المعركة!
تنهدت بقنوط:
- شكراً لك.. أهناك سبب يدعوك إلى اقتحام منزلي هكذا؟
رفض أن يقبل التحدي:
- لن تدفعيني إلى أي شجار اليوم سيدتي.. ارتدي أفضل ملابسك.. فقد عادوا جميعاً، وحان وقت مجلس الحرب.
تأوهت:
- لا.. شكراً..ابدأوا الحرب من دوني
- أتشعرين بالأسى على نفسك؟
- بكل تأكيد.. الباب ينفتح إلى الخارج، وسأكون ممتنة إذا لم تصفقه خلفك.
ضحك:
- أنت تستسلمين وسط السباق..هيا..الآن ..اصعدي إلى فوق وارتدي ثيابك..ينتظرك محاميك في الفندق.
قالت بغضب:
- لن أذهب..لقد اكتفيت.
قال مهدداً:
- أمامك نصف ساعة لتحضري نفسك..وإلا..
- وإلا ماذا؟
- وإلا سأفعل هذا بنفسي..
- أيها المتعجرف..
- لم يبق أمامك سوى عشرين دقيقة..ألن تذهبي؟
- لست خائفة منك.
ولتثبت هذا, صعدت لترتدي ثيابها.. تكرر لنفسها: لست خائفة منه.. مطلقاً..وأنا أفعل هذا فقط احتراماً لأبيه..هذا كل شيء، لم يكن لديها الوقت الكافي لتسرح شعرها وتمكنت من وضع قليل من أحمر الشفاه، ولمسة ماسكراه على رموشها، وقليل من ظلال العيون.
حين نزلت، كانت لا تزال تنوي أن تبرهن أنها لا تخاف منه.
------------------------------------------------
قال لها:
- أعتقد أن هذا أفضل ما يمكن أن أتوقعه..أحمر شفاه زهري؟
- أجل.. وهل لديك اعتراض على اللون الزهري؟
قال بوقار إلى المرسيدس:
- أبداً.
تحركت مبتعدة عنه في مقعدها فقال ساخراً:
- أترغبين أن تركبي في المقعد الخلفي؟
ردت متجهمة:
- لا أعرف ماذا أريد.. كل مرة أراك فيها تنتابني رغبة في اقتلاع عينيك.
ضحك:
- أتظنين أنني لم ألا حظ هذا؟ هذا يدل على أنك لم تتمتعي بغيابي؟
- اشتقت لجاين..كثيراً.
- وأنا؟
- لماذا أشتاق إليك؟ كل ما أتيت به لي هو المتاعب.
ضحك:
- كم أنت مخطئة..أتعرفين أن أمي قالت بأنك مع قليل من التدريب تصبحين زوجة حلوة مطيعة؟
- ربما.. لكن ليس لك ، إنني أكرهك ..أنا..
لسبب ما أخذت تبكي..أمر لا تفعله عادة، على الأقل، لم تفعل هذا إلي أن التقت به، تكورت في زوايتها بينما liilas كانت دموعها تنهمر، تركها و شأنها مع أنه أبطأ سير السيارة بشكل ملحوظ..أعطاها منديلاً كبيراً، جففت به عينيها.
- أنت..أنت .. تدفعني إلى الجنون.
- أعرف..ولك نفس التأثير عليّ كذلك.. أفضل حالاً الآن؟
ربت ركبتها.. ارتاحت وقالت بهدوء:
-أجل..كان يومي بائساً بالأمس، وكذلك اليوم.
- آه..عظيم.
كان على وشك أن يكمل حديثه..لكنهما وصلا في تلك اللحظة إلى مدخل فندق "دانيال ويستر" أطفأ المحرك، ثم استدار ليفتح لها الباب..كان رجال عائلة ناي ينتظرون في الصالون، يجلسون بارتياح حول طاولة منخفضة، تغطي أكواب القهوة و الصحف سطحها.. وقفوا جميعاً لدى دخولهما، وساعدها توري لتجلس ثم جلس إلى جوارها.
قال الرجل الأكبر سناً: آنسة بانكوس.
- سيلي..أرجوك.
هز رأسه باحترام:
- سيلي..لقد قمنا بأبحاث كثيرة..وأنا مستعد الآن لتخليص موقفك.
هزت رأسها موافقة، وعاد توري، الذي اختفى بعض الوقت ليجلس قربها، يضع أمامها فنجان شاي.
قال والد توري:
- حسناً.. هذا هو الأمر.. حسب كل الشروط في وصية جدك، لمجلس إدارة المؤسسة الحق الكامل في إلغاء أي تمويل لا يعجبهم.
- إذن، يمكنهم حل المؤسسة؟

- يمكنهم هذا في اجتماعهم المقبل،إذا وافقت الأكثرية والآن.. رتب جدك الأمور بحيث أن السيطرة يتسلمها كل عضو من المجلس حسب عدد الأسهم، عمك ليونيل، بصفته الوصي عليك لديه السيطرة على خمسة الآلف سهم.. أما الباقي البالغة عشرين ألف سهم فهي قيد الائتمان في مصرف بوسطن، وليس لها حق التصويت.. اهتمامهم هو تسليمك هذه الأسهم تحت أحد شرطين..الأول هو حين تبلغين الحادية و العشرين، و أظن هذا سيجري في كانون الأول؟
تنهدت:
- في الرابع و العشرين منه، وهذا وقت متأخر لإيقاف التصويت.
- أجل.. متأخر جداً، فالتصويت الأخير سيجري في الخامس عشر من تشرين الثاني.. وعلى الأرجح، أعلن هذا بشكل قانوني ، وكل شيء جاهز.
-إذن..خسرت؟
- ليس بالضبط عزيزتي..هناك شرط آخر في الوصية.. يمكنك لحظة تتزوجين استلام اسهمك، وفعل ماشئت في التصويت القادم.
---------------------------------------------
- أوليس لدي خيارات أخرى؟
- أبداً عزيزتي.. الأمر عائد إليك!
قاطعه توري:
- أريد الحديث إلى سيلي لوحدنا..لماذا لا تبقون هنا لإنهاء قهوتكم، بينما نتمشى قليلاً؟
أمسك ذراعها، فنظرت إليه.. تلك النظرة المتجهمة عادت الى وجهه.. ثم شدها لتقف.
سار بها إلى ردهة فارغة وحين تأكد أنهما وحدهما، استدار ليواجهها، وسأل:
- حقاً ترغبين في استعادة الأربعين مليون دولار؟
أشاحت قمر الليل نظرها عنه..كم تريدها حقاً؟ أبداً.. لا تريدها، لكن، هناك كل أحلام جدها،إنه مال جدها، وهي الوحيدة القادرة على معرفة ما كان يريد أن يفعله به.. لكن ماذا يعني كل هذا بالنسبة لتوري؟
سوت كتفيها، ورفعت نظرها إليه ، تقول بثبات:
- أريد المال كثيراً..جداً..جداً.
هز رأسه و كأنه كان يتوقع هذا الرد، وازداد عمق التجهم على وجهه.. وقال لها:
- إذن..أمامك فقط عشرة أيام لتتصرفي.
هزت رأسها بحيرة.. تنهد مجدداً و بعمق:
- في هذه الحالة سيلي..أحب أن تتزوجينني.
تلعثمت: أنا.. لكن..
أمسك ذراعها و جرها إلى الصالون يسألها:
- هل هناك طريقة أخرى؟ ومن هو الرجل الآخر الذي تعرفينه و يوافق على الزواج منك بسرعة؟
شهقت:
- لا أحد..لكن..
- لكن.. هاأنذا.. نحن نعرف بعضنا جيداً، وجاين مفضلة لديك..
وتحبين عائلتي، وتريدين المال بلهفة أليس كذلك؟
- أجل..لكن الزواج خطوة كبيرة للمرأة ، توري..
ثم، ماذا تعني بأننا نعرف بعضنا جيداً؟ أعرف شيئاً وحيداً هو أنني أحبك!
تمتم:
- أعرف هذا.. لكن هذا الزواج تحت ظل ظروف غير عادية..أنا لست أجمل رجل لاحقك..وأنت من أجمل النساء اللواتي التقيت بهن.
سخرت منه:
- هه! لا تحاول جعل هذا يتطابق مع قصة الجميلة والوحش.. لن تنجح بهذا توري؟
ابتسم ثم قال لها:
- أحمد الله على هذا..حسناً..مارأيك؟
- أنا.. لا أعرف ما أقول..كل شيء تقوله صحيح، لكنني..
- لكنك تفتقدين العواطف الرومنسية.. قمر الساهرين، والفستان الأبيض الطويل؟
صاحت في أعماقها: أجل.. أتلهف لكل هذا و سأفتقده، أنا غبية رومانسية، لكن لو رفضت سأخسر ما أريده حقاً في هذه الدنيا.. فتزوجي حبي.. افعلي ما أراده جدك.. هل ترفضين العرض لمجرد أنه لا يحبك. على الأقل نحن متوافقان، ولقد سمعت أن هذا ثلاثة أرباع الزواج الناجح..إذن لماذا أنا مترددة؟
- أجل..توري..سأتزوجك.
هز رأسه ثانية، وكأن الرد كان حتمياً.. رفع والده و أخواه رؤوسهم، ثم وقفوا ترحيباً بهما.. وأخبرهم توري بقرارهما.. تهلل وجه أبيه، وربت أخواه على ظهره، ومال الجميع لتقبيل العروس المستقبلية.. لكن، كان هناك، في تفكير غاري ناي، أكثر من التمنيات الطبية، سأل:
- متى؟ فللوقت أهميته.
----------------------------------------------------
رد توري:
- بعد أربعة أيام.. ليس هناك طريقة أسرع.. أقرب ما نستطيع هو يوم الأربعاء القادم.. وهذا يعني الخامس و العشرين من تشرين الأول.
رد الأب:
- وقت كاف، الآن.. أنت توري اتصل بأمك و اشرح لها الأمر.. و أرجو من الحاضرين الانسحاب.. حان وقت تبادل حديث خاص مع زبونتي.
قال توري:
- أظن من الأفضل أن تأتي معي أولاً، تعرف كيف سيكون رد فعل أمي ولا أريد أن أظل في لا ئحتها السوداء.
ابتسم أباه، ولوح لهما بالخروج.. مرة أخرى وضع توري ذراعه تحت مرفقها و حركها بسرعة ليعود بها إلى غرفة رقم عشرين.. وقال وهو يفتحها:
- لقد احتفظنا بالغرفة.. وهي مكان ملائم لتتصل منه.
أشار لها بالجلوس، والتقط سماعة الهاتف، وطلب المكانة إلى "نورثهامبتون" ، ردت الأم.. وسمعت سيلي صوتها بوضوح، مع أن الهاتف بعيد عنها قالت:
- كنت أفكر بك، أجلس هنا منذ ساعة أحاول جمع شجاعتي لأتصل بك.. ما الأخبار؟
ضحك:
- ما كنت تريدينه.. وافقت سيلي على الزواج مني.
أبعد السماعة عن أذنه لسماعه صيحة الإثارة.. حين هدأت أمه أخيراً، تابع الحديث.
- حدث هذا منذ ربع ساعة فقط، لذا لم يكن من الممكن أن أتصل بك قبل الآن..أليس كذلك؟
هدأت أمه، وانخفض مستوى صوتها، ولم تعد سيلي تسمع شيئاً، إلى أن صاح توري فجأة:
- لا.. لن تأتي إلى البيت لحفلة زفاف كبيرة على طريقة أسرة ناي.. يجب أن نتزوج في الحال، قررت زواجاً مدنياً .. وسيكون يوم الأربعاء القادم، هنا في نكتب القاضي سايمون.
صاحت أمه غاضبة، لكن سيلي فقدت الصلة بالحديث، زواج مدني!..لقد رتب الأمور مسبقاص إذن.. وها قد فقدت كل أحلامها بثوب أبيض طويل، حتى أنه لم يسألها رأيها ، لا، بل " لقد قررت" حسناً.. قد يرغب هو في بدء الحياة الزوجية هكذا.. لكنه سيواجه مفاجأة كبيرة لو كان يتوقع أن تكون ممسحة أرجل له!
- تريد الكلام معك!
لوح ليلاس بسماعة الهاتف في وجهها، فوضعت ابتسامة هشة على وجهها، و أخذت الأداة من يده:
- سيلي..؟ أنا سعيدة جداً.. لك ولتوري، أنت الفتاة التي يحتاج إليها بالضبط، لكنني مذهولة لأفكاره الغربية عن الزواج.. بالتأكيد ستكونين مصرة؟
ردت بصوت منخفض:
- لا سيدتي.. كل ما يريده توري لابأس به معي، وأرجو أن لا يخيب أملك؟
- بطريقة ما.. أجل، وبطريقة أخر لا، كنت أحب أن ألبس عروساً جهازها، إنه تقليد عائلي أكره أن أكسره، لكن توري هو بطتي البشعة، على فكرة يجب أن تناديني أمي الآن.
- لكن.. حسن جداً أمي ..إنه ليس كذلك ، وتعلمين.
- ليس ماذا؟
- ليس بطتك البشعة.
ضحكت السيدة ناي:
- بالطبع لا ..لقد أصبح الآن بطتك البشعة أنت.. تهئنتي لكما معاً..وأتوقع أن أراكما هنا في البيت بعد الزفاف مباشرة.
- لست أدري حول رؤيتنا بعد الزفاف..أمي.
----------------------------------
للكلمة وقع رائع.. أبسط كلمة في الوجود، ولم تستخدمها من قبل..
وأكملت:
- أنا..أظن أننا سنذهب إلى بوسطن لفترة، ولا أعرف إلى متى.
- أفهم..حين ينتهي من مسألة دعوة نفسه محاميك، يجب أن نناديه أبي.
كل الفتيات يفعلن هذا.. اهتمي بأعمالك حبي بينما أدخل قليلاً من التعقل في رأس بطتي..في رأس ابني.
نظرت سيلي إلى توري لحظة، كانت البسمة لازالت تتلاعب حول فمه، وتقلبه إلى رجل رائع..احمر وجهها كالشمندر حين رفع نظره إليها وهربت من الغرفة إلى حيث محاميها ينتظرها، قال:
- الآن أيتها السيدة الشابة، كنت أراقبك لبعض الوقت، عند كل ذكر للأربعين مليوناً، كنت أرى في عينيك أحلاماً و مشاريعاً لها، قبل أن نبدأ، أخبريني ماهي خطتك للتصرف بالمال.
نظرت قمر الليل إلى عينيه.. وقالت له بالتفصيل ماذا تريد أن تفعل بالمال.. حين عاد توري ليأخذها، وجد عروسه المتوقعة تجلس بابتسامة عريضة على وجهها، بينما ينحني والده ضاحكاً بشدة، حتى أن عضلات معدته كانت تؤلمه.. ومامن أحد منهما كان مستعداً لشرح شيء له!
تحمل توري ما يجري لخمس دقائق.. ثم ربت على كتف والده وقال له:
- أتظن أن ماتضحك عليه مسلياً..دعني أقول لك شيئاً مضحكاً حقاً.. زوجتك قادمة في الغد للإشراف على الزفاف.
وهذا ما فعلته.. وصلت بالسيارة إلى الفندق قبل الساعة العاشرة.. ولم يعد أمامهما سوى انتظار الموعود :الاربعاء.
قال لأمه:
- لدي الخاتم.. والشهود.. فلا شيء ينقص.
قالت أمه ساخرة:
- ينقص الكثير، وهل ستتزوج في ثيابها هذه؟ الطفلة يجب أن ترتدي أفضل الثياب و إن كان الزفاف مدنياً، لكن العروس تتوقع أن تعامل كعروس توري ناي.
استسلم دون مقاومة:
- حسن جداً.. افعلي ماهو ضروري..لكن لا تزعجيني بالأمر.
قالت سيلي:
- لكن يجب أن أكلمك على انفراد.
نظرت إليها العجوز وقادتها إلى الردهة لتجد زواية فارغة..لكن سيلي وجدت نفسها غير قادرة على الكلام.. وقالت الأم:
- لايمكن أن يكون هذا سيئاً إلى هذه الدرجة، صرحي به.
مدت يدها إلى يد سيلي تضغط عليها تطمئنها، فبدأت سيلي تتكلم:
- أنا ..أعرف أنك سمعت كل الحديث عن الأربعين مليون دولار.. في الواقع إنها ليست لي.. جدي تركها لأشخاص آخرين، وليس لي سلطة عليها.. كل ما أملك من مال هو ما كسبه في حياتي.. وليس معي ما يكفي لأشتري الثياب.. لدي قطعة أو اثنتين في البيت، وهذا كل شيء، ولا أستطيع ترك توري يدفع عني..لا أستطيع.
هزت العجوز رأسها:
- لا..أفهم هذا ..لكن، أنت تريدين أن تخذليه في حفل زفافه..أليس كذلك؟
تنهدت سيلي:
- أوه..لا .. لن أفعل هذا ، لكن لا شيء أستطيع أن أفعله.
- بالطبع هناك شيء عزيزتي.. من واجبات أم العروس أن تشتري لها ثوب زفافها.
- لكن.. ليس لي أم.
- لديك أنا عزيزتي.
وكان هذا أكثر من أن تتحمله سيلي، المشدودة الأعصاب كأوتار الكمان، و تفجرت الدموع.. وجدت نفسها تريح رأسها على كتف المرأة الرائعة، وتبكي من كل قلبها..جاء توري إلى الردهة ليسأل، لكن لوحت له أمه بالابتعاد.. في اليوم التالي خرجت المرأتان للتسوق.. كانتا تفتشان عن شيء بسيط، لكن استغراق إيجاد هذا أكثر بكثير من أي شيء غالي الثمن.
-------------------------------------------------
أخيراً وجدتا ما أرادتا، فستان من قطعتين، من الحرير الأبيض الصافي و بلوزة حتى الوسط، و تنورة تصل الى الركبة، مع ربطة مطاطية عند الخصر، أما كلفته تفوق ثلاث مرات مدخرات سيلي.. لكن السيدة ناي استهزأت بفكرة ارتفاع الثمن وطلبت زوج أحذية يتناسب معه .
كلفة ما اشتريناه اليوم جعلتها تقشعر برداً، في طريق عودتهما إلى الفندق، قالت السيدة:
- ستأتي جاين يوم الثلاثاء، أكره أن أعدها liilas عن المدرسة بعد كل ما فاتها.. لكن ، إنه يوم زفاف والدها، والمديرة موافقة.
كان تيري يبدو منزعجاً أكثر فأكثر مع مرور الوقت، وهذا ما جعل سيلي تقلق.. وأكملت السيدة ناي:
- بعد الزفاف..أنت من ستقررين أموراً كهذه سيلي.
- أمي!
لا تعترض توري.. ما إن تتزوج، فستصبح جاين مسؤولية زوجتك، و أنا أنتظر اليوم الذي سوف يتم فيه هذا التغيير، صحيح أنني أحبها كثيراً، لكنني لم أعد شابة بما يكفي للتعامل مع فتاة في مثل سنها.. والآن.. ماذا تودين أن تفعلي أيتها الشابة؟
تنهدت سيلي:
- الوقت متأخر، و أفكر بالعودة إلى المنزل..الآن و..
- منزل؟ أتشيرين إلى ذلك المنزل على.. ما اسم المكان؟
رد ابنها:
- نافيكايشن لاين.. سأوصلها بنفسي، ثم أعود.
- طبعاً..لكنني سآتي معك لألقي نظرة على ذلك المكان، أقلت إنك تعيش الى جوارها توري؟
- أجل أمي.. لفترة.. تفهمين هذا ، لكنك لن ترغبي في رؤية المكان، إنه في المستشفيات، وليس أبداً ما..
- توري ناي.. لا أصدق أنك تجد صعوبة في السمع.. قلت لك إنني أريد رؤيته، والآن لننطلق في طريقنا..
بكثير من الارتباك، صعدت إلى المقعد الأمامي للمرسيدس و انحشرت ما بين توري و أمه، تقول محتجة:
- أستطيع الجلوس في الخلف.
قالت السيدة ناي:
- أبداً.. هناك مكان واسع.
توقفت السيارة على بعد خطوات من المنزل..وجلست السيدة ناي جامدة للحظات، تدرس المباني المعزولة، ثم سألت والدهشة في صوتها:
- أتعيشين هنا؟
ردت سيلي متصلبة:
- أجل.. وأنا محظوظة لأنني وجدت مكاناً كهذا، من الصعب إيجاد مكان سكن في " الكاب" وحصلت عليه بإيجار سنوي، وليس باستثمار صيفي.
قالت الأم:
- أفهم هذا.. وأظن أنني أرغب في رؤية الداخل.
فتحت الباب و خرجت، ولحقت بها سيلي تقول لنفسها: المتاعب قادمة، الخارج سيء بما يكفي.. فانتظري لرؤية الداخل، لكن السيدة ، لم تكن مستعدة للتراجع .. ولحقت بسيلي إلى الباب الأمامي ثم إلى غرفة الجلوس، لتتوقف في منتصفها، وتستدير ببطء، تنظر إلى كل زواية و فسحة، كل ثقب في السجادة، كل خدش في كرسي، والغبار على الطاولة القهوة.
قالت سيلي في نفسها: ياإلهي! إنها تطبق التفتيش العسكري الصارم! هل تفعل كل الحموات هكذا؟ لابد من إيجاد طريقة لإلهائها؟ .. قالت:
- المطبخ من هنا، نقوم بكل..أعني، أنا أقوم بكل معيشتي في المطبخ.
- حقاً؟
ولحقت بها إلى المطبخ أحست سيلي بإمان أكثر، كل شيء كان في مكانه.. كل الصحون نظيفة تلمع، حتى سله المهملات نظيفة.. تقدمت السيدة " المفتشة" إلى المغسلة رأساً، كانت متكسرة، تشابه الموزابيك في معبد إغريقي مهدم.
-----------------------------------------------------
سألت سيلي آملة :
- أعتقد أنك لا تريدين رؤية الطابق العلوي.
ردت السيدة:
- أوه..بلى.. بكل تأكيد أريد.
توجهت سيلي إلى فوق و لحقتها الأم.. الغرف كانت نظيفةو الأسرة مرتبة و المفارش نظيفة جديدة،، الحمام لماع..لكن.. كان لونه داكنا.. وقامت السيدة ناي بما لا يصدق..أدارت الماء، وراقبت المياه الصدئة تتسرب من الصنبور .. ثم أقفلتها.
قالت: هذا غير نافع توري.. لايمكن أن تتزوج فتاة لطيفة مثل سيلي في مكان قذر كهذا.
- لكنني..
رفعت ربة العائلة يدها تقول:
- واضح أنك فعلت العجائب للحفاظ على نظافة المكان .. لكن، واضح كذلك، أنه مكان لا يستحق كل هذا الجهد..توري؟
قال: حسناً..يمكننا أخذها إلى الفندق.
ابتسمت الأم:
- هذا ما أفكر به.
قالت سيلي:
- لكنني لا أستطيع.. تعرفين جيداً سيدة ناي أنني لا أستطيع.
- نادني" أمي" عزيزتي..بلى تستطعين، هل لديك حقيبة ملابس؟ اذهبي ووضبي أشياءك طفلتي..
قالت سيلي:
- لكن.. إيجاري ساري المفعول حتى الواحد و الثلاثين من كانون الثاني..وأنا..

