لحن الجنون

الكاتب: قصتي مشاهدات: 983 التصنيف: روايات أحلام

1- منارة الضياع

خرجت تاي داتسام من " السوبر ماركت" الصغير في " نور ثبون" و ذراعاها محملتان بأكياس البقالة الورقية السمراء..لكنها لم تر الرجل الذي كان يدنو من المدخل وظلت تسير حتى اصطدمت به.
فقدت توازنهاوشدت الأكياس الثقيلة إلى صدرها بقوة خشية أن يقع الكيس الذي يحتوي على مااشترته من بيض فارتدت متهاوية نحو الباب الذي أقفل وراءها، واصطدمت به وعادت لتقع إلى الأمام، على الرجل.
شتم الرجل شتيمة بذيئة دلت بوضوح عن رأيه بها..أما يداه فأمسكتا بذراعيها بشكل مؤلم..تمكن بطريقة ما من المحافظة على توازانه وظل يمسك بها حتى استعادت توازنها .
رفعت قمـر الليل نظرها إليه و أنفاسها مقطوعة فإذا بها ترى شعراً أشقر رمادي يتدلى من فوق جبين عريض و نظارة سوداء و شفتين جميلتين تظهران عن تكشيرة سخط.
قالت بصوت أجش:" لماذا لا تنظرين إلى أين تسرين بحق الله؟".
ردت تاي ببرود:" ولم لا تنظر أنت؟".
ارتدت عنه وسارت على الممر الضيق قاصدة تقاطع شارعي "باي ستريت" و" وتحركت ساقاها الطويلتان بسرعة تدل مدى توترها.

تمتمت بينها وبين نفسها:
- متعجرف..متعصب "شوفيني" قذر من يحسب نفسه ؟ وبنيته أشبه بدبابة..أظن أن جسمي أصيب بالكدمات بعد اصطدامي به.
ارتدت لتصعد التل المتفرع من ماين ستريت، ولكنها أبطأت خطواتها فالمنحدر أكثر حدة مماتظن، ولم تكن الأكياس التي تحملها ثقيلة فحسب بل مربك حملها.
كانت أشعة شمس الربيع شاحبة تلمع فوق ألواح المنازل الخشبية البيضاء بينما أشجار الدرار على جانبي الطريق ترمي ظلالها القائمة.. وصلت تاي إلى نُزل" نورثبورت" وهو بناء أنيق يعود بناؤه إلى أواخر القرن الثامن عشر.سلكت ممراً مرصوفاً بالأحجار على جانب المنزل، وارتدت نحو الباب الخلفي.. وبسبب انشغال ذراعيها بهذا الحمل لم تستطع فتح أو دق الجرس، فكان أن رفست الباب بقدمها..أخيراً انفتح الباب على يد امرأة سوداء الشعر، بنية العينين، في الثلاثين من عمرها..إنها كينان داتسوم شقيقتها الكبرى مالكة فندق نورثبورت و مدبرته.
قالت كينان:" طلبت منك أخذ السيارة لأنني أعرف أن المشتريات كثيرة و ثقيلة".
أخذت الأكياس منها و ارتدت إلى المطبخ المضاء بشكل جيد و المجهز بأحدث الأدوات وهي تعتبره فخرها و مصدر فرحها وكانت قد أعادت تحديثه ما إن اشترت النزل في الربيع المنصرم.
ردت تاي وهي تضع ما تبقى من أكياس على الرف الخشبي الطويل المحاذي للمغسلة.
- حملتها و أنتهى الأمر!
أفرغت أحد أكياس وراحت تخرج كرتونات البيض الطويلة وهي تلقي نظرة على كل منها لترى ما إذا كانت إحداها مكسورة.
- إن وجدت بيضو مكسورة فسأقيم عليه دعوى.
رفعت كينان حاجبيها عجباً:
- عليه؟ من هو؟
- ذلك الرجل الذي اصطدمت به و أنا أغادر المخزن..ياإلهي ما أشد فظاظته! إنه طويل و قاسٍ شعره أشقر كثيف..هل تعرفينه؟
قالت كينان بحزم:"ميردت لايتبون".
نظرت قمـر الليل إلى أختها بفضول..قبل يومين عندما وصلت تاي الى نزل كانت وجنتاها شاحبتين أما الآن فهما متوردتان و عيناها الكهرمنيتان السوداوان براقتان..التوت شفتا كينان ببسمة عابرة، يبدو أنه مازال هناك شيء من الحياة في تاي رغم المرض الذي عانته أخيراً..
قالت تاي بجفاء:
- هو معروف إذن؟
- معروف بفظاظة أخلاقه..أجل.
- بل بافتقاره إلى أخلاق و استخدامه اللغة بشكل سيء..هذا دون قول شيء عن رأيه بالنساء..أين يعيش؟
- في منزل لايتبون، في "بيكرنغ بوينت".
رفعت تاي رأسها:" أحد أفراد لايتبون..لم أعرف أن أحداً منهم مايزال على قيد الحياة..في آخر إجازة كنت فيها مع والدي، مات جايسون لايتبون و أقفل المنزل بالألواح الخشبية.. وأذكر أن الشائعات ذكرت أن لا وريث له".
********************************************
ملأت كينان الطنجرة بالماء:
- حسنا..كانت الشائعات على خطأ..فميردت لايتبون على ما يبدو حفيد أخي جايسون الصغير الذي ترك نورثبورت منذ الأملاك بعد موت جايسون..لكنه لم يأت ليرى ماروث أو ليسكن فيه.. وكان جوزف ماك كاب يعتني به نيابة عنه.
وضعت الطنجرة على أحد دوائر الطباخ الكهربائي..ثم سألت:
- أتريدين بعض القهوة و قطعة حلوى قبل البدء بتحضير العشاء لنزلاء الليلة؟
- هذا عظيم.
خلعت سترتها الواقية من البرد و علقتها وراء باب المطبخ، ثم أبعدت شعرها البني القاتم الحريري عن وجهها و جلست عند الطاولة الخشبية المركزة أمام النافذة.
قالت كينان فجأة وهي تتناول أكواب القهوة من الخزانة:
- إنه نصف أعمي.. تعرض لحادث تركه أعمى و مقعداً فقصد هذا المكان للاستشفاء..هو الآن قادر على السير ولكن بصره مازال ضعيفاً لذا لا يرى جيداً..لهذا السبب ربما لم يرك و أنت تخرجين من المخزن.
تأوهت تاي:" آه ..لا ..ماذا فعلت؟".
- ما الأمر؟.
- عندما اصطدمنا صاح بي و قال لماذا لا أنظر أمامي..فرددت عليه : لماذا لا تنظر أنت! وها أنا الآن نادمة ندماً رهيباً..ما كنت لأرد عليه بحدة لو عرفت أنه شبه أعمى!
علقت كينان:" أوليست هذه عادتك؟".
- حسناً، شتمني ففقدت أعصابي، كان متعجرفاً!
- همم..أعرف قصدك..إنه رجل قاس.. ولكن لولا قسوته لما استطاع العيش بمفرده طيلة الشتاء القارص.
وضعت ملعقتي قهوة سريعة الذوبان في كوبين من خزف..
وراحت مخيلة تاي النشيطة تتعاطف مع الرجل الذي لم تره إلا لهنيهات قليلة.
- بمفرده؟ ألا يعيش أحد معه؟ ألا يساعده أحد؟ أظن أنه عندما وصل إلى هنا كان بحاجة إلى عون لأنه لم يكن قادراً على الرؤية أو السير بشكل ملائم، وهذا أسوأ عقاب ينزل بشاب صغير مفعم بالحيوية و النشاط.
أردفت قمـر الليل همساً:" آه..ليتني لم أقل ما قلته".
ردت كينان:" مازلت كما أنت.. رقيقة القلب ، وحساسة، في البدء كانت تعيش معه..امرأة..
- زوجته؟
- لا.. فلم تكن تضع خاتم زواج في يدها ..كانت تقوم بشراء أغراضه، لكنها لم تكن تتكلم مع أحد كثيراً، لذا استنتجاً جميعاً ما أستنتجاه عن علاقتهما..لكنها رحلت قبل الميلاد بقليل إذ لم تتحمل العيش في ذلك المكان المهجور كما أعتقد".
تنهدت تاي:" أولم تستطع العيش معه..مع ذلك مازلت نادمة على ماقلته له.. ولكن كان عليه أن يحمل عصاً بيضاء أو ما يماثلها".
سألتها ساخرة:" وهل كنت قادرة على رؤيتها و أنت تحملين أحمالاً محملة؟".
- لا..لا أعتقد هذا، إذ لم أكد أرى شيئاً من فوق الأكياس.. آه.. كان على حق..لم أكن أتطلع إلى أين أسير..سأبحث عنه فوراً لأعتذر منه.

