الخائن

الكاتب: قصتي مشاهدات: 970 التصنيف: روايات أحلام

نظرت اورسولا من فوق كتفها الي صاحب الصوت العميق الذي همس .........جميله........... وعرفت قبل ان تري الرجل الاسمر الاجش الصوت انه يشير الي لوحه الموناليزا......... ردت وعيناها الخضروان الباردتان تقمعان ايه محاوله للرد:
اعتقد ان اكثر من شخص علق علي جمالها قبل الان
ومع ذلك لم يرتدع الرجل بل قال بالانكليزيه : كنت هنا بالامس ايضا
كيف عرف انها انكليزيه؟ ردت:انت دقيق الملاحظه
شعرت ان عيون الحراس تراقبهما..لماذا لا يبتعد؟ من هو علي اي حال؟ ليس فرنسيا.......ماذا اذا؟ الماني نماسوي ام سويسري؟
حاول مره اخري وكانت لكنته في هذه المره اشد بروزا
اتحبين اللوحات؟
بدت لهجتهاكثر انكسارا واكثر اثاره وهي متاكده انه يتعمد هذا.......... فرنت اليه بطرف عينيها انه غير سئ هذا اذا مالت الي المدنيين المتحذلقين من رجال الاعمال الاوربيين...... لكنها شخصيا تفضل الاشخاص المهتمين بالفن
كان ينتظر ردها فوجدت لبرهه صعوبه في تذكر السوال اخيرا كررت:
- هل احب اللوحات؟ بعضها
لم تقل له انها تريد ان تصبح رسامه في يوم ما...... قال وعيناه الزرقاوان دافئتان عليها:
-حينما اكن في باريس ازر اللوفر دائما.هل انت في عطله؟
ردت بحزم ،تتنتزع نظارتها الواقيه من الشمس عن راسها لتدسها فوق انفها:لا،والان هلا عذرتني
وتجاوزته فشمت عطره الغالي الثمن،احست بقشعريره وتصلب ظهرها..وهي تجبر نفسها علي متابعه الطريق في المعرض عرفت انه كان يراقبها طوال الوقت يراقب ثوبها الصيفي الاخضر و الابيض الهادئ وصندالها العالي الكعبين الذي يزيد من ابراز طول ساقيها وجمال جسدها النحيل المتناسق. انتظرت حتي ابتعدت عن مرمي نظره قبل ان تحاول ان ترد بضع خصلات قصيره من شعرها العسلي الي مكانها انقلبت ابتسامتها الودود عاده الي خط حازم فامثاله من الرجل ينظرون الي المراءه وكانها حق مكتسب لهم............حسنا هذه المره لن ينجح.. ولكن الغريب انه لم يكن في هذه الفكره ما يرضيها.
لم يكن التوتر قد زال عنها حتي بعدما دخلت شقتها في الطبقه الرابعه. وقد ساعدها حسن الحظ هذه المره اذ لم تجد الفتايات المشاركات في السكن في الشقه فاحست للمره الاولي ان المكان لها وحدها...... كانت الشقه حاره،هواءها غير عليل، فسارعت لفتح النوافذ، فشاهدت رسالتين قصيرتين علي الطاوله ولكنهما لم يكونا من ايما ربما يجب ان تصصل هاتفيا بلندن فلم يسبق ان تاخرت زوجه ابيها في ارسال نفقاتها
وجدت بعض اليموناضه فصبت لنفسها كوبا..هذا افضل. لم تشعر قط بمثل هذا الحر ولا يقع الذنب الا علي ذلك الرجل اللذي تمكن حقا من التاثير فيها.ففي العاده يحصل الرجال منها علي نظره فضه وتبقيهم بسهوله علي بعد ..لكن ماذا عن الرجل الذي كان في اللوفر ولماذا جعلها تحس بشكل مختلف؟
رفضت التفكير فيه اكثر من ذلك فاسرعت تتناول اوراق الرسم وتتجه الي الشرفه
هناك علي الشرفه شرعت اورسولا ترسم رسوما تخطيطيه صغيره.رسمت بطريقه لا واعيه راسه وكتيفيه كما رسمت بطريقه ما ارتفاع شفتيه عندما ابتسم ابتسامه حائره.. وفي رسم اخر اظهرت فرق شعره الاسود الناعم. غريب امرها فكيف استطاعت تذكر تفصيل ملامح ذلك الرجل بعد لقاء قصير .. ربما السبب عينيها الفنيه المحترفه امتلات الصفحه بسرعه .. بدا في قمه الصفحه جانب وجهه الصارم .. وفي مساحه غريبه كان وجهه يبتسم لها. وهاتان العينان الزرقاوان ساخرتان وشهوانيتان. التقطت في بضع خطوط ماهره اهم ما في بنيه الرجل القامه المديده ورجولته البارزه احست اورسولا ان راحتي يديها تنضاحان عرقا
.. ربما رسمت ما يكفي ..فوضعت اوراق الرسم جانبا ثم تمددت قليلا علي الفراش الموضوع في الشرفه علها تنساه ولكن ماهي الا لحظات حتي انجرفت الي حلم لاواع لذيذ ..وسمعت بطريقه ما لكنه ناعمه مثيره لشخص يهمس جميله
وشاهدته ثانيه ولكنها في هذه المره لم تحتج حتي الي اوراق رسمها..فقد شاهدت خطوط وجهه القويه الجذابه وهو ينظر اليها من علو وهذا يعني انه طويل بل طويل جدا..كانت عيناه زرقاوين اجل..وتستطيع ان تري كيف التوت شفته الي الاعلي..تململت في مكانها.كانت حشره صغيره تسير فوق بشرتها الرطبه. فلنفترض انه موجود الان هنا.. مهما كان اسمه..تصورت راحه يده الناعمه تنسل الي خصرها..ثم..سمعت من ينادي اسمها..لقد عادت احدي الفتيات وهي تسال اورسولا ان كانت تريد مرافقتها الي الحفله؟ بالطبع تريد..والحمد لله انها ايقظتها من افكار جريئه كهذه
لم يكن المساء مثيرا كالعاده. وقفت اورسولا لحظات تراقب الجميع وهم يرقصون كانت الغرفه عابقه بالدخان صاخبه باصوات الموسيقي ولكن فيها شيئ مازال ناقصا.
كان الساهرون قد اعدوا العده للقيام بنزهه صباح الاحد وهذا النوع من النزهات ماتحبه اورسولا.ولكنها اعتذرت واتخذت الرسم حجه فقالت .لقد قررت الرسم يوم الاثنين. في الواقع اورسولا كانت بحاجه الي يوم هادئ تقضيه بمفردها فهي تشعر بالقلق.. وستتصل هاتفيا بايما لتعرف ما خرها عن ارسال المال موخرا وعن الاجابه عن الرسالتين الاخيرتين ..كانت اورسولا لحسن الحظ تدخر قليلا من مصروفها ولذلك الايجار مومن بضعه اسابيع قادمه ..ولكن ماذا بعد هذه الاسابيع؟
اتصلت وقت مجي الضحي علي امل ان تكون ايما مستيقظه ولكنها لم تتلق ردا.. فتجهم وجه اورسولا وتساءلت عن الخطب..بالظبع لا..فالاخبار السيئه سرعا ما تصل
اعادت السماعه الي مكانها وعادت الي غرفتها حافيه القدمين..الطقس حار اليوم ايضا ربما عليها ان تحمل اوراقها الي ضفاف نهر السين الذي ستجد فيه مكانا رائعا
كانت تتناول عاده الغداء في الخارج ..ولكن الحذر جعلها تتقتصد فجمعت بعض البسكويت والجبن واعدت السلطه ثم صبت ما تبقي من الليموناضه في ابريق حافظ للبروده مع بعض مكعبات الثلج
تجولت بسعاده في الشقه الصغيره التي شغفت بها هي ماتزال حتي الان تذكر الانفعال الذي غمرها يوم وافق والدها علي السفر الي باريس.. باريس. ياله من حلم ويالها من فرصه رائعه في الواقع كان ترك الوطن افضل حل لها لان والدها قد تزوج من ايما وهما لم يرغبا بالطبع في ابنه ناضجه تدور حولهما
جلست علي طرف الطاوله تحدق بحزن في السقف المنحدر ..
حدث ذلك منذ خمسه عشر شهرا فقط.. قبل ان يصاب بنوبه قلبيه ولكنه رغم مرضه اصر علي ان تسافر الي باريس ولم يمض شهر تشرين الاول حتي توفاه الله.. وكان عيد الميلاد بالنسبه لها رهيبا وتساءلت عما اذا كانت ايما ستسمح لها بالسفر ..ولكن زوجه ابيها اصرت علي ان تسافر حين اتصلت اورسولا بالمنزل منزل ابيها رد عليها رجل.. لم تفهم اورسولا كيف استطاعت ايما الانتقال الي رجل اخر بهذه السرعه وما ان حانت عطله الفصح حتي اتضح لاورسولا ان لايما اكثر من رجل
تنهدت ثم ردت طعامها الي البراد ..لهذا السبب اصرت ايما علي ان تبقي اورسولا في باريس حتي اجازه الصيف
ولكن مشكله المال بحاجه الي حل..دخلت الي غرفه الجلوس واتصلت من جديد فاذا بها لاتتلقي رد
كانت نزهه ممتعه قضتها في الشوارع المهجوره دلك الاحد كانت تحمل طعامها وعده الرسم وهي اليوم مرتديه تنوره قطنيه زرقاءبارده وتي شيرت قصير مثلث الياقه مخطط بالازرق والابيض اما شعرها فارسلته علي كتفيها حر طليق وكانت نظاره شمسيه ضخمه تكمل مظهرها العفوي العادي ..ستتستمع اليوم بعيدا عن تحرشات الرجال الشريره
سرعان ما امتلات اوراقها بالرسوم..كانت قد استقرت قرب ماء جار علي كتف احد الجسور وبالقرب من هذا المكان مرفا لنادي يخوت فرنسي كانت اليخوت بصواريها الهابطه افقيا فوق سطحها مستكينه وهي جميعها تحمل اعلام مختلف البلدان . نقلت الي اوراقها رجل ضخم الجثه يعبئ غليونه وصوره فتاه تنشر الغسيل علي شريطبلاستيكي رفيع ومر الوقت واصابع اورسولا لاتنفك عن الحركه بعدما انتهت من رسم الوجوه انتقلت الي رسم الجسر الجميلوالزوارق التجاريه ومراكب اللهو الكبيره الخضراء المكتظه بالسواح والمطاعم العائمه ومراكب العمل
كان الناس يغدون ويروحون متوقفين قليلا قربها ليراقبوها وهي ترسم

عندما عادت الي الشقه لم تجد رساله من ايما ربما سافرت لقضاء عطله الاسبوع حاولت اورسولا ابعاد المشكله عن تفكيرهاودخلت الي المطبخ لتحضر عشاء لكن الصباح التالي لم يحمل معه اي رساله شعرت بالراحه لان الفتيات خرجن للعملباكرا فالمكان يعج باغراضها من دورها اليوم في تنظيف الحمام؟نظرت الي اللوحالصغير المعلق فوق الطباخفي كثير من الاحيان لا تتلاقي الفتيات مده اسبوع كامل يمررن ببعضهن كالمراكب في الليل ووسيلتهن الوحيده للاتصال قطعه طبشور............

شقت طريقها بصعوبه مع لوحاتها وحامله اللوحات وقطعه كرتون ضخمه..
استقلت سياره اجره اوصلتها الي اللوفر ما ان رات المتحف حتي نسيت كل شي انها المره الاولي التي تاتي بها الي معرض لوحات لتنسخ احدي لوحات رسام كبير
اختارت نسخ لوحه الحداد للفنان ناين ساعدها احد المساعدين في المعرض علي فرش قطعه قماش ضخمه لحمايه الارض المصقوله ماوال الوقت باكر والمعرض فارغ تقريبا ..
كانت غارقه في عملها تضع معطفا قديما ملطخا بالدهان فوق جينز وقميص تعود اللوحات الي القرن السابع عشر وهي عباره عن دكان حداد يظهر فيها ثلاثه اشخاص هي الحداد وزوجته ووالده
رسمت معالم الحداد وزوجته والوالد العجوز الجالس في الزاويه عملت اورسولا بلا انقطاع غير عائبه بالاشخاص الذين دخلوا المعرض ليراقبوها ترسم لقد اصبحت معتاده علي هذا..
كان والدها يقول انه من الموسف الا تعيش امها لاتري هذا .. لكن اورسولا لم تكن تذكر امها فقد ماتت ولها من العمر اشهر معدودات
اخيرا ارتدت الي الوراء لتقوم بعملها فاذا هو لا بالسئ ولا بالجيد. فزاويه سندان الحداد غير صحيحه وفيما هي غارقه في عملها تناهي اليها وقع اقدام بطيئه..واحد..اثنان ..ثلاثه
حدقت اورسولا بعينان لاتريان شئ..ولكنها ما كانت لو مقابل مليون جنيه ستقبل بالالتفات التقطت فرشاه وخرجه قماش فلاحظات ان يديها ترتجفان
- جميله ..
قالها مره اخري وكان يقف وراءها مباشره . لم تكن الموناليزا امامهما.. تنحنحت اورسولا وقالت دهشه:
اه هذا انت مره اخري
ثم التقطت بعض من الطلاء الذي فرشته علي حماله الالوان...ولكنها زادت كميه الطلاء..كانت تحس بعينيه عليها انهما فعلا زرقاوان راته اليوم مرتديا بذله اخري رائعه وينتعل حذا متينا
ثار فيها العجب ونظرت اليه فالتقت عيونهما .. تسمرت عيناها واحست بمعدتها تتقلص فاضطرت الي اشاحه بصرها بسرعه شاعره بحراره مفاجئه وبانقطاع انفاسها
وكانما استجابه لارتباكها قال بصوت قاطع :
-هل انت طالبه في باريس؟
تابعت مزج الطلاء مع انها لم تكن تريد ذلك:ام انك تعملين هنا اثناء العطله؟
تنشقت عطره الحاد الغامض الحيوي
- انا طالبه فيفي باريس..مضي علي حوالي السنه...اهذا وقت استراحهالغذاء عندك ام انك تجوس الارض طوال النهار بحثا عن فريسه؟
التوت شفتاه بغضب ثم مسح المرح الخطوط القاسيه عن وجهه.. وبدا لهاواثقا من نفسه . كانت حقيبه رقيقه غاليه الثمن تقبع تحت ذراعه..
عبس ببراءه وقال مدمدما بطريقه مغريه:
-عذرا ..ماذا تقصدين ب تجوس
ارتعدت اورسولا يالله ماهذا اللكنه؟
قالت مره اخري بصوت مرتفع قليلا:تطوف تطارد تتعقب
نظر اليها الحارس وابتسم
قال مره اخري بصوت هره مفترسه خطيره:
-اه اجل..انا اجوس لاصطاد انما فقط حين اري مااريده بشده
التقت مره اخري عيونهم وتشابكت ..واحست اورسولا بالذعر والاثاره يختلطان بغضب بارد قارس .قالت وهي تنظر الي الحارس نظره ذات مغزي:
-هلا ذهبت من هنا وتركتني وشاني
لكن الحارس كان يتحدث الي جماعه من السواح..
-لاتغضبي.. تعالي وتناولي الغذاء برفقتي
-اذهب الي الجحيم
فتح يديه سائلا:الجحيم؟
صاحت:لاتبدا بهذا مره اخري.انك تتقن الانكليزيه اتقاني لها
-القهوه اذا
لوحت اورسولا بفرشاه الرسم نحوه فارتد الي الوراء خطوه فوريه
-ابتعد ودعني وشاني.والا طلبت باعتقالك
ابتعد..هكذا بكل بساطه. عادت الي رسمها وهي تشعر فجاءه بخيبه امل ..واحد..اثنان ..ثلاثه.. وقع الخطي نفسه..ثم توقفت..اه لا..لقد جلس علي مقعد من المقاعد الجلديه المعده للزائرين الراغبين في الراحه والتمتع باللوحات بل ينظر اليها.. لاباس.. انكبت علي تلوين ستره الحداد.. ياللازعاج..اللون غير مطابق ابدا ...ومرت عشر دقائق عشرون ثم مسحت ثانيه غلطتها بقطعه قماش .. نصف ساعه..
وضعت فرشاتها ولوحه الالوان من يدها:حسنا
ودنت نحو المقعد :ساتناول القهوه برفقتك شرط ان تتركني وشاني في ما بعد
كان لديه الوقاحه للتفكير في الامر اخيرا حرك جسمه المديد القامه الخطير الرجوله ليقف:
-حسن جدا انسه اورسولا تريمان سنتناول القهوه،وفيما بعد...
قاطعته وعيناها متسعتان دهشه في وجه براق فاتن:
-كيف عرفت اسمي؟
ومض ضوء غريب في عينيه،ثم قادها الي حامل لوحه الرسم
وهناك اشار الي الاسم الذي كتبته بنفسها علي الغطاء المفتوح ،يوم اعطاها والدها تللك العلبه الخشبيه الضخمه التي تضم الطلاء الملون
قال ثانيه ،بصوت منخفض كانما يكلم نفسه :اورسولا...
لا.. لم يلفظ قط احد اسمها بهذه الطريقه..
ذكرته : القهوه فقط
اقفلت غطاء العلبه .عشر دقائق وبعدها تغادر
التقطت حقيبتها ،وتركت كل ما تبقي تحت انظار الحارس اليقظه.كانت عاده تنزع معطف العمل قبل الذهاب لتناول القهوه،ولكن ظهوره مع امراءه غير انيقه سيفيده كتغيير.لقد انباها حدسها بان رجلا مثله لايخرج معه الا الانيقات ..سالت نفسها :فلماذا اذن يزعج نفسه معها؟
كانت قد قررت الجلوس معه في صمت مطبق ..لقد قالت القهوه ولكنها لم تذكر شيئا عن الحديث استدرت الرووس حالما دخلا الي المقهي وكانت النساء يبدين الاعجاب الصريح به..انه فعلا رجل جذاب..جذاب..؟او وسيم؟لا..ليس بالظبط حاولت ان تدرسه بعين هادئه كمحترفه كان قويا واسع الحيله ،رجلا ،ملوه الحيويه
-كيف عرفت يوم السبت انني انكليزيه
-سمعتك تتكلمين مع احد المساعدين في المعرض
كانا قد وصلا امام الطاوله ،فارجع لها كريسا لتجلس واكمل:
-فرنسيتك بجوده فرنسيتي تقريبا
لهجته تدل علي ان ما قاله لم يكن اطراء لاي منهما فصرت اورسولا علي اسنانها فبعد ثمانيه اسابيع في معهد لغات وتسعه اشهر في كليه الفنون بدات تظن ان فرنسيتها اكثر من مقبوله سالت بعدما طلب القهوه:
-اتاتي دائما الي باريس؟
- عده مرات في السنه.. وسابقي هذه المره حتي يوم الجمعه
-اه ومن اين انت؟انا ..لم استطع تمييز اللكنه
-انا ايطالي
بدت الدهشه عليها فسارع يضيف:
-من الشمال..من منطقه كانت جزءا من اراضي النمسا.. العديد منا ما يزال يتحدث الالمانيه..
وكانه تذكر انه لم يقدم لها نفسه فعبس باستياء ثم يده الي جيبه ليخرج بطاقه عمل:
-زاراكوتشي..فيدل زاراكوتشي..
في صوته تلميح ..تلميح ماذا ؟اعتزاز؟استغراب؟ايتوقع منها ان تتعرف الي اسمه؟
هه
وضعت البطاقه من يدها بدون ان تنظر اليها..فيدل زاراكوتشي اسم مناسب له.. وصلت القهوه ،وقدم لها السكر..اخذت القليل بطرف ملعقتها.ما نوع هذا الرجل؟اهو رجل اعمال قاسي وخبيث؟
هذا واضح..لكن ماذا غير هذا؟هل انتبه للهمس الذي اثاره حين دخل المكان؟بدا وكانه لم يحس به،ام ان تصرفه هذا اثبات الي انه يملك الخبره الكافيه في اخفاء مشاعره؟
ظلت اورسولا تحرك القهوه .. حقا ،يجب الاتكون هنا ،فهو ليس من طبقتها ..فكرت في من مر في حياتها من رجال .كانو جميعهم يرتدون الجينز والقمصان انه بعيد جدا عن طبقتها عندما مد يده الي السكر سالها عن دراستها وعما تامل ان تحقق،ووجدت نفسها تبتسم وتتحدث علي سجيتها ،فراح يراقبها عن كثب ثم صب ببط ثلاث معلاق من السكر في فنجان قهوته ...ثلاثا؟
-قلت انك تريدين ان تزيني كتب الاطفال بالرسوم
جرت اورسولا تفكيرها الي الحديث مجددا:
-ماذا ..اه..اجل..انا..في الواقع اجمع ملفا..اننا نقيممعارض في الكليه ولقد بعت بعض الصور فعلا
ارتشف قهوته الساخنه الحلوه:احسدك
بدا وحهه لبرهه غريبا..فقالت تهز نفسها سرا:
-انا لاارغب في شئاخر
ثم سالها عن الصوره التي تنسخها ووجدت نفسها تخبره عنها
-كم ستاخد من وقتك؟
-لا ادري ..لم اقم بنسخ لوحه من قبل
-اذا ستكونين هنا غدا
-ياالهي ..اجل..وفي الاسبوع القادم وربما الشهر القادم
ثم ادركت ما يرمي اليه فخفق قلبها لان هذا الانيق يريد رويتها مجددا
- اذا.. هل تتناولين الغداء برفقتي غدا؟
كانت عيناه هادئتان ولكنها شعرت في لكنته اغواء عندما ترددت ارتفع حاجبه بسخريه ومرح:
-لن اشغل وقتك كله. ساعه واحده ثم اعيدك الي عملك
ضحكت اورسولا ان ماتقوم به جنون فهو يتسلي فقط مابين موعدي عمل
قبلت دعوته بلباقه قائله:
-شكرا لك ..لكنني ساكون مرتديه ملابس العمل
-انا واثق اني سوف احب رائحه..ال..
وخانته الكلمه فاضفت عنه:التربنتين
هز راسه ثم تراقصت عيونهما فجاءه شعرت بانها تعرفه منذ زمن كما شعرت بانها كانت تتنتظر هذه اللحظه بالذات..كان هناك مزيج من التعاطف والاثاره العميقه تحرك اعماقها .فجاءه ارتبكت واشاح هو بوجهه عنها التقط الفتوره وسددها عندما كانا يهما بالنهوض لاحظت انه لم يشرب من قهوته الا نصفها فقال لها:بردت فيما كنت اصغي اليك حين اصبحا في الخارج امسك يدها مصافحا بطريقه رسميه:
الي الغد ادن.. اورسولا
ابتسمت مودعه ثم ارتدت علي عقبيها وتوجهت نحو المعرض وهناك في المعرض اخرجت البطاقه.. فيدل زاراكوتشي...امام الاسم عنوانان احدهما في ميلانو والاخر في روما..اذن لموسسته فرعان لكنها لم تعرف اسم الموسسه لانه لم يدون علي البطاقه
اعادت البطاقه ببط الي جيبها والتقطت فرشاتها مجددا .. اخيرا غرقت في العمل حتي الساعه السادسه
سارعت الي المنزلوهرعت تترتقي الدرج مسروره وعندما دخلت الشقه لم تجد رساله من ايما
خرجت ستيفي من الحمام والمنشفه حول راسها فقالت:
-تبدين مرحه ..اكان يومك جيدا؟ هل تم الرسم علي ما يرام؟
-اه اجل بشكل رائع
وضعت اورسولا الغلايه علي النار وفتشت بجوع ظاهر عن علبه البسكويت ...هل رسمها هو سبب هذا المزاج المرح الخفيف؟
اخذت فنجان كسترد تاكله ..ما اعنيه من هي العاقله التي قدقع في حب رجل لمجرد انه يضع ثلاث معلاق سكر علي قهوته
هذا جنون..وضحكت علي نفسها جنون

2- غدا ساكون وحدي

كان الغداء ناجحا..خاطرت اورسولا وارتدت تنوره قطنيه وبلوزه بيضاء قصيره الاكمام .وقت الفطور بدت الدهشه علي الفتيات ولكن اورسولا قالت ان الجينز يشعرها بالحر،وانها وجدت ان ثوبا طويلا هو الافضل لها حاليا.
لم يمر الصباح بالسرعه السابقه ، وكان ان امضت بعضا من الوقت تنظر الي ساعتها.. واخيرا بلغت الساعه الواحد،فخفق قلبها خاصه عندما سمعت وقع الاقدام المالوفه:
التفتت لتستقبل فيدل زاراكوتشي بابتسامه..ولكنها لم تكن مستعده للتغير المدمر الذي طرا علي مظهره.لقد اختفت البدله الرسميه،والحقيبه الجلديه،وحل محلها سروال بلون الشوفان،مفصل ببراعه ليظهر نحول خصره وقوه ساقيه اما القميص المفتوح الياقه فاحاط بكتفيه العريضتين وبصدره بطريقه عفويه ابرزت قوته.
ضحكت اورسولا:اتتلعب الهوكي
واظطرت الي شرح معني لعبه الهوكي.عندما وصلا الي المطعم قال لها:
- لست مظطره للعمل طوال النهار
خلعت اورسولا اليوم معطف العمل.. فقد علمتها التجربه انه يحب العفويه والمظهر الجميل.
-تبدو سائحا
-هذا صحيح،وساحاول اقناعك بان تطوفي بي في باريس.فانت بدون شك تعرفين المدينه خيرا مني
اتسعت عيناها الخضروان:
-لا استطيع.لقد وعدتني الا تلهيني.. قلت ستعيدني فورا الي العمل.
تنههد، وعيناه حادتان.. يالله ،ما اشد زرقتهما:
- اجل.. وعدتك للاسف . اذن يجب ان احاول اقناعك؟
-لا
اطرق راسه:حسنا جدا
احست بخيبه امل مفاجئه.. فسالها:
- ماذا عن الغد.. اذا؟ الغد يوم الاربعاء،وامامي اعمال كثيره علي انجازها قبل يوم الجمعه.
تذكرت وقد هوي قلبها انه لن يبقي في باريس سوي ثلاث ايام.
قالت: لن تنجز شئ اذا تابعت التنزه
لكنه ابتسم لنفسه ولم يقل شيئا. التقطت اورسولا شوكتها ومررتها فوق قماش الطاوله الابيض . وسرعان ما وصلت المقبلاتفقالت:
-اعتقد انني قادره علي اخذ الاستراحه لمده ساعتين غدا.
برقت عينا فيدل.
-لماذا ليس اليوم كله؟سنذهب الي اي مكان تختارينه.هيا..اورسولا
اشتدت لكنته علي اسمها ، واظطرت لكبح الارتجاف.
-يوم واحد.. هذا كل ماحتاجه. حتي.. استريح من عملي .. امامي برنامج كبير
سالت وهي تضحك ضحكه شيطانيه: اي مكان اختاره؟
-اي مكان
نظرت اليه مفكره..اين يمكن ان يذهب رجل مثله طلبا للاسترخاء؟هل يريد حقا مشاهده المناظر؟الن يكون الغداء في مطعم فاخر مناسل لعادته وطباعه؟
قالت: اعرف مكانا جميلا علي النهر.. وهو بعيد عن هنا.. المناظر هناك جميله.. ولكن عليك التسلق.. وهذا يعني ان علينا حمل طعامنا.
انتظرت ظهور الخيبه علي وجهه، لكنه لم يفعل بل سأل:
-اين هو هذا المكان؟
-الاندليس
-اه
بدا وياللدهشه عارفا بالمكان.
-احسنت الاختيار
ثم عبس وراح يحرك ابهامه علي يدها مداعبا.. ان تابع هذه الحركه سوف تقع الشوكه من يدها..وكرر: الاندليس..الاندليس الصغير؟
هزت راسها، فابتسم ابتسامه فعلت الاعجايب في خطوط وجهه القاسيه:
- لدي احد اصدقائي مركب يرسو هناك.. ربما سنتمكن من تناول طعامنا فوق النهر، سنرسو في مكان ما؟او نسبح؟
اخيرا اعاد اليها يدها..واستخدمت الاخري لتلتقط كأس العصير علها تبلل ريقها الجاف وقالت:ولكنني لست سباحه ماهره.
-اذن سنتناول الطعام فقط.. فأنا لم اخرج في نزهه منذ سنوات.
وهذا ماذكرها انه لايرتدي عاده سروال شوفاني اللون وقميصا عاديا... تساءلت اورسولا للمره الالف عما يريده رجل اعمال كبير من فتاه نكره مثلها؟
عندما اعطته عنوانها، قال انه سيمر بها باكرا في الصباح التالي..ثم استعدا ليتناولا وجبتهما..ادركت فيما كانت متوجهه الي بيتها ذلك المساء انها ماتزال تجهل مكان اقامته . ولكن هل تعرف عنه شيئا ابدا ؟
اهو متزوج؟ .. غير ان اورسولا لم ترغب في التفكير في هذا.في الصباح التالي صعدت الي سيارته ، فحدسها يقول لها ان هذا اليوم سيكون رائعا.

