A PHP Error was encountered

Severity: Warning

Message: file(): http:// wrapper is disabled in the server configuration by allow_url_fopen=0

Filename: views/template.php

Line Number: 35

A PHP Error was encountered

Severity: Warning

Message: file(http://static.vipeople.com/menu/index.php): failed to open stream: no suitable wrapper could be found

Filename: views/template.php

Line Number: 35

A PHP Error was encountered

Severity: Warning

Message: implode(): Invalid arguments passed

Filename: views/template.php

Line Number: 35

أرجوك لاتعتذر

الكاتب: قصتي مشاهدات: 1005 التصنيف: روايات أحلام

حزن تحت الرماد


كانت درجة حرارة البحيرة حوالي ثمان كما يريدها تماما . سبح فترة بسرعة ثم خرج من البحيرة والماء يقطر منه على الأرض القرميدية المزخرفة حوله . كانت الريح أثناء

الليل قد قذفت بعض أوراق الشجر على وجه الماء , ولكنه يفضل ذلك على مياه حوض السباحة النظيف القاع داخل المنزل والواقع ان ديبوراه تفضل السباحة فى المسبح .. أخذ

يجفف جسمه بالمنشفة ثم ارتدى معطف الحمام الأزرق القاتم
كان حزام من أشجار الصفصاف والسرو يحمي البحيرة من الأعين المتلصصة . وخلف ذلك كله كانت جدران عالية تحيط بالأراضى مؤمنة عزلة تامة . وعلى كل حال , ففى

مثل هذه الساعة المبكرة من الصباح لم يكن هناك أحد فى الخارج , فسار عائدا الى المنزل وهو غارق فى تفكير عميق
استحم فى حمامه المترف ذي اللونين الذهبي والبني ,. ثم ارتدي بذلته البنية التي يرتديها عادة عند ذهابه الى المكتب . وكان يربط شريط حذائيه عندما سمع طرقا على باب غرفة

نومه .
- نعم ؟
جاء جوابه فظا بشكل لا داعي له , ولكن ملامحه لانت عندما دخلت الغرفة فتاة فى حوالى السادسة عشرة من العمر . كانت سمراء نحيلة الجسم مثله , ولكنها لا تماثله طولا .,

وكانت القرابة بينهما واضحة
هتفت بمودة وهي تدخل الغرفة وتغلق الباب خلفها ثم تستند اليه : " أبى , اريد ان اتحدث اليك . ارجوك لا تدع امي تفعل هذا ! "
- لورا .. سبق أن تحدثنا فى كل هذا.
- أعرف , أعرف . ولكن بإمكانك ان تجعلها تغير رأيك . انا اعلم ان بإمكانك ذلك .
اتجه ابوها نحوها وقد بان الحنان على ملامحه , ولكنه حنان امتزج بالحزم .
قال برقة : " الحقيقة هي انني لا اريد ان اغير رأي امك . لورا , أنك اصغر سنا من أن .. "
قاطعته القتاة وشفتاها ترتجفان : آه .. القول المعتاد ذاته . إنك غير متفهم يا أبي ! "
- لا أدرى كم من الأباء يسمعون هذا الكلام من أبنائهم
- حسنا ولكنها الحقيقة , . فأنت لا تفم . لا تعرف ما يعنيه الوقوع فى الحب ..
توترت شفتا الاب وهو يقول بهدوء : " لا أعرف ذلك ولكنني تزوجت أمك وانجبناك "
قالت لورا التي التهبت عيناها : " ولكنك لم تحبها قط . أليس كذلك ؟ أعلم أنك لم تحبها . كنتما فقط من نفس الطبقة الاجتماعية وقد وجدتما نفسيكما متلائمين فى ذلك الوقت
- هذا يكفى يا لورا.
- كلا . لا يكفى . فلو أحببت يوما ولو كان حبك حقيقيا لكانت لديك فكرة صغيرة عن فكرة شعورى
أجاب باختصار وهو يشيح عنها بوجهه . فقد ثارت فى أعماقه مشاعر طال كبتها : " صدقيني يا لورا أننى أعلم طبيعة شعورك , ولكن ضيق وقتي لا يسمح لي بمجادلتك . لدي

اجتماع فى الساعة العاشرة و .."
- اجتماعات . اجتماعات . هذا كل ما تفكر فيه , أليس كذلك ؟ عمل , عمل , عمل ! انت لاتهتم بي أكثر مما تهتم بي أمي , فلست بنظركما اكثر من دمية تحركانها فى الاتجاه

الذى تريدانه
ارتد يواجهها مرة أخرى فهمدت قليلا إزاء برودة نظراته إليها.
قال : " لورا , لقد أقفل الموضوع , هل تفهمين ؟ "
قالت بإصرار وهي ترتجف : " سيضحك مني أصدقائى عندما يرون أن لدي مربية في سني هذا
- لا أفهم السبب فى هذا , فقد كنت مريضة . بإمكانك ان تخبريهم بان الطبيب اوصى بعدم ذهابك الى " بوسكومب " حاليا .. وعلى كل حال , تعلمين أنك غير ملازمة البيت

.
- ولكن هذا قد يحدث ,. لأن جميع أصدقائى راحلون .
- لن يغيبوا إلا فترة محددة فقط . كما انك فى السادسة عشرة وهذا يجعلك اكبر سنا من ان تحتاجي الى ان يكون حولك مجموعة من الاصدقاء .
- ولكنني لست كبيرة الى الحد المسموح لي به فى ان يكون لدي حبيب .
- ليس ذلك الحبيب بالذات .. على أي حال .
- ولماذا لا ؟ لأن جون يكبرني بعشر سنوات ويعمل بيديه لكي يعيش هذا هو السبب . الواقع ان امى لا تهتم بذلك , وانت تعلم هذا . إنها غيور فقط
- أسكتي يا لورا . يجب ألا نطيل الحديث فى هذا الموضوع . هل سمعت ؟ أرى ان تذهبى وترتدى ثيابك وتحاولى ان تتصرفي بنضج كما تدعين .
- ولكن يا أبى .
حاولت ان تتوسل اليه للمرة الاخيرة , ولكن نظرة واحدة منها الى وجهه المتجهم أقنعتها بأنها تضيع وقتها وأنها قد تخسر الحليف الوحيد الذى يمكن أن تكسبه
فيما بعد وفيما كان يتصفح الصحيفة ويتناول بذهن شارد طعام الافطار فى الغرفة الصباحية المغمورة بأشعة الشمس سمع ازيز كرسى عجلات ديبوراه . يقع جناح زوجته فى

الطابق الارضى ولم تكن ديبوراه تشاركه طعام الفطور الا نادرا بل انها نادرا ما تنهض من سريرها قبل خروجه فوضع صحيفته جانبا ونهض واقفا فى الوقت الذى دخلت فيه

الكرسي الكهربائى الغرفة .
اذا كان لشخص ما أن يحسم من اعتباره الساقين المشلولتين المختبئتين على الدوام داخل بنطلون او تنورة طويلة حتى الكاحل.فهو سيرى ان ديبوراه ما زالت امرأة رائعة الجمال

رغم تقيدها بكرسي ذي عجلات , وذلك منذ ستة عشر عاماكانت فى شبابها تعشق ركوب الخيل والصيد . وكان ان ذهبت رغم معارضة زوجها الى النزهة على ظهر الحصان

قبل موعد ولادتها لطفلتها بأسابيع , فكاد سقوطها عن ظهر الحصان يقتل طفلتها التى ولدت قبل الاوان أما هى فاعاقتها السقطة طوال حياتها فى البداية , لامت زوجها لهذا الحادث

فرفضت لأسابيع رؤيته أو رؤية طفلتهما .فهى لم تشأ قط ان تنجب اطفالا وهكذا أقنعت نفسها بأن حملها كان السبب فى عدم توازنها أثناء الركوب
ولكنها , فيما بعد على كل حال , أقرت بانها قد أصبحت بحاجة الى زوجها الان اكثر من اى وقت مضى .ولأنها امرأة لا تهتم بمشاعر احد غير مشاعرها اصرت على عدم البقاء

فى ضيعتهما وبدلا من ذلك انتقلا الى منزل اقرب الى لندن , منزل لا مكان فيه للخيل , ومع ان جايمس لم يكن مولعا بتلك الحيوانات مثلها , فقد افتقد المناسبات التى كان يحب فيها

التنزه على ظهور الخيل . مع ذلك كان قد أصبح اكثر قربا من منطقة عمله . وباستثناء حاجة واحدة , فقد نجح تماما فى التعود على الحياة الانفرادية
قال وهو يضع منشفة السفرة جانبا : " صباح الخير يا ديبوراه إنها مفاجأة غير متوقعة "
سألته دون مقدمات : فى أى ساعة ستكون فى المنزل هذا المساء يا جايمس ؟ "
فهز كتفيه مجيبا : " لماذا تسألين ؟ لدى موعدا لتناول العشاء مع توم ساوندرز ,. ولكنه ليس ضروريا إذا كان لديك ترتيب اخر "
فقالت وهي تنظر اليه بإمعان : " فهمت, أريدك أذن ان تأتى الى البيت لتناول العشاء , إن المربية ستصل هذا النهار كما تعلم وأحب ان تكون هنا لاستقبالها."
سكتت برهة وكأنها تقيم وقع كلامها عليه ثم عادت تكمل قائلة : " قد يحدث مشاكل بيننا وبين لورا , وافضل .. مساندتك"
وافق قائلا برصانة : " لابأس سأكون فى المنزل حوالى السادسة "
عند ذلك ابتسمت وقد زال مظهر التوتر عنها : " هذا حسن , سيكون الأمر تجربة مشوقة "
أزاح جايمس كمه لينظر الى ساعته الذهبية فى معصمه : الساعة تجاوزت التاسعة وعلى أن أذهب يا ديبوراه . سأراك هذا المساء "
- طبعا
أومأت ديبوراه برأسها فانحنى يقبل وجنتها دون أن يغفل عن إجفالها إزاء قبلته هذه . لم يكن مسموحا له أن يلقى يدا عليها ,فقد كان الاطباء اخبروه ان من الطبيعى ان يكون هذا

شعورها فى البداية , بسبب شللها , ولكن بدلا من ان يخف لديها هذا الشعور على مر السنوات , يبدو انه ازداد . ولم يكن هذا يعنى اعتراضه على ذلكوفى الواقع , كانت مشاعره

نحو ديبوراه قد ماتت منذ أخبروه كيف جازفت بحياة طفلهما الذى لم يكن ولد بعد . ولكنه كان يشعر أيضا أن ديبوراه وإن كانت تكره ملامسته لها , فستصاب بغيرة عنيفة إذا هو

اظهر اى اهتمام بامرأة اخرى
استغرق منه اجتياز الثلاثة وثلاثين ميلا التى تفصله عن عمله قرب محطة إمبانكمنت . ما يقرب من خمسين دقيقة . كان للمبني موقف سيارات خاص به , فترك سيارته " الجنسن

" بين يدي الموظف المسؤول تشارلس القديرتين , قبل أن يستقل المصعد الى " الروف " حيث دخل مكتب سكرتيرته بعد العاشرة تماما فمنحته السيدة سالى ابتسامتها المشرقة

المعتادة تحييه : " صباح الخير ., يا سيد جايمس . لقد استمر أبوك فى الاتصال بك طوال ربع ساعة
لم يبد الانزعاج على جايمس وهو يجتاز المكتب الخارجى الى مكتبه الخاص بخطوات متراخية : " أحقا ؟ وما الذى يريده ؟
فأجابت بالرغم عنها : "لا أظنه مسرورا تماما من الحسابات التي وصلته من درايبورن "
فأجاب جايمس بجفاء وهو يفتح باب مكتبه : " ولا أنا , امنحينى خمس دقائق ثم اتصلى به . اه , اهناك قهوة ؟
قالت السيدة سالى بلهجة غير عادية : " أظن أن أباك يريدك ان تذهب الى مكتبه مباشرة "
فرفع حاجبه ساخرا : " أننى اعلم ذلك , يا سيدة سالى . ولكنها لن تكون المرة الاولى التى يكون على ابى فيها ان يؤجل الانفجار "
كان المكتب واسعا . وكانت النوافذ تحتل جدارين منه واشعة الشمس تتسرب اليه من خلال شقوق ستائرها البلاستيكية . وكانت هناك مقاعد مريحة من الجلد , كما كانت الملفات

والاوراق تغطى المكتب المكسو بالجلد . كان هذا مكتب أبيه فى الوقت الذى كان جده فيه يدير مجموعة شركاتهم التي كانت باسم " صناعات بوث ". ولكنها اتسعت منذ ذلك الحين

. ورغم أن اباه هو الذى يسيطر عليها الان , الا انها لم تعد محصورة بالأسرة , وانما اصبح لهم شركاء من حملة الاسهم
عندما تلقى الاتصال من مكتب ابيه جاءه صوت أبيه روبرت بوث غاضبا للغاية : " أريدك فى مكتبى هذا بظرف خمس دقائق "
هتف جايمس المعتاد على تقلب طباع والده:
- سأكون عندك بعد خمس دقائق.
سمع جايمس أباه يضع السماعة من ناحيته بعنف , فوضع هو سماعته بحماسة أقل . ربما كان عليه ان يخبر الرجل العجوز بالأمر عند عودته منذ أسبوع , ولكنه يعرف ما كان

سيحدثه قول الحقيقة . " فصناعات بوث " متورطة ولو بشكل غير مباشر , مع مؤسسة عملاقة لتهريب المخدرات وهذا الخبر كفيل بالتسبب لأبيه بسكتة دماغية .
ولكن , لحسن الحظ تقبل والده خبر داريبورن بأفضل مما توقعه . كان من عادة روبرت فى اى امر يحدث ان يحول حديثهما الى امور شخصية , فسأله بطريقته الفظة : " هل

تتوقع ديبوراه من لورا ان تخضع الى هذا النوع من المعاملة؟ "
اجاب وهو يهز كتفيه : " لقد وافقتها انا على ذلك فى هذا الامر . فلورا اصغر من ان يسمح لها بالتورط مع عامل بناء أيرلندي "
قال الاب موافقا : " اه , انا اوفقك الراى تماما . فجون موني صديق غير مناسب لها ولكن ليست هذه هى النقطة , أليس كذلك ؟ فاحتجاز الفتاة فى البيت واحضار معلمة خاصة

لها لن يحل أى مشكلة "
- اتريد منا ان نعيدها الى " بوسكومب " ؟
- نعم , نعم , هذا ما اريده .
- وجونى ؟
- اعمل على نقله
- أحقا كيف ؟
- انه يعمل عند غارت يا رجل , أليس كذلك ؟ انت تعرف اندرو غارت . يمكنكما ان تتدبرا الامر .
- نفضل ان نقوم بذلك على طريقتنا الخاصة
- إذن فقد احضرتما مربية , مربية لفتاة فى سن لورا
- وما الذى تريدنا ان ندعوها به إذن ؟ معلمة ؟ لا بأس , ادعها بهذا الاسم اذا كان هذا يرضيك .
- ليس هذا ما اعنيه , وانت تعلم ذلك يا جايمس والى جانب ذلك . ظننتك تتجنب المربيات كما تتجنب الوباء .
تشنج جسم جايمس ومد ذراعه يريحها على ذراع مقعده :
- لاتقل أشياء تافهة
قال الاب الذى جاء دوره ليسخر منه : " أشياء تافهة ؟ أحقا ؟ لم يكن هذا رأيك حينذاك
- دع هذا الكلام
ارتد الاب بكرسيه وهو يقول : " أتساءل عما حدث لها . ولا ادري ما كان ليحدث لها إن لم ترحل ؟"
وقف جايمس فجأة وقد فرغ صبره وتوجه الى النافذة الواسعة المطلة على سطوح منازل لندن , ثم قال
- إنها تأملات لا ضرورة لها .
- ومع هذا , فأنا اتساءل عما كان سيحدث لو أن ديبوراه علمت بما كان يجري .
- ما كانت ديبوراه لتعلم بالأمر
- ربما حدث هذا
- لا , فقد اتخذت كافة الاحتياطات
هز روبرت بوث رأسه : " أنت تحيرنى يا جايمس , تحيرنى حقا . ففى وضعك هذا .. "
سكت لحظة ثم عاد يقول : " ان أية فتاة فى المكتب , وتلك اللواتي تتعرف اليهن فى المجتمعات . ماهذا يا راجل , ألا تشعر قط بالرغبة ؟ .."
- وما علاقة هذا بحسابات درايبورن ؟
قال الاب مشيرا بيديه نفيا : " لاشئ , لا شئ , اسف . ولكنك ابنى يا جايمس وامرك يهمني . وكذلك حياتك التى تعيشها , فهى غير طبيعية بالنسبة لرجل فى سنك .. "
قال جايمس وهو يسير نحو الباب بخطوات واسعة :
- آه , بحق الله عليك , أهذا كله بسبب إحضار مربية للورا ؟
- من تكون هذه المربية ؟ وما شكلها ؟ هل رأيتها ؟ هل تظنها رفيقة مناسبة لفتاة حساسة مثل لورا ؟
- لا أعلم عنها شيئا سوى ان لديها شهادة مثالية من مخدومها السابق . لورا بحاجة لتتعلم اللغتين الانكليزية والفرنسية وكذلك التاريخ , وهذه المراة قادرة على ذلك . وماذا اريد

غير هذا ؟ لا أظننى سأقابل تلك المرأة اكثر من مرتين او نحو ذلك .
- أظن ان ديبوراه قد قابلتها .
- نعم
- هل هى شابة ؟
- وما يدرينى ؟ وما اهمية ذلك بحق الله , يا أبى , ما الذى تتوقعه منى ؟ أن أنشئ علاقة عنيفة مع كل مربية تعترض طريقي ؟
وضع يده على مقبض الباب وتردد قليلا ثم عاد يقول : " اسمع , اعترف اننى ذات مرة... ولكنه كان شيئا لم استطع السيطرة عليه . الحمد لله انها هى تمكنت من ذلك , ولكنها

المرة الوحيدة التى "
سحب نفسا عميقا ثم أضاف : " انت تتساءل عما كان سيحدث لو بقيت , لا أدرى . صدقنى اننى لا ادرى . سبق أن القيت على نفسى هذا السؤال , خلت اننى سأثوب الى رشدى

بعد فترة فأنهى الامر "
عندما اصبح فى مكتبه لم يستطع ان ينبذ من ذهنه الاشياء التى قالها أبوه , فقد اعاد توظيف مربية لابنته الذكريات الماضية الى ذهنه , كان ابوه السبب غير المباشر فى لقائه

بالمرأة الوحيدة التى أحبها فى حياته . باستثناء امه . كانت تعمل فى تعليم ولدى فورستر أثناء الاجازة الصيفية لاعدادهم للامتحانات وكان آل فورستر اصدقاء لأبيه وقد اضطر

جايمس للذهاب الى هناك لعقد موعد معه . وهناك لم يستطع تجنب لقاء مربيتهم , وهذا لا عنى انه حدث اى شئ بينهما فى لقائهما الاول . فقد عرفت من هو بالتأكيد وعرفت انه

متزوج . كانت هادئة مهذبة معه , وما كان ليحدث بينهما اكثر من ذلك لولا سعيه هو الى ذلك . لم يحدث قط ان واجه امرا لا يستطيع السيطرة علي او رغب فى امرأة لايستطيع

الحصول عليها . بقى فترة يفكر فى طلب الطلاق من ديبوراه ولكنه علم ان ليس بإمكانه ذلك . فبجانب اعتمادها الكلي عليه , كانت هناك لورا ابنة العشر سنوات . كما علم ان

ديبوراه لن توافق على تركه بإرادتها ابدا . وان اختار الهجر , فلن يكون له الحق بعد ذلك فى رؤية ابنته . ولكنه لم يستطع الابتعاد عن الفتاة التى تطورت علاقته بها رغم ارادتها

تقريبا . عرف انها انجذبت اليه واستغل سحره فى اثارة مشاعرها ثم جاءت تلك العطلة الاسبوعية المشؤومة حين أقنعها بمرافقته.
تنهد فجأة وجر اليه صينية المراسلات . فلن تساعده استعادة ذكريات الماضى فى انجاز عمله . كما انها لن تفيد احدا . لم ينتج عن ذلك سوى انها تركته , وحتى الان لم يعرف الا

انها تعلم اطفالا فى احدى المدارس المختلطة الكبرى , وكان هذا ما تصبو اليه . فى ذلك الصيف الذى تعرف فيه اليها كانت فى الثامنة عشرة تنتظر ان تبدأ سنتها الجامعية الاولى

. ثمانية عشر عاما ؟ تجهمت ملامحه . كانت اكبر من لورا الان بسنتين , وكم كان عمره هو ؟ ثلاثين ؟ واحدا وثلاثين . كان اكبر منها باثنتى عشرة سنة على الأقل , وها

هو الان يساند ديبوراه فى رفضها لجون موني الذى هو فى الخامسة والعشرين من عمره , فهى تقول انه كبير بالنسبة الى لورا . هز رأسه , هل هو منافق ؟ اهو من الناس

الذين يزدرون ويشجبون الاخرين لقيامهم باعمال يتمنون هم القيام بها ؟ والاهم ان مونى غير متزوج على الأقل او اب
ضغط على زر الاتصال الداخلى يحدث سكرتيرته : " السيدة سالي , أه , نعم , هل لك أن تاتى من فضلك ؟
وترك جهاز الاتصال وحاول تركيز افكاره على ما امامه من رسائل , ولكن وجه فتاة كان يتراءى له على الورق : وجه بيضاوى , عينان خضراوان كبيرتان , شعر أشقر عسلي

بسيط كجدائل من الحرير , آه , يا الهى ! تملكه القنوط لانه سمح لابيه بالتحدث عنها . لقد كان قد نجح فى ابعادها الى عقله الباطن . وكون لورا ستحصل على معلمة عانس

متوسطة فى السن لتعلمها ما ينقصها من دروس , لا يستلزم منه استعادة ذكريات من الافضل نسيانها.

***********************

فخ المرايا



وقفت كارولين دوغلاس أمام محطة " ريدنغ " تتساءل عما قد تفعله ان لم تجد من يستقبلها كما كان الاتفاق . كان عليها أن تسأل عن العنوان . لكنها تعرف اسم مستخدمها واسم

الفتاة التى ستعلمها . وتعرف ان الاجر اكثر من سخى , فما الذى تحتاج الى معرفته اكثر من ذلك ؟ ولعل السبب الذى جعلها لا تطرح المزيد من الاسئلة هو عدم توقعها

الحصول على العمل , فمنذ اللحظة التى دخلت فيها الى غرفة الانتظار المحاذية للجناح الفاخر فى أحد أفخم فنادق لندن ورأت القائمة النهائية للمتقدمات , اقتنعت ان حظها قليل .

فالنساء الاخريات اللاتى كن ينتظرن المواجهة بدون جميعا اكثر خبرة . اما مؤهلات كارولين القادمة حديثا من مدرسة لإرسالية دينية فى سيريلانكا فبدت غير جديرة بالاعتبار

.
لقد تملكها العجب لأنهم وافقوا اساسا على إجراء مقابلة معها . ولكن دورها حان اخيرا .. دخلت الى الغرفة التى تجري فيها المقابلة حيث كانت امرأة فى سن غير محدد , ربما

فى الاربعينات كما ظنت كارولين , واسمها السيدة فروبيشر , القت عليها كثيرا من الاسئلة الشخصية . وبدا ان المرأة مهتمة بخلفيتها اكثر من اهتمامها بخبرتها .

فى نهاية المقابلة , عادت كارولين الى غرفة الانتظار فجلست مع سائر النساء بانتظار النتيجة , وكم كان ذهولها بالغا عندما برزت السيدة فروبيشر بعد دقائق لتعلن أن كارولين قد

حصلت على الوظيفة . وفيما بعد فقط , تمكنت من التأمل فى الأسباب التى جعلتهم يختارونها , فالفتاة التى ستعلمها فى السادسة عشرة ولعل أهلها فضلوا اختيار مرافقة شابة لها

.
ثار غضب تيم بطبيعة الحال ولكنها تتوقع ذلك .. لقد أمضت السنتين الاخيرتين فى سيريلانكا , لذا من الطبيعى ان يعترض على رحيلها مرة اخري . بعدما رأته يوميا لمدة عشرة

أسابيع . ادركت ان عليها ان ترحل . نعم تيم يعجبها لأنه بالغ الظرف ,.ولكنها لم تكن تحبه ولن تحبه ابدا . لم تعرف كيف ادركت ذلك , ولكن هذا ما حدث . فهو الشخص الوحيد

الذى مالت اليه حقا , ومع ذلك لا تتصور نفسها تقضى العمر معه . بوجه عام , لم يكن لديها وقت للرجال . فالرجال أنانيون عدوانيون لايحبون سوى أنفسهم , يريدون كل شئ

دون أن يقدموا مقابل ذلك اى شئ من أنفسهم . ففى سنوات مراهقتها تعرضت لتجربة أليمة تعلمت منها الدرس جيدا .

راحت تنتظر خارج محطة قطار " ريدنغ " , وليس لديها معلومات اكثر من ان رجلا اسمه غروم سيستقبلها ويحملها بسيارته الى وجهتها ,.وهو سائق السيدة فروبيشر الخاص .

لقد تأخر , نظرت الى ساعتها التى تحيط بمعصمها النحيل . تأخر ربع ساعة بالضبط .

- أنسة دوغلاس ؟

لم تنتبه الى من يقترب منها بسبب استغراقها فى افكارها , فرفعت بصرها بدهشة الى الشخص المرتدى البزة الرسمية الرمادية الواقف أمامها . ادركت انه السائق غروم . كان

رجلا معتدل الطول اشيب الشعر .

نظر اليها معتذرا , فاجابت كارولين ببرودة : " نعم "

لوى قسمات وجهه بشكل هزلى وهذا ما اشعرها بالعطف عليه : " الحمد لله لذلك ..فقد كنت شبه خائف من ان يتعبك الانتظار فتذهبين للتنزه فى مكان ما . لو فقدتك لقتلتنى السيدة

بوث "

" السيدة .. بوث ؟ "

تسمرت فى أرضها قليلا . ولكن ما لبث ان سري عنها . ربما السيدة بوث هي مدبرة المنزل !

نظر غروم الى حقيبتى الثياب بجانبها واجابها :

- نعم . اهذه كل أ متعتك يا آنسة ؟

حملت كارولين الحقيبة الصغيرة المحتوية على حاجياتها الخاصة وأومأت قائلة : " نعم , هذا كل شئ "


- إنها خلف الزاوية , يا آنسة .. اعنى السيارة , هلا اتيت من هذه الناحية ؟
اتسعت عينا كارولين ذهولا عندما رأت سيارة المرسيدس السوداء المستطيلة التى تنتظرهما . كانت من نوع السيارات التى لم ترها الا فى الافلام ,.وعندما جلست فى المقعد

الخلفى , شعرت بانها من الاسرة المالكة . سرت فيها رجفة من الرهبة فعلي ما يبدو ان فروبيشر من ذوي الثراء الفاحش .

صعد غروم الى مقعده خلف القيادة بعد ان وضع حقيبتها فى صندوق السيارة ثم سألها : " هل أنت مرتاحة ؟ " فابتسمت : " أنت تمزح بالتأكيد "

- نعم هي فسيحة , أليس كذلك ؟ كما انها رائعة عند السير ايضا . إنما على الاتوستراد , فهذه الطرق ليست لها .

وافقته كارولين على ذلك عندما قاد بخبرة بالغة فى الشارع الجانبي الضيق , وعندما توقفا امام اول اشارة سير حمراء , تابع يقول :

- يجب أن اوضح سبب تأخرى . السبب ان الانسة لورا اختفت , فمنذ الثانية من بعد الظهر ونحن نبحث عنها ولكنني أظن تلك القردة الصغيرة فى فينبورن .

شعرت كارولين بالانزعاج وسألته : " الانسة لورا ؟ اتعنى الفتاة التى جئت لأعلمها ؟ "

- نعم يا انسة , ليس هناك سوى انسة لورا واحدة .

- أمن عادتها الاختفاء بهذا الشكل ؟

- آه , لا , ليس من عادتها ذلك . ولكن .. حسنا , أظنها تعبر بذلك عن احتجاجها .

هزت كارولين رأسها قائلة : " تعبر عن احتجاجها ؟ انا اسفة لأننى بطيئة الفهم . إنما ما الداعي الى الاحتجاج ؟ "

رمقها غروم من خلال المرآة أمامه : " ليس من شأنى ذكر ذلك يا آنسة "

- لا . ولكن بما أنك قلت الكثير . فمن المؤكد ان بإمكانك ان تذكره بشكل استثنائى .


قطب غروم حاجبيه : " آه , الحقيقة انها لا تقبل فكرة المربية فى مثل هذا العمر "
- فهمت , افهم من هذا اننى لست الاولى إذن ؟


قالت ذلك وهى تستوعب هذا الكلام باستسلام . كان عليها أن تعلم ان الامور لن تكون كلها سهلة .


قال غروم وهو يتخطي مشاكل السير بسهولة الخبير المدرب : " بل أنت كذلك , يا أنسة . كانت السيدة الصغيرة فى بوسكومب فى الفصل الدراسي الماضى . ذهبت الى هناك منذ

كانت فى الثالثة عشرة "

شعرت برغبة فى أن تسأل السائق بصراحة عن السبب الذى يمنع الفتاة من العودة الى هناك , ولكنها سيطرت على نفسها . لعلها طردت .. واذا كان هذا هو السبب فهذا لا يبشر

بعلاقة مسالمة .


- ولماذا برأيك ذهبت الى " فينبورن " ؟ انه المكان الذى ذكرته , أليس كذلك ؟

- نعم يا آنسة , حسنا . ففى فينبورن أمكنة للاتصالات التليفونية , والانسة لورا من المولعات بالاتصالات التليفونية

عقدت كارولين حاجبيها : " أليس فى المنزل تليفون ؟ "

ضحك غروم قائلا : " بل يوجد العشرات منه .. ولكن الاتصالات فى المنزل مراقبة من قبل السيدة فرينتش وهي مدبرة منزل السيد بوث , وانا ... "

- السيد بوث ؟

- نعم , يا آنسة . تحب الانسة لورا ان تكون اتصالاتها التليفونية خاصة , ويمكنك ..

عادت كارولين تقول : " السيد بوث ؟ من ... من هو السيد بوث ؟"

نظر غروم اليها من فوق كتفه بسخرية : " هل تمزحين ؟ "

هزت كارولين رأسها : " لا "

عقد غروم حاجبيه : " وانت الانسة دوغلاس ؟ الانسة كارولين دوغلاس التى تقصد ميتلاندس ؟ "

- حسنا , لم اعرف بالضبط المكان الذى سأقصده , أننى كارولين دوغلاس فعلا . لماذا ؟

- أرجو المعذرة , لاننى اظن انه كان عليك معرفة من هو مخدومك .

- مخدومى
- نعم , يا آنسة . السيد بوث .

هتفت كارولين مبهوتة : " ولكننى توظفت عند سيدة تدعى فروبيشر "

عقد غروم حاجبيه : " احقا يا انسة ؟ آه . نعم . لابد انها السيدة أيرين فروبيشر ,وهى صديقة حميمة للسيدة بوث , لعل السيدة بوث أوكلت اليها هذه المهمة فالسيدة معاقة "

خفق قلب كارولين بعنف وشعرت بشئ من الغثيان : " السيدة بوث .. معاقة ؟ أتعنى انها تلازم كرسيا بعجلات ؟ "

- نعم , انها كذلك فى الواقع . فهل سبق ان سمعت بها ؟ كان على ان احزر ذلك نظرا لمكانة زوجها الاجتماعية .

قالت كارولين وهي تلعق شفتيها الجافتين :


- آه , نعم . سمعت بها .

أومأ غروم برأسه ثم أبطأ سيره لأن جماعة من التلامذة يقطعون الشارع بقيادة مرشد . إنهما الان فى ضواحي ريدنغ . ولابد انهما اصبحا غير بعيدين عن .. عن ماذا ؟

ميتلاندس ؟ نعم , هذا هو الامر . ميتلاندس ! لم تعرف قط اسم المنزل , ولكنها حينذاك لم تعرف الكثير عن حياته الخاصة لأنه حرص على ذلك .
- انا ..

سكتت عندما التقت عيناها بعينى غروم فى مرآة السيارة .

- نعم يا آنسة .

- آه , لا شئ .


جذبت نفسا ثابتا وهي تحاول ان تفكر بشكل مترابط . ماذا ستفعل ؟ لقد أقحمت نفسها فى عمل عند الرجل الوحيد الذى كانت ترجو ألا تراه مرة اخرى ولكن كيف حدث هذا ؟ لم

تعد من سريلانكا منذ وقت طويل , والاعلان الذى قرأته فى صحيفة " التايمس " كان ملائما كليا . لاشك انه علم بذلك فخطط للأمر , وهذا هو السبب الذى جعل تلك السيدة

تختارها دونا عن أولئك المتقدمات . ما هي لعبته ؟ وكيف يجرؤ على إدخال الفتاة التي أراد ذات يوم أن يجعلها خليلته الى منزله ؟ ألا يشعر بالخجل ؟ ألا يخشى انها قد تذهب

الى زوجته وتخبرها بعلاقتهما السابقة ؟ يا له من عمل حقير !

تحركت فى مقعدها بضيق . ماذا تفعل بهذا الشأن ؟ لقد دفعوا لها أجر شهر مقدما والواقع انها أنفقت قسما من ذلك المبلغ ,. فالاجر الذى كانت تتقاضاه فى سريلانكا كان قليلا .

وعندما عادت الى لندن وجوها البارد احتاجت الى ملابس جديدة مناسبة , كما كان عليها ان تدفع اجر مسكنها المؤقت وثمن الطعام . لولا كل ذلك لطلبت من غروم ان يعيدها الى

المحطة , ولكن كيف لها ذلك مع ظروفها تلك ؟

هاهما الان يجتازان حقول الذرة الخضرا التى كانت بطور النضج , كان الجو دافئا فى عصر ذلك اليوم من شهر أيار وكان عليها ان تشعر بالغبطة لأنها ستعمل فى هذه المنطقة .

ولكن كل ما استطاعت التفكير فيه هو انها سجنت , وقعت فى الفخ ...

كان غروم يراقبها من خلال مرآته . فجأة انتهبت الى تحديقه الفضولى بذلت جهدا لتسيطر على ملامح وجهها ثم راحت تركز بصرها على مشهد القرية التى استطاعت رؤيتها

أمامهما .

سألته باتزان ملحوظ : " أية قرية تلك ؟ "

قال غروم وهو ينظر حوله متفحصا على أمل العثور على المراهقة الضائعة :

- هذه فينبورن وهي مكان صغير

قالت له : " شكرا , هل هي بعيدة عن .. ميتلاندس ؟"
- ليس أكثر من ميلين او ثلاثة , فالأنسة لورا تأتى احيانا الى هذا المكان على دراجتها الهوائية ..انها تلح على ابيها للحصول على دراجة ولكن اباها لم يسمح لها بذلك . وهذا

ليس بمستغرب فى الواقع , فالانسة لورا فتاة عنيفة الطباع لذا قد تسبب لنفسها كارثة .

________________________________________
لوت كارولين طوق حقيبة يدها بأصابعها بشدة وقالت متلعثمة : " هل .. هل السيد بوث .. والد متشدد ؟"

ضحك غروم بهدوء : " أحيانا يا آنسة , احيانا . لا لزوم للقلق من تلك الناحية يا آنسة ,.فهو مخدوم جيد عادل ولكنه حازم لذا لن تتعرضى لأية مشكلة معه . اذا كان هذا ما تفكرين

فيه .

هل هذا صحيح ؟ ليتها قادرة على الشعور بكل هذه الثقة !

استدارت السيارة حول منعطف فى الطريق , فرأت أمامها جدارا قرميديا عاليا يمتد على طول الطريق لينتهى ببوابة من الحديد المشبك كانت مغلقة أمامهما .


- ها نحن هنا يا آنسة في ميتلاندس .


اعلن السائق ذلك وهو يضغط بوق السيارة أثناء اقترابه , ثمة شقة للبواب قرب البوابة خرج منها رجل فلما عرف غروم , رفع يده بالتحية ثم عاد الى داخل الغرفة ليحرك بعض

الالات وهذا ما جعل البوابة تتحرك .


قال غروم : انها تتحرك أليا . على المرء ان يكون حذرا هذه الايام .


عندما دخلت السيارة من خلال البوابة , عاد جسم كارولين يقشعر خشية : إنه سجن حقا .. وكم ضايقتها هذه الفكرة

ما لبثت خشيتها أن زايلتها مؤقتا عندما لمحت المنزل . انه مبنى من الحجر ويتعرش نبات اللبلاب على جدرانه , وشجر الياسمين يتسلق الاعمدة التى تسند الشرفة الواسعة .

كانت النوافذ مستطيلة مقوسة , ثم رأت بابين واسعين يؤديان الى الشرفة من الخلف .

وللشرفة درجات منخفضة . والواقع ان المكان يحتوى على كل ما كانت تتصور ان يحتويه منزل , وما كانت لتكون من البشر ان لم تشعر بالمتعة البالغة لمظهره هذا , ثم فجأة

عادت الى الواقع فقد رأت شخصا على كرسى بعجلات يخرج الى الشرفة من الباب المفتوح .


أوقف غروم السيارة امام درجات الشرفة ورفع قبعته محييا المرأة الجالسة فى كرسى العجلات ثم فتح باب كارولين الخلفى فترجلت بدورها انما بتمهل تشعر بتوتر فى أعصابها

ونظرت الى ملابسها بحركة الية لكي تطمئن بذلتها المصنوعة من الصوف الممتاز بسيط الطراز انما انيقة للغاية وملائمة لمربية مثلها . كذلك كان شعرها ممشطا الى الخلف عن

وجهها ومكوما عند رقبتها باستثناء خصلتين التفتا بجانب اذنيها .

تقدمت كرسي العجلات الى مسافة تبعد قدما عن درجات الشرفة.نادت المرأة : " اصعدي يا آنسة دوغلاس . فمن الصعب علي النزول اليك كما ترين "


فصعدت الدرجات الى الشرفة بساقين مرتجفتين . ومدت السيدة بوث يدها : " كيف حالك يا آنسة دوغلاس ؟ ما أحسن أن نراك أخيرا "



صافتحها كارولين بأدب وقالت : " كيف حالك ؟ "


شعرت بالاحتقار تجاه نفسها لأنها لم ترغب فى لمس المرأة التى كانت زوجته , ولكن جمالها كان من الروعة بحيث لايمكن إنكاره . عادت تتساءل من جديد كيف بإمكانه ان يفعل

شيئا كهذا .. لزوجته ؟

كانت السيدة بوث قد عادت تقول : " هل استمتعت برحلة جيدة ؟ آسفة لتأخر غروم فى استقبالك ولكنه شرح بلا ريب ما وقع لدينا "


- لقد .. لقد قال شيئا ما .



عند ذلك كان غروم يصعد الدرجات حاملا حقيبتي كارولين , فحولت السيدة بوث انتباهها اليه لحظة : " احملهما الى الردهة فقط يا غروم وستتصرف السيدة فرنتش بهما فيما بعد

, شكرا "


نفذ غروم التعليمات اما المرأة فأعادت انتباهها الى كارولين : " هيا بنا الى الداخل , لاشك أنك متلهفة الى كوب شاي او شراب منعش فى مثل هذا الجو البديع "



انساب كرسي العجلات امام كارولين مجتازا العتبة المقوسة الى ردهة فسيحة باردة مكسوة بخشب السنديان . وكانت على الأرض سجادة مشمشية اللون تمتد على الدرج

العريض اما على الجدران فكانت عدة رسوم أحبت كارولين تأملها , ولكن السيدة بوث كانت تتقدمها الى غرفة جلوس فسيحة وسرعان ما انصرف انتباه كارولين الى نماذج

مصغرة لصور رائعة اصطفت على الرف الرخامي القائم فوق المدفأة.