**********************************************
تناولت سترتها التي ارتدتها..لكن كينان قالت لها بصوت جاد كثيراً:
- تاي..دعي هذا.. ميردت لاييتبون رجل متكبر، وستزيدين الأمور سوءاً إن أسرعت إليه في الشارع لتشرحي له و تعتذري.. وإلى ذلك ياعزيزتي ردك مبرر، فلم يكن يحق له أن يكون فظاً معك.
وقفت تاي بالباب الخلفي مترددة و أصابعها على أكرة الباب..
أضافت كينان: أضيفي إلى ذلك أنه الآن في طريق العودة إلى منزله "بيكرنغ بوليت".. تعالي و اجلسي و اشربي القهوة، ثم باشري العمل بتحضير الفاكهة للحلوى التي أريد تحضيرها لعشاء اليوم.. إذا كنت باقية هنا فترة، فعليك العمل ولن يكون لديك وقت للجري وراء رجال غرباء.
- حسناً، حسناً سأترك الأمر الآن.
جلستا حول المائدة خشب القبقب المركزة أمام النافذة المقوسة الشكل التي تطل على حديقة النزل الخلفية و التي أزيلت منها أكوام الثلج التي تراطمت في الزواية خلال الشتاء القارص الذي عانت منه ولاية" ماين".
مازال العشب خالياً من الحياة ولكن الأزهار في المساكب بدأت تظهر مباشرة بقدوم الربيع.
قالت تاي:" مازالت الريح باردة.. أشعة الشمس مخادعة.. كم نزيلاً تتوقعين في نهاية الأسبوع؟".
- هناك ثلاث غرف محجوزة ولكن قد يصل غيرهم، خاصة إذا بقيت الشمس مشرقة، إنه عيد الفصح، إن بعض سكان المدينة يحبون المجيء إلى هنا مثل هذا الوقت من السنة لزيارة ميناء السفن لإلقاء نظرة على قواربهم بعد الشتاء، هاك.. خذي قطعة حلوى أخرى، أنت نحيلة وكأنك تعانين من سوء تغذية.
عبست كينان بقلق:
- هذا مالا أرجوه.. لأن أمي لن توافق على مظهرك أبداً.
- حسناً، إنها غير موجودة هنا لتبدي اعتراضها..هل وصلتك أخبار منها مؤخراً؟
- وصلتني منها رسالة في الأسبوع الماضي..إنها قادمة في شهر تموز..هل تعرف بانفصالك عن برنابي؟
- لا.. لم أخبرها..أنا..أنا..أوه..لا أريد منها أن تقول لي " ألم أقل لك هذا".
- وماذا قالت؟
- قالت إن علاقتنا لن تدوم.
- وهل ذكرت الأسباب؟
عبست تاي:" نعم ذكرت عدة أسباب منهما سببان صحيحان".
- وماهما؟
- قالت إن ديانة برنابي ستقف حائلاً بيننا.
- وماكان السبب الآخر؟
- السبب الآخر؟
- السبب الثاني برأيها أنه غير الجيد الزواج بشخص يعمل في المهنة ذاتها لأن هناك خطر الغيرة من نجاح الآخر.
تنهدت قمرالليل ثم أردفت:
- ولقد كانت على حق مرة أخرى.. في نهاية الجولة التي قامت بها الفرقة الموسيقية أخذ المدير يعطيني معظم العزف المنفرد على "الكلارنيت" وغضب برنابي لهذا.. عندما عدنا إلى نيويورك ترك الفرقة و سافر إلى بلاده..أما أنا.. حسناً..تعرفين ماتبقى، أصبت بالأنفلونزا التي تطورت و أصبحت التهاباً رئوياً، وكان أن اضطررت إلى ترك عملي أيضا.

-----------------------------------
قالت كينان مواسية:
- ولهذا أنت هنا..لتحسني صحتك..المزيد من القهوة؟
- لا..شكراً.
- إذن قطعة حلوى أخرى..إذن هكذا انتهت قصة حبك الكبيرولكنه ليس عذراً لتجويع نفسك أو أهمال حياتك.
- لكنك تعرفين كم من المؤلم أن ينبذك شخص شخص.. بعدما تضعي كل ثقتك به.. وبعدما صدقته بسبب تكرار جملة" أحبك"..
تنهدت قمر الليل : لا تفهمين ذلك لأنك لم تقعي في الحب قبل الآن.
- ألم أقع في الحب؟ وكيف تعرفين هذا؟
- لم يبدو عليك هذا يوماً..لم تخرجي مع رجل لفترة طويلة حسبما أعرف,..وطالما كنت مهتمة بعملك و طالما عملت بمشقة لتأمين المال لشراء فندقك الخاص.
- هذا صحيح.. وتعلمت أن أكون رئيسة طهاة ممتازة..ومدبرة فندق بارعة، وهذا ما كان دائماً أهم عندي من أي رجل.. وأعتقد أنني لم أعرف أحداً أردت فعلاً أن أتعرف إليه لفترة طويلة.. منذ متى و أنت تخرجين مع برنابي؟
- منذ أربع سنوات تقريباً.
تأوهت:" عندما أفكر في تلك السنوات أكاد أتقيأ..لقد ضاعت أربع سنوات من عمري و أنا أعتقد أنه يحبني و يريد الزواج بي، أربع سنوات من الوفاء و الإخلاص له.. كنت في الثانية و العشرين.. وما كان الأمر ليكون سيئاً إلى هذا الحد لو تركته أنا.. إن النبذ بعدما تضحين لأمر مؤلم كينان".
- انسيه.. فما من رجل يستحق أن يجعلك تبلغين هذه الحالة التي أنت فيها..أخرجيه حالاً من عقلك.
- أحاول..بل أحاول جاهدة.
نظرت من النافذة إلى الخارج ثم أردفت همساً:
- انظري، هذا الطائر الأحمر" أبو الحن"!
راقبت الطائر الأحمر الصدر وهو يرفع رأسه محو العشب قبل أن ينقد بمنقاره الطويلة الأرض المعشوشبة:
- هذا يعني أن الربيع آت رغم شدة الريح و برودتها.
تمتمت كينان بصوت هامس:
- الربيع وعد بحياة جديدة..إنها رسالة لك، تاي..رسالة الفصح..ستغلبين على ألمك, وقبل أن تدري ستقعين في الحب مرة أخرى ، فهذه طبيعتك ..فأنت غير قادرة على عدم الوقوع بالحب..والآن، تعالي الوقت يمر و أريد صنع الحلوى.
- ماذا ستقدمين للعشاء هذه الليلة؟
- فطيرة التوت بري.. وكريما طازجة.. مازال لدي بعض التوت البري من السنة المنصرمة في الثلاجة، لكنني أحب دائماً تقديم ماهو غريب في مثل هذا الوقت من السنة ، شيء يعبر عن إشراقة الشمس وعن الصيف ، لذا سأعد فطيرة الجبن المفضلة عندي .. وسنستخدم التوت المثلج مع كرات من البطيخ الأصفر..عليك أنت تقطعي الكرات بالمعلقة الخاصة ..لدي بعض الخوخ أيضاً ولكنه لسوء الحظ خوخ معلب.. وسنزين وسط القالب بالكيوي..فما رأيك؟
- لذيذة جداً، أنت فعلاً فنانة كينان.
انحنت كينان لتناول أدوات الطهي من أسفل الخزانة وردت:
- وأنت أيضا تاي، وهذا ما يذكرني..في غذاء الأحد الذي سنقدمه، سأعرفك إلى أحد أشهر المحترفين في نورثبورت دونبورتلاند..هل سمعت به؟