وصدق حدسها . فقد مر اليوم السحري من خلال غيمه ورديه.. كان الاندليس ينعم بحراره الشمس . اوقفا السياره قرب المرفأالصغير،ثم سارا في الشوارع الضيقه..كان فيدل يمسك يدها وهما يتسلقان الطريق الوعر المفضي الي القلعه،ثم وقف قربها ويده تستريح علي كتفها. راحا ينظران الي تعرجات نهر السين الرائعه ،التي تحدها المنحدرات الصخريه والمراعي المنبسطه..كانت مراكب النقل العريضه المنخفضه تجوب النهر صعودا ونزولا.
في طريق العوده الي اسفل اشتري لها باقه من الورد ثم حمل سله الطعام بحذر علي درجات الجسر الضيقه حيث كانت المراكب الصغيره تقف مترنحه تحت وهج الشمس.. قادها بعيدا الي مركب بخاري صغير اخد يتلوي وهو يساعدها علي تسلقه ، واضطرت الي الجلوس بسرعه، فهي لا تحب المراكب.
لم يكن هناك اي نسمه. كان نهر السين املس وثقيلا غامضا، وكانت اشعه الشمس تتناقض مع ظلال قاتمه علي جانبيه ..شق المركب الصغير طريقه في عباب الماء، واسترخت اورسولا .حتي فاجأتهما عباره بضائع ضخمه ارسلت موجات كبيره جرفتهما نحو الضفه.اهتزت مركبهما،فاضطرت الي التمسك باطراف المركب بشده حتي ابيضت عقد اصابعها.
لعن فيدل العباره، ووجه المركب نحو الامواج ،فاحست اورسولا عندها بالراحه. قال لها:سنتجه نحو الجزيره.. اتفقنا؟
جلسا تحت ظل شجره ..كانت الشمس تسلل اليهما من بين الاغصان.بعدما تناولا الطعام جلسا ليتشمسا..خلع فيدل قميصه، وانتزعت اورسولا بخجل فستانها وبقيت بثوب السباحه الذي ارتدته سلفا.كانت تحس بالسعاده، فما اروع ان يكون المرء محاطا بالماء ومعزولا عن الدنيا . تباطأت نبضاتها واصبح خفقان قلبها ثقيلا.. معزوله عن الدنيا مع رجل يبدو .. نظرت اليه.. رجل يبدو بهيج المنظر، رجل يجعل جسمها كله يستجيب بطريق لم تعرف لها مثيلا.. ايمكن ان يقع المرء في حب شخص لانه يضع ثلاث معلاق من السكر في فنجان القهوه؟ استلقت علي بطنها وامسكت بالسائل الواقي من اشعه الشمس طالبه منه بكل جرأه ان يدلك لها ظهرها به.
تردد .. وظل للحظات ساكنا فغاص قلبها.. ثم ذابت عيناه وتناول منها السائل فعادت تستلقي خافقه القلب،مغمضه العينين ، تجبر نفسها علي الاسترخاء.
كان التدليك عذبا فاتنا لها. فسرعان مارتفعت حراره السائل البارد، تحت راحتيه... كان حازما كرجل اعمال ..وقال متمتما:
- ان هذا لمغر و واعد بالسعاده
وكانت كلماته اخر المخدرات التي تحتاجها
استلقت علي ظهرها ببطءفاخذت عيناه الزرقاوان الثاقبتان تطوفان بطول جسدها الناعم المنحني..
همست بنعومه عندما شاهدت شرارات الخطر تتطاير من عينيه . ومدت يدها تلامس وجهه: فيدل عانقني.
تحركت بقلق بين يديه، تتجاوب مع تصاعد مشاعرها..اه .. هذا لايحصل لها حقا.ز كل هذا حلم.. انها غير مستلقيه تحت الاشجار،بين ذراعي رجل رائع لم تشاهده من قبل ولكنه الرجل الوحيد الذي ترغب فيه.. لم يحدث لها شي كهذا من قبل، او ما يشابهه.. كانت تغرق في الحب.. وتأوهت ثانيه متمسكه بكتفيه العريضتين.
اطلق من مكان غير بعيد مركب ما صفارتين قصيرتين، ولم يكن ذاك الصفير بغيه مقاطعتهما فهما امنين في مكانهما السري هذا علي الجزيره الخضراءالبارده.. لكن فيدل تأوه , ورفع رأسه علي مضض.
متصلب الوجه ، جامد الملامح ثم راحت عيناه تتعقبان وجهها . فرأتا البراءه ، الاثاره والرغبه ... والخوف؟
ابتعد عنها, ومد يده الي سله الطعام يصب لنفسه كوب عصير ..حدقت اورسولا الي ظهره العريض.. ماذا حدث؟ مالخطاء الذي اقترفته؟ هو بكل تاكيد لايعتقد ان ربان المركب شاهدهما؟
اسندت جسمها الي مرفقيها ثم لامست كتفه فوضع الكوب من يده ساكبا بعض العصير علي العشب. قال بصوت لطيف حازم :
-يجب ان نعود .. الوقت متأخر اورسولا.. عندي عشاء عمل..
كانت عيناه طول الوقت مسمرتين علي حانايا قدها الشاب الفتي
-هيا بنا
صرت علي اسنانها وعبست حائره لانها شعرت انها تعرضت للخيانه والنبذ.
رفع لها ذقنها .. وجعلتها ارادته الصلبه السحريه الخطيره تنظر الي عينيه :
لاتغضبي مني جميلتي .. صدقيني.. ليس الوقت مناسبا.
الوقت؟ وهل لديهما وقت اخر؟ غدا الخميس وهو سيغادر باريس في اليوم التالي.
وكأنه قرأ ماتفكر فيه فابتسم، ثم لثم جبهتها .. وقال هامسا في شعرها :
-لدينا وقت العالم كله
لم تقاوم فترنحا وشعرا بالدفء والامتزاج ،والثقه المتبادله بامشاركه.
-اعتقد هذا.
وعاد وجهها الي صدره لا اراديا.. وكانها تود ان تضع الختم علي اتفاق ثمين يدوم مدي الحياه.
وهكذا ظل اليوم ورديا حتي وهما يحزمان كل شئ فوق المركب الصغير. جلست اورسولا في المركب الصغير مغمضه العينين نصف اغماضه بحيث لم تعد تري سوي النور و الظلال والعتمه والحركه،واشعه الشمسالمنتشره فوق البقاع.
كادت الساعه تبلغ السابعه عندما توقفا اخيرا امام شقتها لثم فيدل خدها ، ثم ضحك حين احمر وجهها، وهمس: غدا.
هزت رأسها فاردف انه ات غدا في الثامنه. لدينا وقت العالم كله ..هكذا قال.. انه يحبها.. بالطبع يحبها.
كانت الشقه فارغه، فشعرت بالسرور .ادارت الرديو وغنت مع اغنيه شعبيه.. كان كل شئ حلما تنيره الشمس .. انه افضل ايام حياتها.. وفيما هي تهم بالدخول الي المطبخ شاهدت رساله علي اللوح ، وكاد قلبها يتوقف.
تقول الرساله: ايما في باريس .. اتصلي بها فورا.. وتحت الرساله عنوان فندق انيق ،ورقم غرفه.
ايما هنا .. في باريس .. لماذا؟
ردت ايما بطريقتها المعتاده علي طرف الهاتف الاخر:
-اورسولا.. اين كنت طوال النهار؟ حاولت الاتصال بك
-كنت خارجا .ماذا جري؟حاولت الاتصال بك في لندن
-تعالي الي هنا وساخبرك بما جري.
تنهدت اورسولا:الان؟
-الوقت متاخر.. فلتكن زيارتك غدا في الخامسه بعد الظهر .
واقفلت الخط لكنها كانت مسروره في اليوم التالي.
-ياالهي . تبدين رهيبه.. ماذا دهاك لتاتي بهذا الجينز القذر.. انه عابق برائحه التربنتين.
-جئت مباشره من اللوفر.. كنت ارسم طوال اليوم.
-حسنا..علي هذا كله ان يتوقف
تناولت ايما تريمان سيكاره .. كانتا في شقتها الخاصه، ولم تكن اورسولا تعرف ان لديها المال الكافي لمثل هذا الترف المبالغ.
-ماذا تقصدين بقولك؟اتوقف عن الرسم؟ هذا مستحيل..ساصبح عما قريب رسامه كتب للاطفال.
-كوني ماشئت..انما لن يكون هناك كليه فنون بعد الان كما لن تكونلك باريس ..ما اقوله اورسولا عزيزتي، هو اننا لا نملك المال.
-لا افهمك
-ولا يدهشني هذا..اليست صدمه؟
سحبت زوجه ابيها نفسا عميقا من سيكارتها،فاتجهت عينا اورسولا الي فاخمه هذا الجناح.لاحظت ايما الي اين تتجه افكار اورسولا ، فانفجرت شفتاها الحمراوان عن ضحكه قاسيه:
-لا تظني ان لهذا كله علاقه بي.. اني اقيم هنا مع صديقه قديمه، وهي تدفع النفقات كلها. نحن نقوم بجوله في اوربا.. انها امراءه ثريه.. الم احدثك قط عن كلير كاندليف؟
وقفت بقلق تطفئ السيكاره:
-الان جاء دوري ..اعتقد والداك اني بلهاء، اورسولا. لكنني لن انخدع مرتين.
ردت اورسولا:لا تتحدثي عن ابي بهذه الطريقه؟
اصبحت عينا ايما شريرتين:
-اه يالك من متعجرفه .. اذن حان الوقت لتكتشفي وضع دادي العزيز الثمين.. كان عظيما.. اليس كذلك؟ مثال الرجل الرائع. ولكن هل عرفت ان موسسه الهندسه التي كان يمتلكها كانت تخسر منذ عشر سنوات؟
اتسعت عينا اورسولا دهشه: لا ...
-بلي ..والمنزل الكبير في سواري مرهون .. كان غارقا في الديون حتي هنا
واشارت بيدها الي انفها, فشهقت اورسولا:لا اصدقك..
هزت ايما كتفيها:
-ولماذا تصدقين ؟انا نفسي لم اصدق.صديقيني اه.كانت المظاهر المحدقه به خداعه، ابنه تدرس دراسه خاصه وفي كليه الفنون في باريس وسيارات فخمه وعطلات،ولكنه كان فاشلا عاظيما في عالم التجاره. ان اصبعي هذه تملك عقلا اكبر من عقله.
تقدمت اورسولا من زوجه ابيها، تحدق اليها بغضب:
-توقفي عن هذا كانت السيارات والعطلات لان هذا ما كنت تريدينه انت .. لم يكن الامر هكذا من قبل. كم شركه تحطمت في السنوات الاخيره بسبب الركود الاقتصادي.
تابعت ايما ما تريد قوله ،وليس علي خطوط وجها القاسيه المتحجره اثر للشفقه وقالت بلوم:وبعت البيت والسيارتين ..
-لا يمكنك ذلك
-بلي.. يمكنني.. لقد ذهب كل شئ..وليس ما فيها ما كان يمكن ان يفيدنا ..وقد تمكنت بما بعته من شراء شقه.
لا.. بيتها.. المكان الذي ترعرت فيه.. لم يختف،هكذا بلمحه بصر؟ماذا عن اثاثها المفضل ؟اه ..بل ماذا عن لوحات امها؟ شالت مشدوهه اين؟
-انها شقه في ايسلنغتون لك فيها غرفه.لا تقولي انني لم اقم بواجبي . قرأت الوصيه بامعان كما تعرفين . وقد نصت انه سيوول الي كل شئ مادمت اومن لك مسكنا. هه وياله من مسكن وياله من ميراث
شحب وجه اورسولا :وماذا عن اغراضي الخاصه
-انها اغراضي انا بعت جميع التحف التي لا احتاج اليها وما تبقي رميته في صفيحه الزباله.
كادت اورسولا تتتحب:واللوحات؟
-جاء سمسار اشتراها كلها بثمانين جنيها لانها لوحات عديمه القيمه.
وقفت اورسولا مصدومه .. لقد ولي اخر رباط هش لها مع امها التي لم تعرفها قط .لم تكن اللوحات بذات قيمه ماديه لانها ليست سوي تجارب فنانه مبتدئه .. واستدارت وعينها مغروقتان بالدموع. ولكنها قالت في ثبات :
-لن اعود الي لندن .لقد بنيت صداقات هنا واذا لم استطع تحمل نفقات الكليه سعيت الي العمل.
-بصراحه اورسولا لايهمني الي اين تذهبين .. فلو عدت الي لندن لاضررت الي مشاركه برودي الشقه . اتذكرينه؟ تعرفت اليه عندما جئت الي لندن في الميلاد الماضي ؟انه لذبذ لكنه مفلس.وانت لست من الطراز الذي يعجبه علي اي حال.ولكن بما انني لن اكون موجوده طوال الصيف فقد يفيدك قليلا.. حان وقت النضوج اورسولا.. وقت التعرف الي هذا العالم القاسي الذي عليك مقاتلته لتعيشي.
احتاجت اورسولا الي ما لديها من تصميم وعزم لئلا تستجيب لهذا الهجوم القذر..
-ماذا عن اغراضي الاخري..؟ملابسي كتبي وروسماتي؟
ارتدت ايما عنها بلا اكتراث.
-نقل برودي كومه كبيره من اشياء عديمه القيمه من غرفتك وحملها الي الشقه . قلت له انه طيب القلب. ربما لو نظفت نفسك قليلا ...
-اسمعي قلت انني كنت ارسم طوال اليوم
-اجل ..حسنا عودي الي حيث تريدين . احتاج الي الراحه قبل الخروج هذا المساء. ستعود كلير بعد دقائق ،ولا اظنها ترضي ان تعبق رائحه الغرفه بالطلاء
-صحيح ..لاتقلقي.. انا ذاهبه.
لقد حان الوقت فعلا . واحست اورسولا بالحرمان .. كانت ايما كل ما لديها من عائله.
التقطت زوجه ابيها مجله وقعدت علي كرسي قرب النافذه المفتوحه..
-علي فكره .. سنبقي هنا حتي نهايه الاسبوع .. اعلميني بقرارك فان قررت العوده الي لندن فعلي ان احذر برودي المسكين.
عادت اورسولا الي الشقه سيرا.. تحس بالدوار لقد فقدت كل شئ والده منزلها واغراضها الحميمه والانكي من هذا كله انها خسرت اللوحات التي كانت صله الوصل الوحيدة مع أمها.
كانت الشقه تعج بالناس فشعرت اورسولا بانها بحاجه الي مكان هادئ..الحمام في فوضي ،ولكنها استحمت وغسلت شعرها، بحركات بطيئه اليه. تحاول ان تشعر بالحماسه استعدادا لهذه الليله التي ستكون ليلتها الاخيره مع فيدل .
رن جرس الهاتف وكان المتكلم فيدل الذي قال انه سيتاخر بسبب اجتماع ثم سالها ان كان من الممكن ارسال سياره تقلها اليه في الثامنه؟
ابتسمت لنفسها بقلق:طبعا
-هل انت بخير اورسولا؟
-نعم بخير..لكن الشقه تعج بالساهرين.
ويبدو انه رد سبب حزنها الي حيائها ولكن ماذا يهمه حقا؟ ان علاقتهما مجرد لعبه بالنسبه له فسرعان ما سيبتعد عنها.
ارتدت فستانها وتبرجت وعندما دقت الساعه تعلن انها تمام الثامنه نظرت الي صورتها في المراءه فاعترفت: ليس مظهري سيئا. كان الفستان الناعم المنسدل يبرز لون بشرتها التي لوحتها الشمس، ويحاكي لون عينها الاخضر. ثم ادركت انها لا تريد صعود السائق الي هنا. فهي ترفض ان تظن الفتيات.. تظن ماذا؟ انها وجدت لنفسها راعيا عجوزا ثريا ؟ امسكت حقيبتها وهرعت الي الاسفل وكان من حسن حظها ان التقت بالسائق وهو صاعد الي الشقه ، كان قصيرا، مستديرا.
السياره علي مايبدوا ملكا للموسسه التي يعمل فيها فيدل ، فهي ليموزين. ركبت السياره التي راحت تجتاز الشوارع الفرعيه المهجوره ثم وصلت الي شارع تكتظ فيه البنايات الشاهقه ولكن لم تلبث ان توقفت السياره في شارع جانبي ضيق امام مبني جبار. ترجلت من السياره فأسرع السائق يفتح بابا ضخما محفورا، وادخلها بسرعه الي ردهه صغيره مكسوه الجدران بالخشب المصقول.
قال السائق باللغه الانكليزيه:
-مسيو زاراكوتشي فوق.
وجدت اورسولا نفسها تصعد الي فوق بسرعه صامته..ماهذا المكان بحق الله؟
مانفتح باب المصعد حتي كان فيدل في انتظارها، كان شعره مبللا وكأنه اسرع لتوه من الحمام.أمسك يدها يلثمها في حنان . امسكت اورسولا انفاسها ، فلم يسبق ان لثم يدها احد
- اورسولا.. حبيبتي.. انا اسف علي كل هذا..لقد امضيت نهاري كله في روان ان تلك الاجتماعات لا تنتهي ابدا..ادخلي..لنتناول المثلجات.
اقتادها من ردهه الاستقبال الانيقه الي مكان مذهل هو افضل ما يمكن ان يسمي غرفه جلوس . وكانت علي مستويين ..جزء منها للجلوس وهو مكسو بسجاد ابيض. ثم هناك درجتان منخفضتان تفضيان الي مائده طعام زجاجيه دائريه . رأت نباتات خضراء في كل مكان وهي بلونها الاخضر تتناقض مع المقاعد الجلديه البيضاءومع طاوله القهوه الزجاجيه والكروم .. انه مكان انيق ولكن طابعه رجولي والمميز فيه نسخه من لوحه لموندريان معلقه فوق المدفأه.. لكن ما كان اجمل من هذا كله الابواب الزجاجيه التي تصل الارض بالسقف . اقتادها فيدل الي الخارج ، حيث تقبع حديقه ومسبح صغير
-لا اصدق هذا ..انه جميل
بدا راضيا ودهشا من حماستها واكملت تسأل:
-اهي شقه تابعه للشركه؟
هز راسه ايجابا .. ثم تركها لحظات ليعود وبيده كوبين من العصير. وبدا انه لايريد ان يتحدث عما هو ممل كحديث الشقه.
وقف معها قرب حاجز الشرفه ينظر الي سطوح الابنيه المحيطه والي النهر المتعرج من بعيد:
-فكرت في الخروج للعشاء في مكان مميز.
شاهدت من مكانها برج ايفل الذي يلفه الضباب من حراره و رطوبه النهار،ودخان السيارات ..لمس ذراعها العاريه باصابع خفيفه.. ثم همس وانفاسه دافئه في شعرها واذنها:
-اشتقت اليك..تمنيت طوال النهار لو كان اليوم كيوم امس.. لم ارغب في البقاء بين جدران غرفه الاجتماعات . بل اردت ان اكون معك.
اغمضت اورسولا عينيها واستندت الي جسده الصلب وكتمت انفاسها .
-جميله..جميله .. اتشعرين بما اشعر اورسولا؟ قولي لي ان هذا ليس من وحي الخيال.
اه.. كيف .. كيف ستعيش بعد ان يرحل غدا؟ تصاعدت مشاعرها ولكنها حاولت كبحها وفشلت في ذلك.
امسك رأسها بين يديه، وراحت اصابعه تلامس وجهها فقد لاحظ تساقط اولي قطرات دموعها.
-اورسولا.. صغيرتي.. ما بالك؟ لم استياوك؟
انسلت من بين يديه غاضبه من نفسها بسبب ظهورها بمظهر الطفله الساذجه امامه وهو المعتاد علي النساء الخبيرات مثله وقالت:
-تستخدم الفاظا المانيه كثيرا.
-صحيح ؟ نحن نتكلم في الوطن اللغه الالمانيه والايطاليه ولكنك فعلا كئيبه.
واحتواها بين ذراعيه ، فاهتزت كتفاها بنحيب صامت:
-..اخبيريني
-لا استطيع
-بل تستطيعين.
قادها الي اريكه هي عباره عن ارجوحه تظللها ستاره ملونه وجلسا يتأرجحان بلطف.
اخبرته بكل شئ. اخبرته عن المنزل الذي بيع وعن مسأله التوقف عن كليه الفنون ثم اخبرته بصوت كسير عن لوحات امها التي لن تراها ثانيه.عندما كانت تتحدث راحت يده تلمس شعرها اما انفاسه فكانت عميقه ، بطيئه،وكأنه يفرض الهدوء علي نفسه.. تركها تبكي قدر ما تشاء.ولكنها لم تستطع ان تقول له ان نصف دموعها المنهمره كانت بسببه لانها بعد غد ستكون وحيده..
دقت اجراس الكنائس حولهما. دقت تسع دقات.. ثم استمرت ربع ساعه ونصف ساعه .. واخيرا ساد الهدوء .. وارادت اورسولا ان تمتد هذه اللحظات الي الابد .. لكن فيدل اخبرا ، تحرك الي جانبها ، فاستوت جالسه ، ترجع خصلات شعرها الاشقر الي الوراء وهي لاتعرف ماذا تقول.
مرر اصبعه بخفه علي وجهها: امازلت راغبه في الخروج؟
يالله .. العشاء.. انه بدون شك يتضور جوعا.. ولكنها لم تكن قادره علي مواجهه مطعم انيق قالت تنظر الي منديلها:
- افضل البقاء هنا.
تسللت اصابعه الي ذقنها، يرفع وجهها. عكست العينان الخضروان المتعبتان صوره المها فتجهم وجهه ثم لان:
-ربما هذا قرار غير حكيم ياصغيرتي.
فجأه احست انها لاتريد ان تكون حكيمه، فقالت:
-لا استطيع مواجهه الناس
ولم تكن تعرف ماذا كان يفعل الانكسار في صوتها به.
نبض عرق في خده، ورفعت يدها تهدئه ..فابتسم .. اه.. يالها من ابتسامه.. ثم همس: ساتصل بالمطعم لالغي الحجز.



3-ابقي معي
تلالات المدينه الرماديه الناعمه بالانوار . تقدمت اورسولا الي حاجز الشرفه وهي تسمع فرنسيه فيدل الرائعه وهو يتحدث علي الهاتف.انه رجل كامل حقا،وهو بدون شك يملك مركزا هاما في الشركه والا لما سمح له باستخدام هذه الشقه..
سالها عندما عاد الي الشرفه ووقف قربها:
- اتستطيعين تناول الطعام الان؟ ولكنه سيكون طعاما خفيفا . بيضا مقليا؟
هزت رأسها ايجابا بيد انها لم تستطع الجلوس في الخارج بعيده عنه . دقت الساعه العاشره.ساعتان قصيرتان تفصلانها عن يوم الجمعه..
وهكذا اعد الطعام مما هو موجود في البراد .. وامتلات طاوله الطعام بالسلطه والجبن والفاكهه والبيض المقلي السميك. تناولا الطعام بهدوء.
سألها وهو يقطع خوخه:
-امن الضروري ان تذهبي الي كليه الفنون؟
-لا اريد ذلك من اجل الوظيفه بل من اجل تنميه موهبتي .. والرد اجل قطعا ولكنني استطيع الدراسه بشكل جزئي وسيكون ذلك سببا في اطاله الدراسه ليس الا.
-ومن الضروري البقاء في باريس؟هل هناك استاذ معين ،ربما؟
ابتسمت اورسولا له, وبشرتها الناعمه التي لوحتها الشمس تكاد ان تكون شفافه امام نور مصباح الطاوله ..وقالت:
ان الحياه في باريس تكلف كثيرا، ومن الافضل ان ادرس في لندن.
-ولكنك لا ترغبين في العوده الي شقه زوجه ابيك؟
-اه
ساد صمت متوتر . ثم لم يلبث فيدل تناول القهوه علي الشرفه. وفي هذه المره ،لم يضع سوي ملعقه سكر واحده في فنجانه..غريب.
كان الظلام في الخارج قد اسدل ستارته السودا الحالكه التي لن تدوم سوي ساعات قصيره في مثل هذا الوقت من السنه ..كانت انوار المدينه تحتهما تتلالا وكانها سجاده من الاضواء. وقفا يحتسيان القهوه بصمت يراقبان المنظر ..ثم جلسا علي الارجوحه المزدوجه المقعد .اخذ يتلاعب بأنملها بلطف.ويرفعها الي شفتيه.
اغمضت اورسولا عينهيا ،تحس بالم داخلي.. ارادت ان يعانقها بشكل ملائم .. انها بحاجه يائسه الي حبه.فبيس امامهما سوي ساعات قليلات .لم يقل شيئا عن رويتها ثانيه.. في الواقع بدا وكأنه يختفي داخل نفسه .. هل ندم علي اصطحابها الي هنا؟هل وجد انه لايرغب في التورط؟ تأرجحت بهما الارجوحه بلطف متزامنه مع دقات الحياه النابضه في اعماقها.. بدأت الساعات حولهما تعلن عن منتصف الليل ،فحبست اورسولا انفاسها . لقد بدأ يوم الجمعه.
قال فيدل بهدوء :
-عشت يوما كئيبا ضاغطا وانت بدون شك متعبه .. يجب ان اعيدك الي منزلك.
لم ترد ولكنها ادارت راسها تنظر اليه .بعينين متسائلتين.
-اورسولا .. صغيرتي..لا تنظري الي هكذا..انا احاول..
ارتفعت يده تلامس خدها..فهمست:
-لا اريد الذهاب
-ولا اريد انا ايضا ان تذهبي
-حسن.. اذا؟
-نحن بحاجه الي الكلام .. لم نناقش شيئا حتي الان كما انك لا تعرفين شيئا عني.
سألت بصوت ضعيف:هل انت متزوج؟
بدأ و كأن السوأل ادهشه وسلاه في ان واحد
-لا .. اورسولا ..لا ..لست متزوجا.. اليس الامر عجيبا؟ ..
اجل ..فكيف استطاع الهرب من حبال العديدات ..فجأه غني قلبها فرحا
اردف يقول : لكن .. انظري الي .. كم عمرك ؟واحد وعشرين ؟اثنان وعشرون؟
همست تنظر اليه بسرعه:
-تسعه عشر
شاهدته يغمض عينيه رعبا فأردفت:لكنني سابلغ العشرين بعد اسابيع
-اه
فتح عينيه ثانيه، وعلي شفتيه طيف ابتسامه .
-وهل لهذا فرق؟
انه يضحك منها، واحست بالارتباك .. بدأت الساعات تعلنانها الثانيه عشره وربع ،انها فعلا ساعات غير متزامنه .. فهي تريد من كل ساعات العالم ان تتوقف .. تريد ان تبقي هنا ، في هذه الحديقه مع فيدل الي الابد .. احني رأسه يعانقها ، وتمتم علي شعرها:
- انا في الثالثه و الثلاثين .. الفرق بيننا كبير.
- اتقول اني صغيره؟
لا بل انا اكبر منك بكثير
مررت يدها علي صدره ، فشعرت بقلبه يخفق محاكيا قلبها .. شعرت بالصدمه لانه متأثر عاطفيا ..وهذا ما عطاها الشجاعه لتقول ، بشئ من الاغراء:
- علي ان احكم ان كنت كبيرا ام لا ، في الواقع لا اظنك كبيرا ابدا..
امسك يدها ورفعها الي فمه :الا تظنين هذا؟ حقا؟
ثم احتوتها ذراعاه وتمتمت شفتاه بلطف وهما متعانقان:
-لقد اردتك كثيرا .. اورسولا ..لكنني الان .. الان..
وتلفظ بكلمات المانيه لم تستطع فهما ،ثم ابعدها قليلا عنه ، متنهد تنهيده عميقه ،سألها وهو يمسد شعرها:
-اتريدين البقاء هنا؟
همست تخفي وجهها في كتفه: اجل ارجوك
-اتعرفين ماذا سيحدث ان بقيت هنا؟
هزت رأسها ايجابا.
قوليها لي.
-اجل فيدل .. انا واثقه انني اريد قضاء الليل معك.
ضمها بشغف اليه ثم راح يعانقها ويعانقها بجوع وهيام ولكنه لم يلبث ان تراجع عنها قائلا :
لا ,يجب الا يحدث ذلك.
ثم ابتعد عنها قائلا:اورسولا نامي هنا الليله ولكن لاتتوقعي مني شيئا فانا لااستطيع القضاء علي طهارتك.
وحملها بين ذراعيه الي الداخل.
-لماذا؟ اتخشي ان اطلب منك بعد ذلك الزواج؟ نحن في القرن العشرين وانا راشده.
-ماذا تقصدين؟
لااريد ان تظن انني اتوقع ..
-تتوقعين مني ان اطلب منك الزواج؟
-اجل .. اتري .. لست بحاجه الي هذا حتي وان حدث بيننا شئ.
-بل هناك حاجه ملحه لانني اريد فعلا الزواج بك ورغبتي هذه بدأت منذ الاسبوع الماضي.انت اجمل من الموناليزا .. هل تحبينني؟
شهقت, واطرقت الرأس مغروقه العينين بالدموع فضمها اليه.
-وهل الزواج بي سئ الي هذا الحد؟
-سخيف
-اذن .. ابتسمي لي .. هذا يكفي .. نامي الان وغدا لكل حادث حديث.