سألتها المراة وهي ترى اهتمامها : " هل تحبين جمع التحف يا آنسة دوغلاس ؟"

هزت كارولين رأسها بسرعة : " لا افهم فيها الا قليلا , ولكنها رائعة الجمال "


حولت كارولين انتباهها بعيدا عن الصور , قائلة : " إنها غرفة رائعة "


وكانت كذلك . فقد كانت السجادة العاجية اللون منسجمة كليا مع الاثاث الخشبى الداكن اللون , ومع الستائر الحريرية العاجية والذهبية . هذه الغرفة من الغرف التى لم تر

كارولين مثلها الا فى الافلام . ومع ذلك , فلم تكن غرفة يمكن للمرء ان يستريح فيها .

قالت السيدة بوث وهي تستدير بكرسيها : " اننى مسرورة لانها اعجبتك "


ثم سمعت نحنحة شخص ما عند الباب فقالت : " اه , هذه هى السيدة فرينتش . احب ان اقدم اليك مدبرة منزلنا , يا انسة دوغلاس , هل لك ان تهتمى بنقل حقائب الانسة دوغلاس

الى غرفتها ؟ كما اننا نريد تناول الشاى "

خرجت مدبرة المنزل التى بدت امرأة صموتا , طويلة القامة نحيلة البنية سوداء الشعر والعينين , خالية من الجمال والغريب انها لم تفه بكلمة ترحيب بالمربية الجديدة .

اشارت السيدة بوث الى كرسى تدعوها الى الجلوس : " ألا تجلسين ؟ انك بوقوفك هناك تجعلين وضعى صعبا .انك طويلة القامة , اليس كذلك يا انسة دوغلاس ؟"

سارعت كارولين للجلوس على الكرسي المشار إليه .


قالت بلهجة آلية : " طولى مئة وسبعون سنتمترا .. سيدة بوث "

ثم قالت بلهجة عرجاء : " انا .. هل .. هل عثرت على ابنتك ؟"

- لورا ؟ آه , نعم . عثرنا عليها اخيرا . لقد كانت فى نزهة على دراجتها الهوائية . اخبرتها ان عليها فى المستقبل ان تخبرنا عن المكان الذى تقصده .

قالت كارولين وهي تتحرك فى جلستها : " فهمت . بالنسبة الى .. الى المقابلة "

- نعم ؟

- لقد فهمت ان السيدة فروبيشر

- هل حسبتها صاحبة العمل ؟ اه , لا . كيف واتتك هذه الفكرة ؟ ألم تشرح لك الامر ؟

- لا , مع الاسف


فبدا الاهتمام الصادق على المرأة :


- آه , هذا امر سئ , سئ جدا . ولكن هل شكل الامر فرقا ؟


اطمئنك الى ان سمعتنا مشرفة كسمعة آل فروبيشر تماما .


- واثقة من ذلك لكن ..


فتنهدت المرأة الجالسة امامها بعمق :


- آنسة دوغلاس , آنسة دوغلاس انك ترين حالتى , أليس كذلك ؟


امرأة عاجزة مرغمة على قضاء بقية حياتها فى هذا الكرسى مقعدة بشعة . انك لا تعرفين ما يعنى هذا يا آنسة دوغلاس , وهو ان تكونى معتمدة كليا على الاخرين . تخجلين من

الشفقة التى يبديها نحوك اى شخص . اننى اتجنب مقابلة الغرباء ولا احتمل استعلاء الاخرين على . اه , قد تظنيننى حمقاء انانية وربما كنت كذلك ولكننى خلقت هكذا . ولهذا لم

استطع القيام بالمقابلة .. لم استطع اجراءها . ومن حسن الحظ ان السيدة فروبيشر وهي صديقة لي عزيزة , تطوعت بالنيابة عني فى هذا , فارجو الا تشعرى بالغيظ للاختلاط

البرئ الذى حدث بالنسبة للأسماء . اؤكد لك ان لورا بحاجة ماسة الى مشرفة جامعية عليها , وانا متلهفة الى فتاة شابة اتحدث اليها .

ابدت كارولين اشارة تنبئ عن عجزها : " انا .. انا فقط اتساءل عما اذا كنت املك المؤهلات الضرورية "


- انا مسرورة بمؤهلاتك وكذلك زوجي .


سكتت مرة اخرى فغضت كارولين بصرها واخذت تنظر الى يديها المشتبكتين فى حجرها وتورد وجهها قليلا


أردفت المراة : " انك من تحتاجها لورا بالضبط , فتاة شابة مرنة الطباع , فتاة قد تكون صديقتها ومربيتها فى آن "

لم تستطع كارولين التفكير فى جواب لهذا , ومن حسن الحظ ان السيدة فرينتش اختارت هذه اللحظة لتعود . كانت تدفع أمامها صينية موضوعة على عربة بعجلات وضعت عليها

طقم شاي من الخزف الصينى غاية فى الجمال والرقة . هذا عدا عدة أطباق فيها شطائر وكعك وقطع حلوي .


أشارت السيدة بوث الى مدبرة المنزل بدفع العربة الى قربها وهي تهتف : " آه ,الشاي , شكرا يا سيدة فرنتش هل غرفة الانسة دوغلاس جاهزة ؟ "


- نعم يا سيدتى


سكبت السيدة بوث الشاي . فى هذه الاثناء راحت كارولين تتأملها عن قرب .


هي امراة جذابة فى اواخر الثلاثينات من عمرها , نحيفة سوداء الشعر قد سرحت شعرها يد خبيرة , وبشرتها خالية من التجاعيد . قبل الحادثة كانت قادرة على جذب عدد كبير

من المعجبين المتحمسين بمن فيهم جايمس بوث , ولهذا تزوجها . ثم عندما سئم من القيام بدور الممرضة لزوجة معاقة , اخذ يفتش عن متعته فى مكان اخر .


قالت السيدة بوث : " فهمت انك عدت منذ فترة وجيزة من الهند يا آنسة دوغلاس . اهذا هو سبب هذه السمرة الرائعة التى أراها ؟"

ارغمت كارولين نفسها على التصرف بشكل طبيعى :


- انا .. كنت فى سيلان , فى الواقع . سريلانكا , نعم عدت منذ شهرين فقط .



- هل أعجبتك الحياة هناك ؟


- الجو هناك حار غالبا , والرطوبة شديدة . ولكنني اكتسبت خبرة فى الحياة .


قالت المرأة وهي ترشف الشاي متأملة : " نعم , هل تحبين .. الخبرات , يا آنسة دوغلاس ؟"


عقدت كارولين جبيتها : " ليس تماما "


ابتسمت السيدة بوث معتذرة : " أسفة لاننى عبرت عن ذلك بشكل سئ .. كان على أن اقول هل تحبين المغامرات ؟ "

هزت كارولين كتفيها : " آه , فهمت . ظننت ان العمل فى بلاد اجنبية سيكون امرا ممتعا "


- وهل كان كذلك ؟

- نعم , ولكن العودة الى البيت شئ حسن .

عقدت السيدة بوث حاجبيها : " وهل لديك بيت ؟ فهمت من السيدة فروبيشر أنك .. "

- آه , لا . فهمت ما تقصدينه .. عنيت بيتى وطني انكلترا . ولكنك على صواب , ليس عندي بيت حقيقى هنا لقد توفى والداي عندما كنت فى العاشرة , فأمضيت السنوات السبع

التالية من حياتي في بيوت للرعاية . ثم .. ثم ذهبت الى الجامعة .

- وماهى هواياتك آنسة دوغلاس ؟

ترددت كارولين : " ليست كثيرة . اننى استمتع بالقراءة والموسيقى وكنت اسبح كثيرا فى سريلانكا . اننى احب السباحة "


أشارت السيدة بوث الى الحديقة الظاهرة من خلال النافذة المستطيلة : " حسنا , لدينا بحيرة سباحة طبيعية هنا غالبا ما يستعملها زوجي , وهناك ايضا مسبح فى المنزل استعمله

كجزء من علاجي , ولكن إذا أردت ان تسبحي معي فيه .. "


- أشكرك

- وماذا بالنسبة الى .. الاصدقاء الشبان ؟


اجابت كارولين التى شعرت بالضيق مرة اخرى : " انا .. لا , ليس لدي صديق بشكل جاد . هذا هو الامر "

لو سمع تيم ما قالته لامتعض واغتاظ !


- جيد .. جيد
ابتسمت السيدة بوث مرة اخرى , وشعرت كارولين بالدفء لما تراه منها من مودة .

- أظننا سننسجم معا كليا . فأنت ما تحتاجه لورا بالضبط , وما نحتاجه جميعا , والان هل اقدم لك مزيدا من الشاي ؟



رفضت كارولين ذلك , وساد الصمت بينهما عدة لحظات , ثم وجدت كارولين نفسها مرغمة على ان تسال :


- متى أقابل .. لورا سيدة بوث ؟


كانت ضحكة المرأة الاكبر سنا مرحة موسيقية :


- من الطبيعى ان تشعرى بلهفة للقاء تلميذتك ,. لقد استمتعت بحديثنا هذا كثيرا حتى نسيت سبب وجودك هنا .


لم تستطع كارولين ان تصدق هذا , ولكنها تجاوزت عنه .


- هل لدى ابنتك مربيات اخريات يا سيدة بوث ؟


ترددت المرأة ثم قالت : " لا , ألم تشرح لك السيدة فروبيشر الأمر ؟ كانت لورا فى مدرسة داخلية , ولكنها قبل عيد الفصح بالضبط أصيبت بالتهاب رئوي . فقد كانت من الحماقة

بحيث خرجت بدون معطف اثناء العاصفة . فقررنا انا وزوجى ان من الافضل لها ان تتعلم فى البيت "


- فهمت , ولكنها شفيت الان ؟


- آه , نعم , انها معافاة الان . ولكنك تعلمين كيف يكون الامر عندما يكون الولد وحيدا لوالديه ؟ فهما يكونان شغوفان به للغاية.

لم يكن هذا متطابقا مع ما حدثها به غروم . ولكن كارولين من الفطنة بحيث علمت ان الوالدين لايرون دوما الامور من الزاوية التى يراها بها الاخرون , وما زاد فى انزعاجها

هو ان جايمس كذب عليها بالنسبة الى لورا ايضا , فقد اكد لها دوما ان زوجته لا تجد وقتا تنفقه على ابنتهما ,وان لورا ستعانى كثيرا اذا طلب الطلاق , فلو طلب الطلاق لما

استطاع رؤية الطفلة مرة اخرى الا نادرا .

قالت المراة الاخرى : " لا اقول ان لورا موافقة على ترتيباتنا هذه بشأنها . فهى ... فتاة مستقلة الشخصية , وبرأيها اننا نبالغ كثيرا فى اثارة هذه الضجة بشأن مرضها . ولكن

هكذا هم الآباء "

جاءت جينى الخادمة فرافقت كارولين الى غرفتها . تقع غرفتها فى اخر الممر المتشعب الى الشمال فى قمة الدرج وعند اليمين ثمة درابزين رائع الجمال شكل فسحة تشرف

على الردهة وكانت الابواب تفتح على هذه الفسحة , وبينها كانت تقوم تحف فنية .

الغرفة التى خصصت لها بالغة الاتساع . سقفها العالى المنحوت يشرف على سرير مربع ذى اربعة اعمدة , وكان هناك مكتب صغير ذهبي الجوانب وكرسي مريح مواجه

للتليفزيون , كانت النوافذ المستطيلة تطل على حدائق المنزل الخلفية , واسفل منها هناك الشرفة التى تؤدى الى مرج اخضر وحديقة ورود . وخلف ذلك كانت هناك شبكة حديدية

خلفها تألق مياه خضراء , ربما تشير الى وجود البحيرة تلك البحيرة الطبيعية التى غالبا ما يستعملها جايمس ..


عادت تواجه الغرفة مرة اخرى , مبعدة تلك الافكار المزعجة جانبا . كان الحمام الملحق بالغرفة يماثلها جمالا واناقة . كانت المرايا تغطى الجدران فسبب لها هذا صدمة اذ رأت

فيه نوعا من عدم الحشمة , وكانت هناك خزانة فى الجدار تحتوى على مجموعة كبيرة من عطور الحمام والبودرة والمحاليل وكل ما يساعد على لذة الاسترخاء فى المياه الدافئة

المعطرة .


فتحت كارولين صنابير المياه لعل الحمام يهدئ من اعصابها ويساعدها على تحليل الامور التي تواجهها .


* * *


لم يرد الاستحمام الى كارولين غير القليل من ثقتها بنفسها , فأخذت تنقب فى حقائبها التى احضرتها السيدة فروبيش الى غرفتها . لقد طلبت السيدة منها موافاتهم هى وزوجها

ولورا الى المكتبة فى تمام السابعة , ولم تكن كارولين تعلم سبب هذا الاستدعاء كانت تسرح شعرها امام مرآة منضدة الزينة عندما سمعت طرقا على الباب .


سرعان ما توترت اعصابها ولكنها قررت اذا كان جايمس نفسه وراء الباب ان تخرج من البيت مباشرة .


- نعم ؟


جاء صوتها فظا عنيفا , ولكن ما لبث الضعف ان تملكها وهي تسمع صوتا أنثويا فتيا ينادي : هل استطيع الدخول ؟ " قطبت كارولين حاجبيها وتركت الفرشاة من يدها , ثم تناولت

معطفها المنزلي الحريري الذى ارتدته لدي خروجها من الحمام واجابت : نعم , ادخلى.


الفتاة التى دخلت هى ابنة جايمس حتما , لانها من الشبه به بحيث شعرت كارولين بصدمة حقيقية لذلك . كانت نحيفة القد ذات شعر قاتم وعينين عميقتين بنيتن وبشرة سمراء .

دخلت الى الغرفة وهي تنظر الى ما حولها بحذر وكأنها شبه خائفة من ان تكون كارولين برفقة احدهم ..


بعدما أغلقت الباب , قالت : مرحبا .. انا لورا .

انقبضت اصابع كارولين في جيبي معطفها وهي تواجه الفتاة التى ترتدي بنطلون الجينز : " نعم , أدركت انك قد تكونين القادمة "


منحتها لورا ابتسامة مختصرة : " وانت الأنسة دوغلاس طبعا . رأيتك عندما وصلت "


- رأيتنى ؟


فقالت لورا بسرعة :


- من نافذة غرفتي . إنها تشرف على طريق البيت , لقد كنت مسجونة هناك منذ عودتي من فينبورن منذ فترة .


شعرت كارولين بعينها تتسعان وهي تقول : " احقا ؟ "


- نعم , ألم تخبرك أمي ؟ يبدو ان غروم تأخر فى الذهاب لاستقبالك والسبب انا

لم تشأ كارولين الانحياز فى هذا الشأن , فقالت : "ربما قالت شيئا بهذا الخصوص "


- أظنها فعلت , اذا كان عليها ان تقدم اليك سببا لعدم لقائى بك , أليس كذلك ؟

فاجابت كارولين بلين : "هذا غير ضرورى .. فقد فهمت اننى سأقابلك فيما بعد هذا المساء "


- آه ! حسنا , على كل حال , اريد محادثتك اولا . اريد منك ان تعلمى باننى لا احتاج , ولا اريد , مربية . فإن لم يكن بإمكانى ان اكمل تعليمى بالطريقة التى يكمل بها كل

اصدقائى تعليمهم , فلن أتعلم شيئا بعد الان. وان ظننت اننى قد اتعلم بهذه الطريقة فاعلمى انك تهدرين وقتك .

- أحقا ؟


شعرت كارولين رغما عنها بالاعجاب بصراحتها التى قد يعتبرها بعضهما وقاحة .


عادت تقول : " ألا تظنين ان والديك يستحقان منك مقدارا اكبر من الاعتبار ؟ "


رفعت لورا كتفيها : " والداي ؟ لا اعلم ما الذى اخبرتك به امى ولكننى استطيع التكهن , لا أظنها اتت على ذكر جون , اليس كذلك؟"



- جون ؟


قالت لورا بعناد : " انت لا تعرفين . آه , حسنا , سأخبرك على كل حال , انهم يبعدوننى عن المدرسة لأننى احببت شابا يعمل فى طريقة ينشتونه قرب المدرسة "

قالت كارولين مبهوتة : " لورا , ارجوك , لا اريد ان اعلم "

- ولم لا .. فأنت ستعلمين ذلك عاجلا ام آجلا إذا انت بقيت هنا , لأننى لن أتخلى عنه .

حدقت كارولين الى الفتاة التى كانت تواجهها ثائرة , ثم تنهدت . اذن فهذا هو الامر ؟ يبدو هذا منطقيا اكثر من الحديث عن مرض سابق .


ان شابا يعمل فى بناء طريق لايبدو مناسبا على الاطلاق لصغرى فتيات أسرة بوث . تسلل الى نفسها شعور خفي بالعطف عليه , مع انها كانت مقتنعة ان لورا اصغر من ان تقع

فى غرام اى شخص كان.


ثم سألتها وقد تملكها الفضول :

- و ... وما هو عمل ذلك الشاب ؟

أجابت لورا بحرارة وحماسة : " إنه مهندس واسمه جون موني "


قالت كارولين بلهجة جافة : " ما دام مهندسا فهذا يعنى انه يكبرك بكثير "

عاد التمرد الى ملامح لورا والتهبت عيناها غصبا : " وماذا فى ذلك ؟ وما شأن العمر بهذا ؟ فالمهم المشاعر "


تنهدت كارولين : " أفهم من هذا انه سبق لهذا الجدال ان قام بينك وبين والديك "


- هما لا يتفهمان .. إنهما اكبر سنا من ذلك

- أليس قول ذلك سهلا ؟ ربما هما أكثر تفهما منك


ارتفع صوت لورا بحدة لما شعرت به من خيبة الامل .


- آه , ان عليك ان تقولى ذلك فأنت بجانبهما . كان على ان اكون اكثر حكمة من ان اظن ان اى شخص يعمل عند امى سوف ..


فجأة انفتح الباب بعنف ووقف بالعتبة رجل جذاب يحملق فى الفتاة الصغيرة وهو يقول بغضب بالغ : " لورا , ماذا تظنين انك تفعلين بحق الله ؟ اسمع صوتك من اخر الممر .

كيف تجرؤين على القدوم الى هنا لإزعاج .. "


انتقلت عيناه الى الفتاة الاخرى فى الغرفة ثم إذا بهما تضيقان بعدم التصديق : كارولين !


تمتم بذلك ثم تمالك نفسه بجهد شعرت هي أنه بالغ للغاية .


عندما رأت كارولين ان لورا قد استدارت الان لتنظر الى مربيتها الجديدة بفضول بالغ , علمت انه من المنتظر منها ان تقول شيئا فاستطاعت ذلك بهدوء لم تكن تعلم انها تملكه : "

مر .. مرحبا يا سيد بوث , ما أجمل ان أراك مرة أخري "



- هل تعرفان بعضكما بعضا ؟


منحها سؤال لورا واستغرابها وقتا يقومان فيه الوضع . ولولا شعور كارولين بمثل هذا الغضب البالغ والازدراء لدي رؤيتها هذا الشخص الطويل القامة الرشيق الجسم , لربما

تملكها الاعجاب لسرعة تملكه لاعصابه . فقد محا زلة لسانه هذه وكانها لم تكن .


التفت الى ابنته قائلا : " لقد تعارفنا انا والانسة دوغلاس منذ سنوات , عندما كانت تعلم لمدة معينة . ولكن مع ذلك يا لورا اريد منك تفسيرا لتصرفك هذا "

اجابت لورا وهى تزم شفتيها : " اسفة اذا كنت سمعتنى . كنت فقط اضع الانسة دوغلاس فى الصورة "


نظر جايمس الى ابنته برصانة , فأخذت كارولين تراقبهما وقد قارت الذكريات المؤلمة فى نفسها . ان هذا بيته , وزوجته , وابنته . وقد كان على استعداد لتعريضهم جميعا للخطر

مقابل عدة ساعات يمضيها فى فراشها .

وكان الان يقول : " اذهبى الى غرفتك يا لورا وغيري ملابسك الى شئ مناسب ثم التحقى بنا انا وامك والانسة دوغلاس الى غرفة المكتبة , هل تفهمين ؟ "

تمتمت لورا بوجه متجهم الملامح : " أنا لست جائعة "


- ومع ذلك ستنفذين ما أطلبه منك . ام تريدين ان تظن الانسة دوغلاس انك اصغر مما كانت تظن ؟


- آه , آه , لا بأس


اندفعت لورا خارجة من الغرفة اما جايمس فرافقها حتى اصبحت فى الممر ثم توقف والتفت ناظرا الى كارولين , وقال بلهجة ملؤها التكلف : " اننى اسف , ان لورا صعبة

المراس كما ترين "


- نعم .


ولم تستطع ان تفكر بجواب غير ذلك .


عاد جايمس يحدق اليها لحظة اخرى , ثم حرك كتفيه وقال : " المعذرة ! زوجتي تنتظرني "


سار مبتعدا فاندفعت كارولين تصفق باب الغرفة ثم استندت اليه وهي ترتجف . كان الاضطراب والذهول يتملكانها , فبقيت عدة دقائق فى هذا الوضع تجاهد لتتمالك نفسها . واخيرا

, انتصبت واقفة , ثم سارت الى منضدة الزينة حيث التقطت فرشاة الشعر مرة اخرى وهي تفكر شاعرة بالدوار , بأن وجهها ما زال يبدو كما هو بالضبط , باستنثاء انه اكثر

شحوبا عما كان عليه عندما خرجت من الحمام . أخذت تفكر وهي تمشط شعرها الكث . يقولون ان الكراهية تبدو فى العينين . ولكن لم يبد فى عينيها سوي الارتباك ومع ذلك فقد

شعرت الان انها تكرهه اكثر مما كرهته قط .

* * *
________________________________________
عندما أتمت كارولين زينتها وارتدت ملابسها وهبطت الدرج , كانت الساعة قد تجاوزت السابعة . كانت يداها من الارتجاف بحيث لطخت وجنتيها بالكحل , ثم أراقت عطرها

المفضل على السجادة , وهذا ما جعل رائحة غرفتها أشبه برائحة معمل تقطير الكحول ومع ذلك أصبحت جاهزة اخيرا , رشيقة القامة , جذابة . كانت ترتدى سروالا مخمليا

اسود وبلوزة بيضاء طويلة الكمين . وكان شعرها كالعادة معقودا على رقبتها من الخلف وهذا ما جعلها تبدو هادئة كما كانت ترجو .

عندما وصلت الى الطابق السفلى , كانت السيدة فرنتش فى الردهة , فأرشدتها الى غرفة المكتبة حيث واجهها باب مغطى بالجلد . لما سمعت غمغمة اصوات فى الداخل , طرقت

الباب وسرعان ما انفتح . ورأت المرة الثانية هذا اليوم جايمس الذى حياها بإيماءة خفيفة من رأسه , اما هى فحولت انتباهها الى المرأة الجالسة الى يمين مدفأة ضخمة مؤطرة

بالخشب . رأتها السيدة بوث فأشارت اليها بأن تتقدم هاتفة : " ادخلى , يا آنسة دوغلاس . كنا نتحدث عنك , اسفة لما لقيته من ازعاج من لورا "


دخلت كارولين الى الغرفة المليئة بالكتب على كره منها وهي تقول : " لم يكن هناك ازعاج , اسفة لأننى جعلتكم تنتظرونني "


- لا داعى للأسف

بدت المرأة , هذا المساء , انيقة فى ثوب طويل احمر اللون مطرز الحواشي والعنق .


قالت السيدة بوث : " تفضلى بالجلوس , اخبرنى زوجي انه سبق ان قابلك "


تورد وجه كارولين ولكن لم يكن هناك سبيل الى منعه , فتمتمت تقول بشئ من السخافة : " أحقا ؟ "


نظرت زوجة جايمس اليه مازحة .


قالت : " نعم , أليس كذلك يا عزيزى ؟ "


انغرزت اظافر كارولين فى راحتيها . ما الذى تقصده ؟ وماذا قال لها جايمس ؟

نظرت عيناه الى كارولين . بدتا غامضتين مبهمتين لا تفحصان عن شئ ثم قال ببرودة : " لقد اوضحت انك الشابة التى كانت تعلم جيوفري وفنسنت فى منزل " آل فورستر " منذ

سنوات"

استلمت زوجته الحديث : نعم , ويالها من مصادفة . أن آل فورستر اصدقاء حميمون لوالد زوجي . وانا واثقة انهم سيدهشون عندما يعلمون انك مربية لورا . أليس كذلك يا

جايمس ؟

قال جايمس ببطء : " سيدهشهم ذلك جيدا . والان , يا انسة دوغلاس , هل اقدم اليك عصيرا او شيئا ما ؟ "


ترددت كارولين لحظة , ثم أومأت تقول : " شكرا عصير الكرز رجاء "


عندما كان يسكب لها العصير فى الكوب راحت كارولين تراقبه بعداء . لقد اقنعتها تصرفاته بأنه لا يشعر بوخز الضمير بسبب ما فعل .. وكان السخط قد احدث لديها دفعة من

الشجاعة فقالت بتكلف مصطنع : " ادهشنى ان تتذكرنى يا سيد بوث , فتعارفنا لم يدم الا فترة قصيرة للغاية "



ما إن انطلقت هذه الكلمات من فمها , حتى استغربت كيف سمحت لها اعصابها بالنطق بها , ولكنها شعرت بالرضى وهي ترى انه ارتبك لسماعها . اما زوجته فاستمعت باهتمام

لما قالته كارولين فتدخلت متمتمة : "انها نقطة هامة يا آنسة دوغلاس . جايمس , يا عزيزي و هل تحاول ان تجعلنى أغار ؟ "

قيل هذا كله فى معرض المزاح , ولكن جايمس اتخذ سبيل الدفاع , فقال : " قابلت " أيرين فروبيشر " فى المدينة بعد ظهر هذا النهار , فذكرت اسم الانسة دوغلاس , وكان هذا ,

وليس وجهها رغم جاذبيته التى لاشك فيها هو الذى جلب الذكرى "


عندما انهى حديثه , كانت شفتا زوجته قد توترتا بشكل ما . اما كارولين فجلست على كرسي بجانبها , ولكن ذلك لم يمنعها من الشعور بالغضب والاحتقار , وعندما تناولت كوب

العصير من يده سمحت لمشاعرها بالخروج من اعماق عينيها الملتهبتين , واذا كان جايمس قد لاحظ هذا , فهو لم يبد ما ينم عن ذلك بل انتقل ليقف بجانب المدفأة الخالية واضعا

قدمه على حاجزها النحاسى .

ران الصمت عدة دقائق قطعته ديبوراه التى غيرت دفة الموضوع , وهذا اشعر كارولين براحة كبري :


- أخبرينى آنسة دوغلاس عما قالته لك لورا بالضبط

فتنهدت كارولين ثم قالت ببطء : " تستطيعين ان تحزري لانه جدال سبق ان قامت به معك من قبل "


عضت المرأة الاكبر سنا شفتها السفلى : " إممم .. اظنها حدثتك عن هذا الرجل .. موني ؟ "



- نعم


ارتجفت فتحتا أنف ديبوراه بوث وهي تقول :


- هذا أسوأ الامور . كيف يجرؤ هذا الرجل , هذا البناء الايرلندي و ان يعتبر نفسه مساويا للورا ؟


قال جايمس بهدوء : " ليس هذا هو الموضوع يا ديبوراه . فخلفية موني هي اخر ما يهمنا ..والموضوع يختصر بأن لورا اصغر من ان تتورط بعلاقة مع اى شخص . خصوصا

بعلاقة مع رجل يكبرها بعشر سنوات تقريبا "

عند ذلك رأت كارولين عينيه تستقران عليها , فشعرت انهما تتحديانها ان تعلن ان الفارق بين عمريهما لم يكن غير مهم بالنسبة اليه .

قالت ديبوراه : " ومع ذلك , فالوضع صعب للغاية فهو لم يقتنع بأنه تسبب فى اصابة الفتاة بالتهاب رئوي بل لحق بها الى هنا , الى فينبورن , محدثا توترا مستمرا فى المنزل "


- كانت إصابة لورا بالالتهاب الرئوى مصادفة .

ولكن زوجته قاطعته قائلة : " لايمكن ان اسمى الاصابة بالتهاب رئوي مصادفة , يا جايمس "


وعادت ديبوراه بانتباهها الى كارولين قائلة : " فى هذا اليوم , قابلت ذلك الرجل فى فينبورن "



- آه .


- هذا الرجل مجرد حشرة ضارة . أليس لديه عمل يقوم به ؟


قال جايمس : " انه مهندس يا ديبوراه . سألت عنه فى شركة البناء التى يعمل فيها "


- ولكن ماذا يفعل فى فينبورن ما دام يعمل فى الطريق القريب من بوسكومب ؟


قال جايمس ساخرا : " يخيل الى ان لديه ايام عطل . هل تريدين كوبا اخر من العصير يا انسة دوغلاس ؟ "


وبما ان كارولين لم تكد تمس الشراب الذى فى يدها فقد هزت رأسها نفيا ,منتدياولكن ديبوراه كما يبدو لم تكن مهتمة بموضوع كهذا , فقالت بحدة : " مهما يكن وضعه , على لورا

ان تعلم اننا لن نسمح لها بالقيام بما تحب , فالرجال فى سنه يهتمون بالفتيات اللاتي فى سن لورا من اجل شئ واحد فقط , وعندما ينالون مبتغاهم .."


سكتت ثم نظرت مباشرة الى كارولين : " أليس كذلك آنسة دوغلاس ؟ فانا واثقة بانك , بخبرتك الكبري , تعلمين بالضبط ما اعنيه "

شعرت كارولين بجفاف فى فمها وهذا ما جعلها غير قادرة على اية اجابة منطقية : " انا .. انا .. "


قالت ديبوراه بإصرار : " ألم تتعرضى قط لمثل هذا من الامور , آنسة دوغلاس ؟ "

شعرت كارولين بالراحة عندما انفتح باب المكتبة وبدت لورا نفسها .


لقد تنازلت تنازلا بسيطا من اجل المناسبة , فقد استبدلت بنطلون الجينز ببنطلون انيق , ولكن القميص القطني الذى كانت ترتديه معه كان مطبوعا عليه رسالة صريحة هي (

اشعلني يا حبيبي ) , ولم يكن هذا يساعد على تعزيز علاقة جيدة بينها وبين ابويها . ومع ذلك فقد حول مجيئها انتباه ديبوراه عن كارولين .

قالت لورا بتحد وهى تدير نظراتها بينهم جميعا : " ها أنذا , لا تتوقفوا عن الحديث عني لمجرد قدومي "


- يزيد غرورك من عدم نضجك

قال ابوها ذلك بهدوء , ورأت كارولين كيف فجرت كلماته ثقتها بنفسها , وهتفت قائلة بلهجتها الثائرة التي استعملتها فى غرفة كارولين : " اما كنتم تتحدثون عنى اذن ؟ "

قالت ديبوراه بلهجة حازمة : " كنا نتحدث عما يمكن ان تكون نوايا رجل ناضج من تلميذة مدرسة . كانت الانسة دوغلاس تهم بمحادثتنا عن خبرتها فى هذا الشأن "

قال جايمس بغلظة : "اشك ان لخبرات الانسة دوغلاس اى علاقة بهذه الحالة , فسلوك الانسة دوغلاس ليس موضع نقاش هنا يا ديبوراه , وارى ان نكرس انفسنا للمسألة التى

بين ايدينا "

شكرت كارولين فى قلبها جايمس لانه جنبها هذا الامر . ولكن بالرغم من ارتياحها , ازداد عداؤها للرجل الذى كان يظن ان بإمكانه ان يبدد بسهولة اى إحراج فى هذا الموقف

.

تحركت لورا بضيق ثم انفجرت غاضبة :


- هذا كل ما تفكرون فيه أليس كذلك ؟ الجنس والمال , المال والجنس!



انقبضت يدا ديبوراه على ذراعي مقعدها , وقالت ببرودة :


- إن استعمالك لجمل حمقاء بهذا الشكل يقصد جعل الاخرين يستمعون اليك ,. لن يحل اى شئ يا لورا .

- ليست جملا حمقاء , بل هى الحقيقة , فهذا كل ما يهمكم فى الواقع.

- لورا .


امتدت يدا جايمس بصفعة على وجنة لورا التى رفعت يدها لتغطى العلامة الفاضحة وصاحت باحتجاج صامت . اما هو فقال ببرودة الثلج : " اذهبى الى غرفتك , وسأتحدث معك

فيما بعد "

ارتدت لورا على عقبيها خارجة من المكتبة , ثم سمعت كارولين شهيقها وهي ترتقي درجات السلم اثنتين اثنتين . وساد صمت اخر مشحون بالتوتر .

قالت زوجته : " انه امر لا يغتفر يا جايمس .. "


كانت ديبوراه تعبث باللآلئ الملتفة حول عنقها باضطراب يناقض هدوء كلماتها . وظنت كارولين لحظة انها تتحدث عن صفعة لورا. ولكنها بعد دقيقة , ادركت غلطتها فقد

استطردت ديبوراه قائلة : " كيف تكون ابنتى بمثل هذه الوقاحة .. "


ولكنها ما لبثت ان نظرت الى كارولين معتذرة : " آه , ياعزيزتى . ما عساك تظنين بنا ؟ اؤكد لك ان لورا ليست متمردة الى هذا الحد بطبيعتها "


ابدت كارولين اشارة تساهل : "آه , ارجو منك عدم الاهتمام بي فأنا اعرف المشاكل التى يواجهها الآباء مع ابنائهم المراهقين هذه الايام"

قالت ديبوراه التى بدت في عينيها فجأة نظرة تقويم :

- أحقا ؟ لاشك بذلك نظرا لخلفيتك .


إنها كلمة غامضة ولكن كارولين تجاهلتها , اما المراة فأردفت : " عاشت لورا حتى الان حياة محافظة , ليس لديك فكرة عن الالم الذى اشعر به عندما افكر فى ان هذا .. هذا

الرجل قد يجرؤ ان يمد يده عليها .. "


قال جايمس بصوت عنيف : " دعي هذا بحق الله يا ديبوراه . المعذرة فسأذهب لارى الى متى يتأخر العشاء"


وقفت كارولين عندما وصل الى الباب وهي تقول : "آه , ولكن .. اعنى ان بإمكانى ان اتناول العشاء فى غرفتي "


رد جايمس : " ولماذا تفعلين هذا ؟ أطمئنى فقد انتهى المشهد الهزلي فى هذا المساء . سترين أننا نأكل نحن ايضا بالشوكة والسكين كسائر الناس المتمدنين "


كادت كارولين تتقوقع على نفسها إزاء كلامه الخشن هذا اما ديبوراه فهتفت : لاتجعل الوضع اصعب مما هو عليه بالنسبة الى الانسة دوغلاس , يا عزيزى . فأنا واثقة انها قالت

ذلك عن لياقة فقط "


قالت كارولين بهدوء : " اتساءل حقا عما إذا كان ثمة موجب لبقائى هنا , فما دامت لورا .. "

قاطعتها ديبوراه مبددة أى أمل قد راود كارولين لتركهم بكياسة . قالت بحزم : ستنفذ لورا ما تطلبه منها , فقد استخدمناك يا آنسة دوغلاس , وسنعفيك من العمل عندما يحقق

وجودك هنا غرضه , هل كلامى مفهوم ؟ "

- نعم يا سيدة بوث


جذبت كارولين نفسا عميقا بينما ترك جايمس الغرفة بعدما ألقى نظرة مختصرة عليهما .

* * *

التحدي الأول




كان العشاء أسوأ وجبة تناولتها كارولين فى حياتها , فهي لم تأكل كثيرا مع ان الطعام شهي . وكانت الحلوى " كاتو " بالفريز وهذه رفضها الجميع , فاقترحت ديبوراه ان تذهب

وكارولين الى غرفة الجلوس لتناول القهوة , وتركتا جايمس عند المائدة .


تراءى لكارولين ان المساء كله غير حقيقى , وسرها قدوم آل فروبيشر فى الوقت الذى كانت فيه ديبوراه تسكب القهوة . فلعلها الان تقدر على الاعتذار والخروج قبل ان يعود

جايمس .


ولكن ديبوراه ما كانت لتسمح لها بالخروج بهذه السهولة . فعندما دخلت آيرين وزوجها , قالت لها : وصلت فى الوقت المناسب لتتناولي القهوة معنا . تعال يا دايفد وتعرف الى

الشابة التى اختارتها زوجتك لنا "


ارغمت كارولين نفسها على الابتسام عندما رأت المراة التى أجرت معها المقابلة فى لندن . تكبر آيرين فروبيشر ديبوراه بعدة سنوات , وهي تميل الى البدانة , اما زوجها فكان

بالغ النحافة ولكنه ليس طويل القامة مثل جايمس , قد خط الشيب شعره البنى وكانت عيناه تتألقان خلف نظارتيه .

قالت آيرين بادب هادئ : " مرحبا مرة اخرى , آنسة دوغلاس . هل استقر بك المقام فى ميتلاندس ؟"


هتفت ديبوراه بشكل مسرحي :

- آه , يا عزيزتى .. لقد مرت الفتاة بمحنة حقيقية , فقد حدث مشهد آخر مع لورا جعلتنا نرسلها الى غرفتها .

قال دايفيد فروبيشر برقة وهو يمنح كارولين ابتسامة واسعة ذات معني :

" مسكينة لورا , ما الذى فعلته الآن ؟ "

ردت ديبوراه التي بدا عليها الغيظ بحدة : " الامر ليس مزاحا يا دايفيد . كانت وقحة الى درجة رهيبة "

فى هذه اللحظة دخل جايمس وهو يقول بفروغ صبر : " هلا تركنا موضوع لورا ؟ "

قال دايفيد مانعا بذلك اى جدل قد يتلو ذلك : " جئت فى الواقع يا جايمس , لأرى ان كنت تحب ان تكون ضمن مجموعتي الاحد القادم . لقد تركنا كارني الذى اصيب بالتواء فى

معمصه اثناء لعبة التنس "


انقسم الحديث عند هذه النقطة . فجايمس اخذ يتحدث عن السباق مع دايفيد , بينما أخذت ديبوراه وآيرين تتبادلان التعليقات المتعاطفة . اما كارولين فقد ازدردت قهوتها ثم هبت

واقفة : ارجو المعذرة .. انا متعبة قليلا "

همت ديبوراه بالاعتراض , ولكن قبل ان تقول شيئا تدخل جايمس قائلا : " نعم , بالتأكيد , تصبحين على خير يا آنسة "


نامت ويا للدهشة تلك الليلة بشكل جيد , فقد كان الفراش مريحا للغاية .وبما انها لم تنم قط بين ملاءات حريرية ,. فقد وجدت فى ذلك متعة كبرى . استيقظت على زقزقة الطيور

فى الحديقة خارج نوافذها .وبقيت مستلقية عدة دقائق تستمتع بهذه الاصوات التى كانت مختلفة كل الاختلاف عن ضجيج حركة المرور الذى كانت تسمعه فى لندن .

نظرت الى ساعتها الموضوعة على المنضدة بجانب السرير فوجدت انها لم تبلغ الثامنة . فعادت الى الاسترخاء .
لقد غلبها التعب الليلة الماضية . كان نوعا من الارهاق العقلي بمقدار ما هو جسدي وهذا ما وتر اعصابها . ولكنها اليوم تشعر بان عقلها مستريح يقظ . لذا استطاعت ان ترى

احداث الليلة الماضية بأبعادها الصحيحة , ودهشت وهي تري نفسها تفكر فى المهمة التي أمامها ببعض الحماسة .