--------------------------------
- أتقصدين عازف الكمان؟ ماذا يفعل في نورثبورت؟
- يعيش هنا.. فقد تقاعد منذ سنتين، وجاء يعيش في أحد المنازل التاريخية في باي ستريت، شرقاً، هناك عدد من الموسيقين المحترفين يعيشون في تلك المنطقة و بعضهم يعلم الموسيقى في المدارس في ايلسوارت وفي بانغدر.. ولقد رتب دون أمر لقائهم بانتظام في منزله للتدريب و العمل معاً، في الواقع..يفكر في إقامة حفلة موسيقية قريباً، هذا إذا وجد قاعة مناسبة و إن التقى بك فقد يدعوك للانضمام إلى المجموعة الموسيقية.
- أظنهم جميعاً من عازفي الأوتار.
- لا.. فجاد ياشيمو..يعزف البيانو.
- ياشيمو..يبدو الأسم يابانياً.
- إنه ياباني فعلاً..لكن جاد من مواليد كالفورنيا، وشيلا فايكلاند تعزف الفيولا، إنها انكليزية جاءت من كندا، وهي زوجة تود فايكلاند الذي يملك مخزن الأنتيكات المحلي و معرض الفنون، وأعتقد أن هناك عضواً يعزف المزمار.
ابتسمت كينان لأختها و أردفت:
- أراهن أنك ستتناغمين بسرعة مع المجموعة.. والآن سأريك كيف تقطعين البطيخ الأصفر.
وصل زوار نهاية الأسبوع في الثالثة من بعد الظهر، إنهما زوجان في متوسط العمر وهما آتيان من بروكلين، نيويورك.. استقبلت كينان الزوجين ورحبت بهما في غرفة الاستقبال، المزيحة الطويلة المفروشة بأرائك مريحة مغطاة بأغطية وردية، وفي الغرفة أيضاً طاولة أثرية مستديرة و رفوف للكتب و طاولات صغيرة.. ثم عرفتهما إلى تاي التي قادتهما إلى الطابق الثاني.
كانت الغرفة التي أوصلتهما إليها نموذج عن طراز النزل.. ولكنها غير كبيرة لأن جزءاً منها أعد ليكون حماماً خاصاً، كانت مفروشة ببساطة، فيها خزائن أدراج و سرير حديث مدثر بلحاف مقطع إلى تربيعات ملونة مصنوع يدوياً، وخزانة قديمة الطراز.. وكانت البسط المنسوجة يدوياً تغطي الأرض الخشبية و ثمة كرسي هزاز موضوع قرب النافذة المغطاة بستائر وردية، وهي مطلة على حديقة النزل الخلفية و على سطوح المنازل المنتشرة على سفح التل حتى مياه مصب النهر الدافئة..لقد سمعت أختها جهدها لتحتفظ على طابع القرن الثامن عشر و على جميع وسائل الراحة الحديثة في الوقت عينه بما في ذلك التدفئة المركزية و المياه الساخنة.
ما إن عادت تاي إلى غرفة الجلوس حتى وجدت كينان ترحب بالزوج التالي ومنذ ذلك الوقت ظلت تاي مشغولة بإيصال الناس إلى غرفهم، وكما تنبأت كينان جذب الطقس الحار المشمس الكثير من الزائرين إلى القرية.
وقت العشاء ساعدت تاي مرغو فوركس، الفتاة الشابة التي تعمل عند كينان ساقية و خادمة، فقد كان عليها تلبية طلبات أكثر من عشرين ضيفاً حجزوا موائد للعشاء..فيما بعد ساعدت أختها بتنظيف المطبخ فغسلت الصحون ووضعتها في غسالة الصحون الآلية ثم حضرت فطور الصباح التالي.
في الأيام الثلاثة التالية، لم يكن لديها الوقت للتفكير في مشاكلها بسبب كثرة العمل و كثرة طلبات كينان التي كانت تصدرها بهدوء، ثم لما تنتهي كانت قمر الليل تأوي إلى غرفتها الصغيرة في السقيفة و تنام نوماً خالياً من الأحلام ثم تستيقظ باكراً كل صباح على صوت أختها التي تحثها على النهوض للبدء بتقديم وجبات الفطور.
-----------------------------------------
يوم الأحد تغير الروتين قليلاً.. ولم يكن متوفراً للمستيقظين باكراً أو الراغبين في الذهاب إلى أحدى الكنائس للمشاركة بقداس الفصح إلا القهوة و البسكويت لأن الوجبة الرئيسية اليوم ستقدم باكراً و ستقدم ابتداءً من الساعة الحادية عشرة على شكل "بوفيه" مفتوح.. وبما أنها غير مضطرة لخدمة الموائد وجدت تاي الوقت الكافي لمحادثة دون بورتلاند الذي عرفتها كينان إليه على أنها " شقيقتي الوسيقية".
إنه رجل نحيل فضي الشعر في السبعين من عمره، عيناه سوداوان بارقتان تقبعان تحت حاجبين سوداوين كثيفين..وكان عازف الكمان الشهير قد صحب معه زوجته و ابنته، التي كانت تزور أبيها برفقة رجل شاب أسود الشعر، عيناه تدلان بوضوح على أنه من الشرق.
- جاد هو قائد الفرقة هذا غدا كونه عازف بيانو ممتازاً..
سألها جاد:" هل أنت باقية في نورثبورت لفترة طويلة؟".
ردت تاي:" لم أقرر بعد و لكنني سأبقى بمقدار ما يستطيع كينان أن تتحملني".
- إذن لست مرتبطة مع أوركسترا؟
- عزفت مع إحدى الأوركسترات..ولكنني اضطررت إلى ترك العمل بعد جولة ريفية ممتازة منذ بضعة أسابيع..فقد أصبحت بالتهاب رئوي وها أنا الآن في فترة نقاهة..مع أن مساعدة كينان في هذا النزل لا تعد أبداً نقاهة. انشغلت فعلاً كثيراً.
قال دون: يجب أن تعزفي معنا.. يوم الخميس القادم في الساعة السابعة في منزلي.. حتى الآن لم نكن قد حددنا ما سنقدمه علناً وفي الوقت الحاضر نبحث عن مكان..أتعرفين مكاناً؟
ردت تاي:أنا لا أعيش هنا.. لكن شكراً للدعوة.. سأنتظر يوم الخميس بشوق.
غادر المقيمون في النزل بعد الفطور الصباح التالي فعاد النزل القديم إلى هدوئه مجدداً، وتغير الطقس و حجبت السحب الرمادية الثقيلة الشمس وهبت ريح قوية.. واندفعت طيور البحر من البحر تدور و تزعق فوق سطوح المنازل، وطاف بعضها حتى حط فوق السطوح.
قالت كينان:" هذا ينذر بأن طقساً سيئاً على وشك القدوم والأرصاد الجوية تتوقع تساقط الثلج..أحمد الله لأن الطقس كان صافياً في مهاية عطلة الأسبوع".
قالت تاي:
- سأتمشى إذن قبل أن تهب العاصفة إن لم تكوني بحاجة إلي.
- لا.. لن يكون لدينا أي زائر حتى نهاية الأسبوع القادم، و الليلة لن أقدم العشاء لأحد فاذهبي.
- أترغبين في مرافقتي؟
- لا.. شكراً لدي موعد بعد ظهر اليوم.
برقت عينا كينان ببريق ساخر لأنها لاحظت نظرة تاي التي ملؤها الاستفسار.
- هنا؟
- أجل..هنا.. سيأتي مع خرائط رسمها لأقوم بالتوسيعات التي أفكر فيها في نهاية غرفة الطعام.. سيكون هذا نوعاً من"صالون" و مقهى يمكن للناس أن يجلسوا فيه ليشربوا شيئاً وهم ينتظرون العشاء..قدمت طلب ترخيص و آمل أن يإذن لي به..
- أنت تتوقعين مجيء المهندس؟
- أجل.. إنه مهندس من نوع ما، واسمه شاركي سوبر وهو يملك فناء القوراب وقد صمم وبنى عدة مراكب خشبية جميلة.
------------------------------------
نظرت كينان إلى ماحولها من الرفوف الخشبية إلى الجدران المغطاة بالخشب المصقول، التي علق عليها أدوات الطبخ النحاسية و أضافت:
- هو من صمم هذا المطبخ كما شارك في بنائه حين سارت الأمور ببطء في الشتاء الماضي..
رأت تاي في عيني أختها بريق فخر أثار اهتمامها مجدداً.. فعلقت قائلة:
- أعتقد أنك بشوق لرؤية تصميماته التي أعدها لغرفة الطعام، هذا عدا رؤيته، أعد أن أبتعد عن طريقك مدة ساعتين ..أراك لاحقاً.
ارتدت ثياباً دافئة: سروالاً من الجينز و سترة واقية من الريح، و قبعة صوفية و قفازين صوفيين ألوانها براقة و انتعلت مداساً عالياً ثم انطلقت لتسير نزولاً في شارع" ماين ستريت".
كان الشارع ضيقاً لا رصيف له، وهو يتبع خط مصب النهر المتعرج..على كلا جانبيه تصطف بيوت خشبية قديمة غير متشابهة.للمنزل الأول لوحة نحاسية مثبتة على جداره تظهر أن له قيمة تاريخية فقد بني عام 800م لطبيب حارب ضد الإنكليز في الثورة الأمريكية.
من ناحية الشارع الآخر، منزل أصغر حجماً معروف بأنه " منزل الخطيئة" لأن صاحبه الأصلي كسر التقاليد الدينية، بالعمل أيام الآحاد في بناء المراكب خلف المنزل، فناء المراكب المكتظ بصواري المراكب.. وخرج رجل من باب المنزل الأمامي مرتدياً سروالاً من الجينز وسترة واقية و تحت ذراعه لفافة ورقية وهو في حوالي الأربعين من عمره، نحيل، رمادي الشعر.
هز رأسه بود لتاي، و توجه إلى الشارع ماين.. راقبته ملياً ثم تكهنت أنه شاركي سوير الذي هو الآن في الطريق لرؤية كينان.
مرت تاي بالكنيسة البرتستانتية ذات النوافذ الملونة والأبواب الخشبية المصنوعة من السنديان..كم مرة حضرت القداس فيها حين كانت تقيم صيفاً مع أبويها في نورثبورت..طالما أقاموا في أحد الأكواخ المواجهة لمصب النهر.
متى سارت هنا آخر مرة؟ آه..منذ ثماني سنوات تقريباً، آخر عطلة أمضتها مع والديها كانت في الثامنة عشرة، وكانت قد تخرجت للتو من الثانوية العامة و تخطط للذهاب إلى نيويورك لدراسة الموسيقى، ثماني سنوات من عمرها مضت بسرعة غريبة..ثماني سنوات من الإخلاص لمهنتها التي اختارتها بنفسها، وهي مهنة أبيها.
ارتجفت قمر الليل شفتاها و اغرورقت عيناها بالدمع فقد تذكرت والدها الحبيب، الآن ..رجل نشيط، وحساس، متحدر من أصلى إيطالي، ولكنه مات أكثر من ثلاث سنوات بالسرطان، إن أول درس في الموسيقى تلقته منه، ومنه تعلمت إدارة شريط التسجيل لمعزوفة سوبرانو وهي الخامسة من عمرها.. كان يعزف في قسم المزامير الخشبية في فرقة موسيقية، وكم سيسر وهو يراها عازفة كلارنيت ناجحة ..كم تفتقده!
ربما لهذا السبب التجأت إلى برنابي كورنتر فقد أرادت الدعم العاطفي و النصيحة الموسيقية .. كان أستاذاً في معهد الآلات النفخية، واقترح أن تنضم إلى الفرقة الموسيقية التي كان يعزف فيها..ولكنها أحبته رغم نصيحة أمها..اللعنة..! لا تريد أن تفكر فيه، لقد قصدت هذا المكان لأنه لم يكن فيه يوماً.. هذا المكان المشهور بهدوئه و سكينته.
مرت بأقدم منزل في القرية، وتابعت سيرها ، إنه منزل من طابقين، في فنائه الخلفي أشجار تفاح قديمة وقد بني عام 1664 على يد أحد المستوطنين الإنكليز الأوائل، خلف المنزل ركام مرتفع مغطى بالعشب، وهو كل ماتبقى من قلعة قديمة بناها المستوطنين الفرنسيون.
------------------------------------------