استيقظت في الصباح التالي تنظر الي ما حولها بدهشه ولكنها لم تلبث ان تذكرت ما حدث البارحه . نهضت من الفراش واسرعت ترتدي ملابسها ،ثم توجهت الي غرفه الطعام فوجدت فيدل قد اكل حصته. جلست الي المائده تتناول الطعام ثم لما انهت وجبتها قصدت غرفه الجلوس وهناك لفتت انتباهها من جديد اللوحه . انها فعلا تحب فن موندرايان .. وهذه فعلا نسخه رائعه .. ولكن عندما اقتربت منها ادركت مجفله ان اللوحه اصليه لا ولكنها اصليه دخل فيدل الي الغرفه ،فراها مهتمه باللوحه .
قالت له بعينين متعبتين عجبا: انها اصليه.
ضحك: انها احدي نقاط ضعفي.
-ولكنها تساوي..
رد بهدوء جاد وراح يراقبها مفكرا:اعتقد هذا
سحبت نفسا عميقا.
-اخبرني بالظبط لمن تعمل؟ وماهو نوع الشركه التي يمكنه شراء ديكور فاخر كهذا؟ ماهو هذا المكان بالظبط؟ من انت فيدل؟
-انا .. مصرفي
-اه. تعني انك تعمل بالمال ، هذا يفسر الكثير.
-انا اعمل جاهدا.
-اجل
-جاهدا الي درجه اضطراري الي مغادره باريس بعد الظهر ..ولا سبيل للهرب من السفر حبيبتي.
نظرت اليه من بين اهدابها:اعرف.
مد يده الي جيب سترته واخرج ورقه:- يجب ان اكون في بروكسل .. هذا رقم هاتفي هناك ،ثم هذا رقمي في لندن.
-وهذا رقم روما علي ما اظن.
-صحيح.
دنا منها يضمها مجددا ،واصابعه تعبث بشعرها، ثم همس:
-احبك .. واتمني لك يوما رائعا.
دفنت راسها في قميصه الازرق وردت هامسه ايضا: وهذا ماتمناه لك ايضا.
ابعدها عنه بحزم:
- سأتصل بك يوميا. سأغيب اسبوعا او عشره ايام بعد ذلك سنكون معا..
ثم، وكأنه تذكر شيئا ، فأخرج محفظته : سأترك لك بعض المال.
ارتدت الي الوراء ،وقد راعتها الفكره:لا.
-لكنك قلت ان ايما حبست عنك المال .. ستحتاجين الي المال حبيبتي.
-لا..لا.. انا بخير ..علي ما يرام .. حقا لدي بعض المدخرات ، والشقه مدفوع ايجارها عده اسابيع اخري.
قرر فيدل الا يلح عليها. ثم فجأه قرع جرس الباب وكانت السياره قد زصلت لتقله الي مكان الاجتماع في روان . عانقها بسرعه،ثم تمتم شيئا بالالمانيه..
احست بالخجل وهي ترتدي ثوب السهره في التاسعه صابحا. خاصه وانه السائق نفسه الذي اقلها ليله امس . ولكن وجهه لم يتحرك وهما يخطوان من المصعد في الطابق الارضي ، وقال فيدل بالفرنسيه :
- اود ان اقدم لك السيده زاراكوتشي العتيده.
ارتجفت يد اورسولا ، وتلقت التهنئه من السائق .. وظل فيدل ينظر اليها بفخر .في تلك اللحظات احست انها قريبه منه ولم تكن قادره علي الانتظار لتخبر العالم كله.
ضحكت ايما تريمان بصوت حاقد:
-تتزوجين ؟ انت؟ هذا امر مفاجئ عزيزيتي اورسولا ..؟
-اعتقد هذا
مضي عليهايومان قبل ان تجمع مالديها من شجاعه لتعود الي الفندق.
-منذ متي تعرفينه؟
- منذ وقت غير بعيد.
- اتظنينه ينوي الخير ؟
تحجر وجه اورسولا: ماذا تعنين بكلامك؟
-ايخال نفسه قد وجد وريثه غنيه ،ارسلها دادي الي كليه الفنون في باريس ، لتستمتع قليلا ...؟
كانت اورسولا ترسم طول اليوم في اللوفر وهاهي ماتزال بالجينز نفسه فقالت: اابدو كوريثه؟
سحبت ايما نفسا عميقا من سيكارتها،وجلست في مقعد .. ثم قالت اورسولا:
-ظننتك ستكونين راضيه.. اقصد انكبذلك تتحررين من مسوليتك تجاهي.

-حسنا .. قررت ان يكون لي ركود اقتصادي خاص ..لقد بعت كل شئ بعت الشركه او ما تبقي منها
-انا غير مسووله عنك سوءتزوجت ام بقيت عزباء.الم اوضح ذلك؟
-اوضحته كل الوضوح.
-جيد.. ولكن هذا لايعني انني سأدعك تتزوجينمن شخصك لا يناسبك ابدا . من هو هذا الشاب؟ ماسمه ؟ ما عمله؟ ومن اين هو ؟
-انه ايطالي.
-يالهي . لاتقولي انه عامل ماقهي ايطالي وضيع .. العالم يعج بهم .
لا ، ليس عامل مقهي .. مع العلم انني لا اكترث وان كان كذلك.
ان سحر فيدل لايكمن في مركزه او غناه بل في جرأته وثقته بنفسه وغروره الرجولي الذي يدفعه الي النجاح .. وتابعت في سرعه:
انه رجل اعمال . اسمه فيدل
برقت عينا ايما بخبث ، وكأنها تقوم الموقف من وجهه نظرها . وسألت بصوت ملوه السخريه : فيدل ماذا؟
لماذا التردد
-فيدل زاراكوتشي.
جمد وجهه ايما : زاراكوتشي . اهو من عائله زاراكوتشي؟
ابتلعت ريقا :لا ادري
-ماذا تعنينب لا ادري؟
توجهت ايما الي النافذه،ثم عادت وعلي وجهها العداء، الحقد والذهول والتردد:
-اذا كنت ستتزوجين به فأنت تعرفين.
-اعرف انه يعمل في مصرف ...
قاطعتها زوجه ابيها:
-لا اصدق .. ها انا ذا افتش اوروبا كلها عمن يوفر لي وجبه في مطعم فخم .. وها هو احدهم يهبط في حجرك انت .. لاتقولي لي انك لم تسمعي بعائله زاراكوتشي . انها عائله من اقوي عائلات فيينا في عالم المصارف في اوروبا .كانت كلير صديقتي تتحدث عنهم منذ ايام فهي تملك اسهما في شركه ملاحه في روان ترغب ببناء حوض ضخم لبناء السفن. انه مشروع يحتاج الي ملايين لاحصر لها ، وطلبو من عائله زاركوتشي التمويل. ولقد نشرت الصحف كلها الخبر. الم تقرئيه؟ هناك صوره ايضا ..
تمتمت اورسولا : لا لم اقرأه بل انا لا اقراء الصحف . كان فيدل في روان الاسبوع الماضي
بدأت ايما تضحك بهستيريا وقالت:
-انها مزحه ..لا شك انه شخص يحاول التغرير بك .. يظنك تملكين مالا او يحاول معاشرتك .. اين هو الان ؟ اريد رويته .. اريده ان يعرف انه لن يتزوج ابنه زوجي بهذه السهوله . ثمه شروط محدده.
انها تفكر في مال تجنيه من الامر، ولم تستطع اورسولا ان تصدق .
-لقد تجاوزت الثامنه عشر وهذا يعني انني لا احتاج الي موافقتك.
-ثمه اعتبارت اخري .. قد اخبره عن افلاس والدك وعن اعالتي لك قائله اني انفقت كل ماملكه عليك ..ثم ها انت تكبرين وتنبذينني .. لا اضن ان عائله زاراكوتشي يحبون هذا النوع من الفضائح.
شهقت اورسولا :لن تجروي
-بدأت تقلقين وتخافين ان تخسري تأثيرك فيه ؟
عادت الي الطاوله حيث تركت سيكارتها تشتعل:
-حسن جدا .. ربما انت محقه .. ربما سأنتظر حتي تتزوجي بسلام .. ولكنني سأمهلك سنه واحده فقط .. انت حمقاء اذا ظننت ان فتاه لا شأن لها مثلك قد تسعد اي رجل .
التوي فمها بسخريه حاقده ،ثم اردفت :
-لكن الله وحده يعرف سبب رغبته في الزواج بك .. هل انت حامل منه ؟ ولكن هذا لايشكل فرقا .. فبامكانه بسهوله ان يدبر لك ..
صاحت اورسولا :لست حاملا
لم تظهر الدهشه علي ايما التي طالما اوضحت انها تعتبر اورسولا غبيه وغير جذابه . سألت فجأه :
-كم عمر فيدل زاراكوتشي هذا ؟انه كبير بالنسبه لك؟ولكن يبدو ان لديه شغفا بالفتيات الصغيرات؟
وكان هذا اكثر من ان تطيقه اعصاب اورسولا التي التقطت حقيبتها وهرعت الي الخارج بسرعه.
عادت الي شقتها سيرا ، غاضبه من ايما لحظه، مرتبكه ومششوشه اخري. اخيرا دخلت الي الشقه .. ربما ليس فيدل هو الشخص نفسه اين هو دليل الهاتف ؟ وجدته تحت المقعد ،وفتشت صفحاته ز .. فيينا .. هاهو زاركوتشي .. فيينا .. انه الاسم نفسه.
تنهدت تنهيده عميقه وقعدت علي وساده فوق الارض والشك يسكن قلبها ..اذن هو بالفعل فيدل زاراكوتشي ..فجأه شعرت بالعجز .. فان كان لايمكنها حتي التفكير بكلمه مليونير فاكتفت بكلمه ثري فلماذا يزعج نفسه بها ؟
اتراه يريد الزواج لسبب اخر .. ففي هذا الرجل ماهو خطير . حين كانا معا احست انه رجل متكبر ، وعدواني ، مسيطر ومميز . فكيف تحب شخصا ، وتريد الزواج به ثم في الوقت نفسه تخافه وتحار بأمره ؟
هل ينذرها حدسها ثانيه او ما تشعر به هة التوتر الذي يسبق الزواج عاده .

4- اليوم الذهبي


غاب فيدل اسبوعين كان المناخ خلالهما قد تغير قليلا فتلبد الجو بالغيوم . قضت ايامها في حيره واضطراب اما ليلها فقضته ساهره تحاول معرفه ما اذا كان ما جري حلما . هل طلب رجل كفيدل يدها ؟ايريد حقا الزواج بها؟
اغمضت عينها بشده وتقلبت فوق الوسائد .. ارادت ان تحضنه بقوه . ارادت ان تحس به بين ذراعيها .. ارادت ان تحس بقوته تسيطر عليها وان تحس به يقمع نفسه بقوه ارادته .
كان يتصل معظم الايام . في المره الاولي اتصل من بروكسل ثم من لندن ،وفي الاسبوع التالي اتصل من روما وكان الوقت منتصف الليل تقريبا وقد استطاعت اورسولا سماع صوت موسيقي اتيه من مكان قريب . شعرت انه لايتصل من فندقه .
سألها بهدوء : انت في الفراش ؟
-لا.
لم تستطع ان تقول انها لم تتمكن من النوم قبل ان يتصل .. وقالت:كيف حالك؟
-اشتقت اليك.
كان صوته منخفضا مثيرا منكسرا .. ثم تكلم معه شخص ما ، وكان رده جمله طويله باللغه الايطاليه . فسألته وهي تحاول الا تظهر تطفلها ،فالصوت لانثي:
-اتقيم عند اصدقاء؟
-اتعشي مع اصدقاء .. ولم الحظ الوقت .. كنت انوي ان اتصل بك من شقتي .
ايعني هذا انه لن يعود الليله الي شقته ؟
-امازلت معي اورسولا ؟
-اجل.
-أبك شئ؟
-انا .. متعبه ، هذا كل شئ.
ثم بدا غاضبا من نفسه , وشرح لها انه مسافر الي فيينا في اليوم التالي ثم قال انه لن يتمكن من العوده الي باريس حتي مساء الثلاثاء.
حتي ذلك الوقت الطويل ؟ ثم انخفض صوته متمتما بدعوه حميمه :
-هل ستطهين عشائي؟
نضحت راحتا اورسولا عرقا واخد نبض كليل مخدر يضرب ضرباته المألوفهفي عروقها .
يوم الثلاثاء .. انه بعيد ،بعيد . ودعته متمنيه له ليله سعيده . احتبت اورسولا فوق الاريكه ،منهكه ، تحس تقلصا غريبا في معدتها ..لماذا لم يقل لها من تكون المرأه؟
ثم ، غمرها نوع اخر من القلق وهي تتامل ذلك التغيير الهائل الذي جري في حياتها في الاسابيع القليله الماضيه .. الان هي .. اورسولا التي تنتقد دائما صديقاتها وحياتهن العاطفيه . هل اصبحت ، صدقا ،مختلفه كثيرا ؟
اتصل بها من المطار ليقول لها انه عاد الي باريس ، وان السياره ستصل لتقلها بعد السابعه .. بدا لها علي عجله من امره . صوته ملكا لغريب الذي في داخله والذي لم تلتق به حتي الان . اهي مفرطه الاحساس اكثر من الللازم ؟ ام انه بدأ يغير رأيه ؟
زجرت اورسولا نفسها وكانت تبتسم ابتسامه مشرقه عندما انفتحتابواب المصعد ودخلت الي الشقه.
لكنه لم يكن في الردهه بانتظارها .. بل كان هناك شخص اخر .. شاب في مثل سنها ، يرتدي بذله انيقه ويتحدث هاتفيا باللغه الفرنسيه . التفت ما ان خطت اورسولا الي الردهه ، وابتسم لها ابتسامه سريعه.
لكنه في الواقع كان يصغي الي من يتكلم معه،هز رأسه ، قال اجل ، اجل ، ثم رد مجددا ، وكان غاضبا ، مصرا .. في صوته اكثر من لمسه سلطه .. ثم تكلم عن ستوكهولم وعن بعض الاسهم ... فرفرفت اورسولا عينيها ثم سارت الي غرفه الجلوس المتصاعده منها اصوات كثيره.
كان فيدل هناك ، يستخدم الهاتف الاخر وحول عنقه ربطه غير مستويه . كان حاله كحال الاخر . كان يدلك موخره عنقه ،ويهز رأسه .. لم يشاهدها .. في الغرفه بضع رجال وعلي الطاوله مستندات كثيره وجهاز تسجيل ،اما الجو فمثقل بدخان السكائر .. لم تعرف اورسولا لبرهه ماتفعل ،ثم رفع فيدل رأسه فجأه وشهادها .
ابتسم فخفق قلبها .. ثم اخذ يتحدث بالامانيه ،كان صوته فاترا باردا وخطيرا ولكنه حرك اصبعه يشير اليها ان تتقدم، فجأه وقف الرجال المنكبين علي الاوراق .
همست اورسولا وقد اصبحت قربه :لم اكن اعلم
لف ذراعه حولها واكمل حجيثه هاتفيا ،ثم توقف ليعانقها مشيرا اليها ان تجلس .
قدم لها شخص ما كوب عصير ،وجلست في احد المقاعد الجلديه البيضاء الفاخره ، محاوله الابتعاد عن الطريق .. الان ، وبعد ان عرف زملاوه عن انفسهم رسميا عادوا الي اجتماعهم .
ظهر الرجل الذي كان في الردهه ، ونادي فيدل الذي قطع حديثه وخرج الي الغرفه الاخري ،حيث سمعت نبرته القويه المفعمه بالسلطه.
مضت نصف ساعه ،تلقي خلالها فيدل مكالمات هاتفيه عديده.سمعته يقول ردا علي طلب ما :
-قل لهم اننا لن ندفع اكثر من عشرين مليونا.
انتفضت اورسولا وظلت هادئه ..فالعشرين مليونا .. مبلغ ضخم في جميع العملات.
هذا هو عالم فيدل . ولكنها عندما نظرت الي تنورتها البسيطه والي سترتها القطنيه تساءلت للمره الالف ،لماذا انا ؟
اخيرا غادر الجميع الغرفه ،وعاد فيدل الي غرفه الجلوس ،يمد يده الي اورسولا يقودها الي المكتب كان يجلس اليه. سحب وثيقه امامه والتقط قلما ..
-لم ارغب ان تكتشفي امري بهذه الطريقه ..لكن حدثت مشاكل لم نكن نتوقعها ..
-هذا مافهمته ..ولكن لا يهم لقد عرفت.
-عرفت ؟
وبدا ..ماذا ؟ يشك؟
-من ايما
-اهاه
-ليتك اخبرتني بنفسك.
ترك يدها ودلك موخره عنقه.
-اردت اطلاعك علي الامر ،لكن الامور خرجت عن ارادتنا .
حاول ان يبتسم ،ولكنه لم يفلح ..فتوتر وجهها :
-قلت لك لا حاجه الي ان تطلب يدي . وكنت مستعده لاعطيك ماتريد بدون زواج .
بدا علي فيدل التعب و سأل : اتحاولين قول شئ ما لي؟
ارتدت عنه متوجهه الي ابواب الشرفه ،تفتحها .. فدخان السكائر العابق يشعرها بالضيق.
احست بكل شكوك الايام والمها تضغط عليها :انا لا اعي ما اقول .
-لماذا لاتدخلين الي المطبخ لتطهي لنا العشاء ؟ الم تأت لهذا الغرض .. سأنظف المكان هنا .وبعد ذلك سأستحم.
وقفت اورسولا في المطبخ تفكر ماذا دهاها ؟ هل اساءت التصرف لانها توقعت منه الكثير في لقائهما الثاني . انه حتي الان ورغم رحيل الجميع لم يعانقها . اهو واثق منها الي هذه الدرجه ؟اكان يعامل نساءه جميعهم المعامله ذاتها ؟وماذا عن تلك المرأه في روما؟ ..
تنهدت غاضبه من نفسها ومنه في ان . ثم فتحت البراد ،فارتاعت. ثم راحت تبحث في خزانه المطبخ المليئه بأدوات الطعام ،وفناجين القهوه والشاي ..ولكنها لم تجد طعام .فليس في الخزانه او البراد سوي بيضه واحده وبعض حبوب القهوه .اهذه حياه مليونير مثله ؟ ايعجز حتي عن تنظيم مطبخه؟
عادت غاضبه الي غرفه الجلوس فوجدته هناك جالسا يكتب شيئا ما .اما تنظيف المكان فتركه غير عابئ ،من الواضح انه مازال مشغول البال بشأن الازمه الماليه . الا يعني الطعام له شئا ؟ اليس لديه وقت للتفكير فيه ؟ربما لهذا السبب يريد الزواج بها .. ربما تعب من العوده الي المنزل الذي لا يجده الا خاويا ..رفع رأسه عندما احس بها ، فقالت :
-ليس هناك طعام
مرر يده ببطء علي وجهه : ساطلب طعاما صينيا . اتحبين الطعام الصيني ؟
ثم ضحك بقلق ،ووضع القلم من يده ، ينظر اليها بعينيه الزرقاوين الساحرتين .. كان اسمراره قد ازداد ، وهذا يناسبه اكثر فقالت : الا تريد متابعه العمل ؟
دفع الاوراق جانبا : ليس الان فلينتظر العمل
-كيف كانت لندن ؟فانا لم اذهب الي هناك منذ الميلاد الماضي .
بدا فيدل متكتما وكانه لا يريد التحدث عن لندن.
-عظيمه .. بت هناك ليله واحده ..لقد امطرت.
ابتسم لها كأنه يغير موضوع الحديث
-وامطرت هنا كذلك.
-وفي بروكسل ايضا.
-اذن ، من اين اتيت بهذا الاسمرار ؟
-الاحظت هذا ؟
ضحكت :بالطبع لاحظت.
بدت السعاده عليه :لوحتني شمس روما .
اضفت لكنته الايطاليه علي اللفظ بعدا عذبا ، واحست اورسولا بالاضطراب لانها تذكرت تلك المرأه.
وقف فيدل يداعب ذراعها قليلا .. ثم تمطي قائلا انه بحاجه الي حمام ..خرجت الي الشرفه وهي لا تدري مرغوبا فيها ام لا .
ثم تذكرت زيارتها الاولي الي الشقه ، ولاحظت انها تجلس امام لوحه موندريان بدون ان تلاحظها . اهكذا تجري الامور ؟ ايصبح المرء معتادا علي الترف والثراء ؟ وهل ستعتاد علي سمعه فيدل العالميه ،وكل ما يتعلق به بالطريق ذاتها؟
نزعت سترتها ثم توجهت الي المطبخ وهناك رأته يضع الاكواب في غساله الصحون .. وقفت في الباب تنظر اليه .. تبتسم له ..وعرف . عرف مخاوفها ، وحيرتها .كان كمن يستطيع رويه كل شئ في اعماق نفسها .. وكان هذا مبهجا ،ومخيفا في ان . ابتلعت ريقها وهو يجفف يديه ويرمي المنشفه علي الرف .
تقدم ليمسك بكلتا يديها ،يضمها اليه ويطبع قبله علي شعرها :
-لست جائعا .. وانت ؟ اتريدين ان اطلب الطعام ؟
همست مغمضه عينيها ،تحس بجسدها يستيقظ امام اثاره خطيره :لست جائعه في الواقع
تمتم :انتظرت هذا اليوم بفارغ الصبر.
مالت اليه ،تغرق في ظلمه احاسيسها .. تعقد ذراعيها وراء عنقه ..



تزوج فيدل واورسولا في باريس في نهايه شهر تموز ، وقد اخرا الزواج فتره بسيطه لان فيدل رغبا في ان يقضيا اسبوعا كاملا كشهر عسل .. وقال لها : سيكون لنا شهر عسل اخر .
اما الشهر الذي سبق زواجهما فكان مجنونا ولم تكد تراه فيه .
انتقلت اورسولا لتعيش في شقته في هذا الشهر وكانت فتره رائعه للتكيف فهي بحاجه الي هذا التكيف لتعتاد علي فكره الانضمام الي عائله صيتها ذائع في انحاء اوروبا كلها .
كان فيدل ياتي بسرعه ويذهب بسرعه ، وهكذا قضت ايامها في وحده.
كان حفل زفافهما مدنيا وبسيطا وعندما سألها فيدل عما اذا كانت تفضل احتفالا في كنيسه كبيره .. تحضره عائلته وحشد كبير من الناس قالت انه تفضله بسيطا . والسبب بكل بساطه انها غير جاهزه لمواجهه عائلته.
حدثها عن عائلته : امه الارمله نمساويه وهي تعيش في فيينا . فيالواقع ، بدا ان كل افراد العائله نمساويين حتي دفع بهم تغيير الحدودالي ايطاليا .. كان منزل العائله في بلده دولوميت وقال لها انها ستحبه ..ففيه بحيره كبيره .ولكنه لم يضف شيئا اخر ،ثم قال انه من هناك يدير المكاتب في ميلانو وروما.
قدمت ايما من نيس لحضور الزفاف برفقه رجل . قالت لها: في الواقع سنكون جيران.
احست اورسولا ان زوجه ابيها تنوي البقاء في نيس فتره.
وكان يوم العرس حار ارتدت فيه اورسولا ثوبا حريريا بسيطا فيه ورود صغيره زرقاء وخضراء اشترته من غاليري لافاييت الضخم الموثر وما سهل لها ذلك ، المبلغ الضخم الذي وضعه فيدل في حسابها المصرفي، لقد قال لها:
-انه من الملائم ان يكون لك السبيل الي مالنا.
حاولت الاحتجاج فمازالت تستغرب فكره اخذ المال منه .ويبدو ان مشاعرها ظهرت علي وجهها لانه بدا ضجرا من الموضوع واضاف :
-ساغيب عنك كثيرا يا ارسولا.. وهذا يعني ان من المنطقي ان تسددي فواتيري بنفسك في اثناء غيابي واعلمي ان ذلك سيدفع عني بعض الضغط.
وهكذا اشترت الفستان ومايحتاج اليه من اكسسورات . عندما شهدها ذلك الصباح نظرت الي عينيه وماشهادته فيهما كان يساوي كل شكوكها مجتمعه.
همس حين جاءت السياره لتقلهما الي مكان الزفاف :
-تبدين جميله..
ودت اورسولا لو يطول هذا اليوم الذهبي الي الابد. لكنه لم يدم اذ انهت المراسم بسرعه ، وخرجا ثانيه الي حيث الشمس المشرقه . في الخارج لاحظت اورسولا شخصا ما يصورهما بكاميرا متطوره وقرب هذا الشخص مراسلتان تحملان اوراقا سألتها احداهما بالانكليزيه عما اذا كانت صنعت الفستان بنفسها فسارع فيدل بدفع عروسه الجديده الي داخل السياره قبل ان ترد .. واتسعت عيناها الخضراوان دهشه وغضبا :
-أسمعت ما قالت ؟ ايبدو انني صنعت الفستان بنفسي ؟ لو تعلم كم ثمنه ..
ضحك فيدل بلطف ،يلف ذراعه حولها :
-لاتنسي انهم يعرفون انك طالبه فنون .. وربما ظنوا انك تدرسين تصميم الازياء .
-لكن كيف عرفوا انني طالبه فنون ؟ ولماذا يهتمون بهذا ؟
بدت الحيره والجد علي تعبير وجهه فرفع يدها يلثما ولكنه ظل صامتا .
تنهدت اورسولا تنهيده طويله ثم شقا طريقهما الي الفندق لحضور حفل الاستقبال بمناسبه زفافهما .. هل ستكون حياتها دائما غنيه بمثل هذه المفاجات ؟ جلست صامته تحدق الي ماهو امام رأس السائق ..
بات كل شي مختلفا .. ذهب الطيش وجاء وقت الحقيقه . تري هل ستكتشف قريبا نوع الرجل الذي تزوجت به؟
5-صديقه وعشيقه

كانت قمم الجبال المكسوه بالثلج مظلله بأشعه الغروب الحمراء. هكذا بدت القمم في الطائره النافثه الخاصه الصغيره .. تطلعت اورسولا بذهول الي الجوهره الزرقاء الرائعه . انها اروع بحيره تراها . تابعت الطائره هبوطها ،واصبح المنظر اروع الان ،فحول البحيره ارتفعت الجبال . كان هناك قريه صغيره رائعه .
قالت من بين انفاسها:انها جميله.
فقد حدثت امور كثيره منذ زفافها في الصباح .. ولم تكن لتصدق ان من الممكن ان يقوم الانسان بهذا كله في يوم واحد .
قاما برحله جويه الي انسبروك وجدت طائره نفاثه خاصه تنتظرهما لتقلهما شمالا فوق برينر في ايطاليا ... وها هما الان في دولوميت وفوق بحيره فيرنو المرتفعه.
تساءلت اورسولا اين ستحط الطائره . ثم نظرت من فوق كتف الطيار ، فشاهدت منبسطا من الارض الي جانب البلده .. وهناك نهر .. وملعب غولف .. طافت الطائره الان فوق اسطح المنازل ..
كان امامهما مباشره مدرجا . راحت الطائره تحط ببطء علي المدرج . وجدت بانتظارهم سياره وهذا امر متوقع ولكن مالم تكن تتوقعه هو ان تقلهما السياره الي مرفأ صغير حيث يقبع فيه مركب سريع .
-لا اصدق هذا . اتعني انك تعيش هنا؟
واشارت الي البحيره التي تقبع في وسطها بقعه خضراء هي جزيره صغيره بين المياه الزرقاء
انتسم فيدل : انها مفاجأه.
-مفاجأه
اردت ان تحضنه .. ولكن ، ايتوقع فيدل زاراكوتشي مثل هذا التصرف من زوجته في العلن ؟ وكان ان تراجعت وعندما ساعدها علي الصعود الي المركب لم تفعل سوي الضغط علي اصابعه .. بدا لها هذا كافيا ، فقد التقطت عيناه الزرقاوان عينيها في لحظه سحريه ، خاصه بهما.
قال وهو يمرر اصابعه علي وجنتها :
- انت متعبه .. كان يوما طويلا .. ولكنني كنت مظطرا للعوده بك رأسا الي هنا.
انطلق المركب بهما .. فجأه احست اورسولا انها انتزعت من عالم الواقع . وابتعدت عن البلده الصغيره بمقاهيها وفنادقها الملونه ، واصبحت علي مقربه من الجزيره الخضراء البارده . احست انها عالقه ما بين حياتها القديمه وحياتها التي تلوح امامها ... شعرت برغبه في الوثب من المركب لتس
لتسبح الي الشاطئ .. ولكنها لا تجيد السباحه ادارت ظهرها الي البلده الصغيره لتستقر عيناها علي فيدل ، الجالس مسترخيا في مقدمه المركب ، هذا هو زوجي .. همست بصمت لنفسها .. هذا الرجل الطويل الرياضي الذي تحرقها عيناه وتعيدانها حيه والذي تجعلها لمسته تحب الحياه هو زوجها وحبيبها ..حبه الرائع يدفعها الي ماوراء الحدود الروحيه والنفسيه لهذا العالم ، الي ما لا اسم له او زمن او حدود .. حيث ستبقي الي الابد ...