ارتفعت اليد النبيلة مرة أخرى، تقول توقفي، لماذا أترك نفسي أتلقي الأوامر من هذه المرأة الصغيرة الجسم؟
أجفلت لسماعها صوتها يقول:
- حاضر سيدتي، سأوضب حقيبتي.
تقدمت عبر الردهة إلى غرفة نومها، ولحقت بها السيدة ناي.. وكافحت سيلي جاهدة لتستعيد حقيبتها من ارف الأعلى الذي حشرتها فيه.. فتحت الحقيبة فوق السرير، وبدأت تنقل ما في الخزانة.. ولم يستغرق هذا طويلاً.
كانت الأم قد جلست على الكرسي الوحيد في الغرفة، تهز نفسها ببطء إلى الأمام و الخلف، وقالت:
- كنت تسافرين خفيفة الأحمال..أليس كذلك؟
تنهدت سيلي:
- أجل..أفترض أنك تعرفين أنني.. كنت مضطرة للهرب.
- أعرف عزيزتي..أنا وزوجي نتشارك في كل شيء..ما تقولينه لي تقولينه له والعكس صحيح.. التبادل الصريح يبقي الزواج حلواً.
أقفلت سيلي الحقيبة، لكن القفل كان مكسوراً، ولم تهتم به.. استدارت تنظر إلى المرأة المسنة، تقول بصوت منخفض:
- أتمنى لو أعرف شيئاً عن الزواج، لم أشاهد يوماً زواجاً ناجحاً..أعني أنني لم أكن يوماً قريبة بما يكفي من زوجين لأرى كيف يعيشان من يوم إلى آخر..وأريد أن أعرف.. توري، بالنسبة لي، صعب أن أعرفه.
- ما الذي تعرفينه عنه بالضبط؟
تجعد جبين سيلي، وأحست باحذر:
- الشيء الوحيد الذي أعرفه، أنني أحبه.. ولا أظن أن هذا يكفي، فما هو رأيك؟
ضحكت السيدة ناي:
- لا أدعي أنني خبيرة.. فما تزوجت سوى مرة واحدة.. لكنني و غاري معاً منذ اثنتان و أربعون سنة.. هناك أيام كثيرة ستمرين بها عزيزتي، ولا يمكن لتلك الأيام أن تتحمليها بالحب وحده.. فالأمر يتطلب مشاركة أكثر..أشياء يومية.. لكنك ستتعلمين كل هذا.
- لكنني لا أعرف ما يكفي عنه، لإجراء حديث بعد الزفاف، أخبريني على الأقل لماذا هو غير وسيم، بينما أباه شقيقاه بتلك الوسامة؟
قالت قمر الليل بصوت منخفض:
- آه..لن يخبرك عن هذا..توري هو طفلي المدلل.. كان أجمل ولد بينهم، لكنه ذهب إلى فيتنام مع فرقة الاحتياط ليحارب.
- أوه.. يا إلهي، لم أكن أعرف هذا.. هل حصل له.. حادث؟
- كان متزوجاً قبل سنة ذهابه.. وولدت جاين بعد رحيله، لكنه عاد بوجه مدمرتماماً..حتى اضطر الجراحون أن يعيدوا بناءه.. زوجته نظرت إليه نظرة واحدة وهربت .. وهذا ما تركه مريراً، ولا زال لديه مشاكل عاطفية بسبب خدمته العسكرية، وستلاحظين هذا، يحتاج إلى رعاية ويد حازمة، كوني لطيفة معه.. يحتاج إلى من يحبه لنفسه فقط.
ردت سيلي بإكتئاب:
سأحاول.. لو تركني أفعل.
----------------------------------------------