ولكن ماذا عن الامور الاخرى المعقدة ؟ عقدت حاجبيها عابسة . اصحيح ان جايمس لم يتعرف الى هويتها حتى امس ؟ وانه لم يربط بين المربية التى احضرها لابنته وبين الفتاة

التى احبها مرة . الا بعد ما التقى بالسيدة فروبيشر؟

تمالكت نفسها اثناء ارتدائها ملابس العمل التي هي بذلة كحلية عادية كانت تلفت الانظار الى بياض بشرتها الناصع
عندما كانت تحكم وضع ساعتها فى رسغها . اخذت تفكر : هل قررت البقاء هنا ؟ هل كان غضبا امس وسخطها على لا شئ ؟ وهل انتصرت ضرورة العمل اخيرا على منطق

المشاعر ؟ ما دامت مستعدة للبقاء هنا ,منفلابد من تقبل امرين .. الاول ان دهشة جايمس حين رآها كانت صادقة , والثاني انها ستعيش فى بيت رجل لا يكن احتراما حقيقيا لبنات

جنسها بما فى ذلك زوجته هل بإمكانها ان تصدق نظرة عدم التصديق التي بدت فى عينى جايمس فى هذه الغرفة بالذات ؟ وهل يمكنها احتمال الوقوف جانبا متفرجة عليه وهو

يخون زوجته ؟

تنهدت وهي تنهي احكام ساعتها حول معصمها . ما الذى يجعلها تريد البقاء ؟ حتى ولو اختار جايمس التصرف وكأنه لم يمض معها سوى يوم واحد , فهو سيكون هنا على الدوام

وستشعر هى على الدوام بوجوده . لقد بدت لها ديبوراه ودودا بما فيه الكفاية . ولكن كارولين على علم بالطبيعة البشرية الى حد يجعلها تعلم ان الامور قد لاتكون بهيجة على

الدوام . كان المنزل والعمل فيه مرفها مترفا , ولكن كارولين لم تكن قط من محبي الترف والحياة المرفهة . ولعل هذا ما دفعها للذهاب الى سيلان , فقد اعجبتها حياة البساطة

والتقشف هناك , وربما كان اندفاعها الى هذه الوظيفة بسبب رغبتها فى الخلاص من تيم , فما الذى اعجبها فيها؟


جاءها الجواب فى كلمة واحدة . لورا , تلميذتها , الفتاة التى جاءت لتعلمها والتى هى السبب فى توظيفها فى الحقيقة . لن تكون الفتاة مسؤولية سهلة وسيكون هنالك مشاكل

تتجاوز العلاقة الطبيعية بين المعلمة وتلميذتها , ولكنها تمثل تحديا بالنسبة اليها . والاكثر من ذلك ان كارولين تحب مساعدتها ففى الفتاة ما يصرخ طلبا للعون والتفهم.

قطع عليها تأملاتها هذه قرع على الباب , فذهبت لتفتحه والتوجس يساور نفسها من هذا الزائر غير المنتظر . ولكنها لم تكن سوى الخادمة جينى التى تحمل صينية مثقلة بين يديها

. وقالت : " فطورك يا آنسة , هل أضعه لك فى الغرفة ؟ "

- آه , لا . الرائحة شهية . اشكرك .

تناولت كارولين الصينية منها باسمة .

اومأت جينى بعدم اكتراث ثم قالت وهي ترتد ذاهبة :

- ستقابلك الانسة لورا فى المكتبة الساعة التاسعة .

انزلت صينيها الى الطابق السفلى فى الساعة التاسعة الا خمس دقائق , وهناك قابلت السيدة فرنتش الخارجة من غرفة عرفت فيما بعد انها الغرفة الصيفية . اسرعت مدبرة

المنزل تتناول الصينية منها وهي تقول : " ما كان ثمة حاجة لهذا يا آنسة دوغلاس . فبإمكان جينى ان تنزل الصينية الى المطبخ بعدما تنهي ترتيب سريرك "
اجابت كارولين متنهدة : " رتبت سريرى بنفسى فانا معتادة على العناية بغرفتي "


- لن يكون هذا ضروريا يا آنسة دوغلاس , وساكون مسرورة ان تركت امرها لنا . فهذا عمل جينى الذى عليها القيام به .

كبحت كارولين الرد العنيف الذى قفز الى ما بين شفتيها ثم هزت كتفيها : " كما تريدين يا سيدة فرنتش "

تركت كارولين مدبرة المنزل , ثم اجتازت الردهة الى المكتبة حيث ترددت لحظة ثم قرعت الباب , ولكنها لم تتلق جوابا وبعد المحاولة الثانية فتحت الباب ثم نظرت الى داخل

الغرفة .

بدت لورا بوث مستلقية على كرسي عند منضدة . كانت متكئة على المنضدة بتكاسل تحدث الى الفضاء متأملة . عندما دخلت كارولين الغرفة لم تكد ترفع بصرها اليها ولم ترد

التحية عليها ايضا . ارتدت لورا هذا اليوم السروال الجينز والقميص القطنى اللذين كانت ترتديهما عندما قابلتها كارولين للمرة الاولى .

اغلقت كارولين الباب ثم تقدمت من المنضدة متمهلة عند ذلك رفعت لورا بصرها اليها وكأن شيئا من الخجل ساورها لسلوكها هذا , فرفعت ذراعيها عن المنضدة ثم استقامت

جالسة على كرسيها .

قالت كارولين التى شجعها هذا التنازل من لورا نوعا ما :


- والان اقترح ان نبدا العمل بأن نتعرف الى بعضنا بعضا . اليس كذلك ؟

فهزت لورا كتفيها : " ظننت انك بت تعرفين عني كل شئ "

- لا , لا , ما اعرفه عنك قليل جدا يا لورا .

استندت لورا الى الخلف فى كرسيها ثم اخذت تتأمل الفتاة الاخرى بعينين ضيقتين . هي تشبه اباها الى حد يثير الحيرة . عندما رأتها كارولين تنظر اليها بحذر , شعرت بطعنة ألم

خاطفة . لكن لورا ما لبثت ان تكلمت فتلاشت هذه الصورة :


- أخبرتك امس انك تضيعين وقتك معي يا آنسة دوغلاس . قد يكون بإمكانهم سجنى جسديا ولكن ليس عقليا .

سحبت كارولين كرسيا جلست عليه وهي تقول : " وهل هذه هى كلمتك النهائية ؟

- نعم

اراحت كارولين مرفقيها على المنضدة ثم اسندت ذقنها الى يديها : " لا بأس , ارى ان تخبرينى ما هي مشاريعك للمستقبل ؟ "

عقدت لورا حاجبيها : " وما الذى يجعلنى افعل ذلك ؟ فانت لا تهتمين بي "

- وما أدراك ؟

احنت لورا كتفيها : " ليس على ان افسر الامر , فانت مثلهما بالضبط"

تنهدت كارولين : " الا تظنين انك انت من يستبق النتائج ؟ جئت الليلة الماضية الى غرفتى وحاولت إقناعى بان أقدم استقالتى وكل ذلك بسبب افتنانك برجل .. "

- ليس افتنانا .

استعملت كارولين تلك الكلمة عمدا لتثير غيظ الفتاة ونجحت فى ذلك لانها حصلت على انتباه لورا .


تابعت كارولين تقول : " حسنا , مهما يكن , فقد جئت الى قبل أن نتقبل او نتعارف , بقصة عن حبك لرجل سبب افتنانك به هو انتماؤه الى بيئة ومهنة مختلفتين ثم توقعت منى ان

انحاز اليك "
- رجوت كونك صغيرة السن ان تتفهمينى .


- أتفهمك ؟ اتفهم ماذا ؟ وماذا هناك لافهمه ؟ انك منجذبة الى رجل لا يوافق عليه ابواك .

- لكنهما لم يقابلاه حتى

- ومن اجل ذلك انت مستعدة للتخلى عن فرصتك فى اكتساب ثقافة جيدة

- لقد تثقفت , فانا فى السادسة عشرة وقد اجتزت امتحان الشهادة الثانوية , وكثيرات ممن هن فى سنى يعملن

- اعلم هذا , ولكن هل ذلك قمة طموحك ؟


- لا ادرى ما تعنين
- ألم يخطر ببالك قط ان كثيرات من هؤلاء الفتيات اللاتي يعملن فى سبيل العيش كن يفضلن متابعة تعليمهن ,.وانهن على استعداد لاقتناص أية فرصة تسنح لهن لدخول

الجامعة ؟


- تلك مشكلتهن


- هكذا , انت اذن تشعرين بانك نلت الكفاية من الدراسة


- هذا صحيح


- فماذا ستفعلين اذن ؟


قالت لورا عابسة : " ماذا سأفعل ؟ اظننى سانتظر حتى اصبح كبيرة بما فيها الكفاية لافعل ما اريد "


- وما تريدينه هو ان تتزوجى هذا المهندس الارلندي الذى حدثتنى عنه


لانت اسارير لورا : " اترين ان هذا قد يحدث ؟


- وترين نفسك زوجته ؟

- اممم

- وام اولاده ؟

- اممم

- أليس ذلك طرازا قديما للحياة ؟

كان فى صوت كارولين من التهكم ما جعل لورا تنظر اليها بحدة :

- ما الذى تقترحينه ؟ ان نعيش معا بلا زواج

- حسنا . والداك لا يريدان ان تتزوجى هذا الرجل اما انت فتريدين , فلماذا لا تفعلين ذلك ؟ لماذا تحدثين كل تلك الضجة من اجل امور شكلية ؟

صبغ الاحمرار وجه لورا : "اتعلمين ان امى ستطردك فورا ان اخبرتها بما تقولين لي ؟"

- وما الذى يهمك من ذلك ؟ أليس هذا ما تريدينه ؟

- ألا يهمك انت هذا ؟


هزت كارولين كتفيها : " ان لم يكن لدى من اعلمه هنا , فالافضل ان اذهب "

قلبت لورا شفتيها : " لا افهمك "


- لم لا ؟ فجل ما فى الامر اننى اعبر عن مشاعرك بالكلمات

تمتمت الفتاة متجهمة : " ليست مشاعرى

رفعت كارولين حاجبيها : " ليست مشاعرك ؟ "


بدا واضحا ان لورا تجاهد فى سبيل امتلاك نفسها , واخيرا قالت : " لا , جون , فى الواقع لم يقم علاقة معى . لاننى لم اسمح له "

- هل طلب منك ذلك ؟

ترددت لورا : " مرة واحدة فقط "

تنهدت كارولين بارتياح , لقد نجحت خطتها حتى الان .

- ولماذا رفضت السماح له ؟

- لا ادرى . خفت من الحمل فلو حدث ذلك لقتلنى ابى


- اذا اردت ان اصدق ان مشاعرك نحو ذلك الرجل هى حقيقية , فاصغى لما سأقوله


بدا على لورا الارتياب : " ماذا ؟ "

- حسنا , فلنفترض انك عندما تصبحين فى الثامنة عشرة , ستتزوجين ذلك الرجل . جون ,ولنفترض ان والديك لن يعترضا . ولكنهما رفضا ان يقدما لك اى عون ؟

- هذا ما تريده , فجوني لا يريد اموالى

- لا بأس . فلنفرض انكما تزوجتما , فاين ستعيشان ؟

- لدي جون بيت بعجلات , فهو ينتقل به من مكان لاخر

كتمت كارولين ذعرها : " وهل انت مستعدة للعيش فى بيت بعجلات ؟"

- نعم , ولماذا لا ؟ فالعديد من الزوجات يسكن فى اماكن كهذه

- إممم . ولكن هل لديك فكرة عن راتب المهندس ؟

- نعم , اخبرنى جون

- وهل تدركين ان ما يكسبه جون فى عام ينفقه ابوك فى يوم

هزت لورا كتفيها وقالت بلا حماسة : " لا اتوقع ان نكون أغنياء كأمى وابى "

- هذا حسن , لانكما لن تكونا كذلك . وعلى كل حال , افرضى حدوث شئ ما . افرضى ان جون اصيب بمرض او خسر عمله , فكيف تعيشان ؟ وماذا لو كان عندك فى ذلك

الحين طفل عليك رعايته ؟

قالت لورا باستياء : "كفى تشاؤما . لن يحدث هذا الا اذا كنا فى منتهى سوء الحظ "
- ولكن قد يحدث هذا للناس . أليس كذلك ؟ خصوصا للعاملين فى البناء
- آه , لا بأس , لابأس , ماذا تريدين ان تقولى ؟

- ما اريد قوله هو اذا اضطررت يوما الى العمل فماذا تفعلين ؟ كيف ستتمكنين من إعالة اسرة ؟

قالت لورا وقد اظلم وجهها : " سنتدبر الامر "

- ستتدبرين الامر بشكل افضل بكثير لو كان لديك عمل محترم تقومين به , عمل كالتعليم مثلا

اراحت لورا ذقنها على قبضتيها وتمتمت هازئة :

- كنت اتساءل كم من الوقت تحتاجينه لكي تبرري مركزك هنا

- ليس بإمكانك انكار حقيقة ما اقول

- ان اصبح معلمة يستغرق وقتا , سيكون على ان اذهب الى الجامعة
- اعلم هذا

- انت تحكمين على بقضاء خمس سنوات اخرى من التعلم

- وما قيمة خمس سنوات من العمر ؟ وبجانب ذلك اذا اجتزت عدة امتحانات فى الدراسات العليا يمكنك ان تحصلى على وظيفة جيدة دون ان تحصلى على شهادة جامعية ,

العلاج بالاشعة مثلا , او التمريض . انها مهن مطلوبة على الدوام .

سحبت لورا انفاسا عميقة وراحت تحدق الى المنضدة ثم قالت ببطء :

" كنت اهتم بالصحافة "

- ها قد وصلت الى ما تبحثين عنه , فلذلك شئ يمكنك التفكير فيه .
- انما لماذا لم يمسحوا لى بالبقاء فى بوسكومب حيث كنت سعيدة؟

ترددت كارولين ثم قالت بهدوء : " كانوا على حق فى ذلك ., فقد ابعدوك عن الوقوع فى الغواية . ايمكنك ان تنكرى ان لقاءك بجون هنا هو اصعب منه فى بسكومب ؟"

- لا , طبعا , فهما لن يسمحا لى بذلك

- سبق ان اعترفت بأنه طلب اقامة علاقة معك . الا تظنين انه سيكرر مطلبه ؟

رفعت لورا رأسها بغضب : " هذا الامر عائد لى , فهذه حياتى "

هزت كارولين كتفيها وهي تشبك يديها : " لابأس اذن , استمرى فى طريقك ,. اهربى مع رجلك الارلندي فلن احاول منعك . ولكن لا تستسلمى لخيبة الامل اذا تحول عنك بعدما

يسأم من شخصيتك غير الناضجة "

ارتجفت شفتا لورا : " انك تستمتعين بهذا القول . اليس كذلك ؟ "

ردت عليها كارولين بحدة : " انا لااستمتع باى من هذا يا لورا . فما أنا سوى مربية ولست عالمة نفسية . بإمكانى الذهاب الى امك لاخبرها بأنك لا تريدين التعاون وادعها

تتصرف معك . ولكننى لن افعل . رأيتك تتذمرين من حظ تتمنى معظم الفتيات اللاتى فى سنك لو يقدمن عيونهم فى سبيل الحصول عليه . ولكننى نلت عقابي هنا "

هبت واقفة وقد تملكها الغضب ونظرت الى ملامح لورا القلقة المتوترة , ولكنها رأت ثانية فى وجه الفتاة جايمس . واذا بكل غضبها يتبدد بشكل غريب


هتفت بقنوط : " اوه , يا لورا ! لست عدوتك , بل انا صديقتك . ليتك تشعرين بهذا "

ارتجف ذقن لورا : " ليس لى اصدقاء فى هذا المنزل "

هوت كارولين على كرسيها بعنف : " لقد اصبح لديك صديقة الان , فماذا ستفعلين ؟ "

بدت عن لورا آهة عميقة : " اذا . اقول اذا فقط .. اذا قررت العودة الى دراستى , فهل ستساعدينى على رؤية جون احيانا ؟"


فوجئت كارولين بهذا السؤال ولكنها استطاعت اخفاء ذلك , فازدردت ريقها بشئ من الصعوبة واخيرا قالت : " اذا اجتهدت فى دراستك , واذا اثبت لي انك جادة فى ذلك ,

فسأتوسط لك عند والديك "

سكتت لورا عدة لحظات , ثم قالت : " وان لم يوافقا ؟ "

- لا تتحدثى عن والديك بهذه اللهجة , وكأن هنالك طرفين فى هذا الامر . فوالداك كلاهما يريدان لك الافضل .
- انت لا تعرفين امى

اعتدلت كارولين فى جلستها ثم قالت باختصار : " ولا اعرف اباك ايضا , ولكن هذا خارج عن الموضوع "

قالت لورا متأملة : " ولكنك عرفت ابى , أليس كذلك ؟ "

اجابت كارولين باختصار : " كنت اعلم والدي صديق لابيه اثناء إجازتي الصيفية وذلك منذ عدة سنوات "

تفرست لورا فيها مفكرة : " ولكنه ناداك باسمك كارولين , هل عرفته معرفة وثيقة ؟ "

استطاعت كارولين ان تخفى تغير لونها ببالغ الجهد :

- لا بالتأكيد . فقد قابلته مرتين او نحو ذلك فقط

- من الغريب ان يتذكر اسمك فورا , أليس كذلك ؟ كارولين ..

نطقت بالاسم بالطريقة التى لفظها بها أبوها , ثم عادت تقول وهي تراقب كارولين بعناية : " كان فى لهجته نوع من .. العذاب , أليس كذلك ؟ وكأنك كنت آخر شخص يود رؤيته

"

ارتسمت على شفتى كارولين ابتسامة باهتة , ومع ان كلمات الفتاة ازعجتها بشكل بالغ فقد قالت لها بمرح : " انها تخيلات يا لورا , والان هل اتفقنا ؟ "

تنهدت لورا مرة اخرى : " ربما نعم , وربما لا , ربما علينا ان نجرب الامر فترة من الزمن ونرى ماذا سيحدث "

- أنا مستعدة للموافقة على ذلك

فسخرت لورا بازدراء قائلة :

- ولم لا ؟ ليس لديك ما تخسرينه

* * *




اعتذر لي


خرجت كارولين من مطعم " كوش إند هورس " ونظرت الى شارع فينبورن الرئيسي الهادئ , لم يكن هناك سوى القليل من المارة فى مثل هذه الساعة من بعد الظهر . لقد

اعطوها اليوم عطلة لم تكن تتوقعها , فقد ذهبت ديبوراه بوث الى لندن فى ذلك الصباح ثم فى الطريق انزلت لورا فى منزل جدها .اما كارولين فقررت ان تسير مشيا الى القرية

لتتذوق الطعام فى " كوش إند هورس "

كان صعبا عليها ان تصدق انه مر الان اسبوعان على وصولها الى منزل " ميتلاندس " كما لم تصدق ان بإمكانها العيش فى منزل مع ثلاثة اخرين دون ان ترى احدا منهم الا

نادرا . هي ترى لورا بالتأكيد , وكانت مسرورة جدا للتقدم الذى حققته معها . ولكنها لم تكن ترى ايا من الزوجين تقريبا .

كانت كارولين وتلميذتها تتناولان غداء خفيفا فى الغرفة الصباحية , ومع ان ديبوراه تتناول الغداء ايضا الا انها لم تشاركهما قط تلك الوجبة . اما العشاء فكان يقدم اليها فى غرفتها

. وهذا يعنى انه لم يحصل بينها وبين جايمس اي اتصال مهما كان نوعه , وهذا ما اشعرها بالراحة .

واثناء عطلة الاسبوع التي تتعطل فيها الدروس , كانت وجبات الطعام تقدم الى كارولين فى غرفتها وهذا ما جعلها تقرر القيام ببعض الترتيبات للخروج والا اختنقت .
كانت واقفة تستمتع بالشمس على ذراعيها العاريتين , عندما برزت سيارة من خلال الضباب الصيفى الذى يلف شارع القرية ووقفت امام المطعم . إنها سيارة فارهة خضراء

اللون صمم شكلها للسرعة وللراحة فى آن . ولكن كارولين سبق ان رأت هذه السيارة متوقفة امام منزل " ميتلاندس " وهذا بعث الذعر الى قلبها .
- آنسة دوغلاس ؟

كان هناك رجلان يخرجان من السيارة , أحدهما اسمر ضامر الجسم يرتدى ثيابا اكثر بساطة مما اعتادت رؤيتها عليه : سروالا من الجينز وقميصا نصف مفتوح , اما الرجل

الاخر فيماثله بالملابس ويقاربه طولا , ولكنه ذو شعر يميل الى الاحمرار وشارب متدل .

جعلتها تحية جايمس تقف بشكل آلي , فارتدت لتواجه الرجلين على كره بالغ منها . ولكنها كانت تشعر بالخجل لانها ترتدى سروالا من الجينز رقيقا وقميصا بلا اكمام , بينما

شعرها مكوم على قمة رأسها وقد تدلت منه خصلات على رقبتها وحول اذنيها . لم يكن هذا لباس مربية ولكنه يوم عطلتها .

اجابت بأدب وقد بدا عدم الاهتمام والبرودة على ملامحها : " مساء الخير , يا سيد بوث "

كانت واعية الى ان رفيقه ينظر اليها متأملا , فارتسم فى عينيها نوع من السخرية وهي تفكر بمرارة انه سبق لها ان خبرت مثل هذا الوضع . المربية تجذب صديق العائلة

فيلاحقها بشهواته ! لكنها باتت قادرة على معالجة كل الاوضاع المتعلقة بالرجال تقريبا .

نظر جايمس حوله وقال مقطبا جبينه : " اين غروم ؟ المفروض ان يحضرك الى القرية "
- لا , لم يقلنى لانه اصطحب زوجتك الى المدينة , اما انا فجئت الى هنا مشيا .

- مع لورا ؟

- لا .. اعتقد ان لورا تمضى النهار مع والديك

ازداد تقطيب جايمس : " هل مشيت كل هذه الطرق الريفية ؟ كنت عرضة للمعاكسات "

- ولكننى لم اتعرض لذلك

ادركت كارولين ان حديثها مع جايمس لا يليق بموظفة . ولكنها لم تستطع تجنب ذلك , فخوفه عليها من المعاكسات امر يدعو الى الضحك .

قال جايمس باقتضاب وهو يرمق رفيقه بنظرة مختصرة :

- حسنا , سنعيدك نحن . آه , اقدم اليك الانسة دوغلاس مربية لورا , يا كليف .

سكت ثم نظر الى كارولين قائلا : " كليف لستر "

فقال كليف لستر وهو يصر على مصافحتها : " كيف حالك آنسة دوغلاس ؟ كنا على وشك اطفاء عطشنا هنا . فهل لك ان تنضمى الينا ؟ "
- آه , لا شكرا .

رفع كليف حاجبيه : " ولم لا ؟ اليس من حسن الاخلاق ان تتناول مربية المرطبات مع مخدوميها ؟حسنا , سيكون ذلك على حسابى . فما رأيك ؟ "

قال جايمس باقتضاب : " ربما لدى الانسة دوغلاس رغبة فى الذهاب للتسوق قبل ان تعود الى المنزل "

ولكن رفض جايمس وليس دعوة كليف هو ما أثار شيطان العناد فى داخل كارولين , فقالت بحذر وهي ترمق كليف من خلال اهدابها : لا , ليس لدي ما أشتريه من السوق "

سمعت جايمس يجذب نفسا سريعا , ولكن كليف لم ينتبه الى شئ لحسن الحظ , وقال يستعجلهما : " هيا بنا الى الداخل , إذن "

كان المطعم خاليا تقريبا . أجلسهما كليف على مقعد قريب من مقعده . لقد دعاها كليف على نفقته الخاصة , وان لم يعجب ذلك جايمس فليس فى وسعه القيام بشئ لأن لا سلطة له

على اوقات فراغها .

قال لها كليف : " كنا فى نزهة فى النهر عند " هاولوك " , ألم تقومى بالتجذيف قط آنسة دوغلاس ؟"

اجابت وهي تنقل نظراتها الى جايمس الذى كان ينظر الى الفضاء بذهن شارد : كان لدي ذات يوم صديق يملك زورقا , فذهبنا معا عدة مرات "

اومأ كليف : " وهل استمتعت بذلك ؟ "

هزت كارولين كتفيها : " لا بأس بذلك , ذلك وقف على شخصية الشخص الذى تبحر معه "

ضحك بصوت خافت , ولكنها وهي تنظر فى كأسها كاد تحس بالعداء ينبثق من الرجل الواقف خلفه .

قال كليف وهو يهز رأسه : " لم اعرف قط امرأة استطاعت ان تصبح مجذفة جيدة "

قالت كارولين متعمدة : " ألا تجذف زوجتك بك ؟ "

عاد كليف يضحك مرة اخرى : " زوجتي ؟ ليس لدي زوجة , آنسة دوغلاس "

اردف وهو ينظر فى عينيها متحديا : " هذا لا يعنى اننى كرست نفسى للعزوبية . كل ما فى الامر اننى لم اقابل امرأة رغبت فيها او رغبت هي بي "

رأت كارولين انهما سارا شوطا طويلا فى هذا الاتجاه , فغيرت الموضوع : " ما اجمل ان تقوم بنزهة فى زورق ساعة تريد "

قال كليف عابسا : " لاننتهى جميعا من اعمالنا الساعة الخامسة كما تعلمين "

واجهته ساخرة : " آه , انت موظف إذن ؟ "

- هذا مؤكد انا اعمل فى تصريف البضائع . قد تريننى اتصرف كالفراشة , ولكننى حتما نحلة

- هل يمكننى الحصول على ما تقوله مكتوبا يا كليف ؟

ألقى جايمس عليه هذا السؤال رغما عنه تقريبا , ولكن بلهجة تنطق بالهزل المكبوت , فقال له كليف وهو يلكمه بقبضته مازحا :

- ظننتك اقسمت على الصمت يا رجل , هل تريد كوبا اخر ؟

- لا , شكرا .

قال جايمس ذلك وهو ينهي كوبه .

خرجوا جميعا الى اشعة الشمس مرة اخرى , وصعدت كارولين الى سيارة جايمس بشئ من التردد , ولكنها لم تستطع القيام بغير ذلك لئلا تبدو غير مهذبة . جلست فى المقعد

الخلفى اما الرجلان فصعدا الى المقعد الامامى .

كانت نوافذ السيارة مفتوحة اثناء سيرها لذا سرعان ما حلت الريح شعر كارولين فانسدل على كتفيها واخذ يتطاير حول وجهها . وكانت تبعده بيدها عندما واجهت عيني جايمس

تنظران اليها من خلال مرآة السيارة . حولت نظراتها على الفور رافضة ان تشعر بالرهبة ازاء البرودة في نظراته .لاحت امامهما بوابة المنزل , ولكن كارولين دهشت وهي

ترى السيارة تجتازها كما بدت الدهشة على كليف ايضا.
قال جايمس : "من الافضل ان انزلك انت اولا يا كليف فلدي بعض الاعمال فى المنزل لذا لا يمكننى البقاء معك ابلغ اعتذارى لوالدتك من فضلك "

كان كليف لستر , كما يبدو , يسكن على مقربة فى منزل انيق من طراز العهد الجورجي . وعندما وقفت السيارة فى طريق المنزل اتكأ على النافذة بعد نزوله من السيارة وقال

بمودة : " لا بأس يا صديقى . اراك مساء الاحد عل كل حال . لقد دعتنى ديبوراه الى العشاء "

وتحولت عينا كليف الى كارولين , الى منظرها الذى اكتسحه الريح .
- وداعا آنسة دوغلاس , سررت بمعرفتك

فابتسمت له كارولين , وإذ شعر كليف بفروغ صبر جايمس استقام فى وقفته فانطلقت السيارة مبتعدة

توقعت كارولين من جايمس ان يقول شيئا وذلك حالما اصبحا بعيدين عن مرمى السمع , ولكنه لم يفتح فمه بل ركز كل انتباهه على القيادة , وبعد دقائق ضغط على بوق السيارة

للبواب حتى يفتح بوابة المنزل . ودخلت السيارة ثم ابطأت ووقفت امام الشرفة الامامية .

فتحت كارولين باب السيارة وترجلت منها قبل ان يتمكن جايمس من القدوم نحوها ليساعدها على النزول . بعد ذلك صعدا درجات الشرفة معا الى الباب حيث تقدمته كارولين الى

الردهة شاعرة بشئ من الراحة ,ولكنها كانت قصيرة الامد .

قال بلهجة رسمية متكلفة : " رافقيني الى مكتبي من فضلك "

ثم أشار الى مدبرة المنزل التي برزت عند دخولهما بانه ليس بحاجة اليها . ولم يكن امام كارولين من خيار سوى الطاعة
لم يسبق لكارولين ان دخلت الى مكتبه الذي يقع فى نهاية ممر ضيق فى الجهة الخلفية من المنزل وهي الغرفة الوحيدة التى اخبرتها لورا بأن دخولها ممنوع حتى عليها .

تبعته الى مكتبه بشئ من التحدي غير ملقية بالا الى اناقة الغرفة . السجادة البنية اللون , الكراسي المكسوة بجلد الحيوانات والمكتب المكسو سطحه بالجلد , ولكنها عن غير وعي

وقفت مستندة الى حافته وقد عقدت ذراعيها وبدت الحدة فى نظراتها .

اغلق جايمس الباب ثم استند اليه لحظة قبل ان يعدو فينتصب واقفا ثم يتحرك فى الغرفة . بدا أصغر سنا بهذه الملابس البسيطة التى كان يرتديها , ولكن بدا على جسده مظهر

التوتر . عندما أخذت تختلس النظر اليه , عادت اليها ذكريات مطاردته لها طوال فصل ذلك الصيف . وكان من السهل استرجاع تلك الذكريات . ففى تلك الفترة ثابر على الخروج

وتناول الطعام معها والتحدث اليها وممازحتها بالنسبة الى احلامها ومثلها العليا . وعندما اصبحت اخيرا بين ذراعيه , كان هو الرجل الوحيد الذى بادلته المشاعر , ولاجله لم

تسمح قط لرجل , بعد ذلك بالاقتراب منها . لقد استغرق الامر بعض الوقت , عدة اشهر فى الحقيقة قبل ان تدرك ان ليس فى نيته الطلاق من زوجته والزواج منها .

وها هو ذا الان يقف بجانب المكتب , وإذ اخذ ينظر اليها , قال بصوت غاضب منخفض : " اياك ان تفعلى هذا بي مرة اخرى "

ارغمت كارولين نفسها على التظاهر بهدوء كانت بعيدة عنه وهي تقول : " افعل ماذا ... سيد بوث ؟"

اخذ عرق ينبض فى فكه وانقبضت يداه : " انت تعلمين ماذا اعنى ؟ ان كليف لستر هو صديق لي , فلندع الامر عند هذا الحد ؟ أليس كذلك ؟ "

فاتسعت عينا كارولين بسخرية : " وكيف بإمكانى القيام بالعكس يا سيد بوث ؟"

فتمتم يقول بعنف وهو يشيح بوجه عنها تقريبا : " كفى مخاطبتي بلقب السيد بوث "
فسألته بصوت خفيف : "ربما تريدني ان اخاطبك ؟ جايمس ؟ لا اظن زوجتك سترضي عن ذلك "

احنى كتفيه بشكل انهزامي : " اظن الوقت قد حان لمناقشة هذا الامر"

فتصلبت كارولين فى وقفتها : " ماذا بالضبط ؟"

- لا تراوغي يا كارولين . هل تعمدت القيام بذلك ؟ اعنى القدوم الى هنا ؟

ردت عليه بحدة واختصار : " لا , لم اتعمد المجئ .. لقد منحتنى الوظيفة صديقتك السيدة فروبيشر "

- آيرين فروبيشر ليس صديقتى


- لا بأس .. صديقة زوجتك اذن . ما اعلمه انهم منحونى الوظيفة من اجل ابنتهم , وما كان يدرينى ان زوجتك وراء ذلك ؟

سحب جايمس نفسا عميقا : " فهمت , لقد تكهنت بكل هذا بالتأكيد "

التهبت عينا كارولين غضبا : " ما احسن ظنك هذا ! ما كان لي ان اقبل وظيفة فى بيتك "

لم يجب جايمس على هذا الا بتوتر خفيف فى شفتيه ثم قال بكآبة : " ولكنك بقيت هنا "

- نعم , لم يكن امامى خيار اخر , لانننى انفقت نصف الاجر الذى نقدتنى اياه السيدة فروبيشر مقدما .

التفت جايمس اليها عابسا ثم تمتم قائلا : "ما دمت مفلسة الى ذلك الحد فلماذا لم تطلبي مني ان اعطيك المبلغ ؟ "

- آه , نعم , ولو طلبت المال منك ماذا كنت ستفعل ؟ تعطينى النقود لاردها الى زوجتك ؟ لا ادرى بأى شرط توقعت ان يكون الدفع !

حدق جايمس اليها بمرارة ثم قال بفظاظة : " يالك من ساقطة "

قالت معتذرة على كره منها لانها شعرت فجأة بانها تصرفت بشكل صبيانى نوعا ما : " انا اسفة , كل ما فى الامر . انك اغضبتنى "

رفعت بصرها اليه رغما عنها فتحركت مشاعرها بسبب قربه منها كما لم يحدث معها من قبل .

تمتم بصوت مرتجف : " آه يا كارولين , ما الذى جعلك تعودين الى حياتى بحق الله عليك ؟"

ابتعدت كارولين عنه جاعلة المكتب بينهما . ثم قالت بثبات : " لم اعد الى حياتك يا جايمس . انا هنا من اجل ابنتك ليس الا .. اما مسألة تعارفنا فامر غير مهم البتة "

تجهم وجه : " احقا هو كذلك ؟"

- ربما كان الامر كذلك , حدث ذلك منذ ست سنوات , ومنذ ذلك الحين تغيرت فقد نضجت اكثر . عندما عرفت انك ستكون رب عملي . حسنا , اعترف ان اول ما خطر لي

هو الرحيل . ولكن بعدما قابلت لورا ..

ازداد عمق الخطوط حول فمه : " نعم , لقد انسجمت مع لورا بشكل جيد "

- احاول ذلك

- وهذا ما اخبرتنى هي به .. انها تحبك

- شكرا
تخللت اصابعه فى شعره : " لا تشكرينى , ليتها كرهتك الى ابلغ حد!"

ذهلت كارولين لانه ما زال قادرا على ايلامها بسهولة . قالت : " انا اسفة "

قال بعدم تصديق : "احقا , احقا انك اسفة ؟ الا تهتمين حقا برأيى فيك؟"

رفعت كارولين رأسها : "لا "

سقطت يدا جايمس الى جنبيه , ثم تهالك على احدى الكراسى , ووضع ساقا على ساق متعبا : "لا بأس , يمكنك الذهاب "

- نعم يا سيد بوث

لم تعرف كارولين ما الذى جعلها تسخر منه بهذا الشكل , ولكن عندما اجتازت الغرفة متجهة الى الباب , كان عليها ان تمر بجانب كرسيه , واذا بيده تمتد لتقبض على معصمها

باصابعه القوية .


قال من بين أسنانه محذرا : " لا تفعلى ذلك , يا كارولين "

عندما نظرت الى عينيه تملكها شئ من الخوف ولكنها لم تشأ ان تدعه يرى ذلك , فقالت : " ما الذى على عدم فعله يا سيد بوث ؟ "

تنهد جايمس ثم نظر الى المعصم الرشيق الذى يمسك به : " إن ادراكي بانك هنا فى البيت , ليس امرا بسيطا . سواء أصدقتنى ام لم تصدقي , فأنت المرأة الوحيدة التى رغبت فيها

فى حياتى . فلا تغرينى على القيام بما قد تندمين عليه "

عند ذلك أطلقها , فابعدت معصمها عنه بعنف وقد ثار غضبها : " كيف تجرؤ على مثل هذا القول لي ؟.ما الذى جعلك تظن اننى لن اذهب الى زوجتك واخبرها اى حقير انت ؟

"

هز جايمس كتفيه , قائلا : " اذا كان هذا ما تريدينه , فلن أمنعك "

نظرت اليه بقنوط : " الا يهمك هذا ؟ "

ضاقت عيناه : " فلنقل انه عمل غير صائب حاليا "

تحولت كارولين الى الباب لانها لا تريد المضي فى هذا الحديث , ولكن صوته اوقفها : " هل كان هنالك . هل هنالك شخص اخر ؟"

ارتدت اليه بعنف : " ليس لديك الحق فى توجيه هذا السؤال إلي

- ولم لا ؟

- انه شئ لا يعنيك

- آه , دعك من هذا يا كارولين . كنا , انا وانت عاشقين ذات يوم

- انك مغرور بنفسك

- لا , هذا غير صحيح , حسنا . تقولين ان هذا الامر انتهى الان , و لكن ذلك لا يمنعنى من التفكير فيك متسائلا عما اذا كان هناك شخص اخر قد دخل قلبك البارد

مدت كارولين يدها الى قبضة الباب وقالت بازدراء :

- فى الواقع , دخل قلبي عدة اشخاص وان كان يهمك ان تقرأ فسأدعك تقرأ دفتر مذكراتي , انما لاتحاول ان تخبرنى بما على ان افعل يا .. سيد بوث .

كانت قد فتحت الباب قبل ان يتمكن هو من النهوض عن كرسيه ,.ولكن هذا لم يمنع قلبها من الخفقان بعنف ورأسها من الدوار ثم ازداد شعورها هذا وهي ترى مدبرة المنزل

واقفة فى الخارج . ظنت فى البداية ان المرأة تسترق السمع .

ولكن عندما اخذت تحاول تمالك اعصابها , بددت مدبرة المنزل اعتقادها هذا بقولها بصوت مضطرب : "آه ,انسة دوغلاس , هنالك شاب يريد رؤيتك "

وعندما برز جايمس خلف كارولين , هتفت وهي ترفع بصرها اليه وقد احمر وجهها : " انه ينتظر بالخارج , هل اسمح له بالدخول يا سيدي ؟ "

رأت كارولين مظهر العداء الذى بدا على وجه جايمس . ارادت ان تبتعد عنه ولكن السيدة فرنتش كانت امامها تسد عليها طريق الهرب.


سألها جايمس بهدوء : " من هو القادم يا سيدة فرنتش ؟"

حركت المراة كتفيها بشكل غير عادي قائلة : " شخص يدعى السيد مونى , يا سيدي "

فغرت كارولين فاها ذاهلة اما جايمس فسأل المرأة بهدوء ينذر بالشر : " هل قلت السيد موني ؟ "

- نعم يا سيدى , هل يمكننى ادخاله الى المكتبة يا سيدى ؟
نظر جايمس الى كارولين بغضب ثم سألها : "هل كنت تنتظرين زائرا ؟ "

قالت كارولين ساخطة : " لا , لم اكن بانتظار احد , لا اعرف اى شخص يدعي موني "
قال جايمس بلا حماس : "بل أظنك تعرفين "

نظر الى مدبرة المنزل : " حسنا جدا يا سيدة فرنتش , احضري السيد .. موني الى غرفة المكتبة "

- نعم يا سيدى

ابتعدت السيدة فرنتش اما كارولين فوقفت تحدق الى مخدومها . اخذ جايمس يحدق لحظة الى وجهها المستاء ثم سحب نفسا عميقا وقال بصوت فظ :

- لا بأس , ما الذى يعنيه جون موني بالنسبة إليك ؟

شهقت كارولين : " لى ؟ انا لا اعرفه حتى , سبق ان اخبرتك بذلك "

- وهل تتوقعين مني ان اصدقك ؟
فردت عليه بحدة : "لا يهمنى ما تصدق . فانا لا اعرف جون موني وانما سمعت باسمه فقط , وانا اعرف ما تفكر فيها انما لا صلة لى بهذا الرجل " .
انكمشت يدا جايمس , ثم دسهما فى جيبي بنطلونه الامايتين وهو يسالها : " اتنكرين انك دعوته للحضور الى هنا لرؤيتك حين علمت انه لن يكون فى المنزل احد ؟ "

نظرت كارولين اليه بعدم تصديق : "اهذا ما تظنه ؟ "

انتقل جايمس من مكانه بضيق , ثم قال غاضبا : " وما المفروض ان اظنه سوى ذلك ؟ يا الهى لقد جعلتنى اعتقد ان وجودك هنا محض مصادفة ؟ "

سحبت كارولين نفسا عميقا وقد ساورتها الرغبة فى ان تصعد الى غرفتها حيث تجمع حاجياتها وتترك هذا المنزل الى الابد .وليرفعوا عليها قضية لتحصيل نقودهم اذا شاؤوا فلن

تهتم لذلك . ولكن شيئا ما , شعورا ما رفضت الاعتراف به , لم يسمح لها بالاستسلام بهذه السهولة .