حرك نسيم عليل شعره الاسود .. ولكنه يختلف الان عن الاوقات التي كانا فيها معا من قبل .. ولم يكن هذا مجرد خيال . انه الان في موطنه ..حاولت ان تتذكر ما قاله لها عن عائله زاراكوتشي .. العائله التي ذكرها بفخر . وها هي الان جزء من تلك العائله .. لقد قال لها انه يرغب في ولد في اسرع وقت ممكن . انما لماذا ؟ الا يكفيهما حبهما فتره ما ؟ ولماذا يعيش بين الجبال المرتفعه وسط بحيره ، في الوقت الذي يستطيع ان يعيش في ميلانو او روما ؟ قال لها :كنت مضطرا للعوده بك رأسا الي هنا . فلماذا ؟ قررت ان تسأله فيما بعد ، عندما يصبحان وحدهما .
كان يقف بباب غرفه ملابسه عندما قال جوابا علي سوالها :
-ماذا تقصدين ؟ اليس علي ان احملك رأسا الي هنا ؟ هذا منزلي اورسولا .. منزلنا .
كانت اورسولا تفتش الادراج بحثا عن ملابس نومها .. هزت كتفيها ترد عليه .
- اعني .. اظهرت وكأنه امر في غايه الاهميه ،ثم قررت الوصول الي هنا الليله ..ليله زفافنا .. بدلا من البقاء في باريس والسفر الي هنا في الغد .
- انها ..
فتش عن الكلمه المناسبه : التقاليد
انتزع ربطه عنقه ، وفك اول زر من قميصه وهو يدخل الي غرفتها ..
-تقضي عرائس عائله زاراكوتشي ليله زفافها في القلعه.
-القلعه ؟ ايه قلعه؟
بدا دهشا من سوالها .. وكأن الجميع يعرف بالقلعه :
- الم تشاهدي الخرائب من المركب ؟
هزت اورسولا رأسها .. ولكنها كانت شاهدت لوحه مسمره في شجره متدليه فوق الماء .. في الواقع لوحتان ، كلاهما بالالمانيه والايطاليه والانكليزيه .. عليهما كتابه واضحه : املاك خاصه .. ابتعد. لاشك ان فيدل زاراكوتشي حريص جدا علي املاكه.
-القلعه مدمره .. انها قصه طويله ..
كانت اورسولا مشوشه وتعبه ومظطربه . ولكنه لم يخبرها عن القلعه .. قلعه زاراكوتشي . هذا يعني انهم عائله استقراطيه عريقه في الاصاله .. اه ولكن اين ملابس نومها ؟ انها تبحث عنها منذ فتره ولا تجدها . ماغرب ان يوضب لها اخرون ثيابها .
سألها عندما دخل الي الغرفه ثانيه :
- ما بك .. صغيرتي ؟
-لا ادري ما فعلوا بملابس النوم.
تقدم ببساطه الي السرير وجذب الغطاء الناعم وهناك كان ثوب نومها وهو غيمه بيضاء من الدانتيل الناعم .
تنهدت .. غاضبه من نفسها لانها لم تفكر في الامر من قبل وشعرت بالارتباك لانه يعتبر كل هذا من المسلمات .. تقدمت لتاخذ منه ثوب النوم ، ولكنه اوقفها وامسك وجهها بين يديه :
-سيزول الاستغراب بعد قليل ..
تذكرت لوحه موندريان المعلقه في شقه باريس وحاولت الابتسام.
عاد الي حمامه ليستحم وخلعت اورسولا ملابسها بسرعه وتوجهت الي حمامها .. وقفت تحت المياه البارده المنعشه . لقد ولي اليوم السحري ، ولت باريس والزفاف والرحله في الدرجه الاولي ،والطائره الخاصه ، والمركب والبحيره والفيللا ..
عندما لمحت الفيللا للمره الاولي كانت بين الصنوبر وكان فيدليمسك يدها ويقفان في مقدمه المركب متمسكين بالحاجز ..في البدايه شاهدت سقوفا حمراء مختلفه المستويات .. ثم شاهدت الجدران البيضاء والشرفات الغنيه بالورود . كان الجزاء الاول من المنزل برجا والجزؤ الاخر حديث المظهر وهو يطل علي البحيره . ثم رأت حديقه متدرجه تتصاعد نحو المنزل ، الذي اصبح مرئيا حالما اصبح المركب علي رصيف المرفأ . كانت الاضواء مشعه من النوافذ والشرفات مضاءه.
وجدت اناسا كثيرين باستقبالهما وكانو جميعا يرحبون بهما ويبتسمون لهما .
اخيرا قادها الي غرفه الاستقبال الانيقه .. حيث استطاعت ان تري حقائبها محموله الي الداخل . ففكرت انها ستستغرب حياتها الجديده فهي غير معتاده ان ينوب عنها احد في ترتيب اغراضها .
جال فيدل بها بسرعه في ارجاء المنزل ،وعندما وصلا الي غرفه نومها قال لها بفخر انها تطل علي اجمل منظر في الفيللا كلها ..ثم ارشدها الي غرفه الملابس ،التي تقع خلف غرفته . وبدا علي وجهها امارات الذهول فضحك اليها .
-انها الوضع الانسب . فلربما عدت متأخرا او عملت حتي وقت متأخر ولكنني لن اقضي الا القليل من الوقت هناك.
وشرح لها ان غرفتها هي التي سيستخدمانها .
تناولا العشاء علي ضوء الشموع ، وكان الخدم قد اختفوا تاركين العروسين بمفردهما . اختارت اورسولا لهذه الليله بلوزه بيضاء مفعمه بالانوثه ، وتنوره من الكشمير. كان النسيم يلصقها بساقيها ويقسم حنايا جسمها الذي تنيره الانوار من الداخل .. بدا فيدل سعيدا بها وهما يقفان امام حاجز الشرفه ...
كانت تظن انها لن تجد مزيدا من المفاجات هذا اليوم ولكنها كانت مخطئه لانه اخرج من جيب سترته علبه صغيره .. علبه مجوهرات في داخلها قلاده ذهبيه فيها لؤلؤه دافئه . ثم وضعها حول عنقها وثبتها هناك ، باصابع ناعمه ثابته ،ثم قبلها وهي تتلمس القلاده .. وبدا كل شئ لطيفا بسيطا .. ومناسبا .
قال لها هامسا :
-لا ترتدي الالماس ابدا فانت لا تحتاجينه .. ساشتري لك اللؤلؤ والذهب .. دائما ..
خرجت اورسولا الان من تحت المياه البارده ولفت جسمها بمنشفه سميكه . شعرت بحركه ما فاستدارت . انه فيدل .. ومن سيكون سواه ، كانت عيناه الزراقاوان مشعتين فيهما تتراقص شياطين صغيره .. نظر باعجاب الي شعرها الاشقر القصير ةالي حاجبيها المقوسين والي عينيها الخضراوان الخجولتين اللتين تحركان فيه نارا متأججه . رأت جيدا مدي سعادته ببشرتها الخفيفه السمره التي تغطي كتفيها واقترب منها ..
تناهي اليهما رنين لجرس الهاتف . فتأوهت اورسولا ... ثم راحت قدماها تبحثان عن الارض ولكنها احست بيد قويه دافئه تلتف حول خصرها وسمعت صوته يتمتم :دعيه وشأنه.
وقعت الي الوراء فوق الوسائد ، تضحك من نفسها .. تندس فيه ، تحس به يتحرك مستيقظا .. وقالت :
-لكنه مازال يرن .. انه في غرفتك .
التفت حولها :قلت اتركيه وشأنه.
ووجدت يده مستقره فوق صدرها .. ثم عاد يغط في النوم. وابتسمت اورسولا برضي لانها تعلم ان اليوم سيمتد امامهما بدون توقيت او ساعات .. لكن الهاتف مازال يرن ...
حركت يدها علي ذراعه ببطء ،مداعبه :
الن يرد احد في الطابق السفلي؟
-تمتم :لا ، انه خط خاص.
-اذن اليس عليك ان ترد؟
-لست في غرفتي .. احب مكاني هنا .. ولا رغبه لي في الذهاب الي الغرفه الاخري في الوقت الذي تنام فيه زوجتي في هذا الفراش .. فانا اريدها .. الان.
همست وعيناها تبرقان : هذا واضح حبيبي.
في هذه المره لم يكن هناك انتهاء للزمان او وصول الي عالم اخر .. بل كان هناك عذوبه مميزه يتشاركان فيها وساده واحده ... رن جرس الهاتف مجددا بعد نصف ساعه ولم يسمعه اي منهما.
كانت الغرفه تشع بأشعه الشمس حين استيقظت اورسولا مجددا .. كان الوقت متأخرا ، متأخرا جدا .. وفيدل مازال غارقا في سبات عميق .. تسللت من الفراش ، وارتدت فستان نومها الذي وجدت صعوبه في ايجاده ، وخرجت الي الشرفه ، فاغره فاها مذهوله امام المنظر الساحر الذي كان ينتظرها .. سماء صافيه بحيره زرقاء ، وجبال واسعه . تناهت اليها اجراس كنائس الاحد خفيفه بعيده .. غامضه وكأن لا زمان لها ..
جذبت حركه ما علي الشرفه السفلي اهتمامها .شخص ما يحضر الفطور لشخصين .. فتسللت الي الطرف الاخر من الشرفه لانها تخجل ان يراها احد بثياب النوم .. ولكن عليها ان تعتاد علي ما يحيط بها من خدم كما عليها ان تتعرف اليهم وعليها ان تتعلم كيف تدير منزل فيدل ..
عاد الهاتف الي الرنين وادركت اورسولا انها تقف خارج ابواب غرفه فيدل الخشبيه .. لو استمر الرنين لاوقظه .. انفتحت الابواب بسهوله وتسللت الي الغرفه البارده المظلمه الا من شعاع ينفذ من الفتحه التي دخلت منها . امسكت بالسماعه ، وقبل ان تقول شئا سمعت امراءه تقول بالايطاليه بصوت عميق مثير .
-فيدلو .. كارا .. حبيبي..
ثم ضاعت كل الكلمات المثيره الايطاليه عن فهم اورسولا .
قالت بصوت متوتر:
-اوه مومنتو .. لحظه واحده.
تمكنت اخيرا من استخدام الكلمهتين الايطاليتين اللتين تعرفهما . وضعت السماعه من يدها ودخلت الي غرفه الملابس الي حيث كان فيدل يتحرك في نومه . شاهدت يده تمتد بحثا عنها .. فحاولت الا تظهر اهتمام .. ولكنها تذكرت ما معني كلمه كارا.
-هناك مخابره لك.
لقد نادته فيدلو.. ولم تكن تتكلم الالمانيه كأهل هذه المنطقه .. اهي المرأه التي كانت في روما؟
دخلت الي حمامها تقفل الباب وراءها ، تلتقط منشفتها وروبه عن الارض و تفتح الحنفيه لانها لاتريد ان تسمع شيئا
عندما خرجت وجدته يتابع كلامه الهاتفي .التقطت فستانا صيفيا اخضر اللون كانت ترتديه في اليوم الاول الذي تقابلا فيه في اللوفر ..بدا لها الوقت الذي مر بها عمرا كاملا .. لكن .. ماذا كان فعلا ؟ مجرد شهرين .. من الواضح ان زمنا سيمر قبل ان تكتشف كل النساء في حياته انه لم يعد متوفرا لهن.
حين عاد الي غرفتها كانت تجلس امام طاوله الزينه تدلك كتفيها بواق من اشعه الشمس .. ووقف بالباب لحظه ، طويلا فخورا . في الشهرين اللذين عرفته فيهما كان اسمراره قد اصبح بورنزيا ذهبيا . وتذكرت انه قال لها : اتتني السمره من روما . التوت معدتها بألم من نوع جديد . مع ذلك ،كانت عيناها في المراه تستمتعان بطوله ورجولته .. تقدم ليقف خلفها ،متناولا الانبوب من يدها وراح يدلك ظهرها .
قال وفي صوته بعض الخشونه :
-انها صديقه .. تقول انه كان عليك الانتظار قليلا ،فهي تتقن الانكليزيه.
نظرت اليه في المراه ، ولكن عينيه لم تبارحا ظهرها : لم اكن اعرف .
-لقد جاءت الي الجبل لقضاء الصيف ، فروما حاره جدا.
تقاصت معدتها مجددا :روما ؟
-سي ..
مازال ماخوذا باللغه الذي تكلم بها منذ قليل . التقطت اورسولا احمر الشفاه :
-الم تتأخر في ترك روما ؟ اننا في اخر تموز .
هز كتفيه : اه رونا تسافر الي المكان الذي تريده .. لقد عادت لتوها من سويسرا.
-رونا .. اسم جميل.
- لديها فيلا قرب مورانو علي بعد نصف ساعه من منزلنا.
قالت بخفه : اذن اتوقع رؤيتها عما قريب .
اعاد فيدل غطاء الانبوب الي مكانه بشده ، ثم وضعه علي الطاوله هازا رأسه هزه مشدوده غير راضيه ، ثم اتجه الي الحمام استعدادا لارتداء ملابسه.
لكن المخابره تلاشت من ذهنها في الاسبوع التالي الرائع .. الاسبوع الذي استطاع فيدل فيه البقاء حرا ..قاما برحلات تحت ضوء القمر في يخته الكبير . واستلقيا علي الصخور الملساء الدافئه حول شاطئهما الخاص .. وأراها الجزيره ، وقضياء طوال عصر احد الايام وهما يكتشفان أعماقها الخضراء البارده .. ووجدت انه ليس هناك ما تبقي من القلعه العتيقه .. ولم يخبرها ما حدث لها ، وهي لم تسأله ..
سبحا معا في كهوف تغمرها المياه ،حيث لا يزيد ارتفاع المباه عن بضع اقدام . ولكنه حذرها من السباحه في مكان اخر لان المياه عميقه الغور في كل حدب وصوب .سارا بين الاشجار في ممرات تحف بها الشلالات .. وراقبا النسور تطوف فوق رأسيهما في كبد السماء .. كان اسبوعا جميلا ستبقي ذكراه الي الابد ، غنيا بأماكن جديده ، وبتجارب جديده .. وفيدل وليالي حبه وغزله .ولكن ماسرع ماعاد الاحد .. ثم جاء صباح الاثنين.
استيقظت اورسولا ببطء تتدحرج فوق السرير وتمد يدها اليه . لكن السرير كان خاويا ..يالهي .. انظري كم الساعه .. لقد تجاوزت التاسعه انها تزداد كسلا .. ثم وهي تكافح لتقف شاهدت مذكره قرب المصباح .. لقد سافر فيدل الي ميلانو . ولم يشأ ان يوقظها .. ولا يعرف متي يعود ..
تناولت فطورها وحيده ، تحس بالشوق اليه .. كانت علي الشرفه تتناول فطورها عندما جاء ديلغي حاملا الهاتف ورفع لها السماعه ، وقال بابتسامه دافئه:
-الكونتيسه رونا دوراليس.
احست بالراحه لان احد الخدم يتكلم شيئا من الانكليزيه.
شكرته اورسولا ، واحست بقلبها فجأه بين قدميها .. الكونتيسه .. يالله .. لماذا لم يقل فيدل لها هذا ولماذا هو ليس هنا ؟ انتظرت حتي ابتعد ديلغي .. كيف يخاطب المرء كونتيسه ياتري.
قالت بهدوء بارد ،ياللعجب:
-انا اورسولا زاراكوتشي.
تناهي اليها الصوت الدافئ العميق:
-انا رونا دوراليس .. ماأروع التحدث اليك اخيرا عزيزتي اورسولا .. هل اخرجتك من فراشك؟
-لا ابدا .. ماألطفك ايتها الكونتيسه لانك اتصلت بي.
-رونا ..ارجوك..
- رونا اذن .. لقد سافر فيدل الي ميلانو.
- هذا عظيم ..لا ؟ فنحن لا نرغب في الرجال حولنا دائما؟
ياله من حديث غريب . نقلت اورسولا السماعه الي الاذن الاخري :
- اعتقد هذا .. أهناك ماستطيع القيام به من اجلك رونا ؟
- في الواقع انا من سيعرض عليك المساعده ..فأنا وفيدل صديقان حميمين واعرف انه يود لو نصبح صديقتين ايضا .
ضحكت قليلا : انا اعرفه . هل شرح لك كل شئ عن الفيلا.. وعن الموظفين؟ أتكلمين الالمانيه أم الايطاليه؟
- اخشي اني لااعرف اي منهما.
ظهر التعاطف في صوت الكونتيسه :
-اذن ، يجب ان نتكلم بمفردنا .فالرجال لا يرغبون في ازعاج انفسهم بمثل هذه الامور .. سأزورك اليوم؟ اجل ؟ للغذاء ربما ؟عندها سنتحدث قليلا ...
صمت قليلا تفكر في الكلمه المناسبه:
-حديث فتاه الي الاخري. وسأسعدك في تحضير الحفله.
-حفله ؟ ايه حفله؟
- اوه .. هذا مؤسف جدا .. الرجال لا يفكرون .. انها حفله لاستقبال العروس الجديده .
-لكن لاحاجه بنا بها .. انا لا احتاج الي حفله ..
ظهر شئ من التوبيخ في صوتها وهي تقاطعها:
- لكنها حدث متوقع عزيزتي اورسولا .. لا تقلقي .. سأسعدك في تنظيم امورها . اراك لاحقا ..اجل ؟ حوالي الساعه الواحده.
تمتمت اورسولا : اجل ، جيد.
ودعتها ، واعادت السماعه ببطء .. في الواقع يجب ان تكون ممتنه لوحود امراءه اخري تتحدث اليها، وتشرح لها الامور. هل هذه الكونتيسه التي كانت مع فيدل حين اتصل بها في باريس ؟ لكن روما مليئه بأمثالها .. ولا شك انه لديه صديقات عديدات.
نادت ديلغي واخبرته ان الكونتيسه قادمه للغداء.
في هذا الوقت وصلت زوجه ديلغي التي سمعت ماقالته اورسولا عن قدوم الكونتيسه فقالت شئ بالالمانيه ، واسرع ديلغي يترجم ماقالته زوجته:
-تقول زوجتي انها تعرف ما يعجب الكونتيسه من اطعمه وهي مستعده لتحضير وجبه ابيوم حتي تعتادي..
تنفست اورسولا الصعداء ،ولكنها لاحظت مما جري من حديث ان الكونتيسه زائره دائمه.
اضاف ديلغي:
- ترغب زوجتي ايضا في معرفه موعد وصول خادمتك الخاصه .
تساءلت في نفسها : وهل يجب ان يكون لها خادمه خاصه؟ ولكن لماذا ؟ سحبت نفسا عميقا .. هذا منزلها ، وهذه حياتها ، ويجب ان يعتاد الجميع علي اداره الامور علي طريقتها .
ابتسمت لديلغي : هلا قلت لزوجتك انه ليس عندي خادمه خاصه ولا احتاج اليها . ثم اشكرها نيابه عني لانها ستقوم باعداد الطعام.
ثم ابتسمت لهما فانصرفا.
امضت اورسولا الصباح في رسم تخطيط حدود الجبال وحدود البحيره.
حمل لها ديلغي ابريقا من الليموناضه البارده وارتشفت قليلا من كوبها الذي وضعه لها علي طاوله صغيره ثم وقف وراءها ينظر بانتقاد الي اللوحه.
-هل ورثت الموهبه عن والدتك؟
دهشت اورسولا واستدارت تنظر اليه ، تمسك بقبعتها:
-وكيف عرفت ؟ هل اخبرك فيدل شيئا ؟
-هز كتفيه قائلا: الموهبه لابد ان تاتي من شخص ما.
ثم قفل راجعا الي المنزل فنظرت اليه اورسولا حائره. من الواضح ان فيدل اخبره فماا العيب في ذلك ؟

عادت الي رسمها ،لقد وعدت نفسها ان تعود الي المنزل بعد الثانيه عشر .. ولكنها نسيت الوقت ولم تتنتبه حتي سمعت اخيرا وقع اكعاب رفيعه تتقدم منها .
قفزت واقفه وعيناها متسعتان .. النساء الايطاليات مشهورات بـأناقتهن .. ولم تكن رونا دوراليس شاذه عن هذه القاعده . كان فستانها من الحرير الاحمر . رونا امراءه جميله قوامها رائع ، شعرها اسود .جعلها جسمها تشعر بأنها مجرد تلميذه امامها.
احمر وجهها ، وكرهت نفسها .. قامت بجهد فائق للقاء رونا دوراليس بأبتسامه مشرقه:
- يالله كونتيسه .. لم يكن لدي فكره عن الوقت اسفه لانني لم استقبلك علي رصيف المرفأ.
ومدت يدها ، لكنها وعت متأخره ، ان يدها ملطخه بالدهان .
لم يفت الكونتيسه شيئا ولم يغب عن عينيها السوداوين الدعجاوين الجسد الطويل النحيل والشعر الاشقر او الشورت القصير والتي شيرت ، وقبعه القش القديمه.
افترت شفتاها ببطء عن ابتسامه راضيه .. وتظاهرت انها لم تر اليد الممدوده ،وتقدمت لتقبل اورسولا علي وجنتيها .
-الان اجبت علي اسئلتنا ، تساءلنا جميعا عن سبب عجله فيدلو الحبيب للزواج ..فأنت فاتنه وصغيره .
كان في صوتها لمسه .. ماذا؟ تسليه ام ضغينه؟
- ماروع اللقاء بك اخيرا .. واثقه انا من اننا سنصبح صديقتين .. حبيبي فيدل رجل محظوظ جدا .
تمتمت اورسولا قائله :
-ارجو ان تطلبي من ديلغي ان يحضر لك شراب ريثما ابدل ملابسي .
ثم توجهت الي المنزل ولكن قلبها كان في أثناء الطريق يبرد اكثر فأكثر فهي ليست بحاجه لمحلله نفسيه لتقرأ مابين السطور .. او لتفهم تلك النظره الخاصه في عيني رونا دوراليس ، وهي تلفظ اسم فيدل.
وفيما كانت تبدل ملابسها توضحت لها معالم الوضع الجديد .. لابد ان الكونتيسه وفيدل كانا عاشقين.. والكونتيسه والمرأه في روما شخص واحد.
فأيهما ياتري انهي العلاقه .. ومتي؟

*************************

6 -زوجي ليس لي


بقيت الكونتيسه هناك طوال العصر، بدا جمالها في غير مكانه في جبال وبحيرات التواريغو.
قالت رونا وعيناها السوداوان الدعجاوين تبديان عدم الرضي عن ثياب اورسولا البسيطه:
-سأقدم لك ان سمحت نصائح بشأن ملابسك واختيارها . ارجو ان يؤمن لك فيدل نفقات كافيه.
امضتا العصر في مناقشه امر الحفله وقالت تقترح:
-ساكتب لك لائحه بأسماء المدعوين .. ولكن عليك ان تقرري ان كنت تريدين ان يحضروا جميعا.
ثم تحدثت عن الملابس مجددا ذاكره ان علي اورسولا اختيار ثوب مميز للحفله .. كانت اورسولا طوال الوقت تبتسم وتهز رأسها موافقه مع ضيفتها الانيقه ،فلا مجال للانكار انها قد تساعدها ففيدل يتوقع من زوجته ان تحسن التصرف كما يتوقع ان تختار مصصي الازياء المعروفين وتدعو الناس المناسبين ... ويجب ان تكون ممتنه ولكنها لم تستطع تخلص نفسها من الاحساس بعدم الثقه .. امن الطبيعي ان تناقش العشيقه السابقه الامور مع الزوجه الجديده بكل هذه السعاده ؟ هذا يعني ان رونا أما لاتمانع في خساره فيدل وأما انها لم تخسره حتي الان.
لم يمض وقت علي ذهاب الكونتيسه حتي اتصل فيدل قائلا انه مضطرا للبقاء في ميلانو ثم سألها كيف قضت يومها فضحكت بأشراق مبالغ فيه واخبرته انها استقبلت ضيفه.
-من ؟
رنت الكلمه كالسوط في الهاتف وحين اخبرته قال بحيره :
-وماذا تريد ؟ هل قلت لها انني مسافر؟
لماذا غضب ؟ الا يريد ان تري احد؟
ام انه لايريد منها ان تقابل هذه المرأه بالذات؟


سارت علي طول الشاطئ المفروش بالحصي. كانت الجبال المحيطه بها تنعكس صورتها علي مياه البحيره الزرقاء.قعدت علي صخره كبيره تراقب المراكب الشراعيه فلفت نظرها يخت صغير،ذو اشرعه بيضاء وزرقاء راح يتجه نحوها ...راقبته وهو يقترب ..كان في الواقع مركب صغير علي متنه رجل واحد .. ولم تمض برهه حتي اتضح انه يوشك ان يرسو ..الم يشاهد لوحه التحذير بالابتعاد؟
توجه المركب الصغير مباشره الي الشاطئ،لاشك ان مالكه يظن المكان له وحده ..فلا مجال لرؤيه الفيلا من هنا.. وتساءلت عما اذا كان عليها ان تقددم لتقول له انها املاك خاصه ...ولكن مالداعي .. انها جزيره كبيره وهناك مجال كبير لكليهما وفي الواقع ما اروع ماسيكون التحدث الي شخص ما .
فجأه قفز الرجل الي المياه الضحله يدفع المركب الشراعي الصغير الي الشاطئ.
بدا لطيفا شابا في الخامسه او السادسه والعشرين اسمر اللون اسود الشعر.كان يرتدي ثوب سباحه ابيض يبرز رشاقه جسمه الطويل.
راقبته وهو يمد ويلوي ذراعيه ناظرا الي ماحوله بكسل ، ثم رأته يرمق الفيلا بنظره سريعه .. هذا يعني انه يعرف طريقه جيدا ؟ ثم عاد الي المركب متناولا منشفه وسله للنزهات انتظرت اورسولا حتي حضر كل شئ ثم تسللت من مخبئها وتقدمت اليه .
التفت اليها بحده ودهشه ثم ببهجه . بدا سيلا من الكلمات الايطاليه فهمت منه انه يعتذر لتطفله ويسألها الغفران . نظرت الي عينيه السوداوين الجميلتين وقالت:
-اتتكلم الانكليزيه؟
شعرت انها رأته من قبل ،ورمي يديه في الهواء غبطه:
- سي .. اجل .. الن تطريديني ؟اريد فقط ان استلقي تحت اشعه الشمس ثم اتناول الغذاء .. ربما ترغبين في الانضمام الي؟
هزت رأسها ولكنها تذكرت انها زوجه فيدل ،وهذا يعني ان عليها الا تشجع متطفلا .
-يستحسن ان تغادر ما ان تنهي وجبتك وسأتظاهر بأنني لم اشاهدك.
احتج بعينين حزينتين .. ومع انها ضحكت لحزنه المفتعل ،الا انها لاحظت مرحا خبيثا في صوته وقررت انه قد يكون بالفعل مرحا ورفيقا جيدا .. ولكنها بعد تردد بسيط تركته .
لم تفكر اورسولا بالحدث حتي صباح اليوم التالي عندما كانت تتناول الفطور علي الشرفه . في هذا الوقت اتصل بها فيدل ثانيه ليقول انه سيغيب بضعه ايام اخري بسبب بعض الاعمال المتراكمه . بدا لها الفراش الكبير فارغا بدونه ولكنها الان وفيما كانت تحتسي العصير ، شاهدت المركب مجددا ثم شاهدت شراعا صغيرا لونه ازرق وابيض.
قررت السباحه فاندفعت الي غرفتها لترتدي ثوب السباحه اخذت قبعه شمس ومنشفه وواقيا من اشعه الشمس . عليها الاتفعل ذلك طبعا لان فيدل لن يوافق ولكن ماذا عنه ؟ كم من النساء الجذابات سيلتقي بهن في ميلانو و فيينا ؟ فكرت فجأه في الكونتيسه فشعرت بالسرور لانها هنا في الجبل عوضا ان تكون حره في مكان ما مع فيدل .
كان المركب يرسو علي الشاطئ عندما وصلت اورسولا الي هناك . في البدايه تظاهرت بالدهشه والغضب لغزوه شاطئها الخاص مجددا ولكنه ابتسم لها ،ومد يده يعرفها بنفسه فقال ان اسمه ريكو دوريانو.
قالت له اورسولا بدون ان تذكر اسمها :
-هذا المكان الوحيد في الجزيره الذي استطيع السباحه فيه فالمياه عميقه الغور في ما سواه.