5- عروس و حيدة


سمعت عن زيجات غريبة.. لكن في مكتب قاض! تذكرت أنها حين تقدمت لوظيفة سكرتيرة وجدت أن أسهل وسيلة للرفض هي كلمة لا خبرة...ماذا لو استدار إليها القاضي سايمون و سألها:" كم لديك من خبرة آنسة بانكوس؟"
ارتجفت قمر الليل ثم تعلقت بذراع توري..إنه الشيء الوحيد الثابت في الغرفة حولها..هو و جاين الواقفة إلى جنبها، ترتدي فستاناً يشابه الذي ترتديه بنفسها.
كان القاضي مستعجلاً.. وابتسم لتوري كصديق قديم، ثم انطلق يردد كلمات و ثيقة الزواج، مهما بدا لها هذا الكلام غير مفهوم، إلا أن توري بدا وكأنه يعرف بالضبط ما يجري، بعد انتهاء كل شيء..قبلها باحتشام على جبينها، وكأنما يظنها ستنكسر لو لامسها.
كان الخاتم في أصبعها ثقيلاً، من الذهب الخالص، يناسب خاتماً ماسياً آخر أعطاه لها في اليوم السابق، لاشك أنه كلف ثروة.. سيلي الجميلة! أوه يا إلهي.. ياله من لعب على الألفاظ!
لكنها كانت فعلاً تبدو جميلة.. وتعرف هذا..
قال توري في أذنها
:
- ابتسمي.. فالعروس
دائماً سعيدة.
تأوهت:
-أوه بالتأكيد..أكاد أبكي..أخرجني من هنا!
وضع يده تحت ذراعها، وشدها عبر المجموعة، التي بدت لها حشدا، مع أنها لم تكن سوى والده، وأمه و إخوته الثلاثة، وأخته إيلين.. وتشكلت الدموع في عينيها.. سارعا للخروج من المبنى المنخفض، وكانت جاين خلفهما تماماً، تتمسك بأطراف ثوب سيلي، التي كانت تضغط دموعها و تعيد السيطرة على نفسها..
-------------------------------------------------------------------
رفعت جاين نظرها إليها مترددة:
- الآن، أستطيع مناداتك ماما؟
ردت: إذا أردت.
وارتسمت بسمة كبيرة على وجه الفتاة..إنها تشبه أباها، لكنها محببة أكثر بكثير، اندفعت الطفلة إليها وهي على وشك البكاء..أوه..أمي.
وتركا معاً الفيض يتدفق، كل منهما تبكي ، لسبب مختلف..ووقف توري مذهولاً..حين عادت إلى الوقوف، ترفع الطفلة في ذراعيها، رأت النظرة على وجهه..دهشة، شك، وذهول..وشيء آخر لم تستطع تصنيفه، وجاء أبواه خلفهم.. ضحك السيد ناي:
- هاي..توقفا عن هذا، شهر العسل انتهى..أحتاج إلى حديث مع زبونتي.
احتجت سيلي: لكن..لكن..
قال توري ببرود يقطر من كل كلمة:
- سأعيد جاين إلى الفندق..اذهبي مع أبي، ثم انضمي إلينا ساعة تستطعين، نحن في الغرفة رقم عشرين مجدداً.
استغرق الاجتماع قرابة الثلاث ساعات.. بعدها استدعى سكرتيره، لإملاء أكثر من دزينة نماذج و توقعيها، بعد الانتهاء الأوراق، أعطاها لكاري، الذي غادر فوراً إلى بوسطن، وكانت الساعة عند انتهاء كل شيء، وتبسمت راضية،وسألت مترددة:
- أواثق أن هذا سينجح؟
ضحك:
- متأكد تماماً، وإلا لماذا دفعت لي كل ذلك المبلغ الضخم؟
انجرفت قمر الليل مع مزاحه المتحمس:
- لكنني الآن أتمنى لو لم أدفع لك دولاراً كاملاً..فقد خرجت مع زوجتك، وصرفت كل بنس معي..
قال ينصحها:
- هذا عمل المتزوجين..اذهبي و ضعي حملك على توري.
وضعت يديها على خديها:
- أوه.. لا أستطيع.. كلما ذكرت المال أمامه يجن..أنا لن أستطيع.
قال:
- إذن سأقول لك ماذا تفعلين..كمحام لك، أستطيع أن أقرضك شيئاً على أساس تسوية القضية، مارأيك بخمسماية دولارا؟
- أيمكنك هذا؟
- طبعاً.. وبشكل قانوني عزيزتي.
أخرج قلم الحبر الذهي وحرر لها شيكاً، وسألت:
هل لي بسؤال آخر؟
- كمحام لك؟
- أعتقد..كوالدي.
- إذن الجواب هو نعم ، بإمكانك السؤال دون أتعاب.. ماهو السؤال؟.
- حسناً..توري محام أيضاً..وتعرف ماذا سيحصل لأموالي، هل يكتسب المحامون ما يكفي من مال لتأسيس عائلة كبيرة؟
ضحك:
- هذا يتوقف على أشياء كثيرة، لكنه سؤال يسعد قلبي.. هل تنوين أن يكون لك عائلة كبيرة؟
أحنت رأسها لتخفي احمرارها، وتنهدت:
- أجل..لكننا لم نتكلم عن هذا بعد، و لا أعرف ماذا سيظن بي..
- الرد هو أجل.. توري محام بارع جداً..وبإمكانه كسب مال يكفي لإعالتك وإعالة عائلة كبيرة معك.. راضية؟
- أنت رجل رائع.
لوى رأسه جانباً ينظر إليها مبتسماً:
- أتمنى ياطفلتي أن تتحقق معظم أحلامك..والآن اذهبي لتغتسبي، ولا تأكلي شيئاً، فأنا سأدعوكما للعشاء الليلة، ثم سنترككما جميعنا.
-------------------------------------------------------------
مدت قمر الليل يدها تمسك ذراعه:
- أوه.. لن تخبر توري..عدني أن لا تخبره شيئا عن المال.
- أعدك، حبي ..لن أخبره تحت أي ظرف كان.
ابتسمت شاكرة:
- وهل ستعودون جميعنا إلى" نورثهامبتون" الليلة؟
- لا.. فقط، ماما و إيلين وجاين، أما الصبيان وأنا فسنقضي بضعة أيام في بوسطن.
- وهل يجب أن آتي معكم؟
- أبدا سيلي..هذا الأمر سينجح أكثر لو كنت مفاجأة تامة لهم، حين ندخل إلى ذلك الاجتماع في الخامس عشر من الشهر، أريد أن أسمع شهيقهم جميعا.. بعدها يبدأ تنفيذ الإعدام سأعود في الرابع عشر، وسنذهب مباشرة إلى الاجتماع.
طبع قبلة على جبينها، ودفعها إلى السيارة المنتظرة..مرت أربع ساعات منذ رأت "زوجها" ويجب أن تعتاد على هذا الاسم.. وقفت ما يكفي فقط في ردهة الفندق لتحضر مفتاحها، وسارعت عبر الممر.. كانت القاعة فارغة هادئة.. وضعت المفتاح في قفل الغرفة عشرين، أدارته، وفتحت الباب.. لتجد الغرفة كذلك فارغة هادئة.
ترددت، لاتريد الدخول إذا لم يكن هناك .. وتأرجحت بين خيارين.. أخيراً لاحظت كم تجعد فستانها.. وبكل تأكيد وجهها لإعادة التزيين.
خلف الباب الموصد، نظرت حولها، كانت حقيبتها قرب السرير.. كان قد أخرج شخص ما ملابسها منها..
حذرتها أن الوقت يطير، ويجب أن تكون في الثامنة في قاعة الطعام الرئيسية، كما قال لها السيد ناي.. والساعة الآن السابعة إلا عشر دقائق.
خلعت ملابسها واعتنت بالفستان.. تحتاج لحمام ساخن يريح أعصابها و يحضرها لليلة ستأتي..
بقيت في المغطس إلى أن بردت المياه، فخرجت وهي مهتاجة الأعصاب.. ثم وضعت فستاناً براقاً تملكه ، جيداً بما يكفي لعشاء عائلي؟
لم يظهر توري.. لكن حان الوقت للذهاب إلى العشاء.. وأسرعت في الخروج.. كانت العائلة في الانتظار في قاعة الطعام في فندق " ويستر"..
ماعدا توري، وتحلق الجميع حولها يسقبلونها.. قبلات و عناق طويل سعيد من جاين.
سألت الأم:
- أين توري؟ أكنتما تفعلان شيئاً في غرفة النوم؟
ضحك الجميع عدا سيلي.. فتلاشى الضحك فوراً.. وتنهدت:
- لست أدري..لم أره منذ مراسم الزفاف.
قامت بجهدها، لكن البؤس يسيطر على صوتها، ولا يمكن إخفاءه.. فقالت الأم:
- ذلك..الحمار.
ثم بصوت ناعم أكثر ، تأمل أن لا تسمعه سيلي:
- ماخطب ذلك الولد بحق الله؟
رد والده:
- كبرياء يساوي أربعين مليون دولار.
كان سمع سيلي غير اعتيادي، وجلست في الكرسي المقدم لها، ووضعت ساعديها على الطاولة، ثم جلست جاين إلى جانبها، لتسأل:
- لست غاضبة من أبي، بهذه السرعة؟
قامت سيلي بحهد كبير لتبتسم:
- أنا؟ بالطبع لا، أعتقد أنه مشغول جداً بشيء ما حبي، تعرفين أننا استعجلناه دون شفقة هذا الأسبوع.
ردت الطفلة، قبل أن تغرق في حسائها: ربما.
جرى الحديث مع الطعام، عائلة ناي كما يبدو مجموعة غير متحفظة، قليل من النقاش الجدي مع كثير من المزاح.
في منتصف جولة الطعام الثانية، وصل توري..لم يقدم عذراً، ولم يحدث أحداً، جلس في مقعد في الطرف المقابل من سيلي.. صدمها وصوله.. كان يبدو متعباً، بذلته على غير عادة مجعدة، ربطة عنقه في منتصف قميصه.
-------------------------------------------------------------------
نظرت سيلي إليه، لكنه تجنب نظرتها.. هذا يساعدها قليل من التجربة.. لكنها لا تعرف ماذا تفعل؟
انتهت الوجبة باكراً، وأخذت جاين تتثاءب وهي تتناول الآيس كريم هانيز.. زوجي يريدنا أن نخلي المنطقة هنا.
قالت سيلي: ماذا عني وعن توري؟
-أتوقع أن تبقيا هنا.. وهل هناك مكان أفضل لشهر العسل؟ سوف يسافر غاري والأولاد إلى بوسطن الليلة..حين ينتهي كل شيء، أتوقع أن تنضمي إلينا في"نورثهامبتون" إلى أن تجدا منزلاً خاصاً.. بإمكانكما العيش معنا.
تدخلت جاين:
- هذا رائع جدتي.. هل سنذهب الآن؟
بقيت سيلي في مكانها إلى أنتهت فوضى الوادع، ثم وقفت لتتقدم نحو توري، لكنه لم يتحرك..مالت فوق كرسيه، liilas ووضعت ذراعيها حول صدره.. تلقت قبلات كثيرة، ذهب الجميع، لتبقى وحدها مع زوجها.. ماعدا ساقي أسرع لتنظيف الطاولة.. ولازال توري صامتاً، لم يقل لها شيئاً.
قالت لنفسها: لم أعرفه من قبل من النوع الصامت..لكن إذا أراد تمثيل البرودة، أعتقد أنني يجب أن أجاريه.
قبلت خده وقالت:
- أنا ذاهبة إلى الفراش توري.
- أجل.. لماذا لا تفعلين هذا؟
وهذا لم يكن حسن تصرف مع فتاة ليلة عرسها، وابتعدت نحو غرفتها.. لم يتغير شيء.. لاشيء رجالي في الحمام..فجأة صدمها إحساس داخلي.. لنفترض أنه لم ينه بعد عمله في المنطقة؟ لنفترض أن لديه أشياء خطيرة أهم من عروس وحيدة؟ تلاشى المرح من كل شيء..تحضرت ببطء للنوم..حمام سريع.. تملك ثوباً
وحيداً يناسب هذه الليلة، ، ثوب حريري زهري، نصف شفاف، يتدلى متأرجحاً حول كاحليها، ارتدته ببطء، آملة أن يسرع الوقت.. لكن لم يحدث شيء، استطاعت سماع الموسيقى و الغناء من قاعة الرقص في الجهة الأخرى من الفناء المفتوح.. فالساعة الآن التاسعة و النصف فقط و قالت لنفسها: " أنا الوحيدة التي ستذهب إلى النوم!". وهذا ما فعلت.
المفارش كانت باردة ناعمة الملمس، بعد عشر دقائق تحديق إلى السقف ، استدارت إلى الطاولة الصغيرة قرب السرير لتلتقط أحد الكتب.. كانت القصة مملة، والليل هادئ، في مكان بعيد سمعت ساعة تدق الثانية عشرة، ثم الواحدة، وانزلق الكتاب من يدها ليقع على الأرض.
استيقظت عند الثامنة، كان هناك سرب من السنونو يطير فوق الفناء الخارجي، والدنيا تعود إلى صخبها.. فتحت عينيها جيداً،
لا تغيير.. لازال النصف الآخر من السرير مرتباً..لم يأت.. رفعت نفسها على الوسائد، ووضعت يديها خلف رأسها.. هناك شي خاطئ بكل تأكيد.. أهو توري نفسه؟
نهضت ترتدي الجينز و الكنزة، ترش الماء على وجهها، ثم تضع الحذاء.. خرجت عبر الممر إلى الفناء الداخلي.. ثم إلى الغرفة الزجاجية.. كان توري يجلس عبر الممر إلى الفناء الداخلي.. ثم إلى الغرفة الزجاجية.. كان توري يجلس على الطاولة صغيرة، يتمتع بفطوره.. وقف وهي تتقدم، وأمسك لها كرسياً.. يسألها بابتهاج:
هل نمت جيداً؟
صاحت به:
- لا.. لم أنم جيداً.. كنت مستيقظة معظم الليل.
- لماذا؟
إنه حقاً غير مهتم.. وأخذ يدهن الزبدة على قطعة الزبدة على قطعة توست أخرى وهو يسأل، فأجابت من بين أسنانها:
- لأنني كنت أنتظرك.
نظر إليها، ذلك التجهم عاد إلى وجهه، عيناه ببرودة الفولاذ:
- هذا غباء منك.. لقد تزوجنا كي تستطعي المطالبة بمالك، ألا تذكرين؟
---------------------------------------------------------------
كانت قريبة من البكاء، لكنها قاومته:
- وهل هذا هو السبب الوحيد؟
لن أدعه يدفعني إلى البكاء..لن أبكي!
قال:
- بدا لي سبباً مهماً عندها.
لم يتغير وجهه الصارم.. وفكرت : يجب أن أكون ممثلة كبيرة.. ولايجب أن يعرف أنني أبكي من الداخل!
- أتعني هذا حقاً..توري؟
- بالطبع.
كان هناك عرق عصب صغير يعمل عند زواية عينه اليسرى.. على الأقل لديه شيء من المشاعر.. وأتساءل ماهذا؟ كراهية؟ أيكرهني لأنني حثثته على زواج هكذا؟ لكنه طلب مني! أم أن أباه أقنعه بهذا؟ حسناً.. إذ كان آل ناي يستطعيون لعب مثل هذه اللعبة، فآل بانكوس مستعدون لها.. لم أكن بحاجة إليه قبل الآن ولن أحتاج إليه الآن!
قالت بصوت منخفض:
- لا زال أمامنا عشرة أيام حتى الخامس عشر.. فماذا تنوي أن تفعل؟
قال ببرود:
- أوه.. سأبقى هنا، لم أذهب معك إلى بوسطن.. في هذا الوقت بإمكانك التجول في " الكاب" قليلاً.. تفرجي على المناظر.
- كسائحة.. وهل نسيت أنني عشت هنا منذ ما يقارب السنة؟
- أعرف.. هل أطلب لك فطوراً؟
- لا تزعج نفسك.. لا أستطيع تحمل..لا أستطيع..
دفعت قمر الليل كرسيها إلى الوراء وهي تبتلع ريقها بصعوبة..
قبل أن يتمكن من التحرك من الكرسي، كانت قد رحلت..عادت إلى غرفتها مجدداً و شرعت تعيد ملابسها إلى الحقيبة.. بعد أقل من خمس دقائق، بدا طرق عنيف على الباب.
-سيلي، أعرف أنك هنا.. افتحي الباب.
تمتمت لنفسها: لاو حياتك، وتابع الرعد لخمس دقائق أخرى، ثم توقف.. انتظرت إلى أن رحل.. ثم أنهت توضيب ثيابها بسرعة..اتصال بمكتب الاستقبال جاء لها بتاكسي، وبسرعة..أمسكت حقيبتهاوفتحت الباب بحذر:
كان الممر فارغا، شاهدت التاكسي الأصفر ينتظر، فركضت إليه و الحقيبة تصدم ساقيها.. استدار السائق الذي كان ينظر إلى الفناء الداخل بدهشة بعد أن صعدت إلى المقعد الخلفي.. وقالت متوسلة:
- أرجوك، أخرجني من هنا..أتعرف" نافيكايشن لاين"؟
- أجل.
- خذني إلى هناك..بسرعة..أوه، يا إلهي، يجب أن أتوقف عند المصرف التعاوني.
يبدو أن كلمة مصرف، أثارت اهتمامه، فأطلق للسيارة العنان..نظرت من النافذة الخلفية وهي تبتعد، مامن أحد يلاحقها.
لم يأخذ من وقتها سوى لحظات لتضع الشيك في الحساب وتسحب بعض المال النقدي.. لاتزال تشعر أنها ملاحقة، ركضت الى التاكسي و كررت العنوان، قاد السيارة بسرعة قدر مايسمح القامون..ثم أنزلها أمام باب دارها مقتنعاً أن معه امرأة مجنونة.. وانطلق مجدداً قبل أن تدفع له.
لا أحد حولها ليراها.. بدأت الدموع تنهمر ببطء، ثم هطلت حتى غطت عينيها و خديها.
دست المفتاح في قفل الباب الأمامي، واتجهت إلى المطبخ، لزمها أربع رحلات قبل أن تنهي تغريغ الطعام المعلب في الفان، ثم صعدت إلى فوق لتأخذ كل أدوات التخييم .. وأصبح الفان مليئا تقريبا..صعدت إلى مقعد السائق، تتلو صلاة قصيرة ليدور المحرك، و أدرات المفتاح.. ولأول مرة كانت محظوظة.. لم تعطه وقتا ليحمي، بل أرسلت المركبة تصعد إلى الخلف حتى الطريق العام.
--------------------------------------------------------------------
توقفت قمر الليل عند أول استراحة باتجاه الغرب، وأخرجت دليل " وودالز" لمناطق التخييم..باتباعها للتعليمات بدقة ، توقفت عند منطقة تخييم عائلية واستأجرت فسحة، وتمتمت متحدية وهي تفتح الخيمة الموصولة بالفان، لتزيد مساحة عشها الصغير: فليجدني الآن لو استطاع..ليحاول أن يجدني، وأتساءل إذا كان حقا سيفتش!
صنعت لنفسها الغداء من المعلبات، مستخدمة طباخ غاز صغير مجهز به الفان، ثم سارت في مشوار طويل عبر المخيم، تستكشف كل شيء، وعادت إلى الفان عند المغيب و تناولت سندويشاً، ثم سارت إلى دوش المخيم حيث استحمت بسرعة.. وعادت إلى مخبئها عند الثامنة.. كان الليل مظلماً، وشاملاً، لمعت بضع نجوم مستوحشة قليلاً ثم اختفت، ابتلعتها ظلمة الليل.. من الأفضل الخلود إلى الفراش، وهذا ما فعلت.
لكن النوم باكراً كان غلطة مريعة، أصوات الغابة في الليل، همهمة محركات السيارات البعيدة ، لم يكن تهدهدها لتنام.. بل كانت ترسلها إلى نوم خفيف متقطع، وإلى مناظر تريد أن تنساها.. العرس.. لكنها ضحكت..يا له من أمر رائع.. زهورو..لماذا؟ أعجب لماذا أزعج نفسه ليأتي؟ كان يمكنه أن يستأجر وكيلاً كما كان يحدث أيام زمان؟ على الأقل بتلك الطريقة ماكنت لأفكر في أمور سخيفة.. مثل أنه يحبني..يالها من فكرة مضحكة، تعبت من التقلب والتلوي في الفراش فنامت، وكان الليل قد تجاوز منتصفه.
مرت الأيام ببطء..كان قد انتهى الموسم منذ وقت طويل.. لكن بعض المخيمين القساة أصروا على البقاء..
لم تكن إقامتها كلها مرضية، وهذا ما قالته بالضبط لمدير المخيم الشاب ظهر يوم الرابع عشر.. كانت قد استيقظت ووضبت مخيمها، رتبت الفان، تناولت سندويشاً، ثم اتجهت نحو بلدة" سندويش" وإلى الفندق..
كل ميل كانت تقطعه كان يقربها إلى توري، ويشنج أعصابها.. بعد نصف ساعة، كانت تدخل موقف السيارات إلى جانب الفندق، توقف المحرك، ثم تدخل عبر الباب الجانبي..لم يعرفها موظف الاستقبال، لكن حين أعطته اسمها رفع رأسه مجفلاً:
- سيد ناي؟
الاسم أدهشها..مضت لحظة قبل أن تستوعبه.
- أجل ..سيد توري ناي.
ركض الموظف إلى الهاتف يقول وهو يدير القرص.
- زوجك يبحث عنك.. يكاد يفقد عقله.
ردت ببرود:
- إنه هكذا منذ سنوات..ألا زالت لدي الغرفة رقم عشرين؟
تابع الموظف:
- وشرطة الولاية.. لقد أطلق كل موظف قانوني الولاية ليبحث عنك!
كانت قمر الليل متعبة أكثر من أن تثار..فتنهدت:
- إذن، لم يعد عليهم الآن أن يبحثوا، ألازالت لدي غرفة رقم عشرين؟
- حتى أنهم اتصلوا بفرق إنقاذ الجو و البحر..أتتصورين هذا؟ كل مراكز حرس السواحل.. ظنوا أنك قد ضعت في المستنقعات.
سخرت:
- أمر سخيف، أعرف المستنقعات كظهر يدي..ألا زالت لدي الغرفة رقم عشرين؟
- وجعلوا كل محطة راديو في الكاب تذيع نداءات، لابد أن أنك سمعتها؟
تثاءبت:
- أجل.. وأراهن إن هذا كان مثيراً جداً ..أنا متعبة.
- لازالت لديك الغرفة رقم عشرين سيد ناي..قال زوجك ان علينا أن نحتفظ بها إلى..مهما طال الوقت.
- فعلاً؟ في هذه الحالة، هل لي أن آخذ مفتاحي؟ إنها في الفان القديم قرب الشرفة الجانبية.
وجاء بها أحدهم..لم تتغير الغرفة أبداً منذ تركتها..أحست بحكاك في بشرتها..التخييم أمر رائع، لكن هناك جراثيم في الحمامات لا تلائمها.
ملأت المغطس بالماء الساخن.. وتنعمت من جديد بصابون حمام شخص آخر.. ثم غاصت في دفئه، لابد أنها غفت، لأنها حين سمعت صوت صفق باب غرفتها بصوت هائل، أجفلت ، ولاحظت أن المياه بردت.
- سيلي..أين أنت بحق الله يافتاة؟
-----------------------------------------------------------------
ودخل الحمام يكمل بحنق:
- أين كنت؟
غاصت قمر الليل في الماء تحت مستوى رغوة الصابون، تنهدت ترد ساخرة:
- شكرا لك..وأتمنى أن تكون أنت أيضاً بصحة جيدة.
صاح:
- ياإلهي يا امرأة..جعلتني مربوطاً بعقد كثيرة منذ أسبوع، هذا دون ذكر نصف قوى البوليس في الكاب.
سألت بحلاوة:
- ولماذا تأخرت لتقلق؟
اقترب إلى جانب المغطس، وركع يسأل:
- ماذا تعني بكلامك؟
ردت ببساطة:
- قلت انك قلقت منذ أسبوع، وفي الواقع أنا رحلت منذ عشرة أيام..فهل لزمك أربعة أيام لتكتشف أنك نسيت أين وضعت إحدى ممتلكاتك؟
دمدم:
- لأجل الله.. لا تتكلمي مثل هذا الكلام المتأنق الوقح، أنا لا أحتاج إليه.
ردت:
- ربما تحتاج إليه..ربما يوجد الكثير من الناس في العالم يقفزون حين تفرقع بأصابعك..حسناً..أنا لست منهم..توري ناي..أما أين كنت، فهذا شأني وحدي.. وعدت أبيك أن ألاقيه هنا ليلة الخامس عشر من الشهر، وها أنذا، ولا أذكر وعداً لك.. في الواقع يبدو لي أنك كنت أكثر من سعيد لرحيلي..والآن، إذا كنا قد سوينا كل هذا برضى..أتسمح أن تغادر الحمام؟ أريد الخروج من هذا المغطس قبل أن أتجمد و أموت.
-صاح:
- سأخرجك..ولا..لم ننه بعد حديثنا، صدقيني.
سخرت منه:
- أصدقك، لكنني أنا أنهيت الحديث، ولا أظن أن لدي شيئاً واحداً أحدثك عنه.. ليس هناك شيء واحد..ماذا تفعل؟
كان يرتدي معطفا وربطة عنق لكن، دون أي تردد، مد ذراعيه إلى المغطس، ورفعها إلى الأعلى، وكأن وزنها ريشة.
صاحت راعدة:
- أنزلني..أيها..أيها المتوحش، أنزلني.
وكادت تهرب منه..لكنه تمكن من الإمساك بها، حاولت ركله و ضرب أذنيه بكلتا يديها، لكن قبل أن تصيبه بضرر، تمكن من إخراجها إلى غرفة النوم، حيث أنزلها فوق السرير.
تأوهت:
- انظر الآن ماذا فعلت.. لقد أفسدت فراشاً جيداً!
هددها:
- وسأفسد أكثر بكثير من هذا قبل نهاية هذه الليلة.
عاد إلى الحمام، أحضر المناشف، وعاد، يرميها بمنشفتين..كانت حدود غضبها تتمرد ليحل محلها الخوف.. صحيح أنها فتاة كبيرة الجسم، لكنه أكبر منها، ولم يكن ما يلمع في عينيه، أي دليل على الحب الأبدي..بل كانت نظرة إجرام كاملة.
جلس على السرير إلى جانبها قائلاً:
- أبي ينتظرنا..لقد جرب كل أنواع الدوران والالتفاف لأجلك.. واللعنة عليك.. يجب أن تكوني هناك ..أتسمعينني؟
قالت لنفسها: أنا لا أخشاه لأن له صوت ضخم..ومن الأفضل أن لا يحاول أن يكون قاسيامعي..فأنا لم آخذ كل دروس الكاراتيه للأشيء..
تمتمت:
- فكر، أنت لا تريدني وأظهرت لي هذا أكثر من مرة.
كان صعبا أن تمنع ظهور المرارة في كلامها..
رد:
- تعرفين الكثير.. ربما أريدك.
وقف يخلع معطفه و قميصه، فتكورت في السرير غير قادرة على التفكير..
----------------------------------------------------------------------
واستر ضميرها يقول:إنه زوجي ، وله حقوق، لكن ليس هكذا..ليس هكذا.
جلس على السرير مجدداً، وبدأ يخلع حذاءه ثم جواربه..لابد أنه في هذه اللحظات، لاحظ الخوف، و الصدمة العميقة في عينيها..فسأل بسخرية:
- هل خطر ببالك أخيراً، أن زوجك قد يرغب في اغتصابك؟
جمعت آخر شجاعتها:
- حسن جداً..يجب أن أنام قليلاً.
ضحك، وقال:
- مارأيك بهذا.. كل ما أردت أن أفعله هو تخلص من ثيابي المبللة.. أما الاغتصاب فليس هذه الليلة، ليلاس سيدتي الصغيرة..هل حقاً لازلت عذراء؟
قالت ساخرة، تحس بالإذلال أكثر مما تستطيع أن تقول:
- هذا شيء لن تعرفه أبداً.
من قال إن القدر أسوأ من الموت؟ في أول فرصة متاحة حيث يتألم حقاً..بدأت تتقلب عن الفراش، لكن يداه أمسكتا ذراعيها، وأوقفتاها في مكانها..وضحك مجدداً:
- لا..لن تفعلي هذا..لا أنوي أن أتركك تخدعينني..على الأقل ليس الليلة!
لم يلحظ أي منهما القرع الخفيف على الباب، ولا تكراره مرتين، ولا لاحظا كذلك إدارة مقبض الباب..كانا معاً يحدقان في عيني بعضهما بقسوة حين أدخل والده رأسه من الباب، ضحك وقال:
- ظننتكما ضائعين، فجئت أستعجلكما..عذراً!
وأقفل الباب مرة أخرى، يصيح خلف الباب:
- أخرجا متى كنتما جاهزين.
ترك توري ذراعي سيلي، فخرجت عن السرير.. وقف بدوره، واتجه إلى الباب.
- أنا في غرفة على بعد بابين منك..اقرعي الباب متى انتهيت.
ذهبت خلفه إلى الباب تقفله ليفصل بينهما، ثم أسندت نفسها على الحائط.. لاشك أنها ستبكي كثيراً في السر.
********************