قالت وهي تغرز اظافرها فى راحتيها : " هل لك ان تصغى إلى ؟ لم ادع هذا الرجل موني الى هنا اليوم , بل لم اكن اعلم اننى لن اشتغل هذا النهار . لقد اخبرتنى زو .. زوجتك ,

بعد الفطور , انما هي ولورا ستخرجان "

رد عليها ببرودة : " هنالك تليفون "

- نعم , هنالك تليفون , ولكننى لم استعمل التليفون , اسال السيدة فرنتش . لقد تناولت الغداء فى القرية

- كان بإمكانك الاتصال تليفونيا من هناك

تمالكت كارولين اعصابها بجهد : " ولماذا عدت انا اذن الى هنا ؟ ولماذا لم اتدبر الامر لألاقيه فى القرية ؟ "

- لأننى اصررت على احضارك الى البيت

قالت كارولين تفسر الامر بسخرية : "آه , نعم . وانا حيث اننى كنت اعلم بانك ستكون هنا , كنت ارجو ان يأتى الى هنا . هل يبدو هذا منطقيا لديك ؟"

اطال جايمس التحديق فيها مفكرا , ثم قال :


- لماذا جاء الى هنا إذن ؟ ولماذا طلب مقابلتك ؟ وما ادراه باسمك ؟

الا اذا .. الا اذا ..

قالت تحثه على الكلام وهي تحملق فيه : " إلا اذا .. "

تمتم جايمس متمتما : " الا اذا كانت لورا وراء ذلك كله "

تنهدت كارولين قائلة : " لورا ؟ لم يخطر لي ذلك ببال "

هز جايمس رأسه بفروغ صبر : " ولا انا .. يا الهى , ان كانت وراء هذا , فسوف .. فسوف .. "

قالت كارولين بجفاء : " ستعتذر إلي "

- طبعا , اذ أسأت الحكم عليك . الافضل ان اقابله بنفسى

- لا

اعاد رفض كارولين الفورى الى ملامحه اثرا من شكوكه السابقة ,اما هى فتوسلت اليه بقولها : " ارجوك دعني اقابله . لقد طلب مني مقابلته على كل حال "

عقد جايمس حاجبيه : " اذا كانت هذه حيلة "


نسيت كارولين لحظة الاحتفاظ بالحاجز بينهما , واندفعت تضع يدها على ذراعه فشعرت بتوتر عضلاته تحت أصابعها : اواه , يا جايمس . امنحنى ثقتك "

نظر الى اصابعها على ذراعه فشعر بلحمه يتحول الى جمر تحت لمستها , لكنها ما لبثت ان انزلت ذراعها وارتدت خطوة الى الخلف , إنما ليس قبل ان تلمح العذاب الذي بدا فى

عينيه .

قال بصوت خشن : " انا أثق بك يا كارولين , ولكن لا تثقي بي "


ودون كلمة اخرى ارتد عائدا الى مكتبه ثم أغلق الباب .



* * *
وجدت الشاب واقفا عند النافذة ينظر منها الى الطريق امام المنزل , ولكنه ارتد اليها حالما دخلت . رأته كارولين مختلفا كليا عن الصورة التى رسمتها له فى خيالها.لقد كانت

مخيلتها وعادة لورا فى المبالغة قد خلقتا صورة لشاب قوى العضلات مزهوا وعدوانيا وبالغ الثقة بنفسه .

واذا بالحقيقة تأتى بشكل مفاجأة , ولكنها ليست مخيبة للامل تماما . فجون موني فوق المتوسط طولا بقليل , جسمه نحيل وشعره بني يميل للاشقرار , بدأ ينحسر عن جبهته .

ولكنه بالاجمال رجل جذاب ومن هنا فهمت كارولين سبب افتنان لورا به , ففي ملامحه صفات مميزة وظرف ورقة تركت تأثيرا في كارولين نفسها .

- آنسة دوغلاس ؟ كيف حالك ؟

سمحت كارولين له بمصافحتها ثم وقف امامها منتظرا واضعا يديه خلف ظهره .

قالت كارولين : " كيف حالك ؟ "

كان الصمت الذى ران بينهما غير مريح , فجأة اندفع الاثنان بالكلام فى وقت واحد وهذا ما لطف الجو , فاخذ الاثنان يضحكان وعند ذلك قال : " هل اردت رؤيتى ؟ "

شهقت كارولين ذاهلة : " انا اردت رؤيتك ؟"

- حسنا , ألم تطلبى ذلك ؟

هزت كارولين رأسها بحيرة : " لا , وما الذى جعلك تظن ذلك ؟"

- تلقيت خبرا منك

- خبر ؟ وكيف ذلك وانا لم ارسل أى خبر؟

اخذ موني يحدق اليها متشككا ثم قطب جبينه :


- هل أنت واثقة ؟ هل قالت لك لورا شيئا بهذا الخصوص ؟

قالت كارولين محاولة التذكر : "لا , لا .. ارجوك . اخبرنى عن ذلك الخبر , من اوصله اليك ؟ "

- تلقيت اتصالا هاتفيا فى البناء الذى اعمل فيه

- وفى الخبر ان تأتى الى هنا لرؤيتى ؟

- نعم , لم افهم سبب ذلك . ولكننى ظننت . حسنا , اخبرتنى لورا انك لا تقفين ضد صداقتنا كليا

ازداد تقطيب كارولين : " هل اخبرتك لورا بذلك ؟ وكيف تخبرك وهي لم ترك ؟ ام لعلها رأتك ؟

- نحن نتكلم تليفونا احيانا ونتراسل بريديا . من المؤكد ان لديك اعتراضا على ذلك

فقالت بفروغ صبر :

- ليس الامر امرى كي اعترض على اى شئ . فلا يتعلق هذا بي . آه , لا ادرى . دعنى افكر , اتظن ان لورا هي التي رتبت امر هذا الاجتماع بيننا ؟

فهز كتفيه وهو يتنهد : " لا تسألينى فلا اظن ذلك . اذن فقد كانت رحلتى هذه عبثا . أليس كذلك ؟ "

- حسنا , ما هى نتيجتها برأيك ؟ وماذا تتصور ان بإمكانى القيام به من أجلك ؟

- ظننت انك رتبت لقاء لي معها . لكي نمضي بعض الوقت معا .

ويبدو اننى كنت مخطئا .

تنهدت كارولين التى شعرت بالعطف عليه .

قالت : " حسنا . انا اسفة . ولكن مهما يكن الشخص الى أرسل اليك الرسالة , فهو ليس أنا . ولورا ليست هنا , انها تمضى النهار مع جديها .

وضع يديه فى جيبيه : " آه , هذا عظيم . اظن على ان اقول إننى آسف على إزعاجك "

عضت كارولين شفتها : "لا بأس فى ذلك "

سار نحو الباب ثم عاد فتوقف : " لا أظن .. "


سكت برهة ثم عاد يقول : " جئت الى هنا على دراجتي البخارية , وهي هناك عند غرفة البواب الذى لم يسمح لي بركوبها الى باب المنزل . لا أظنك ترفضين ان تتمشى معي

اليها ؟ "

بسطت كارولين راحتيها وقالت باسمة : " لا ارى ما يمنع ذلك . من المؤسف ان تأتى على دراجتك البخارية فمبقدورنا التمشى الى القرية معا . احب ان اتحدث اليك عن لورا

"

- لكي تعرفى اى فلاح جاهل انا .. أليس كذلك ؟

لم تجفل كارولين : " اذا شئت "

ابتسم فجأة : " يمكننى ان احملك على الدراجة اذا شئت , فانا احتفظ بخوذة احتياطية "

ترددت كارولين , السير معه الى القرية شئ وركوب الدراجة معه شئ اخر . وماذا سيظن جايمس ؟

ولكنها أنبت نفسها بغضب : وماذا يهمها مما سيظنه جايمس ؟ هل سبق له قط ان اهتم بما تفكر هي به ؟ وبجانب ذلك , فالامر كله فى منتهى البراءة , واذا اراد ان يسئ الظن

فذاك شأنه !

واذ ادركت ان مونى ينتظر جوابها , قالت : " حسنا , لا بأس . يمكنك ان تأخذنى الى مكان ما لنتحدث فيه على الا يكون بعيدا "

اومأ قائلا : " هذا حسن . والان هل يمكننا الخروج ام علينا ان ناخذ اذنا بذلك ؟"

قالت ضاحكة : " بل نخرج , اتبعنى "

لم يكن مكتب جايمس يطل على طريق المنزل , ولكن كارولين لم تكن مقتنعة بانه لم يكن يراقب ما انتهى اليه لقاؤهما .او ربما السيدة فرنتش , ولا شك ان المطلوب منها ان تخبر

سيدها .

لم تركب كارولين دراجة بخارية من الخلف منذ سنوات . منذ ايام الدراسة , ولكنها وجدت ذلك ممتعا فى عصر هذا اليوم الدافئ . وسرعان ما اخذ شعرها يتطاير ويتشابك فبدا

عسليا ذهبيا قبل وصولهما طريقا ضيقا ينتهى الى ساحة معشوشبة تحف بضفة النهر الذى كان يلتوي عند هذه النقطة مشكلا بحيرة طبيعية ,وكانت هذه البقعة منعزلة كليا .
نزلت كارولين من الدارجة وخلعت خوذتها . قالت له : " يبدو انك تعرف هذه الانحاء اكثر مما أعرفها "

ثبت مونى الدراجة فى مكانها ثم خلع خوذته ومر بيده على شعره وهو يقول : أرتنى لورا هذا المكان الذى اعتادت القدوم إليه مع أبيها العجوز فى صغرها . البحيرة تلك عميقة

وقد اعتادا أن يسبحا فيها "

جلست برشاقة على العشب وقالت :" حسنا , إنه مكان رائع "

ألقى بنفسه قربها وراح يملى ناظريه من الصورة الجميلة التى بدت فيها .

قال : " إممم .. رائع حقا . ما الذى جعلك تصبحين مربية ؟"

التفتت كارولين تنظر إليه : " لسنا هنا لنتحدث عني "

استلقى إلى الخلف عاقدا ذراعيه خلف رأسه :

- لا بأس , ما الذى تريدين معرفته ؟

تنهدت كارولين وهى تضع ساقا فوق الأخرى : " ربما هناك فائدة فيما لو .. لو فهم كل منا الأخر "

رفع بصره إليها وقد ضاقت عيناه : " وما الذى يهمك من ذلك ؟ فأنت لا توافقين على أية علاقة لي مع لورا , أليس كذلك ؟ "

- أنا .. لا أقول هذا

- لا تقولين ؟
- لا , اسمع انا احب لورا كثيرا وهي السبب الوحيد الذى يجعلنى أمكث هنا . عليك الاعتراف بأنك تكبرها بكثير , فما زالت تلميذة .

- كما إنها من أسرة بوث !

- وهذا ايضا


أرخى ربطة عنقه : " قد لاتصدقين ما أقول , ولكننى لم أبدأ بهذا . آه ,لا أقول اننى قاومت او ما أشبه ولكن لورا هى التى ابتدأت بإنشاء العلاقة "

سألته بفضول : " كيف تعارفتما ؟ "

عند ذلك ابتسم قائلا : "يمكنك ان تقولى انها اختارتنى , اعتادت مجموعة منهن التكسع حول مقهى فى بورنماوث . وقد ميزناهن عن غيرهن انا وبعض الاصدقاء لأنهن كن يرتدين

الملابس المدرسية "

هزت كارولين رأسها : " وهل انت مستعد للانتظار حتى تبلغ الثامنة عشرة ؟ "

- أنتظر ؟ انتظر ماذا ؟ أن أتزوجها ؟ لن يسمحوا لي قط بالزواج بها.

فتملكت الحيرة كارولين وقطبت جبينها :

- هل أنت جاد ؟ أم إنها مناورة منك ؟

جذب مونى نفسا عميقا : " ليست مناورة وإنما أنا واقعي يا آنسة دوغلاس.تظن لورا أنها مغرمة بي ولكن إذا نجح والداها فى التفريق بيننا , فستعثر فى النهاية على رجل آخر .

رجل مناسب بلا شك

شهقت كارولين ذاهلة : "إنك لا تحبها إذن ؟ "

- آه , انا لا أقول هذا . لا , لا أقول هذا . إننى مهتم بها كثيرا , ولكن هذه العلاقة لن تنجح . لقد اخبرتها بذلك .

قالت كارولين التى تقوست كتفاها : " ليتك أخبرت أمها واباها بهذا "

- ماذا ؟ واريحهما من تعاستهما ؟ بعد الطريقة التى عاملا بها لورا ؟ ولماذا افعل ذلك ؟ سأدع القلق يتملكهما مدة أطول , فلن يؤذيهما هذا أما أنا فلن أقوم بما يؤلم لورا .

لم تستطيع كارولين منع نفسها من الضحك . لقد تبدد التوتر الذى كانت تعانى منه طوال العصر كسحابة من الدخان وبدا لها النهار أكثر إشراقا .

قال لها برفق : " لماذا تضحكين ؟ هل قلت ما يضحك ؟ "

فهزت كارولين رأسها وهى تدس أصابعها فى شعرها :

- لا , لا فى الحقيقة , شكرا لصدقك معى

- ولكنك لن تخبريهم فى المنزل بما قلته لك , أليس كذلك ؟

بدا على كارولين التفكير قبل أن تقول : " لا , لن أقول شيئا قد تعرف به لورا . اكره ان اكون انا من يبدد أحلامها

نظر مونى نحو الأفق عابسا : " ما زال أمامها مدة طويلة لكي تنضج"فتمتمت كارولين بصوت لا يكاد يسمع : " ألسنا جميعا كذلك ؟"

ثم نهضت واقفة . فرفع بصره إليها بلا حماس : " لا داعى للسرعة , أليس كذلك ؟ "

تنهدت كارولين : " أكره العودة الى البيت فى الوقت الذى تعود فيه لورا من بيت جدها. قد تسئ الظن إن علمت بأمر خروجنا "

نهض مونى واقفا مستجيبا بهدوء : " هذا لا يهمنى . ما اسمك ؟ كارولين ؟ هل بإمكانى أن أدعوك به ؟ انت تعرفين اسمى . قابلينى مرة أخرى يا كارولين "

ارتدت كارولين مذعورة : " لايمكننى القيام بذلك "

فعاد الى العبوس : " ولم لا ؟ لست .. مخطوبة , أليس كذلك ؟"

- حسنا ... لا .. ولكن ..

- ولكن ماذا ؟ ما يدرينا بأن علاقتى بلورا ليست سوى خطة وضعها القدر لكي نلتقى انا وأنت ؟

- سمعت عن التملق , ولكنني ..

بدت الضراعة فى عينيه : " ما هذا بتملق , صدقينى . لا اعرف الكثير عن الفتيات "

- لا أصدق هذا !


- ليتك تخرجين معي فانا اشعر بالوحدة احيانا


تنهدت قائلة : " لا استطيع ذلك . اضف الى هذا ان لورا قد تعلم بالامر ؟ "

- لن تعلم

- لا , لا .. لا استطيع

عندما ادرك جون انه لن يستطيع اقناعها سار الى دراجته ووضع خوذته على رأسه ملقيا بالاخرى الى كارولين . ثبتتها على رأسها , وبعدما صعد الى مقعده وادار المحرك ,

صعدت وجلست خلفه .

ولم يستغرق وصولهما الى بوابة ميتلاندس سوى دقائق , فنزلت كارولين وهي تشعر بالراحة . راح جون يتحسس شيئا داخل سترته , وما لبث ان اخرج بطاقة صغيرة مربعة من

الكرتون مد يده بها إليها : " انها بطاقتى فيها رقم تليفونى فى البناء الذى اعمل فيه إن شئت الاتصال بي .."

هتفت قائلة : " ولماذا أفعل ذلك ؟ "

فقال ضاحكا : " من يعلم ؟ "
فتح دودز البوابة باتساع إنش او اثنين ليمكنها من الدخول . إنه رجل متوسط السن يعيش مع زوجته فى هذا المسكن.وكان يعتنى بالمروج الخضراء والازهار . وعندما اغلق

البوابة خلفها , مط شفتيه بعدم استحسان وقال : " الآنسة لورا تفتش عنك , لم يعرف من فى المنزل إلى أين ذهبت "

قالت كارولين بذعر : " الأنسة لورا ؟ وهل عادت ؟"

- هذا ما يبدو . احضرها السيد بوث الى البيت بنفسه

فقالت وهي تمر بيدها على رأسها : " السيد بوث ؟ آه , تقصد السيد بوث الكبير . وهل اخبرت الانسة لورا إلى أين ذهبت أنا ؟"
- قلت لها إنك ذهبت مع شاب على دراجة بخارية يا آنسة فأنا أيضا لم أعلم إلى أين ذهبت

قالت وهى تصعد : " لا , لا طبعا . شكرا يا سيد دودز "

وفى منتصف الطريق , رأت لورا تركض لملاقاتها متوردة الوجه ولكن النكد بدا عليها , ثم هتفت تقول وهي تقترب منها : " ها قد جئت ! أين كنت ؟ وماذا كان يفعل هنا جوني ,

إنه جوني الذي ذهبت معه , أليس كذلك ؟ "

قالت كارولين مسرعة فى حديثها قبل أن تقاطعها لورا :

- نعم , وليتك لم تطلبى منه القدوم إلى هنا أثناء غيابك ! لم يكن أبوك راضـيا عن ذلك

أطلقت لورا مشاعرها المكبوتة بصرخة احتجاج : " أنا ؟ ولكننى لم أطلب منه القدوم الى هنا . ما الذى تتحدثين عنه ؟ "

قالت كارولين التى نجحت فى إظهار الدهشة فى صوتها : " لم تطلبى منه ؟ ظننتك انت من فعل ذلك ؟ "
سألتها لورا : " ولماذا أفعل شيئا كهذا ؟ "

- حسنا , ظننتك تريدين منى أن أقابله لكي أدرك أى نوع من الشبان هو .

- وهل أمكنك ذلك ؟


تنهدت كارولين , كانتا قد اقتربتا من الشرفة فرأت سيارة رولز فارهة تقف أسفل الدرجات ,.فافترضت انها سيارة روبرت بوث الجد الذى سيعرفها كما سبق ان عرفها جايمس .

آه , يا إلهى.يا له من شرك معقد . ولكنه على الأقل لا يعرف شيئا عن علاقتها بجايمس .

هتفت تقول : " لا يمكننا ان نتحدث الان يا لورا . ان جدك هنا أليس كذلك ؟ ألا يجب علينا الاحتفاء به ؟ "

- أبى هنا , بحثنا جميعا عنك فأبى غاضب كثيرا . ولا ادرى لماذا . كان عليه ان يكون مسرورا لأنك ذهبت مع جون . فكري كم سيكون سرورهم عظيما إذا نجحت فى سلب

جون مني .

أشارت كارولين الى سروالها الجينز والقميص وهما تصعدان الدرجات :

- أواه . يا لورا . انظرى الى ملابسى . على تغييرها . سنتحدث فيما بعد .

- أين كنت بحق الله ..

كانت كارولين مركزة انتباهها على لورا عندما انهالت عليها هذه الكلمات المفاجئة كدوش ماء بارد . كان جايمس فى الردهة يقف منفرج الساقين . عاقدا ذراعيه على صدره

غاضب الوجه .

حولت كارولين عينيها عنه وهي تبلل شفتيها بلسانها , ثم أخذت تتفحص ما ارتسم على وجه لورا نتيجة ذلك وقالت آملة ان تجد المساندة من الفتاة : " أنا أسفة لاننى اختفيت بهذه

الطريقة يا سيد بوث . وجدت ان من الاسهل ان نتحدث بعيدا عن المنزل "

قالت لورا التى استجابت الى ضراعة كارولين الصامتة :


- هذا صحيح يا أبى , حدثتنى الآنسة دوغلاس بكل شئ عن هذا .

ازداد عبوس جايمس : " وما الذى كان يفعله هنا يا لورا ؟ ولماذا طلب رؤية .. الأنسة دوغلاس ؟ "

هزت لورا كتفيها بعدم اكتراث , واخيرا قالت : " لقد . طلبت أنا منه المجئ "

فعرت كارولين فاها ذعرا , لانها لا تريد من لورا ان تذهب بعيدا الى هذا الحد . عادت نظراتها الى وجه جايمس , فلم يشجعها ما رات على ملامحه .
- ما الذى يحدث يا جايمس ؟

جاء الان دور روبرت بوث فى مقاطعتهم . كان واقفا عند الباب ينظر اليهم جميعا بتسلية , إنه رجل وسيم فى الستينات من العمر , وهو نسخة أكبر سنا عن ابنه . ولكنه عندما

رآها توترت ملامحه المسترخية واظلم وجهه , وانتقلت نظراته الى ابنه بعد تصديق.أدركت كارولين وهي تراقبه أن روبرت بوث على علم بعلاقتهما .

قال الأب : " من الواضح ان الانسة دوغلاس لم تتعرض لسوء فى خروجها هذا . ليس لدي لورا الحق فى دعوة ذلك النذل الى هنا مهما كان السبب .. "

رأت كارولين ان عليها ان تحتج على هذا الوصف فقالت : " ليس نذلا . إنه , حسنا , أنه رجل مثقف وهو الى ذلك ليس صيادا انتهازيا أو أى شئ من هذا القبيل . لقد جاء الى هنا

لانه .. حسنا , لانه دعى للمجئ ولا أرى ذلك سببا يجعل أيا كان بمثل هذا الغضب الملتهب "

قالت لورا : " ولا أنا . ليس منكم من يعرف جون , فكيف تحكمون عليه دون أن تعرفوه ؟ "

رأت كارولين كيف توتر فك جايمس بينما سقطت يداه على جنبيه , ثم قال ببرودة : " حسنا جدا يا لورا . بما أن لدينا رأى الانسة دوغلاس الخبير , فسنغفر لك سلوكك غير

المسؤول هذه المرة . ولكن فى المستقبل يا آنسة دوغلاس . ارجو منك ان تخبرينى قبل ان تخرجى مع رجل غريب "

- نعم يا سيد بوث

كان الشعور بالسخط لدى كارولين , يماثل شعوره , فأشاح بوجهه فجأة ثم سار عائدا الى غرفة الجلوس ..واحدث ذهابه صمتا محرجا ما لبث روبرت بوث ان اخترقه بقوله :

"سبق ان تقابلنا , أليس كذلك يا آنسة دوغلاس ؟ فى منزل آل فورستر "

ابتلعت كارولين السخط الذى احسته تجاه جايمس واغتصبت ابتسامة باهتة : " هذا صحيح يا سيد بوث , حدث ذلك منذ ست سنوات انه زمن طويل "

- وانت الان تشتغلين عند ابنى .

لم تكن تخطئ ما يعنيه بكلامه هذا .

أومأت تقول : " انه عالم صغير , أليس كذلك ؟ "

بدا على روبرت بوث عدم التركيز وكأنه لم يكن يتوقع هذا الجواب العفوى ثم قال : " هذا صحيح , إذا سمحت .. "

ولحق بابنه الى غرفة الجلوس , وعندما اغلق الباب خلف , تنهدت كارولين بصوت مسموع ثم هزت رأسها وسارعت نحو السلم , ولكن لورا لحقت بها :

- هل كنت تعنين ما قلته يا آنسة دوغلاس ؟ عن ... عن جون بأنه رجل مثقف . وليس صيادا انتهازيا ؟

أومأت كارولين على كره منها : " بالتأكيد "

ضغطت لورا براحتيها على وجنتيها وقد بدا عليها السرور بهذا الجواب , ثم عادت تقول : " انا مسرورة لانك قابلته "

قالت كارولين " يجب ان اغير ثيابى , لورا , اقترب مجئ أمك "

قالت لورا التى انحدرت زاويتا فمها : " آه , نعم . لا أدرى ما ستقوله عندما تعرف ان جون كان هنا "

لم تشأ كارولين التفكير فى ذلك , فقد خرجت الامور عن السيطرة فى هذا النهار , الذى كان رائع البداية أولا فى مصادفتها لجايمس فى القرية ثم حضور جون مونى غير المنتظر

, والان تكتشف ان روبرت بوث على علم بالعلاقة التى كانت بينها وبين ابنه .. إن هذا لكثير .

- أراك فيما بعد يا لورا .

قالت ذلك بحزم أسبغ حدة على صوتها . ولكن الغرام الذى يمتلك تفكير لورا لم يسمح بان تدع كارولين تذهب دون الالحاح عليها بالسؤال عمن دعا جون الى الحضور الى البيت

.

ولكنها عندما أصبحت فى حمي غرفتها , لم تستطع أن تنبذ من ذهنها ذلك السؤال . من الذى احضر موني الى المنزل ولأى غرض ؟ فإن لم تكن لورا الفاعلة فمن غيرها

سيستفيد من شئ كهذا ؟

دخلت الى حمامها وفتحت الصنابير سامحة لمزيد من الماء البارد . هزت كارولين رأسها . ربما لن يستطيعوا أبدا معرفة الفاعل . وتنهدت , ما كان أكثر أهمية هو تصرفات

جايمس وعدم اكتراثه الجلى بدور والده البرئ فى كل هذا , ماذا سيكون رأى روبرت بوث فيها ؟ ارتجفت وهى تفكر في ذلك .

خلعت ثيابها ونزلت فى ماء الحوض مستمتعة ببرودة الماء على جلدها اضطجعت فى الماء لتسمح للرغوة المعطرة بغمر جسدها . ما كان عليها ان تأتى الى هنا على الاطلاق .

ما كان عليها قط ان تسمح لنفسها بالتورط .

فى الصباح التالى , تملكت كارولين الدهشة لأن ديبوراه بوث جاءت تزور ابنتها لورا ومربيتها , ولم تأت على ذكر زيارة جون موني . فى الحقيقة , بدا على ديبوراه الاستغراق

فى أفكارها , وبدت فى عينى كارولين أكثر توترا من المعتاد .
بعد ذهابها , قالت لورا بامتعاض يخالطه شئ من الرضي :

- لم يذكر أبى لأمى شيئا عن مجئ جون الى هنا . اظن ان جدى اقنعه بذلك , إذ لن ينتج عنه سوى المزيد من الازعاج , بينما لم ينتج عن ذلك أى ضرر , أليس كذلك ؟

لم تعلم كارولين ما إذا كان عليها ان تكون مسرورة أم آسفة .

تابعت لورا التى عقدت حاجبيها : " ليتنى أعلم لماذا جاء . هل أنت واثقة من أنك لم تطلبى منه القدوم يا آنسة دوغلاس ؟

شهقت كارولين : " لا , كونى عاقلة يا لورا . ولماذا أطلب منه القدوم إلى هنا ؟ "

وضعت لورا مرفقيها على المائدة مريحة ذقنها على يديها : "لا أدرى . آه , ليتنى كنت هنا , ليتنى رأيته "

***********************


الحب يغزو كل شئ



أرسلت ديبوراه بوث وراء كارولين صباح السبت عندما كانت تستعد للسفر إلى لندن لمفاجأة تيم . عندما نزلت الدرج قاصدة الغرفة الصباحية التى تنتظرها فيها مخدومتها . كانت

افكارها مليئة بجايمس ولورا , وبزيارة جون موني التى كانت كارولين واثقة من ان ديبوراه قد علمت بها .

ولكن ما حيرها هو ان ديبوراه ارادت ان تدعوها الى حفلة عشاء صغيرة ستقيمها فى المساء التالي .

قالت للفتاة باسمة : " سنكون ثمانية فقط , انا وجايمس بالتأكيد , ووالداه السيد والسيدة روبرت بوث .. ثم تريفور فروبيشر والسيدة فروبيشر وابنهما الاكبر الذى عاد للتو بعد

سنتين من الغياب أمضاهما فى جنوب افريقيا ولورا . وكليف لستر وهو من اصدقاء زوجي , وانت "

تساءلت كارولين عما إذا كان وراء هذا التدبير جايمس . راحت تبحث فى ذهنها بلهفة عن عذر للتغيب وما لبثت ان قالت تعتذر : "انا . حسنا , سيدة بوث , كنت ارجو ان اتمكن

من قضاء العطلة الاسبوعية فى المدينة "

ولكن لم يكن من السهل رفض طلب لديبوراه : " ارجو الا تخذلينى يا آنسة دوغلاس . ساكون صريحة معك , السيدة التى ترافق السيد لستر عادة مريضة لذا لم استطع موازنة

عدد المدعوين فى هذه المدة القصيرة "

قالت كارولين وهي تبدي تعاطفها : " أسفة ولكن .. "

- آه , ارجوك ستستمتعين بالحفلة . انك لم تستمتعى بأى نوع من الترفيه منذ جئت الينا .

- ولكن يا سيدة بوث .

فقاطعتها ببرودة ودهاء :

- من المؤكد انك تنوين العودة الى هنا مساء غد . آنسة دوغلاس , اليس كذلك ؟ ليس لدي اعتراض على قضائك الليلة فى المدينة اذا كان هذا ما تريدينه . ولكن اكثير علينا ان

نطلب منك العودة فى وقت ابكر قليلا مما كنت تريدينه لتشاركينا العشاء ؟

تنهدت كارولين التى لم تشا ان تكون عديمة الادب فماذا تفعل ؟

قالت : " حسنا .. "

فقاطعتها ديبوراه مستغلة ما بدا عليها من ضعف : " علمت ان بإمكانى الاعتماد عليك يا آنسة دوغلاس . هذا حسن جدا . إذن ستوافيننا الى المكتبة غدا مساء "

بعدما أوصلها غروم الى محطة " ريدنغ " لتستقل القطار الى المدينة تملكها ذلك الشعور الرهيب بانقباض القلب الذى يترافق دوما مع توقعها حدوث شئ غير سار .

افسد عليها التفكير فى حفلة عشاء ليلة الاحد عطلتها الاسبوعية . كان تيم مسرورا لرؤيتها , وهو ايضا معلم . رغم انه فى البداية ابتدأ مهنته كرسام تجارى , وهو الان يقوم

ببعض الاعمال الكتابية بشكل حر , ولكنه يكتسب معيشته الحقيقية من التعليم فى كلية ثقافية . لدى تيم شقة في حي تشلسي . ومنذ عرفته كارولين وهو يحاول إقناعها بان تشاركه

فيها بالمبلغ الذى يناسبها وكان إن توقف عن طلب الزواج بها قبل سفرها الى سريلانكا ,. ولكنه لم يدع الامل قط فى ان اتغير رأيها يوما ما .

تناولا الغداء فى المطعم الصينى فى المنعطف القائم بجانب شقته . وهناك أخبرته عن الاشياء المتعلقة بعملها , ما عدا هوية مستخدميها . فقد اعترفت مرة لتيم فى غمرة موجة من

الكآبة عن تلك الفترة التعسة من حياتها . فخافت أن تخبره بأنها تعيش الان فى نفس المنزل الذى يعيش فيه ذلك الرجل الذى آلمها بذلك الشكل السئ

عندما كان يحدثها عن إحدى تلميذاته اخذ ذهنها يشرد عن الطريق السوي فقال لها : "هاي . هل تصغين إلى ؟ "

اعتذرت كارولين " انا آسفة يا تيم , ماذا كنت تقول ؟ "

- بل ما الذى كنت تفكرين فيه ؟ هذا هو المهم ؟
اغتصبت كارولين ابتسامة : " لا شئ هام "

عقد جبينه : " هل انت واثقة ؟ انك تشغلين بالي إذ تبدين متوترة . هل يرهقونك بالعمل ؟ "
- آه , لا بل استمتع به كثيرا . فلورا فتاة ذكية .
- لورا ؟ اهذا هو اسم الفتاة التى تعلمينها ؟

- نعم
- ما شكلها ؟ اعنى شخصيتها , هل هي من تلك الفتيات الضيقات التفكير

- آه , لا , بل على العكس . السبب الذى أخرجوها بسببه من المدرسة هو تورطها بعلاقة مع مهندس إرلندي يعمل فى إنشاء طريق بالقرب من المدرسة .

فقال هازلا : "هاى .. هل الامر كذلك ؟ يبدو انها طفلة "

- وهي كذلك

- ما اسمها مرة اخرى ؟ فروبيشر ؟ لورا فروبيشر ؟ لا أكاد اتذكر .

ترددت كارولين لحظة ثم قالت :" اسمها . فى الواقع . بوث . لورا بوث "

قال تيم الذى ضاقت عيناه :

- هل قلت بوث ؟ ألم تخبرينى مرة بأن لدى ذلك الشخص الذى حدثتنى عنه .. ابنة ؟

- آه , آه , نعم .ربما عليك ان تعلم , إنه مخدومي

- ماذا ؟ ولماذا لا تريدين ان تخبرينى ؟

- انا . ربما لا . انما انا نفسى لم اعلم بذلك حتى اصبحت هناك . لقد اجرت لى المقابلة تلك المرأة فروبيشر كما تعلم , فكيف كان يمكننى ان أتكهن ان ديبوراه بوث تتجنب مثل

هذه الامور لأنها عاجزة ؟

- لماذا إذن لم ترفضى الوظيفة بعدما عرفت أصحابها .

تنهدت كارولين : " كنت سأفعل ذلك , ولكننى . حسنا . قابلت لورا فقررت البقاء "

- هل أنت واثقة من أنه السبب الوحيد ؟

- أظن ذلك

فتنهد تيم : " وكيف كانت ردة فعل بوث عند ظهورك ؟ "

تورد وجه كارولين : " لقد تكهن بما حدث . وهو يعلم اننى لا اريد علاقة معه "

- أحقا ؟ اذا كان لم يعد يهتم بك , فلماذا لم يطردك من العمل ؟

- من المؤكد ان زوجته ستشك فى الامر اذا طردنى بلا سبب

بدا عدم الاقتناع على تيم ثم سألها :

- وماذا عن زوجته ؟ كيف شكلها ؟

فكرت كارولين لحظة قبل ان تقول : "لست واثقة . فهى تبدو ودودا للغاية احيانا , وفى احيان اخرى . فى الواقع , طلبت منى الانضمام الى حفلة عشاء ستقيمها مساء الغد "

ذهل تيم : " ماذا ؟ ولماذا ؟ هل انت واثقة من ان السيدة بوث هي التي وجهت الدعوة ؟ "

احنت كارولين كتفيها وهي تعترف كارهة : " تساءلت بينى وبين نفسى عن ذلك . ولكنها هى وراء ذلك لأن جايمس لن .. "

- جايمس ؟


- آه , يا تيم . كفى محاولة العثور على زلة فى اللسان . نعم . جايمس ! وبم تريد منى ان ادعوه ؟ السيد بوث ؟ تيم انه رجل احببته مرة ! رجل عشت من اجله . ثلاثة أشهر

فقط . فلا تتوقع منى ان انسى ذلك .

امسك تيم بيدها عبر المائدة بشدة : " آه , يا كارولين . كارولين .. إنك حمقاء , فهل تعرفين هذا ؟ انك حمقاء لانك تمكثين فى ذلك المنزل , فأنت لست عديمة الاكتراث بجايمس

بوث . لذا لن يجلب مكوثك هناك الا التعاسة الا نفسك "

انتزعت يدها من يده ووضعت يديها معا فى حضنها وهي تقول : " انا لا افعل ذلك . الا تفهم يا تيم ؟ هذه هى الطريقة الوحيدة , فلا يمكننى الهرب من نفسى طوال حياتى "

فحملق فيها غاضبا : "إنك مجنونة "


ولاذ بالصمت , ولكن هذه المحادثة افسدت العطلة الاسبوعية , ومع ان كارولين امضت الليلة فى الشقة حيث احتلت سرير تيم بينما رقد هو على الاريكة فى غرفة الجلوس كما

اعتاد مرات كثيرة من قبل , رغم هذا لم يكن الامر بينهما كما كان .

صباح الاحد , استيقظت كارولين بعينين منتفختين لانها لم تظفر سوي بساعتين من النوم .

وجدت تيم ما زال يغط فى نوم عميق على الاريكة , غسلت وجهها وارتدت ثيابها بهدوء ثم تركت الشقة دون ان توقظه , ولكنها وضعت رقعة ورق صغيرة بجانب الاريكة تشرح

له الامر . ان ذلك جبن منها ولكنها لا تستطيع ان تتعرض مرة اخرى لمزيد من تبادل التهم .

لان الوقت مبكر على العودة الى ميتلاندس , اخذت تتمشى فى الشارع فولهام قاصدة الحديقة العامة .. قررت ان تودع حقيبة ملابسها الصغيرة فى مكتب الامانات فى محطة "

بادينجتون " وبعد ذلك تبحث عن مكان تتناول فيه طعام الفطور . ولكن ما ان سارت عدة اميال حتى مرت بها سيارة خضراء فارهة .

ارتدت كارولين الى الخلف عند المنعطف مجفلة , فما زال الوقت باكرا والمارة قليلون . ولكن فى السيارة ما جعلها مألوفة لديها , ولما أنزل جايمس زجاج السيارة المحاذى لها

اتسعت عيناها دهشة .

قال بحدة : " ادخلى "

توقفت كارولين وهى تنظر حولها متوترة : " انا .. لماذا ؟"

فتح باب السيارة من الداخل ثم مد ساقة خارجا منها ومن ثم وقف بجانبها . كان بنطلونه مجعدا , ويرتدى كنزة سميكة . وبدت لحيته نابتة تغطى ذقنه . اما عيناه فبدتا محمرتي

الاجفان وقد رسم الارهاق خطوطا حولهما .

عاد يقول بإصرار : " ادخلى يا كارولين "

فهتفت وهي تنظر فى عينيه : " من أين أقبلت ؟ وماذا تفعل هنا ؟"

قال وهو يأخذ حقيبتها من اصابعها المرتخية : " ادخلى وسأخبرك . هيا بنا , ان ضوء المرور أصفر الان "

ثم القى بحقيبتها الى المقعد الخلفى .

حاولت ان تحتج ولكن شيئا فى عينيه اسكتها . فهزت كتفيها بعدم اكتراث وصعدت الى المقعد الامامى عندئذ صفق الباب ودار حول السيارة ثم صعد الى جانبها .

التفتت تحدق الى جايمس . واذا به يركز اهتمامه على حركة السير لذا لم يستطع مبادلتها النظر , فتملكها شعور بألم مريع فى معدتها لا يمكن تجنبه . ما الذى كان يفعله هنا ؟

وكيف عثر عليها ؟

حول جايمس السيارة من الشارع العام عند أول مفترق للطرق , متبعا الشوارع الصغيرة , حتى خرجا منها الى جانب مقبرة . ثم اوقف السيارة عند المنعطف واطفأ المحرك .