وفي مكان أبعد منه قليلاً المتحف الذي يحتوي على الآثار الهندية و الأسلحة المختلفة.
أمامها الآن لوحة تحمل كلمات "بيكرنغ بوينت لايتهاوس"- منارة بيكرنغ بونيت.
مالت تاي لتتجنب الريح، وشقت طريقها في الممر لأنها تريد السير حتى المنارة القديمة التي هجرت منذ زمن طويل لمصلحة منارة حديثة آلية تقع عند أقدام الجرف الصخري الحاد.. سرعان ما ستشاهد أمامها البرج الأسطواني ذا القمة المدببة المطلية بالأسود، حيث كان النور يوماً يومض و يرتفع بقوة الى السماء.
بدأ الثلج يتطاير.. وماهي إلا ثوان حتى غطى الثلج العشب بلونه الأبيض، وأخذت غابة الصنوبر القابعة إلى يمنيها تخشخش و تتأوه بسبب هبوب الريح..آن وقت العودة لأنها ستعلق وسط العاصفة..ولكنها تابعت المسير عازمة على إلقاء نظرة على البحر وهو يتكسر على الصخور عند قدمي الجرف.
كانت الريح تصفعها بقوة فأصبحت وجنتها حمراوين ولكنها وصلت إلى حافة الجرف الصخري، ونظرت إلى الخليج العريض..لا أثر للجزر الصخري، ونظرت إلى الخليج العريض..لا أثر للجزر ولا لتلال "كناديان هيلز" الكندية التي كانت تبدو من بعيد، فكلها متوارية وراء ستار من الثلج المتراقص.. رأت الأمواج تقفز و ترتفع ثم تتحطم فوق الصخور السوداء، وشعرت بالبرد يخترق عظامها فارتدت وبدأت تحث الخطى لتعود من حيث أتت، وكانت الريح تدفعها والثلج يتساقط عليها.
وجدت قمر الليل أنها ستصل بسرعة إن اخترقت غابة الصنوبر وصولاً إلى الشارع.. وطالما سلكت في الماضي هذا الطريق لذا لم تتردد في الانحناء تحت مابدا لها سياج جديد.
لكن ماكان ممراً ظاهراً لم يكن الآن سوى أعشاب نامية متشابكة و أشجار متساقطة كان عليها أن تشق طريقها من بينها بصعوبة و بسبب هذا غيرت اتجاهها أكثر من مرة حتى فقدت الإحساس بالاتجاه..من فوقها سمعت صوت أغصان الأشجار و تأوهت..على مستوى النظر، أغصان أخرى كانت تتدلى و تشد سترتها و تخدش خديها و تهاجم عينيها أحياناً..بدا لها أنها علقت في كابوس مشؤوم أخضر.. تعثرت بصخور خفية و بجذوع الأشجار المتساقطة.. ليتها لم تقرر اتخاذ هذا الطريق..تذكرت قصصاً سمعتها عن أخطار السير في الغابات وقت الشتاء، وكيف أن أشخاصاً ضاعوا فيها إلى الأبد.
أخيراً رأت فسحة بين جذوع الأشجار.. فسحة مغطاة بالثلج المتساقط.. فاتجهت إليها لتجد أنها عند طرف الغابة و أنها تشرف على حقل مغطى بالثلج في نهايته منزل مثلث السقف؟؟بدا لها رمادياً قاتماً بل هو أكثر اسوداداً من الأشجار و الغيوم التي وراءه..إنه مغطى بالثلج و يبدو أشبه بشبح مخيف..
أدركت قمـر الليل أنها بعيدة كثيراً عن الشارع..فبدل أن تتجه يميناً في الغابة قطعت الغابة مباشرة..ولكنها لن تعود إليها ثانية.. ستتابع السير في الحقل وصولاً إلى الطريق النزل الداخلية التي تراها من بعيد بين صفين من أشجار الصنوبر و ستقودها هذه إلى الشارع، ومن هناك ستتمكن من الوصول إلى" بيكرنغ لاين" فماين ستريت، فالتلة فوق النزل.
------------------------------------------
ناحت الريح وصفق الثلج وجهها.. العاقل لا يخرج من منزله أبداً في مثل هذا الطقس، حتى ذلك الرجل الجلف الذي يعيش في المنزل القديم.. وكما قالت كينان: إنه مكان مهجور..مع ذلك تذكرت المنزل وهو ينعم بدفء أشعة الشمس، ونافذة تعكس النور، وتذكرت كذلك هذا الحقل وهو مليء بالزهور البرية و العشب الأخضر المتمايل بسبب نسيم الصيف الخفيف، يومذاك بدا لها المنزل وكأنه قصر وحش.
ضحكت قمر الليل من نفسها بسبب سخف ما تصوره لها مخيلتها ثم تعثرت بصخرة كانت الثلوج تغطيها فوقعت أرضاً وعندئذ ارتطمت ركبتها بصخرة أخرى فتسلل الألم إلى ساقيها وهذا ما جعلها تشهق حين ركعت..ببطء طوت ركبتها..المزيد من الألم، ولكنها تمكنت من الوقوف..نظرت إلى ما حولها ثم بدأت تعرج باتجاه صف الأشجار التي تحيط بممر المنزل.. كانت ركبتها المصابة تلتوي بألم وقد احتاجت إلى كامل قوتها لتستطيع متابعة السير.
أخيراً وبعد الوقوف عدة مرات لتلتقط أنفاسها، وصلت قمر الليل إلى ممر المنزل الداخلي و استندت إلى جذع شجرة وهناك راحت تتحسس ركبتها من فوق قماش الجينز..شعرت بانتفاخ وكأنه بيضة على ركبتها، وعندما ضغطت عليها بأصابعها أحست بألم حاد.
نظرت إلى الممر الداخلي.. بدا ملفتاً بعباءة من الثلج المتساقط بجنون..آه..كيف ستصل الآن إلى النزل فأمامها أميال للوصول وهذه الساق لن تساعدها أبداً لاجتياز هذه المسافة.
ستجد بالتأكيد العون من أول منزل تصل إليه..لكن منزل لايتبون هو الأقرب..أدارت رأسها و نظرت إليه..بدا أسود، مرتفعاً..ما هي إلا خطوات حتى تصل إلى الدرج العريض فالشرفة الواسعة و هناك تستطيع قرع الباب.
دفعت نفسها بعيداً عن الشجرة، وبدأت تعرج نحو المنزل، لكن الفترة القصيرة التي استراحت فيها، تسببت بتصلب ساقها اليمنى و أصبحت بلا فائدة، ففقدت توازنها مجدداًَ، ووقعت فوق كومة ثلج.
تصاعد عويل الرياح فوق قمم الأشجار و تطايرت رقع الثلج الصغيرة فوق الأرض..عما قريب سيغطيها الثلج و يدفنها..جعلتها الفكرة تقف مجدداً و تجاهد للوصول إلى المنزل.
تابعت المسير بخطوات عرجاء و لكنها لم تتمكن من ارتقاء الدرج إلا بمساعدة يديها و قدميها ثم انهارت على أرض الشرفة وراحت تجر نفسها حتى وصلت أمام باب أنيق فوقه قوس حديدي مروحي و مقرعة نحاسية، جرت نفسها إلى الباب، ودقت بيدها على القسم السفلي منه.
لم تسمع شيء من الداخل.. فدقت بقوة أكبر عدة مرات..ثم أصغت..لأنها ظنت أنها سمعت نباح كلب.. قرعت الباب مرة أخرى.
بعد فترة بدت لها ساعات، انفتح الباب ببطء وخرج منه نور باهت..رفعت تاي رأسها..إنه ميردت لايتبون، شعره الفاتح اللون يلمع تحت النور الأصفر و نظارته السوداء تنظر إليها مرتمية على الأرض، إلى جانبه كلب..كلب رعاة الماني جميل، متعجرف، نظيف، حوله السترة الخاصة بكلاب العميان.

----------------------------------------

2- التجربة المدمرة

زمجر الكلب بصوت منخفض و أبرز أسنانه، فأمره ميردت لا يبتون: "اصمت كولت".
نظر إلى عتمة الشرفة:
- هل من أحد هنا؟ من هناك؟
ردت تاي بصوت متكسر:
- هذا..أنا ..أنا ..أنا تاي داتسامو..أوه..أرجوك، لا تقفل الباب..ولاتذهب..أرجوك..أنا ..لقد آذيت ركبتي ولا أستطيع السير .. هل لي أن أدخل و استخدم هاتفك..أرجوك؟
انفتح الباب على مضض وخرج منه متسائلاً:
- ماذا تفعلين هنا؟
- خرجت أتمشى حتى وصلت المنارة القديمة، وعندما عدت كان الثلج قد بدأ ينهمر، ففكرت أن أسلك طريق الغابة وصولاً إلى الشارع..
قاطعها:" كنت تتسللين إذن..لم يكن يحق لك المجيء إلى هنا.. لماذا لم تسلكي ممر المشاة العام؟".
- لم أجده..الأعشاب في الغابة كثيفة.. وفيها أشجار متساقطة و أعشاب متشابكة..وكنت محظوظة لأنني وجدت طريقي إلى هنا..كانت الغابة جميلة حين كان جايسون لايتبون حياً.. كان يجيد الاعتناء بأرضه.
تغاضى عن ملاحظتها و انتقادها، وتابع النظر إليها وكأنه يحاول رؤيتها، ثم قال بصوت متشدق:
- أنت المرأة التي اصطدمت بي أمام السوبر ماركت.أليس كذلك؟
- أجل.. أردت أن أعتذر لك عن هذا..لم أعرف أنك ..لا تستطيع الرؤية جيداً، وإلا لما قلت ما قلته.
سأل بحدة:" من قال لك إنني لا أرى جيداً؟".
- أختي كينان.. مالكة فندق نورثبورت..ولكن لم يكن يحق لك أن تشتمني بتلك الطريقة.
لم يقل شيئاً..لكنه تابع النظر إليها.. وبدا أنه لا يجد غرابة في الموقف فهي مستلقية على الأرض عند قدميه..ووراء الشرفة كان الثلج يتطاير كالدوامة و الريح تعصف.
تمتمت تاي:" هذا جنون.. أرجوك دعني أدخل لأستخدم هاتفك حتى أطلب من أختي المجيء بسيارتها إلى هنا لاصطحابي، لن أستطيع السير حتى الفندق..ركبتي متورمة و أخاف أن تتأذى كثيراً إن سرت عليها.
دنا منها فشعرت بالخطر لكنها لم تستطع الابتعاد.
- أية ركبة؟
همست بصوت متألم:
- اليمنى.
ركع ليلاس أمامها فجأة و امتدت يداه الكبيرتان بحثاً عنها.. لامس ساقها ثم بدأت يده تنزلق حتى ركبتها.. أصيبت بالذعر و المفاجأة بسبب لمسته فتشنجت عضلاتها.. توقفت يداه عن الحركة ثم أدار رأسه و كأنه ينظر إليها.
-------------------------------------
-حسنا..لابأس عليك..لن أستطيع التأكد من إصابتك قبل إدخالك إلى منزلي، وبما أنني لا أرى جيداً ..فأنا أرتاب من الغرباء خاصة النساء فمنذ أن فقدت بصري حاولت أكثر من امرأة استغلالي.
ردت قمر الليل بحدة وهي تستشيط غيظاً:
- أنا لست هكذا..آه ليتني أقدر على السير..آه
صاحت لأنه تجاهل احتجاجها، ووضع يده على الركبة المصابة و ضغط على التورم.
- همم.. تبدو متورمة..حسنا، بإمكانك الدخول و استخدام الهاتف.
قدم لها يده فأمسكتها و تمكنت من الوقوف.. ولكن من غير سابق إنذار التفت ذراعاه حولها و رفعها بسهولة وكأنها لعبة من قش، وحملها إلى المنزل.. قالت بصوت ضعيف:
- أرجوك أنزلني.
لكنها ويا للدهشة اعترفت بينها وبين نفسها أنها تستمتع لأنه يحملها بمثل هذه الطريقة المتسلطة.
تجاهل احتجاجاتها ثانية و حملها من ردهة مرتفعة السقف قليلة الإضاءة مكسوة بألواح خشبية، إلى غرفة كبيرة لها ثلاث نوافذ طويلة يتسلل منها نور، وهناك أجلسها على أريكة ضخمة مرتفعة الظهر، مغطاة بقماش مطرز يدوياً.
- أقترح عليك أن ترفعي ساقيك إلى فوق.
نفذت ما اقترحه عليها، وبدأت تخلع مداسها المرتفع الساقين..
كانت تفتح سحاب الحذاء حين عاد حاملاً الهاتف بيده، وضع الجهاز على طاولة مغطاة بالغبار و الصحف و المجلات، ثم ابتعد مرة أخرى من الباب إلى الردهة، في هذا الوقت كان الكلب يتعقبه أينما سار.
التقطت قمر الليل الهاتف ووضعته في حضنها ثم رفعت السماعة و لكنها لم تسمع أي طنين، مع ذلك طلبت رقم المنزل.. سمعت صوت طقطقة تبعها صوت هسيس، فأعادت السماعة و انتظرت، ثم رفعتها ثانية..لا شيء.
عاد ميردت لايتبون إلى الغرفة، فقالت له:
- هاتفك مقطوع..الخط معطل.
- وهل طلبت الرقم الذي تريدينه؟
أزاح بيده بعض ما على الطاولة و جلس على طرفها قبالة تاي بحيث أصبح على مستوى واحد معها.
- أجل.. ولكنني لم أتلق شيئاً..هاك خذ السماعة.
أعطته الآلة التي وجدتها يده بدون تردد ، الواضح أنه يراها..فهو على مقرية من تاي.
تمتم: كانت على مايرام هذا الصباح، ماالرقم الذي تريدينه؟
ذكرت الرقم، فراقبته يطلبه بإصبع طويل بلا تردد..بعد لحظات أعاد السماعة مكانها.
- أنت على حق..إنه معطل..نتعرض إلى أشياء كهذا في الشتاء..ماذا الآن؟
كانت النظارة السوداء موجهة إليها بشكل مباشر..فسألت آملة: " هل لديك سيارة؟".
- لا.. وما نفع السيارة لمن هو مثلي؟ أنا لا أرى جيداً فكيف أحصل على رخصة قيادة.
- لكنك دخلت المنزل وهذه الغرفة وكأنك ترى أين تذهب.. ثم طلبت الرقم و كأنك ترى الأرقام؟