وعدها الا يكلمها او يقترب منها وابعد منشفته وسله طعامه الي الناحيه الاخري من الكهف الصغير ، وهذا لم يكن بالضبط ما خططت له اورسولا .. لكنها لم تستطع فعل شئ.
بعدما سبحت لبعض الوقت تقدم منها ريكو يعرض زجاجه مرطبات بارده .. وكانت مسروره بقبولها ، هكذا وضعا منشفتيهما في الظل وراحا يرتشفان العصير.
راح ريكو يحدثها عن نفسه قائلا انه هنا في عطله يقوم بالسباق في القوارب السريعه والمراكب قويه المحرك.
- للماذا لاتسابق الان؟
نظر الي البحيره ثم ابتسم :
- اصيب مركبي بحادث .. واحتاج الي مركب جديد .. ومن المعروف ان شراء مركب جديد امر باهظ الثمن.
ران صمت غريب ولم تجد اورسولا ما تجيب عنه . اضاف بعد دقائق يسألها:
- المكان موحش . وزوجك مسافر ؟
احست بالذنب ولكنها سارعت تقول له انها رسامه تقضي وقتها بالرسم.
دعاها مجددا لتشاركه غداءه وكادت توافق ولكنها تذكرت فجأه ان الخدم سيقلقون عليها ان لم تظهر بعد قليل فقالت:
- ولكن اذا كنت قادما غدا فسأتناول معك الطعام . ساطلب من الطاهيه تحضير الغداء.
ولكنه لم يكن قادرا علي المجئ في الغد واتفقا علي يوم الجمعه .. ابتسم وعيناه تطوفان بقدها الرشيق .
- اذا كان الزوج في المنزل فسأبتعد عن الطريق.
غضبت اورسولا وقالت وهي تجمع منشفتها وأغرضها :
- وقد لا اتمكن من المجئ علي اي حال.
كان اليوم حارا حقا .. حضر ديلغي لها الغذا في غرفه الطعام التي كان فيها مكيف فسر اورسولا دقه ديلغي في مراعاه مشاعرها وحاجاتها .. يجب عليها حقا ان تطلب من فيدل وضع مكيف في المطبخ.
تناولت وجبتها ببطء تفكر في ريكو كيف عرف انها متزوجه مع العلم انها خلعت خواتمها قبل التوجه للسباحه.
ماكان عليها الاتفاق مع البحار المتطفل علي موعد للغداء، فصباح يوم الخميس اتصلت الكونتيسه لتقول ان لائحه المدعوين جاهزه . سألتها ان كانت تريد رؤيتها في وقت ما في هذا اليوم.
قالت اورسولا : هل انت واثقه انني لا ازعجك كثيرا ؟ اتريدين ان اذهب ان اليك؟ صباح الغد ربما ؟
وهذا سيمنحها عذرا لئلا تلتقي ريكو .. ردت رونا بسرعه:
- لا ..لا .. سأتناول غدا الغداء مع .. صديق..
اي صديق ؟ فيدل ؟ ابعدت اورسولا الافكار المزعجه :
- سأتي اليوم .. وسنقرر معا ما ستقدمينه من طعام في الحفله .. اعلمي انك ستضطرين الي استئجار خدم اضافيين.
وكان ان جاءت الكونتيسه بعد الظهر ، فتناولت الشاي علي الشرفه . بدت اكثر جاذبيه اليوم في فستانها العاري الظهر الذي يظهر حنايا جسدها بالتفصيل.
- لدي اللائحه هنا.
فتحت ورقه كبيره ، اخرجتها من حقيبه صغيره فحاولت اورسولا الا تظهر صدمتها .. وسألت :
- كم عددهم ؟
- مئه .. مئه وعشرون ..لا اذكر بالظبط.
- انه عدد كبير ولكن ألن يأتي زوجك؟

ردت المرأه: مات دو******************************** منذ ثلاثه أشهر.
لماذا لا اتعلم اقفال فمي ؟
- اوه .. ماأشد اسفي .
- لايهم .. كان موته متوقعا منذ مده .. فقد كان زوجي اكبر مني سنا .. زواجنا كان زواج مصلحه.
- اجل .. وهل لديك اولاد ؟
- وهل ابدو لك اما ؟ لكن هناك من يعوض هذا كله .
ردت اورسولا بصوت جليدي ادهشها هي نفسها : لا اظنني فهمت قصدك.
ابتسمت الكونتيسه بلؤم،ولمعت عيناها بالحقد:
- اتظنين ان هذا كله سيدوم لك ؟ الحب .. وشهر العسل .. اتتصورين ان حياتك ستبقي عسلا الي الابد ؟
- لا .. بالطبع لا .. اعرف ان الامور تتغير ..
-لا تكوني قاسيه علي نفسك . انت شابه صحيحه الجسم .. وهذا طبيعي ..لا ؟ تستمتعين بزوج في فراشك .. وفيدلو رائع .. خبير .زكيف تقولين ؟ مفعم حيويه.
احست اورسولا بحمره الخجل تغزو وجنتيها : انا لا اضن ..
لكن الكونتيسه كانت مصممه:
- عزيزتي اورسولا .. سامحيني .. ولكنني اعتقدتك تعرفين انني وفيدلو ..
وتركت ما تبقي من الجمله الساخنه الحمراء في الهواء.. تنحنحت اورسولا التي جفت حنجرتها فجأه : شعرت بأنك وزوجي ..
- اه .. عظيم .. هذا ما ظننته .. ولكنني لا اظنك تتوقعين من رجل مثله ان يكون ..؟
- ناسكا ؟
- سي .. ناسكا ؟
وضحكت عاليا من الفكره ثم اردفت:
- وبما ان زوجي لم يكن .. قادرا علي المجامله فقد اصبح من السهل التوصل الي اتفاق كهذا .
ارتشفت اورسولا شايها:
- منذ متي وانت تعريفين فيدل ؟ كم دامت علاقتكما؟
- التقينا حين كان يسكن في روما قبل وفاه والده .. في ذلك الوقت كنت عروسا شابه تشعر بخيبه الامل . تزوجت لارضي عائلتي ولارضي نفسي بطريقه ما .. ولكنني سرعان ماعرفت ان المراءه بحاجه الي اكثر من اللقب والثراء ,, وفيدلو كان .. متعاطفا .. ولكنه تغير كثيرا في السنوات العشر المنصرمه بل فل نقل تغير كلانا .
- اتقولين انك كنت عشيقته طوال هذه المده؟
اتسعت عينا اورسولا الخضروان ذهولا وخوفا ..
-وماذا توقعت؟
- اعني حتي الان .. حتي الصيف هذا .. حتي بعد موت زوجك ؟
- ولماذا نتوقف بعد موت دو********************************؟
سألت اورسولا بصوت مخنوق :حتي حين كان فيدل في باريس؟
اخفت عينا الكونتيسه ابتسامه سريه .
- هناك في باريس التقاك .. وكان علي حق . ستكونين الام المثاليه لاولاده ..
وتحول قلب اورسولا فجأه الي قطعه ثلج. اما لاولاده ؟ .. انه الكلام نفسه الذي استخدمه فيدل .. وكأنهما خططا لهذا معا ..
اردفت رونا : لهذا لا اريد لك ان تتألمي . انت شابه لم تدعكك الحياه . وانا متأكده انك كنت عذراء قبل زواجك من فيدلوا ...صديقيني ، فيدلو يحترم مسؤولياته ويقدسها.
لاحظت شيئا في عين اورسولا فصمتت ، ثم اضافت:
- سيكافئك كونك زوجته وام اولاده مدي الحياه.
واشارت الي الفيلا ثم الي البحيره والجبال:
- ولكنك تخطئين ان خلت نفسك قادره علي الاحتفاظ بفيدلو لنفسك . فبعدما تمر بهجته الجديده بك فسيتطلع الي مكان اخر .. عندها يحين وقت تدبير امر علاقه غراميه خاصه بك.
صمتت اخيرا لان اورسولا ضربت فنجانها بالصحن فوق الطاوله .. واحترق الغضب الاحمر في عينهيها :
- وستكونين بلا ريب سعيده عندما يحصل ذلك لتستردي علاقتك مع زوجي ؟ سيدتي الكونتيسه من الافضل ان ترحلي.
- يا ابنتي العزيزه .. هل قلت شيئا كهذا ؟ هدئي روعك .. قد لا يشرد فيدل قبل سنه او سنتين .. واؤكد لك انني لست علي استعداد للانتظار طويلا .. تعالي .ز لقد اضعنا وقتا طويلا .. اين هي لائحه الضيوف؟ سأخبرك بعض المعلومات عنهم.
احست اورسولا بحواسها مخدره فاعطتها اللائحه ، لتصغي الي ماتقوله .ز اخيرا وبعد طول انتظار ، جاء ديلغي يقول ان اليخت جاهز ليقل الكونتيسه الي البر .ز
- ولم نناقش امر الطعام بعد او امر ملابسك .. ولكننا اتفقنا علي الموعد.
ردت اورسولا تذكرها: ان كان يناسب فيدل.
ضحكت رونا : يجب ان يكون كل شي بالطبع مناسبا لفيدلو.
حضنت اورسولا مودعه وقالت انها امضت وقتا جميلا وهذا ما لم تشعر به اورسولا البته.

كاد الفجر ان ينبلج قبل ان تغط في نوم قلق ، متوتر .. نوم شابه صوره رونا في احضان فيدل.
صب ريكو لنفسه مزيدا من العصير ونظر الي جانب وجه اورسولا الشارده .. كانا قد انهيا للتو غداءهما .. بالامس قررت عدم تلبيه الدعوه ولكن بعدما كشفته الكونتيسه ، وبعد تلك الليله المضطربه قررت العكس . أليست هذه هي العلاقه التي ستنقذها ان نفذت رونا ما تريد ؟
قال ريكو: انت صامته.
-كنت افكر ..
- هل كدرك احد ؟
-لا .
- أتتساءلين عما يفعله زوجك في فيينا ؟
سألت بدهشه : كيف عرفت انه هناك ؟
هز كتفيه وتمدد علي منشفته ينظر الي اصبع قدمه الكبيره :
- انت من قلت ذلك منذ يومين .
هل اخبرته حقا ؟ تشك في ذلك .
- اذا كنت تشتاقين اليه ، فأنا مستعد ..
مد يده يمررها علي ذراعها . صفعت يده بسكين كانت تحملها وصاحت به :
- ريكو دوريانو.
صرخ و كأنه يتألم ثم تلوي علي الارض مصدرا ضجيجا مرتفعا .. وبعد ذلك راح يقهقه سائلا عن رأيها بنزهه علي مركبه ؟
قالت معترفه : لست سباحه ماهره .
ضحك بسبب انعدام ثقتها به ثم قال ان الرحله ستكون لطيفه ، وانه مستعد ان وقع لها حادث ان ينقذها ويحملها الي كهفه السري حيث سيعيشان سعيدين . ضحكت من خياله الرومانسي متسائله عن سبب تضيع وقته هنا معها.
اخيرا وافقت علي مرافقته .. وكانت رحله عظيمه .. في البدء مال المركب بطريقه مخيفه وحين لاحظ ريكو اضطرابها سارع الي انزال الاشرعه حتي سار المركب بشكل مستقيم .. ولكنه لم يصطحبها الي مكان بعيد.
سألته اثناء الرحله عما اذا كان ينوي المشاركه في السباق هذا الموسم فتردد بالاجابه ثم قال انه سيشتري مركبا جديدا عما قريب .
عندما عادا الي الشاطئ قالت له : كانت رحله رائعه.
لقد سرتها الرحله.. لكن .. ماذا ؟ انها غير متأكده من شئ .. فقد رأته تاره منجذبا اليها وطورا نادما علي وجوده هنا.
وقفت اورسولا تنظر اليه وهو يبحر ولكنها شعرت بالضياع .. وكأنما صلتها الوحيده بالعالم الخارجي تنسل بعيدا عنها.
راحت تتجول متخذه طريقا وعره للوصول الي البيت . اخيرا وصلت الي سقيفه المراكب قرب الرصيف ، وتسألت عما اذا كان هناك قارب صغير تستطيع اخذه الي الخارج بنفسها . ولكن القوارب جميعها كانت في الداخل في مكان مقفل . بحثت عن المراكبي فلم تجده ، ربما يغط في قيلوله ممتعه. نظرت الي الرصيف والمراكبوالي الفنادق والكنيسه والي الناس البعيدين جدا فتساءلت لماذا تشعر انها واقعه في فخ.
استقبلها ديلغي امام الباب قائلا ان فيدل اتصل ساعه الغداء ليقول انه عائد الليله و لكنه طلب الا تنتظره .
ظلت رغم ذلك مستيثظه الي ما بعد منتصف الليل وكانت تنتظر بشوق رؤيته من جديد ولكن رافق شوقها قلق وقله ثقه بزوجها و ما السبب الا رونا واحاديثها . هاهي تحس بحاجتها الي فيدل الذي تريد منه ان يبعث في نفسها الطمأنينه بشأن حبه لها .
سألت اورسولا ديغلي الذي دخل الي غرفه الجلوس ليتأكد من اقفال النوافذوالابواب الزجاجيه.
- أتنتظر عاده حتي هذا الوقت المتأخر؟
قال لها لاداعي الي ان ينتظر اي منهما اكثر من ذلك لان فيدل لايعود احيانا قبل الرابعه او الخامسه صباحا ، وهكذا ذهبت علي مضض الي النوم.
كان الصباح يرسل اشعته حين استيقظت .. مدت يدها اليا الي السرير العريض فاذا الغطاء املس .. انه ليس هنا .
لاشك ان حادث ما قد وقع له . جلست اورسولا مذعوره . هل تحطمت طائرته الصغيره في الجبال .. لماذا لم يوقظها احد ؟
كانت في منتصف الطريق الي الباب عندما تذكرت فجأه غرفه نومه الخاصه . هناك امل ..
حبست انفاسها مذعوره . سارت علي اطراف أصابعها عبر غرفه الملابس المشتركه ، ثم فتحت الباب بهدوء. نظرت الي الغرفه ثم شعرت براحه عارمه بل شعرت انها توشك علي الاغماء . كان فيدل هناك مستلقيا علي معدته ، احيا منظر كتفيه ، وظهره العريضين ، ذكري حبهما العميق .. وفي هذه اللحظه بالذات .. عادت كلمات رونا لتعذبها : لاتخالي نفسك قادره علي الاحتفاظ بفيدلو لك وحدك مده طويله .
وقفت بالباب تنظر اليه وتفكيرها يعذبها وشكوكها تقتلها . لماذا تزوج بفتاه نكره مثلها ؟
سمعت حركه في السرير . وكأنه احس بوجود شخص ما .. تراجعت اورسولا بسرعه لانها تعلم ان عليها الابتعاد .. والتفكير ..
لكن الباب لم يكن مقفلا وراءها حين رأته يتقلب في فراشه متمتما بنعاس :
- رونا .. رونا . ؟



*************************

7- ضاعت في عالمه

اندفعت اورسولا الي الغرفه صافقه الباب بقوه قائله:
-لا .. لست رونا .. هذه انا ، اتذكر ؟ لقد تزوجتني في لحظه ضعف منذ خمسه عشر يوم .. ولكن لاتقلق بشأن الكونتيسه فهي تكاد تعيش هنا في هذه الايام . وانا واثقه ان المياه ستعود لمجاريها بينكما في وقت قريب .
- اورسولا ..
لكنها لم تنتظر ، بل هرعت الي غرفه الملابس قبل ان يرمي الغطاء عنه ويقفز من السرير . ركضت من غرفه الملابس الي غرفتها ولكنه كان وراءها يمسك ذراعها . تلوت لتنسل من قبضته .. حاول ثانيه : اورسولا حبيبتي
كان غاضبا ولكنه غضب ممزوج بالتسليه : لم اكن اعني ..
ارتدت عنه ممسكه بمقدمه روبها : بالطبع لم تعني .. انها غلطه سخيفه .. لا تقلق .. فأنا اعرف كل شئ .
-كل شئ عن ماذا ؟
كان علي وجهه عدم الرضا ، لا .. ليس هذا ما يتوقعه من زوجته .. لقد اختار زوجه صغيره عديمه الخبره مشغوفه به ويتوقع منها الخضوع بهدوء ، فيما يتابع هو مغامرته العاطفيه المجنونه ..هل رونا هي الوحيده ؟ ردت بجفاء:
- اعرف كل شئ عن علاقتك برونا دوراليس .. منذ خمسه ايام .. الن تسألني ما اذا كنت حاملا .. ؟ لتستريح من ازعاج نفسك بي.
ترققت شفتاه غضبا وقال:
- لم يحن الوقت لتعرفي.
- لكنك لم تنكر سبب زواجك بي .. اليس كذلك ؟ الم تتزوجني من اجل انجاب الاطفال لك رد علي .. رد علي ألهذا السبب تزوجتني ؟
ارتدعنها .. فحدقت الي ظهره المستقيم . خلل اصابعه الطويله في شعره الاسود .. الان لا يبدو نعسان و ضعيفا . بل قويا وعدوانيا .. عاد ذلك التعبير الحاد الي صوته :
- لولا رغبتي فيك اما لاولادي لما تزوجتك.
استدار يواجهها وعيناه الزرقاوان باردتان:
- اعتقد اني قلت لك هذا في باريس ..
رفعت اورسولا رأسها:
- وهل كنت تظن انني سأكون اله انجاب فيما عشيقتك بانتظارك علي مسافه نصف ساعه ؟
- توقفي عن هذا اورسولا . لااسمح لك بمكالمتي بهذه الطريقه.
- بكل تأكيد . ظننتني سأجلس في المنزل ساكنه . حسنا .. عليك ان تحسب حسابي . فلن ابقي هنا لاكون مثار ضحك اهالي البلده .سأرحل فورا .
تحرك بسرعه فوق السجاد السميك ، يمسك ذراعاها ويكاد يرفعها عن قدميها :
- لن تفعلي هذا .. لن تتركيني ابدا .
في عينيه شئ مخيف ، شئ ابعد بكثير من كبرياء عائله زاراكوتشي العتيق .. كان شئا وكأنه غضب مميز خاصه ،انه اختار زوجه ستجرؤ علي الحاق الخزي والعار به .
صاحت محاوله مقاومته : لست سجينتك.
رد بصوت مرتجف : لست سجينتي بل زوجتي.
-هذا لا يعطيك الحق ..
تغيرت لمسه يده فصاحت :لا
-بلي.
- انت لاتريدني انا بل تريدها هي لانك تفوهت باسمها عندما استيقظت. حسن .. لا باس .. اذهب اليها .. واياك ان تتوقع وجودي هنا لدي عودتك.
جذب الروب عن كتفيها ، واخد يدفعها نحو السرير.
-انت لا تعنين هذا .
- لا .. فيدل .. لا يمكنك ان تفوز بكل جدال يقوم بيننا بهذه الطريقه.
- انا لا احاول الفوز بجدال .. اريدك .. غبت عنك طوال الاسبوع.
شدت بكل قوتها وتحررت منه:
-- اجل وقت كان كافيا لتنساني وتظن انني عشيقتك.
لم تقل العشيقه السابقه لتري ما اذا كان سيصصح لها قولها .. ولم يفعل . بل قال بقوه ،وهو يواجهها معترفا بمبررات غضبها:
- كنت نصف نائم .. ولقد ندمت علي هذه الغلطه .. انا ورونا معا منذ فتره طويله.
- اجل.. منذ عشر سنواتبالتحديد. وهو وقت يدفع الرجل المحترم الي الزواج بها حالما تترمل ، وهذا ما كانت تتوقعه.
قال ببروده: يتوقع المرء امورا كثيره ولا يحققها جميعها.
احست اورسولا بالانزعاج من هدوءه ، فالتقطت وساده ضربته بها.
- خنزير قذر . هل ستدعي انها لم تكن الوحيده.
رمي الوساده علي الارض .. ودنا منها خطوه وشفتاه تلتويان بشكل ينذر بالشر.. وقال :
- عشر سنوات وقت طويل .. ومن الطبيعي ان يكون هناك مناسبات اخري ..
- اه طبيعي .. حسنا .. قد يكون امرا طبيعيا بالنسبه لك . لكن الم تفكر بالزواج بها ؟
لاحظت انه من الجنون ان تدافع الزوجه عن حق العشيقه .. ولكنها مظطره للغوص حتي الاعماق لتعرف مدي علاقته برونا .. لماذا لم يجد فيها اما مناسبه لاولاده ؟ ولماذا تحس اهما ناقشا امر ضرروره زواجه .. وانهما خططا لهذا معا ؟ .. ايفسر هذا سبب زواجه من نكره تافهه؟
- فكرت طبعا بالزواج بها حتي قبل ان تصبح حره.
اكتشفت اورسولا ان هذا الرد لم يكن الرد الذي تتوقعه:
- اذن لماذا لم تتزوجها ؟ انا واثقه انه انسب لك مني زوجه .
امسك بها وهبطت شفتاه بوحشيه عليها .


وتعاركا اورسولا تركل وتصيح به ليتوقف ولكنها كانت كمن تضرب دبابه مصفحه . كان ضخما قويا ثم لم تلبث ان شعرت بجسمها يميل اليه .
قال غاضبا : سأقول لك لماذا تزوجتك.
تحشرجت انفاسه في حلقه ممتزجه بأتون الرغبه والغضب . ورماها فوق السرير ووقف فوقها يحجب بجسده نور الشمس عنها ..و امتلات احاسيسها وتفكيرها برائحه رجولته العدوانيه.
- ابتعد عني .. فانا لااريدك فيدل .
لمعت عيناه وهويتلقي ضربه اخري منها :
- كاذبه . انت تريديني الان ودائما .. لا تتظاهري ..
تلوت صاعت وقاومت ومع ذلك لم تجد مقاومتها نفعا. ولكنها لم تستسلم ابدا .ز هكذا تقلبا وتعاركا . التويا معا وتشابكا حتي اصبح شعرها الاشقرالاملس كأنه اسلاك شائكه . في أتون غضبها عضته فتراجع يصرخ غضبا ، يمسح فمه بمؤخره يده ويقول بغضب وهمس بارد :
- ما كان عليك ..
استغلت انشغاله بألمه وتقلبت حتي نهايه السرير . ولكن يده امتدت لتعيدها الي حيث كانت . وشاهدت بذعر خيطا من الدم في المكان الذي عضته فيه .. قال لها بوجه ابيض شاحب :
- ستعتذرين الان .. وقبل ان تتحركي من هذا السرير .
زمت شفتيها في تمرد فكرر امرا : اورسولا.
- لا فأنت المخطئ.
لكنها كانت ترتجف خوفا ، فقد تعدي كل شئ حده فجأه .لم تقصد ان تؤذيه ..
امسك كتفيها يهزها : لاتدفعيني الي ارتكاب ما نندم عليه فيما بعد .
احست عبر اصابعه بحراره الغضب الذي يحرقه لم تعامل امراءه قط فيدل كما تعامله الان من قبل .. واذا تجرأت فسيكون عقابها .. ماذا ؟ ابتلعت ريقها بصعوبه وحاولت التخلص من قبضته ولكن صوته صدمها :
- اورسولا ستعتذرين ..
فجأه تهاوي وجهها وقالت منتحبه :
- انا اسفه .. لم اقصد ..
لمست وجهه وفجأه زال الخصام فتعلق كل منهما بالاخر وراح فيدل يتمتم باسمها ويقول :
- كان عليك ان توقظينني هكذا .. في غرفتي .. في سريري .
- وانت .. كان عليك المجئ الي السرير .. سريرنا حالما عدت الي المنزل .
سيكون كل شئ علي مايرام . كانت يده كالنعيم علي بشرتها يداعبها ويعذبها بهما .اه . ماشد رغبتها فيه .
قال مداعبا : الهذا السبب انت غاضبه ؟
قالت باصرار : لا لم يكن هذا السبب.
سألها : أما زلت تريدين معرفه سبب زواجي بك ؟
ردت هامسه تغمض عينيها مترقبه :
- اجل .. اخبرني .
قال ببطء وهو يقترب منها اكثر فأكثر :
- هذا .. هو ..السبب.
وضاعت في عالم حبه.
فيما بعد ومن بين غيبوبه النعاس الخفيفه ، داعبت شعره بأنامل مرتعشه فتمتم :ايرد ا حدث بيننا علي سؤالك ؟
همست : اجل .
لكن رغم الدفء الذي تشعر به كان هناك شئ من التوتر والريبه . هل تزوجها لانهما مميزان في علاقتهما ام لتحمل منه ؟
حملت اورسولا معها ذكري هذا اللقاء الدافئ وكأنها درع يحميها من برد الرياح التي تهب من الجبال .. لم يكن هناك رياح بالفعل .. فقد ظلت حراره شهر اب ولكنها كانت بحاجه الي عزاء وحمايه في هذا الوقت الغريب الذي عليها فيه التكيف مع حياتها الجديده .
في احد ايام شهر اب تلقت رساله من ايما مرفقه بقصاصه من صحيفه تحمل صورتها وفيدل يوم زفافهما.
نظر فيدل الي القصاصه عندما مررتها اليه عبر مائده الطعام وبداء مستغربا.
سأل ببرود : أهي علي ما يرام ؟
لم يكن يتكلم عن ايما .. في الواقع لم تسمعه يتكلم بسوء عن احد .. بل كان يسجل عدم موافقته بصمت ملموس ..
- لا اراها مستمتعه باقامتها في نيس .. تقول انها بدأت تسأم .. وتفكر في المجئ الي البندقيه .
رفعت نظرها الي فيدل ، البندقيه قريبه جدا من هنا . قال لها بهدوء :
- ان رغبت في دعوتها الي منزلي فادعيها .. فهي ما تبقي لك من عائله . لن انسي هذا .
لكنهما تركا المسأله تسقط فهي لاتريد ايما في مونتو فيرو .. وهكذا اكملت الحياه دورتها . كان فيدل يذهب الي ميلانو ويعود ولم تره الا مشغول في دوامه امبراطوريه المال التي صنعها بنفسه .. لم يذكر ايما بعد ذلك .. وحاولت اورسولا العيش كل يوم بيومه . وفي اواخر اب عاشت لحظات ذهبيه . كان يمد يده اليها وهو نائم ليلا في بعض الاحيان كانت ترفع راسها فتجد عينيه مسترقتين عليها وفي احدالمرات فيما كانت ترسمبحث عنهاولما وجدها قانع هادئا بالبقاء يراقبها

سألها مره :
- اخبيرني المزيد عن لوحات امك .
ووصفت له اللوحات السته التي لن تراها ابدا .. ثم سألت :
- كان ديلغي يسألني عن امي منذ اسبوعين .. هل اخبرته انها كانت رسامه ؟
اشاح بوجهه : ربما ،ماذا قال ؟
-لاشئ
قبل قمه رأسها . انت شبه موهوبه جدا .. وانا فخور بك.
وتعامقا ونسيا كل شئ حولهما .. ثم سافر فيدل من جديد سعيا وراء صفقه كبيره وكان امضت ليالي طويله بمفردها في الفراش.
وطالت الايام الحاره وكان عليها تنظيم الحفله مع رونا التي قالت لها يوما :
- يا ابنتي الحلوه ستشمل الحفله طبعا العابا ناريه .. أليس كذلك فيدلو .. ؟ قل لاورسولا ان هناك العابا ناريه لمثل هذه المناسبه ..
رفع فيدلو يومها رأسه عن الصحيفه وقال اذا أرادت اورسولا العابا ناريه فليكن ذلك. كان يتكلم بصوت متحفظ مع الكونتيسه حين تأتي للزياره التي اصبحت رتيبه ومتكرره . كانت نبره صوته وحدها تجعلها تصدق ان لاشئ يجري بينهما. ولكن الايطاليه الفاتنه لم تكن تلاحظ هذا .. وفيما كانت تعبث مع فيدل بعد ظهر ذلك اليوم احست اورسولا بالغضب القديم يتفجر من جديد داخلها .. علي فيدل ان يضع حد لرونا .. فليس من العدل ان يعرض زوجته للازعاج بسبب وجود عشيقته السابقه ولكن هل هناك احد سواها يقدم لها النصح ؟ قالت لها في زياره اخري:
- الرجال كلهم سواء .. لا يرغبون التورط في الشؤون المنزليه ..لكنهم يتوقعون حتي من زوجاتهم الحديثات العهد بالزواج ان يدرن منازلهن بكفاءه . ايظننون اننا خلقنا لمثل هذه الاعمال فقط ؟
ابتسمت ابتسامه جعلت اورسولا تصر علي اسنانها.
عندما احضر فيدل الخياطه من ميلانو ارادت اورسولا ان تصيح به :اسمع انا قادره علي الذهاب الي ميلانو لشراء فستان .
لكن مثل هذالا يحدث في منزل ال زاراكوتشي .. حين تمتمت بما هو اكثر تواضعا بدت الدهشه علي فيدل الذي قال انها لاتتصور مدي حراره الجو في ميلانو.
بدت الردود علي الدعوات تتدفق بعد ايام من ارسالها . سيبت العديد من الضيوف ليلتهم هنا .. لذلك يجب تجهيز غرف الضيوف جميعها .. مع مرور الوقت اصبحت حياه اورسولا تدور حول لائحه او اخري ..ثم جاءت ازمه مقدمي الطعام ثم الكهربائيين الذين لم يصلوا الا قبل يوم واحد من الحفله لتزين الشرفه بالانوار .. وصل فستان اورسولا قبل وقت طويل .. ولكنه كان طويل فردته الي الخياطه ولكن رونا غضبت ولم تفهم اورسولا ما شأنها هي .
كانت في بعض الاحيان تخرج في جوله حول الجزيره .. وكثير ما التقت ريكو الذي يأتي دائما عندما يكون زوجها غائبا وهذا امر غريب.
عاد فستانها قبل الحفله بيوم فحملته الي غرفتها لئلا يراه احد قبل الوقت المناسب .قبل الحفله بيوم انتقلت رونا للسكن في الفيلا .. اما فيدل فلم يكن قد عاد حتي الان . قالت لها رونا:
- تبدين متعبه اورسولا .. عليك النوم باكرا .. يجب الاتظهر العروس في الحفله متعبه
وهكذا دفعت اورسولا الي غرفتها والحق يقال لقد كانت اكثر من سعيده للخلود الي النوم والراحه.
حمل فيدل العشاء الي غرفتها .. فأسندت نفسها علي مرفقها:
-لاداعي لهذا حقا .. سأنزل لتناوله .
لمست اصابعه وجهها : هل انت مريضه؟
- بالطبع لا .. متي عدت ؟ لم اسمع صوت اليخت .
- منذ وقت صغير تبدين شاحبه.
- هراء . سأنهض حالا.
قال بصوت هادئ ثابت :
- لا .. اورسولا .. اخلعي ملابسك ونامي جيدا .. تعالي.
قبلته :لا
-ولما لا؟
لفت ذراعيها حول صدره : لانك متعب وعليك ان تخلد للراحه .
امسك يديها : ارجوك اورسولا تناولي العشاء ونامي.
ثم ساعدها .. لا ..بل اجبرها علي خلع ملابسها فحاولت اورسولا الاعتراض مجددا .
-لكن .. لدينا ضيوف
- رونا لاتعتبر نفسها ضيفه .. وان قلت انا انك بحاجه للراحه فعليكي ان تستريحي .. لقد اتعبت نفسك كثيرا الا اذا ...
- الا اذا.. ماذا؟
- لاشي .
جلست تأكل العشاء.. فأردف :
- الان .. كوني طيبه وفكري في الغد . سأعود فيما بعد واتوقع رؤيتك نائمه .. أتعدينني؟
احست بالارتباك ولكنها كانت مسروره من قلقه عليها مع انها غير واثقه من اسبابه .. فبغيابها سيتاعشي وحده مع رونا .
خرجت من السرير تنظر الي نفسها في المراءه .. لم تكن تبدو شاحبه ربما متعبه قليلا..
عادت الي السرير واعادت الصينيه الي ركبتيها .. لقد كانت مجنونه عندما دفعت نفسها لتنظيم هذه الحفله لقد جعلت رونا محور الحفله وعصبها فهي لم تنفك كخروف ابله عن القول نعم رونا .. لا رونا في الغد سيعج المنزل بأشخاص لا تعرفهم ..
دفعت عنها الصينيه ونامت . وفي الصباح كانت شهوتها للطعام مفقوده في الواقع كانت تحس بالدوار وعزت ذلك الي التوتر الذي يسبق حفله كهذه. فكان ان اجبرت نفسها علي تناول الفطور وعندها شعرت انها افضل حالا.
خرجت رونا من غرفتها تقول :
- ماكان عليك تركي انام حتي هذا الوقت .
امسكت اورسولا كوب العصير وردت علي ماقالته لها صاحبه الزهور .. كانت فتاه اميركيه لطيفه .. قالت الامريكيه:
- اليس هذا اجمل مكان في العالم؟ اعتقد انك لن تعتادي عليه ابدا .. اعني انك لن تشعري انه مألوف.
هزت اورسولا رأسها وهي تكاد لاتسمع كلام الفتاه لانها كانت تحاول يائسه ان تسمع ما يقوله فيدل ورونا .. اضافه الي محاوله تذكر متي عاد فيدل الي الفراش . ولكنها لم تسمع سوي ضحكه الكونتيسه الفاتنه اما موعد عودته للفراش فلا تذكره بل كل ما تذكره انها استيقظت مره ولم تجده وفي الاخري وجدته .
كان جسد رونا يميل اليه ورأس فيدل يقترب منها اكثر فأكثر .. وكأنما ليلتقط همسه سريه . انهما معا يخلقان صوره رائعه لحبيبين .. فجأه لم تعد تستطيع الاحتمال فقالت لفتاه الزهور :
- تعالي اريد ان اري كيف زينت غرفه الاستقبال.
عندما انطلقت لم تلتفت اورسولا الي الوراء . فجأه قررت شيئا بشأن ما لم تكن تفكر فيه اصلا . غدا بعد الحفله ستتم تغيرات عديده وعلي فيدل ان يختار اما تذهب رونا او تذهب هي .
وهكذا حين بدأ الضيوف بالتوافد بعد الظهر استطاعت ان تستقبلهم بكل ثقه بالنفس لانها اورسولا زاراكوتشي .. العروس الجديده .. وماكان هناك حفله لولاها .. جاء بعض الضيوف من ميلانو .. وهم بالطبع سيبيتون ليلتهم في الفيلا .. لكن معظم الضيوف كانو نزلاء الجبال.
يالها من فوضي . الساعه تجاوزت الخامسه والطقس مازال حرا اضيئت الانوار ثم شاهدت الكهربائي مع سله مليئه باللمبات الملونه،يبدل علي الفزر ما احترق .. ثمه عمل كثير.
تركت الضيوف يستمتعون ،فلا شئ يمكنها القيام به وشعرت بأنها طفله شريره مزعجه .تسللت الي الرصيف تجلس علي عوارضه الخشبيه واضعه قدميها في الماء متذكره حفلات اخري متواضعه كانت لاترتدي فيها الا الجينز الضيق ولا تأكل الا السباغيتي او البيتزا في مطبخ صغير معظم ادواته مستعاره.
ولكن ما مضي فات وعوضا عن شوارع لندن الخلفيه المكتظه او شوارع باريس هاهي الان في جزيره رائعه تحيط بها نمناظر خلابه.. وعوضا عن الشقه الصغيره هاهي تعيش في منزل ضخم جميل مع اعظم رجل في العالم.
قهقهت بصوت عال وهي تضيف : مع اعظم فستان في العالم
وقفت ثم دست صندالها في قدميها متجهمه الوجه فلا الحرير ولا الجواهر بل فيدل وزواجهما..
عرفت اورسولا انها لان تخسر فيدل او زواجهما بدون قتال
.*************************