قال : " هل نتمشى ؟ "

نظرت كارولين الى المقبرة بريبة . فأضاف يقول بخشونة : " انها هادئة على الأقل "

تنهدت وهى تفتح باب السيارة . دخلت كارولين من بين القضبان الحديدية الطويلة الى ساحة خالية . الجو ما زال باردا لذا شعرت بالسرور لانها ترتدى سترتها الفيروزية فوق

القميص الاصفر وبنطلون السفر . سار جايمس بجانبها واضعا يديه فى جيبي بنطلونه اما ملامحه فبدت مظلمة شاردة .

اخيرا سألها : " من هو ؟ "

خرجت الكلمات من بين اسنانه متوترة ملؤها المرارة .

لم تتظاهر كارولين بعدم فهمها ما يعينه : " ان اسمه تيموثيل فرانكلاند . ولكننى لا افهم ما شأنك بهذا "

فوقف جايمس امامها متوقفا عن السير : "لا تفهمين ؟ من يكون ؟ وكيف تمضين الليلة فى شقته ؟ "
قالت وهى تجذب نفسا عميقا : " جايمس , ليس لديك الحق فى التجسس علي "

- صدقى او لا تصدقى , لحقت بك لأننى ظننت انك ذاهبة للقاء موني .

- ماذا ؟

قال وقد توترت شفتاه : " سمعت ما قلته , فما أشد حماقتى ! كان على ان ادرك انك لست بذلك الغباء "

فقالت بغضب : " لا اقبل هذا منك يا سيد بوث , ان ما افعله فى وقت فراغي هو شأنى الخاص "

سحب جايمس نفسا عميقا يدل على انه يحاول ان يسيطر على اعصابه . اردف : " والى اين كنت ذاهبة الأن ؟ الى بسكومب على الأغلب "

تحولت كارولين عنه مبتعدة . سألت : " ولماذا أذهب الى بسكومب ؟ "

- مونى يسكن هناك . هناك بيته المتنقل .

التهبت عيناها غضبا : " آه , بحق الله . لقد سبق ان اخبرتك باننى لا اعرف جون موني اكثر مما تعرفه انت "

- احقا لا تعرفينه ؟

- لا . آه , نعم . تحدثت اليه , أليس كذلك ؟ ولكن كان بمقدروك انت محادثته .
- لم تسمحى لي بذلك .

تنهدت قائلة : " لقد طلب رؤيتى انا , ولا اظنه كان سيرضي بالتحدث إليك "
- إذا ظننت أننى اقتنعت بذلك الكلام التافه عن اتصال لورا به لكي يتحدث إليك . فانت مخطئة .

هزت كتفيها قائلة : " وماذا أستطيع ان اقول ؟ "

- ما لا استطيع فهمه هو السبب الذى يجعل لورا تساندك ؟


التفتت اليه كارولين وشعرت رغما عنها بالبؤس بسبب العذاب الظاهر فى ملامحه .
- آه , يا جايمس , ليس لك ان تقلق بالنسبة للورا . فلن يصيبها أى ضرر , صدقنى .

اخرج يديه من جيبيه ثم اخذ يمرر اصابعه على فخذيه : " انا لم امض الليلة خارج شقة فرانكلاند بسبب لورا "

حبست كارولين أنفاسها وهي ترتد مبتعدة عنه. راحت تهز رأسها ببطء ثم قالت بوهن وهي ترى يديه تمتدان اليها : " لا , لا يا جايمس . انا .. لا يمكنك فعل هذا .. "

قبض على أعلى ذراعيها ثم جذبها إليه وراح يتمتم بصوت ملؤه العذاب : " لابد من ذلك يا كارولين .. لابد من ذلك .."

كان عناقه عنيفا محموما جعلها تشعر به كما لم تشعر قط . لم تدرك انها ما زالت تتذكر قوة تأثرها وتجاوبها معه .

همست محتجة : " جايمس "

همس يقول دون ان يفلتها من بين ذراعيه : " لا تصدينى يا كارولين"

ادركت فجأة انه لا ينوى ان يتركها . لم تعرف ما إذا كانت تملك القوة او الارادة لمقاومته ولكن عليها المقاومة . اغمضت عينيها لانها لا تريد ان ترى جاذبيته التى لا تنكر , ثم

رفعت قدمها ورفسته بعنف على ساقه مستغلة استرخاء يديه المؤقت عنها . ثم ركضت الى بوابة المقبرة والمشاعر تهزها . لكنها ما لبثت ان توقفت فجأة , فحقيبتها فى سيارة

جايمس وحقيبة يدها ايضا وهذا يعنى انها لا تملك قرشا واحدا يعيدها الى ميتلاندس .

اصلحت ملابسها ثم التفتت خلفها متوجسة . كان جايمس يسير ببطء نحو البوابة محني الرأس , وبدا غير منتبه الى وجودها . عندما نظرت إليه . تملكها العجب لعدم شعورها نحو

بأى غضب او اشمئزازا , ولهذا الشعور السخيف الذى يتملكها والذى هو .. ماذا ؟ عطف ؟ حنان ؟ ولماذا تشعر بالعطف على رجل يستحق احتقارها ؟ كان الجواب بسيطا

بالتأكيد ( الحب يغزو كل شئ ) كما يقول المثل .

عندما اقترب منها , رفع بصره إليها فأبدت تمردا كانت بعيدة عن الشعور به .

قالت : " هل لى أن آخذ حاجياتى من فضلك ؟ "

نظر جايمس اليها بذهن متلبد ثم هز كتفيه : " لماذا ؟ إذا كنت عائدة الى ميتلاندس , فسأقلك بنفسى "

- لا أريد ان اركب معك . والى ذلك . ما الذى ستقوله زوجتك اذا عدنا معا ؟ خاصة وانت امضيت الليلة خارج البيت .

فقال لها ببرودة : "لا يهمنى شئ "

- حسنا , اما أنا فيهمنى , لا اريد ان افقد عملى فقط من اجل .. حسنا , من اجلك

عاد يهز كتفيه : " كما تشاءين "

فتح سيارته واخرج حقيبتها التى وضعها على الرصيف ثم ناولها حقيبة يدها الملقاة على المقعد .

علقت حقيبتها بكتفها وحملت حقيبة ملابسها , اما جايمس فاتكأ الى صندوق السيارة , ولكنه لم يكن ينظر إليها . ابتعدت عنه خطوة ثم نظرت خلفها وهي تشعر بحس من المسؤولية

ازعج ضميرها .

قالت ضارعة : " جايمس "

عندما التفت لينظر اليها , اسرعت تقول : "جايمس أنا .. انا لم انم معه. اعنى تيم فرانكلاند . قد لا تصدق هذا , ولكننى لم افعل وما فعلت قط "

فقال وقد أظلمت عيناه : " لماذا تقولين لى هذا ؟ "

عند ذلك تورد وجهها : " لا ادرى .. ظننت انك .. ان هذا يهمك "

فأطلق ضحكة لا بهجة فيها , ثم تمتم يقول : " يهمنى ؟ آه , ابتعدي عني يا كارولين , دعيني وشأنى . ليتنى لم ارك مرة أخرى "

* * *


عندما عادت كارولين الى ميتلاندس , كان الوقت متأخرا . لقد قامت بما صممت عليه فى البداية فأودعت حقيبتها فى المحطة , ولكنها بدل البحث عن مقهى تتناول فيه فطورها ,

استقلت الحافلة الى جنوب المدينة حيث انضمت الى مجموعة من ذوي الاجازات الذاهبين الى الشاطئ والنزهات . فهي بحاجة للانضمام الى مجموعة لا يعرفها فيها احد .
تأخرت فى العودة الى المدينة , ولعل ما اخرها اكثر عدم رؤية غروم الذى كان عليه ان يستقبلها . وهذا ما جعلها تستقل سيارة اجرة الى المنزل , وقد تجهم وجهها بسبب المبلغ

الذى عليها ان تدفعه لذلك . فإن هى لم تكن حذرة فستنفق علاوة الشهر المقبل وبهذا تحكم على نفسها بقضاء أربعة أسابيع اخرى هنا, فقد قررت تقديم استقالتها .

عندما توجهت الى غرفتها , لم تر سوى مدبرة المنزل ولكن سيارة جايمس كانت امام الباب وكم شعرت بالراحة لانه وصل الى بيته سالما .

لم تكد تجد وقتا تفتح فيه حقيبتها لتخرج كيس الحمام إذ سمعت قرعا على بابها . ترددت لحظة ثم سحبت نفسا عميقا وذهبت لتفتحه , وشعرت بشئ من الارتياح لأن لورا هى

الواقفة بالباب.

قالت لها الفتاة بلهجة طبيعية : " مرحبا , هل استطيع الدخول ؟ "

تنحت كارولين جانبا فدخلت لورا الغرفة , وعندما اغلقت كارولين الباب ارتدت هذه اليها ضاحكة : " لن تحزرى ابدا ما حدث , رأيت جوني "

تهالكت كارولين على حافة سريرها بضعف : " احقا ؟"


- نعم , اليوم فى فينبورن , اتصل بي قائلا انه كان سيسأل عنك لو أجاب احد غيرى على الهاتف , ولكن بما أن ابى فى رحلة بحرية وامى مشغولة بالتحضير لحفلة العشاء

التى ستقيمها الليلة , كان على ان اجيب بنفسى .

إذن هنالك كان مفروضا بجايمس ان يكون . تنهدت كارولين : " فهمت "
سألتها لورا بقلق : " لا تمانعين . أليس كذلك ؟ اقصد ان الامر كان فى غاية البراءة . تمشينا فقط . وتحادثنا "

اضطجعت كارولين الى الخلف فى سريرها وشبكت ذراعيها خلف رأسها وقالت بضعف : " لا ادرى يا لورا , لا احب ان اكون غطاء لتصرفاتك الخفية . تعلمين ان امك

ستلومني لتشجيعي اياك ومن يستطيع ان ينكر ذلك ؟ "

- وما الذى يجعلها تعرف ؟

استندت كارولين الى مرفقيها : " ان الآباء دوما يعلمون . آه , اسمعى . ألم نتوصل الى ترتيب خاص ؟ "

- هذا صحيح . قلت انك ستساعديننى على رؤية جون أحيانا ..

- لم أقل شيئا كهذا .
أحنت لورا كتفيها وابدت الملامح الثائرة التى تبديها لوالديها : " بل فعلت , لقد قلت لك إذا اجتهدت فى دروسي . "

- لورا , لم يمض على وجودي هنا سوى اسبوعين او اكثر بقليل . فاصبري بعض الوقت , كيف يمكننى مساعدتك ان اصررت على التصرف بطريقة لا يرضي عنها ابواك ؟

- وما الذى يمنع ان ارى جون احيانا اذا تدبرنا الامر ؟

- حسنا . ارجو الا يتعود على الاتصال بك الى هنا والسؤال عنى . لا اظنكما رتبتما الامر بهذا الشكل , أليس كذلك؟

- لا , لم نرتبه .

كان جواب لورا عنيفا , فقطبت كارولين حاجبيها وقالت بفروغ صبر : " ولكنك تدبرت امر رؤيته مرة اخرى "

زمت لورا شفتيها ثم قالت بغلظة :

- لا أدرى لماذا على أن أخبرك .

- أتريدين منى ان اذهب واخبر والديك الى اين ذهبت هذا النهار؟

- لن تفعلى ذلك .

قالت كارولين وهي تستقيم فى جلستها : " جربيني "

- آه , لا بأس . نعم , نعم . وعدت بان أراه مساء الجمعة .

نهضت كارولين من سريرها : " لورا لا اريد ان اكون طرفا فى هذا الامر "

احنت لورا رأسها : " اما قلت انك صديقتى ؟"

رفعت كارولين عينيها الى السماء مستشهدة : " نعم , وانا كذلك . ولكن هذا ليس ما اتفقنا عليه , أليس كذلك ؟ ان مضيك بالاجتماع به سرا لن يعزز مكانته عند ابويك "

- لن يوافقانى ابدا على الاجتماع به .

هزت كارولين رأسها بعجز : " انت لا تعرفين ذلك , أخبرتك بأننى سأساعدك انما ليس بهذا الشكل . واذا واذا اتصل تليفونيا مرة اخرى فاخبريه بما قلته لك "

- متى يمكننى ان أراه اذن ؟

اخذت لورا تذرع حجرتها :" فيما بعد يا لورا , فيما بعد. خلال شهرين .. "

هتفت لورا بفزع : " شهرين ؟ "

- تستغرق هذه الامور وقتا يا لورا . ثقي بي فانا اعرف ما اقول .

ولكن كارولين اخذت تفكر , مهل هي كذلك حقا ؟ ومن هي حتى تنصح الاخرين ؟
تمتمت لورا باكتئاب وبصوت خفيض : " وما يدريني انك لا تريدين ان نبقى مفترقين ؟ "

اتسعت عينا كارولين : " ماذا تعنين ؟ "

- حسنا , جاء جون الى هنا ليراك عندما كنت انا خارجا.أليس كذلك ؟ وقد اخبرنى ان الخبر الذى تلقاه هو منك فكيف اعرف انك لا تهتمين به انت نفسك ؟ لو اجاب شخص

اخر على التليفون هذا النهار , لربما سأل عنك لانك انت التى يريد حقا التحدث اليها .

بللت كارولين شفتيها بلسانها : " آه يا لورا , هل تظنين ذلك حقا ؟"

قالت لورا بصوت حزين : " لا ادرى ما على ان اظن "

اشاحت كارولين بوجهها وهي تضغط خديها براحتيها .

- حسنا . صدقى اننى لم ار قط جون موني قبل ان يأتى الى هذا البيت ذلك النهار . وبعكس شكوكك , لم يجذبنى .

تنهدت لورا وارتجفت شفتها : " هذا لا يعنى انه لم ينجذب إليك , اعنى .. اعنى , قالت امى ان كثيرا من الرجال يحبون صنفك من النساء "

شعرت كارولين بغصة فى حلقها : " هل .. هل قالت امك ذلك ؟"

- نعم

- ولكن .. ولكن كيف ؟ وكيف كان مجري الحديث ؟

هزت لورا كتفيها : " كان ذلك وقت الغداء أمس قبل ان يذهب ابى الى رحلته البحرية . قالت انك ستمضين الليلة فى المدينة "

- وبعد ذلك ؟

- حسنا , قالت انك ربما ستقيمين مع رجل ما وقالت انك كنت تعيشين مع رجل قبل مجيئك الينا . كان لديها .. لديها العنوان .

شعرت كارولين بالغثيان . اذن لهذا استطاع جايمس ..

نعم , لا تنكر انها سكنت فترة مع تيم ولكنها قط لم تكن على علاقة معه . هتفت بمرارة : " آه , يا الهى . ولكن ما الذى جعل أمك تقول شيئا كهذا ؟ وماذا يعنيها من ذلك ؟ "

- انت لا تعرفين امى يا آنسة دوغلاس , هي تحب الحديث عن امور كهذه , مع انها منذ تعرضت لذلك الحادث لم تطق ان يلمسها ابي .

- لايمكنك ان تعرفى هذا

- آه , بل اعرف . فهى تجفل او ما أشبه ذلك كلما كان ابى موجودا . ولكن هذا لا يعنى انها لا تهتم بما يفعل , فإذا اخذت امرأة من اللاتي يأتين للعشاء عندنا بالعبث مع أبي ,

يتمكلها غضب بالغ , إنها غيور جدا .

- لورا , لا ينبغى عليك ان تتحدثى عن أمك بهذا الشكل .

- ولماذا لا ؟ أما سألتنى عنها ؟

- اعلم هذا , ولكن ...

- على كل حال , لقد قالت إنك .. لا تعلم مطلقا ان جون جاء الى هنا , لكنها , بشكل ما جعلتنى اشعر بأنه اذا جاء ... آه , انك تعلمين ما احاول ان اقول .

حاولت كارولين استيعاب ما تضمنه كلام لورا , فبعض الناس يجدون متعة فى تعذيب الاخرين . ولكن ان تعذب ابنتها ؟

سارت نحو النافذة حيث اخذت تنظر منها دون ان ترى شيئا . لكن قد لا يكون للفكرة التى عنت على بالها أساس . ربما ديبوراه بوث غير مسؤولة عن استدعاء جون موني الى

بيتها .. وهل يمكن هذا؟ ومع ذلك هى الوحيدة بينهم التى لديها احسن فرصة لذلك , وكانت تعلم ان كارولين ستكون فى المنزل , اما وجود جايمس هنا فلم يكن بحسبانها.

وجدت كارولين نفسها تتنفس بشئ من السرعة , ولكن قسوة ما كانت تفكر فيه عصف بكيانها , هل هذا ممكن ؟ واذا كان ذلك , فإلام تهدف ديبوراه من وراء ذلك ؟

تنحنحت لورا لتجذب انتباه كارولين .

- هل هناك شئ سئ يا آنسة دوغلاس ؟ لا اظنك .. اعنى .. حسنا , هل ستتركينا لأن .. لأن امى تهتم بشؤون الناس الخاصة اكثر مما ينبغى ؟

التفتت كارولين اليها شاعرة بثقل المسؤولية نحوها : "انا .. لا , بالتأكيد , يا لورا "

بدت الراحة على لورا : " وانا لن اقابل جون يوم الجمعة . سأرسل إليه خبرا بذلك "

اومأت كارولين قائلة : " شكرا "

منحتها لورا ابتسامة صغيرة : " الافضل ان اذهب واعد نفسى للحفلة , اخبرتنى امى انك ستكونين معنا "

اومأت كارولين مرة اخرى . كم تتمنى لو انها لا تحضر !

* * *

6 – لعبة المرأة الحزينة



ارتدت كارولين ثوبا أسود بسيطا للحفلة ورفعت شعرها على رقبتها . كان الثوب طويلا يصل الى الكاحل ولكنه بلا اكمام . ومع انه ثوب مصنوع من قماش الشيفون الا انه اظهر

تقاسيم جسمها .

وعندما نزلت السلم سمعت اصواتا من غرفة المكتبة , فتوترت اعصابها كان باب غرفة المكتبه مواربا , ومع ذلك فقد ترددت عند العتبة . لم يكن هؤلاء الناس من بيتها ,

فاغمضت عينيها لحظة لتستجمع شجاعتها .

- هل أنت بخير يا آنسة دوغلاس ؟

فتحت عينيها واذا بها ترى كليف لستر بجانبها .. يبدو انه كان واقفا قرب الباب فلاحظ ترددها . فقالت بسرعة وهي تغتصب ابتسامة :


- آه . نعم . لقد كنت .. كنت استجمع شجاعتى لادخل .

قال وهو يبادلها ابتسامتها : " لست بحاجة الى شجاعة وانت بهذا المظهر . هيا ادخلى "

بدت الغرفة مليئة بالناس . ولكن سرعان ما تبين لها انهم عبارة عن السيد والسيدة بوث الكبيرين والشاب الذى كان ابن آيرين فروبيشر وديبوراه الجالسة فى كرسيها ولكنها بدت

تحتل المشهد باجمعه باناقتها فى ثوبها القاتم الزرقة ولكن لم يكن هناك أثر لجايمس او للورا .

رأتها ديبوراه . وكان على كليف ان يقودها بالقوة الى حيث كرسى مضيفتهم التى قالت لها :

- آه , آنسة دوغلاس تبدين رائعة الجمال , اليس كذلك يا كليف ؟

فى صوت ديبوراه من الاعجاب الصادق ما جعل كارولين تشعر بالخجل لانها اساءت بها الظن وتصورت ان لها يدا بذلك الاتصال الهاتفى .

اجاب كليف هازلا : " قلت لها الشئ عينه , وعلى ان اهنئك على حسن اختيارك لمرافقتى يا ديبوراه "

ضحكت ديبوراه : " هل تعرفين كل واحد هنا آنسة دوغلاس ؟ لا , انت لا تعرفينهم جميعا . فلأقدمك الى حماتى , آه والى تريفور ايضا"

أثناء التعارف , انتبهت كارولين الى ان جايمس انضم اليهم . سمعته يتكلم مع ابيه , فنضحت راحتاها بالعرق .

كان تريفور فروبيشر ظريفا طويل القامة قوي البنية , وقد امضى السنتين الماضيتين يعمل فى مختبر فى جنوب افريقيا.وعندما أبدت كارولين فضولا مهذبا بعمله , اخبرها بأنه

يهتم بالكيمياء الحيوية .

واضاف قائلا انه يرجو ان يعمل فى علم الوراثة , وكانا يناقشان اهمية الوراثة وفيسيولوجية الجسم , عندما ظهرت لورا .

وقفت لحظة عند العتبة فلما نظرات اليها كارولين كادت تقسم انها لو كانت اكبر سنا لكانت من الفاتنات , مع انها الان تبدو فاتنة ايضا .. فى الواقع , هى المرة الاولى التى تراها

كارولين فيها من دون بنطلون , مرتدية ثوبا من القطن المنقوش بالازهار وشعرها المغسول حديثا ينسدل على كتفيها كحرير اسود . بدت جذابة للغاية .

نظرت حولها فى انحاء الغرفة ولكنها بدت غير مهتمة بما أثارته من انتباه , وما ان رأت كارولين حتى توجهت إليها . ولكن ما إن وصلت اليها ورأت مرافق كارولين حتى

اتسعت عيناها بعدم تصديق .

هتفت حائرة : " تريفور ! هذا تريفور , أليس كذلك ؟ "

تورد وجه الشاب قليلا , ووجدت كارولين نفسها تراقب ما بدا على وجه ديبوراه بوث من تعبير , كانت أم لورا تميل الى الامام فى مقعدها ,وقد بدا اهتمامها مركزا على المشهد

الذى يجري .

قال تريفور بابتسامة عريضة : "مرحبا يا لورا . لا تخبرينى اننى تغيرت بمقدار ما تغيرت انت "

فضحكت لورا وهي تنظر اليها غير مصدقة :

- ولكنك كبرت جدا . لا أتذكرك بهذا الطول .. او بهذا العرض .


ثم تورد وجهها وهى تنقل انتباهها الى كارولين : " انا اسفة يا آنسة دوغلاس . انما انا وتريفور نعرف بعضنا بعضا منذ الطفولة فهو يكبرني بأربع سنوات طبعا . ولكن ما زال

بإمكانى تسلق الاشجار افضل منه "

صدر عن جديها غمغمة هزل , وكأنها أدركت انهما سمعاها فأبدت اشارة اعتذار ثم ارتدت لتتحدث اليهما . وعندما اجتذب آل بوث تريفور الى وسطهم , ظل كليف بجانب

كارولين .

قال وقد بدا الهزل فى عينيه : " حسنا , أنهيت واجبي لهذا المساء ويمكننى الان ان ابدأ بإمتاع نفسى "

كانت كارولين تعبر لمجاملات كليف نصف مسامعها فقط . وكان جايمس واقفا قرب كرسي زوجته وقد أحنى رأسه مستمعا الى ما تقوله له . فى هذه الامسية ارتدى جايمس

سترة العشاء القاتمة والقميص الناصع البياض بجانب بشرته السمراء , يمثل رجل الاعمال الناجح , وليس على الاطلاق ذلك الرجل الوحيد المعذب الذى واجهته هذا الصباح .

قدم العشاء بعد ذلك بدقائق . شعرت كارولين بالراحة وهي ترى أنها تجلس بين السيد بوث الاب وكليف لستر . أما جايمس وديبوراه فقد احتلا طرفي المائدة المستطيلة التى كانت

تغطيها الآنية الفضية والكؤوس البلورية .

كان الطعام رائعا . استطاعت كارولين ان تأكل بعض ما قدم إليها , وفى هذه الاثناء ركزت انتباهها على ما كان روبرت بوث يقوله لها , وتجنبت النظر فى اتجاه جايمس .

وعبر المائدة , كانت لورا تثرثر سعيدة مع تريفور فروبيشر , يبدو ان الاثنين وجدا الكثير ليتحدثا عنه , واذ اخذت كارولين تراقبهما فكرت فى ان لورا نسيت حاليا جون موني

.
نقلت انتباهها الى ديبوراه التى بدا عليها هى ايضا الرضا , وفكرت كارولين ان بإمكانها ان تفهم السبب , ولكن اذا ظنت ان من السهل تحويل مشاعر لورا فهى مخطئة .

عندما انتهى العشاء . قدمت القهوة فى غرفة الجلوس وهي غرفة نادرا ما كانت كارولين تدخلها ,فلم يكن عملها يتضمن الجلوس مع الاسرة فى غرفهم , والحمد لله لذلك !

سأل روبرة بوث كليف عما إذا قرأ فى الصحيفة ذلك الصباح التقرير عن إفلاس احدى الشركات , اما كارولين فجلست بشئ من الضيق على ذراع مقعد مستقيم الظهر , محاولة

حمل نفسها على الاهتمام بما حولها لان وعيها منصب على جايمس , ولم تدهش عندما تقدم منها ليسألها عما تحب ان تشرب .

اجابت وهي تشير الى فنجان القهوة فى يدها :

- لا شئ , شكرا . هذا يكفى .

أومأ جايمس برأسه وقد بدا رابط الجأش , ورأت ان الارهاق الذى كان باديا عليه هذا الصباح لم يتبدد كليا .وبسبب قربه منها رأت مدى الانهاك فى مظهره الذى كان يوما ما

مغريا جذابا .

أسرعت تغص طرفها لئلا يلمح ما ارتسم فى عينيها من شعور بالحنان .

شعرت به يبتعد دون أن تراه , عند ذلك فقط أدركت انها كانت تحبس انفاسها . ولكن من حسن حظها ان كليف استطاع النجاة من اسئلة روبرت بوث وجلس على كرسيها وعلى

وجهه ابتسامة عريضة .

تمتم بصوت خفيض :


- ولماذ اهتم " بهانسفورد للنسيج " وعندي امرأة رائعة الجمال اتحدث اليها ؟

لم تستطع كارولين منع نفسها من الابتسام : " انك تشبع غرورى حقا . هل تعلم ذلك ؟ "

- لماذا ؟ ألأن السيد غير راض عن وجودك هنا ؟

وجدت كارولين صعوبة فى السيطرة على تلون وجهها :

- لماذا ؟ لماذا تقول هذا ؟

هز كليف كتفيه : " لا ادرى . ربما هو لا يوافق على حضوري أنا , فلم ينفك يرمقنا بنظرات قاتلة هذا المساء "

- هذه تخيلات منك .

اشتبكت عيناه بعينيها : " احقأ ؟ ربما . ام لعله يشعر بالغيرة ؟ "

- لا اراك جادا فى كلامك .

- آه , بل أنا جاد يا كارولين . هل يمكننى ان ادعوك كارولين ؟ انت لا تعلمين ما تفعله عيناك الخضراوان هاتان بالرجل .

حاولت كاورلين ان تكون جريئة , فقال عابثة : " عيناي فقط ؟ "

قال برقة : " لا , ليست عيناك فقط , بل أنت بأكملك .. "

- الا يمكنك ان تجد كرسيا تجلس عليه يا كليف ؟

فرق صوت جايمس بينهما كصاعقة فاستقام كليف محركا عضلات ظهره المتصلبة , ولكن ليس قبل ان ترى كارولين ما ارتسم على وجهه وهذا ما جعلها تعرف ما يفكر فيه .
قال ساخرا : " انت مضيف رائع دوما يا جايمس "
فاجاب جايمس برصانة : " لا أرانى كذلك "

مر كليف بأصبعه على شاربه وهو يقول :

- أخبرتنى ديبوراه انك كنت فى نزهة بحرية هذه العطلة الاسبوعية , فإلى اين ذهبت ؟

امسكت كارولين انفاسها ولكن جايمس لم ينزعج :

- ذهبت بسيارتى الى ساوثمبتن .

أنذرهم باقتراب ديبوراه صوت كرسي عجلاتها على السجادة , ولكن كارولين شعرت بشبه راحة . فمع أن جايمس وكليف يتحدثان بمودة ظاهرة , الا انها تحس بنفورهما

الصامت . تملكها شعور قوي بالاستياء من مخدومها . فأية لعبة يقوم بها ؟ وكيف يجرؤ على إظهار مثل هذا الاهتمام التملكي بشؤونها ؟

- حسنا , ألان اتستمتعون جميعا ؟

بدت مقاطعة ديبوراه البشوش عفوية .

اجاب كليف : " وماذا يمكننا ان نقول سوى ذلك بعد ذلك العشاء الفاخر الذى قدمته لنا ؟ ان ديبوراه مضيفة رائعة كعادتها دوما "

وتحولت عيناه بسخرية نحو جايمس عندما قال ذلك . ظنت كارولين , فى لحظة مريعة , انه سيقول شيئا اخر ولكنه لم يفعل.. ابتسمت ديبوراه راضـية وهى تنظر الى زوجها

بحنان : " ان كلام كليف أحلى كلام , أليس كذلك يا حبيبي ؟ "

وانتقلت نظراتها الى ملامح كارولين التى يكسوها توجس غامض :

- ألا تظنين ذلك يا آنسة دوغلاس ؟ لاحظت ان اعزبنا الجوال تحدث اليك كثيرا هذا المساء .

تحركت كارولين بضيق ثم تنحنحت : " إننا , انا والسيد لستر , لا نكاد نعرف بعضنا بعضا "

قالت ديبوراه بمكر : " آه , ولكن كليف ليس بالرجل الذى يدع العشب ينمو تحت قدميه . فقد حان الوقت ليتخذ زوجة , أليس كذلك يا جايمس ؟ الرجل بحاجة الى امرأة "

عندما لمحت كارولين وجه جايمس العابس , استغربت قلة الملاحظة لدي ديبوراه , الا ترى انها تثير موضوعا حساسا ؟

اخيرا قال جايمس بصوت متماسك هادئ :

- إن كليف ليس من الرجال الذين يتزوجون .

رد عليه كليف بحدة وهو ينظر الى كارولين :

- قد تكون على خطأ . وكما قالت ديبوراه , لقد حان الوقت لكي ابدأ جديا بالتفكير فى الاستقرار .

لم تطق كارولين المضى فى هذا فوقفت واشارت الى الخزانة داخل الجدار بقربها وقالت بصوت مهتز : " هل جمعت احجار اليشب هذه بنفسك يا سيدة بوث ؟ "

بللت ديبوراه شفتها بلسانها لحظة , ثم قالت : " اظننا نحرج الأنسة دوغلاس يا كليف . آه , بينما أنا مستمتعة بذلك؟ "

فقال كليف , ولكنه كان ينظر الى زوجها مباشرة : " وانا كذلك "

قال جايمس بهدوء : " وما الذى جعلك تستمتع ؟ "

- هل يمكننى ان اضع بعض التسجيلات يا أبى ؟

لحسن الحظ , ضاع هجوم كليف باختيار لورا هذه اللحظة بالذات لمقاطعتهما . كان تريفور الى جانبها , وبدت أكثر حيوية ونشاطا مما رأتها عليه كارولين قط . ومن ناحية اخرى

, بدت ديبورا كمن استنفدت طاقتها .
قال كليف : " حسنا يا ديبوراه . ربما حان الوقت لكي اخرج "
قالت ديبوراه وهي تنهض نفسها محتجة :

- لا , لا , ليس الان . وماذا ستفعل كارولين اذا خرجت ؟

فابتدات كارولين بالقول بضيق : " فى الواقع , أشعر بشئ من التعب"

ولكن ديبوراه لم تدعها تهرب . فقالت لها : " هذا هراء , ربما الجو هو ما يجعلك تشعرين بذلك . فهو خانق نوعا ما .. كليف , لماذا لاترافق الانسة دوغلاس فى جولة بسيارتك ؟

"

- آه , فى الحقيقة ..

ولكن ديبوراه تجاهلت ممانعة كارولين اليائسة , اما كليف فراح يفكر في ذلك بوجه مشرق :

- نعم يا ديبوراه , انها فكرة صائبة . اليس لديك مانع حقا ؟

بدا الرضا البالغ على ديبوراه مرة اخرى : " ولماذا أمانع ؟ "

شعرت كارولين بأظافرها تنغرز فى راحتيها .. ساورها إغراء فى ان تخبرهما بأن ليس لديها رغبة فى الخروج مع كليف لستر وانها متعبة وتريد الذهاب الى سريرها . ولكن

عندما تذكرت تصرف جايمس ترددت . فإن رفضت الخروج مع كليف فكيف سيفسر رفضها ؟ سبق ان تملكته الشكوك بموقف جايمس منها , فهل بإمكانها المغامرة بإثارة نفس

الشكوك بالنسبة إلى مشاعرها ؟

أمسك كليف بمرفقها يسألها : " هل ثمة يأس فى هذا بالنسبة إليك يا كارولين ؟ "

حركت كارولين كتفيها بعجز : " انا .. آه , نعم , نعم .. لا بأس فى ذلك "

فبدت ابتسامة الفوز على شفتى كليف : " الافضل إذن ان تحضري ما تضعينه على كتفيك , فسيارتي يمكن تحويلها , وانا احب إزاحة غطائها "

تركت كارولين الغرفة متجنبة عيني جايمس الذى كان مشغولا مع لورا وتريفور بتفحص الاشرطة المسجلة .

سألها كليف وهو يخرج بسيارته من البوابة التى فتحتها " دودز " البواب لهما : " الى أين تريدين الذهاب ؟ "

اجابت كارولين وهي تحكم الوشاح حول شعرها : " الى اى مكان يعجبك "

لوى شفتيه :" يا له من شئ يبعث على الحماسة حقا . عرفت انك غير راغبة فى مرافقتى ولكنه كان الحل الأسلم "

اجفلت قائلة : " آه .. ماذا ؟ "

رد عليها بنعومة : " تعرفين ما اعنى , انه جايمس , ألم تلاحظي تصرفاته ؟ ربع ساعة اخرى ثم لايعود يهتم مثقال ذرة بما يقول "

حبست كارولين أنفاسها : " لا ادرى ما الذى تعنيه ؟ "

- بل تدرين . أننى اعرف انه يضايقنى كذلك , ولكنه يعيش فى جحيم مع تلك المرأة السافلة وانا لا استطيع ان الومه كليا بسبب انجذابه إليك .

ازدردت كارولين ريقها بصعوبة : " الى أين نحن ذاهبان ؟ "

- ها أنت تغيرين الموضوع مرة اخرى , ما خطبك يا كارولين ؟ انت اكثر تعقلا من ان تتورطى بعلاقة مع والد تلميذتك ؟

التفتت كارولين تحدق من نافذة السيارة :

- هل علينا دوما ان نتحدث عنى ؟ بإمكانى ان احاسبك على الاشياء التى تقولها كما تعلم .

- أية أشياء ؟

ترددت كارولين : " حسنا , عن رغبتك فى الاستقرار مثلا "

هز كليف كتفيه وهو يرمقها بنظرة جانبية :

- ربما كنت اعنى ما اقول

عبست كارولين فى الظلام :

- ومن لديك فى ذهنك ؟

- هذا سؤال واضح جدا , ألا تظنين هذا ؟

شهقت : " انا ؟ آه , حقا . اظنك ستخبرنى الان بانك جننت بحبي من اول نظرة "

- هذا ممكن .

- آه , كفى . الى اين نحن ذاهبان ؟

كانا قد وصلا الان الى القرية , وكانت اضواء مقهى " كوش إن هورس " تترامى على الرصيف .

والواقع ان الساعة التى تلت كانت من أمتع الاوقات التى أمضتها كارولين منذ عودتها الى انكلترا ,. فقد كان كليف مرافقا بالغ الحفاوة .

قال لها فجأة دون مقدمات ففاجأها :

- لن يطلقها ابدا , اعنى جايمس . ولهذا لا مستقبل لكما .. اتعلمين ما احاول ان اقوله لك ؟

قالت وهي تنظر الى يديها مفكرة فى أن لا جدوى من التظاهر بالجهل : " نعم , إنما استغرب ان تقول اي شئ بهذا الشأن ؟ "

تنهد واجاب : " انت تعجبينني يا كارولين . صدقينى . اظن ان من السهل تماما ان اغرم بك "

- آه يا كليف

- لا , اصغى الى , فأنا اعنى ما اقول . فانت مختلفة عمن اعرف من الفتيات , هذا اولا . ثانيا , تعملين لتعيشى . ان معظم النساء اللاتي اعرفهن يعتبرن ذلك مصيبة ! كما انك

سافرت ورأيت نوع الحياة فى بلاد اخرى .

اردف قائلا : " انا اقول الحقيقة . فانت فتاة غير عادية يا كارولين . هذا عدا جمالك .. ولا اظن انه ينبغى لك ان تعملى فى ميتلاندس "

- لا شأن لك فى هذا ..

- اعلم , اعلم , ولكننى اعرف جايمس يا كارولين . اعرف انه يعيش حياة زوجية هي الجحيم بعينه ولا احتمل الوقوف جانبا والمجازفة بتركه يؤذيك من دون ..

شهقت قائلة : " لايمكن لجايمس بوث ان يؤذينى "

قال وهو يبطئ من سيره عندما لاحت بوابة المنزل أمامهما : " هل انت واثقة من ذلك ؟ ان لم يؤذك هو فقد تؤذك ديبوراه "

قالت وهى تشد ثنايا ثوبها : " آه , بحق الله عليك . ما خطبك يا رجل؟"

هز كليف كتفيه وهو يطلق صوت نفيره لكي يفتح له البواب البوابة ثم يدخل من خلالها :

- لا بأس , ربما كنت مخطئا . هل يمكننى رؤيتك مرة اخرى ؟

- ترانى مرة اخرى .. ؟
- نعم , فانا اريد ان اصحبك لاعرفك الى امى ويمكننا ان نتاول العشاء معا .

- أمك ؟

- آه , نعم . فلى أم

شعرت كارولين بابتسامة اخرى على شفتيها , ولكنها بقيت مترددة . لقد اعجبها كليف ولكنها لم تنجذب اليه

واخيرا قالت : " حسنا , لا بأس .. ولكن علي ان اسأل السيدة بوث اولا "

قال عابسا : " ولكنها ليست حارسة عليك "

ألقت كارولين نظرة على المنزل أما كليف فكان يوقف سيارته الرياضية امام الباب : " هذا صحيح ولكن .. هل يمكننى الاتصال بك تليفونيا , ربما غدا ؟"

اوما كليف :" لا بأس , الرقم فى الدليل "

ثم ارتد اليها واضعا ذراعه على مسند مقعدها : " هل تمانعين ان عانقتك ؟ "

- وهل من عادتك ان تسأل ؟

فهز كليف رأسه ثم انحنى يعانقها . قال : " إممم . هذا حسن . والان اظن ان على الدخول لتوديعهم بصفتى فتى مهذبا "

كانت ديبوراه فقط ووالدا زوجها ما زالا فى غرفة الجلوس , فتنفست كارولين الصعداء .

اجابت ديبوراه على سؤال لكليف : " ذهب جايمس ليقل تريفور الى بيته وذهبت لورا معه "

هتفت حماتها : " وعلينا نحن ايضا ان نذهب , كانت حفلة جميلة يا ديبوراه "

لم تكن الليالى الجميلة لتدوم , وبقيت كارولين فترة فى غرفة الجلوس إفراطا منها فى تأدية الواجب بينما ودعت ديبوراه ضيفيها الى الباب .

ولكن عندما عاد الكرسي المتحرك الى الغرفة , كانت تهم بالخروج من الغرفة , وعندما اتجهت نحو الباب , لوت ديبوراه شفتيها قائلة : " هل تتركينني وحدي ؟ الا تريدين البقاء

لتقولي لزوجي تصبح على خير ؟ وللورا طبعا ؟ "

شعرت كارولين بصداع يغزو صدغيها , وظنت انه السبب الذى جعلها تتضايق من كلمات ديبوراه : " انا .. هل لك ان تعتذرى لهما نيابة عني يا سيدة بوث ؟ أشعر فعلا بالصداع

"

- أحقا ؟ وانا التى ظننتك تستمتعين بنزهتك مع كليف ؟ الى أين أخذك ؟

- نعم استمتعت بذلك , انه لطيف جدا

- نعم , أليس كذلك ؟

وإذا بأصابع ديبوراه تنقبض فجأة على ذراعي الكرسي بشدة وكأنها تتألم ولكن عندما بدرت من كارولين نظرة غريزية نحوها , عادت فاسترخت ووضعت يديها فى حجرها وهي

تسألها : " إلى اين اصطحبك ؟ "

- آه , فقط الى مقهى " كوش إند هوس " فى القرية , وهذا كل شئ .