-------------------------------------------
- أستطيع الخروج و الدخول من المنزل..وأستطيع التحرك فيه لأنني أعرف تفاصيله..وأنا أرى الأشياء إن كنت على مقربة منها.
- وهل تراني الآن؟
- طبعاً..أستطيع رؤية شكل وجهك، وأين هي عيناك، وأين هو ثغرك.
مال إليها بحيث استطاعت رؤية شكل عينيه من خلال زجاج نظارته البنية، وبريق بياضهما ورأت الشعر الذهبي النامي على لحيته و فوق شفته العليا، وتحت ندبة تبدو وكأن البشرة مزقت ثم أعيد جمعها.. عندئذ أدركت أنه وسيم.
تمتم برقة: وعيناك بنيتان ذهبيتان، كبيرتان، مستديرتان و مفتوحتان، تنظران إليّ بريبة..لست سيئة المظهر..بل لولا إرهاقك لبدوت أفضل مظهراً.
ابتعدت عنه و استندت إلى ظهر الأريكة:" ليس وجهي مرهقاً!"
- حسناً..فلنقل غائرة الخدين.
اتسعت ابتسامته فظهرت أسنانه البيضاء الناصعة، عندئذ شعرت بقلبها يتراقص بشكل غريب و اضطرت إلى الاعتراف بأنها منجذبة إليه.. وهذا أمر غريب لأنها لم تنجذب قط إلى هذا النوع من الرجال الجلفاء..فطالما اهتمت بالمثقفين.. وطالما اهتمت بالفكر لا بالمظهر الخارجي.
أضاف:" أنت كمعظم النساء، لا تحبين سماع الحقيقة عن مظهرك".

- حسناً..كيف سيعجبك الأمر لو.. لو قلت لك الحقيقة عن مظهرك الآن؟ فبشعرك غير المسرح و بلحيتك هذه و نظترتك القاتمة هذه ..تبدو..حسناً..شريراً و بحالة مزرية.
- هاهَ!
أربكتها ضحكته القصيرة الفظة مجدداً.
أضاف: أنت امرأة جرئية تملكين القدرة على التعبير..أنا إذن شرير و بحالة مزرية.
- وهل أنت آسف على نفسك.
- بالتأكيد .. وستشعرين بهذا الشعور لو قيل لك إن بصرك لن يتحسن، وإن من الأفضل أن تتحلى بالأمل و إنك ستبقين دائماً عرضة للاصطدام بالناس..أو الأشياء لأنك لا ترينها.
همست قمر الليل مذعورة:" ومن قال لك هكذا؟".
- جراح عيون..إنه أحد أفضل الأخصائيين.
- ومتى قال لك هذا؟
- في الأسبوع الماضي.. في نيويورك.. ذهبت إلى هناك لإجراء فحوصات.
- لكن معظم العميان..العميان المصابون بعمى كلي يتمكنون من العيش حياة مفيدة منتجة.. بعضهم أصبح نجماً معروفاً جداً.

- نجماً معروفاً؟
- كنت أفكر بعازفي الجاز و عازفي البيانو و السكسفون,
- لا، إنهما مهنتان موسيقيتان.. والمرء لا يحتاج إلى الرؤية ليعزف، على عكسي.. يجب أن أرى لأستخدام الكاميرا.
- وهل أنت مصور؟
- مصور تلفزيزني، كنت أعمل لمحطة وطنية في قسم الأخبار العالمية..كنت أنا و بارني هيوغان نصور تقريراً عن فنان في أميركا الوسطى و فيما كنا نغطي الأحداث الدائرة بين الثوار و قوات الحكومة، تضايق أحدهم من وجودنا ورمى قنبلة يدوية علينا فقتل بارني و ليتني..ليتني قتلت معه.
-------------------------------
والتوى فمه وهو يهمس بكلماته.
همست تاي التي تألمت روحها الحساسة بسبب ما قال:
- متى؟ متى حدث هذا؟
رد دونما اكتراث:" ربما منذ سنتين".
هب عن الطاولة ليجلس في مقعد:
- منذ لك الوقت و أنا أكافح لأعود إلى الحياة، أتعلم كيف أقف و كيف أسير و لكنه جهد ضائع.
ضرب ذراع المقعد بقبضة يده فانتفضت تاي و الكلب معاً، فالكلب المستلقي على البساط أمام المدفأة استقام و شنّف أذنيه ورفع رأسه ينظر إلى سيده.
- مانفعي و أنا لا أستطيع رؤية ما أريد القيام به؟
سألته تاي بحدة:" أوليس هذا انهزاماً؟".
- وهل لديك بديل آخر؟ لا يمكنك حتى البدء بفهم ما أشعربه.
- بل أنا قادرة على ذلك.
صمت، فتعاظمت الظلمة في الغرفة فالنور الوحيد فيها كان وميض النار البرتقالي.. وصدحت موسيقى غيتار لموسيقار برازيلي من راديو عرفت أنه على رف الكتب المثبت في الجدار.
طقطق الخشب المشتعل الذي تتآكله النار و تأوهت الريح بشكل مخيف في المدخنة، فتحركت تاي بعدم ارتياح.. فصمت ميردت لايبتون يثير الأعصاب، وبدا أنه نسي وجودها، ولكنها ما لبثت أن انتفضت مذعورة ما إن علا صوته:
- هل اسمك حقاً تاي؟
- وهل كنت سأقول هذا لو لم يكن اسمي؟
- لا أعتقد ..إنه اسم غير عادي.
ران صمت آخر قصير:
- الطريقة التي جئت بها إلى هنا هذا المساء تذكرني بأبيات شعر "لأدغار آلان بو" عنوانها الغراب الأسود..أظنك تعرفينها.
- لا..أنا لا أعرفها.
- لاشك أن هذا المنزل و عزلته، وجنون الطقس في الخارج كانت ستروق للشاعر..بل من الممكن أنه كان في مكان مماثل حين كتب قصيدة الشعر التي أذكرها:
" في منتصف ليلة عاصفة موحشة
وأنا أتأمل بضعف و اكتئاب
كتب التقاليد الطريفة المنسية
مطرق الرأس أكاد أغفو سمعت طرقة على الباب
وكأنها جاءت من يد خفية".
توقف عن قول الشعر،ثم ضحك..فشعرت تاي مجدداً برجفة تسري في أوصالها.
أضاف ليلاس : حين طرقت الباب أجلس هنا، نصف نائم قرب النار، فتقدمت إلى الباب و..
تابع شعراً:
" في عمق الظلام تطلعت..وطويلاً وقفت، أتساءل بخشية.
مرتاباً أحلم أحلاماً لم يجرؤ بشري يوماً.."
- آه..توقف عن هذا..كف عن إخافتي..
ترجلت عن الأريكة و ألقت نظرة حتى وجدت حذاءها الذي انتعلته..فسألها بحدة:" ماذا تفعلين؟".
- أنتعل حذائي.

-------------------------
وجدت قبعتها الصوفية و دستها في رأسها ، ثم أقفلت سحاب سترتها الواقية، و جمعت شجاعتها ووضعت ثقلها على قدمها اليسرى.
-أنا.. ركبتي أفضل حالاً الآن.. لذا سأحاول الوصول إلى شارع "بيكرنغ لاين" بحثاً عن أول منزل أتصل منه بأختي.. لاشك أنها قلقة الآن عليّ، شكراً لتركك إياي أستريح.
عرجت نحو الباب.. من خلفها سمعت ميردت يقول شيئاً، ثم سمعت وقع خطواته خلفها، عندما وصلت الباب كان إلى جانبها و الكلب معه.
قال بلهجة متسلطة:
- لا تكوني حمقاء، لن تصلي أبداً إلى الشارع بيكرنغ لاين في هذه العاصفة الثلجية..ليس الآن خاصة و أنت تعرجين..يجب أن تقضي الليلة هنا.
- لكنني لا أريد البقاء هنا الليلة، كما أنك لا تريد مني البقاء..بل الحقيقة أنك لم ترغب في أن أدخل المنزل و قد بذلت جهدك منذ قليل لإخافتي ، أنت لا تريدني هنا.. لذا سأرحل.
خطت جانباً لتتجاوزه متجهة إلى الباب، ولكنها وجدت الكلب تحت قدميها.. فقفزت كالمجنونة ووقعت أرضاً ضاربة ركبتها اليمنى مجدداً..هذه المرة على إطار الباب الخشبي..كان الألم حاداً موجعاً فشهقت صائحة وزمجر الكلب في وجهها بشراسة.
صاح ميردت لايبتون:
- ماذا جرى؟ تاي..أين أنت؟
- أنا هنا على الأرض قرب باب غرفة الجلوس..
أردفت قمر الليل متأوهة:
- تعثرت بالكلب و آذيت ركبتي مجدداً..آه..ماذا أفعل؟
أمر الكلب ليبتعد عنها وجثا إلى جانبها، امتدت يداه مرة أخرى إليها، ولامست أصابعه خدها بتردد وكأنه أحب ملمس بشرتها ولكنه ما لبث أن سحب يده مجفلاً.
صاح:" أليس لديك عقل؟ هل أنت هكذا دائماً تغضبين و تهربين بلا تفكير؟
كان على مقربة شديدة منها فشعرت بدفء أنفاسه على وجهها و شمت عطره.. فجأة شعرت بتهور يدفعها لملاسة وجهه كما لامس وجها.. وكم رغبت في تمرير أطراف أصابعها فوق لحيته النامية أو رفع يدها إلى الأعلى لترجع الخصلات الشقراء المغبرة من شعره عن جبينه.
شدت قمر الليل قبضتها مذهولة من نفسها، إذ لم يسبق أن اختبرت مثل هذا الطيش و التهور لملامسة إنسان و لم ترغب قط في تقديم المواساة لرجل، المواساة التي تعرف أن المرأة وحدها قادرة على تقديمها له..وشدت قبضة يدها أكثر فأكثر كأنها تحاول منع أصابعها من الامتداد إليه.
سألت بصوت أجش:" لماذا؟ تريد منعي من الرحيل؟".
هز كتفيه و ابتسم ابتسامة ملتوية:
- الله أعلم.. أعتقد أنك مضطرة للبقاء هنا، لا يمكنك الخروج في هذه العاصفة الثلجية و أنت غير قادرة على السير، فقد تقعين مجدداً و تعجزين عن الوقوف أم تتوهين وعندئذ تواجهين عواقب أمر من الجحيم.
- لكن..أختي ستشعر بالقلق عليّ..
- ألم تخبريها أي طريق ستسلكين؟