استيقظت قمر الليل قبل الطيور، لم تبرز الشمس بعد في الأفق.. كانت السماء صافية، لا غيمة فيها، مع ريح خفيفة فوق المحيط..فكرة واحدة تسيطر على عقلها: هذا هو اليوم الموعود، هذا هو اليوم، تذكرت نصيحة عمها وهو يضحك وقت العشاء ليلة أمس:
- ارتدي ملابس محتشمة.. وكأن الزبدة لا تذوب في فمك!
كان ثوب عرسها الفستان الوحيد الذي يتناسب مع هذا الوصف.. ملّسته بحب قبل أن ترتديه، وأمضت دقائق تملّسه وهي تلبسه..
كان العشاء بالأمس هادئاً..خرج توري ما إن قرعت بابه، ليمسك ذراعها بقسوة تركت أثرها، يسرع بها إلى المائدة العشاء دون كلمة، كان أباه لطيفاً أكثر..لكنه كان مشغولاً بأوراق.
- سيرافقنا مأمور شرطة..فمع أربعين مليون دولار، لن يعرف أحد ما قد يحدث.
نظرت بسرعة إلى توري..حال ذكر المال، تحول وجهه إلى البرودة و أشاحه عنها.
وضمت شفتيها معاً، مصممة أن لا تتكلم.. وهكذا..عواطفها متقلبة، مرتفعة أحياناً، ومنخفضة أحياناً وكأنها تركب الموج المجنون..مما تركها مرهقة تماماً.
والآن، في الصباح الهام، كانت الأمور لا زالت كما هي، كانت في مزاج عاطفي مرتفع وهي ترتدي حتى كادت تغني وهي تفتح الباب لتوري بعد قرع خفيف، لتجده بوجه بارد.. فهبطت معنوياتها..أخذها عبر الردهة إلى المدخل الأمامي..حيث تمكنت من استجماع نفسها، لن تترك هذا الرجل يفسد عليها يومها..لن تتركه.
--------------------------------------------------------------------------
ابتسمت، وتحولت إلى ذراع حماها، أجفل توري، ابتسم والده، وربت على يدها و أمسك بها بأمان.
السيارة التي كانت في الانتظار كافية لتخطف أنفاسها..ليموزين طويلة ممتدة، أطول بعشر أقدام من أي سيارة عادية، تبدو كسمكة قرش رمادية، تنتظر لتبلغ أحداً، كل ما استطاعت قوله هو"واو"
قال السيد ناي:
- من الآن وصاعداً، كل ما سنفعله يجب أن يكون من الصنف الأول..أين ذلك المعطف الفروي الذي طلبت من إيلين أن ترسله؟ ألم يصلك؟
تنهدت:
- لم ترسله..لكنني لن أتمكن من ارتداءه..لمجرد وضعه على كتفي، أحزن لأمر كل تلك الحيوانات المسكينة.
ضحك محاميها:
- كنت أتمنى عليك لو تبدأي يومك بقلب قاس أكثر، ولا تتأثري كثيراً بهذه الواجهة التي نستخدمها.. فالسيارة مستأجرة.
ضحكت:
- أوه..هذه فرصة لنا إذن.
قال زوجها متجهماً:
- لا تضحكي كثيراً! سيسجل عليك الضحك في الفاتورة.
مدت يدها إلى يده:
- ستكون معي توري..لذا لن أكون ..خائفة.
ضحك الأب:
- هذا ليس ضمن برنامجنا، نحن ذاهبون لنعلب دوراً على هؤلاء الناس.. إذا أخذنا توري إلى المؤتمر، وكان مزاجه سيئاً كما كان خلال هذا الأسبوع، ستكون ليلاس هذه آخر دعوة يستلمها آل ناي.. لا سيدتي، سيلستي..أنت و محاميك ستلعبان هذا الدور لوحدكما، وبإمكان توري الجلوس في الردهة أو أي شيء آخر.. ولا أظن أن الأمر سيطول..
- ولا أظن نفسي قادرة على البقاء هناك طويلاً،عمي بيونيل سيكون هناك وكذلك رايد وكل أبناء العم الآخرين، ولا أظن أن الأمر سيعجبني دون وجود توري معي.
سألها زوجها:
- ومن هو رايد؟
نظرت إليه بدهشة:
- ألم يخبرك عن رايد؟ ظننت نفسي فعلت ،إنه ..ابن عمي الثالث في التدرج، أو شيء من هذا..
انكمشت في مقعدها، مكتئبة بالفكرة، فقال توري:
- لاتدعي هذا يخيفك، تظنين أن من حقه أن ينتصر.. ليس الأمر هكذا ، فكري بنفسك و كأنك ستدخلين إلى هناك مع قرش أبيض قاتل، سينطلق هناك و يفترسهم وهم لا يدرون، سأكون مسروراً بالانتظار في الخارج.. لن تحتاجي إليّ لتسوية أمر الأربعين مليون دولار.
وكانت هذه آخر كلماته.
ازدادت نبضات قلب سيلي..تقول لنفسها بمرارة: ياإلهي ظننته سينزعج ، لكنه غاضب بجنون لأنني ورثت هذا المال،إذا لم ينجح المشروع اليوم..ستصبح أمامه بلهاء كاملة، انظرت إلى عمها نظرة توسل..فابتسم و غمز لها، ثم أعطاها بضع أوراق.
- أدرسي ما ستقولينه..معظم الناس ليسوا أذكياء كما يعتقدون..هناك فارق كبير بين الذكاء و المهارة، ولدي انطباع أن عمك ماهر جدا .. وهذا من سوء حظه ، فما إن نجلس على طاولة الاجتماع، حتى تكون القضية قد استأثرت باهتمام الجميع..على الفكرة، الاجتماع مقرر داخل البلدة في المنطقة المالية..ربما ترغبين في التوقف عند منزلك و إنعاش نفسك؟
ارتجفت، وتحركت في المقعد تضغط نفسها على توري، وتقول:
- إذا كنت تعني ذلك المنزل في شارع "غاينزبرو" لا أريد دخوله أبدا، إنه منزل جدي..وحيث يعيش العم ليونيل الآن، ولاأملك الشجاعة لهذا.. لا.
-----------------------------------------------------------------------
كانوا قد وصلوا إلى ساحة" وينتروب" قلب بوسطن المالي، المبنى الآجري الأحمر أمامهم بناء قديم و متين..وسأل العم:
- هل ينظر إلينا أحد؟
قال توري:
- هناك ثلاثة أشخاص في نافذة الطابق الرابع..اختفوا عن الأنظار.. لقد شاهدوونا دون شك.
- هذا ما نحتاجه..فلا فائدة من كل هذه التحضيرات الفخمة إذا لم يشاهد أحد وصولنا..انظر إلى هذا البناء؟ أراهن أن إيجاره ضخم جدا.. حسنا..الاجتماع محدد بعد ربع ساعة من الآن..
سألت سيلي:
- أيعلمون..أيعلم عمي ليونيل أننا قادمون؟
قال لها محاميها:
- يعرف أن هناك شيء قادم..لقد أعلمهم المصرف أن ممثلا له سيحضر.
- ممثل!
- طبعا..أنا، أين هو ذلك الطبيب الذي من المفترض أن نقابله هنا؟
خرج ثلاثة رجال من فناء المبنى وتقدموا بكل أناقة إلى السيارة..فتح لهم السائق المستأجر أحد الأبواب الخلفية و صعدوا إلى الداخل..أكبر الثلاثة، رمادي الشعر والمعطف، مد يده قائلا:
- دكتور ريستون.. وهذا أكبر المحاسبين، السيد موراي و السيد بالمر، هل أنت واثق أن هذا كله ليس حلما سيد ناي؟
- لايمكن أن أكون مصيبا أكثر من هذا دكتور..هذه هي السيدة الصغيرة المطلوبة..زوجة ابني..سيلستي ايمري بانكوس.
قال توري:
- إنها ليست السيدة الصغيرة..إنها زوجتي!
أنظر كم طال بك الأمر لتقرر هذا.. أتعني هذا حقا،أم أنني أصبحت " عظمة" يتقاتل عليها كلبان؟ لكن، من الصعب جدا تقبل أن يعني ما يقول، ليس بعد يوم زفافها الرهيب.. والعشرة أيام التي تلت!
نظر الطبيب إلى توري بحذر، ثم مد يده ليضيء النور الداخلي:
- كان يقال لهذا " اكتئاب" حين بدأت ممارسة عملي في الطب،أيها الشاب، لانوم كاف، ومثير من التوتر..تحتاج إلى الاسترخاء، دعني أتفحص نبضك.
صاح توري:
- اللعنة، هذا آخر المطاف!
وانتزع يده من يد الطبيب، وفتح الباب، ومضى منطلقاً في الطريق.
تنهدت سيلي:
- أوه..يا إلهي.
كل ثقتها خرجت معه من الباب..غطت يد حماها يدها و أكمل الحديث وكأن شيئا لم يكن.
تنهدت سيلي:
- ياإلهي!
كانت قد فوتت حديثهما وهي تراقب توري الذي اختفى في الزواية البعيدة للشارع..لنفترض أنه لم يعد؟
أحست بالارتجاف يتصاعد في داخلها، وسمعت عمها يقول:
- لقد ذهب فقط ليمشى و يتغلب على غضبه..إنها عادة اكتسبها بعد عودته من فيتنام..سيسير قليلاً، وتهدأ الأمور، وسترين.
ربت يدها ومال إليها أكثر:
- ألاتعلمين حبي..أن الكثير من شبابنا اللامع عاد من الحرب يائساً؟ ولقد نال توري أكثر من حصته..يجب أن تتسامحي معه.
-أجل..أعرف.
عادت معنوياتها تنخفض مجدداً.. ولم تكن راغبة في أكثر من إعادة الساعة إلى الوراء..و العودة إلى " كايب" ومسح كل شيء من رأسها..ضغط محاميها على يدها، وقال:
- أنت امرأة طيبة سيلستي..ربما أفضل من أن تكوني لابني..تعالي الآن، حان وقت الذهاب.
----------------------------------------------------------------
انتظرت قمر الليل بضع لحظات في المدخل لتسوي فستانها..كان والد زوجها قد قال لها: شيء بسيط، محتشم، كانت قد تركت شعرها منفلتاً، فبدت أكبر سناً.
قال السيد ناي: تبدين على مايرام تماما، هيا بنا نذهب.
أواصلهم المصعد إلى الطابق الرابع حيث استقبلتهم موظفة استقبال شقراء مبتسمة من وراء طاولتها العصرية.
قال السيد ناي:
- هناك اجتماع مجلس الادارة.
تغير كل شيء فيه، صوته أصبح أكثر عمقا، وتلاشى كل لمعان المرح.. أمسكت ذراعه مبتسمة وهما يلحقان الشقراء في الممر.
كان هناك رجل شاب ممتلئ البنية يقف عند الباب، والمجموعة تتقدم، مد يده إلى جيبه يخرج إشارة ويضعها على صدره:
- سيد ناي..أنا السارجينت بليز طلب مني قائد الشرطة أن أجيء إلى هنا لأساعدكم.
- أعرف قائدك منذ كلية الحقوق، نحن صديقان منذ أمد بعيد..هاك، ماذا قلت لك سيلي؟
أشار إلى ورائها حيث التفتت لترى توري يتقدم في الممر، وقال: سأنظر هنا.
جذب أحد الكراسي البلاستيكية الخفيفة نحو النافذة وهز والده رأسه يتمتم: سيد مهذب..ثم مد يده إلى مقبض الباب وفتحه..وتقدم إلى الغرفة.
شاهدت سيلي هذه الغرفة مرة واحدة من قبل..منذ سنوات بعيدة، جاءت مترددة لتطلب من عمها ليونيل القليل من المال..كان العم ليونيل يترأس طاولة مجلس الإدارة وحوله خمسة رجال..كان ابن عمها رايد يجلس إلى يمينه، بدا وكأنه مضخة بترول احتياطية، حتى وهو يرتدي بذلة جديدة، كما الآن..أما الأربعة الآخرون فكانوا تحفاً..مجرد أبناء أعمام و أبناء أخوة للعم ليونيل، لكن ليسوا أقرباء لها، توقف النقاش الدائر واستدار الجميع لينظروا إليهم.
كانت سيلي تسير في ظل السيد ناي..لكنها تحركت جانباً لترى ماذا يجري..وصاح العم ليونيل:
-أنت! عرفت أن شيئاً كهذا سيحدث..إذن، أنت وراء كل هذا..أليس كذلك؟ أتظنين أن ليس لدينا شيء أفضل من الجلوس في انتظار أن ترغبي في الظهور؟ تعالي إلى هنا ووقعي هذه الوثائق، ثم عودي و العبي بدماك!
ارتجفت يداها،فدست إحداها تحت مرفق والد زوجها..واستمرت تردد: أنا لست خائفة..لست خائفة، توري هنا، في الخارج يحرسني..لست خائفة..أنا فقط..غاضبة،أكاد أنفجر! أنظروا إلى رايد يبتسم لي..وكأنه الدب الباحث عن مكان يعضه! انتظر ليصل بابا..رفعت نفسها على أطراف أصابع قدميها، تهمس في أذنه.
- ذلك المبتسم هو رايد.. ابن العم الذي يريدونني أن أتزوجه.
ابتسم لها حماها، وأشار لها إلى الطاولة..بدلاً من أن تتقدم لتوقع الأوراق التي ستسمح لعمها أن ينوب عنها في التصويت، جلست على كرسي في أول الطاولة، وبحذر رتبت حقيبتها ودفتر ملاحظاتها أمامها، وابتسمت للجميع، ثم قالت:
- أنا سعيدة لرؤيتكم جميعاً بصحة جيدة.
كان هناك نشاط في صوتها لم يلحظه أحد من قبل..تابعت:
- يجب أن تعذروني، كنت بعيدة عن المجتمع لفترة طويلة، ونسيت بعضاً من حسن التصرف..هل لي أن أقدم السيد غاري ناي محاميّ؟
بدا أن غيمة تجهم حامت في الغرفة، وتجمعت فوق الرؤوس..وصاح عمها: لست بحاجة إلى محامي..أنت بحاجة لفحص رأسك!
كانت هذه هي الوسيلة التي يسيطر بها عليها دائماً.. ويدفع الطفلة إلى الاستسلام..لكن هذه الطفلة تغيرت..وقالت:
- أنت محق، كما دائماً عمي ليونيل..أنا أحتاج فعلاً لفحص رأسي.. هل لي أيضاً أن أقدم الدكتور ريستون.
-------------------------------------------------------------------
ابتسم السيد ناي للجميع ابتسامة كبيرة، وجلس قرب سيلي.. راقبته يفتح حقيبة أوراقه، ويبدأ بتكويم الأوراق أمامه..كما قال توري،إنه كالقرش المتوحش يستعد لالتهمام الجميع..يا إلهي كم أنا مسرورة لأنه إلى جانبي!
جلس الطبيب إلى كرسي في جانبها الآخر..وانضم إليهم الرجلان الآخران..كان أبناء عمها محتارين أكثر من مقتنعين..وأكملت:
- وهذان السيدان..هما مسؤولا المحاسبة عندي.
وكأنما رمت قنبلة عليهم جميعاً.. فابيضت وجوههم،دفع عمها كرسيه إلى الخلف، ووقف، ثم عاد فجلس وقال راعداً:
- ليس من حقهم أن يكونوا هنا.
وقف والد زوجها ببطء، يفتح الأوراق بكسل، وكأنها مجموعة أوراق لعب:
- آه!.. ومن هو أمين سر المجلس؟
الشاب الأقرب إليهم، تذكر سيلي أن اسمه تيد، أو ماشابه، رفع يده.. وبدا تيد منزعجاً أكثر بكثير من العم ليونيل.. ونظرة مكر في عينيه.
الآن..
فتش السيد ناي الأوراق والتقط واحدة و دفعها عبر الطاولة إلى أمين السر، قائلاً:
- هذه آخر وصية وتوصية لويليام.. بانكوس..هذه النسخة مسحوبة من محكمة"بروبات"، ومختومة من موظف المحكمة.. الصفحة الرابعة، الفقرة ستة تقول:" في حال بلغت حفيدتي سن الواحدة و العشرين، أو تزوجت، كل الأسهم الاسمية، والتي في liilas حوزة مصرف بوسطن،أو لتستخدمها بماتراه مناسباً..كما تحصل فوراً على عضوية مجلس الإدارة في المؤسسة، ودون ضرورة للتصويت".
تغيرت ألوان العم ليونيل:
- كيف حصلت على هذه بحق الجحيم؟
ضحك السيد ناي:
- أمر غريب.. أليس كذلك؟ لم يعد هناك أسرار حقيقية في هذه الدنيا الواسعة..
أخرج ورقة ثانية، رماها على الطاولة.
- شهادة من الصرف، تقول إنه بعد تقديم الوثاق الكافية أصبحت سيلستي بانكوس مالكة لعشرين ألف سهم من المؤسسة وكل سهم بالطبع له صوت..وهذه.
أخرج رزمة أوراق أخرى:
-.. هي الأسهم نفسها..هل لنا أن نبدأ بعملنا اليوم؟
قال رايد متشدقاً:
- كالعادة..أريد تصويتاً لزيادة مرتبات كل مجلس الإدارة بعشرين في المائة.
لوح العم ليونيل بيده:
- هذه وافقنا عليها.
قال السيد ناي:
- لكن التصويت مطلوب.
قطب العم ليونيل جبينه.. ولم يعد هذا يخيفني، أبداً..ماذا يمكنه أن يفعل لي الآن؟
صاح العم راعداً، يضرب الطاولة بقوة: تصويت!
وسمع ست موافقات حول الطاولة.. وتنفست سيلي عميقاً، ثم قالت:لا.
ضرب العم الطاولة مجدداً:سنة لواحد، الاقتراح مقبول.
ضحك المحامي:
- هناك مشكلة صغيرة هنا، سيلي أصدرت عشرين ألف صوت معارض، ضد خمسة آلاف صوت موافق.
بدا العم ليونيل وكأنه يكاد يختنق.. فك ربطة عنقه، تنحنح ثم ضرب الطاولة مجدداً.. مال رايد يهمس شيئاً في إذنه، فالتمعت ابتسامة صفراء على وجهه وقال:
- الاقتراح مهزوم للوقت الحاضر، اقتراح جديد؟
-----------------------------------------------------
أحست سيلي بالارتجاف يبدأ من أطراف أصابع قدميها، وتصاعد..نظرت حولها،لكن لا يبدو أن أحداً يشعر بها، فابتلعت تقول بصوت ناعم:
- لقد أبلغني المحاسبان هنا..أن بعض أعضاء مجلس الإدارة هذا، سيستدعون أمام المحكمة في الأسبوع القادم بتهمة الاختلاس،لذلك اقتراح استبدال ريئس مجلس الإدارةبـ ..
نظرت إلى حماها، فهز رأسه هامساً: هذه لحظتك!.
تنفست قمر الليل بعمق و نظرت إلى الجميع حول الطاولة، وبصوت ثابتة قالت:
- أطلب انتخاب سيلستي بانكوس كرئيسة لهذا المجلس ، اقتراع، من فضلكم.
التصويت جاء مماثلاً، ورأى العم ماهو مكتوب له..فوقف ينظر إليها بحقد..لسبب ما، لم يبدُ لها ضحكاً كما تذكره..إنه في الواقع عجوز لئيم متعب، وقال لها:
- سنسوي هذا الأمر حين نصل البيت أيتها الشابة.
سار إلى الباب يصفقه وراءه..في الخارج، سمع الجميع صوته ورجل البوليس يحاول منعه، ومال السيد ناي إليها يشجعها:
- مسيرة رائعة سيدتي الرئيسة، والآن إلى رأس الطاولة، ولا تنسي ما يجب أن تقوليه.. واضربي الطاولة كثيراً..هذا يساعد عادة.
همست:
- لوحدي؟..أنا.. لاأستطيع فعل هذا!
شجعها:
- تستطعين و ستفعلين، لقد ابتلعت الأسد،فلماذا تتراجعين أمام الفأر؟ الآن..فوراً!
وقفت على قدميها، وسارت حول الطاولة، وضعها مركزها الجديد بالقرب من رايد.. وأنت خائفة منه أيتها الفأرة الصغيرة؟ أنت لا تستحقين أن تتزوجي رجلاً رائعاً مثل توري..فأرة!
جلست إلى كرسيها، تنكمش من رايد..المطرقة الصغيرة بدت بوزن طن، ضربتها بلطف على قطعة الخشب الصغيرة.
- الآن أنتقل إلى طلب التدقيق الكتمل بحسابات المؤسسة..تصويت..
قال رايد بخشونة، يميل نحوها:
- توقفي عن هذا! إنه عمل مرح بالنسبة لك، أليس كذلك؟ حسنا..إنه إضاعة وقت..لدي رخصة زواجنا في جيبي و سنتزوج غداً..لابد أنك ظننتنا مجموعة حمقى، ولسنا مستعدين لشيء كهذا.
نظرت إليه وكأنها تراه لأول مرة، مجرد متآمر آخر..أكبر من العم ليونيل، لكنه من نفس النوع، وبدأت تضحك، ثم نادت عبر الطاولة:
- بابا..رايد يريد الزواج مني غداً.
صاح رايد:
- وما المضحك في الأمر؟ توقفي عن هذا الصخب سيلستي، وإلا ستنالين ماهو قادم لك.
أوقفت ضحكها، وأدارت وجهاً متصلباً نحوه.. وبدت عيناها أكبر من رأسها، أسنانها مشدودة، ولم تستطع أن تفتحها وهي تضع يدها اليسرى أمامه على الطاولة، وتقول:
- أخشى أن لا يكون مناسباً لي أن أتزوجك في الغد..ثم لا يوافق زوجي على هذا.
ولوحت بأصبعها الثالث ليبرق الألماس في خاتم توري.
رفس رايد كرسيه إلى الوراء فوق السجادة:
- زوجك!أيتها الساقطة، أتعنين أنك هربت و تزوجت شخصاآخر؟
- أعتقد أن هذا ما فعلته تماماً.
وتنهدت..رايد شخص ضخم، ولم ترغب يوماً في الشجار معه، لكن يبدو أن هذا محتم، وهو قادم الآن..قالت:
- أنا لم أقصد يوماً أن أؤلمك رايد..لكنني لم أتصور أبداً أنك يمكن أن تحبني..في الواقع أنا لا أعجبك حتى، لكن.. هذا هو الأمر عليه.. أوه.. على فكرة محامي هو والد زوجي كذلك.
--------------------------------------------------------------
رأتها ترتفع..تلك القبضة الضخمة، تلوح أمامها كما في الحركة البطيئة للسينما، مستديرة في الهواء و متقدمة نحو رأسها..لكن..لا ليس على رأسي!..قفزت من كرسيها وبدأت تستدير مبتعدة عنه.. الضربة، بكا ما ما أعطاها ابن العم من قوة و عزم صدمت كتفها وأرسلتها عبر الغرفة.. وارتفعت يداها لتحميا وجهها..لكن قوة الضربة صدمت رأسها في الجدار..وطوال الوقت الذي كانت تطير فيه في الهواء..كانت تسمع من يصيح: توري، توري.
كاد الباب المزدوج في نهاية غرفة الاجتماعات ينخلع من مزالجه، وتوري يندفع عبره، بالكاد وصلت الأرض قبل أن يصل إليها ، يشدها لتقف.. وضعت ذراعها فوق رأسها وتمتمت متألمة:
- لم يحدث شيء..رأسي يؤلمني، لكنه سيكون على مايرام بعد قليل.
- اللعنة على رأسك.. ماذا حدث بحق الجحيم؟
لوحت نحو الطاولة، وقالت همساً: ضربني.
احسن الحظ كانت ذراعاها لا زالتا تحميان رأسها، لأنها قبل أن تضيف كلمة، أعادها إلى السجادة، وأصبح عند الطاولة الاجتماع يصيح راعداً: هذا؟
دون أن يسمع ردها، أطبقت يداه على عنق ابن عمها الأصغر، الجالس إلى يسارها على الطاولة، وقبل أن يتمكن المسكين من الدفاع عن نفسه، ارتفع في الهواء عن كرسيه، واستدار ليلاس مرتين ليرتطم بالسجادة، وخرج الدم من أنفه.. صاح به أباه:
- ليس هذا.
السيد ناي الكبير كان قد أصيب بصدمة، لكنه الآن تحرك إلى العمل..ورد توري:
- أوه؟ هل هو هذا؟
كان يتقدم في الصف يحصدهم واحداً واحداً وكأنه يحصد سنابل القمح، تساقطت المقاعد وانقلبت، لكن..لم يكن هناك مجال للهرب من يديه الغاضبتين.
تمكن والده أخيراً من لفت اهتمامه.
- ليس أي أحد من هولاء.. إنه ذلك الضخم هناك..إنه رايد.
صاح توري:
- ياإلهي..كم أكره هذا الاسم.
عاد إلى سيلي، كانت مكومة في الزواية و سألها:
- هل أنت بخير؟
لكنه لم ينتظر ردها.. فبريق المعركة كان لا زال في عينيه..ببطء سار مجدداً إلى رأس الطاولة، يلتقط، كل المقاعد المقلوبة يعيدها إلى وضعها الصحيح.
- أنت ..ضربت زوجتي؟
كان رايد من النوع الأحمق..ضخم، قوي، دون تفكير، وغبي.. وقال:
- بكل تأكيد..ضربت تلك الساقطة، وحال أنتهي منك سأعود لأضربها مجدداً.
رفرفت سيلي عينيها..لم تكن راغبة أن ترى..كان رايد أطول قامة من توري و أثقل وزناً..لكن..لماذا حين فتحت عينيها بعد إغماض مؤقت، وجدته يطير فوق الطاولة والدم يتدفق من أنفه؟
طار توري خلفه، وخرجا معاً من الناحية الأخرى للطاولة..إلى أن وقف رايد على قدميه، وركض نحو الباب، كان توري خلفه تماماً..وسمع الجميع استمرار الضرب في الخارج..ثم هدأ كل شيء.. لاحظت سيلي اختفاء أبناء العم من الغرفة.. محاولين إظهار عدم إكتراثهم قدر المستطاع.
جاء حماها من وراء الطاولة ليساعدها على الوقوف.. وقادت يده الثابتة قدميها المرتجفتين إلى كرسيها.. وقال ضاحكاً:
- سيدتي رئيسة مجلس الإدارة،إذا لم يكن دماغك متعباً..فالوقت مناسب لإكمال آخر قضية على جدول الأعمال.
بعد عشرين دقيقة، كانت لوحدها في قاعة الاجتماعات مع الدكتور ريستون..ووقعت اسمها لآخر مرة، أعطته القلم ليحتفظ به كتذكار:
- هذا أحد أملاك المؤسسة.
--------------------------------------------------------------------
وضحكت..لكن لسبب ما آلمها رأسها، وظهرها وقلبها..حين احتاجت إليه جاء إليها..فكيف يتناسب هذا مع تصرفه في بداية زواجهما؟
إنه لغز لم تستطع حله!
- سنضع هذا القلم ضمن إطار في القاعة الرئيسية،أنت فتاة شجاعة بعيد التفكير سيلستي..ياإلهي، هناك تورم كبير في رأسك، هل يؤلمك؟
- فقط حين أحركه، وليس كثيراً.
نظر ليلاس ملياً في كل عين على حدة، وقال:
- أعتقد انه يحتاج إلى دواء..أفهم أنك متزوجة حديثاً.
- أجل..منذ بضعة أيام.
ضحك:
- إذن دعيني أصف لك هذا الدواء، اذهبي إلى المنزل مع زوجك و تناولي قرصين من الأسبرين، واذهبي إلى الفراش.
خرج الجميع من الغرفة وبقيت مع توري لوحدها.
أدار توري ظهره لها، وجلس في مقعد موظفة الاستقبال..فسارت إلى الأمام، الأوراق في يد و اصبعيها متشابكان في الأخرى:
- توري..
- ماذا؟
أجفلتها اللهجة الجافة ثانية..لكنها كانت مصممة على خوض المسألة الآن، لكنه أخذ زمام الأمور:
- هل رتبت ملاينك الأربعين اللعينة؟
تملمت، لا تعرف ماذا تفعل..وهمست:
- أجل..انتهى كل شيء..ماذ سنفعل الآن؟
أدار الكرسي ليواجهها:
- حسناً..لقد حصلت على ما تزوجتني لأجله.. وأرجو أن تجعلك أموالك سعيدة..أعطاها بطاقة زيارة:
- هذا اسم أحد أفضل أصدقائي..إنه محام أيضاً..لقد تحدثت إليه هاتفياً.
كان يتكلم وكأنه بعيد جداً عنها..أقامت سيلي كتفيها متصلبة، تتدخل كبرياؤها الآن في حياتها، وتعرف هذا، لكنها لم تستطع فعل شيء..وسألت:
- ماذا تريدني أن أفعل؟
ترك التوسل صوتها، وتكلمت ببرود..قال:
- أقترح أن تعودي إلى منزلك في شارع " غاينزبورو" من المفترض أن يكون الآن آمناً، فقد أخذوا عمك ليونيل إلى السجن، ولن يستطيع إزعاجك..و أقترح أن ترى طبيباً حول كدماتك.
- ثم..
- ثم حين تسيطرين على نفسك، أقترح أن تذهبي لرؤية صديقي جايمي غروفز.. وسيعتني بكل شيء لك.
- أي شيء؟
بدا وكأنه يتألم من نقص فهمها:
- وهل يجب أن أقولها بصراحة؟
- أجل، فأنا طفلة أعيش في المستنقعات..أتذكر؟
صاح:
- بإمكانك الحصول على إبطال زواج.
وأدار الكرسي مرة أخرى كي لا ترى وجهه.
- أهذا ما تريد..؟ أهذا حقاً ما تريد؟
- إنه ما تحتاجين إليه، حصلت على مالك، ولم تعودي بحاجة إليّ، هناك سيارة تاكسي تنتظرك في الأسفل..قيل لي إن الحصول على إبطال زواج لا يؤلم.
خططت لكل هذا منذ البداية..أليس كذلك؟ لهذا أجريت زواجاً مدنياً..دون ضجة ودون إعلان، أجل أستطيع الآن فهم أشياء أزعجتني كثيراًَ من قبل..فهل أنت واثق توري؟
رأته يهز كتفيه، أبعدتها كرامتها عن الطاولة وجعلتها تضغط زر المصعد، تسمرت في مكانها محاولة عدم النظر إلى الوراء ..لكن حين أقفل بابه، بدأت الدموع تتساقط وتبلل خديها إلى الوراء.. عندما وصلت الطابق الأرضي كانت الليموزين الكبيرة عند المفترق، وتاكسي أمامها ، نزل والد زوجها منها.
-----------------------------------------------------------------
- أين توري؟
ثم لاحظ الدموع فأكمل:
- يا إلهي ماذا فعل ابني الغبي هذه المرة، انتظري هنا، أنا ذاهب لأكلمه.
أمسكت قمر الليل كم معطفه، وقال منتحبة:
- لا..إنه زواجنا..لوحدنا..فلا تتدخل، ولا تقل له أبداً ماذا فعلت بالمال..أتعدني؟
لم تكن تريد شفقته، ليس بعد أن أوضح لها أي شيء له علاقة بها.
نظر الأب إليها وكأن الوعد صعب، ثم هز كتفيه:
- أجل..إنه زواجكما..وبإمكانك الاعتماد عليّ بأن لا أقول كلمة هل سترافقينني إلى "نورثهامبتون؟
هزت رأسها ببلادة..وراقبها باكتئاب كما يفعل أي رجل يرى امرأة تبكي، ثم عاد إلى الليموزين..وانحنت على الباب قبل أن يقفله..وقالت باكية:
- لقد..أحببتكم جميعاً..قل لجاين..قل..
واختنقت..أقفلت باب الليموزين وتوجهت إلى التاكسي، وشاهدها السائق ففتح لها الباب وقال الرجل؟
أدار المحرك، نظرت من خلف إلى المبنى الذي يبتعدان عنه..كان توري يقف في نافذة الطابق الرابع، يراقبها..وانتظرت إلى أن اختفى من نظرها، وربتت على الزجاج الفاصل عن السائق.
- خذني إلى محطة الباصات.
وتنهدت من خلال دموعها.