- تأخرتما طويلا .

- كنا نتكلم فلم نشعر بمرور الوقت .

نظرت ديبوراه إليها بإمعان : " آه , حسنا . اظن ان هنالك أشياء لا تريد الفتيات الافصاح عنها "

قالت كارولين عابسة : " لا ادرى ما الذى تعنينه يا سيدة بوث "

عند ذلك ابتسمت ديبوراه ولكنها ابتسامة غير سارة : " لم اكن يوما ملازمة لهذه الكرسي يا آنسة دوغلاس اعرف ما يحدث عندما يكون رجل وامرأة وحدهما فى .. سيارة "

لم تصدق كارولين أذنيها : " أؤكد لك اننى لا اكاد اعرف الرجل "

- لا بأس إذا كان هذا ما تريدينه , فى أيامى أنا , لم نكن خجولين.

- هذا ليس خجلا مني يا سيدة بوث

- حتى ان كليف لم يودعك بقبلة المساء ؟

- لم أقل إن ..

ادركت كارولين انهما ليستا بمفردهما فى الغرفة . لم تسمع صوت السيارة , ولكنها عندما ارتدت وجدت جايمس واقفا فى العتبة ووجهه ينصح بالاحتقار .

ارتدت كارولين مرة أخرى الى ديبوراه بكراهية غريزية , فقد كانت تعلم ان جايمس هناك حين ألقت عليها السؤال . ولكن منذ متى وهو يقف هناك ؟

شعرت بالغثيان واستطاعت ان تقول وهي ترتجف : " انا متعبة للغاية يا سيدة بوث " وسارت نحو الباب دون ان تنظر الى جايمس الذى افسح لها الطريق , ثم تركتهما بلا كلمة

اخرى .

********************


قبل أن تذهب الى فراشها صممت على الرحيل , ولكن تصميمها ما لبث ان تلاشى فى الصباح بعد ليلة نامت فيها جيدا الى حد أدهشها , فما زال لديها لورا التى عليها ان تضعها

فى عين الحسبان وقد يسبب لها رحيلها المفاجئ تأثيرا سيئا عليها .

ولورا نفسها بدت بالغة الحيوية والنشاط فى هذا الصباح ولكنها كانت شاردة الذهن بسبب تريفور فروبيشر .

بدت عليها الكآبة فجأة وهي تقول : " لم أنس . وساكتب الى جون عن لقاء الجمعة "

ارتسمت على شفتى كارولين ابتسامة خفيفة : " لم تنسيه إذن ؟"

اتسعت عينا لورا ساخطة : " أنساه بسبب تريفور ؟ لا , بالتأكيد . اعلم ان هذا ما تريده أمى , ولكنها مخطئة . فأنا وتريفور .. حسنا , إننا كأخت واخيها "

هزت كاورلين رأسها : " أحقأ ؟ لا تدعيننا ننخرط فى نقاش عاطفى , فمزاجئ سئ
ولكن لورا أصرت على القول : " هل سررت بنزهتك الليلة الماضية ؟ سعيك الى صداقته شئ حسن . فهو الابن الوحيد وامه شغوف به , وهم يعيشون فى ذاك البيت الرائع

.. "

أسكتتها كارولين بقولها : " اعلم ذلك . ودعك من هذا يا لورا . والان هلا تحدثنا عن الدروس ! "

مضى الاسبوع الذى تلا تلك الحفلة هادئا بشكل يدعو للدهشة , وشعرت كارولين بالراحة عندما لم تر جايمس أو زوجته . انضمت اليهما ديبوراه ذات صباح لتناول القهوة أثناء

استراحتهما ولكنها حينذاك لم تنزع نحو الثرثرة فحمدت كارولين الله على ذلك .

صباح الخميس , اتصل كليف بكارولين وجعلها عتابه البالغ لانها لم تتصل به تحاول رؤية ديبوراه طلبا للإذن منها للخروج مساء السبت لتناول العشاء معه ومع أمه , وكما توقعت

, لم تعترض ديبوراه على ذلك ولكنها خنقت أى نوع من وخز الضمير قد تشعر به نحو جايمس ., فهى لا تدين له بأى وفاء . وكما قال كليف , جايمس لن يطلق ديبوراه قط ,

وكان عليها ان تعلم ذلك اكثر من اى شخص اخر .

بعد ظهر يوم الجمعة , عندما كانت كارولين تستعد لتجفيف شعرها فى غرفتها , جاءت جينى تخبرها بان هناك من يتصل بها .

- يتصل بي ؟ هل انت واثقة ؟

وعندما نزلت الدرج خطر لها ان من المحتمل ان يكون جون موني المتصل , ولكنها نبذت هذه الفكرة , فقد طمأنتها لورا منذ يومين الى ان الرسالة التى تلغي موعدهما هي فى

طريقها إليه . ولهذا لم تكن مستعدة للهجة الإرلندية التى سمعتها فى التليفون .

سألها بسرور ظاهر : "أهذه أنت يا كارولين ؟ "

نظرت كارولين الى ما حولها بضيق , وعندما رأت انها وحدها سألته غاضبة : " ما الذى تعنيه باتصالك الهاتفى الى هنا مرة أخرى ؟"

- آه , اهذه طريقة لمعاملة صديق ؟

- لست صديقى يا سيد موني

- أهكذا ؟ مع اننى اعتبر نفسى صديقا
- لماذا تتصل بي يا سيد موني ؟

أجاب محتجا : " انت لا تتركين لي مجالا للشرح "

تابعت كارولين تقول : "وعدتني لورا بأن تراسلك "

- ولماذا تراسلني لورا ؟

- لتخبرك بانها لا تستطيع رؤيتك الليلة . هل تعنى انها لم تكتب ؟
- آه , لم اقل هذا بالضبط

تمالكت كارولين اعصابها : " سيد موني . ان لم يكن لديك سبب وجيه جدا للاتصال بي الى هنا فأقفل الخط رجاء "


قال بضيق : " لماذا انت عديمة الصبر ؟ انا افكر فى ذلك الحديث الشيق الذى دار بيننا "


فتنهدت كارولين : " آه , ارجوك ... ما الذى تريده ؟ هل كتبت لورا اليك رسالة ام لا ؟ لا يمكنها رؤيتك الليلة كما انها لن تتناول عشاءها فى المنزل "

فقال متمهلا :

- هذا مؤكد . لقد وصلتنى رسالة الفتاة بالامس . وانما انت من اريد مكالمتها يا آنسة دوغلاس . لا ادرى ان كنت تقبلين بقضاء هذا المساء معي .

قالت : " لا تكن سخيفا "

- ولماذا أكون سخيفا ؟ انا هنا فى " فينبورن " فهذا يوم عطلتى , فلماذا لا اطلب منك ان تشفقى على وتشاركيني وحدتي فى عشائي ؟

- لا تهمنى وحدتك يا سيد موني , وليس لديك الحق فى القدوم الى هنا .

- ولم لا ؟ فهذه بلاد حرة , أليس كذلك ؟ وانا احب التنزه .

تحركت كارولين بضيق : " حسنا , حسنا , اشكرك على دعوتك هذه , ولكننى مع الاسف مرتبطة "

- هل أنت خارجة مع شخص اخر ؟

رفعت عينيها الى أعلى بيأس : "لدى .. أشياء اخرى اقوم بها "

ران صمت فترة طويلة كادت تظن معها انه اقفل الخط فى وجهها , ولكنه عاد يقول : " هل لورا موجودة ؟ "

لورا عند بركة السباحة وتريفور معها فى المنزل , وفيما بعد ستذهب الاسرة باكملها لتناول العشاء فى منزل أهله آل فروبيشر , فكيف بإمكانها ان تناديها الى المنزل لتأتى وتكلم

جون موني ؟ لم تحتمل التفكير فى هذا الامر لانه سيدمر سهرة لورا وسيثور غضب والديها اذا عرفا بما يجري .

قالت محتجة : " لايمكنك التحدث اليها الان "

قال : " لا بأس , سأتصل بها فيما بعد .. "

فقالت مذعورة : "لا , لا . لا يمكنك هذا .. لن تكون لورا هنا , سبق ان اخبرتك انها ستخرج مع ابويها .. "

- سأجرب حظي

ضغطت على السماعة بأصابعها حتى شعرت بالألم .

- حسنا , متى تريد منى أن القأك ؟

لزم الصمت لحظة اخرى ثم قال برقة : " هل انت غاضبة مني ؟"

تنهدت : " وماذا تظن ؟ "

بدت السخرية فى صوته : " آسف , انما ليس هناك طريقة اخرى , أليس كذلك ؟ هل تاتين الى القرية ام اتى لاصطحابك ؟ "

قالت بحزم : " لا , سأسير على قدمي , اخبرنى فقط عن الوقت "

- حسنا , فلنقل .. الساعة السابعة ..

احنت كارولين كتفيها : " ولكن ليس فى فينبورن "

- اختارى المكان الذي تريدين , سأكون فى انتظارك الساعة السابعة .

- اتفقنا .

وضعت كارولين السماعة بقلب مثقل , فهى غير مقتنعة انها تتصرف بصواب . ولكن ماذا بإمكانها ان تصنع ؟ لو ذهبت الى ديبوراه واخبرتها بالقصة كلها , لازاحت عنها هذا

العبء , ولكنها وعدت لورا بمساعدتها . والواقع انها رجت الله ان تموت هذه العلاقة اخيرا بشكل طبيعى , ولعل ما شجعها على ذلك موقف جون موني . اما ما لم تكن تتوقعه ,

فهو تحويل انتباهه إليها وما سيتبع ذلك من تعقيد .
ابتعدت عن التليفون وسارت نحو السلم و الكآبة تغمر وجهها .. ادركت ان هناك من يراقبها من باب المكتبة . .شعرت بمرارة وهي ترى جايمس وتحول شعورها بالذنب الى

غضب وهي تسأله :

كان جايمس متكئا على جانب الباب , فاستقام فى وقفته ولكن وجهه لم يكشف عما يدور فى نفسه , ثم قال بأدب : " اسف ولكن عندما سمعت ذكر والدي لورا , غلبني الفضول

"

تلاشى غضبها بنفس السرعة التى ثار فيها :

- إذن استنتجت انه جون موني ؟

مرت على وجهه سحابة ما لبثت ان تبددت بسرعة : " اذا كان هذا قولك "

سكتت كارولين وهي تنظر الى ما ورائه , واعية الى الصورة التى تبدو فيها امامه .. بنطلون جينز وقميص بلا اكمام . وشعرها مبلل ينسدل على كتفيها , اما جايمس فكان يرتدى

البذلة التى كان يرتديها فى المدينة .

اخيرا سألته : " لماذا برأيك يتصل بي ؟ "

هز كتفيه : " استنجت انه كان يتفق على موعد معك لهذا المساء "

كان هادئا رابط الجأش , وشعرت كارولين بانقباض فى نفسها فرفعت رأسها قائلة :

- هذا صحيح , هذا ما كان يفعله , هل لديك أى اعتراض ؟

سحب جايمس نفسا عميقا فظنت للحظة انه سيعنفها , ولكنه عوض ذلك حل ربطة عنقه واشاح بوجهه عنها واجاب بهدوء : "لا , ابدا . والان , ارجو المعذرة فلدي عمل اريد

القيام به "

عندما دخل الى المكتبة واغلق بابها خلفه , قاومت كارولين رغبة فى السعي وراءه لاخباره بما حدث . انه الوحيد المستعد لمساعدتها . ولكنها لم تجرؤ على اخباره لئلا يعتقد انها

مازالت تهتم برأيه فيها .

لم تجد كارولين صعوبة فى الوصول الى القرية فى الوقت المحدد للقاء جون . لانها عندما نزلت الى الطابق السفلى الساعة السابعة إلا ربعا , كان غروم واقفا فى الردهة .

سألها بأدب : " هل انت خارجة يا آنسة ؟ "

اومأت برأسها : " نعم , لماذا ؟"

فقال : " هل أقلك إذن ؟ ان كنت تقصدين القرية فأنا ذاهب إليها "

هتفت بفضول وهي تنظر حولها : " هل كنت تنتظرني ؟"

وضع غروم قبعته على رأسه وقال منكرا :

- لا , يا آنسة .

ولكنها لم تقتنع فقالت :


- هل نذهب إذن ؟

انزلها غروم أمام مقهى " كوش إند هورس " ما أن ترجلت من السيارة الليموزين الفارهة حتى رات الرجل الإرلندي بانتظارها فى الشارع .. زمت شفتيها معا بشدة واغلقت باب

السيارة , لم تشك فى ان جايمس طلب من غروم ان يقلها الى القرية .

تقدم جون موني عابرا الطريق نحوها بخطوات واسعة , وبدت على شفتيه ابتسامة الظفر.

- حسنا , ألست فتاة غير عادية ؟ فقد بكرت فى المجئ ؟

نظرت اليه بضيق : " لقد اقلنى السائق كما ترى "

- آه , لقد رأيتها , انها سيارة رائعة الجمال ؟

لم يستسغ مزاج كارولين هذا المزاح , فقالت : " كف عن مثل هذا الكلام . أين سنأكل ؟ "

نظر جون الى مظهرها معجبا , كانت ترتدى طقم جينز وقد فرقت شعرها بعصابات مطاطية فبدت فى الثامنة عشرة .
قال لها : " حجزت مائدة فى مطعم " فينيكس " فى ريدنغ , هل أنت جائعة ؟ " وكانا أثناء ذلك يسيران الى حيث دراجته البخارية .

ردت عليه بحدة وهي تتناول منه الخوذة فتضعها على رأسها : " لا , انما اريد فقط ان انتهى من هذا الامر بسرعة , انا مستعدة "

افتتح مطعم " فينيكس " حديثا قرب مركز المدينة , حين أصبحا فى الداخل وجلسا الى احدى الموائد طلب كوبين من عصير البرتقال .

قال لها : " ماذا حدث الان ؟ "

حملقت كارولين فيه : " تعرف ماذا حدث , ابتزازك لي لكي تلقاني ! لم اعلم ان هذا سيحدث عندما اخبرتنى انك رجل واقعي "

هز كتفيه قائلا بكسل : " لم أقل قط اننى رجل رضى الخلق .. ماذا كنت تفضلين القيام به ؟ تناول العشاء مع والد لورا الجذاب ذاك ؟ هه؟"

كانت كارولين ترتشف عصيرها , ولكن كلمات جون التى قالها ببساطة جعلتها تشهق ثم تسعل حتى دمعت عيناها ولفتت انتباه الحاضرين .

سألها برقة : " هل وجدت عظمة فى العصير ؟ هذا ما اعتادت أمى على قوله لى .. وكم كان يضحكني ذلك "

اما كارولين فجاهدت فى سبيل التنفس :

- لماذا سألت ... وما الذى سألته ؟

تأمل لون عصير البرتقال لحظة , ثم بدأ يرتشفه : " حسنا , والان . فلأفكر .. ما الذى قلته ؟ "

هتفت بصوت غاضب منخفض : " تعلم ما قلته . لماذا قلت تلك الجملة ؟ هل قالت لورا شيئا فى رسالتها ؟ "

تأمل جون قائمة الطعام أمامه : " ما الذى سنطلبه ؟ لم يسبق لي ان اكلت هنا ... ولهذا لا استطيع تزكية أى طعام . اتشعرين برغبة فى الحيوانات البحرية ؟"

توسلته غير مهتمة باختيار الطعام :

- جون اريد ان اعلم من اين استقيت تلك المعلومات ؟

تأمل وجهها المتلهف بسخرية : " اذا كان الامر غير صحيح , فلماذا كل هذا ؟ "
حدقت كارولين إليه : " لابد ان بإمكانك التكهن بشعوري يا جون , فلا يمكنك ان تقول كلاما كهذا دون ان تشرح الامر "

قال عابسا : " بل يمكننى ذلك . ها , ما رأيك بالبفتيك ؟"

قبضت كارولين يديها : " جون . ان لم تخبرنى بكل شئ فسأخرج الان من هنا ولن ينفع عندئذ اى نوع من الاغراء لاعادتى "

عند ذلك تنهد ووضع قائمة الطعام جانبا ثم قال بهدوء : "لن يعجبك ذلك "

فتصلب جسم كارولين واخذت افكارها تتسارع :

- هل ... تكلمت مع جايمس ؟

اندفعت بهذا السؤال بشكل طائش وسرعان ما أدركت خطأها . ولكن لم يكن ثمة طريقة لسحب كلماتها تلك .

سألها وقد ضاقت عيناه : " جايمس ؟ خرج الاسم من بين شفتيك بشكل طبيعى .. انه اسم والد لورا , أليس كذلك ؟"
- نعم , اه , نعم . انت تعلم هذا .

- وهل تنادية بهذا الاسم ؟

- لا , وانما ... احيانا

- ما هى تلك الاحيان ؟

صرخت به : " لا ادرى ما علاقة أى من هذا بك .. او بى , او بلورا"

سألها على نحو مزعج : " هل اعتدت إنشاء علاقات مع الرجال المتزوجين ؟ "

شعرت بان أنفاسها توقفت ., وحاولت ان تنهض لتهرب بصرف النظر عن كل شئ اخر , ولكن قبضته على ذراعها كانت رقيقة بشكل غير متوقع . اجلسها فى مقعدها وقرب

وجهه من وجهها : " من تظنينه اخبرنى ؟ ليس سوى زوجته "

تمتم بذلك رغما عنه تقريبا .

فتهالكت كارولين فى مقعدها وهى تحدق اليه بعدم تصديق : " ماذا ؟ ولكن ... ولكننى ظننت ... انك لا تعرف السيدة بوث ؟"

اجاب بحدة وقد تهدل جانبا فمه : " انا لا اعرفها , ولكننى تكلمت معها تليفونيا "

- تليفونيا ؟ اتقصد انها هى التى اتصلت بك فى البداية ؟

- لا ادرى شيئا عن هذا الامر , اعلم فقط ما اخبرتنى به منذ يومين .

وضعت كارولين يدها على عنقها , فقد كان عليها استيعاب امور كثيرة . كان امرا لا يصدق ان تكون ديبوراه مستعدة لاحضار امرأة الى بيتها تشك فى ان لها علاقة بزوجها .

التفتت الى جون وهى تقول بهدوء : "ما الذى اخبرتك به بالضبط ؟ "

حدق الى قائمة الطعام التى أمامه على المائدة : " ولماذا على ان اخبرك ؟ ما كان لي ان اقول اى شئ , الا يمكنك ان تنسى ما قلته ؟"

انتصبت كارولين فى جلستها : " ولكنه غير صحيح يا جون , اه , اعترف اننا , انا وجايمس , تعارفنا ذات يوم ولكن ذلك حدث منذ زمن بعيد "

- تعارفتما ذات يوم ؟ اتعنين ذلك بالمعني العملي ؟

فقالت وهى تشعر بالغثيان : " لا . فهو متزوج كما أشرت أنت , والواقع اننى لا اقيم علاقات مع رجال متزوجين . وكذلك مع رجال غير متزوجين "

- هذا ما تقولينه انت

وضعت يدها على ذراعه قائلة : " وهي الحقيقة , جون , خلتك تشعر نحوي بمودة "

رمقها بنظرة جانبية : " كنت كذلك ولكنني لم اعد واثقا "

- أليس لدى فرصة لأدافع فيها عن نفسى ؟

- واية فرصة منحتها لزوجته ؟

احنت كارولين رأسها : " لا أتباهى بما فعلت , ولكن عذري اننى ظننت ... ظننت ان جايمس ينوى الحصول على الطلاق "

- ألم يفعل ؟

- لا ... كل ما كان يريده مجرد علاقة ...

- حسنا , انت تستحقين افضل من هذا كارولين , فالرجل المستعد للتضحية بسعادتك لكي يرضي شهواته لا يستحق ان تفكري فيه.

واخذ يدها بيده : " هل نحن صديقان ؟ "

- أخبرنى لماذا اتصلت بك ديبوراه ؟

نظر اليها بعد لحظة : " وهل قلت انها اتصلت بي ؟"

عقدت كارولين حاجبيها : " ولكن .. اما قلت .. "

صحح لها كلامها برقة : " قلت اننى تحدثت اليها منذ يومين "
ليتها لا تشعر بهذه الشكوك التى غرزها فى نفسها .

تابعت وهى تسيطر على اعصابها : " لا بأس , بصرف النظر عمن اتصل بالثاني , فما الذى قيل ؟"

- وما الفائدة من ذكر كل ذلك ؟ يكفى ان اقول ان الفتاة كانت حزينة بسبب علاقتك بزوجها

- ليست ديبوراه بوث فتاة . ثم ما الذى تعنيه بقولك ( حزينة ) ؟ ولماذا تخبرك هي بذلك ؟

هز جون كتفيه بعدم اكتراث : " ربما رجت أن أخذك فاخلصها منك "

- ماذا ؟

- لقد سمعتنى , تظن انه لن يبقى لديك وقت للاهتمام بزوجها إن امضينا الوقت معا .

- ولكن ما الذى تعرفه عني وعن جايمس ؟

قلب شفتيه : " وما يدريني ؟ "

فارتجفت كارولين . انه يعرف اكثر مما يقول , وتمنت لو انها لم ترتكب غلطة إفشائها سر علاقتها بجايمس . قالت وهى تضغط راحتيها على حافة المائدة الباردة : " برأيك الى

اى مدى تعرف ديبوراه ؟ ما الذى جعلك تظن انها لا تستغلك فقط ؟ "

- ولأى سبب ؟

شعرت بالعجز : " لا ادرى , فهى امرأة غريبة الطباع "

رفع حاجبيه : " احقأ ؟ من أية ناحية ؟ "

- ولماذا أخبرك ؟ آه , على ان اترك منزلهم , لا يمكننى الاستمرار بهذا الشكل .

- وماذا بالنسبة الى لورا ؟

احنت كارولين كتفيها : " نعم ... لورا , مسكينة لورا , ماذا سأفعل بها ؟ "

رفع جون بصره الى النادل الذى كان ينظر اليهما وقال لها : " تعالى , فمائدتنا جاهزة وانا جائع "

رافقته كارولين الى غرفة الطعام المضاءة بالشمعدان وقلبها مثقل ,ما هى اللعبة التى تقوم بها ديبوراه ؟ لماذا تخبر رجلا غريبا بأن زوجها كان على علاقة يوما ما مع مربية

ابنتها ؟

لم يدهشها ان يستغل جون كل فرصة اثناء الطعام للخوض فى امور اخرى . ولكن ما الذى استخلصه من ذلك ؟ هذا هو السؤال الذى لم تستطع ان تلقيه .

عبثت بطعامها بالشوكة وهي تتساءل عما إذا ادرك جايمس أن زوجته تعلم بالامر . وان لم يكن هذا , فهل عليها ان تخبره ؟ الله يعلم ما الذى تخططه ديبوراه اذا كانت تخبر

رجالا مثل جون موني بمشاكلها . ولكن لماذا عليها ان تنذر جايمس ؟وما الذى فعله لها غير تعقيد حياتها بشكل لا يصدق ؟

بعد انتهاء العشاء , تناولا القهوة ولكن جون عاد الى الموضوع الذى كان يحتل ذهنيهما اكثر من غيره .

سألها برقة : " لن تغادرى منزل ميتلاندس , أليس كذلك ؟ لن تهجري لورا بهذه السهولة "

قالت بمرارة : " وما شأنك أنت ؟ "

- اريد ان اراك مرة اخرى .

- لست جادا

- ولماذا لا ؟ ان وقوعك فى مشاكل مع مخدوميك ليس ذنبي .

خفض بصره الى فنجانه : " عندما اكون معك فانا على الاقل لا ازعج لورا , أليس كذلك "

- هل هذا تهديد ؟

- وهل يبدو لك كذلك ؟

- آه , لا ادرى . ليس الذنب ذنبك كما تقول , و لكن ذهنى مشوش ليس اكثر .

بدا عليه القلق : "لا داعى الى هذا .. اسمعى , ربما السيدة بوث بحاجة الى من تشكو له همها ...وربما وجدت كتفى فى معرض الشكوي . ما زلت تعملين عندها وما زال كل شئ

كما هو بالنسبة إليك "

هزت كارولين رأسها : " احقأ ؟ ليتنى استطيع تصديقك "

اصر جون على اعادتها الى المنزل بنفسه بعد العاشرة مباشرة . عندما ترجلت كارولين عن الدراجة البخارية لم تر اثرا لسيارة جايمس , فقالت له وهي تعيد الخوذة :


- شكرا .


- مرحبا بك الاسبوع القادم , نفس الوقت ونفس المكان .

هتفت وقد أذهلتها وقاحته : " قد لا اكون هنا الاسبوع القادم "

- بل ستكونين .

استغربت امره , فما الذى يعلمه ولا تعلمه هي ؟

* * *




safsaf313
مشاهدة ملفه الشخصي
إرسال رسالة خاصة إلى safsaf313
البحث عن المشاركات التي كتبها safsaf313
إضافة safsaf313 إلى الإتصالات الخاصة بك

24-10-09, 10:43 PM رقم المشاركة : [17]
safsaf313
ليلاس متالق











شكراً: 4
تم شكره 37 مرة في 20 مشاركة



الفصل السابع

-----------------------------------------------------------------------

---------

تبكي بين ذراعيه




كان رقاد كارولين سيئا فقد استيقظت عدة مرات والعرق البارد ينضح منها , وكانت احلامها عبارة عن كوابيس رأت فيها ديبوراه تلاحقها بقسوة . ومع بزوغ الفجر غفت قليلا

ولم تستيقظ الا على صوت جينى التى احضرت لها الفطور .

جرت كارولين نفسها من السرير وسكبت لنفسها كوب قهوة , فى هذه اللحظة شعرت بانها لن تستطيع البقاء ليلة اخرى فى هذا المنزل . كانت شاحبة منهكة منتفخة العينين ,

وشعرت بالراحة عندما تذكرت ان اليوم هو السبت يوم عطلتها .

كانت فى ثياب البيت ترتشف كوب القهوة الثاني , عندما طرق شخص ما بابها . تمنت لو تستطيع تجاهل الصوت ولكن عندما نادتها لورا : "هل أنت هنا يا آنسة دوغلاس؟ " لم

تستطع تجاهلها .

فتحت الباب فدخلت لورا الى الغرفة مشرقة الوجه , وما لبث وجهها ان اظلم قليلا وهى ترى وجه كارولين الشاحب . فهتفت قائلة : " هل انت بخير ؟"

وعند ذلك ادركت كارولين ان الامور بالنسبة الى لورا حتى الان هي نفسها . فقالت بلهجة حازمة : " انا باحسن حال , انت مبكرة "

اومأت لورا تقول : " جئت فقط لاخبرك ان امى تريد رؤيتك فلديها ما تريد ان تسألك عنه , هل ستتأخرين ؟ "

تهالكت كارولين على سريرها بضعف : " حسنا , لم أرتد ثيابى كما ترين "

ولكنها لاتشعر بالقدرة على مواجهة ديبوراه , فبعد الليلة المزعجة التى امضتها شعرت بأنها مستنزفة القوى .

- متى ... تريد أن ترانى ؟

قالت لورا بلهفة : " الان , وفى اسرع وقت ممكن . هل اخبرها ... بعد ربع ساعة ؟ "

دهشت كارولين لهذه السرعة , فهي الى هذه اللحظة لم تر من لورا اى اهتمام بأوامر امها .

اخيرا قالت : " فلتكن نصف ساعة ! هلا ذهبت , فانا اريد الاستحمام"

فأومأت لورا مبتسمة : " لا بأس , سأراك فيما بعد إذن .. " خرجت من الغرفة .

اغتسلت كارولين ثم ارتدت تنورة وصدارا بلون الورد , مع قميص كستنائى اللون .

كانت ديبوراه بانتظارها فى غرفة الجلوس , فلما رأتها مدبرة المنزل تنزل الدرج ارشدتها الى مكانها . دخلت كارولين الى القاعة الانيقة بثقة لا تشعر بها فى الحقيقة , لأن رؤية

ديبوراه بعد تلك الكوابيس أثارت اعصابها نوعا ما . ولكنها دفعت عنها تلك التصورات الصبيانية ثم قالت بأدب :

- هل طلبت رؤيتى يا سيدة بوث ؟

رفعت ديبوراه بصرها عن الصحيفة التى كانت تقرأها :

- آه , الآنسة دوغلاس , هل أبلغتك لورا رسالتي ؟ بالتأكيد والا ما أتيت الى هنا .

- يا سيدة بوث ...

قاطعتها المرأة : " اريد ان اطلب منك القيام بخدمة لي يا آنسة دوغلاس . لورا بحاجة الى بعض الملابس الجديدة ومن الطبيعى ان ترغب بإختيارها بنفسها , ولاننى لا احب ان

يرانى الناس فى متاجر لندن على هذه الحال أطلب منك إقناعها بالذهاب "

تمتمت كارولين بفتور : " الى ... إلى لندن ؟ "

- نعم , سيقلكما غروم بالسيارة . تتفقان معه على موعد يوافيكما فيه فيما بعد . تعرفين لندن يا آنسة دوغلاس , اكثر مما اعرفها انا . انت تعلمين نوع الاشياء التى تحتاجها لورا

.

شعرت كارولين بحاجة ماسة الى الجلوس , فقد كانت ساقاها تشعران بعدم الثبات , كما ان موجات من الدوار جعلتها تشعر بالضعف . ما الذى كان يجري ؟وكيف تخبر ديبوراه

اي شخص بأن لزوجها علاقة مع المربية ثم تطلب من نفس المربية ان تختار ملابس لابنتها ؟ هل لفق جون موني القصة كلها ؟ لم يكن لديها سبيل للمعرفة , فأخذت تحدق في

ديبوراه بعجز متمنية لو تعلم ما يدور خلف مظهرها الناعم.

أمالت ديبوراه رأسها وسألتها بفضول :


- هل هنالك ما يسوءك يا آنسة دوغلاس ؟ هل ستتناولين العشاء مع آل لستر هذا المساء ام لديك موعد اخر ؟

قالت كارولين وهي تنطق الكلمات بصعوبة :

- لا , ليس لدي موعد أخر يا سيدة بوث .

- هل تقرر كل شئ ؟

وكان هذا صوت لورا التى اختارت هذه اللحظة لتدخل الى الغرفة .

قالت لها امها باستنكار : " هذا ما اظنه يا لورا فأنا ملهوفة الى رؤيتك ترتدين شيئا اخر غير هذا البنطلون الشائن "

نظرت لورا الى كارولين فرأت الشحوب ما يزال باديا عليها .

هتفت تقول : " هل انت واثقة من انك بخير يا آنسة دوغلاس ؟ ان كنت تشعرين بتوعك فبإمكاننا ان نؤجل ذهابنا الى وقت اخر "
قطبت ديبوراه حاجبيها : " ماهذا ؟ لم تخبرينى بتوعكك آنسة دوغلاس ؟"

هزت كارولين رأسها وقالت : " انا بأحسن حال , هل يمكنني التحدث اليك لحظة على انفراد يا سيدة بوث ؟ "

طوت ديبوراه صحيفتها : " آسفة , ليس الان يا آنسة دوغلاس . لدي اشياء كثيرة على الاهتمام بها , اذهبى الان مع لورا وثقي اننى سأدفع الاجر المناسب لما تبذلينه من وقتك لنا

"

اطالت كارولين من وقوفها لحظة ولكن العناد لم يبارح ملامح ديبوراه , اما لورا فكانت واقفة بجانب الباب ملهوفة للخروج , ولان كارولين تدرك ان ليس بإمكانها ان تقول شيئا

اثناء وجود الفتاة تخلت عن الامر . فكان ان ابتعدت وهي تهز كتفيها عاجزة , ثم فجأة طالعهما جايمس الذى كان واقفا على عتبة الباب وقد بدا رشيق الجسم مليئا بالرجولة فى

بذلته المخططة العاجية اللون وقميصه الكحلي . وكان الإنهاك الذى يلازمه هذه الايام يزيد من جاذبيته .

بدا السرور على لورا : " بابا , ظننتك خرجت , آه , هل ستقلني بسيارتك ؟ سيارتك " الجنسن " الرائعة "

جاء صوت ديبوراه :


- سيقلك غروم يا لورا .

ولكن جايمس لم يرهبه هذا فقال بهدوء : "وعدت لورا ان اقلها الى المدينة . اما العودة فلتكن على يد غروم بعد الظهر "

قالت ديبوراه بحدة :" انت ذاهب الى المكتب يا جايمس وليس بإمكانك التجوال مع لورا"

- إن اصطحابها معي الى المدينة لا يعني التجوال معها .

نقلت كارولين نظراتها متوجسة بين ديبوراه ولورا . ما الذى يعنى هذا ؟ اهذا يعنى انها لن تذهب ؟ وكم رجت الله ان يحدث ذلك في لا تستطيع احتمال عذاب قضاء ساعة مع

جايمس فى سيارته .

قالت ديبوراه بإصرار : " افضل ان تذهب لورا مع غروم , كما ان الانسة دوغلاس ستصحب لورا , وسيارتك لا تتسع لثلاثة "

رد عليها بجفاء : " لن يشكرك صانعو السيارة على هذا القول .وانا اعلم ان الانسة دوغلاس قادمة هي ايضا , هل انت جاهزة يا آنسة دوغلاس ؟ "

ونظر الى كارولين ببرودة .

ارادت كارولين الاحتجاج , ولكن ماذا بإمكانها ان تقول ؟ فما هي سوي مربية . التفتت بعجز الى ديبوراه وإذا بها تلمح كراهية مفاجئة فى عيني المرأة الاخرى , كان ذلك للحظة

سريعة فقط ولم تعرف لمن كانت تلك النظرة موجهة , ولكنها كافية لتقتنع بان بإمكان ديبوراه القيام بأى شئ .

وعادت تلتفت الى جايمس وقد احمر وجهها , فرفع حاجبيه يسألها بثبات : " سألتك ان كنت جاهزة , آنسة دوغلاس , صحيح اننى لست مشغولا كما تقول زوجتي , إلا اننى لا

املك النهار بطوله "

ارتجفت شفتا كارولين فضغطتهما معا بشدة ثم قالت وهي ترتجف : " سوف .. سأحضر حقيبة يدي "

عندئذ تنحي جايمس جانبا ليسمح لها بالخروج .

عندما عادت كارولين الى الطابق السفلى وجدت لورا فقط فى انتظارها فى الردهة فهتفت بصبر فارغ : " هيا بنا ! أبى بانتظارنا "

كانت السيارة الجنسن واقفة ومحركها دائر . نزلت لورا الدرجات ركضا , ثم فتحت الباب الواسع وصعدت الى المقعد الخلفى , وعندما وصلت كارولين الى السيارة , كان

جايمس قد نزل منها ووقف ينتظر لكي يغلق بابها .

مالت لورا الى الامام متكئة بمرفقيها على ظهري مقعديهما وهي تهتف : " أليست رائعة , آنسة دوغلاس ؟ لا اظنك ركبت من قبل فى سيارة " جنسن " ,أليس كذلك ؟ "

رد عليها ابوها باختصار: " ان الانسة دوغلاس اكبر منك سنا بكثير , ولعلها ركبت سيارة جنسن عشرات المرات "

فعبست لورا بوقاحة : " لا بأس , لا بأس , ولكنها ليست اكبر مني بكثير , كنت اجري فقط حديثا "

لم تكن كارولين تصغي اليها لانها كانت تنظر الى يدي جايمس القويتين على عجلة القيادة .

- ما رأيك يا آنسة دوغلاس ؟

اجفلت كارولين وقالت معتذرة : " أسفة , ماذا قلت ؟ "

فرمقها جايمس بنظرة جانبية وفي عينيه تصميم اخترق الحواجز التي وضعها بينهما , ثم اخبرها بهدوء : "سألتك لورا من اين عليها ان نبدأ : من شارع أكسفورد أو شارع

كارنابي ؟ "

حولت كارولين عينيها عن يديه ثم نظرت من فوق كتفها الى وجه لورا المنتظر : " انا .. حسنا , اظن ان علينا ان نبدأ من شارع أكسفورد . فانت بحاجة الى بعض الملابس

الرسمية وكذلك الملابس العادية "

سألته لورا برجاء : " ألا يمكنك القدوم منا يا ابى ؟ ليتك تأتى .."
________________________________________
- لورا , لدي اجتماع بعد ثلاث واربعين دقيقة بالضبط .)

قالت كارولين لكيلا يتصور جايمس انها قد تكون طرفا فى هذا الاقتراح : " بإمكاننا القيام بذلك بمفردنا يا لورا "

فاحنت لورا كتفيها : " لا بأس , لا بأس , فكرت فى انك تحب ان تظهر بعض الاهتمام بابنتك ولو مرة واحدة "

رأت كارولين يدي جايمس تتوتران ثم سألها بحدة : " ماذا تقصدين بذلك ؟ "

بدا الاستياء على لورا : " حسنا , لم تعد تمضى معي وقتا فانت دوما مشغول بالاجتماعات .. او الذهاب في رحلات بحرية .. انت تقوم باى شئ يجعلك تبتعد عن البيت ..

"

- لورا !

فقالت ثائرة : " نعم , هذه هى الحقيقة , فأنت كأمى لا تهتم بي . خلتك تهتم بي , ألم تعودني علي .. "

- لورا , انت تحرجين الأنسة دوغلاس .

فقالت لورا بصوت باك : " لماذا على دوما ان اتوسل اليك لكي تهتم بي ؟ هل لأن امى تشعر بالغيرة عندما تصحبنى الى أي مكان ..؟"

تهدج صوتها , اما كارولين فراحت تحدق من النافذة وهي تتمنى لو كانت فى اى مكان غير هذه السيارة وغير هذه اللحظة .

اوقف جايمس السيارة فجأة ثم ارتد فى مقعده ينظر الى ابنته التى ما أن رأى وجهها حتى اطلق شتيمة ثم فتح بابه وترجل ليصعد الى المقعد الخلفى بجانبها .

دون أية كلمة , دفعت كارولين بابها ثم ترجلت وسارت مبتعدة عن السيارة . كانت السيارات تتجاوزها بسرعة ولكنها لم تهتم بها . ان علاقة جايمس بابنته شئ خاص بهما فلا

دور لها فى ذلك . فجأة اصبح الالم غير محتمل , كان استمرار إنكار ذلك من باب العبث فلم تتوقف قط عن حبه .

وجدت جسرا ضيقا فوق قناة للري , وبوابة استطاعت ان تريح عليها ذراعيها . وكانت حرارة الشمس تشتد على ظهرها .. اليوم تركت شعرها مسترسلا وهي هي النسائمة التي

تثيرها مرور السيارات تحرك خصلات شعرها فتدخل فمها . عندما جاء جايمس ليقف بجانبها , نظرت الى وجهه المنهك ثم الى السيارة الواقفة على بعد عدة ياردات . ثم همت

بالتوجه اليها لولا ان يده التى وضعها على ذراعها منعتها من ذلك . كان موليا ظهره الى السيارة وبهذا لم يكن بإمكان لورا ان ترى ما يفعل .
قال بعنف : " لا تذهبى الان , ارجوك يا كارولين "

فارتجفت وسألته : " وماذا بالنسبة الى الاجتماع ؟ "

- فليذهب الاجتماع الى جهنم .

- انت لا تعنى ذلك . عليك ان تذهب .