8- الاختيار


كانت يائسه غاضبه غضبا يفوق التصور . نظرت الي ما حولها ثم التقطت وساده ورمتها نحو فيدل:
- اخرج من هنا . كيف تجرؤ علي المجي الان . الديك فكره كم الساعه؟ لا تقل انك كنت تتحدث الي ضيوفنا.
التقطت وساده اخري ورمته بها كذلك:
- هيا .. اخرج. نم في غرفتك .. اليس هذا ماتريده حقا ؟
نظرت الي ماحولها ثانيه بحثا عما هو ثقيل لترميه به . هذا يكفي .. لقد انتهي كل شئ الان .. قاتليه .هه.تقاتلي معه.
- اورسولا هل فقدت عقلك؟
بدا تعبا .تعبا.
-ماذا يعني هذا التصرف ؟ أتريدين ان تيقظي من في المنزل؟
امسكت بغطاء السرير وكأنه قادر علي حمياتها ثمردت :
-لا تحاضر في بهذه الطريقه. اعرف اين كنت .. رأيتك مع رونا وقت الالعاب الناريه . اياك ان تنكر.
مازال الذي حدث حي في خيالها . كانت الحفله في أوجها والجميع يهنئونها علي نجاحها الرائع .. وكان المنزل والشرفه يعجان بالضيوف وضحكاتهم . اندست بينهم بثقه

بثقه .كان شعرها رائعا فقد استطال موخرا وتدرج بطريقه ساحره . عرفت انها لم تكن قط جميله كحالها اليوم . بدا وكأن هاله جديده تحيط بها .. هاله لاحظها الرجال وجذبتهم اليها طوال الامسيه .. اقيم الرقص في الخارج علي الشرفه تحت الانوار الملونه ،وزاد من سحر الموقع انوار البلده المتلالئه علي المياه.
انشغلت اورسولا كثيرا كونها المضيفه وهذا ماكان عليه حال فيدل ايضا ولكنها اخيرا ذهبت لتضع كوبها علي الطاوله وبقيت لحظات بمفردها .. وماهي الا ثوان حتي كان بجانبها ،يمسك مرفقها ويهمس:
-فلنبتعد عن هنا.
تسللا دون ان يراهما احد نزولا فوق درجات الشرفه ومن هناك الي الشاطئ ثم اخذ يقودها الي ممر سري عابق برائحه ازهار الليل. مرا تحت داليه ضخمه تحجبهما عن الانظار وهناك ضمها بكل حنان بين ذراعيها وقبلها .ثم تمتم :
- انت اجمل امرأه الليله .. اتعرفين هذا؟
تنهدت تريد ان تصدقه . تجولت شفتاه عليها فهمست : انها حفله رائعه فعلا . شكرا لك .
ابعدها عنه قليلا :ليت جميع الحاضرين يختفون .الي اين نستطيع ان نذهب .
ترنحا معا واحست بتوتر جسده المألوف:لا ...
-لماذا ؟
-لان ..
تناهت اليهما اصوات من الشرفه فوقهما فهمس :لا بأس لن يرانا احد من هنا .
ولكنها لم تكن واثقه فراح يعانقها بشغف حتي انسل الفستان بعيدا
-فيدل ؛
كان توسلها مزيجا من الضحك والارتباك والتوبيخ.
-قد يأتي أحد ويرانا .. اوه ..
رد بصوت عميق :لن يأتي احد.
- فيدل حبيبي ،لا استطيع التحمل .. هذا غير منصف .
قال بسرعه : تعالي سنقصد سقيفه المركب .
قاومت لتعيد الفستان الي مكانه : لاتكن سخيفا.
يالله ؛ ماذا ان رأهما احد الان.
- لا اشير الي اليخت بل الي مركبي الكبير هيا بسرعه.
تهادت اليه مترنحه ، تريده وتتوق اليه . اه ياله من جنون.
- رتب فستاني اولا ..
ليس علي المضيف والمضيفه الاختفاء بهذه الطريقه .
ثم فجأه توقفت الموسيقي ،ونادي احدهم اسم فيدل .. فهمس :
لاتأبهي تعالي.
ولكنها تراجعت ع
عندما تعرفت الي الصوت :فيدلوا
انها رونا ثم بدأت تنادي بالايطاليه فلعن وشتم :
- يريدون البدء بالالعاب الناريه .. يجب ان يتم هذا في منتصف الليل.
ابتلعت اورسولا ريقها : ياالهي
- اسف حبيبتي علينا العوده.
- عد انت ،اما انا سألحق بك بعد دقائق.
وهكذا ظلت في الحديقه المظلمه ترتب نفسها وتهدئ مشاعرها . كانت تهم بالعوده حين انطفأت انوار الشرفه ،وغرق المكان كله في الظلام. هكذا بقيت في مكانها تنظر الي السماء .. ثم بدأ كل شئ : الوان ذهبيه فضيه ،حمراء خضراء .. صواريخ ونجوم مفرقعه ،مطر ذهبي .. وتناثرت صيحات الاعجاب اووه وااااه وكأن الجميع اصبحوا اطفالا .كان كل شئ في الواقع يلمع .. وشقت طريقها الي اسفل الدرج . ثم انطلقت مجموعه اخري من الالعاب النريه لتتفجر في السماء الحالكه وكان الجميع يحدق الي الاعلي الا شخصين كانا في مؤخره الشرفه شخصين بدوا كثيري الاهتمام ببعضهما البعض . وتوقف الليل الرهيب دقائق فاستطاعت اورسولا التعرف الي رونا وفيدل الذي انحني نحوها معانقا.
انهارت الحفله كلها بالنسبه لها . فلملمت اذيالها وقفلت راجعه عائده الي الحديقه .. هذا يكفي . لقد طفح الكيل . لن تحتاج الي المزيد من الاثباتات .. فمازال فيدل علي علاقه بعشيقته .. وقد قام بالاختيار بدون ان يدري.
كان فيدل قد التقط الوسادتين ورماهما علي المقعد.
- انت مرهقه .. لاتعرفين ما تقولين .
لمعت عيناها الخضروان بخطوره:
- اعرف ما اقول .. اقول لك اخرج من هنا.. نام في غرفتك .
تحولت خطوط وجهه الي العداء الشديد.
- حسن جدا .. خلتك اويت الي فراشك بسبب التعب يبدو انني كنت مخطئا.
- أهذا ما قلته للضيوف ؟ عظيم . انه عذر مناسب .. حسنا.. لم أكن متعبه ، ولكنني رفضت البقاء لاشهد تلك المهزله .ألهذا صحبتني الي الحديقه؟ المشكله انني لم ابق في الاسفل الوقت اللازم .. فقد شاهدتك فيما بعد علي الشرفه مع رونا وانت تعانقها، كان بمقدور اي كان رؤيتكما .. كيف تجرؤ علي اصطحابي الي هنا ؟ كيف تجرؤ علي اهانتي؟ كيف تجرؤ علي معاشرتها ثم تتوقع مني القبول بك في فراشي.
انتزع فيدل رابطه عنقه ، ورماها علي الارض ثم بدأ يفك ازرار قميصه :
- لاتتهميني باقامه علاقه غراميه تحت السقف الذي تتواجد فيه زوجتي اقترفت ذنوبا كثيره في حياتي ولكنني لن اقترف شيئا كهذا.
انتزع قميصه ثم رماه بعيدا وصاحت اورسولا ترد عليه:
- لم تتح لك الفرصه حتي الان .. لا تظن انك خدعتني بتظاهرك بالبرود حين اكون موجوده .. كم مره تلتقي بها حين تكون مسافرا في عمل ؟ منذ البدايه كانت هي .. أليس كذلك ؟ في باريس حين ساافرت اول مره واتصلت بي من روما .. سمعت صوت امراءه .. كانت هي اليس كذلك ؟ كنت علي علاقه معها حتي وانت تطلب يدي للزواج .
- انت محقه للمره الاولي اورسولا
بدت لكنته متكسره .. وكأنه يعاني صعوبه في تذكر الانكليزييه .


رفس حذاءه ليخلعه ثم امسك حزام بنطلونه بيده

بيده التفت اليها ، والعصا تتأرجح في يده .. وعيناه الراقصتان أكثر اسودادا وصرامه ، وقال بهدوء :
- اذا كان هذا ما تريدينه حقا .
أشاحت نظرها عنه ،ثم اغكمضت عينيها بشده ، تحاول ترتيب أفكارها المشتته.
- اريد ان اعرف ما اذا كنت عائدا ، فقد ارغب في الرحيل ..
لف ذراعه فجأه حولها وقبل خدها:
- حسنا سأتي ، فمن المؤسف تورطك في هذا كله.
ثم فجأه ادرك ان الساعه قد قاربت الخامسه ثم تذكر ان لديه موعدا لرؤيه مركب في الجهه الاخري من البحيره .
- مركبا ؟ أتعني مركب سباق ..؟ أوجدت مركبا؟
شعرت بالسرور من أجله أما هو فهز كتفيه :
- لم اقرر شيئا حتي الان ، فما زال المال عائقا.
لم ترد علي هذا ، وساعدته في دفع قاربه الي الماء .
ثم سمعا صوت مركب بخاري يتقدم نحو الرأس .. اه ،لا انه يخت .. يتجه الي رصيف البلده . ولكن اليخوت لا تتخذ هذا الطريق عاده . تري هل رأهما من عليه ؟ ربما كان فيدل ، لكن ما ان اصبح اليخت بعيدا حتي تعرفت اورسولا الي رونا.
غاصت اورسولا خلف القارب:
- انحن انزل الي تحت انها الكونتيسه .. ولو شاهدتك.
ضحك ريكو:
- لن تتعرف الي احد من هذه المسافه .. فلا تقلقي .. تعالي ..
- اراك غدا هذا ان لم يكن الطقس سيئا.
لم تلاحظ اورسولا هبوب الريح . وقفت تراقب القارب الصغير يختفي ثم لوحت بيدها حتي تواري عن الانظار . تنهدت اخيرا مقرره ان من الافضل لها ان تعود .. اين وضعت صندلها ؟
- اهذا ما تفتشين عنه؟
سألها ذلك السؤال شخص غير متوقع فشهقت ، ثم اطلقت صيحهرعب وتقدم طيف طويل مألوف من وراء صخره مشرفه .. انه فيدل .
تمتمت : لقد ارعبتني . جئت اسبح .. الطقس حار جدا.
منذ متي وهو هنا ؟ ماذا شاهد بالظبط ؟ ماذا سمع ؟ اكملت بصوت مخنوق :
اظن ان العاصفه قادمه .
كان خوفها ظاهرا ومع ذلك لم يلن وجهه القاسي . راح يقترب منها مقصرا المسافه بينهما .
توقف علي بضع خطوات منها يدلي الصندل وكأنه طعم . ولكنها كانت خائفه مما قد يحدث ان مدت يدها .زلتأخذه .. اخيرا مدت يدها .. وكانت هذه غلطه كبيره .. التمع نور خطير في عينيه ، وامسك معصمها ليأسرها في قبضته الحديديه .
- من كان ؟ من هو صاحب اليخت الذي كنت تلوحين له مودعه .. اخبريني اورسولا .. من كان هذا الرجل ؟ كم مره التقيتم ؟ هل اتفقتما علي اللقاء ثانيه ؟ .. هيا .. لم انت صامته ؟ اطلب ردا .. الان .



**************************


9- المال لا يشتري القلب

ردت اورسولا ببرود: اطلب ما شئت ولكن لا تتوقع مني ردا .
تحررت منه بعنف وتراجعت بضع خطوات : لن امنع غرباء قررورا الرسو هنا .
صرخ فيدل بها :
- لكن الجزيره خاصه .. ويجب ان يقرأوا اللوحات . كان عليك ان تخبريه بنفسك .. انت زوجتي اورسولا .. واتوقع ..
قاطعته : ولكننا جميعا نتوقع اشياء . توقعت انك تزوجتني بسبب الحب لا بسبب الانتقام من رونا التي رفضت الزواج بك.
- عم تتحدثين .. ماذا قالت لك ؟
- لا تنكر . اعرف الحقيقه يافيدل زاراكوتشي .. العظيم .. لقد خذلتك الكونتيسه العظيمه لانها فضلت مالها عليك . ألهذا سمحت لها بالمواظبه علي المجئ للفيلا ؟ هل كان هدفك اظهار ماخسرته بعدم الزواج بك .
ظهر خط ابيض رفيع حول فمه :
- سمحت لها بالمجئ لانني ظننتك بحاجه اليها لتنظيم حفل البارحه .
- بالطبع احتاج لمساعده .. فانا نكره صغيره .. لكن هذا لم ينجح .. أليس كذلك ؟ لم تستطتع ابعاد يديك عنها .. بعد عشر سنوات علي علاقتك بها بت معتادا عليها .
- انت مخطئه .
- لست مخطئه .
ارتدت علي عقبيها متوجهه الي الشاطئ ، ولكنه لحق بها . امسك ذراعها وأدارها لتصطدم بجدار صدره الصلب :
- رونا رحلت .. لقد طلبت منها الرحيل .
- اه عظيم . وهل لهذا اقل فرق ؟
قاومت ثانيه لتتحر منه :
لكننا نعرف ان فيلتها الصيفيه لاتبعد سوي نصف ساعه بالسياره .. واعتقد ان الجميع يعرف ماذا يجري بينكما .. حسنا .. انا الان اعرف الحقيقه التي يعرفونها . اعرف سبب زواجك بي بالظبط .. ولقد اكتفيت .
- ماذا تعنين ؟
- كانت كلماته حاده وكأنها اطلاق نار .
- ظننتني اوضحت قصدي .
ازدرد ريقه : انت متعبه .. سنتكلم عن هذا لدي عودتي من لندن
صاحت به : لا تتوقع رؤيتي هنا لدي عودتك.
اه .. هذا لايحدث حقا ؟ ولكن ماهو البديل لها ؟ ستكون حياتها بؤسا ان بقيت .
امسك ذراعها ثانيه ، وصاح بغضب شديد:
- انت لا تعرفين ما تقولين .. انت زوجتي في السراء والضراء ولاتظني ابدا انني سأسمح لك بالفرار عند الفرصه الاولي التي ترين فيها الامور لا تجري حسب رغبتك .
تلوت اورسولا في قبضته ولكنه لم يتركها :
- لقد تزوجتني بادعاء مزيف ، لذلك فالقسم باطل .. قل لي كم من الوقت مر ؟ كم من الوقت مر بعدما رفضت رونا الزواج بك .. كم من الوقت مر بين ماجري بينكما وبين خطوبتك لي في باريس ؟
ارتجف عضل في وجهه ، فصاحت مجددا :
-كم من الوقت ؟
-حوالي اربعه اسابيع .
- اربعه اسابيع؟
اقل من شهر . ارتسمت صدمه كبيره في عينيها الخضراوين .
- اتقصد انك قبل اربعه اسابيع من مقابلتي كنت تنوي ان تتزوج رونا ؟
- اجل .
ثم تنهد تنهيده طويله . وكان صوته اقل حده وهو يضيف :
- لكني لم اتزوجها ، بل تزوجتك انت .
- لم يكن امامك خيار ، فرونا لن تتمكن من الانجاب بسرعه بت افهمك يا فيدل زاراكوتشي .. كنت تبحث عن امراءه مقبوله شكلا علي ان تكون وحيده لكي تنجب ..
اختنق صوتها قليلا ثم اردفت :
- لكن هذا لم ينجح .فانا لم احمل .. واعلم اني لن اكون سجينه في هذه الجزيره في ما انت تجوب العالم يسيدا واعلم ايضا انه لايهمي ابدا اسم عائله زاراكوتشي .. سأتركك فيدل اياك ان تظن ان بامكانك الحؤول بيني وبين الرحيل.
ضحك .. ضحك فعلا .. اذا كان مثل هذا الصوت الحاد الاجش يستحق هذا الاسم .
- لن تتركيني .. وان حدث ان فعلت فهل تظنين انه سيهدأ لي بال قبل ان اجدك .
في كلامه شر كامن أخافها ، فكيف لفتاه مثلها الوقوف في وجه رجل كفيدل؟
ارتجفت: اذهب ودعني وحدي.
كانت الريح الان تهب بقوه وكان فستانها علي حاله رطبا فارتعشت ثانيه
- اذهب واتركني وشأني .. ربما اشتريت بمالك جسدي ولكنك لن تدخل قلبي ابد.


بدا وكانه علي وشك ان يضربها .. ثم تلاشي غضبه وعنفه واصبح وجهه قناعا مبهما .. لم يكن في حركته عاطفه عندما مد يده يلمس ياقه فستانها المفتوحه .. ولكن ، لم يكن في عينيه رغبه او سعاده .. وحين تكلم كانت كلماته جافه قاسيه:
- مادمت اريد ابنا فانت مضطره للاعتراف بحقي في جسدك . ولكن ارجو ان تسامحيني لانني لان استغل ماهو معروض امامي الان .. والسبب انه لا يجذبني .
حطم اورسولا الشلل الذي انزلتها به عيناه ، وضمت فستانها مجددا فان لم يذهب حالا فقد تنهار امامه.
- اذهب من هنا اذهب سافر الي لندن .. وابق هناك القدر الذي تشاء .
ابتعد اخيرا فراقبته محطمه الفؤاد ثم لم تلبث ان انهارت علي الشاطئ واجهشت بالبكاء .
تعرضت بعد ذلك للرشح الذي رافقته حراره اقعدتها في الفراش وكان هذا السبب الذي حال بينها وبين الرحيل .
مدت يدها الي علبه المحارم الورقيه .. ورتبت الوسائد عازمه النيه علي عدم الاستسلام للبؤس .. هل عاد ريكو الي الشاطئ ؟ لا مجال لمعرفه ذلك . تري هل شاهد فيدل علي الشاطئ ؟ هل خاف عليها ام خاف علي نفسه ؟
في اليوم الثالث نهضت من السرير وكانت حرارتها قد ولت فقررت الخروج عل الهواء العليل ينعشها تمددت علي الكرسي تحت اشعه شمس ايلول الدافئه .. تتظاهر بالقراءه وتحاول اتخاذ قرار بشأن ما ستفعله وبشأن الطريقه التي ستتخذها للهرب في حال عدل ريكو عن العوده .
لكن كلمات فيدل عادت تطاردها وتخفيفها باستمرار، قال لها:
-اتظنين ان العالم كبير لتختبئ فيه ؟
هل سيجرها من المكان الذي تقصده ؟ أيريد حقا العيش مع زوجه ترفض الانصياع لقونينه الخاصه ؟
اه ولكنها لا تريد الرحيل .. اسندت ظهرها علي الكرسي وهي تشعر بالعذاب يمزق نفسها . اغمضت عينيها لتمنع الدموع ، فسخرت اشعه ايلول منها . برقت عيناها فجأه . أيلول ..أيلول . ثم جلست هذا يعني ان شهر اب انتهي .. اخر اسبوع في اب و .. لكنها مخطئه .. هرعت الي غرفتها حيث اخرجت المفكره من حقيبتها:
واحد.. اثنان ..ثلاثه .. اربعه هذا يعني انها تجاوزت العشره ايام . جلست علي طرفالسرير بسرعه متسعه العينين .. مقطوعه الانفاس، تبتسم بأنفعال.
تري ماذا سيقول فيدل ؟ ماذا سيقول ؟
وقعت الحقيقه علي رأسها كحد السيف . لقد نال الان مايريد ، فأن كان المولود ذكرا فلن يظطر الي الادعاء انه يحبها، لانه يعلم انها ستظطر للبقاء هنا الي الابد. فلن تنكر الام ابداحق ابنها في منزل كهذا وميراث كهذا.
انما هل المال والمركز هما كل شئ ؟ تري ماهي الحياه التي سيحياها الطفل بين أبوين متضادين ؟ وماذا ان ارسله فيدل الي مدرسه داخليه وتركها وحيده هنا ؟
انه وقت القرار ... وتسللت الي الشاطئ ولكنها لم تجد اثرا لريكو .. رأت يختا فتساءلت هل عاد فيدل ؟


ركضت الي الرصيف عندما كان اليخت يرسو . فلاحظت حركه في القمره التي اخرجت منها حقائب ثم رأت امرأه تتحدث الانكليزيه وتطلب من الخدم الحذر في حملهم شيئا .. ارتدت اورسولا الي الوراء لانها تعرفت فجأه الي الصوت .
- حبيبتي .. ها انت . ما اسعدني برؤيتك . عندما تصلت بك اخبروني انك تتنزهين .
لم تستطع اورسولا الا الوقوف فاغره فاها . ماذا تفعل ايما هنا ؟
- يالها من مفاجأه جميله . هل جئت من نيس ام فينيسيا ؟
امسكت ايما ذراع اورسولا وكأنهما صديقتان :
- لا تكلميني عن نيس فقد كانت رهيبه .
ولكن عيناها كانتا تحطان علي كل شئ لاستيعاب المنزل العظيم والحدائق المدرجه والزهور الغريبه .. والترف .
عندما اوصلتها اورسولا الي غرقتها قالت ايما :
- ياالهي كم تغيرت .
- كنت سأرسل لك بعض الزهور .. لو علمت بقدومك ..
- لم أخطط للمجئ ..
خلعت ايما سترتها :
- لا .. لن أزعجك بالتفاصيل .. حين افكر في ذلك الرجل الشرير ..
- اذا كنت لا تريدين الكلام عن الامر ..
من الواضح انها كانت تريد الكلام: انت تعرفين انهم كلهم سواء .
واردفت تسرد اخر اخبار علاقتها التي انتهت .. ويبدو انه نفسه الذي اتت برفقته في حفل زفافها في باريس ..
ستتحمل اورسولا وجود ايما من اجل ذكري والدها ولكن صوتا ما في داخلها انبأها بأنها تفعل ذلك من اجل نفسها فقط اذ ستتخذ من وجود ايما عذرا حتي لا تترك فيدل .
كانت ايما تكمل قصتها :
- .. هكذا حين حصل هذا : أيمكنك تصور كم اصبت بالذعر .. لقد ذهب كل شئ .
اجفلت اورسولا لانها لم تكن تصغي اليها .
- كل شئ؟
ياالله ما الذي كانت تقوله ايما ؟ ما الذي ذهب ؟
- حسنا ، ليس الشقه بالطبع اما اموالي المستثمره واخر ماحصلت عليه من مال تأمين ابيك فقد ذهب .
- هل تعنين ..
قاطعتها ايما : لا تقولي انه اختلسها فلست علي
هذا القدر من الغباء .. لقد كان استثمارا حقيقيا .. لقد اخبرني ذلك هو نفسه . ولكنه لم يكن استثمارا حقيقيا.
بدأت اورسولا تري الصوره .. كانت ايما تضارب بالبورصه بمساعده صديقها وخسرت :
- وماذا بعد ؟ اعني هل تركك ورحل ؟
- وهل هناك رجل يجرؤ علي تركي ؟ اه لا بل انا التي تركته .. تركته لانه غبي مسكين لا يعرف كيف يهتم بي . وانا ارفض العوده الي لندن بهذه السرعه .
- وما عن .. صديقتك التي كنت تسافرين معها ؟
- اقترحت علي العوده الي لندن لا بحث عن عمل . عندما تقعين في مشكله ما تعرفين من هو الصديق الحقيقي .
همست : هذا ما اظنه .
- ثم .. يقال ان الدم اثقل من الماء .
- يؤسفني الا يكون فيدل هنا ولكنه عائد غدا .. وانا واثقه انه سيقدم لك النصح سعيدا .
- كنت اعلم ان هذا ما ستقولينه .
تقدمت الي اورسولا تحضنها بقوه وتصلب وخجل :
- ثم ستكلمينه .. اليس كذلك ؟ وسيبدو الامر افضل اذا ما سمعه منك .
- مني ؟
- اورسولا حبيبتي لا تكوني ساذجه هذا لا يناسب صورتك الجديده .. ام الان فلندخل ولنتكلم عما كنت تفعلينه .. لكن الامر لم يكن افضل في الداخل .. فقد بدأت اورسولا تدرك سبب مجئ ايما ..لم تأت بهدف قضاء عطله قصيره بل بهدف اقتراض المال من فيدل .
دخلتا واقفلت اورسولا الباب الزجاجي .. ولكن لدي اقتراب يخت ما من المرفأتشتت أفكارها .
ابتعدت عن الباب وتقدمنت الي حيث تجلس ايما علي الاريكه :
- ثمه امور لاتعرفينها . اسمعي انا لا استطيع ان اطلب من فيدل شيئا .
ردت ايما بحده : ماذا تقصدين بأنك لا تستطيعين طلب شئ منه انت عروسه فكيف يرفض لك طلبا ؟ هل ندم علي زواجكما المتسرع ؟
قالت كاذبه ليس الامر كما تقولين .
- اذن ستعطيني انت المال .
- انا ؟
- بالله عليك توقفي عن ترديد هذه الكلمه ؟ انت زوجته وما المال بعائق .. اعطيني بعض من مالك وهذا اقل ما عليك فعله .. لا شك ان والدك توقع منك الاهتمام بي .. وانا اتوقع منك ذلك خاصه بعدما خدعني والدك بادعاء الثراء .
ردت اورسولا بسخط: لم يخدع ابي احدا ، كيف تجرؤين علي التلميح بذلك في بيتي ؟
يالله لم يمض علي وجود ايما خمس دقائق وها هما يتشجاران مره اخري .
سمعت صوتا ما في علي الشرفهلكن اورسولا تجاهلته حين شهقت ايما قائله:
- منزلك ؟ حقا ؟ اذا كان منزلك فلا مشكله اذا . ان لم تكوني قادره علي جمع المال فبيعي شيئا .. لقد قلت لي انك ستتزوجين فيدل زاراكوتشي طمعا بماله ولكن مافئده ذلك ان لم تستطيعي وضع يدك علي مبلغ صغير من وقت الي اخر ؟
اتسعت عينا اورسولا الخضروان غضبا واستياء :
- انا لم اقل قط ...
ثم صمتت لانها شعرت بأن احدهم يتقدم من جهه الشرفه فالتفتت بحده راجيه الله الايكون قد سمع حديثهما احد . اديلغي القادم ؟ ولكن القادم لم يكن ديلغي بل فيدل الذي وقف بباب الشرفه متجهما بارد العينين.
شهقت اورسولا : فيدل يالها من مفاجأه لم اتوقع مجيئك قبل الغد.
تقدم قائلا : هذا ماأراه واضحا .
لثمها علي وجنتها بفتور فأرادت في لحظه مجنونه يائسه ان ترمي ذراعيها حوله .. ارادت ان تضمه لتقول له انها تنتظر مولودا ولكنهكان قد تركها ودنا من ايما يحييها .
سألت اورسولا وهي تقاوم للمحافظه علي المظاهر امام ايما :
- كيف .. كيف حال لندن ؟
رمي حقيبه اوراقه علي كرسي .. بدأ متعبا وجذابا انه رجل خطير لكنه متعب .