6- لأنني أحبك


صاحت به أمه راعدة:
- حسن..ولماذا لا يجب أن أعمالك هكذا؟ تسير كالدب المتألم الرأس، وتتوقع من الجميع أن يكون لطيفاً معك؟ لقد انتهت الحرب منذ سنوات بعيدة!
صاح يرد:
لا شأن للحرب بهذا.
ثم بصوت أنعم متألم:
- آسف أمي..لكن..
قاطعته:
- كلنا ماذا تعني بكلمة لكن..لقد كنت غبياً كبيراً، ولا تعرف الآن ماذا تفعل..صحيح؟ حسناً، لا تقف هنا لتقول لي هذا..اذهب وقل لها؟
تنهد:
هذه هي المشكلة اللطيفة..أتصدقين هذا..حتى ابنتي لم تعد تكلمني، ولا أستطيع أن أكلمها بالأمر.
- أهي كرامتك؟
جلست الأم على كرسي المطبخ..كانت تخبز قوالب الحلوى للعيد، وجهها المحمر يخفي قلقها الذي تشعر به نحو ابنها الأصغر..مسكين توري.. مسكين بقلبه المحطم، لقد عانى كثيراً في حياته.. وسألت:
- أين فتشت؟
- أولاً.. سألت جايمي غروفز، لقد أعطيتها عنوانه..ولن تصدقي هذا.. نصحتها أن تذهب إليه لإبطال زواجنا.