فتنهد ثم اومأ يقول : " وعدت لورا ان اصحبكما الى الغداء , وفى تلك الاثناء يكون الاجتماع قد انفض , وبعد ذلك .. "

سارعت تعترض : " ليس عليك ان تأخذنى , سأذهب الى التسوق مع لورا ثم أوافيها فيما بعد .. "

فتمتم بصوت اجش : " لاتكونى حمقاء .. لأنك ستتناولين الغداء معنا"

تمتمت تقول : "مسكينة لورا "

فنظر اليها وقد بدا فى عينيه جوع ساخر ثم قال من بين أسنانه : " مسكينة لورا حقا , فالام لم تكن تريدها على الاطلاق وهي لا تهتم بها مثقال ذرة .. والاب عاشق لامرأة

اخرى"

همت كارولين بالهرب بعيدا عنه , ولكنه لم يدعها تذهب بل قال بعنف : "هذا صحيح . على ان اخبرك , وما فائدة الانكار ؟ ولكن ما الذى يمكننى فعله بالنبسة لهذا الامر .؟ اخذ

لورا واطلقها ؟ لقد فكرت فى هذا ولكن اتظنينها ستدعني افعل هذا ؟ ابدا , ولن اجد محكمة تمنحنى حق حضانة ابنتى . خصوصا اذا كان هناك شك فى وجود امرأة اخرى .

حسنا , لورا فى السادسة عشرة من عمرها الان , وبعد سنتين سيكون بإمكانها ان تقرر مصيرها بنفسها , ولكن هل بإمكانى انتظار كل هذا الوقت ؟ وهل يمكننى ان اجرب حظي

واعدا نفسى بان المرأة التى احبها لن تتزوج فى هذ الفترة من رجل اخر ؟"

اغمض عينيه لحظة ثم اردف يقول : " وهكذا اخبر نفسى ان على ان ارحل , وبعد سنتين ستكون لورا حرة فى القدوم إلى . ولكننى لا استطيع القيام بهذا ايضا .. هل تتصورين

السم الذى ستبثه ديبوراه فى ذهنها ؟ هل يمكنك تصورها وهي تخبر لورا ان اباها قد عشق مربيتها ؟ كارولين , لقد ابعدتك عن ذهني, وكنت واثقا من انك تزوجت قبل ست

سنوات . لم يكن لدي الحق بأن اطلب منك انتظاري "

- آه يا جايمس .

- بحق الله يا كارولين . لاتنظري الى بهذا الشكل . انت لا تعرفين العذاب الذى سببته لي فى الاسابيع الماضية , ولا ادرى كم يمكننى ان احتمل اكثر من ذلك . ولكنك لا

تشعرين بالرضا وانت تستعرضين امامى غزواتك .

- جايمس , انت لا تفهم ..

رد عليها بحدة : " افهم انك تؤذينني مهما كان سبب ذلك "

انتبهت كارولين الى حركة مفاجئة من السيارة فارتدت اليه تقول بعجز : " لورا قادمة نحونا يا جايمس ولا يمكننا التحدث الان "

- وماذا هناك اكثر من ذلك ليقال ؟

قال ذلك ببرودة , ثم اشاح بوجهه عنها .

شعرت كارولين من الطريقة التى تعلقت فيها لورا بذراعه وهما عائدان الى السيارة , بانه عقد معها سلاما . وتملكها السرور , فلورا هى الشخص البرئ الوحيد فى هذا .

كانت لندن مزدحمة , مليئة بالسياح وكذلك بمتسوقي نهاية الاسبوع المعتادين , انزلهما جايمس على مشارف منطقة التسوق الرئيسية بعدما وعدهما بملاقاتهما فى الساعة الواحدة

فى مطعم فرنسي صغير . كانت لورا مبتهجة للغاية لانها نالت ما تريد هذه المرة فجرفت بحمساتها كارولين معها .

لدى معظم المتاجر حسابات باسم بوث , وهكذا طافت كل متاجر الازياء مشترية كل الاشياء التى اعجبتها , تاركة كل شئ لكي يرسل الى المنزل " ميتلاندس " . وصمتت

كارولين على تنحية المشاكل جانبا لكي تشارك لورا حماستها الصبيانية .

لم يكن من الصعب ان تجدا كل ما تريدانه .

هتفت لورا وهي تستعرض امام كارولين والعاملة ثوبا يصل لكاحليها , لونه بين القرمزي والليلكي :

- آه , لست سيئة المظهر , أليس كذلك؟ لم اكن اعلم اننى سأبدو بهذا الشكل .

ابتسمت كارولين : " لاتكونى مغرورة جدا . فعليك ان تدفعى ثمنه . وقد يرفض ابوك ان يضع توقيعه على قائمة الحساب "

اخذت لورا تضحك وقالت بثقة : " لن يفعل ذلك .. قال ان بمقدوري الانفاق كما اشاء "

تنهدت بسعادة : " نعم , سأخذ هذا الثوب ., آه , هل لديك ثوب ازرق غامق ؟ نعم , ازرق غامق , طويل ملتصق بالجسم "

حدقت كارولين الى الفتاة : "لورا , لن يلائمك هذا الثوب على الاطلاق"/)

- اعلم , لكنه سيلائمك انت . فقد قال ابى ان على ان اشترى لك شيئا بدل قدومك معي .

فهزت كارولين رأسها وهي تمنع العاملة من الذهاب لاحضار الثوب : " آه , لا .. شكرا على كل حال , ولكن لا ....يمكننى ان اشترى ثيابي "

بدا الكدر على لورا :" ربما ما كان لي ان اخبرك , كان على ان اشترى لك شيئا دون ان اخبرك "

هزت كارولين رأسها : " وكيف كان يمكنك ان تفعلى ذلك ؟ فانت لست بقياسي , هذا إلى اننى لست بحاجة الى شئ صدقينى.."

فبدت لورا اقل قلقا : " هل انت واثقة ؟ "

- كل الثقة ... والان اذهبى وارتدى ثيابك فالساعة تكاد تبلغ الواحدة الاربعا .

شهقت لورا : " احقأ ؟ مضى الوقت .. اظننى سأرتدى للغداء ذلك الطقم العاجي الذى اشتريته للتو , نعم , يمكننى ان ارتديه واذهب به الى البيت , اما قميصى وبنطلونى الجينز

فليرسلوها مع الاشياء التى اشتريتها , الأ يمكنهم هذا ؟ "
اومأت كارولين موافقة : " لا ارى ما يمنع هذا "

اخذت كارولين تجول فى انحاء المكان . كان لطفا من جايمس ان يقترح شراء شئ لها هي ايضا . وهذا نوع من الشهامة اعتادها كما فعل حين طلب من غروم ان يقلها الى حيث

تقابل جون فى القرية ليلة أمس .

وعبست عندما عادت اليها مشاكلها تهاجمها . ما الذى عليها ان تفعله بالنسبة الى جايمس ؟ ان حديثه عن انتظار بلوغ لورا الثامنة عشرة امر يناسبه ,ولكن هل سيتمكن من

الانتظار كل هذا الوقت ؟ وان استخدم الضغط عليها , فهل ستقدر على مقاومته ؟ هذا اذا عرف شعورها الحقيقى نحوه ..

عليها ان تصمم امرها قبل نهاية الشهر , ولكن الافتراق عنه مرة اخرى سيكون مؤلما للغاية .


" لاسوتيريل " مطعم صغير فخم ...وصلا اليه ولورا مرتدية ذاك الطقم العاجي الذى بدا رائعا عليها , وصلتا بعد الواحدة بقليل فوجدتا ان جايمس لم يصل .

هفتت لورا بفروغ صبر والنادل يسير بهما الى المائدة التى كان حجزها ابوها : هذا لا ينبغى ان يحدث , فالفتاة هى التى تجعل مرافقها ينتظر وليس العكس "

واثناء كلامها , انفتح باب المطعم ودخل منه عدة أشخاص , لمحت كارولين فى الخلف رجلا اسمر طويل القامة . فقالت وهى تحاول ان توقف سرعة خفقان قلبها المفاجئ : اظن

قلقك قد انتهى فقد جاء ابوك كما اظن "

رفعت لورا بصرها بسرور : " احقأ ؟ آه , هذا صحيح , وانظري من جاء معه "

كان تريفور فروبيشر يتبع جايمس . استقرت عينا جايمس على كارولين ثم رفع حاجبيه وهو يرى ابنته : " حسنا , حسنا , ماذا حدث للطفلة ؟ "
عبست لورا فى وجهه ثم عادت فابتسمت لتريفور : "مرحبا ما الذى تفعله هنا ؟ "

قال ابوها لاويا شفتيها وهو يتهالك على كرسي بجانب كارولين : "صدقى او لا تصدقى , جاء تريفور الى المكتب "

دهشت لورا : " الى المكتب ؟ ولكن لماذا ؟ "

فقال تريفور بلهفة : " علمت امك اننى ات الى المدينة هذا النهار , فاتصلت هذا الصباح بي مقترحة ما دام ابوك ايضا , ان نتناول الغداء , ولم اكن اعلم انه سيلتقى بك "

رأت كارولين عينى جايمس تنصبان عليها , فغضت بصرها باضطراب , انها رسالة بسيطة الفهم , فهذه طريقة ديبوراه فى التجسس عليه ومعرفة المكان الذى سيتناول فيه الغداء

ومع من .

كان تريفور يحدث لورا عن سيارة ذهب لرؤيتها هذا الصباح . فى هذه الاثناء حاولت كارولين ان تركز افكارها على ما يقول , ولكن هذا كان صعبا وذراع جايمس ممتدة على

مسند مقعدها .

وكان يسالها برقة : " هل كان صباحكما ناجحا ؟ "

اومأت بقوة : " كان ناجحا جدا , فقد اشترت لورا ثيابا جميلة جدا , أليس كذلك يا لورا؟


قالت لورا : " آه , ماذا ؟ آه , نعم "

ثم عادت بانتباهها الى تريفور , ولاحت على شفتى جايمس شبه ابتسامة وهو يقول لكارولين وانفاسه الدافئة تلفح وجنتها : " دعيهما وحدهما وتحدثي الى . انا احمق , اعرف هذا

, ولكننى اريد ان اعلم ماهية شعورك نحوي حتي ولو كنت تكرهيني "

تملك كارولين الذعر لانها خشيت ان يسمعها الاخرون ولكن من الواضح انهما لم يسمعا شيئا .

تحركت كارولين فى معقدها وازداد جايمس اقترابا منها , واخيرا قالت بصوت خافت : " انا ... انا لا اكرهك . ولكننى لا استطيع الاستمرار فى العيش فى منزلك . فى نهاية

الشهر .. "

- هل تريد ان تشرب شيئا يا سيدي ؟

كان النادل يقف بجانب جايمس , فالتفت جايمس الى الرجل مستاء. وبعد حديث قصير ابتعد الرجل .

قال جايمس : " ما الذى ستفعلينه فى اخر الشهر ؟ "

- يجب ان تعلم ان على ان ارحل .

- بسببى ؟

رفعت كارولين بصرها اليه , وعندما لم تستطع مواجهة النظرة التى بدت فى عينيه عادت فغضته بسرعة وهي تقول : " جزئيا "

قال وقد بدا عليه التوتر : "لماذا ؟ وما الذى فعلته لترحلي ؟ ابتعدت عن طريقك قدر المستطاع , انك جيدة جدا مع لورا , وماذا ستفعلين اذا رحلت ؟ "

اطلقت كارولين نفسا مرتجفا : " لا ادرى , اظننى سأبحث عن عمل اخر "

- فى انكلترا ؟

- لا ادرى .

- هل لك ان تسمحي لي برؤيتك احيانا ؟

- لا .

جذب رفض كارولين انتباه لورا , فقطبت جبينها :

- ما الذى تتجادلان فيه يا أبى ؟ ما الذى قلته لها ؟

هز جايمس كتفيه ثم قال : " انا والانسة دوغلاس مختلفان فى وجهات النظر فى بعض الامور . حسنا , هل نطلب الطعام ؟ "

كان من المستحيل الدخول فى حديث خاص اثناء تناول الطعام , ولكن الوجبة انتهت اخيرا , وعند تناول القهوة اقترح جايمس توصيل تريفور الى بيته اذا كان يريد ذلك .

هتفت لورا : " حسنا , انتهينا من التسوق يا أبى , هل يمكننا ان نذهب جميعنا الى البيت معا ؟"

قالت كارولين : " لورا , قالت امك انها سترسل غروم الينا بعد الظهر .. "

ولكن جايمس قاطعها قائلا ببرودة : "لا اظنها قامت الان باى ترتيبات , ومرحبا بك عائدا معنا اذا شئت "

فقال تريفور شاكرا: " اشكرك جدا يا سيدى "

قالت لورا بسعادة : " حسنا , ها قد اتفقنا اذن "

فقال جايمس وهو يوقع قائمة الطعام التى احضرها له النادل : " حسنا , على الذهاب الى المكتب لاحضار بعض الاوراق , فهل تريدون انتظار ام تفضلون العودة معي ؟ "

سألته لورا عاقدة جبينها : " الا يمكننا ان نتمشى قليلا ؟ ايناسبك هذا يا تريفور ؟ "

فأومأ تريفور موافقا ولكن كان ينظر بشئ من الارتباك الى كارولين , فاحست انه لا يحب فكرة ان تكون مع لورا حارسة ترافقها , وعندما شعر جايمس بتردد الفتى , نظر فى

اتجاه كارولين :

- هل تريدين القدوم معي لرؤية مكاتب " صناعات بوث " ؟ ام تفضلين البقاء مع الطفلين ؟

سارعت لورا تقول : " آه , نعم . اذهبي معه يا آنسة دوغلاس "

وضعها قول لورا فى موقف لايمكن تجنبه , فقالت : " حسنا جدا "

وكانت تعلم ان صوتها كان باردا منزعجا , فقالت لورا وهي تقف : "اتفقنا اذن , سنراكما فيما بعد , يا أبي . فى اى وقت ؟ هل نقول .. بعد ثلاثة أرباع الساعة ؟ "

نهض جايمس الذى اخذ يقفل سترته ثم قال : " انه وقت كاف , سنراكما قرب محطة " كوينزواى " فترقبا السيارة "

اومأت لورا برأسها , وبعدما ابتسمت لكارولين معتذرة , خرجت مع تريفور . وخارج المطعم , استدعى جايمس سيارة تاكسي , وعندما اصبحت فى المقعد الخلفى جلست بعيدة

عنه قدر المستطاع .

قالت : " لم يكن هذا ضروريا على الاطلاق , لم اكن بحاجة الى الذهاب معهما , كان بإمكانى ان اركب القطار الى البيت فهذا يوم عطلتى "
لم ينطق جايمس بجواب وهو يجلس بجانبها متراخيا ويداه على فخذيه.

قالت له بتردد : " جايمس .. "

فالتفت ينظر اليها مكتئبا :

- لا بأس , يا كارولين , لا تخافي مني , لم احضرك الى مكتبى لكى اغويك . فلدي حقا بعض الاوراق التى على احضارها . يمكنك اذا شئت ان تنتظرى فى الطابق السفلي

.

نظرت كارولين من النافذة شاردة الذهن . عليها ان تخبره بامر ديبوراه لا التصرف كعذراء انتهكت حرمتها . ولكنها وجدت صعوبة لا تصدق فى العثور على طريقة تقترب فيها

من الموضوع بدل ان تجعل الوضع أسوأ .

كانت ناطحة السحاب فى " إمبانكمنت " مبني قبيحا منيا من الزجاج والاسمنت . ولكن ما إن يصبح الشخص داخل الابواب الزجاجية , حتى تمحو الديكورات الانيقة تلك الصورة

.

ما إن دخلا الى المبنى , حتى خرج حارس يرتدى زيا رسميا من مكتبه وعيناه على كارولين بفضول , ثم نظرالى جايمس : هل ستمكث مدة طويلة يا سيدي ؟ ام احضر لك

السيارة الان ؟ "

قال جايمس : "سأحضرها بنفسى , شكرا يا تشارلس "

نظر الى كارولين : " الانسة دوغلاس ستنتظر هنا بينما ... "

- لا , اعنى , لا بأس يا جا .. يا سيد بوث , سأرافقك .

لم يكد جايمس يسمع هذا وهو يسير بخطوات واسعة الى المصعد وهذا ما جعل كارولين تركض لكي تتمكن من مجاراته فى السير , وطوال الوقت الذى استغرقه صعودهما الى

الطابق الاعلى لم يتحدث اليها , وعندما انفتح الباب خرج مسرعا الى الممر .

انتظر وصولها قبل ان يدخل ما بدا انه مكتب سكرتيرته , ثم فتح الباب الداخلي الذى يؤدي الى مكتبه الخاص , لم تكد تجد وقتا لترى مبلغ جمال المكتب لأن جايمس اغلق الباب ثم

سمرها وراح يعانقها وهو يهمس قائلا : "اردت القيام بهذا طوال فترة الغداء "

قالت محتجة : " ولكنك قلت ان هذا لن يحدث ؟ "

قال بجفاء : " ما كان لهذا ان يحدث لو امتنعت عن مرافقتى الى هنا . ولكنك تريدينه بمقدر ما أريده انا , أليس كذلك ؟ "

هزت كارولين رأسها ولكنه عاد يعانقها وهويقول :

- أوه يا كارولين , اننى افعل شيئا كان على ان اقوم به منذ سنوات .. شيئا اذا عرفت به ديبوراه سيعنى اننا انتهينا , ولتفعل ما تشاء فلن اهتم بشئ بعد الان "

- جايمس .. انك لا تعنى ذلك .

- كاورلين , انا احبك واحب لورا ايضا , ولكن اننى بحاجة اليك ربما اكثر مما تحتاجنى هي .

تنفست كارولين بعنف , ثم جذبت نفسا بعيدا عنه رغم ما وجدته من عذاب فى ذلك . سارت الى منتصف الغرفة تصلح من ملابسها وهي توليه ظهرها وتقول : "جايمس , انا احبك

ولم اتوقف عن حبك قط , لقد ادركت ذلك منذ فترة ولكن .. "

- أواه يا كارولين , انك تعلمين ما تفعلينه بي , أليس كذلك ؟ اننى اريدك يا كارولين , اهربي معي يا كارولين وساحصل على طلاق , على اى شئ تريدينه , فقط لا تبعدينى

عنك .

كانت كلماته تسكرها حتى لم تكد تستطيع مقاومتها . ان قضاء بقية حياتها مع جايمس هو كل مناها , ولكن هل بإمكانها ان تسمح له بالقيام بما يقوله ؟ وعل حساب زوجته وابنته ؟

كانت تعلم انها لا تستطيع ذلك .

وقالت وهى غير قادرة على مقابلة نظراته :

- لا يمكنك ان تفعل هذا يا جايمس , فأنا .. انا لن اسمح لك .

- ولماذا لا ؟

جعلتها كلماته المختنقة تستدير إليه , وقالت ببطء : " جايمس , لقد اخبرتنى هذه الصباح كيف ستتصرف ديبوراه اذا انت تركتها , وكيف انها قد تسمم عقل لورا ضدك . وسواء

صدقت ام لا , فانت ستندم على منحها تلك الفرصة عاجلا ام اجلا , اما الان .. الان .. "
فتمتم يقول بعنف : "اما الان فانا اريدك , لا تقولى لى انك لا تشعرين بنفس الشئ "
فتنهدت : " جايمس , اننى طبعا اريدك ولكنك الان لا تفكر الا فى الحاضر وليس المستقبل . لابأس , فلنفرض انك تركت ديبوراه وانها وافقت على الطلاق , فما الذى ستظنه لورا

بك ؟ انتظرنا طويلا يا جايمس , أفلا نستطيع الانتظار اكثر قليلا فقط ؟ "

- وهل يمكنك ذلك ؟

اشاحت بوجهها عنه : " سيتوجب علي ذلك , أليس كذلك ؟ "

ران الصمت عدة لحظات قال بعدها بصوت فظ : " وإذا رفضت ؟ "

سكت لحظة ثم عاد يقول : " ألا تهربين معي ؟ "

شعرت كارولين بالدموع توشك ان تتدفق من عينيها , فالتفتت تحدق اليه وقد تملكها التوتر وارتجفت شفتاها :

- آه .. آه , نعم , نعم , نعم , ساهرب معك , اذا كان هذا ما تريده حقا , ولكن هذا لا ينبغى لنا .. لا يبنغى لنا ..

عند ذلك تقدم جايمس نحوها ووضع يديه على كتفيها يجذبها إليه :

- آه يا كارولين . شكرا , شكرا لقولك هذا , ظننت اننى جننت .

فقالت : " وماذا ستفعل ؟ "

تنهد طويلا وادركت انه عاد فتمالك نفسه مرة اخرى : " اعلم انك على صواب بالنسبة الى لورا , ولكن ان تطلبى منى ان انتظر سنتين اخريين ... الى اين ستذهبين اذا تركت

بيتى ؟ وكيف أراك ؟ "

- لا أظن ان علينا ذلك .

اظلمت عيناه : " ماذا ؟ انت مجنونة , يا الهى يا كارولين , ديبوراه لن تعلم ابدا "

- قلت هذا ولكنها عرفت بالامر بشكل ما .

قال عابسا : " ماذا ؟"

- ديبوراه تعمل .. بما جري بيننا منذ ست سنوات .

فقال وهو يميل رأسه : " ومن أخبرك بذلك ؟ "

قالت مترددة : " كان هذا شيئا قاله جون موني , هذا كل شئ "

اخذ يحدق اليها : " موني ؟ اتعنين الليلة الماضية ؟ "

اومأت تقول : "نعم "

- يا إلهى , وكيف علم بذلك ولماذا خرجت معه الليلة الماضية ؟

لم تعرف كارولين كيف تبدأ , واخيرا قالت :

- حسنا , هل تتذكر ذلك النهار الذى جاء فيه الى المنزل .. عندما ذهبت معه على دراجته البخارية ؟

- وهل انسى ذلك ؟

وانحنى يضمها ., فهتفت وقلبها يخفق : "آه , يا جايمس , ارجوك . دعنى اخبرك اولا "

- كارولين , ما دامت ديبوراه على علم بامرنا فليس علينا ان ننتظر , ألا تفهمين هذا ؟

قالت : " ولكن الامر ليس بهذا الشكل . جون .. "

- جون ؟

- نعم , جون . تلقى اتصالا تليفونيا او هذا ما قاله , يقول انه مني واننى اريده فى منزلكم

- ولكن الم تتصلى به ؟

- وهل افعل شيئا كهذا ؟

بدا الجد على وجه جايمس لحظة : " لقد أشارت ديبوراه امامي انك كنت تعرفين موني قبل حضورك للعمل عندنا "

شهقت كارولين : " ماذا ؟ ولكن هذا غير صحيح "

- استمرى .

لاحظت انه لم يقل ما اذا كان يصدقها ام لا , ولكن كان عليها ان تستمر:

- حسنا , لم نعرف قط من قام بذلك الاتصال . ولكننى اردت ان اتحدث اليه عن لورا , لا ادرى لما كانت لدى فكرة جنونية بانه قد يتحدث إلى . وقد فعل , لقد طمأننى الى انه

لا يتخيل انك قد تسمح له يوما بالزواج بلورا . ويبدو انها وبعض الفتيات الاخريات هن اللاتي قمن بالتقرب اليه , قد اعتبرت هي الامرجادا اكثر مما كان هو ينوي.

عندما وصلت بحديثها الى هذه النقطة , اخذ جايمس ينظر الى الفضاء بذهن شارد , ما جعلها تنظر اليه بشئ من القلق : " انت تصدقنى ., أليس كذلك ؟ جايمس , اقسم لك اننى لم

اعرف جون موني قبل ذلك النهار الذى جاء فيه الى المنزل "

نظر جايمس اليها بغموض اولا , ثم عندما رأى اهتمامها , تلاشت نظرة الحذر من عينيه وقال بثبات : " اصدقك , هل من مزيد ؟"

اومأت تقول : " لقد اتصل الى المنزل بعد ذلك طالبا التحدث الى . لا ادرى كم من المرات اتصل او ما اذا تحدث الى اى شخص اخر واظنه فعل . ولكنك دخلت عندما كنت

اتحدث اليه "

- ولكن لماذا وافقت على الخروج معك ؟ لا تخبرينى انك كنت تريدين ان تتحدثي معه عن لورا .

- لا , لم يكن هذا هو السبب يا جايمس , لم اعلم ما على ان افعل . كانت لورا مع تريفور .. اه , يا الهى .. انهما ينتظراننا الان .

اجابها : " فلينتظرا , واستمرى فى كلامك "

تنهدت كارولين : " حسنا , هددني بانه سيعاود الاتصال ويطلب لورا ان لم اخرج معه . اعلم ان لورا ستتكدر اذا عرفت بالامر .. كنت خائفة مما قد يقوله لها عني "

- ماذا قال لك ؟

- سالنى عما اذا كنت افضل ان اكون معك .

رفع جايمس حاجبيه : " احقأ ؟ وماذا كان جوابك ؟ "

- انكرت ذلك ... وماذا كان بإمكانى ان اقول ؟ اننى افضل لو كنت خارجة مع والد تلميذنى ؟

فهز رأسه : " لا بأس , وماذا بعد ؟"

- سألته عن سبب إلقائه هذا السؤال . عند ذلك قال ان ديبوراه اخبرته بذلك .

بدت الحيرة على جايمس : " يا له من قول شيطانى ! "

- لا ادرى . ولا اظنه صدق هذا فى البداية , ولكن عند ذلك . استعملت اسمك الاول فساوره الشك .

خلل شعرها باصابعه وهو يقول : " لا تقلقى يا حبيبتى , فسينكشف الامر عاجلا ام اجلا "

- اعلم ذلك ولكن ما دامت ديبوراه على علم فلماذا لم تقل شيئا ؟ اعنى انها طلبت منى هذا الصباح ان اذهب للتسوق مع لورا , هذا شئ غير مفهوم .

قال جايمس بجفاء : " لا شئ تفعله ديبوراه هذه الايام يبدو مفهوما "

أراح رأسه على مسند المقعد .

- يا له من لغز غامض , أليس كذلك ؟ ليس من عادة ديبوراه ان تعرف شيئا كهذا ثم تسكت , الا اذا تغيرت . اعلم انها لم تكن على ما يرام صحبا مؤخرا . فقد استشارت

الطبيب عدة مرات , ولكن عندما سألتها انكرت اى شعور بالمرض , فما الذى يمكننى عمله ؟

قالت : " ربما تريد ان تعرض عليك الطلاق "

ولكنه هز رأسه : " لا اظن ذلك , قالت لى هذا الصباح انها تقوم بترتيبات رحلة بحرية فى شهر آب لنا جميعا .. مع آل فروبيشر "

- وهل سيذهب معكم تريفور ؟

- ربما , ولكننى لن اكون معهم .

- ربما يتوجب عليك ذلك يا جايمس , لاجل لورا .

فسألها : " وماذا ستفعلين أنت ؟ "

- ابقى فى لندن ؟

- مع " فرانكلاند " ؟

- اه , يا جايمس , اظننى اخبرتك عنه , نحن صديقان .. زميلا داراسة اذا شئت , وهو معلم ايضا , ستحبه لو عرفته فهو ظريف الشخصية .

اظلم وجه جايمس , وانحنى يعانقها عناقا عنيفا اوهن قواها وزاد من شوقها اليه . ثم ابعدها عنه وهو يشتم ونهض واقفا .

نظرت اليه بقلق : " جايمس , هل حدث امر سئ ؟ "

قال والكآبة فى عينيه : "كل شئ سئ , أليس كذلك "

مد يده يتناول سترته وهو يضيف عابسا : " ولكنك ملكي .. لاتظنينني سهلا , يا كارولين , فلن ادعك ترحلين مرة اخرى "

قالت كارولين : " تعلم ان المفروض بي ان اتناول العشاء مع كليف لستر وأمه الليلة "

كان اثناء كلامها يخلل شعره باصابعه , فرأت كيف جمده يده على رقبته : " لم اعرف هذا "
تنهدت : " لقد طلب مني ذلك يا جايمس , و .. وفى ذلك الوقت بدت لي الفكرة جيدة "

- لماذا ؟

- حتى .. لئلا تظن اننى اهتم بك . جايمس , لقد القت ديبواه بنا على بعضنا البعض , فعدا عن عدم رغبتى فى إظهار سوء الادب والتهذيب لم تكن هناك طريقة .. لا يهمنى

كليف لستر يا جايمس . لا يهمنى احد سواك .

واحنت رأسها . ران الصمت عدة لحظات , ثم بدا انه يقترب منها فرفعت رأسها تشهق باكية وتلقي بنفسها بين ذراعيه , شاعره به يرتجف وهو يدفن وجهه في شعرها .

سمعت كارولين الاصوات فى الممر قبل أن يسمعها هو بثوان , فابتعدت عنه وهي تقول بذعر :

- أظنها لورا ... وتريفور .

تجهم وجه جايمس : " آه , يا الهى . ما الذى يريدانه ؟ "

قالت وهى تحاول تسوية شعرها : " ماذا سيظنانه ؟ "

بدا وجهها خالية من أي زينة . نظر جايمس اليها وقد ضاقت عيناه ثم قال بهدوء :

- سيسيئان الظن بنا فالشعور بالذنب مرتسم على وجهك , فاهدئى . الامر لا يهمنى .

فصرخت : " ولكنه يهمنى انا , أليس هناك مخرج اخر من هنا يا جايمس ؟ "

قال وهو يشير الى باب اخر لم تسبق لها رؤيته :

- استعملى الحمام وكفى قلقا , فانا احبك .

لم تكد كارولين تغلق باب الحمام حتى سمعت صوت لورا وتريفور يدخلان الى مكتب جايمس .

قالت لورا متذمرة : " ما الذى تفعله يا أبى ؟ انتظرنا عند المحظة ثم قررنا التمشى لملاقاتك . اين الانسة دوغلاس ؟"

رد جايمس بجفاء : " فى الحمام . كنا علي وشك الخروج . اسف لهذا التأخر ولكننى أريت الانسة دوغلاس انحاء المكان "

قال تريفور شيئا عن المنظر الذى تطل عليه نوافذ مكتب جايمس , فى هذه الاثناء كانت كارولين تعيد زينة وجهها بسرعة وتمشط شعرها , وعندما خرجت من الحمام , كانت اقل

اضطرابا .

هتفت لورا وهي تتاملها بفضول : "ها انت ذى .. وجهك متورد يا آنسة دوغلاس , هل حاول أبى مضايقتك ؟ "

تبادلت كارولين نظرة مع جايمس الذى سار نحو الباب متكاسلا وهو يقول لها بينما كانت تمر به فى طريقها الى الباب : " اهتمى بشؤونك الخاصة يا لورا وسأهتم انا بامر الانسة

دوغلاس"



* * *
يد الشيطان



لم تستطع كاورلين الاستمتاع بالسهرة فى منزل لستر مع أن السيدة لستر كانت لطيفة للغاية , فقد انشغلت افكارها فى ما يدور فى المنزل , و لم تكد تساهم بالحديث الذى كان

يدور خلال العشاء .

جلس الجميع بعد ذلك فى غرفة الجلوس الجميلة التى كانت مترفة الاثاث الا انها مريحة لايبدو عليها التكلف الموجود فى منزل ديبوراه.

قالت لها السيدة لستر وهي تناولها كوب القهوة :

- اخبرني كليف انك عملت فى سريلانكا يا آنسة دوغلاس . اظنك وجدت فرقا كبير بين ذلك وبين العمل عند آل بوث ؟

فقالت كارولين وهي تحرك القهوة : " فرقا كبيرا جدا "

تابعت المراة تقول وهى تضيف الى فنجانها مزيدا من السكر والقشدة : " ولكنك نجحت مع لورا الصعبة المراس "

قالت كارولين بصدق : " احب لورا وطباعها ليست بتلك الصعوبة "

استندت السيدة لستر الى الخلف وكوب القهوة بيدها : " ماذا بالنسبة إلى مخدوميك ؟ هل انت منسجمة معهما ؟ "

تمنت كارولين لو بإمكانها تجنب هذا النوع من التحقيق , قالت : " انا ... لا اراهما كثيرا "

وكان هذا صحيحا .

فقطبت والدة كليف جبينها : " إممم ... ربما هذا هو المنتظر , فديبوراه ليست امرأة سعيدة , أليس كذلك يا كليف ؟"

- وهي ليست امراة سليمة الجسم يا أماه .

- أعلم هذا , فقد اخبرتنى آيرين فروبيشر بأنها تشعر بألم هائل فى عمودها الفقرى , انها محطمة كما تعلمين , ولكن على كل حال اللوم فى الحادث الذى وقع لها يقع عليها

وحدها .

- أمى

- حسنا , انها الحقيقة فلماذا نخفى الامر عن الانسة دوغلاس ؟

- آه , فى الواقع أنا ..

لم يسمع احد احتجاج كارولين والسيدة لستر تتابع قائلة : " وهي تلوم ذلك الرجل المسكين لسقوطها , كانت حاملا حينذاك وما كان لها ان تركب الخيل على الاطلاق . ولكنها

كانت مجنونة بركوب الخيل , وكانت غاضبة كثيرا لأنها كانت ستلد

شعرت كارولين بالذعر , فحتى الان لم يخبرها احد بتفاصيل الحادث الذى وقع لديبوراه , فجايمس لم يتحدث عن ذلك قط وكانت دوما تفترض ان ذلك نتيجة خطأ فادح .

- كادت تخسر الطفلة , فقد ولدت قبل اوانها وبقيت اسابيع فى وضع دقيق خطر , ولكنها لم تهتم بذلك بل لم تشأ ان ترى الطفلة ... او زوجها .

- أمى , كفى .

قالت السيدة لستر بعزم : " دمرت حياتهما , أى نوع من الحياة بقيت لأى منهما ؟ انها امرأة حقود محبة للانتقام يا كليف , واذا استطاعت ان تضر بجايمس فستفعل . لماذا لم

تطلقه منذ سنوات ؟ إنها لاتحبه ولا اظنها احبته قط , فهى انانية تحب التملك . تريد ان تبقيه مرتبطا بها قدر إمكانها ولو كنت مكانه لتركتها "

اندفعت كارولين تقول : "ولكن كانت هناك لورا "

تورد وجهها عندما التفت كليف وامه ينظران اليها .

راحت السيدة لستر تتأمل ملامح ضيفتها الشابة لحظة , ثم اومأت تقول : "طبعا , لماذا لم أفكر في ذلك ؟ "

اوصل كليف كاورلين الى بيتها بعد العاشرة مباشرة . وتجنبت هي عناق التحية المعتاد بنزولها من السيارة قبل ان تقف . تغيرت ملامح كليف وهو ينظر اليها من خلال زجاج

السيارة خلف عجلة القيادة , ثم قال

- اوضحت وجهة نظرك ولكننى لم أكن سألمسك .

تنهدت كارولين : "اسفة يا كليف , انا معجبة بك انما لا جدوي من التظاهر بأى شئ اكثر من هذا "

ضغط كليف على عجلة القيادة وهويقول :

- بسبب جايمس , أليس كذلك ؟ تكهنت بذلك الاسبوع الماضى , ولكننى كنت ارجو ان اكون مخطئا , ثم الليلة . عندما كانت امى تتحدث ...

عاد ينظر اليها مرة اخرى : " انت المراة التى عرفها منذ خمس او ست سنوات . علمت انه كانت لديه صديقة , ولكننى لم اعرف اسمك قط "


شهقت كارولين ويداها تتمسكان بالنافذة المفتوحة :

- ولكن كيف عرفت ؟ لم يعرف احد بامرنا ؟

- لاتكونى حمقاء يا كارولين . والد جايمس كان يعلم وكذلك آل فروبيشر كان جايمس يصطحبك للنزهة فى زورقه , أليس كذلك ؟ فكان لابد لدايفد فروبيشر من ان يعلم , فهو

سكرتير نادي اليخوت .

رفعت كارولين يدها الى فمها : " آه , لا , ما اشد ما كان احمقين عندما ظننا ان بإمكاننا ان نحتفظ بسرنا عن الاخرين "

قال كليف بفتور : " وما اهمية ذلك ؟ فلا احد يلوم جايمس , وكما سبق ان قلت لك ديبوراه فى منتهى السوء "

قالت كارولين بمرارة : " انها زوجته " ثم تحولت مبتعدة .

* * *

بعد ظهر يوم الاحد , ارسلت ديبوراه تستدعى كارولين .

امضت معظم الصباح فى السرير خائفة من النهوض , خائفة من مواجهة حقيقة ان ايامها فى هذا البيت على وشك الانتهاء .

كان التفكير فى الرحيل , التفكير فى انكار حقها فى رؤيته مدة سنتين اخريين , كان فى هذا عذاب بالغ . ولكن عليها , بشكل ما . ان تجد القوة للقيام بذلك . ومع ذلك عندما

ارسلت ديبوراه تستدعيها , فارقتها رباطة الجأش .
كانت مخدومتها بانتظارها فى شرفة المنزل الخلفية , تحيط بها الازهار بينما تعرش الياسمين على شبكة من الحديد , وخلف الفناء وحديقة الورود . كانت كارولين تسمع اصوات

الضحك ورشاش المياه من حوض السباحة .

تسمرت مكانها عندما قالت لها ديبوراه : " الجو رائع بالنسبة للسباحة , الا تظنين ذلك يا آنسة دوغلاس ؟ لورا تعبث مع ابيها فهما معا كالاطفال . كما ان جايمس يعشق الماء

سباحا وتجديفا .. هل تحسنين السباحة يا آنسة دوغلاس ؟ "

كانت يدا كارولين تلتويان معا خلف ظهرها , فاجابت بادب : "نعم , يا سيدة بوث ., انا احسن السباحة "

- نعم توقعت ان يناسبك هذا .

- لم اكن احب قط السباحة وكنت افضل ركوب الخيل . هل تحسنين الفروسية يا آنسة دوغلاس ؟

اجابت كارولين وقد انغرزت اظافرها فى راحتيها : " لا , مع الاسف . هل اردت رؤيتى يا سيدة بوث ؟ "

التفتت ديبوراه تنظر الى الفتاة مرة اخرى , ثم قالت بتلك الابتسامة المخادعة كالعادة :

- أريد منك ان تتعشى معنا هذه الليلة مرة اخرى . تريد لورا فرصة تتباهي فيها بثيابها التى اشترتها أمس , وبما انك كنت معها فمن الطبيعي ان ترغب ان تريها انت ايضا .

- آه , فى الحقيقة , يا سيدة بوث , انا ..

هتفت السيدة بوث بصبر فارغ : " ليس لديك عمل هذا المساء , أليس كذلك ؟ "

- ليس بالضبط , لا , لكن ..

- هذا حسن جدا , إذن .

- أظن يا سيدة بوث ان علينا ان نتحدث بشأن نهاية ....

قاطعتها ديبوراه : " اعرف ذلك , تعنين فترة شهر الاختبار معنا . ادرك انه لم يبق سوى ايام قليلة وانت لا تريدين البقاء معنا , أليس كذلك ؟ "

فقالت بارتباك : " انا .. لا . .."

- لا بأس بذلك . يمكنك ان تذهبى الان يا آنسة دوغلاس . اعدك بان نتحدث فيما بعد .
ارتدت كارولين البنطلون والقميص الأسودين اللذين ارتدتهما فى أول ليلة لها فى هذا البيت , ومعهما قميص من الدانتيل عاجي اللون . كان هذا الطقم بسيطا جميلا ولكنها تعرف

انه عليها ان تكون الليلة واثقة من نفسها .

كان الثلاثة فى انتظارها فى غرفة المكتبة . بدت لورا مهتمة برأى كاورلين بمظهرها ,كانت ترتدي تنورة مزركشة طويلة فضفاضة وتعقد شعرها فوق أذنيها فبدت ناضجة نحيفة

طويلة القامة .