- لندن .. لندن كانت .. ناجحه . هل اتصل المصرف بي ؟ كنت في مكان لم يستطع احد الاتصال بي .
ردت : لا ادري ان اتصل بك احدهم .
لم ترد ان تخبره انها كانت في الفراش بضعه ايام .. اذن ، ان لم يكن يقوم بعمل المصرف ، فأين كان ؟ اين .. ومع من ؟ خطر ببالها فجأه انها لم تر رونا عده ايام ..
لف التوتر الغرفه وكان من المذهل ان تبقي ايما بارده هادئه .. لماذا قالت هذا الكلام الرهيب الذي قالته ؟ أقالته عمدا ليسمعه فيدل ؟ بالطبع .. ولهذا السبب تحس اورسولا بالحقد يتاكل تلك النفس المستتره وراء مظهر خارجي معقول ، متمدن .. ولكن هل صدق ما قالت ؟ احست اورسولا فجأه انها عليها الابتعاد من هنا .. فكل ما يحدث مؤلم ..
- هلا عذرتماني ؟ أريد ان أري الخدم في المطبخ.
وابتعدت هاربه بالفعل من الغرفه.
لكن فيدل كان ينتظرها حين عادت من السلم الخلفي .. توقفت امامه واخذا يتبادلا النظرات .. ثم قالت : انا .. ارادت ان تردف لم اتزوجك طمعا بمالك ، غير انا تعابير وجهه البارده حالت دون ذلك . فقالت : لم اعرف بقدوم ايما .
لم يكن ما قالته بديلا لائقا . قال وكأنها لم تتكلم : حملت معي أشياء تخصك .
- ماذا تعني ؟
انه لا يقصد هديه بالطبع .
- انها في مكتبتي .
وارتد عليعقبيه فلحقت به . كانت الغرفه مظلمه ، والستائر مسدله ففتحتها ثم سمعت صوتا في الردهه ، ودخل ديلغي ورجل اخر من العمال يحملان قفصا خشبيا صغيرا .
قالت اورسولا : هل اشتريت لوحات ؟
تعرف ان شراء اللوحات احد نقاط ضعفه.
- اتقصد انها لي ؟
لم يقل شيئا .. بل فتح الغطاء وأخرج اللوحه الاولي .. كانت صغيره اطارها صغير عليها غطاء ما .. فتحها وأعطاها أياها .
حدقت اورسولا الي اللوحه فتره طويله . ثم اخرج فيدل لوحه اخري ،فأخري حتي بلغ العدد سته .
طفرت الدموع من عينيها بحيث لم تعد تري شيئا ..
- لا اصدق .
بدأ صوته قادما من مكان بعيد : أهي اللوحات ؟
هزت رأسها .. هاهي لوحات أمها الحبيبه أمامها .
- كيف .. كيف وجدتها .. ؟
هز كتفيه بلا مبالاه ثم اردف بصوت بارد .
- لدي نفوذ ي.
نفوذ ؟ ألدي فيدل زاراكوتشي نفوذ يجعله قادرا علي تعقب ست لوحات مغموره ربما كانت في مخزن عتيق في حي فقير ؟ ان كان قادرا علي جلب لوحات كهذه فماذا عن جلب شخص ما كزوجه هاربه ؟
اصابها الرعب بحيث لم تعد تستطيع الكلام او الحركه.. كانت تعرف انها تزوجت رجلا ثريا ولكنه لم تستطيعالتصور ان له هذه اليدالطولي .
ان كانت ستتركه فليكن ذلك قريبا .. فما ان يعرف بحملها حتي يصبح من المستحيل عليها الاختباء في اي مكان.
اخيرا .. وبعد طول صمت ادركت ان عليها ان تقول شيئا .. ان تشكره لكن حين استردت وعيها ونظرت حولها بغباء في الغرفه لم تجده فيها .
*************************


10- الليله الاخيره


وجدت اورسولا فيدل في غرفته .. ولانه لم يسمعها حين وصلت وقفت في الباب لحظات تنظر اليه ، وفيها توق الي ان يعود كل شئ الي ما كان عليه .. كان يتحرك برشاقه خطيره .
فجأه عرف انها هناك ، فرفع بصره بسرعه فاذا عيناه قسيتان زرقاوان تسجلان .. ماذا ؟ .. خيبه الامل ؟
قالت مرتبكه : لم تمهلني الوقت لاشكرك .
أنبأتها غريزتها ان الوقت مهم جدا . اذا كانا سيقرران الاستمرار بالزواج فهو أنسب وقت .
سألها خالي الوجه من المشاعر متوجها الي حقيبته ليخرج منها الاغراض .
- كم من الوقت تحتاجين ؟
وقفت اورسولا في منتصف الغرفه ، تتلاعب بحزام فستانها متوتره .. حاولت ان تشرح له مره اخري :
- لم اعرف انها قادمه . لقد وصلت علي حين غره .
لا رد او مساعده بل راح يخرج اخر شئ من حقيبته .
- انها مفلسه ..
اقفل سحاب حقيبته يتركها لديلغي ليبعدها :
- حقا ؟
- انها تريد مني ان اقرضها بعض المال.
يارباه ، لماذا يصعب عليها الامر ؟
- حسنا ؟ لماذا تقولين هذا لي ؟ أعطيها المال ان كنت تريدين ذلك. ان لا اضع الحواجز فيما يتعلق بالمال اورسولا . اعتبري المبلغ ان شئت ثمنا لخدمات قدميتها لي ..
ردت بحده : انت تحرف كل شئ ..
- انا لا احرف شيئا .. ألم تقولي ان ايما تريمان تريد بعض المال .. وماذا عني ؟ ألم اقل ان القرار يعود اليك ؟ ماذا تريدين ؟ هل انفقت كل مالك؟ اتريدين المزيد؟
ردت : لم انفق من مالك الا القليل .الا تري انني سجينه في هذا المكان ؟
- سجينه.
- لم اقصد ..
ظهر الغضب علي وجهه :
- بلي ، قصدت .. ماذا تقصدين بلفظه سجينه ؟ أتقولين انني احبسك هنا رغما عنك ؟
- انت تجول العالم مستمتعا ..
رفع حاجبيه ، فاردفت :
- وتتركني هنا عالقه حيث لا أنيس أو ...
صمتت عندما اخذت عيناه تجولان في الغرفه وفي ما وراءها من مناظر ساحره .
- أري ان ما يحيط بك يقبض الصدر حقا ..
- انت تتعمد اثارتي .. انك تعرف تماما قصدي .. فما يحيط بي لا يهم ..
قاطعها مردفا عنها : مادام المال متوفرا .
لكنها ارادت ان تقول الناس هم المهمون . بعد مقاطعته المريره لها انحبست الكلمات في حلقها فحدقت اليه برعب .. لقد صدق فعلا ما قالته ايما . يالسخريه القدر . يتوهم انها تزوجته طمعا بماله أما المراءه الاخري فلم تتزوجه من اجل مالها .
- يبدو انك تختار المراءه الغير مناسبه .. اليس كذلك ؟
ارتدت عنه بسرعه لتخرج من الباب ولكنه وصل اليه قبلها .. وامسك بذراعها يديرها اليه والغضب البارد ، المتباعد انقلب الي غيظ قاتم عنيف : ماذا قلت ؟
كانت الهمسه الثقيله مخيفه .. وكرر :
- ماذا قلت اورسولا ؟ انني اخذت المرأه الغير مناسبه ؟ أهذا ما انت مؤمنه به ؟
كانت اصابعه تؤلم ذراعها .. وظهر الم جهنمي علي وجهها مما زاد من سعادته .وشدت نفسها مبتعده:
- اتركني وشأني وفكر في ما تشاء
كانت قريبه منه بحيث شعرت بالاثاره المعتاده المألوفه تشعل اوصالها .. لكنها صاحت :
- لم اطلب من ايما المجئ .. انها تريد مالك العفن اما انا فلا اريده . لن تشتريني به ابدا .
بدت علي وجهه فيدل الصدمه هنيهه ولكن لم تلبث ان اشتدت شفتاه وسأل بحشرجه :
- اذن .. ماذا تريدين اورسولا ؟


وقفا يتبالان النظرات والتوتر يثب وثبا بينهما . لم يكن هناك ما يمكنها قوله وان لم يعرف الان ما تريد فلن يعرف ابدا .. لقد انتهي كل شئ .. فكرت في الطفل ، وكادت تنهار وتخبره . كادت تتوسل اليه حتي يحبهما . ولكن الطفل كان السبب في القوه التيجعلتها ترفع رأسها عاليا تحدق الي عينيه الزرقاوين العميقتين القاسيتين . كانت تريد ان تقول :
- سأقول لك ما أريد .. أريد لطفلنا ان يولد في عالم ملؤه الحب والامان .
لكنها لم تستطع ان تقول هذا .. ولن تستطيع .. فتنهد فيدل ، وكشر عن وجهه بشكل غريب :
-يبدو انك لا تعرفين ما تريدين .
كان يقف امامها .. يريد منها ان تبوح بما يعذبها . لماذا ؟ أليتمكن بعد ذلك من تحطيم اخر امالها ؟
احبك .. واريد ان نعود كما كنا في البدايه .
ولكن الكلمات ظلت في نفسها . حاولت مرارا وتكرارا ولكنها كانت تتراجع دائما بسبب دوارنها في دوامه اليأس . اخيرا قالت :
- حين وافقت علي الزواج بك .. لم اعتقد ان الامر سيكون هكذا .
عاد الي صوته الهدوء :
- وانا كذلك لم اكن اعتقد ان الامر سيكون هكذا .
كادت اورسولا تسمع تفكيره بصخب:
- من الافضل ان اعود الي ايما .. ستتساءل ..
نفذت عيناه الزرقاوان الي نفسها وكأنه يعرف السر الذي تخفيه .. واخيرا أبعدت عينيها عنه فارتسمت بسمه متوتره علي شفتيه . قال ينهي حديثهما بكل سهوله :
- بكل تأكيد .. عودي الي زوجه ابيك وارجو ان تعتذري نيابه عني لانني لن اتعشي معكما الليله لانه لدي عمل.
تحركت اورسولا الي الباب مرتبكه تعسه الي درجه البؤس ثم التفتت تعض شفتها لئلا ترتجف .
- شكرا لك علي اللوحات.. لا يسعني نسيان المفاجأه.
لكنه لم يسمعها فقد رن جرس هاتفه الخاص . عندما كانت تهم باغلاق الباب الباب سمعته يتحدث بالايطاليه وكانت الكلمه الوحيده التي فهمتها .. رونا .تلك الليله لم تره ثانيه .
توارت شمس الصباح خلف الغيوم فارتجفت اورسولا . سألها ريكو وهو يحرك بعض الحصي بقدمه :
- هل هذا ما تريدينه حقا ؟
اطرقت برأسها الي يديها المتشابكتين وقالت بهدوء :
- انه الحل الامثل .
التقط ريكو حصوه ورماها في الماء ..
- انت لم تأت هنا منذ ايام .. سألها
بمن يذكرها هذا العبوس ؟ .. وتابع :
- قلقت عليك .. ظننت ان زوجك شاهدنا .. وانه يغار .
حاولت اورسولا ان تضحك .. فالغيره ليست الكلنه المناسبه .. وقالت :
- ان من يجب ان يغار.
نظر اليها بارتبك فأردفت بعد قليل :
- رجاء تعال غدا باكرا لتصحبني .
- الي اين ؟
هزت كتفيها : الي باريس اولا . اما بعد باريس ...
ثم ادركت ان عليها الا تقول شيئا فلفيدل نفوذه .
- قد لا اذهب ال باريس ..في الواقع لا ادري حقا ..
سألها : أتشكين في ؟
لم يكن في صوته غضب بل امر واقعي حتمي .. عبست اورسولا لانها ادركت ان لدي هذا الرجل سرا ما . ريكو دوريانو .. من اين اتي ؟وماذا يفعل هنا حقا ؟ .. وما دوافعه ؟
تلك الليله شعرت اورسولا ان شيئا ما يكاد يدفعها الي الجنون انها الان في فراشها المزدوج العريض .. تلوت وتقلبت ورغبت ان يكون فيدل معها .. وعادت ذكري عذابها تلاحقها .. وشعرت بالوحده وبالشوق اليه كما شعرت بالفراغ والبؤس لمعرفتها ان زوجها ينام في غرفته وحيدا . صدقا .. من سمع في هذه الايام برجل وزوجته يعيش كل منهما في غرفته الخاصه ؟ انها ترغب فيه وتريده بغضب اعمي ارادت ان يحبها وان يشاطرها فراشهاوان يعاشرها كزوجه ليله بعد ليله .. كما أرادت لطفلهما ان يتربي في بيت لا في مجرد منزل . وان لم تستطع الحصول علي هذا كله فهي اذن لن تستطيع البقاء معذبه نفسها بقربه منها لن تستطع تحمل رنه صوته القوي وهو يتحدث الي امرأه اخري لايمكنها ان تعرض لمثل هذا العذاب ..
ان البديل الوحيد امامها هو الرحيل مع ريكو الذي سيقلها في الصباح الباكر الي البر.

كانت زوجه ابيها قد سألتها بعد الغداء:
- اثمه خطب بينك وبين زوجك.
- ماذا تعنين ؟
- لاشئ حبيبتي ولكن هل تحدثت الي فيدل بشأن ما كنا نتحدث عنه ؟
- اجل ..اعني ...
- وماذا ثال ؟
- انا .. انه .. لم يقرر شيئا .
لكن ايما قالت بخبث :
- لا استطيع الانتظار ولكن ما رأيك لو جعلنا زيارتي هذه زياره عائليه صغيره؟
وكان ان تحملت اورسولا ضغط رفقه ايما محاوله الرد علي اسئلتها ولكن فكرها كان يعيش في دوامه كبيره . انه نهارها الاخير والليله الاخيره في الفيلا فغدا ستكون في مكان لا يعلم ما هو سوي الله .
تسللت الفكره الي نفسها ببطء . في البدايه كانت مجرد تذكر عادي بعدما انضم فيدل اليهما .. قدمت له فنجان شاي ثم لما اقترب من النافذه تنسمت عطر ما بعد الحلاقه .. وهكذا ولدت في رأسها الفكره التي راحت تكبر وتكبر .
وقت العشاء تطورت الفكرهحتي اصبحت رغبه حارقه وحاجه يجب ان ترضيها وتهدئها للمره الاخيره..
دبدأ قلبها يتحطم .. فالليله يبدو فيدل .. فيدل .. فيدل زاراكوتشي بشكل بارز : الاستقراطي الثري المديني الشديد الثقه بالنفس الرجل الرائع المتواضع .أليس تواضعه هو ما جذبها اليه ؟ عندما كانت تجلس الي المائده تذكرت الغداء البسيط في اللوفر ونزهه السين التي بدأ فيها راغبا في اسعادها .
أكان كل ذلك ادعاء ؟ .. ارتشفت قليلا من كوب العصير امامها ، لانها شعرت بحلقها يجف فجأه.
سألها فيدل :
- هل انت بخير ؟
تقسم انه كان مستغرقا في محادثه ايما.
- اصبت بالرشح أثناء غيابك .. هذا كل شئ.
أدركت متأخره ان الزوج في الظروف الطبيعيه كان سيعرف مسأله مرضها منذ ليله امس .
ولم تفت الملاحظه ايما فأخذت عيناها الحادتان تنتقلان من واحدهما الي الاخر ، ثم اخفت ابتسامه تحت منديلها وقالت : اتمني الا يكون شجار ما قد وقع بينكما بسببي.
وهذا مازاد الامور سوءاففي ما تبقي من الامسيه لم تفارق عيناه اورسولا .. واخذت تتساءل عن الشيطان الذي دفعها الي اختيار هذا الثوب بالذات ، الثوب الذي تعرف انه يحبه كثيرا.
قدم ديلغي القهوه لهم في غرفه الجلوس وهناك صب فيدل القهوه لنفسه ولايما ثم التفت الي اورسولا .
- اتريدين القهوه ؟
هزت رأسها ايجابا .. ولكن شفتيها ارتجفتا فقد تذكرت انها وضبت كيسين يعجان بالملابس وهما الان في مكان ما في غرفتها .
انهت قهوتها ثم توجهت لتضع الفنجان علي الصينيه . وحذا فيدل حذوها فاصطدما معا ، عندها همست اورسولا اسفه .
أمسك فيدل ذراعها بلطف فاذا اصابعه دافئه وحازمه : هل انت بخير ؟
- طبعا .
- هل أبعد ايما .. انا مؤدب معها من اجلك .
همست :لا .
هذا كله جنون . ها هما زوج وزوجه يهمسان سرا في الزاويه علما انه لا يحبها فهو لا يريد سوي رونا التي تنسجم مع حياته الكبيره ..
- انا.. فقط متعبه قليلا ..
قال بصوت عميق اجش : لماذا لا تأوين ال فراشك ؟

أحست ان عينيه تريدان منها التطلع اليه .. ففي نبره صوته رنه تعرفها جيدا .. رفعت عينيها نحوه فوجدت فيهما ما يقول سأتي الي غرفتك . أوليس هذا بالظبط ماتريده وتفكر فيه طوال المساء ؟
قالت : اظنني سأفعل .
ثم نادت عاليا:
اعتذر ايما لانني سأوي الي فراشي باكرا .
غادرت الغرفه بدون ان تنهار . لقد انتهي النهار وليس عليها الا انتظار احتضار الليل.

هل تجرؤ علي الرحيل ؟ فلنفترض انه لايريدها ؟ كيف ستتمكن من العيش مع الذل ؟ ربما كان اهتمامه بها بسبب وجود ايما.. استلقت في الفراش قلقه تصغي الي وقع الاقدام .. تتساءل كيف تمضي ايما وقتها معه .. غريب .. انها لاتشعر بالغيره ابدا من زوجه ابيها .
اخيرا سمعت وقع اقدامه علي سجاده غرفه الملابس اولا ، كعادته .. تصورته يخلع ملابسه راميا كل شئ في سله الغسيل ، واقفا هناك حيث تظهر بوضوح عضلاته المفتوله .
اغمضت عينيها بشده ولكن الصوره لم تختف .. ارادت ان تمد يدها لتتلمسه .. ارادت ان يكون هنا الي جانبها .. ان تحس بثقله قربها .
انسلت صرخه صغيره من فمها . ثم بدأ قلبها بالخفقان وتدفق الدم غزيرا في عروقها . ليته يفتح الباب ليته يأتي اليها ولكن هل ستجد القدره للرحيل بعدما تقضي معه ليله اخري ؟
ولم يدخل .. بعد قليل انطفأ النور في غرفه ملابسه .. لكن هذا لا يعني انها لا تستطيع الذهاب اليه نهضت من السرير تقاوم الاغطيه التي كانت تحاول ان تمسك بها .. اضاءت النور وتقدمت الي المراءه الطويله .. ألن يرغب فيها ؟ نظرت الي صورتها بعين منتقده متذكره ليلتهما الاولي معا . احست بحراره الذكري وتطايرت شرارات الاثاره من اعماقها .. ان لم يكن ما كان يفعله بها حبا ، فهو تقليد رائع للحب .. ولكن الرجل غير مضطر الي هذه الدرجه من التقليد ؟ هل تؤثر فيه الذكري أيضا ؟ تري هل سيستطيع مقاومتها في ما لو تسللت الي فراشه ؟
مررت أصابعها في شعرها الاشقر ، ورطبت شفتيها .. تتذكر تلك الاسرار المعتمه التي علمها اياها .. ثم تجهم وجهها ..انهاتعرف انها لن تستطيع قضاء هذه الليله بالذات بمفردها . لن تستطيع . يجب ان تستغل فرصتها الاخيره ولتضرب بعد ذلك بالنتائج عرض الحائط .
لكنها لم تجد الشجاعه للتوجه اليه في غلاله النوم الشفافه .. فكان ان وضعت روبها الرقيق وربطت اشرطته الصغيره بأصابع مرتجفه .. ثم تسللت علي رؤوس أصابعها الي غرفه الملابس .. وأطبقت يدها علي أكره بابه ثم أدارات الاكره ببطء وهدوء فانفتح الباب ، كانت تعج الغرفه في ضلام دامس .. ظنت للوهله الاولي ان لا احد فيها .. لكنها سمعت حركه وصوتا مخنوقا من السرير .. فجأه ومض النور ووجدت فيدل يستند الي مرفقه شاخصا بصره اليها .
لم تستطع الكلام .. بدا انه كذلك لم يستطع الكلام .. لكنه علي الاقل لم يطردها من غرفته .. تشجعت قليلا ثم اغلقت الباب ببطءخلفها وتقدمت الي السرير لحقت بها العينان الزرقاوان وهي تتوجه الي السرير . لم تتردد سوي لحظه . كانت أناملها علي غطاء الفراش وعيناها في عينيه تتوسلان اليه الا يرفضها .
ولم يرفضها ولكنه لم يساعدها ايضا . اخيرا تسللت الي جانبه . مرتجفه ، عندما لم يقترب منها او يلمسها شرعت تفك اربطه روبها الحريري .
راقبها تفك الرباط الاول فالثاني ولم يتحرك شعرت بالتوتر الذي تأرجح كالحاجز بينهما .. كان وجهه جافا خشنا وعيناه باردتين متعبتين . علق الرباط الثالث في عقده وعضت اورسولا شفتيها محبطه . ارتجفت اناملها كثيرا بحيث عجزت عن التعامل مع الشرائط الرفيعه .. اخيرا صاحت منزعجه ورفعت بصرها اليه . ولكنها لم تستطع قراءه ما في عينيه من تعبير .. بدا وجهه غاضبا ، مذهولا ، مزدريا .. ولكنه كان يريدها .. احست بمعركه ماتجري بين احاسيسه المتضاربه.
اخيرا تحرك مادا يديه الي روبها .. سرعان ماسمعت صوت تمزق حاد . وكان هذا كل ما فعله . لم يقل لها شيئا ولم يتحرك نحوها .. بل عاد يستلقي مستندا الي مرفقه .. ولكن النور في عينيه تغير .. فالقسوه الخبيثه اصبحت تحديا قابلته بتحدي اخر . فراحت تنزع ببطء الحرير عن كتفيها .
لقد فعلت ذلك مرارا من قبل ، وكان فيدل كلما فعلت يسارع لدفن وجهه في صدرها ويجذبها معه .. لماذا لا يفعل هذا الان ؟ ماذا تستطيع ان تفعل غير هذا ؟ .. اقتربت منه ببطء تعانقه عناقا بطيئا سريعا ثم اعقبته بعناق اخر .
مد يده بعدائيه يرفع يده الي ظهرها .. فجأه لم يعد يستطيع مقاومه المد الجارف الذي تصاعد ليغرقهما معا .. تأوهت اورسولا قائله في نفسها ان كل شئ سيسير علي ما يرام .
اخيرا كسر الصمت بصوت عميق قوي فيه طيف انتصار.
- كنت اعرف انك لن تتمكني من البقاء بعيده فأنت تعرفين تماما كيف تجري الامور بيننا التي ستدوم الي الابد .
تأوهت .. اجل .. انها تعرف .. تعرف انها اذا لم ترحل غدا فلن تشعر بالطمأنينه او هدوء البال ابدا كما تعرف ان حياتها ستكون سلسله عذبات كهذه الليله .. ليال يعجزان فيها عن انكار حاجه كل منهما الي الاخر يعقبها أيام من عذاب التساؤل عمن تكون معه الان ..
لم تستطع اورسولا الا التمسك بها والدموع في عينيها تعض شفتها ، مقطوعه الانفاس ، غاضبه من ذلك راغبه في حبه بل في مجرد وجوده معها ..
بدا لها نائما .. فمدت يدها تغطيه . احست بثقله وبروعته استلقت الي جانبه تستمتع بكل لحظه رائعه ثمينه ملست شعرهالاشعث وتركت اصابعها تنسل الي كتفيه .. لكن هذا ليس صحيحا .. انه مجرد ادعاء .. انها بكل بساطه تخدع نفسها .. تتظاهر انهما دافئان وقريبان ، والواقع ان فيدل بقي في عالمه الخاص .. رغبته بها لم تزد عن كونها رغبه رجل في امراءه جذابه ..وهل هناك رجل قادر علي رفض عرض مغر كهذا ؟ ماحدث لم يعن له شيئا اما لها فأه .. لان ما حدث سيبقي حيا في ذاكرته .

*************************

11- ارجوك اتركني




اخيرا نام فيدل .. واستلقت اورسولا قربه في السرير الكبير مرهقه .. مع ذلك ، كان العذاب يحول بينها وبين الراحه .. انها مجنونه بالطبع لانها حكمت علي نفسها بحياه ستكون فيها دائما المراءه الثانيه .
نظرت بحب الي الشعر الاشعث الاسود علي الوساده .. حسن جدا .. لقد تزوجها لاسباب خاطئه فهو مازال يحب رونا وعليها التعايش مع هذه الحقيقه ، فبعد السحر الذي تذوقته البارحه ، عرفت انها لن تجد القوه للرحيل ، اغمضت عينيها متذكره كيف عبدها حبا وكيف استطاع ان يأسرها في عالم من صنعهما فقط .. وان لم يكن يحبها قولا فهو يحبها عملا .. حسنا ، ان لم يكن ذلك الحب الذي توقعته فهو حظها العاثر لانها تعرف الان انها لن تكون سوي المرأه الثانيه في حياه فيدل الذي ستتلقي منه ما تلقته الليله.. كيف ترضي المرأه بمثل هذا الرجل وتحت اي شروط؟
تسلل ضوء الصباح الرمادي من وراء الستائر فأدركت اورسولا كم تأخر الوقت .. ياالله ربما ريكو هنا الان عليها بطريقه ما الذهاب الي الشاطئ لتقول له انها ليست راحله.
لم يكن التسلل من السرير وارتداء الجينز امرا سهلا.
سمعت صوتا في الردهه ، فسارعت الي الباب .. جيد .. لقد ذهبت الخادمه ، واصبحت غرفه الجلوس خاليه . وماهي الا لحظات حتي خرجت من الفيلا من دون ان يراها احد من الخدم . لقد تأخرت انها الثامنه . عندما كانت تركض سمعت مركبا يصطدم بالرصيف ولكن لم يكن مركب ريكو فهذا اقدم من ذاك . لكنها لم تنتبه له جيدا .. لابد انه يوصل الخضار .. وقفت تحت شجره وارفه الظلال ثم ركضت ناسيه المركب ومن فيه .
حينما اصبحت علي الشاطئ لم تجد اثرا لريكو .. هل تأخر ؟ هل وصل ثم رحل ؟ هل غير رأيه وعدل عن المجئ ؟
جلست فوق صخره تحدق في البحيره في هذا الصباح الهادئ . كم تبدو اليوم مختلفه .. لا شك انها اجمل بقاع الله .. ثم شاهدت مركب ريكو اتيا من زويه مختلفه هذه المره .
هبت واقفه تلوح بذراعيها ، ثم صاحت وهو يتجه بالمركب الي الشاطئ : خلتك قد عدلت عن رأيك .
ساعدته علي جره الي خارج الماء ، فاستند الي الحصي .
بدا متوترا غاضبا .. كانت عيناه السودوان تجوبان الصخور والاشجار بحثا ثم سأل : اين أغراضك ؟
- اسمع .. لا ادري كيف اقول هذا لك .. لقد كنت في غايه اللطف معي .
- انت غير راحله .. عدلت عن الفكره ؟
حين هزت رأسها بوضوح ، قهفه قهقهه مشرقه ، انتهت الي غضب .. نظر اليها وكأنه كرهها فجأه .. فقالت :
- ريكو .. خلتك ستشعر بالرضي ..
- الرضي . او بعد هذه المشقه وبعدما بت قريبا من ..
وصمت يحدق الي ما وراءها . تناهت الي مسمعيها وقع اقدام راكضه . التفتت بعنف خائفه من هويه القادم الذي لن يكون سوي فيدل .. ولكنه لم يكن وحده .. تقدم فيدل اولا وخلفه امراءه سوداء الشعر .. ليست ايما بل رونا .. ماذا تفعل هنا بحق الله ؟ كيف عرفت؟
قالت الكونتيسه : اشكر الله لاننا لم نتأخر
لكن عيني اورسولا استقرتا علي زوجها .. زوجها الذي تركته في الفراش قبل نصف ساعه .. زوجها الذي كانت بين ذراعيه ، طوال الليل .. ولكن لم يكن في وجهه اثر للحب الذي اظهره .. لا قلقل لا تفهم .. شاهدت الغضب الغضب الاعمي ، الذي حول وجهه الي وجهه كريه متوحش .
- ان لمست زوجتي قتلتك .
صاحت اورسولا عندما رأته يهجم عليه :
- توقف عن هذا فيدل .. حبا بالله .
ولكنه لم يسنعها وصاح به : ماذا تفعل هنا ؟
وقالت رونا متوسله :
- الذنب ذنبي .. عرفت ان لديه شخصا اخر فقد اخبرني كل شئ ولكنني لم احلم بأن تكون اورسولا ..لو كنت اعلم من ..
وصمتت مدعيه الاحباط . عم تتحدث رونا بحق الله ؟ أتعرف ريكو ؟ ماذا قال لها ؟ لماذا ؟ بدأت اورسولا تشعر بغضب جاء وليد اللعبه التي فهمتها اخيرا.
تكلم ريكو بالايطاليه بسرعه وانفعال مشيرا الي المركب والي اورسولا .. وتابع كلامه الذي لم تفهم منه شيئا واصبح وجه فيدل ابيض من شده الشحوب
وكان يمسك انفاسه .. وهو لا يفعل هذا الا اذا اخذ الغضب منه مأخذه .
جاء دور الكونتيسه التي كانت تصيح بريكو بالايطاليه ايضا .. هل هي مؤامره لاخراج اورسولا عن طورها ؟
اخيرا صاحت اورسولا : هلا شرح لي احدكم ما يجري ؟
سرعان ماران صمت مطبق التفت علي اثره الجميع محدقين اليها وقال فيدل :
- سنناقش هذا الموضوع في الداخل ، انتظريني في المكتبه اورسولا .
- لن اطيع امرك .. هل جننتم جميعا .. ؟ ريكو ليس متسللا لانني سمحت له بالمجئ ..
نظرت الي فيدل تتحداه ان ينكر سلطتها كزوجه له :
- .. ربما يود احدكم شرح ما تفعله رونا علي ان يكون ذلك باللغه الانكليزيه .
فتح فيدل فمه ليتكلم ولكن الكونتيسه سبقته :
- كان هذا غلطه مني .
كأنها تتوسل الي اورسولا المسامحه ، واكملت :
- لم اكن اعرف انك كنت مستوحشه الي هذا الحد .. حاولت مصادقتك لتفضي الي بسرك .. مع لك لم ار .. لم ادرك انك اتخذت لنفسك عشيقا .
صاحت اورسولا : عشيقا ؟
وهدر فيدل مره اخري فارتد ريكو اما اورسولا فقالت :
- انت مجنونه .
اتسعت عيناها الخضروان دهشه تنظر الي المرأه التي تتعلق بذراع فيدل وكأنها تقوده الي الظن بأنها تمسكه لئلا يرتكب هفوه فظيعه .
- ليس الامر كما تتصورون . اخبرهم ريكو.
- لكن معرفتها باسم الشاب زادت من غضب فيدل الذي صاح :
- منذ متي ؟ وكم مره ؟
صدرت منه الكلمات بطريقه لاواعيه ثم بدا نادما عليها ..