---------------------------------------
جذب كرسياً وجلس إلى جانبها.. وأخذ يقول بصوت منخفض:
- يجب أن أفحص عقلي..كيف لرجل أن يكون بهذا الغباء؟ إنني أحبها لدرجة الألم..وطلبت منها أن تحصل على إلغاء زواج.
- ولم تذهب إلى غروفز؟
- لا..جايمي قال إنه لم يرها ولم يسمع عنها.. لابد أنها غاضبة جداً مني.
- وهل كان لها سبب وجيه لتغضب؟
- بالطبع..قلت لك هذا..لم تكن هي ..بل الأربعين مليوناً اللعينة..
من سيصدق أنني لم أتزوجها لأجل المال؟
- أجل..أستطيع أن أرى هذه المشكلة.. وأين بحثت بعد؟
- لها منزل في بوسطن في شارع"غاينزبورو"، ظننتها ذهبت إلى هناك..فقد قلت لها أن تفعل.
هزت الأم رأسها..حتى أفضل الرجال يكونون أحياناً بلهاء..قال لها أن تحصل على إبطال زواج..قال لها أن تذهب إلى منزلها..فماذا تفعل أية فتاة لها كرامتها؟ ستفعل العكس تماماً..بالطبع!
- ولم تجدها، كما أعتقد؟
- أبداً..لاأحد يعيش هناك ..لقد سجنوا عمها وابن عمها، كلاهما أدين بتهمة الاختلاس.
- لابد أنه مر عليها عيد ميلاد بائس توري.. هل فكرت باستئجار تحر خاص للبحث عنها؟
تنهد:
- أجل..منذ كانون الأول..حتى الآن لم يجدوا شيئاً..وظننتها عادت إلى"نافيكايشن لاين" ولو فعلت فهي لم تبق هناك مايكفي لتترك أثراً، لابد أنها في مكان ما..إنها مجرد طفلة.
صفق الباب الأمامي تلك اللحظة، فرفعت السيدة ناي رأسها إلى الساعة.
- أوه ياعزيزي، لقد عاد والدك، والعشاء لم يجهز بعد..لن يعجبه هذا!
وقفت متوترة، تمتم من بين أسنانها تلعن ركبتها المصابة بالروماتيزم، وبدأت العمل.
- لاورا؟ لاورا؟
- في المطبخ عزيزي.
دخل بعد أن وضع حقيبته و معطفه على كرسي في غرفة الجلوس كالعادة، وقال:
- أوه..توري..لازلت هنا؟ هل العشاء جاهز؟
عانقته زوجته:
- لا..ليس جاهزاً،إنها الخامسة فقط، أنت تسأل نفس السؤال منذ خمسة و ثلاثين عاماً.
ضحك:
- وأحصل على نفس الجواب..أريد أن أريك شيئاً توري..أين وضعت تلك الصحيفة؟
فرك ذقنه، فقالت زوجته زوجته تتفحص فطائر اللحم في الفرن:
- في جيب معطفك..كالعادة.
خرج إلى غرفة الجلوس، حين عاد كان يبتسم، وقال لزوجته:
- محقة لأول مرة، كيف فعلت هذا؟
ابتسمت له زوجته بتحبب:
- منذ خمس و ثلاثين سنة، وأنت تحمل الصحيفة في جيب معطفك.. حسناً ماهو المثير للاهتمام؟
ضحك:
- لست أدري، قد يكون خيالي فقط.. لكن الصورة لفتا اهتمامي..أين.. أين.. هه..هاهي..اقرأها توري.
قال توري:
- لا أستطيع قول الكثير عن الصورة، إنها لقطة لفتاة نحيلة جداً، مستلقية على حمالة من جراء حادث، كما أعتقد، لا أستطيع رؤية الوجه..شقراء شعرها طويل، كما أعتقد.
------------------------------------------
- والقصة؟
- حسناً..العناوين الرئيسية تقول: امرأة مجهولة تنقذ طفلاً.
- تابع..أنت أسوأ من أبيك..تتوقف دائماً في منتصف كل شيء.
حسناً..حسناً دعيني أرى:" مايكل كريمزون ذو الأربع سنوات، مدين بحياته لامرأة غير معروفة الهوية رمت نفسها وسط الشارع لتدفعه عن الطريق شاحنة مسرعة هذا الصباح..تلقى الطفل بعض الجروح الطفيفة، وخرج من المستشفى بعد أن عالجه الدكتور جوليان تايمز..المرأة التي صدمتها الشاحنة، لاتزال فاقدة الوعي في مستشفى "كاب كود" ولا تحمل هوية.. تصفها السلكات برقيقة البنية، طويلة القامة، خمس أقدام وعشرة إنشات، وشعر طويل أشقر، كانت ترتدي وقت الحادثة الجينز الأزرق، وبلوزة حمراء لماعة، وسترة واقية من الهواء لونها أصفر..تقول السلطات الطبية إن المرأة تعاني من فقدان الذاكرة ورضوض كبيرة، كل من يعرف عنها شيئاً، مطلوب أن يتصل بشرطة "هاينز".
طوى الصحيفة بين يديه، وصاح:
- اللعنة، تلك السترة الصغراء المجنونة!
قالت الأم:
- هذا ممكن، إنها فتات كبيرة الجسم..وليس هناك فتيات شقراوات كثيرات يحببن الريف.
رد توري:
صحيح..لكن رقيقة البنية؟ ياإلهي، لا أحد يمكنه القول إن سيلي رقيقة البنية..لكن تلك السترة الصفراء اللعينة..أين جاين؟
- في الشارع تلعب مع بنت الجيران، ماذا عن ذلك الشيء الأصفر؟
- إنها سترة صفراء واقية من الريح، مكسورة السحاب.. ترتديها دائماً..لابد أنها هي ..استدع لي جاين.
وركض إلى السلم:
سأوضب بضع أشياء في حقيبة، وسأذهب أنا وجاين لتلقي نظرة عليها،أبي ..أتستطيع استئجار طائرة لنا؟
استفاقت في ساعات الأولى، دون أن تفهم ماذا جرى لها، تذكرت فقط الطفل الصغير..كان كتلة حمراء براقة في بذلته الحمراء الصوفية.
وتذكرت السائق، يطلق زموره بجنون ويصيح، وقامت هي بشيء..ما هو..لم تستطع أن تتذكر..وهاهي مستلقية على ظهرها فوق سرير ضيق، مع أنابيب و شرائط مربوطة بها.. والألم في كل عضلة وعظم، كانت حركتها كافية لإطلاق الإنذار في غرفة الممرضات..وأسرعت الممرضة إليها:
-أستيقظت؟
دغدغت الكلمات أذنا سيلي..فضحكت لحظة، لكنها أحست بالألم، فتوقفت فوراً..هناك شيء يجب أن أقوله للممرضة،لكن نسيت..ماذا كنت أريد أن أسأل؟ وتذكرت، لكن صوتها تكسر..وقالت: عطشانة! ابتسمت الممرضة وقربت من شفتيها أنبوب شرب، مصته بامتنان..لكن انتزعته الممرضة قبل أن تكتفي، فتأوهت تذمراً، فقالت الممرضة لها:
- لايجب أن تشربي كثيراً دفعة واحدة..بعد قليل سوف..
مهما كانت الممرضة ستقول، لم تستطع سيلي البقاء صاحية بما يكفي لتعرفه.. ولاذت إلى حالة النوم تفكر، ليس وقت للاستلقاء هنا..يجب أن أكون في العمل عند الثامنة!
جاء الطبيب لتفحص سريع بعد عدة دقائق، وقالت الممرضة:
- إنه نوم حقيقي هذه المرة..كما أعتقد..إنها قلقة، وأظن الرضوض بدأت تؤلمها.
- سأتفحصها حين تصحو..ألازالت مجهولة الهوية؟
هزت سكرتيرة العنبر رأسها خلفه..لقد كان متشوقاً أن يضع اسماً على مريضته..ليس ليرتاح فقط، بل كان لايزال هناك سؤال في مؤخرة رأسه:من يدفع الفاتورة؟
قالت الممرضة:
- لا..لاهوية بعد، لكن إذا كان هذا يساعد،فهي السيدة كذا..لأنها تضع خاتم زواج في يدها اليسرى..إنه خاتم زواج ذهبي ضخم.
-------------------------------------------
في السابعة صباحاً، وكان هناك جدال عند مكتب الاستقبال..رجل وفتاة صغيرة تقدما إلى المكتب، وعلى الفتاة تعابير الرعب، والرجل متجهم مخيف، وكان يقول متوتراً:
- لا أهتم بما تقوله القوانين،أريد رؤية هذه المرأة..والطفلة قادمة معي، قد نتمكن من التعرف إليها..كل مانريده نظرة سريعة.
- لكنها لن تستيقظ.
تقدم رجلا إسعاف من مكتبها، مما جعلها تشعر بشجاعة أكبر..لكن توري ناي قال:
- لست أرى مادخل هذا بذاك..نريد أن نراها..ومن الضروري أن تنظر إلينا.
قالت موظفة الاستقبال:
- على كل حال، هذا ضد قوانين المستشفى..وعليكما الانتظار،أنا آسفة.
كانت جاين لاتزال تحاول مسح النوم عن عينيها..شدت كم معطف أبيها وخطت أمامه، ثم قالت بهدرء:
- أريد رؤية أمي، وإذا لم تسمحوا لي بهذا سأبكي..وبصوت مرتفع..هنا تماماً.
كانت موظفة الاستقبال أصغر سناً من أن تستطيع التعاطي مع هذا النوع من الابتزاز، فاستسلمت:
- حسن جداً.. إنها في العناية الفائقة..ديرك
أشارت إلى أحد الرجلين:
- قدهما إلى العناية الفائقة أرجوك؟ على أن لا يدخلا، مجرد إلقاء نظر..من الأفضل أن تذهب معهما.
وبتنفيذها واجبها، كما تراه، تراجعت الصبية لتعاود قراءة الكتاب الذي كان ينتظرها.
كان الممر لا يزال معتماً..قادهما ديرك إلى حيث أبواب زجاجة مقفلة، تشير إلى مكان قسم العناية الفائقة،أدهش الممرضة رؤية أنفين مضغوطين على زجاج بابها، فتحت بابها..وقالت:
- لانسمح بالزوار إلى هذا القسم.
توقفت حين رفع توري يده يقول برزانة:
- لسنا زواراً، جئنا من "كونكتيكت" لنتعرف على مريضة..
- أوه..أتعني الفتاة التي..
- أجل الفتاة التي.
- حسناً لا تقفا هنا..ادخلا..هل الصغيرة معك ؟
- نحن نبحث عن أمها.
- ياإلهي..أدخلا..لكن بهدوء..دون صوت صغيرتي.
- حاضرة سيدتي.
قال ديرك معترضاً:
- لكن موظفة الاستقبال طلبت أن لا يدخلا..وكانت مصرة على هذا.
كانت الممرضة متعبة..فقالت بحدة:
- عد إليها وقل لها أن تدس كتابها في ..أذنها، أدخلا، كلاكما.
لحق توري وجاين بها عبر الغرفة النصف معتمة.. وفي الزواية البعيدة، كانت سيلي ممدة على ظهرها، رأسها يختفي داخل عمامة بيضاء، ذراعها اليسرى منزلقة إلى الأسفل قليلاً، وأصابعها مضمومة.
همست الممرضة: حسناً..
ردت جاين بصوت خفيض:
- أمي.. هذه أمي..لكن انظر أبي ..أنظر كم هي نحيلة إنها..إنها..أوه أبي..
استدارت إلى ذراعي أبيها طلباً للعزاء ..ودموع صامتة تجري على خديها.
كان لازال يحدق في تلك الذراع المتدلية وكأنها عصا رفيعة، كانت عظام مرفقها بارزة وكأنها تورم كبير.. ولاتزال تضع خاتم الذهبي البسيط ..وعرف أن لهذا معنى خاص..ذراعها كانت ملئية بالكدمات، كانت تنام وفمها مفتوح قليلاً، أطراف أسنانها الجميلة بادية، وأنفاسها ثقيلة.

------------------------------------
تركتهما الممرضة يراقبانها، ثم أبعدتهما إلى قسم الممرضات التابع..سارع رجل بالدخول يضع السماعات حول عنقه و قدم نفسه:
- دكتور تايمز،حسناً؟
نظرت الفتاة إلى توري، الذي ابتسم لها ابتسامة رفعت معنوياتها بالرغم من تعبهاو قال:
- اسمها ناي..سيلستي بانكوس ناي.
قال الطبيب:
- أشكر الله على هذا..كان يجب أن يكون لها اسم ، ثم و حسب ما أعرفه ليس هناك بنس مدفوع باسمها.
قال بحدة:
- لابد أنك تمزح..يا إلهي إنها تملك أربعين مليون دولار.
ردت الممرضة:
- أنت الذي لابد تمزح..كان يجب أن ترى ثيابها، تكاد تبلى..وفي وسط عاصفة باردة..كانت في الشارع لا يحميها من البرد سوى سترة واقية بلاستيكية.
أكد الطبيب:
- هذا صحيح..كنت في غرفة الطوارئ حين جاءوا بها..اسمع..لا شيء يمكنك فعله هنا إلى أن تستيقظ.. ولا أعرف متى يحدث هذا.
- لكن، هل حالها سيئة؟
أكد له:
- مايظهر أقل بكثير مما حصل..فهي في الواقع مصابة من الرأس حتى القدم.. وهناك جرح هائل في رأسها، وضعت له ست غرزات لأقفله، لكننا لن نعرف مدى خطورة و ضعها قبل أن تستيقظ و إذا أردت فعلاً أن تعرف سوء حالها سببه الأكبر، سوء التغذية و ليس الحادث..
بعد الظهر بقليل، جاءوا إلى سيلي يقطعون عنها أسلاك الإنذار، ويدفعون سريرها إلى غرفة خاصة، كانت الغرفة مليئة بالزهور..وكان صداعها خفيفاً، هذا إذا لم يكن قد تلاشى.. و أحست بجسدها يطفو في الهواء..ربما بسبب الحقنات و الحبوب..جاءوا بالغداء..بقيت إحدى الممرضات المساعدات لتساعدها في تناول الطعام.
بعد الغداء بقليل، تعرضت لهجوم ممرضة العناية الشخصية، نظفتها بلطف، صفرت عجباً لرضوضها..مشطت ماكان يبدو خارج الرباطات من شعرها، ووضعت لها قليلاً من أحمر الشفاه، ثم تراجعت تنظر بإعجاب إلى عملها.
سألت سيلي:
- الصبي الصغير..هل هو بخير؟
ضحكت الممرضة:
- إنه بخير تماماً..لقد خرج من المستشفى..أما أنت فكنت أقل منه حظاً..لديك زوار..هل تشعرين برغبة في استقبالهم؟
أحست سيلي برغبة في أي شيء..أحست أنها محظوظة لا ستلقائها، لأنها كانت تحس أن قدماها ستطيران فوق الأرض لو وقفت..وهذا إحساس غريب، وتمتمت:

- لو استطعت فقط أن أحل عقدة لساني..وأتمنى أن لا أفقد عملي..!
أحست بحكاك في أنفها، فمسحته بيدها اليسرى,,فجأة كان هناك يد أخرى تمسحه لها.
- أتقبلين ..الأبله؟
انحنى يقبلها برقة..وكانت مفاجأة لها ..مفاجأة لطيفة تماماً..تمكنت من تركيز عينيها على وجهه الحبيب،كان يبتسم، وزالت كل أشهر المرارة من نفسها: توري!
لم تكن بعد مقتنعة بما تراه عينيها..وأكد لها:
- أجل..توري..يا إلهي سيلي .. ماذا فعلت لك؟
همست بخشونة:
- ماذا فعلت؟ لم تكن أنت سائق السيارة..أكنت أنت توري؟
-------------------------------------
كان هناك لمسة لهفة في صوتها..حدث كل شيء بسرعة لم تذكر معها سوى أن السائق كان رجلاً.. وماذا لو أنه توري؟ أوه..لا.. أن تركض أمام سيارته عمداً..ماذا سيظن بها؟
- لا..لم أكن سائق السيارة..
فجأة أصبح تنفسها أكثر سهولة، وألقت رأسها على الوسائد لتسترخي، وأكمل:
- ..ما عنيته..كل هذا، كل هذه الورطة..آخر يوم رأيتك فيه في بوسطن..حين..كنت.. أكبر غبي في العالم.
لم يُبدو لها لائقاً أن تجادله فقالت: أجل..
كان ينتظر كلمة أجل..فأعطتها له..وأكمل:
- لا أعتقد أنك..غرفز؟
تنهدت: لا أذكره..أكان موجوداً؟
- لا سيلي..كان المحامي الذي اقترحت عليك الذهاب إليه لأجل إبطال الزواج..فهل فعلت؟
- فعلت ماذا توري؟ لا أستطيع التفكير بجلاء اليوم.
- هل ذهبت إليه لإبطال زواج؟
- من؟ أنا؟
وأكملت:
- لا..لم أستطع..كل ما استطعت التفكير به هو الهرب، و الاختباء في مكان ما.
- لم تستطيعي الحصول على إبطال زواج؟ لست أفهم..لكنني سعيد بهذا..أرى أنك لازلت تضعين..خاتم زواجي.
ردت بوضوح أكثر، وقوة:
- طبعاً..ولن أنزعه أبداً توري..لكن.. توري، أرجو أن لا تغضب مني..
- أنا..أغضب منك؟
- هذا جيد لأنني..توري.. اضطررت إلى رهن خاتم الخطوبة الذي أعطيتني إياه..لقد نفذ مني المال، ولم أستطع الحصول على عمل حتى الأسبوع الفائت..ولو استطعت الحفاظ على عملي، سأتمكن من استعادته في نهاية الشهر القادم..صدقاً توري!
- هاي..لن أكون مندهشاً لو رميته في الخليج.
همست:
- فكر بهذا في البداية..لكنني لم أستطع، بدا لي أن الشيء الوحيد الذي بقي لي منك..ويجب أن أحتفظ به.
داعب أصابعها قليلاً، ثم مرر أصبعه على خدها:
- أنت لم تأكلي الكثير مؤخراً..ردت:
- هذا ما أعتقده..في البداية كان السبب أنني لم أستطع تحمل ثمن الطعام..ثم لأنني لم أعد أستطيع تحمل طعمه..
صاح:
- عن ماذا تتكلمين بحق الله؟
حاولت التحرك مبتعدة في السرير، لكنها لم تستطع، هاهو توري ناي القديم قد عاد..ثم تغير وجهه مرة أخرى..وقال:
- عاهدت نفسي أن لا أفعل هذا..لن أصرخ في وجهك سيلي.. ولا أهتم بالأربعين مليونا.. ومن نظرتي إليك يبدو أنك تخليت عنها.
استجمعت قواها، شجاعتها، وصوتها، وقالت بصوت طبيعي ثابت:
- لقد فعلت.
نظر إليه مشدوهاً: ماذا؟
- تخليت عن كل المال.. وساعدني أبوك في هذا.
قال عبر أسنانه:
- ساعدك..أتقولين إنك تخليت عن كل شيء؟ متى؟
- في بوسطن.. وفي الخامس عشر من تشرين الثاني..بعد أن استعدنا إدارة المؤسسة..صوتنا على حلها وعلى وهب كل ممتكاتها إلى مؤسسة طبية خيرية..وهي مؤسسة لأبحاث السرطان للأطفال.
كادت تلمس المرارة التي ظهرت على وجهه :
- اللعنه، لماذا لم تقولي لي يومها؟
---------------------------------------
تنهدت:
- لم تعطني الفرصة لأقول شيئاً..كنت قد خططت لكل شيء، و أعطيتني أوامر الانصراف قبل أن أقول كلمة!
- أذكر..هل تزوجت يوماً من مغفل مثلي؟
ردت صادقة: لا..
ثم شهقت:
- لم أقصد أنك..
- لا تعتذري..أنا الذي يجب أن .. حسناً..لقد كنت أكبر مغفل في التاريخ..أجبيبيني على سؤال سيلي؟
همست، تعبة:
- لو استطعت.
كان لوجوده هنا فارق كبير، إنها الآن هادئة،آمنة، مستريحة، لأنه هنا..
حيث هو قلبها.
- سيلي؟ ألازلت مستيقظة؟
- طبعاً توري..
وكانت كذبة..لأنها كانت على وشك الوقوع في الظلام.. وجفناها مثقلين، وعاد الصوت المتلهف مجدداً:
- سيلي؟ لماذا تزوجتني؟
تمتمت:
- لأنني أحبك، أحببتك يومها، وسأحبك دائماً..ولماذا تزوجتني أنت توري؟
أحست بنفسها تنزلق نحو قعر مظلم..حاولت أن تقاوم كي تسمع الرد، لكن رده كان مخيفاً في مسافة بعيدة، وكأن الكلمات تجد صعوبة ليصل.
- لأنني أحبك أيضاً سيلي..
أو على الأقل هذا ما ظننت نفسها تسمعه..وهذا يكفي في الوقت الحاضر..ابتسمت له، ابتسامة حب حلوة بريئة، وتنهدت:" خذني إلى البيت توري" وغابت..تنام دون وعي.
جلس قرب السرير يمسك يدها الهشة، لا يجرؤ على التنفس بعمق كي لا يصحيها..حين تسلل والده وجاين إلى الغرفة بعد ساعة، وقف ثم خرج إلى الردهة معهما.
قال والده:
- تبدو كالفزاعة..ما الذي حدث لها؟
حمل ابنته يحتضنها:
- سأخبرك فيما بعد.
قالت الطفلة:
- أبي..أنت تبكي.
- أجل..أنا أبكي..لكنك أنت لا تبكين.
ضحكت الصغيرة:
- أنا لن أبكي..لأنني سعيد برؤية أمي..! لا.. لم أقصد هذا، لأنني لن أبكي، فهي لا تريدني أن أفعل هذا.. ماذا قالت لك أبي؟
تنحنح يجلو حنجرته مفكرا: هذا صحيح! لا تريدنا سيلي أن نبكي..كم أعرف عنها القليلّ!.. لكن هذا سرعان ما امتلأ الممر الفارغ بالممرضات، كلهن يضعن أصابعهن على أفواههن، وصمتت الثلاثة..وهمس توري لأبيه:
- قد يستفرق هذا وقتاً..هل تأخذ جاين إلى البيت اليوم؟و..أبي.. حين تأتي، قد لا تتمكن من تسلق السلم..
- أعرف.. سنهتم بكل شيء، اعتني بنفسك، كي تعتني بها، يبدو أنها تحتاج إلى الكثير من العناية.
قال توري:
- وأنت جاين، اذهبي مع جدك.. وقومي بكل ما يمكن لتحضير كل شيء لأمك.
-------------------------------------
مر بقية الأسبوع ببطء..كان يمضي كل نهاره و نصف ليله إلى جانبها..يتملقها ليأكل، يبقيها مرحة متسلية، توردت تحت أنظاره، وعاد اللون إلى خديها..لكن عظامها العنيدة، رفضت التراجع من تحت بشرتها..ويوم الخميس، انتزعوا لها الرباط عن رأسها.
قال الطبيب لتوري بعد ظهر ذلك اليوم:
- لا شيء يثير الاستغراب..لكنه مكان غريب لحصول الصدمة.. في منتصف الرأس تماماً..الجرح شفي..وعلى الغرزات أن تبقي لأسبوع آخر..طبيبكم المحلي يمكنه العناية بهذا.. ردات فعلها جيدة، أما الكدمات، فليست سيئة بحد ذاتها، لكنها كثيرة! لا تخف حين يبدأ اللون الأسود و الأزرق ينقلب إلى الأخضر..سيكون لك زوجة ملونة للأسبوعين القادمين سيد ناي.
- أستطيع سماع حرف "و" وراء كل شيء قلته.
- و..فوق أي شيء سيد ناي..تأكد من أن تأكل بانتظام! كنت أعطيها حقن فيتامين، وتأكد من متابعتها تناوله حبوباً..في هذه المرحلة ليس مستعجلاً تستطيع أخذها بعد الغد..لكن بحذر..أتفهم؟
قال توري لسيلي هذا بعد خروج الطبيب و أكمل:
- والكثير من الطعام الجيد و الهواء النقي.
كانت بصحة جيدة بما يكفي لأن تضحك له:
- يبدو هذا جيداً..عانقيني توري!
ضحك:
- كنت أتمنى هذا، لو أنني أستطيع أن أجد مكاناً أمسكك منه..إنني أصاب بالإحباط..فلدي رغبة مجنونة في أن أعانقك..لكن كل ماأصل إليه هو رباطات وكدمات..كيف وصلت إلى هذه الحالة حبي!
كانت تعلم أن يتحدث عن عظامها لا عن كدماتها، فتنهدت:
- لست أدري..ولم يكن عملي ناجحاً في المحافظة على صحتي.. أليس كذلك؟ لم أكن أجد صعوبة في إعالة نفسي قبل أن أعرفك، توري ناي..لكن بعد أن تركت بوسطن..
سألها:
-ولماذا تركتها.. ؟ في اليوم التالي ذهبت إلى الشارع غاينزبورو ولم أجد أثراً لك.
استجمعت قليلاً من الغضب لتتغلب على الحب يكاد يغمرها، وردت:
- لم أستطع.. كيف يمكن أن أذهب إلى هناك بعد أن وهبت المنزل كله؟.
ولم يكن لي مكان آخر أذهب إليه..و..لم أكن أهتم.. عدت إلى "ناقيكايشن لاين" إلى أين أنتهى إيجاري ولم أكن لأهتم توري، إلى أن اضطررت للآنتقال.. ولم يكن معي مال.
- ومنذ ذلك الوقت؟
- اضطررت في ذلك الحين إلى رهن خاتمك..عشت أينما تمكنت و لم أستطع إيجاد عمل لأشهر..ثم حين حصلت على عمل، صدمتني السيارة.. فما رأيك بهذا الحظ؟
- ألم يخطر ببالك الاتصال بي؟
- كل ليلة..لكنني..فكرت..أنني لا أريد فرض نفسي عليك، أنا متكبرة جداً.
- لكنك لا تمانعين الآن؟
ضحكت:
- أبداً.. في الواقع لدي شيء جدي أسأله..حين ذهبت إلى فالموت لتأتي بثيابي..
- لم تكن تستاهل الرحلة..كانت كلها مجموعة أشياء مهترئة.
- كان هناك شيء آخر، حقيبة أوراق صغيرة.. وضعتها الممرضة في الخزانة..هل تأتتيني بها؟
لزمه لحظة ليحضرها وحمل الحقيبة الصغيرة الى السرير وفتحها لها.. فتشت في محتوياتها لتجد الورقة التي تريد.. ونظرت إليه:
- لدي هذه المشكلة الصغيرة..

-----------------------------------------
يالك من كاذبة سيلي بانكوس..فليس لديك سوى مشكلة واحدة طولها ستة أقدام.. وليست صغيرة..أعطته الورقة قائلة:
- هذه الفاتورة..جاءت متأخرة.
ضحك: متأخرة على ماذا؟
تنهدت:
- وصلت بعد تسوية الأربعين مليون دولارا.. سألت المحامي وقالت لي أن..
وصمتت إحراجاً، لن تستطيع أن تقوله له..
- هيا الآن..أعتقد أنك تتكلمين عن أبي.. بماذا نصحك؟
- نصحني المحامي أن الزوج في ولاية" ماساتشوستس" مسؤول عن كل ديون زوجته.
عاد بريق الضحك إلى عينيه، والتوت أطراف فمه صعوداً..إنه ليس غاضباً مني..حقاً! .. وكم يبدو .. وسيماً.. وهو يقف يبتسم لي.!
- وهل صدقته؟
- أجل.. صدقته، إنه والدك!
- ألهذا صدقتيه؟
تنهدت:
- حسناً.. ليس بالضبط..صدقته لأنه أضاف مئة و خمسين دولار أخرى للفاتورة أتعاب النصيحة، ولم أجرؤ على طرح سؤال آخر لأنني عرفت أنه سيكلفنا ثروة..
- يكلفنا؟ هذا يبدو رائعاً..بغض النظر عما قد يكون.. والدي محام عظيم..دعيني أنظر إلى الفاتورة..
فتح الورقة وقرأ اللائحة ..ثم رعد: ماذا؟

كان صراخه مرتفعاً، يكفي لأن يضحك كل من يسمعه، وهذا صراخ يجب أن أعتاد عليه.
- اثنان و أربعون ألف و خمسمائة دولار أتعاب قانونية! ومن أبي..ياإلهي أيظننا نملك الملايين لنتبرع بها؟
أمسكت يده وتعلقت به: أجل..
صحيح أنني لا أعرف شيئاً عنه لكنه زوجي و أحبه .. وأنوي أن أعرف الكثير عنه في القريب العاجل..الكثير..كثير
- الفاتورة توري؟ هل تتحمل دفع هذا المبلغ الكبير؟
ضحك:
- بالطبع نستطيع.. لكننا لن ندفعها..دعيه يقيم علينا دعوة إذا أراد.
حين جاء وقت مغادرة المستشفى خرجت بفخامة.. دفعت الممرضة الكرسي المتحرك إلى الباب، ترفض مساعدة توري.. كانت سيارة ليموزين تنتظر في الخارج مع سائقها..كانت تسير منذ يومين في ممرات المستشفى.. لكن زوجها رفض السماح لها بتحريك عضلة وحملها من الكرسي بسهولة يهمس في أذنها.
- يوم عظيم..أنت لا تزنين أكثر من جاين.. اخفضي رأسك.
وضعها بلطف في المقعد الخلفي، ثم استدار يدخل من الباب الثاني وجلس في الزواية البعيدة عنها..فقالت بلهجة ساخطة، والسيارة تتحرك:
- هلا اقتربت مني..أرجوك؟
قال:
- إنها رحلة لربع ساعة فقط.
- إذن اقترب وقل للسائق أن يسلك طريقاً بعيدة.
ابتسم:
- أنت ديكتاتورية..أليست هكذا؟
لكنه اقترب منها..فقالت تشد نفسها إليه وتريح رأسها على كتفه:
- لست ديكتاتورية.. بل ساخطة.
الرحلة الجوية إلى النصف الآخر من الولاية أخذت أكثر من ساعة بقليل.. بدت كدقائق..كانت تستند إلى ظهر مقعدها تراقبه وهو يتفرج على المناظر.. ليموزين أخرى كانت تنتظرهما لتخرجهما خارج البلدة غرباً..
--------------------------------------------
كان المنزل قديماً مبنى من الخشب يعود طرازه إلى القرن الفيكتوري ، بنوافذ مثلثة الزوايا بارزة إلى الخارج..قال وهما جالسان في السيارة:
- سنقيم هنا لبعض الوقت..ثم نجد لنا منزلاً.. لن يكون بعيداً..فكل العائلة تعيش ضمن عشرين ميلاً من هنا، تقول أمي إنها تريدنا قريباً منها لنزورها.
- أمك رائعة، كم كنت أحب لو أن لي أماً.
ضحك:
- لا تقلقي بعد الآن أصبح لك أم.. وأم مزعجة هيا أخرجي!
صاحت:
- لا داعي لتحملني ..أستطيع أن أسير..حقاً أستطيع.
- أعرف..لكنني لا أجد عذراً أفضل من هذا لأحضنك يا امرأة..
بدا لها عذراً مقبولاً ، لذا صمتت بالرغم عنها.. ولا قاهما أخاه كيري عند الباب.
- الجميع هنا للترحيب بالعروس..كلهم في غرفة الجلوس، تبدين وكأنك مررت بعشر سنوات حمية.
قال توري:
- لاتدعيه يشغلك عن العائلة، فهو ليس الأخ الوحيد عندي.
- لكن بقية العائلة تنتظر..في غرفة الجلوس.
قال توري:
- ليس لكم حظ.. فالرحلة متعبة، وهذه السيدة خرجت لتوها من المستشفى..وستذهب أولاً إلى السرير، ثم بإمكان الجميع أن يأتي لأقدمها له.
وأكمل حملها إلى الشرفة المسقوفة..وكانت تضحك حين وصلت حماتها إليهما. وقالت:
- رأساً إلى آخر الردهة.. لقد حولنا لكما مكتبة جدك القديمة..
قالت له وهو يحملها إلى غرفة كبيرة هادئة:
- أشعر أنني دمية" باربي" كبيرة.
كانت الغرفة تحتوي على أثاث غرفة نوم، لكن رفوف الكتب كانت لا تزال على الجدران، السرير ضخم ، بحجم امبراطوري..كان يتدفق الضوء من ثلاث نوافذ ولمحت قسماً صغيراً من حديقة في الخارج المنزل.
همس لها:
- اصمتي ياامرأة..لقد نلت التشريف..سرير جدي الأكبر..جاء به إلى هنا معه حين جاء من الوطن الأم.. لا تجدين مثل هذا الحفر اليدوي هذه الأيام.
همست:
- أعرف.. وأنا متأثرة..
قالت السيدة ناي لهما وهي تفتح باب غرفة أخرى:
- والحمام هنا.. أليس لطيفاً؟
- بكل تأكيد..لكن يجب أن أضع الفتاة في الفراش.
قالت الأم بوجه متجهم:
- لغايات طيبة فقط.. كما أظن ، جئت لها بثوبي نوم و سترة للسرير، وضعتها في الخزانة..أعتقد أن هذا يكفي لبضعة أيام، سنذهب إلى البلدة قريباً و نشتري لها المزيد.. والآن لا تتأخري فالجميع في الانتظار و لا أظنك تحتاج للمساعدة في خلع ثياب زوجتك؟
شاهدت سيلي بداية لمعان المزاح في عيني حماتها وصاح:
- لأجل الله أمي.
ضحكت الأم و تركتهما..فقال وهو يضعها في السرير:
- والآن سنريحك ثم نستدعي الأقارب لك..سيمر أسبوع قبل أن تتذكري كل الأسماء.. لا بأس في هذا؟
---------------------------------------
- تيري، نسيت شيئاً.
- ماذا؟
- خاتمك..نسيت خاتمك.
- انسي أمره، سأهتم به على أي حال، لم يعجبك أبداً، أليس كذلك؟
- أنا..لا.. لم يعجبني أبداً، بدا لي وكأنه وسم امتلاك، أكثر من أن يكون تأكيداً للوعد.
نظر إليها بحنان، وتنهد:
- أعتقد أن هذا هو السبب الذي جعلني أعطيك إياه.
صاحت قمر الليل بنفسها: انظري إلى نفسك..يا آنستي الصغيرة المستقلة.. لطالما أقسمت أن لا تعتمدي على رجل لأي شيء، فلماذا تقفين هنا كالغبية، ترتجفين، بينما يخلع عنك ثيابك..يا إلهي سيلي ناي لقد انقلبت إلى أكبر مدللة على وجه الأرض..يا إلهي..كم أحبه.
قال:
- حسناً..يافتاتي المسكينة..أحس بالذنب حين أنظر إلى كدماتك و ضرباتك.
انحنى رأسه يقبل كدمة كتفها ،فوضعت كلتا يديها حول وجهه ورفعته، تقول متوسلة:
- لا ياتوري..لا تحس بالذنب.. ولاتكن حزيناً..أصبح كا ماجرى وراءنا..كلانا نتشارك اللوم و الذنب، والآن أريد أن أشاركك السعادة..
وأعادت رأسه إلى كتفها ، فضحك:
- آه..إذن لا تقولي لا لقبلتي..؟
تنهدت:
- بلى..لا..أعني..أنا..لم أعد أعرف ما أعني، ما كان يجب أن أتزوج محامياً.. لا تتوقف عن حبي.
- توري..سيلي..أسرعا لأجل الله.
كانت أمه، من الجانب الآخر للباب..هز رأسه باستياء و تراجع عنها،قائلاً:العائلة.
كانت فساتين من حرير معلقة في الخزانة، وتمكنت من رفع ذراعها ليضع لها الفستان الذي غطاها من عنقها حتى أسفل قدميها..
- أمك اشترت لي هذا؟
تمتم:
- لابد من وجود شيء معه، ما رأيك بهذا؟
كان يوجد سترة حرير مع رسم " تنين" صيني على صدرها..مدت ذراعيها مرة أخرى فدسها لها دون ترتيب ثم ضحك:
- حسناً..هذه تغطي نصف ماهو معروض .. والآن إلى السرير.. ولا تحركي عضلة..بعض إخوتي لا يمكن الوثوق به.
قالت تتحرك تحت الأغطية:
- أراهن أنهم يقولون الشيء نفسه عنك.
ساعدها في الاسقرار فوق كومة الوسائد، ثم قبل جبهتها.. وسأل:
- من أدخل لك أولاً؟
قالت بحزم:
- جاين..أريد رؤية ابنتي.
فتح الباب..فاندفع الطوفان.