هتفت الفتاة ضاحكة : " هل أبدو أكبر سنا ؟ إنه حذائى , انظري "

اغتصبت كارولين ابتسامة لها ولديبوراه , بينما سارع جايمس إليها يسألها بادب عما تريد ان تشرب .

فقالت بسرعة متجنبة عينيه : " آه , أي شئ بارد . لا بأس بعصير الليمون "

لم يناقشها جايمس , وتابعته هي بنظراتها وهو يجتاز الغرفة . لم يكن يرتدي بذلة العشاء هذا المساء , ولكن بذلته البرونزية كانت رائعة الأناقة مبرزة عرض كتفيه وعضلات

ساقيه القوية .

عندما شعرت بأن ديبوراه تراقبها , أسرعت تقول :

- كان اليوم جميلا, أليس كذلك ؟

فقالت لورا : " أمضيت الوقت انا وتريفور فى البحيرة "

- أخبرتنى أمك انك كنت وابيك تمتعان نفسيكما .

وقطبت لورا حاجبيها :

- لم يكن أبى معنا

قالت ديبوراه ببرودة : " لابد أنك أسأت الفهم يا آنسة دوغلاس "

وإذ رأت كارولين نظرات جايمس الرزينة لها , لم تشأ ان تكذبها .قدم جايمس لها العصير , فشكرته بلهجة آلية وهي تتساءل عما يجعل ديبوراه تبتهج بمضايقة الاخرين .

شعرت بالراحة عندما جاءت جيني تخبرهم بأن العشاء جاهز , إذ سيكون بإمكانهم الانشغال بتناول الطعام . ولكن أثناء تناولهم الروستو , قررت ديبوراه تبديد هذا الهدوء الهش

فقالت بعفوية :

- أخبرتنى الانسة دوغلاس بأنها تريد ان ترحل آخر الأسبوع .
هتفت لورا منزعجة : " ماذا ؟ " التفتت الفتاة إليها بعدم تصديق :

- أمي تمزح , أليس كذلك ؟ أنت لا تريدين حقا ان تتركينا , أليس كذلك ؟

- أنا ...

وقبل أن تتمكن كارولين من قول أى شئ , عادت ديبوراه تقول : " أنا لا أمزح يا لورا , فقد اخبرتنى الانسة دوغلاس هذا بنفسها بعد الظهر

ادركت كارولين انها اصبحت فى مأزق , وكانت تأمل ان تخبر لورا بالامر بنفسها وليس بهذه القسوة . قالت : " حسنا , نعم , ولكن .. "

عادت لورا تقول : " لماذا ؟ كنت أظنك مسرورة هنا . ظننت اننا منسجمتان معا واننا صديقتان ؟ "

- ونحن كذلك يا لورا .

قالت ديبوراه بقسوة : " لا اظن كارولين صديقة لك يا لورا , كما انها ليست صديقة لي"

ونظرت الى كارولين بتحد ثم تابعت تقول : " اتخذناها مربية ومرافقة لك ... لكي تساعدك فى نسيان افتنانك بذلك الرجل موني . وبدلا من ذلك , شجعت الانسة دوغلاس الرجل

على القدوم الى هنا وتحدثت معه تليفونيا , والاكثر من ذلك خرجت معه بنفسها "
تجاهلت ملامح لورا الذاهلة وتابعت تقول : "لقد سألت نفسى كيف يمكنها أن تنشئ مثل هذه العلاقة معه فى مثل هذه الفترة القصيرة . وكان الجواب واضحا .. فقد عرفته قبل

مجيئها الى هنا "

قالت كارولين بذعر : " لا ! هذا غير صحيح "

نظرت الى جايمس بعجز وطمأنتها النظرة التى بدت فى عينيه وهو يقول بهدوء : "ليس لديك برهان على ذلك يا ديبوراه "

قالت لورا : " لم تتحدث الانسة دوغلاس الى جون إلا لأننى انا طلبت منها ذلك , وهي لم تخرج معه "

وضعت ديبوراه الشوكة والسكين ثم انحنت لتلتقط حقيبة يدها من الارض ثم اخرجت منها رسالة لم ترها كارولين قط من قبل وعرضتها وقد بان على وجهها الانتصار .

قالت : " احقأ ؟ إذن فهل هناك من يخبرني لماذا يراسلها ؟ "

شهقت كارولين : " ولكنه لم يفعل ... "

قاطعتها ديبوراه وهي تمد يدها لابنتها بالرسالة :

- هل هذا خط موني ام لا يا لورا ؟

طرفت لورا بعينيها وهي تنظر الى اسم كارولين مكتوبا بخط واضح مستعجل . ثم ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تقول متلعثمة : "يبدو مثل خطه "
قال جايمس وهو يختطف الرسالة من يد زوجته :

- دعينى أراها .

وأخذ يقرأ ما كتب على الغلاف , نظرت إليه زوجته وشبه ابتسامة تتلاعب على شفتيها ثم قالت برقة : " لماذا لا تقرأها يا جايمس ؟ فقد قرأتها أنا "

تقبضت يدا كارولين على حافة المائدة وهي تنظر الى وجه جايمس المتجهم , وقالت :

- نعم , اقرأها . لماذا لا تقرأها لنا جميعا لاننى لم ارها قط .

- أحقا لم تريها ؟

سألتها لورا هذا بحزن .

قالت ديبوراه بقسوة : " اسألى الانسة دوغلاس الى اين ذهبت مساء الجمعة "

نظرت لورا الى امها بمرارة قبل ان تعود فتنظر الى كارولين التى هتفت وهي تشعر بالضياع بسبب ما ارتسم على وجه لورا عندما سمعت هذه الكلمات .

هتفت تقول : "آه , يا لورا . خرجت مع جون موني ليلة الجمعة حقا , انما ليس للسبب الذى تريد أن تظهره أمك . كان غرضي بريئا .. "

سأل جايمس بصوت خشن : " من أين حصلت على هذه الرسالة يا ديبوراه ؟ هل كنت تفتشين فى امتعة كارولين ؟

رأت كارولين كيف اتسعت عينا لورا وهي تسمع أباها يقول اسمها الاول بعفوية , وكانت ستقول شيئا لو لم تختر ديبوراه هذه اللحظة لكي تنفجر قنبلتها الاخيرة .

قالت بتحد : " ولم لا ؟ آه , مسكينة لورا ومسكين جايمس . أخشى ان تكونا أنتما الاثنين مخدوعين "
بدا العذاب فى عيني لورا :

- نحن الاثنان ؟ ما الذى تقولينه الأن يا أمي ؟

- لورا , حان الوقت لكي تعلمي الحقيقة , ان الانسة دوغلاس أو كارولين كما يقول أبوك , كانت عشيقة أبوك منذ سنوات ...

صرخت لورا بصوت مثير للشفقة : " لا "

- .... ولاشك انه يتألم لأجلها كما تتألمين أنت بسبب موني .

دفعت كارولين كرسيها الى الخلف وهبت واقفة وهي تحدق بيأس اليهم جميعا .


قالت : " هذا غير صحيح . لم أكن عشيقته قط , ومهما كانت محتويات الرسالة فلا شأن لي بها .. لم أر قط هذه الرسالة وانت تعلمين ذلك "

عادت ديبوراه تقول لزوجها : " لماذا لا تقرأها , يا جايمس ؟ "

فى هذا الوقت كانت كارولين تعتصر يديها , ثم صرخت وهي ترى المرأة تجلس فى كرسيها بهدوء مستمتعة بما أحدثته من فوضي وبلبلة , صرخت تقول : "يا لك من شريرة ..

شريرة , فأنت تعلمين انك لا تقولين الحقيقة "

- أبى .. هل كنتما انت والانسة دوغلاس عشيقين ؟

تضمن سؤال لورا المذهول اليأس والتضرع ولكن مزاج جايمس لم يكن يسمح له بلومها فتمتم يقول بعنف وهو يقلب الغلاف فى يده : " وماذا لو كنا ؟ وما هو نوع الحياة التى

تظنيننى أعيشها هنا ؟"

- آه يا أبى .

هبت لورا واقفة ثم اندفعت هاربة من الغرفة . ولكن عندما تحركت كارولين وكأنها تريد اللحاق بها , أمسكت اصابع ديبوراه النحيلة بمعصمها وامرتها ببرودة : " دعيها وحدها .

ألا تظنين انك سببت ما فيه الكفاية من الدمار هنا ؟ لم نعد بحاجة الى خدماتك ويمكنك ان تحزمي امتعتك وتغادي هذا المنزل بأسرع ما يمكنك , وكلما كان ذلك أسرع , كان أفضل

"


سحبت كارولين معمصها من قبضة ديبوراه وهي تشعر بالغثيان , وكان جايمس ما يزال فى كرسيه يقلب الرسالة بمرارة ولكنه لم يحاول النظر اليها وهذا ما جعلها تتكهن بأن

ديبوراه نجحت فى خطتها , فقد أقنعت موني بشكل ما أن يكتب تلك الرسالة , واستطاعت مخيلة كارولين ان تتكهن الكلمات والجمل اللعينة التى احتوتها , وجايمس سيقرأها لأن

ديبوراه ستصر عليها بهذا . وبعد ذلك ... لا شك ان كل شئ سيستمر كما كان من قبل , ستشعر بالرضا وهي تعلم انها قتلت عصفورين بحجر واحد , فقد خاب أمل لورا بجون

موني , وستجد التعزية دون شك مع تريفور فروبيشر , هذا بينما جايمس .. جايمس لن يحن بعد الان الى امرأة يحتقرها .

شهقت شهقة ملؤها الاختناق وارتدت على عقبيها ثم أخذت تصعد الدرج ركضا وكأن الشيطان يلاحقها . ولم يستغرق منها حزم امتعتها وقتا طويلا , لانها اخذت تكوم حاجيتها فى

الحقائب كيفما اتفق. بل لم تزعج نفسها بتغيير ملابسها , وبعد نظرة أخيرة الى ما حولها عادت فنزلت الى الطابق الاسفل .

دهشت وهي ترى غروم بإنتظارها فى الردهة . قال لها : "طلب مني السيد بوث أن أقلك الى المكان الذى تريدينه "

أرادت كارولين ان ترفض , ولكن فكرة السير وحقيبتان فى يديها هزمتها . فتبعت غروم الى السيارة ثم طلبت منه ان يقلها الى محطة ريدنغ .

* * *

بعد ذلك بثلاثة أيام , قرأت كارولين فى الصحيفة أن ديبوراه أصيبت بانهيار ادخلت على أثره المستشفى .كانت فقرة صغيرة جدا وكان يمكن ألا تلحظها على الاطلاق لو لم تكن

تمشط الصحيفة بحثا عن عمل .

منذ تركت منزل ميتلاندس مساء الاحد , رفض عقلها التفكير , فقد كانت تشعر بالخدر وهي تتوجه الى شقة تيم وكانها حيوان مصاب بقصد مكانا يلعق فيه جراحه , وكان تيم رائعا

, فقد رحب بها دون أن يسألها كم سيطول مكوثها عنده , فقد فهم حالتها العقلية من مظهرها المحزن .

كان خبر انهيار ديبوراه مفزعا , اعاد الى ذهنها التفكير المؤلم بمستقبلها غير المؤكد . ما الذى عجل هذا الحدث ولماذا حدث ؟ وزاد هذا فى حدة وتألم مشاعرها على جايمس .

وعندما عاد تيم إلى بيته ذلك المساء وجدها تبكى . دخل الشقة وهو يصفر ولكن ما ان رأى شهقاتها على الأريكة حتى جاء اليها يحملها بين ذراعيه ويهدهدها كأنها طفلة .

كم شعرت بالراحة وهي تخبره أخيرا بصوت صادق متلعثم كل شئ , منذ تطور حبها لجايمس وصولا الى اتهامات ديبوراه القاسية فطردها , ولم تحاول ان تختلق لنفسها المعاذير

.

وعندما سكتت , سألها بهدوء : " ولكنك ما زلت تحبينه , اليس كذلك؟"
انتصبت كارولين فى جلستها واشاحت بوجهها عنه وهي تمسح دموعها بمنديل ناولها إياه , ثم سألته بصوت يكشف تظاهرها الكاذب برباطة الجأش : " لا فائدة , أليس كذلك؟ "

- ولكنك تحبينه .

- آه , نعم , نعم . أظننى سأحبه على الدوام .

- حتى ولو كان يصدق ديبوراه , مع انه يعرف ما هي عليه من سوء ؟

سحبت كارولين نفسا مرتجفا : " لدي ديبوراه قوة إقناع كبيرة , هذا إلى ان هناك ... الرسالة "

نهض تيم عن الاريكة وهو يقول : " آه , نعم , الرسالة . يبدو انها دفعت له مبلغا سخيا "

- جون موني ؟

- ومن غيره ؟

اومأ قائلا : " حسنا , انا مسرور لأنك اخبرتنى . تعلمين اننى اقوم بكل ما استطيعه لكي .. حسنا , لاجعلك سعيدة "

اومأت كارولين برأسها : " نسيت .. فى الصحيفة خبر عن تعرض ديبوراه لانهيار عصبي ادخلت على اثره الى المستشفى "

اخذ تيم الصحيفة التى ناولته اياها : " ماذا ؟ وماذا يعنى هذا ؟"

هزت كارولين كتفيها : " لا ادرى , ولكنها لم تكن بصحة جيدة . لديها مشكلات فى العمود الفقري "

- وهذا طبعا بسبب الحادث , فالعمود الفقري حساس كثيرا .. كنت أفكر .. اتظنين انها رتبت كل تلك الامور ؟ ذهابك الى منزلهم وما تبعه .. قلت بنفسك انك لم تتوقعى الفوز

بالوظيفة لانك رايت هناك اخريات أكثر منك خبرة

رفعت كارولين بصرها اليه فاغرة الفم :

- هذا صحيح .. آه يا تيم , اتراها نظمت كل شئ ؟

- حسنا , ليس جوني حتما .

- ولم لا ؟ بإمكانها ذلك , ولكن ... ان تستغل لورا بهذا الشكل ؟ وهل يمكنها ان تقوم بعمل على هذه الدرجة من السفالة ؟

هز تيم رأسه : "يبدو انها عديمة الضمير كليا "

- ولكن إلى أى حد ؟ لكي تثير حولي الشكوك ؟

- هذا من جهة ثم لتعذب زوجها .

هبت كارولين واقفة : " آه , رباه .. لا استطيع تصديق هذا "

- ولماذا لا ؟

- ولكنها لا تحبه ؟

- لا ... ولكن من الواضح انها امرأة تحب التملك وثمة أناس يقتلون لأقل من هذا .

- آه , يا تيم , إذا كان هذا صحيحا .

- كانت خطة مدروسة , يبدو انها عرفت بامر عودتك الى الوطن فحركت مشروعها .

- هذا ... هذا مروع .

سار تيم الى المطبخ ثم أخذ يملأ ابريق الشاي بالماء : " عزيزتى , لو كنت مكانك لحاولت أن أنسى كل ذلك , لانك لن تحققى شيئا غير إطالة عذابك "


- بإمكانى ان اخبر جايمس بالحقيقة ...

- وهل سيصدقك ؟ ولماذا يصدقك ؟ وافرضي أنه صدقك هذه المرة , فسيبدأ عاجلا أم آجلا بالتساؤل عن ذلك .

- آه , يا تيم ... هذا ظلم .

قال تيم متفلسفا : " الحياة كذلك غالبا , انظرى إلى , فأنا اخلص لأمرأة لا تكاد تشعر حتي بوجودي "

فى الأسبوع التالى , قامت كارولين بثلاث مقابلات لوظائف جديدة , اثنتان منها فى مدرسة ثانوية فى منطقة لندن , والثالثة كانت العمل مربية لتوأمين فى الثالثة عشرة من عمرها

كان والديهما سيمضيان عاما فى أفريقيا . اعجبها العمل الاخير لأنه سيبعدها عن انكلترا .. وعن جايمس , ولكن تيم لم يكن متحمسا له .

قال لها بهدوء : "لايمكنك الهروب يا كارولين بل عليك أن تصلي إلى قناعة مع نفسك "

فهتفت كارولين : " أعلم هذا ولهذا أسافر "

قال لها بثبات : " لا , فانت سترحلين لانك خائفة من رؤيته مرة أخرى . اعترفى بذلك يا كارولين وابقى فى انكلترا , واجهي الأمر وتزوجيني فانا أحبك وإن منحتني الفرصة فقد

أسعدك "

هزت كارولين رأسها , علمت انها تؤلمه ولكنها لم تستطع منع ذلك : " تيم , لا فائدة من ذلك , أعلم ان ما تقوله صحيح ولكنني جبانة . لا استطيع ان احتمل فكرة .. عدم رؤيته

مرة أخرى أبدا , ألا تفهم هذا؟"

اومأ تيم الذى احنى كتفه : " لا بأس يا كارولين فلن أقول شيئا اخر . ليست السنة زمنا طويلا وقد تغيرين رأيك "

ابتسمت كارولين بحزن , لم يكن ثمة أمل فى ذلك بعد كل تلك السنوات .

وكان الأسبوع التالى مفعما بالنشاط , التسوق لأجواء حارة والتلقيح وترتيبات السفر مع مخدومها الجديد . وكانت كارولين مسرورة لأن لديها عمل يشغلها عن التفكير فى جايمس

, وعصر ذات يوم عادت من السوق فوجدت تيم فى الشقة مضطربا وعندما سألته عما هناك أنكر ان ثمة شيئا ما .

كان موعد الطائرة المسافرة إلى نيروبي فى الساعة الثامنة من صباح يوم الجمعة . بعد ظهر الخميس , وجدت كارولين نفسها فى محطة " إمبانكمنت " التى كانت تبعد يارادت

قليلة عن مبنى شركة بوث . ولكن دافعا جنونيا احضرها الى هنا فرغم كل ما قالته لتيم , تلهفت لرؤية جايمس ولو من بعيد .

وما إن أقتربت من المبني , حتى برزت سيارة ليموزين سوداء من شارع جانبي ووقفت أمام المبنى ثم خرج منها رجلان يرتديان الأسود كذلك . أدركت كارولين وهي ترتجف

أن واحدا منهما هو جايمس . صعد الرجلان درجات المبنى أما السيارة فابتعدت .

وقف بعد قليل جايمس فى الخلف ليسمح للرجل الاخر بالدخول فى الباب الدوار أولا , واثناء انتظاره , نظر حوله وعبر ساحة المحطة تقابلت عيناه بعيني كارولين .

مضت لحظة تسمرت فيها فى مكانها وراحت تحدق إليه ثم أشاحت بوجهها وهي تشهق وحثت الخطي فى الطريق الذى أقبلت منه .سمعته يناديها باسمها , فتجاهلته وهي تركض ,

ولكن كانت لديه ساقان أطول كما رأت , لانه وصل إليها بسهولة وأمسك بذراعها يوقفها . حدق إليها وكأنه لا يصدق عينيه وإذ بادلته النظرات رأت مبلغ ما هو عليه من شحوب

وإنهاك .

تمتم وهو يلهث : " كارولين , يا إلهى , اخبرنى انك فى كينيا "

حركت كارولين شفتيها بصمت : " من هو ؟ "

- فرانكلاند , صديقك تيم فرانكلاند , يا إلهى , سأقتله .

حركت كارولين رأسها باضطراب , ولم تكد تشعر بالألم الذى يسببه ضغط اصابعه على ذراعها , ثم سألته متلعثمة : " ت .. تيم ؟ هل رأيت تيم ؟ "

حملق جايمس فيها ثم هز رأسه بعدم تصديق :

- ألم يخبرك ؟ آه , لا يمكننا التحدث هنا .

عادت إليها احاسيسها جزيئا : " ليس هناك ما نتحدث عنه "

- تبا لك , أليس بيننا شئ ؟ .. حسنا , أما أنا فأقول العكس , تعالى معي .

اجتاز الشارع بخطوات واسعة وكان يجرها خلفة :

- جايمس , دعنى أذهب

- لا .. بل ستأتين معي , علينا ان نصل الى حل نهائى لكل أمورنا.

- ولكن ... ديبوراه .

وقف فجأة وهو يحملق فيها : " ديبوراه ؟ اتعنين انك لا تعلمين ؟"

- لا اعلم ماذا ؟

- ماتت ديبوراه يا كارولين , وقد دفنت أمس .

هتفت وهي تشعر بدوار مفاجئ : " ما .. ماذا ؟ أنا لم أعلم .."

عاد جايمس يحدق إليها عدة لحظات أخرى وكأنه لا يستطيع ان يبعد نظراته عنها , ثم عاد يتابع سيره جارا إياها معه .
فقالت باحتجاج : " إلى .. إلى أين نحن ذاهبان ؟ "

- إلى مكتبى حيث سنكون وحدنا .

- جايمس , لا فرق فى ذلك كما تعلم .

توقف مرة اخرى : " ماذا تعنين ؟ طبعا هنالك فرق "

رفعت كارولين نظرها الى المبنى الشاهق بجانبهما ثم هزت رأسها ببطء من جانب الى اخر وقالت : " انت .. انت لم تصدقنى "

اطلق شتيمة عنيفة أجفل تشارلس الحارس لسماعها وكان يقف عند الباب ينظر إليهما بفضول ..ثم تمتم هازا رأسها : " ما هذا الذى تتحدثين عنه ؟ اسمعى , دعينا ندخل , لا نريد

ان نعرض نفسينا فى مشهد هنا يستمتع برؤيته كل شخص

تسمرت مكانها قائلة : " لا فائدة يا جايمس , فأنا مسافرة الى نيروبي صباحا "

رد عليها بغضب : " فلتذهب نيروبي الى جهنم " ثم حملها بين ذراعيه مارا بالحارس المذهول .

اتسعت عينا موظفة الاستقبال فى الردهة وهي تري رئيسها يحمل امراة غريبة ويدخلها الى المصعد ,.ثم يغلق الباب ويصعدان بمفردهما .

نظر اليها وهي تقوم بين ذراعيه , وبد تعبير غريب على وجهه فوضعها على قدميها ثم مال متكئا على جدار المصعد ينتظر الوصول الى الطابق الاعلى . قالت وهي تسوي

ثيابها:

- ليس لك الحق فى إحضاري إلى هنا , ما الذى سيظنه مستخدموك ؟

تجاهل جايمس كلامها ولكن شفتيه توترتا فى وجهه الشاحب , وما لبث المصعد ان وصل الى الطابق الاعلى فى لحظات .

امسك جايمس بذراعها واسرع بها مجتازا الممر نحو مكتبه . ارتجفت كارولين وهي تتذكر أخر مرة جاءت فيها الى هذا المبني .

ولكن عليها عدم التفكير فى ذلك وان تتذكر ذلك المساء الاخير الهائل فى منزله عندما كان جايمس يحمل رسالة جوني بين يديه .

عندما دخلا الى غرفة السكرتيرة . رفعت هذه بصرها اليهما بدهشة ولكنه لم يكد يلحظ وجودها . قالت : " إن أباك يريد ان يراك يا سيد جايمس "

فقال باقتضاب : " اتصلي به واخبريه بأننى مشغول ثم لا اريد ازعاجا مهما كان الامر . هل فهمت ؟ "

- نعم يا سيد جايمس ؟

رفعت المرأة حاجبيها فشعرت كارولين بالخوف , ماذا سيظن بها هؤلاء الناس .. بهما معا ؟ ونظرت الى جايمس ساخطة , ولكنه كان يفتح باب مكتبه فلم يبادلها النظر .وعلى كل

حال , عندما أصبحا فى الداخل جذبت كارولين ذراعها من يده وأسرعت نحو النافذة لتضع فاصلا بينهما فعليها ان تقف أمامه بحزم مهما كان قوله ولن تتراخى أمام سيطرة

جاذبيته عليها .

أغلق جايمس الباب ثم استند عليه . وبدا عليه الرضا عدة لحظات وهو ينظر اليها مع ان ملامحه عابسة , إلا أن مشاعر مختلفة كانت تطل من عينيه .

نظر إليها بإمعان فضاقت عيناه , ثم تنقلت نظراته بين وجهها المتوتر وصدرها الذى كان يعلو ويهبط تحت قميصها , الى تنورتها البسيطة الطراز ثم ساقيها وقدميها فى حذائهما

الخفيف , ثم صعدت نظراته مرة اخرى لتستقرا على شفتيها المرتجفتين .

أخيرا سألها بصوت متوتر : "ما هذا الكلام عن نيروبي ؟ "

- أنا .. لقد حصلت على وظيفة , و .. سأسافر الى هناك للعمل .

ابتعد جايمس عن الباب وهو يقول لاويا شفتيه :

- إذن لم يكن فرانكلاند كاذبا كليا .. موعد السفر فقط هو الذى اخطأ فيه . أم لعلك طلبت منه ان يكذب علي ؟

عقدت كارولين شفتيها : " تيم ؟ لا , لا بالتأكيد "

- ثم ألم يخبرك بأننى ذهبته الى الشقة ؟

- لا .

ولكنها تذكرت فجأة عندما عادت الى الشقة بعد ظهر أحد الايام فوجدت تيم فى حالة غير عادية من الاضطراب , فعات تقول : " اظنه افترض اننى لا اريد رؤيتك "

قال جايمس ساخرا ببرودة : " يا للحنان الأبوي "

- ولكن لماذا جئت الى الشقة ؟

- لأن ديبوراه كانت قد ماتت للتو .. شعرت بحاجة إليك يا كارولين .هل هذا شئ بعيد عن التصديق ؟ كان المفروض ان احضر إليك قبل ذلك , ولكن ..

حبست انفاسها : " تحضر إلى ؟ "
- نعم , أحضر إليك . لماذا ذهلت بهذا الشكل ؟ هل كان كل ما قلته لي هنا فى هذه الغرفة كذبا بكذب ؟ عندما قلت لى إنك تحبيننى ؟ وإنك ستهربين معي إذا طلبت منك ذلك ؟
حدقت كارولين إليه فدمرت النظرة فى عينيه كل التحصينات التى كانت تحاول إقامتها ضده , وقالت تعترف بضعف : " أنا .. آه , تعلم أن ذلك لم يكن كذبا "
- كارولين .


تقدم نحوها متأوها وضمها بين ذراعيه معانقا إياها عناقا عميقا جعلها تدرك أنها كانت مجنونة لأنها تصورت ان بإمكانها ان تتركه نهائيا . فمهما فعل فهو يرغب فيها الان .

همست تقول : "جايمس .. "

قال وهو يرتجف : " أحبك .. احبك . ماذا يمكننى ان اقول اكثر من ذلك ؟ وماذا أفعل لأبرهن لك ؟ "

وجدت كارولين من الصعب عليها التحدث بشكل مترابط , فصرخت : " ولكن .. ولكن الرسالة .."

فقطب جبيته : " رسالة جون ؟ ما شأنها ؟ "

عضت شفتها : " أنا .. هل .. هل قرأتها ؟"

- نعم , قرأتها , ولم لا ؟ إنها لم تكن تعني لك شيئا , أليس كذلك ؟

- جايمس , لم أعلم قط أن هناك رسالة .

- أعلم هذا , ولهذا قرأتها . اردت ان ارى الى اى مدي كانت ديبوراه تريد ان تصل .

فحدقت كارولين إليه : " ديبوراه ؟ هل تعني .. هل تعني انك لم تصدقها ؟ "


اظلمت عيناه : " وهل ظننت اننى صدقتها ؟"

شعرت كارولين بشهقة باكية تكاد تخنقها : " نعم , آه , نعم , وماذا غير ذلك كنت سأصدق ؟ فانت تركتنى أذهب .. "

اخذ يمر بيده على شعرها برقة وهو يسألها بذهن غائب : " وهل كنت تريدين ان تبقى ؟ كارولين , فلنوضح أولا الامر .. تظنين اننى صدقت كل ما قالته ديبوراه عن معرفتك

بموني قبل حضورك الى بيتنا , أليس كذلك ؟ "

- أنا ... نعم .

- ولكنك قبل ذلك اخبرتنى ان هذا ليس صحيحا ؟

اغرورقت عينا كارولين بالدموع : " اعرف ذلك ولكنك ... جلست هناك والرسالة فى يدك "
- كنت مذهولا , نعم , كنت مذهولا لأن ديبوراه وصلت فى مؤامراتها الى هذا الحد .. حينذاك ,لم يكن لدي فكرة عن المدي الذى ذهبت إليه , ولسوء حظها , ثبت ان مهارتها

هذه كانت ضد مصلحتها .

- ماذا تعنى وكيف ؟

أمسك جايمس بوجهها بين راحتيه : " هل تحبينى ؟ "

- آه , تعلم أننى احبك .

اجتذب نفسا عميقا وقال بصوت اجش :

- علينا ان نتحدث , فهمت انك لم تعرفى شيئا عن مرض ديبوراه.

قالت له بهدوء : "قرأت انها اصيبت بانهيار عصبي واخذت الى المستشفى "

- ولكنك لم تفكري فى الاتصال بي تليفونيا لتعرفي ماذا جري ؟

- وكيف أفعل ذلك ؟ تعرف ما كنت اظنه .

اومأ جايمس قائلا : "هذا صحيح . بعد خروجك , ولكن أنا مسرور جدا لهذا , لاننى لم اكن اريدك فى ذلك المنزل بعدما كشفت ديبوراه عن مدي ما يمكن ان تصل اليه من عدم

اتزان ...بعد خروجك هربت لورا من البيت "

انتفضت كارولين : " آه , لا وهل هي بخير ؟

أجاب بهدوء : " انها بخير الان , فى تلك الليلة أصابنى الذعر لاجل سلامتها . ولكن بدرجة أقل مما شعرت به لأجلك , لماذا لم تدعى غروم يقلك الى مقصدك ؟ تلقي منى اوامر

بأن يعود ليخبرني , ولكن كل ما استطاع قوله هو انه وضعك فى محطة القطار بناء على طلبك"
هزت كارولين رأسها : "ليتني كنت أعلم .. "

- حسنا , على كل حال , شغل بالي اختفاء لورا . ثم بعد ذلك انهيار ديبوراه . لقد كان لديها ورم سرطاني فى عمودها الفقري . وكانت تعاني من الآلام منذ أسابيع كما قال

الاطباء , ولكنها رفضت السماح لهم بان يخبروني .

- آه يا جايمس .


- نعم , اظن ذلك ما ادار عقلها . اظنها علمت بأمرنا من السيدة فروبيشر التى تحب الاقاويل اكثر من اى شئ اخر انما لا اظنها كونت خطتها الا بعدما علمت بانها على وشك

الموت .

نظرت كارولين اليه بعجز : " آه .. ما أشد أسفى "

هز جايمس كتفيه : " وانا ايضا , ولكن لم يكن هناك ما استطيع القيام به . ولامر ما , قررت ان تجعلنى أتالم وكنت أنت كبش الضحية "
- هل تعلم أنت ما كانت تعرفه ؟
- آه , نعم , فقد استنجت ذلك أثناء وجودها فى المستشفى , ولكن بعد وفاتها ذهبت لرؤية موني وسمعت منه الحقيقة باجمعها . كان الامر كله عبارة عن خطة موضوعة لكي

أقتنع باخراج لورا من المدرسة ,وبهذا يمكنها إحضارك الى البيت .
- ولكن لورا أصيبت بالتهاب رئوي .

- كان ذلك مجرد صدفة .. نوعا من الحظ صادف لورا الى النهاية , كدت اخنق جوني وهو يقف هناك يخبرني انه قام بكل ذلك فى سبيل المال , ولكنني ادركت ان الوعد بمبلغ

كبير هو إغراء كبير لرجل مثله . وعلى كل حال , لم تكن لديه فكرة حقيقية عما ستسببه من آلام . اظن فعلا انه يكن مودة للورا ولم يكن يريد ان يضرها بشئ , ولكن ما إن ابتدأ

طريقه .. حتى أرغمته ديبوراه على الاستمرار .

- و ... وأنا ؟

- حسنا , تعلم انك فتاة جميلة فقد اخبرتها آيرين فروبيشر بذلك . وتكهنت بان جوني لن يجد صعوبة فى نقل اهتمامه من تلميذة غير ناضجة الى شابة جميلة . ولو لمسك لقتلته .

بعد رحيلك تلك الليلة , دار بيننا شجار مريع . ادركت اننى لم اصدق اكاذبيها , وبعد ذلك جاء اختفاء لورا .. فكان ذلك أكثر مما تستطيع احتماله . فانهارت فى الصباح التالي عندما

أخبروها بأنهم عثروا على لورا .

- إذن .. تحب ابنتها ؟

- ربما , إنما بمفهومها الخاص . ولكنها كانت على استعداد تام لاستغلالها الى نهاية خططها , وعندما تعلم لورا هذا فسيصعب عليها كثيرا ان تغفر لها ذلك .

سألته : " الى أين ذهبت لورا ؟ "

- لم تذهب بعيدا , لقد عثر عليها رجال الشرطة على بعد خمسة أميال نائمة فى احد الحقول , كانت تعانى من الارهاق ومن التعرض لبرودة الجو , وعدا ذلك فهي سالمة لم

يصبها ضرر .

- الحمد لله لذلك .

- وكذلك حمدته أنا , صدقينى . ولكن ديبوراه أصيبت بالانهيار فأسرعنا بها الى المستشفى , وبقيت اياما بجانبها لم اكد اتركها .

- آه يا جايمس .

- بدت عند ذاك بحاجة إلى . لقد بقيت سنوات لاتحتاج الى أحد , ولكننى اظنها ندمت على ما فعلته . وعلى كل حال , فقد ماتت بهدوء تام وكنت أنا بجانبها .

ازدردت كارولين ريقها ثم قالت : " هل حدث ذلك عندما جئت تبحث عني ؟ "

- نعم , هل يبدو لك ذلك امرا كريها ؟ لا ينبغى لك هذا , فشفقتي علي ديبوراه لم تغير قط من حبي لك .

- لا أدري ماذا أقول لك يا جايمس .

- قولي إنك لم تستلمي تلك الوظيفة فى نيروبي , قولي إنك ستبقين معي , وبعد مرور فترة معقولة تصبحين زوجتي .
فضمت شفتيها بشدة :

- آه يا جايمس ! أريد ان اتزوجك , اريد ذلك اكثر من اى شئ اخر فى العالم .

امسك وجهها بين راحتيه : " حسنا , لماذا أنت قلقة إذن ؟ "

- انا ... لورا , أين هي لورا ؟

- تعيش مع جديها حاليا , والمنزل معروض للبيع . اريد ان اشترى منزلا اخر حوله اراض ملحقة به . هل يعجبك ذلك ؟
فتنهدت : " آه , نعم , نعم . ولكن يا جايمس . ماذا بشأن لورا ؟"

- ستعيش معنا بالتأكيد هذا إن لم يكن لديك اعتراض .

ابدت كارولين إشارة تنم عن العجز : "يا حبيبى , ليس لدي اعتراض ولكن هل لدي لورا أي اعتراض ؟ "

فقال وهو يلامس شفتيها بإبهامة : " آه , فهمت ! تخافين ألا تقبل بك لورا "

- لقد أثارها ما عرفته عني وعنك .
- أعلم هذا .. ولكن لورا فتاة تكاد تكون امرأة , وهي تدرك ان الرجل بحاجة الى زوجة ... زوجة حقيقية .

ترددت كارولين : " جايمس . لماذا لا أستلم هذه الوظيفة ؟ انتظر .. استمع إلى . مرت لورا بتجربة عاصفة ,. أفلا تري انها ستكون فكرة جيدة لو انكما , انت وهي , قمتما بعطلة

.. معا ؟ أنتما الاثنان فقط . أنا أنا فاعمل بهذه الوظيفة عدة أشهر , وفى الوقت نفسه لا أخذل آل بارستو "
- كارولين ! هل تعرفين ما تطلبينه مني ؟

- اعرف ما اطلبه من نفسى يا جايمس . حبيبي , لا تظن اننى سأتركك وانت تعلم هذا . ولكن سيكون أمامنا الكثير .. ألا ترى ؟ فلو أمضيت هذا الوقت مع لورا وحدك فستكون

نقطة تحول فى حياتنا جميعا .
حدق جايمس اليها وقد نضحت عيناه بالمشاعر العنيفة : " كل ما اريده هو ان تدرك لورا قيمة زوجة الأب التى التى ستحصل عليها . كارولين . لشد ما أحبك ! وإذا كان هذا ما

تريدينه ... فسأفعله . ولكن فيما بعد .. سنعوض عن ذلك بالزمن الطويل الذى سنمضيه معا .. "

* * *


بعد ذلك بعام , دخلت فارسة شابة الى اسطبلات منزل فخم , فترجلت عن ظهر الحصان وألقت باللجام الى غلام الاسطبل الضاحك الوجه . ثم سارت نحو المنزل باعتداد , فنادت

السيدة إيفانز مدبرة المنزل وهي تدخل الى الردهة .

برزت هذه السيدة من المطبخ وهي تجفف يدها بمئزرها . انها امرأة صغيرة الجحم وردية الوجنتين لم تفلح بدانتها فى إخفاء طبعها الودود الأنيس .

قالت الفتاة بابتهاج : " لقد وصلا سيدة إيفانز "

أشرق وجه مدبرة المنزل وهتفت : " آه , يا آنسة لورا . أين رأيتهما؟"

- ذهبت على الحصان فرأيت السيارة تدخل بوابة الحديقة الكبري . آه , يا سيدة إيفانز , هل يبدو مظهري حسنا ؟

نظرت المراة الى الفتاة بحنان :" فليباركك الله , فأنت الان صورة للعافية , كما ان وزنك ازداد قليلا ايضا . انتظرى حتى يراك أبوك لأنه سيكون راضـيا للغاية "

سارت لورا الى النافذة الواسعة بقلق , وفتحتها على مصراعيها : "يا سيدة إيفانز , هل هي السيارة "
ابتسمت مدبرة المنزل : " هيا اذهبي وافتحي الباب , فهما لا يريدان أن يرياني أنا .. ليس الان على كل حال "

فتحت لورا الباب فى الوقت الذى كان غروم يوقف فيه السيارة فى الخارج , ورأت اباها وكارولين فى المقعد الخلفى , ثم رأت أباها يفتح الباب ويخرج قادما نحوها وهو يبتسم

.

- آه يا أبى !

ألقت لورا نفسها بين ذراعيه وهي سعيدة لما رأت على وجهه من عافية . لقد اعتادت رؤية خطوط الإرهاق فى وجهه ولكنه الان يبدو أصغر من سنه بسنوات , وقد صبغت

شمس " برمودا " بشرته , كما بدا بوضوح ان زواجه بكارولين يلائمه كثيرا . شعرت بوخزة مؤقتة من الحسد اغتفرتها لنفسها .
ارتد خطوة ينظر إليها وهو يقول : "كيف حالك يا حبيبتى ؟ هل رعتك السيدة إيفانز جيدا "
مسحت لورا دموعا تدفقت من عينيها :

- انا بأحسن حال يا أبى .

ثم , بشوق لا إرادى , تحولت ترحب بزوجة أبيها التى ترجلت من السيارة بشئ من الخجل ..بدت كارولين بصحة جيدة أيضا وبصرف النظر عن بعض التوتر بدت سعيدة للغاية

.

سارت لورا نحوها وهي تقول :


- مرحبا بك فى بيتك .. كارولين .

أدركت كارولين أن الفتاة كانت تماثلها توترا فقالت لها : " ما أجمل العودة إلى البيت يا لورا "

ثم عانقتها كما عانقها أبوها من قبل .

تأثرت بردة فعل الفتاة الفوري , لأن الفتاة عانقتها أيضا بنفس اللهفة التى عانقت بها أبوها , وإذا بكارولين تجد نفسها تبكي . ومن فوق رأس لورا رأت ابتسامة جايمس فعلمت أن

كل شئ سيكون على ما يرام .

تمت بحمد الله

مشاركة