------------------------------------------
عضت شفتها:
- لا..لم أخبرها..لكنها قد تحرز أنني سأقصد المنارة وأعود عبر غابة بيكرنغ، لأن هذا النوع من النزهات كان المفضل عندنا حين كنا نقيم في نورثبورت مع والدينا.. فجايسون لايبتون لم يعترض قط على استخدام الممر عبر الغابة.. ولم يقاضي أحداً لتسلله إلى أرضه.
- حسنا، بُلغت الرسالة..لكنه كان يملك مزايا لا أملكها، فهو عاش هنا طوال حياته أما أنا فغريب، كما أنه كان قادراً على رؤية أما أنا فلا..هل التقيت به يوماً؟
- عدة مرات، طالما تحدث إلينا عندما كنا نلتقيه في الغابة، كان سيداً عجوزاً لطيفاً.. ودمث الأخلاق أيضاً.
ضحك ليلاس:
- وأنا لست هكذا..ياله من لسان سليط.
- هل صحيح أنك قريبه؟
- صحيح، ولو بدا لك غريباً، جدي الذي اسمه ميردت أيضاً كان شقيق جايسون الأصغر.. وكان ميردت متوحشاً و متمرداً.. سرق من جايسون صديقته وهرب معها..وهي جدتي، وتقول القصة إن جايسون تألم كثيراً بحيث لم يتزوج قط.. آه أظنك غير مستريحة وأنت ممددة على الأرض هكذا..هاك، دعيني أساعدك على الوقوف.
استقام واقفاً ومد كلتا يديه فأمسكتهما وشدت نفسها لتقف.. قربتها الحركة منه كثيراً..لكن عندما حاولت تحرير يديها من قبضتيه اشتدت أصابعه عليها، فرفعت نظرها إليه بسرعة بحركة دفاعية فوجدت النظارة القائمة تنظر إليها.
بدا وكأن لحظات الصمت مشحونة بالكهرباء.. وشعرت تاي بشعور غريب.. شعرت بأنها سبق أن وقفت معه في هذه الردهة و أنهما أمسكا بعضهما بعضاً.. رفعت نظرها إليه و انتظرته بتزمت.
أخيرا همست قمر الليل: هل أنت مثل جدك..ميردت؟".
- لا أدري لأنني لم أعرفه قط..لماذا تسألين؟
أنذرتها الحاسة السادسة بسحب يديها من يديه.. ولكنها لم تتحرك بل لم تستطيع أن تتحرك..كانت عالقة في تعويذة سحرية ما ..إنها مفتونة بهذا المتوحش الأشقر.. بقبضة يديه الدافئتين، بحركة شفتيه وهما تنفرجان.
عندما عانقها لم يتلق منها مقاومة.. راحت يداه تتلمسان وجهها برقة.. تاي التي كانت مؤمنة أنها لن تتأثر بعناقه لم تكن مستعدة لما حدث.. فقد تفجر التجاوب في أعماقها و استجابت بدائية للجوع اليائس الذي كان ميردت يعبر عنه بعناقه.
رفعت قمر الليل يديها بتهور إلى وجهه لتداعب وجنتيه اللتين تأذتا يوماً.. وترنحت إليه أكثر، فاشتدت ذراعاه حولها بقوة تطبقان جسمها الرقيق الناعم إلى جسمه القاسي الصلب، في لحظات خالية من أي تعقل شعرت بأنهما ملتحمان برغبة قلبية مشتركة تدمر دفاعاتهما التي بنياها لحماية نفسيهما ضد مثل هذا الهجوم.
انتهى العناق فجأة كما بدأ..ابتعد ميردت عنها و أسبل يديه إلى جنبيه ثم انزلقت يداها بعيداً عن خذيه.. مع ذلك بقيت التعويذة، وظلا يتبدلان النظرات بصمت و ذهول ولم يكونا واعيين لما يحيط بهما من إضاءة خافتة ومن طقطقة المنزل العتيق وتأوهاته وهو يواجه عاصفة الربيع العاتية.
أخيراً كسر ميردت التعويذة بحركة عنيفة من يده فكسر الصمت أيضاً..أطلق شتيمة تخدش الآذان جعلت تاي تجفل مرتدة عنه.
---------------------------------
- عرفت أن شيئاً من هذا سيحدث حينما أدخلتك إلى المنزل.. لقد أمضيت وقتاً طويلاً بدون امرأة..لقد دخلت رائحة بشرتك و شعرك و الأحساس بك إلى رأسي و أثارتني.
ضحك ضحكة قصيرة خالية من المرح، وأضاف:
- أعتقد أن عليّ أن أكون مسروراً لمجيئك، فهذا يثبت أنني مازلت طبيعياً في هذا المجال، لقد بدأت أقلق.
عندما استوعبت تاي ماكان يقوله، انطلق جرس الإنذار في أعصابها وتلاشى آخر ماتبقى من السحر، لقد دمره كلياً كلامه القارس.
صاحت بجنون:
- إذن دعني أذهب..دعني أغادر هذا المكان..
أمسك كتفيها ما إن حاولت تجاوزه فسمرها أمامه ..مرة أخرى شعرت بهشاشة عظامها.
- لا أستطيع تركك تذهبين..ليس الآن ستبقين.
تركها فجأة، فتهاوت على الباب الذي أمسكت إطاره السندياني و تعلقت به كما يتعلق البحار اليائس بصارية المركب وقت العاصفة.. تشعر وكأنه رماها فعلاً في ثورة غضبه و إحباطه.
قال بصوت أجش:
- ياإلهي..لا تنظري إلي هكذا..لن أوذيك، ماحدث الآن..هو انحراف مؤقت.
دس يديه في جيبيه و قام بجهد واضح ليسيطر على غضبه ثم قال بهدوء:
- اذهبي و استلقي على الأريكة مرة أخرى..يجب أن تريحي ساقك..إنما عليك أن تذهبي إلى هناك بمفردك لأنني لن أحملك مرة أخرى..هيا تحركي من هنا.
وأشار برأسه إلى الغرفة التي يضيئها وهج النار.
قالت بصوت متقطع وهي لا تزال تمسك بإطار الباب الخشبي:
- أنا..أنا..
قاطعها راعداًٍ:
- هيا..لا يمكنك الوقوف هنا طوال الليل.
- أجل ..أنا ..سأفعل ماتقول..لكن أرجوك، أضئ لي نور الغرفة..أنا..لا أريد الاصطدام بشيء، فقد أضرب ركبتي ثانية و.. أرجوك لا تصح بوجهي..فأنا..لا أحتمل صياح أحد..
- حسناً..حسناً!
بدا ساخطاً حقاً ولكنه دخل إلى الغرفة و كبس على مفتاح الضوء وعاد إليها يقول:
- هاك.. تستطعين الآن الرؤية..ادخلي و أريحي ساقاك وهدئي روعك فليس هناك ما يستدعي التوتر، قلت لك إنني لن ألمسك ثانية، سأذهب إلى المطبخ لأحضر لنا ما نأكله.. لقد تجاوز الوقت وقت العشاء.
ارتد عنها ثم أعطى أمراً للكلب الذي اتجه و استلقى أمام الباب الأمامي، ثم تابع سيره في الردهة من باب آخر عرفت تاي أنه يقود إلى المطبخ.
عندما عادت أدراجها إلى الغرفة لاحظت أن هناك مصباحين مضاءين، أحدهما مصباح طويل على الأرض وراء الأريكة و الآخر صغير موضوع على الطاولة قرب المقعد الآخر، وصلت إلى الأريكة و جلست ببطء مادة ساقها اليمنى أمامها، خلعت قبعتها وحذاءها مجدداً ثم فتحت سحاب السترة وخلعتها ووضعتها مع القبعة على ذراع الأريكة العريضة، ثم راحت نفسها في الزواية الأخرى.. واستندت إلى الوراء رافعة قدميها عليها.