7- الجائزة

تمكنت سيلي من الخروج من غرفة النوم في الصباح عند الثامنة.. أعادت ترتيب الأغطية بحذر، مررت أصابعها في شعرها و أقفلت الباب خلفها.
كان الروب الذي أقرضته لها حماتها يلفها مرتين، لكنه بالكاد يصل إلى ركبتيها..لكن لا شيء تستطيع فعله لرأسها الذي كان يطن و يتألم.. وليس لصياحه بها أي شأن حين قال:
- أرجو أن تكوني راضية الآن!
كان هذا في الواحدة صباحاً حين نهض من فراشه الدافئ ليجد لها كيس ثلج.. وسار في الممر نحو المطبخ برشاقة الفيل، يهدد بتدمير نصف محتويات المنزل إلى أن جاءت أمه لنجدته.
وهاهي الآن لا تطيق الفراش ، كتعبة ومرتبكة، دفعت الباب إلى المطبخ الكبير الدافئ، ودأهشها أن تجده مكتظاً و كأن كل النساء العائلة هناك..يلتففن حول الطاولة مليئة بالفطور.. وتوقف الحديث حين ظهرت قمر الليل.
صاحت ديانا، زوجة جون:واو!
كان الجميع صامتاً، ولماذا لا؟ من في المنزل غيرها يضع كيس ثلج على رأسه فوق رباط منزلق؟
جولي.. وهي زوجة دايف، أبعدت كرسيها قليلاً لتحضر مكاناً على الطاولة وتمكنت سيلي من الوصول إليها ، لتنهار تقريباً على الكرسي.. وضحكت جولي:
- إذا أردت إقامة دعوى..أعرف محامياً.
هزت ديانا رأسها ببطء:
- ياإلهي..لطالما عرفت تيري كرجل غريب..لكن ضارب نساء؟
حذرتها السيدة ناي: ديانا..
- انظري إلى الطفلة المسكينة، ماذا حدث سيلي؟
كانت سيلي أكثر إحراجاً من أن ترفع عينيها عن الطبق.. وتمتمت:
- أنا..لقد صدمت رأسي في قائمة السرير.
- فوق الصدمة التي عندك؟ يالمسكينة.
امتلأت الغرفة بالأشخاص.. ولا أحد سأل والحمد لله، كيف حدث هذا.. نظرت سيلي إلى الزهور المرسومة في الطبق أمامها، وتمنت لو يوقف ألم رأسها..كم كان كل شيء جيداً حتى تلك اللحظة المجنونة.
حين دخل توري غرفة النوم، كانت قد خلعت سترة الحرير و أبعدت الغطاء، كان قد ذهب إلى الحمام وعاد مبلل الرأس يرتدي روبه..بالكاد استطاعت أن تبقى دون حراك..كانت تتشوق إليه، ووقف ينظر إليها..ينظر فقط.
سألته ساخرة:
- أهذا ما تخطط له الليلة..فقط؟
ضحك:
- إنه منظر جميل..وأنت قلت إننا يجب أن نكون سعيدين..لكنك كلك أخضر و أسود و أضفر..
- توري ناي..انتظر أشهراً هذه الليلة..وأنت ستقف هنا ترميني بنظرات غرامية..لدي ألم كبير لا يمكنني من النهوض.
- لكن لا تنسي ..الطبيب قال: لا انفعال.
- اللعنة على الطبيب.
قال بأسى:
- هذه ليست طريقة طيبة للكلام عنه..إنه طبيب ممتاز، يجب أن تشاهدي فاتورته.
- وهل نقيس الأطباء كما نقيس المحامين؟ حسب ارتفاع فاتورتهم؟ اللعنة توري..لكنني لا أستطيع الانتظار.
- آه..لكن على أحدنا أن يكون محترساً، وأعتقد أن هذا واجبي.
- أتحاول إزعاجي توري ناي..أقسم أنني سأفعل ..إذا كنت مضطر للاحتراس، تعال و احترس قربي.
-----------------------------------------
وربتت الفراش ثم رفعت رأسها و أرجعته بقوة فارتطم بحافة السرير الخشبية ووقعت الضربة فوق الكدمة الأسياسية، طبعاً..وهذه كانت نهاية تلك الليلة؟
وسارع توري لاستحضار الإسعافات الأولية يتمتم: أرجو أن تكوني راضية الآن.
نادته فيمابعد:
- إلى أين أنت ذاهب؟ نستطيع..
- مع نصف رطل من الثلج على رأسك؟ أحتاج إلى حمام بارد.
وكيف يمكنها أن تخبر نصف دزينة من الأخوات و زوجات الأخوة، و الأم شيئاً كاهذا.
تنهدت:
- لم أكن يوماً خرقاء هكذا..ماهو الفطور؟
قالت حماتها:
- كما ترين..أحضر الفطور لكل النسوة، لكنني أتوقع من كل منكن أن تهتم بزوجها.
كانت الطاولة مليئة بأطباق البيض المقلي التوست و النقانق.. ولدهشتها وجدت نفسها جائعة فملأت طبقاً وكوب قهوة وجلست، مر الحديث فوق رأسها إلى أن رفعت نظرها فجأة لترى الجميع ينظر إليها.. بإحراج، تفحصت نفسها تسأل:
- هل فقدت كيس الثلج؟
ردت الأخت إيلين:
- لا..حبي..أمي..أمنا..قالت لتوها تعليقاً لاذعاً كعادتها..كلنا معتادات على مثله.
- أنا..آسفة..أظنني كنت أحلم، ماذا قلت سيدة..أمي؟
كررت حماتها بثبات:
- قلت..إن كل هذه المشاكل الحاصلة لك ولتوري مردها أمر واحد:
الله غاضب منكما.
ذهلت سيلي:
- الله؟ ولماذا يهتم بمن هو نكرة مثلي؟
قالت الحماة:
- إنه يهتم بوقوع عصفور الدوري.
- ياإلهي, لم أكن أعرف هذا.
صحيح أنها سمعت هذا القول من قبل، لكنها لم تفهم معناه.. وزاد قمر الليل صداعها من تشوشها..لماذا أنا؟ ورفعت صوتها:
- لماذا أنا؟
- لأنك لم تتزوجي بشكل لائق..الفتاة يجب أن تتزوج في الكنسية، وبثوب أبيض طويل، هكذا يتم زواج، أما الاختباء في مكتب قاض، فهو غير لائق..من الأفضل لكما الزواج كما يجب، إذا كنتما تتوقعان أن تصطلح أموركما..آه..توري، آن وقت ظهورك..أنظر ماذا فعلت بالطفلة المسكينة.. يجب أن تخجل من نفسك .
كان يستند إلى الباب، يبدو منهكاً مثل سيلي تماماً، وقال:
- أنا خجل فعلاً..وهل سيزول كل هذا حال نتزوج في الكنيسة.
تقدم يرمي نفسه قرب زوجته..لتؤكد له أمه:
- وفي نفس اليوم..حسناً..مارأيك؟
استدار يركز نظره على سيلي:
- سيلي..نسيت شيئاً ليلة أمس، حين قلت إن ليس عليك القلق حول خاتم الخطوبة، وإنني اعتنيت بأمره، عنيت أنني استعدته، ثم بعته..والآن لو أعطيتني يدك دون أن تضربيني بها.
أخذ يدها اليسرى من على الطاولة..وحبست أنفاسها وهو يمد يده إلى جيب روبه، ويخرج خاتماً رائعاً من الزفير، الجوهرة الزرقاء في منتصفه محاطة بقطع الماس صغيرة.. وتناسب مع اصبعها تماماً..ثم سأل:
-أيعجبك هذا أكثر؟
لم يكن لديها رد.. لا كلمات..وحركت رأسها بحذر لتقبله بلطف.. وتابع مبتسماً:
- الآن مارأيك لو نتخلص من النحس و نتزوج مجدداً؟
-----------------------------------------
كنيسة سانت ادوارد كانت مكتظة جداً بالزهور في ذلك اليوم الدافئ.. كان قد بدأ الربيع تقريباً، والنوافذ مفتوحة.. وكان يأتي نسيم خفيف إلى الداخل بنقاء هواء الوادي، كانت إيلين وصيفتها الوحيدة وجاين الفتاة التي تحمل لها الزهورو حماها هو الذي أوصلها إلى عريسها..liilasكانت الكنيسة مليئة بالأصدقاء والأقارب، جمعت سيلي شجاعتها عندما لاقت توري الذي كان ينتظرها عند أبعد طرف في الممر.. ولم تعد تتذكر شيئاً مماتبقى من الاحتفالات الجميلة..لاشيء أبداً.
استمرت حفلة الاستقبال ، كما فهمت سيلي فيما بعد ست ساعات بعد هرب الزوجان منها، حيث ابتعدا عشرة أميال بالضبط إلى فندق "جيفري" في "آمهرست" حيث تمتمت في إذنه وهو يحملها بين ذراعيه مرة أخرى:
- ياله من مكان أنيق..يجب أن تري الصالون.. تقول ديانا إنه جميل.
- أجل.
لكنه اتجه رأساً إلى المصعد، فرافقهما خادم إلى جانبه، يلوح بالمفتاح و يبتسم، بينما لحق بهما آخر يحمل حقيبتهما الوحيدة، قالت بعد إقفال باب المصعد:
- توري..معه فقط حقيبتك.. وليس معي شيء أرتديه، ألم تتوقف في الغرفة لتأتي لي بحقيبتي؟ ماذا سأرتدي؟
رد:
- أليس هذا أمراً رائعاً..رائع..
- لكن ..توري، ماذا سيقول من يرانا؟
- لن يقولوا كلمة واحدة..معي مفتاح، وسأقفل الباب وراءنا، وبإمكان جميع نزلاء الفندق النزول و الإعجاب بالصالو ن.. ولن أهتم..يا إلهي أيتها السيدة..أعتقد أنك تكتسبين وزناً!
أنزلها خارج بابهما وانتظر إلى أن فتح الخادم الباب.
دخلت الغرفة، فصاح بها:
- هاي..كل شيء حسب التقاليد سيدتي، وإلا لن نكسر النحس.
أرجعها إلى الممر ورفعها ثانية ليسير بها الى الداخل و يغلق الباب وراءهما..حين أنزلها ثانية كانت أنفاسها ثقيلة.
- أنت تكتسبين وزناً.
نظرت حولها بإعجاب..كان الديكور من الذهب و البرونز، يزيده جمالاً، كمية قليلة من الأثاث، لكن مع سرير واحد كبير، تقدمت سيلي إليه، وأمسكت كل الوسائد لتصنع منها سداً ما بين الفراش و القائم الضخم للسرير.
قبل أن تستدير، كان خلفها..أحست به يعانقها..
قال:
- ياإلهي..لم أظن أن هذا اليوم سيأتي ،أنا لم أحبط يوماً في حياتي ، مطلقاً.
- تحبط! ..أنت لا تعرف معنى الإحباط.. سأريك ماهو الإحباط!
بعد ساعات..ابتعدت بلطف عنه..وكان نائماً..إنه يستحق بعض الراحة..
استلقت على جانبها تنظر إليه..فمه مفتوح قليلاً وعلى وجهه أكبر ابتسامة رضى..مالت إليه تجفف جبينه..كان يبدو وسيماً إلى درجة الجمال تقريباً..لقد لزمني الكثير من الحفر..لكنني أخيراً اكتشفت كنزي المخبأ!
والآن سيلستي بانكوس..هل أنت سعيدة؟ أجل.. إنها سعيدة..أكثر من أي شخص في الدنيا..أكثر من..عين واحدة من عينيه كانت ترتجف بنظرة إليها..فصاحت به تنقلب إليه، تهزه من كتفيه:
- توري ناي..أيها المخادع..نائم هة؟
تابعت بصوت منخفض:
- توري..أنا الآن لا أملك أي ثياب أرتديها..حقاً..لقد مزقت ثوب العرس و أنت تفتح السحاب.. وقد نضطر للبقاء هنا يومين أو ثلاثة قبل أن نحصل على ثياب.
تأوه:
- هذا فظيع..لكن قد أتمكن من إيجاد شيء يلهينا.

------------------------------------------
قالت ساخطة:
- وحتى ذلك الوقت..أبقى أنا في الفراش؟
- أجل..ويالها من ورطة رهيبة..ألديك فكرة عن حلها؟
قالت بشجاعة:
- أجل..أنا مفلسة..وأريد بعض المال.
ضحك ليلاس:
- ربما ماكان عليك التخلي عن كل أموالك.
وامتدت يده إليها فصاحت:
- توقف عن هذا ، أنا أحاول أن أفكر.
لدهشتها سحب يده.. استعادت قطار أفكارها، وتابعت:
- أمك جمعتنا في المطبخ أمس.. وعرضت علينا جائزة مالية..خمسماية دولار، لأول ظهور لحفيد لها، وأنا بحاجة للمال.. أتعتقد أننا قادران على دخول المباراة؟
- أيتها المرتزقة، كنت أعرف هذا!
لكنه كان يضحك و الشيطان الذي كان يتملكه لذكر المال اختفى..
- خمسماية دولار..دون شروط؟
تمتمت:
- لست أدري ما شروطها.
كانت يداه قد بدأتا تسلبانها قدرتها على التركيز:
- أمك بارعة في المناورة أكثر من أبيك..وهو فعلاً"قرش"!
ضحك:
- قد تكون جائزة من الصعب كسبها، مع العديد من المتنافسين، تعالي إلى هنا لنبحث الأمر.
ضحكت بدورها:
- الحديث لن يكسبنا الجائزة.
ومع ذلك استدارت إليه.. ونسيت كل شيء.

تمت

مشاركة