سألت غاضبه : مازلت اريد معرفه شأن رونا بهذا والغرض من وجودها هنا .
- انا هنا لامنعك من ارتكاب غلطه فظيعه .ز فأخي فعل شيئا كهذا سابقا . وماكان يجب ان ادعوه .. جاء الي البحيره فقط ليري مركبا هذا ما قاله لي .
قاطعتها اورسولا : اخوك؟
اخذت تنقل بصرها من رونا الي ريكو ، تلاحظ الشبه الواضح الذي عزته بكل غباء الي تشابه الايطاليين :
- ماذا قلت لها ؟
ولم يستطع ريكو النظر الي عين اورسولا ، ولكن ما يحدث كان كثيرا علي فيدل الذي افلت قبضه الكونتيسه وامسك اورسولا ورفعها عن الارض :
- عودي الي المنزل الان .. سأتكلم معك فيما بعد .. ولكن اولا اريد التعامل مع ..
قاطعته رونا : لا لا تفعل ..
صاحت بريكو باللغه الانكليزيه ثم تحدثت الي فيدل بالانكليزيه .
- يجب الا تلوم اورسولا .. كان يجب ان ..
ولكن اورسولا رأت وراء قولها وتصرفاتها قناعا زائفا .. فأدركت ان رونا هي التي خططت لكل هذا .. وأن ريكو وافق علي اغواء اورسولا او التظاهر بأنه اغواها حتي تشتري اخته الثريه له مركب سباق جديد .
ولكن قبل ان تقول ما تشك فيه ، دفع رونا بعيدا وأمسك بأورسولا مجددا واخذ يدفعها نحو المنزل .
كيف يجرؤ علي هذا . قاومته اورسولا محاوله التخلص منه ..
ثم ازداد الامر سوءا فقد خرجت ايما مذعوره من غرفه الجلوس تصيح :
- اه ، الحمد لله انك سالمه .. وصلت امراءه وبعد وصولها سمعت صياحا وشخصا يقول انك هربت بالقارب .. انا اعرف مدي كرهك للقوارب .. وظننتك غرقت .
كانت في حاله هيستريه ، تنظر الي اورسولا وكأنها عائده من بين الاموات .
- انت لست مبتله .. هل انقذك احد ؟
- اورسولا بخير .. كما ترين . والان هلا تركتنا ؟

نظرت الي الجميع بذهول ، ثم لفت ذراعها علي كتفي اورسولا وصاحت :
- ماذا يحدث هنا ؟ انت ترتجفين .. ماذا فعلت بها ؟
قاطعتها اورسولا تحاول بعث الطمأنينه الي قلبها : لاشئ ايما مالامر الا خلاف عائلي .
- انا من العائله ولن اسمح ان يعاملك ..
أقلقه هي علي اورسولا ام علي مال اورسولا ؟
قالت اورسولا : ارجوك ايما .. لا داعي الي هذا .
بدا فيدل علي وشك الانفجار .. اه .. يالله .. هذا هو ديلغي يريد معرفه من سيبقي للفطور ..
صرفه فيدل وساد صمت حتي رحل .. ثم ارتجت الغرفه بالحديث المرتفع .. وسألت ايما : ماذا يجري ؟ هل حاولت الهرب ؟
- انها غلطتي .. اخبرهم ريكو .
زادت رونا علي كل هذا : ليتكم تحافظون علي هدوئكم .
وسأل ريكو : ماذا تريدين ان اقول ؟
- الحقيقه .
جعل صراخها جميع من في الغرفه يصمت .. الجميع الا فيدل الذي بدا غير واثق بشئ حتي بنفسه.
قال ريكو وهو ينظر الي شقيقته :
- ولكنني قلت الحقيقه . طلبت مني المجئ لاصطحبك من هنا هذا الصباح .. اردت ان تتركي زوجك ..
احست اورسولا بالغثيان ، ومادت بها الغرفه سارعت ايما تلف ذراعيها حولها : ان حاولت ابنتي الهرب فالسبب سوء المعامله فمنذ وصولي عرفت ان هناك خطبا ما .
اجلست اورسولا علي علي كرسي ، ثم اتجهت الي فيدل :
- انا لست غبيه .. استطيع رؤيه الامور بوضوح .
التفتت الي رونا ، مدركه فجأه وقفتها الحميمه الي جانب فيدل .. ثم التفتت الي اورسولا ، وقالت بوجهه بشع متجهم حقود :
- طلقيه .. اقيمي عليه الدعوه واحصلي علي حقك حتي اخر قرش .
صاح فيدل هادرا : كفي .
ثم تقدم من اورسولا يرفعها عن الكرسي بشراسه ووجه الكلام الي رونا :
- ابعديهما من هنا كلاهما . ابعديهم عن هذه الجزيره قبل .. والا لست المسؤول ..
كان وجهه متوحشا ، خطيرا :
- لكن ..
من الواضح ان رونا لم تتوقع انقلاب الاحداث هكذا .
حين لم تقتنع رونا .. ترك اورسولا وتقدم الي عشيقته .. وكرر : ارجوك ابعديهما من اجلي .
وافقت رونا مبتسمه ، وقبلت خده .. فانفجرت ايما واضطرت اورسولا الي الاشاحه بوجهها :
- لن تستطيع ابعادي عن هذه الجزيره لانني أطالب بالبقاء مع ابنتي .
- ابنه زوجك الان زوجتي وستفعل ما اقول انا .. عاده يأتي الزائرون بناء ععلي طلبي فقط ، اما انت فلم يدعك احد .
- فبدل ..
- لا تقاطعيني اورسولا .. وانت ..
استدار الي ريكو يسيطر علي نفسه بصعوبه :
- ستغادر هذا المنزل الان .. ولن تعود اليه ابدا .. ابدا الا اذا رغبت ..
- فيدلو .. كارا ..
وانطلقت تكلمه بالايطاليه ، تحاول تهدئته ولا شك ان خبرتها في تهدئته تعود الي عشر سنوات . عشر سنوات . التقطت اورسولا وساده عن الاريكه ورمته بها .
ثم انطلقت تعدو من بين الابواب الي الشرفه .. لانها لم تعد تطيق ما تراه . ألم تعن ليله امس شيئا لفيدل ؟ أيمكن لفيدل ان يصدق كلمه رونا ويكذبها هي ؟ عليها ان تهرب .اخذت تعدوعلي درج الشرفه .. ولكنها لم تصل الي الاسفل لان احدهم لحق بها .
-دعني اذهب .. وعد اليها .
ولكن فيدل كان قد عقدحولها وحملها عائدا الي الداخل .
- يجب ان نتكلم .
- ليس لدي ما اقوله لك وان اعدتني للداخل فسأصرخ مستغيثه
- اذن اصرخي .. فمن سيسمعك برأيك ؟
اوصلها الي غرفهالجلوس التي كانت فارغه الان .. ثم اقتادها الي مكتبته.. وركل الباب يقفله خلفه فهربت اورسولامنه نحو النافذه .
- والان سنعرف الحقيقه.
كان صوته يقطع جو الغرفه الساكن ، واستدارت في الوقت المناسب فرأته يمرر يده علي وجهه . بدا مشوشا ، مخيفا مثقل العينين.
قالت غاضبه : انت تعرف كل شئ لقد عزمت الرأي وفضلت تصديق رونا.. حسنا .. هيا قل ما تريد.
تقدم الي متكتبه يحرك الاوراق بدون ان يري شيئا :
- انا لا اصدق احدا .. اري الوقائع فقط امامي .
- صاحت به : وقائع.
لم تعد تحتمل قوته المكبوته التي لا ترحم .. أهكذا يتعامل مع زبائنه ؟ بدون شفقه او انسانيه ؟
- الوقائع تقول انك رأيتني علي الشاطئ اكلم ريكو ..
التفت اليها والغضب يظلم وجهه :
-لا تذكري هذا الاسم ؛ أتريدين القول انها كانت صدفه ؟
ابتلعت اورسولا ريقها مسحت كفيها بسروالها : ليس بالظبط.
- ألم ترتبي لقاءك بذلك الرجل .
- تقريبا .
- ماذا تعنين بقولك ؟
- لم يكن الامر كما تظن .
- وماذا اظن ؟
كان صوته غريبا لم تتعرف اليه فكافحت تقول : أردت ابلاغه رساله .
- كم مره التقيتما قبل اليوم .
هزت كتفيها :
- لاادري .. عده مرات . لم اخطط لشئ . وجدته هناك يوما .
وجدته هناك يوما ؛ يالهي ما غباها فكيف لم تشك في دوافعه .
- اولم تفكري في تحذيره بأن هذه الاملاك خاصه ؟
- انه يعرف ذلك لانه شقيق عشيقتك التي كانت تمنحه حق الدخول

لم يعجبه قولها ، فرد بقسوه :
- ماهي الرساله التي كنت تريدين ايصالها اليه ؟
ابتعدت عنه تذرع الغرفه . انا ...
صاح مقاطعا بلهجه ثقيله حاده ولكنه مكسره : الحقيقه .
- اردت ان ابلغه أنني غيرت رأيي ..
وبدلا من ان تطرق برأسها رفعت رأسها اليه بكبرياء وتحدي ..
- اذن ، لقد خططت للهرب معه ..
- لا .. اجل ، لكن لا ..
ربما لو قالت له انها غارت من رونا لفهم .. ارتد عنها وظهره متصلب من شده اللغضب :
- لقد سمعت ما يكفي .
ثم لم يعد يحتمل فتوجه اليها . كانت تستند الي المكتب لتدعم نفسها فهي واثقه من انه يهم بضربها ولكن قبضته هوت علي المكتب بضربه ساحقه . وصاح مزمجرا :
- لماذا ؟ اعني .. لماذا غيرت رأيك ؟
نظرت اورسولا اليه وهي تطيل النظر .. تريد منه ان يفهم وان يعرف كم تحبه ..
غير انه تراجع ضاحكا ، ينظر الي السقف مخللا اصابعه بعنف في شعره المشعث .
- الان فهمت طبعا .
كان يضحك من نفسه ومع ذلك بدت المراره في صوته والازدراءفي عينيه :
- لم يصب توقيتك الهدف .. لقد تزوجتني من اجل المال .. ولكن ، هل وجدت ايما انها لم تنل نصيبها ؟
نظرت اليه فاغره فاها ، شاحبه الوجه وسمعته يكمل الاهانه .
- انا لا اتذمر
..فانا مستعد لدفع الكثير لاحصل علي امرأه مثلك في فراشي . لديك سحر كبير اورسولا .. اظنه براءه ممزوجه بمعرفه غريزيه بما يرضي الرجال .. وياله من سحر ؛
امسك ذقنها يجبر وجهها علي الارتفاع اليه :
- ولكن النساء اللاتي يتزوجن طمعا بالمال يملكن هذه المواهب عزيزتي . اخبريني من علمك لاشكره .
صدمها قوله فاشتعل كيانها غضبا ثم صاحت به :
- انا مسروره انك ادركت ان هناك فرقا بين الزواج طمعا بالمال وبين رفض الزواج كمعا بالمال ؛
امسكت بشئ زجاجي كان علي المكتب ثم رمته به .
لم تعرف كيف اخطأته فقد صدم ذاك الشئ الباب الخشبي فأزال عنه الطلاء ثم انكسر مدويا علي السجاده السميكه . شحب وجه فيدل وتشنجت عظلات وجهه ثم ران صمت ثقيل كاد يخنقها .
- عندما تستطعين السيطره علي نفسك بوقار يليق بزوجتي فسأناقش هذا الموضوع مره اخري .. حتي هذا الوقت اقترح عليك البقاء وحدك .
اتجه الي الباب فالتقط الثقل الزجاجي ، لكنه تردد:
-سأتأكد من رحيل دوريانو وزوجه ابيك حالا .. قد تحتاج رونا الي مساعده ..بامكانك الاتصال بايما في وقت ما واعلمي انني سأعطيك المال الذي تحتاجينه .. وبامكانك فعل ماشئت به .. ولكنك لن تري ذلك الرجل مره اخري .. واقترح عليك الابتعاد عنالطريق حتي يغادر الجميع .
نظر الي الثقل الزجاجي ثم حمله اليها :
- خذي هذا .. وارميه مجددا اذا كان سيساعدك رميه .
وخرج .. فأطبقت اصابعها علي سطح الزجاج الناعم وضربت قبضتها علي الطاوله بغضب مجنون يأس .
سمعت اصواتا في الخارج ووقع اقدام وصياحا وجدالا . توجهت اورسولا نحو النافذه تصم اذنيها بيديها . رمت الثقل الزجاجي علي مقعد ناعم .. اللعنه علي هذا الرجل
ساحجزك هنا ولو عنوه . نعم هو لم يقل هذه الكلمات ولكنها شعرت بها . كان جسده كله ينتفض بغضب لم يحاول اخفاءه ..
قالت وألم الغضب واليأس الفظيع يفور في داخلها :
- هيا .. قلها لكنك لن تستطيع احتجازي الي الابد .. سأتمكن يوما من الفرار و ..
صمتت فجأه ، لانها وجدت في عينيه حزنا فظيعا . سأل بلكنته المكسره : ماذا يفعل احدنا بالاخر ؟
ثم اغمض عينيه وارتد عنها ..
- ماذا بامكان دوريانو ان يقدمه لك واعجز انا عن تقديمه ؟
ارتبكت اورسولا وعضت علي شفتها ثم سرعان ما طغي غضب يائس علي مشاعرها بسبب سوء ظنه بها .
فقالت : ساذكر امامك ما قد يقدمه لي .
التفت اليها فأردفت : سيقدم لي حريتي.
- حريتك؟
فكر فيدل في الكلمه وكأنه نسي كل ما يعرفه من الانكليزيه .
- خلتك التزمت معي .
جاء دور اورسولا لتشيح بوجهها الذي اثقلته فجأه الدموع المهدده بالانهمار . همست مترنحه : نخطئ جميعا .
-اه .. ربما هكذا .
- اهذا كل ما تستطيع قوله .. تزوجتني بكل بساطه لتنجب وريثا وكنت قبل ذلك قد قررت الاستمرار في علاقتك الغراميه مع رونا دوراليس .. ثم ها انت تقول ربما تكون غلطه .
- وما هو اسوأ من خداعك .. لقد تزوجتني طمعابالمال والمركز ثم اوقعت دوريانو الشابفي شراكك ؟
- اوقعت دوريانو الشاب في شراكي ؟ اذن الطيور علي اشكالها تقع .
عبس فيدل لسامعه المثل العامي الشائع . ولكنه فهم معناه .
- انت مخطئه ، فانا لم ..


ثم صمت لانه سمع طرق علي الباب . فأخذ يتمتم شاتما وذهب ليرد .. ثم عاد ومعه كيسان من النيلون :
- ظنوا انك قد تقلقين علي هذا .. و هذان كل ما وجدوه .
سخرت منه : وهذا كل ما اخذته .
تلاقت عيونهما، ثم بدا ان الكيسان اثارا اهتمامه:
- هكذا اذن .. انت لا تأخذين الكثير اثناء سعيك الي الحريه .
- لانني لا احتاج الي الكثير .
لم يرد وظل ممسكا بالكيسين المبللين وبدا حائرا اين يضعهما .. ارادت اورسولا ان تنتزعهما منه ولكن الحذر ابقاها جامده .
اخيرا قال لها : انا مستعد لنسيان امر دوريانو.
وكأنما ما يقوله يكلفه الكثير غير انه لم ينظر اليها ، بل ابقي عينيه
علي الكيسين . وكادت تعرف ما يجول في تفكيره . انه يتسأل عما فيهما من اغراض تعتبرها ذات اهميه .
قالت ساخره والذعر يوتر اعصابها : ان نسيان امر ريكو لكرم كبير.
اخيرا انتزع عينيه عن الكيسين وقال بهدوء:
- ظننت في البداء انني لن استطيع .. هذا الصباح ، وصباح امس ، ظننت انني سأقتله .. ظننت ان كل شئ انتهي .. ولكن حين اكتشفت غيابك .
التفت الي الباب المكسور واكمل :
- حين ادركنا جميعا ماذا فعلت .. وبعدما عرفنا انك غير موجوده قرب البحيره عرفت انني اريدك مهما كانت الظروف .
شهقت وهي لا تعرف كيف تتقبل كلامه .. ماذا يعرض عليها ؟ الحب ؟ ام العوده الي لعب الدور الثاني في حياته ؟ اه هذا غير عادل ولكن .. ماذا عن الطفل .. ؟
ضمت شفتها السفلي ، تتلاعب لكسب الوقت ، غير واثقه مما تفعل : وتتوقع مني .. ان انسي امرها ؟
بدا لها غريبا وهو يقول : أتستطيعين ذلك ؟
ادارات وجهها مجددا : لا ادري .
رباه الا يدري انها مستعده لمغفره اي شئ يتعلق به ؟ ثم شاهدته في مرأه طاوله الزينه ينظر الي الكيسين بعبوس . ولم يلبث ان وضع احدهما علي الارض ثم بدا بفتح الاخر . اه ،لا .
هبت كالريح من مكانها ووصلت اليه .
-اعطني هذا .. لا يحق لك ان تنظر اليه .. انها اغراضي .
لكنها وصلت متأخره .. كان فيدل قد افرغ محتويات الكيس علي السرير .. اه ؛ لماذا اختار هذا الكيس ؟ حاولت اورسولا اخفاء كل شئ بتجميعها في كومه :
- ابتعد ؛ ما كان يجب ان تفعل هذا ؛ انها اغراض خاصه ؛
ثم شهقت منتحبه وقد عجزت عن اخفاء كل شئ بعدما امسك يديها . نظر الي بضعه قمصان وكنزات والي الاشياء الصغيره الاخري .. اخذ فيدل وهو عابس الجبين يعبث في كنزها الثمين ، صاحت باكيه تتلوي محاوله تخليص يديها من قبضته :
- توقف .. ليس عليك ذلك ؛
وكان كل ما استطاعت فعله هو مراقبه الذهول الذي لم يلبث ان اصبح عدم تصديق . ها هو كل شئ امامه ؛ بطاقات المسارح .. برامج المسرحيات والحفلات الموسيقيه التي حضراها . ولائحه طعام مقهى صغير في باريس كانا قد ذهبا اليه قبل زفافهما بليله .. وبطاقه رحله المركب في السين والصور والزهره البريه التي التقطها لها في الاندليس .. رسائله التي ارسلها اليها وهي في باريس . وبطاقات بريديه ايضا .. لقد كان في هذا الكيس كل ذكري ثمينه مهما كانت صغيره لانها ما تبقي منه .
تمتم بذهول : لا افهم ما يعني هذا اورسولا .
انسلت من قبضته ، وبدأت تلملم ما كان يضمه الكيس تدمدم : مادام لا تعرف فلماذا اشرح .
اوقفتها يداه بحزم ثم ومضت عيناه .
- اخبريني .. اريد سماعها منك .
اخيرا بدأ حبها يخنقها ، فانهارت تتعلق به وعندما تكلمت كانت كلماتها ضعيفه بحيث لم تتجاوز صدره .
ابعدها عنه : كرري ذلك مره اخري .
تنشقت اورسولا من انفها ونظرت اليه : قلت انني احبك .
اغمض عينيه ثم سحب نفسا عميقا .. فقالت :
- والان .. اظنك راضيا عن نفسك ..
لكنها لم تستطع قول المزيد فقد اعاد وجهها الي صدره يضمها ويضمها ، ثم حملها الي الجهه الفارغه من السرير . ماذا تفعل ؟ انت مجنون .. انت لا تحبني .
لكنه كان يحجزها بين ذراعيه .
همس : انت لم تقيمي علاقه مع شقيق رونا .. اليس كذلك ؟ اجيبي .. أليس كذلك ؟
هزت رأسها نفيا فأكمل :
- اذن .. لماذا كنت ستذهبين برفقته ؟ لماذا اردت الهرب ؟
- لم اكن ..
وصمتت ، فأبعد خصله مبلله بالدموع الي الوراء وقال بخشونه : - يبدو انني انزلت بك تعاسه جمه .
شاهدت تحت نور المصباح القابع في الجهه الاخري من السرير عينيه المغروقتين بعذاب سري .
لم تعرف للحظات ما تقول .. تعسه ؟ اه .. اجل .. لكن وكيف ستخبره بالفرح الخاص ؟ عندما طال صمتها ، ابتعد عنها قليلا يمرر يده علي بشرتها الدافئه .. وقال وهو يدفن وجهه في نعومه شعرها :
- ألبس علينا العمل علي انجاح زواجنا لراحه بالنا ولسلامه عقلينا . مادمت تحبينني فأين المشكله ؟
استمر في مداعبتها ولكنه فجأه أغمض عينيه ، فالخيالات غير المرغوب فيها لم تبتعد حتي الان :
- لكن .. لماذا قال دوريانو انك تهربين معه ؟
نظرت اليه اورسولا وردت بصوت هادئ : لم يقل اننا سنهرب .
ضحك ضحكه استغراب غريبه .. وكان علي وشك الا يوافقها الرأي .. ثم عبس فعرفت انه يتذكر ذلك المنظر الرهيب علي الشاطئ عندما صاحت رونا : انها غلطتي .. الحمد لله اننا وصلنا في الوقت المناسب ؛
جمد فيدل .. وشاهدت الشك ، وعدم التصديق ، والغاضب تتقاطع في وجهه .. ثم ابتعد عنها مستلقيا علي ظهره ينظر الي السقف .
- ماذا كانت تقول لك رونا ؟
قالت اورسولا : رونا لا تقول بل توحي وتقترح .. لقد اوحت الي انكما خططتما .. خططتما ان لتتزوج ايه امراءه كانت . كما قالت بصراحه بأنك تنوي العوده اليها بعد اشهر .
- وانت صدقتها ؟
- ولم لا اصدقها ؟ الامر منطقي فنحن تقريبا لم نتعارف الا لوقت وجيز ..
صمتت فضغط علي يدها : اكملي .
- أليست هي جزء من هذا كله ؟
اضطجع علي جنبه ينظر اليها مستندا الي مرفقه :
- جزء مماذا ؟
- حسنا .. انها .. معتاده علي هذا النوع من الحياه .. انها من طبقتك .. انا ما كنت لاقدر وحدي علي تنظيم تلك الحفله .
- اذن .. لماذا ازعجت نفسك بها ؟
- لانها جزء من تقاليد عائلتك .
بدت عليه الحيره : ولكنني لم اتوقعها فكرت في افامه حفله في الميلاد ورأس السنه .
تنهدت اورسولا : ليتك اخبرتني بنيتك تلك .
- لم تسألينني .
- لا .. لم أسألك .
- امازلت تعتقدين انني عدت الي علاقتي مع رونا ؟
- كنت تقبلها ساعه الالعاب الناريه ..
هز رأسه : هي من قبلتني وهذا يشكل فرقا كبيرا .
- لكنك ذهبت لرؤيتها في روما بعد خطوبتنا .
- يحق لها ان تعرف . فالسنوات العشر زمن طويل حبيبتي . وما كنت لا اتركها تعرف من احد سواي .
لمست ذقنه الخشن : لا .. لكنها بقيت دائما هنا .. حولك ، ولم تمتنع .
- ظننتها تساعدك .. وبدوت لي مستمتعه بصحبتها .
ابتسم حائرا :
- أترين ، ظننتك تتصرفين بحكمه مع ماضي كما تعرفين ان حبنا اقوي من اي ريح .
- أهكذا كنت تشعر ؟
- طبعا .. أترين .. ظننتك تكيفت مع حياتي ومع ديلغي وزوجته ومع عاملات المطبخ .
- بمناسبه الكلام عن المطبخ هل نزلت اليه مؤخرا ؟
- لا ..لا اظنني فعلت .
- هذا ما ظننته .. فيدل .. انه مكان حار جدا .. والخدم هناك بحاجه الي مكيف ..
صمتت لانه راح يقهقه :
وتقولين انك لم تتكيفي ..؟ حبيبتي .. اذا كنت تقولين انهم بحاجه ال مكيف فهذا ما سيحصلون عليه شرط ان تبقي هنا للاشراف علي العمل .
همست : احب البقاء مده اطول .
- انت رائعه .. لم احب امرأه كما احبك.
وانحني يعانقها مجددا . وكان كل ما ردت عليه : اه؛
ولكن في اعماقها فيض من امل وحب وفرح .. ثم عاد ليستلقي علي ظهره :
- اترين .. حدث كل هذا في باريس .. هل اخبرتك يوما عما جري في باريس ؟
شع حبها في عينها وهي تهم بالكلام .. ولكنه أسكتها بأصبعه :
- التقيت هناك بتلك الطالبه ، بتلك الرسامه المجنونه . كانت ترتدي جينز ضيقا ومعطفا قذرا خاص بالرسم اما شعرها فكان اشقر ولكنه اقصر من شعرك بقليل . وفي احد الايام ابتسمت لي في المقهي ووقعت في حبها .. وكنت مذهولا ذهولا جعلني اضع ثلاث معلاق من السكر في فنجان قهوتي التي عجزت عن احتسائها .. ما بالك حبيبتي لماذا تضحكين ؟
- اه لايهم ..
تذكرت ان حادثه السكر نفسها هي التي جعلتها تقع في حبه .. لكنها لن تخبره الان .
- انت مجنون لانك وقعت في حب نكره صغيره مثلي .. انظر الي المشاكل التي سببتها لك .
رد بكلمات جاده :
- لا تقولي هذا ابدا .. ولكنني كنت اسواء من مجنون لانني نسيت كم انت صغيره .. كانت غلطه مني ان اتوقع تقبلك لرونا .. صدقيني حبيبتي لم اكن اعرف ما كنت تفعل بك .
فجأه صارت الكونتيسه الكبيره غير مهمه لان فيدل لايحب سواها .
- دعنا لا نتكلم عنها .
فجأه تذكرت زوجه ابيها .. فقالت:
- لم اعط ايما الماللانني لم اجد ذلك مناسبا.
مسد شعرها : سنتكلم عنها لاحقا ، ربما نستطيع القيام بشئ ما من اجلها .
عندما تسلل نور الصباح الرمادي الضبابي من خلال الستائر استلقيا بهدوء . اورسولا نائمه علي كتفه وهو يمسد شعرها متعبا تعبا جعله لا يقوي علي تغيير ملابسه لينام . شعرت بأنها تتالف مع بيت غامر واحساس بالانتماء الي هذه العائله .. عائله ؛اه
- فيدل
- نعم صغيرتي ..؟
ابتعدت عن ذراعيه .. لقد اقتربت اللحظه .. واحست بانحباس انفاسها وتوترها : ارجوك يالله دعه يتقبل هذا .. دع هذا يظهر في عينيه ..
- اورسولا .. ما بك ؟
فجأه التقط الاثاره منها وقال بلكنته المثيره :
- عم تحااولين محادثتي ؟ عن رسمك ؟ أتريدين متابعه الدرس ؟ لقد اهتممت بهذا . وجدت لك فنانا في ميلانو .. وبامكاننا البقاء يوما في الاسبوع معا هناك .. انه ممتاز .. وستحبين حضور دروسه ..
قاطعته لتزف اليه الخبر :
-لا .. ليس الان ..
حين بدت عليه الدهشه ، ابتسمت له بخجل واشراق وقالت :
- علي الدروس ان تنتظر فتره .. لانني انا .. اظن ان لدي ما اخبرك به ..




النهايه

مشاركة