-----------------------------------
لأنها باتت بمفردها، بدأت ردة فعل ماحدث في الردهة تظهر عليها، فأطلقت نفساً طويلاً في تنهيدة عميقة، وأغمضت عينيها..عناق عابر مع غريب، إنها تجربة مدمرة، واشتدت حرارة خديها من الذكرى.
كان ذلك " انحرافاً مؤقتاً" بالنسبة له..فهمت مايعنى..فهو رجل مثير ذو تجربة، استعاد للتو قدرته الجسدية مع إصابة خطيرة..وخرج عن طوره مؤقتاً.
لكن ماذا عنها هي؟ لماذا بادلته العناق؟ ولماذا فقدت السيطرة على ذاتها؟ ما الذي حدث للقيم الأخلاقية التي حفلت بها حياتها الخاصة حتى الآن، وأهمها عدم معانقة رجل لا تحبه؟ أليس من المفترض أنها تحب برنابي؟ ألم تقل لأختها إنها لن تقع في حب رجل مرة أخرى بعدما نبذها؟
لكنها لم تقع في حب ميردت لايتبون..لا يمكن هذا.. لم يكن لديها الوقت.. وعل ى أي حال، معظم ماتعرفه عنه لا يعجبها..إنه متوحش فظ، متسلط، يظن أنه متفوق على النساء، وهو يشعر بالأسف على نفسه لأنه لم يعد الصورة المثيرة لهن..فلا شك أنه غوى الكثيرات من النساء اللواتي يحببن القوة المتوحشة..حسناً..هي ليست واحدة منهن.
إذن..لماذا استجابت لعناقه؟ أهو" انحراف مؤقت" منها كذلك؟ حاجة بدائية في أعماقها استجابت لحاجة بدائية مماثلة؟ تأوهت بيأس بسبب هذا الاكتشاف أنها قد تشعر بالانجذاب إلى رجل لا تكاد تعرفه.
أغمضت عينيها مجدداًً، ومؤخرة يدها على إحدى وجنتيها الملتهبتين..وتأوهت..لكن لم تكن وجنتاها فقط الملتهبتان بل جسدها كله يكاد يحترق..أكان يحترق خجلاً؟ لابد أنه لاحظ تجاوبها، لا ريب في هذا! آه ليتها تستطيع الخروج من هنا..عناق واحد استطاع به أن يخترق دفاعاتها و يحطمها و كأنها قشرة بيضة و كشفها على ماهي عليه حقاًً..امرأة تحب الحب و تحتاج بكل يأس لمن يحبها.
فتحت قمر الليل عينيها ونظرت الى الباب، فهي قادرة على المغادرة أثناء انشغاله في المطبخ..لكن الفكرة لم تستقر في رأسها..إذ لن تستطيع تجاوز الكلب..ثم.. هل تريد حقاً الخروج إلى هذا الثلج المتساقط بغزارة حيث خطر الوقوع و الضياع؟ لا..إنها لا تريد ترك هذا الملاذ الدافئ الآمن، حتى لو كان شخصاً قاسياً، نصف مجنون ونصف أعمى هو الذي يسكنه..إنها مضطرة للبقاء هذه الليلة وتأمل ألاتصاب كينان بقلق كبير..ربما غداً حين تهدأ العاصفة، سيأتي أحدهم للتفتيش عنها و إعادتها إلى الفندق.

_______________________

3- جنون الليل

عاد مردت لايبتون الذي كان يسير بحذر شديد لأنه يحمل صينية عليها طبقين من الحساء الساخن و سلة خبز..عندما دنا من الطاولة الطويلة أمام الأريكة، جلست تاي و أنزلت ساقيها إلى الأرض و أبعدت صحفاً و مجلات إلى جانب واحد من الطاولة مفسحة المكان للصينية.
وضع ميردت الصينية في الفسحة التي وفرتها تاي له، ثم ارتد إلى الكرسي و قربه من الطاولة وجلس قبالة تاي..ثم قال ببرود:
- حساء السمك المعلب هو أفضل ما أستطيع تقديمه لك، مع خبز معد منزلياً ..تفضلي.
رفع سلة الخبز ومدها إليها..همست وهي تتناول رغيفاً اسطوانياً ساخناً شهي المظهر:
- شكراً لك..شكراً لك كثيراً.
كانت الصينية مغطاة بقماش أبيض فوقه سكاكين فولاذية لامعة و ملاعق من أفضل الأنواع..أما الطبقان من الخزف السميك الحافظ للحرارة..لم يسبق لها أن خدمها رجل..أو على الأقل لم يسبق لبرنابي أن خدمها..بل هي تشك في أنه قادر على تحضير وجبة طعام وكررت:
- شكراً لك..لأنك..لأنك أتعبت نفسك من أجلي!
رد آلياً:" أهلاً بك..لا ..أنا أسحب هذا..لن أرحب بك هنا.. لماذا لم تتمشي إلى مكان آخر هذا اليوم؟ لماذا بحق الله جئت إلى هنا؟ لماذا لم تلجأي إلى شخص آخر طالبة منه استخدام هاتفه؟ لن أرحب بك أبداً..والآن..ما الأمر..ألا تحبين حساء السمك؟"
- بل يعجبني..أما أنت فلا تعجبني..و..و.. لولا عماك الجزئي ..لـ..
صمتت لأنها تكاد تختنق غيظاً..لم تكن قط على هذه الدرجة من الغضب.. ولكنها لم تتعرض في حياتها المدللة إلى مثل هذا التهجم.
فلم يعاملها يوماً والداها أو أقاربها أو معارفها بمثل هذه الفظاظة.. ولم يعبر أحد يوماً عن مشاعره العنيفة نحوها بمثل هذا العنف.
- لأنني عانقتك؟
- أجل..ولهذا أيضاً.
تناول ملعقة راح يغمسها في الحساء السميك اللزج الذي تطفو فوقه الكركند الشهية.
تابع ليلاس ساخراً:
- إذا أحسست برغبة في ضربي فلا تجعلي إعاقتي تعيقك..فمن غير الصواب كبت المشاعر العميقة.
سألت قمر الليل بحدة:" ألهذا هاجمتني بعنف طوال الوقت؟".
- هذا صحيح..ولن أعتذر..
- على ماذا؟
- على تصرفي، وبالتحديد على عناقك..لقد استمتعت به وبطريقة استجابتك لي، وهذا ماجعل منه تجربة للذكرى..للتفكير فيها في ليالي الأرق..أنت بالتأكيد غير ساذجة في هذا المجال..
توردت وجنتا تاي.. وسمعت هديراً مرتفعاً في أذنيها.. وقبل أن تعي ارتفعت يدها اليمنى و اصطدمت أصابعها بحدة بخده الأيسر.
---------------------------------
ارتد رأسه قليلاً..أما هي فذعرت إذ لم يسبق لها أن ضربت أحداً..أرجعت يدها إلى الوراء، وتراجعت فوق الأريكة تبتعد عنه خشية أن يرد عليها بشكل مماثل..لكنه ضحك:
-عرفت أنني مخطئ في الأشارة إلى خبرتك،أنت سيدة غير سهلة، ولكنك لست ساذجة..لست متزوجة فأنت لا تضعين خاتماً.. فهل أنت مطلقة؟
- لا.. لست مطلقة..آه..هذا حديث سخيف، لماذا أخبرك أي شيء عن نفسي؟
- لا سبب لهذا، ولكن إن لم تفعلي ستنالى تكهناتي،إذن أنت تقيمين في فندق نور ثبورت وهل تشاركين أختك عملها؟.
-لا..فأنا أقيم معها مؤقتاً.
- ألا تعملين.
- مؤقتاً..أنا فنانة مهنتي الموسقى..أعزف مع أوركسترا سيمفونية لثلاث سنوات، لكنني أصبت في الشهر الماضي بالتهاب رئوي فجئت إلى هنا لأسترد عافيتي.
- كان عليك التوجه إلى الجنوب..إلى فلوريدا أو البهاما، أقصد إلى مكان تشرق فيه الشمس.
- لم أستطع تحمل السفر إلى مكان كهذا..كما أنني أردت مكاناً هادئاً أعرف أن ليس فيه أناساً كثيرين..لطالما وجدت "ماين" مكاناً جيداً للراحة، وأنت..لماذاجئت إلى هنا؟ لماذا لم تذهب إلى مكان دافئ لتسرد صحتك؟
- جئت إلى هنا لأنني لاأملك مكاناً أخر أذهب إليه..أقصد ، لا مكان يريدني أحد فيه، وأنا مثلك أردت أن أكون بمفردي.
- تأخرت زمناً حتى جئت إلى هنا..فقد توفي جايسون منذ ثماني سنوات وكان ذلك آخر مرة أقضي فيها عطلة مع أهلي هنا.
- مضت فترة طويلة حتى استطاع منفذ الوصية الاتصال بي ليخبرني بأنني ورثت المكان.
ضحك ليلاس ضحكة صغيرة:
- لم يكن هناك من هو أشد مني ذهولاً، فبعد عودتي من إحدى المهمات وجدت أن عمي الأكبر الذي لم أسمع بوجوده ترك لي منزله و مالاً كثيراً لأنني الابن الوحيد لأخيه وابن المرأة التي أحبها...كان ذلك منذو أربع سنوات، وكنت يومذاك أنوي المجيء لرؤية المكان ولكنني سافرت إلى الخارج مرة أخرى.. وبعدما مزقتني القنبلة اليدوية، بقيت في المستشفى سنتين ولما خرجت وجدت أنه أصلح مكان ألوذ إليه و ألعق فيه جراحي، وأستجمع فيه صحتي قبل العودة إلى العالم المجنون لتصوير أكثر الأحداث عنفاً، ولكنني ظننت أنني سأسترد بصري..
ضرب ذراع المقعد بقبضتيه وقال من بين أسنانه:
- اللعنة..كان عليّ أن أسترده.
التقط ملعقته مجدداً وتابع ارتشاف الحساء، راقبته تاي فلاحظت أنه لا يسكب قطرة من الحساء..فجأة شعرت بتوق متهور يكاد يدفعها إلى مد يدها إليه لمواساته و لمساعدته في التغلب على إعاقته.
عاد ليقول:
- ستة أشهر..قال الأخصائي عندما تركت المستشفى إنني سأسترد بصري بعد ستة أشهر من الهدوء و الراحة، ولقد كان المكان هادئاً هنا بما فيه الكفاية..بل هو هادئ أكثر مما يجب.. واسترحت..يا إلهي كم استرحت، لم أكن قط خامداً كما كنت في هذه الفترة.. ومع ذلك مازلت غير قادر على الرؤية بشكل كاف بحيث أستطع التننزه في القرية بدون الاصطدام بشيء..كما حدث معك.
----------------------------------------
رمى ملعقته في طبقه الفارغ وتراجع في مقعده.
- يبدو أنني سأبقى هنا ماتبقى من حياتي..جثة بالية لا جدوى منها..
- لا..آه..لاتكن يائساً هكذا.. ستجد شيئاً مفيداً تفعله.
- ماذا..مثلاً.ماذا ستفعلين لو فقدت سمعك ولم تميزي الموسيقى؟
- من الطبيعي أن أتكدر فترة طويلة ..لكنني لن أترك نفسي أتعفن..سأجد لنفسي ما أفعله، سأعمل على الأرجح بفن يعتمد على البصر.
نظرت تاي حولها، إلى الستائر المخملية الخضراء المعلقة على النوافذ الطويلة وإلى بريق الخشب المذهب للأثاث الأثري.. وأخيراً إلى البيانو العظيم المصنوع من خشب الورد الموضوع في زاوية بعيدة من الغرفة خلف ميردت، ووراء الباب:
- هذا هو البيانو الذي كان جايسون لايبتون يعزف عليه.
- أعتقد هذا.
- قال لي أبي يوماً إن جايسون كان قادراً على أن يصبح عازف بيانو محترف لو أراد.
قال ميردت بشيء من السخرية:
- لكنه بدل هذا عاش كالناسك في منزله لأن أخاه سرق منه امرأته.. وبالطبع، كان قادراً على تحمل هذا لأنه باع أسهم العائلة في صناعة الورق التي بدأت فيها أسرة لايبتون في هذه المنطقة منذ قرن مضى، واستثمر ماله بحكمة في أسهم البترول ليتمكن من التقاعد في هذا المنزل و العزف على البيانو لنفسه ، لكن.. من أنا لأحكم عليه؟ أنا سائر على خطاه و يوماً ما سأشتهر بما اشتهر به.. ذلك العجوز المجنون الذي يعيش بمفرده في ذلك المنزل قرب بيكرنغ بوينت.
- كفى..توقف عن الأسى على نفسك هكذا، لقد اشتهرت بفظاظتك في القرية، حين أخبرت أختي كيف تصرفت معي عرفتك فوراً.
ارتفع حاجباه السوداوان من فوق حافة النظارة:
- حقاً؟ مع ذلك سرت في أرضي..لماذا؟ لتشدي ذيل الأسد المجروح؟ لتري ما إذا كان قادراً على التصرف بفظاظة معك مرة أخرى؟
ردت قمر الليل ببرود:" لم أتوقع رؤيتك.. هذا الحساء لذيذ..من طهاه؟".
- امرأة من القرية اسمها بيلا ماك كاب، تأتي ثلاثة أيام في الأسبوع لتنظف و تطبخ..هي وزوجها جوزف عملا عند جايسون كحارس ومدبرة منزل، عندما وصلت هنا، أتيا وعرضا خدماتهما لي..سيكونان هنا في الصباح..والله أعلم ماذا سيظنان حين يجدانك هنا.. سينتشر الخبر في القرية أن لي فتاة أخرى..
التقط الصينية وقال:
- أيمكنك الآن تناول قطعة الكايك بالشوكولا، وقليلاً من القهوة؟
- أجل..أستطيع.. ولكن دعني أعدها بنفسي.
- لا..لن تستطيعي إيجاد شيء
التوى فمه بسخرية و أضاف:
- ستوافقين على أن من الخير لي القيام بشيء، لشخص آخر.. فهذا سيبعدني عن التحسر على إعاقتي.
----------------------------------------

ترك الغرفة ونظرت تاي إلى النار..سيظنون أن لي فتاة أخرى..لم يدهشها ما يقوله فهي تعرف كم القريون إطلاق المقيمين بينهم..إنما لن يعجبها ما سيظنه الزوجان ماك كاب عندما يجدانها هنا في الصباح.
فتاة جديدة له..أيشير بهذا بشكل غير مباشر إلى المرأة التي أقامت معه قبل الميلاد؟ هذا ممكن.
عاد ميردت إلى الغرفة ووضع صينية القهوة على الطاولة.. هذه المرة كان فيها طبقان، في كل منهما قطعة حلوى بالشكولا معممة بالكريما الطازجة.. هذا عدا القهوة و إبريق الحليب الصغير، وقصعة سكر..التقطت تاي شوكة وضعتها في الكايك الاسفنجي الطري ، ثم وضعت قطعة صغيرة في فمها فذابت فوراً، سألت قمر الليل:
- هل فكرت يوماً بتعليم طريقة "بريل" للقراءة؟
- لا..سبق أن قلت لك أنني اعتقدت أنني سأتمكن من الرؤية مجدداً.
ران صمت آخر لم يقطعه سوى طقطقة الحطب في الموقد، وهمس الموسيقى الناعمة من الراديو..أوحى صوت الموسيقى لها بفكرة أخرى.
-هل تحب الموسيقى؟
- قليلاً.
جاء رده بعدم مبالاة.
سألت:" من أي نوع؟".
- ذوقي غريب قليلاً..أحب الجاز الحديث و بعض الموسيقى لها الصاخبة" والهارد روك" وبضع قطع كلاسيكية مفضلة.. وأحب الموسيقى الخاصة بالغيتار، وهذا شريط مسجل لأشهر عازفي الغيتار في إسبانيا.
- أجل.. لاحظت هذا..هل عزفت على آلة يوماً؟
- عزفت على الغيتار كحال معظم أقراني من الشباب، يومذاك خلت أنني عازف "روك أندرل" وأملت أن أسير على خطى" البيتلز" و "رولنغ ستون".
- آه..كنت تعزف الغيتار الكربائي.
- والغيتار الكلاسيكي أيضاً.
- إذن أنت قادر على قراءة النوتة الموسيقية؟
- لا..كنت أعزف معتمداً. على السمع.
- أيمكنك عزف الغيتار الآن؟.
- لا أعرف..ليس لدي غيتار لأجرب، لقد بعت الغيتارين منذ سنوات، كنت بحاجة إلى المال للذهاب لدارسة فن التصوير السينمائي.
وضع طبقه الفارغ من يده و تحسس كوب القهوة، ثم الحليب و السكر..وسأل:
- لم هذه الأسئلة؟ ماذا تحاولين؟
تناول الفنجان بيده وعاد ليستند في مقعده إلى الخلف.
-أحاول أن أجد لك ماتقوم به..ماقد يساعدك على نسيان إعاقتك.
التوى فمه بوحشية:
- هاه..تظنين أنك طبيبة نفسية..حسناً..أنا لا أريد مساعدتك أو حتى اهتمامك.
- لكنك لا تستطيع التخلي عن حياة كاملة منتجة لأنك لا تستطيع الرؤية.
- أهذا ظنك بي؟ ابقي قريبة مني وراقبيني!
----------------------------------
- أليس هناك أحد..
صمتت..وراحت تفكر في أفضل طريقة لصياغة الجملة بدون أن تهينه أو تغضبه، لكنها لم تجد وسيلة غير السؤال المباشر فأردفت بتهور:
- أليس هناك من تتزوجها؟ لم لا تتزوج و تنجب الأولاد فعندئذ ستجد سبباً للحياة؟
نظرت إليها النظارة السوداء وراحت تحدق إليها بصمت..ثم قال ببطء:
- وهل تتزوجيني؟
بدت الكلمات الرقيقة معلقة في الهواء للحظات طويلة، فتنها مرة أخرى..يبدو أنها علقت في الهالة الكهربائية التي تحيط بها هي وهذا الرجل، لماذا تشعر بأنها تنجذب إليه؟.. خفق قلبها ووجدت أنها تلهث وشعرت برأسها على وشك الانفجار..انفرجت شفتاها وكلمات "أجل..أتزوجك" تتشكل في عقلها..وكادت تتلفظ بها ولكن حطبة ما قسمتها النار وقعت على أرض الموقد فأرسلت شرراً برتقالياً.. وتثاءب الكلب محتجاً وجلس فجأة فانكسرت الرقبة السحرية..عندئذ التقطت أنفاسها وكبحت ما كادت تهم بقوله، وقالت عوضاً عنه بسرعة و بلهجة دفاعية:
- هذا ليس سؤالاً عادلاً!
- ولماذا لا؟
- التقيتك للتو لذا لا أستطيع الإجابة.
قال ميردت: ياإلهي ..لا تفهميني بشكل خاطئ..لم أكن أطلب يدك..بل كنت أسألك إن كنت أسألك إن كنت تتزوجيني وأنا رجل نصف أعمى معدوم الأمل بالمستقبل..أيمكن لأية امرأة عاقلة أن ترتبط بالزواج مع رجل نصف مقعد؟
- هذا وقف على ماتشعر به المرأة نحوك.
ارتدت قمر الليل في مقعدها ولكنها أحست بشيء من خيبة الأمل لأن سؤاله لم يكن طلباً ليدها، وهذا ما جعلها تستقيم مجدداً و تنهر نفسها، ماذا دهاها؟ لماذا تتصرف هكذا بدون تعقل؟
أضافت قمر الليل:" أترى..يجب أن أحب الرجل قبل أن أفكر بالزواج منه ويجب أن أكون واثقة من حبه..وعندئذ، لن يهمني شيء..لن أعبأ إن كان أعمى أو أصم أو أعرج أو مريضاً مزمناً بل سأتزوجه مسرورة".
علق ساخراً:
- الحب؟ وماذا يعني هذا؟ هل سبق أن وقعت في الحب؟ وهل تحبين أحداً الآن؟
- أجل أحببت يوماً..و..و..أنا أحب في الوقت الحاضر.
أرتعشت الكلمات بين شفتيها، فهي فجأة لم تعد واثقة من مشاعرها نحو برنابي.
- ستتزوجينه إذن؟
فتشت عن طريقة لتتجنب الرد..لكنه أصر:
- حسناً؟ هل ستتزوجين الرجل الذي تحبين؟
همست:"لا".
- ولم لا؟
أدركت أنه يجرها ببراعة لتتحدث عن نفسها.
ردت قمر الليل:"إنه شأني وحدي".
- حسناً..سأحرز..انطلاقاً مماقلته لتوك عن التأكد من حب الرجل لك قبل أن تتزوجيه، أعتقد أنه لم يكن يبادلك الحب..صحيح؟
---------------------------------------

ردت قمر الليل بحدة:" لا أريد التكلم عن هذا".
- لكنك تحبين أن تتزوجي.
-أجل ..أحب..إنما ليس من أجل أن يصبح لي زوج..لن أستطيع الزواج بأحد لمجرد حل المشكلة ما أواجهها.
- إذن، هذا هو الرد على السؤال الذي طرحته عليّ..لن أستطيع الزواج بأية امرأة من أجل حل مشكلة آنية هي عدم تمكني من الرؤية، وعدم تمكني من متابعة عملي.. من ناحية أخرى لا مشكلة عندي أن يكون لدي امرأة تعيش معي.. امرأة تشاركني حياتي..امرأة غير ساذجة..فأنا لا أهتم بالفتيات الساذجات الخجولات اللواتي لا يعرفن شيئاً..أريد امرأة تقابلني في منتصف الطريق، باندفاعها الخاص.
صمت ومال إليها أكثر فأكثر حتى أراح ذراعه على مؤخرة الأريكة فكان أن أصبح بذلك مشرفاً عليها وكأنه نسر ذهبي على وشك الانقضاض على فريسته.
تمتم بصوت أجش:"امرأة مثلك تاي..".
همست بصوت ضعيف:"لا..لا أستطيع..لاأستطيع العيش معك".
- لكنك ترغبين..يمكننا البدء هذه الليلة..الآن..فوراً.
رفع يداً ضخمة ومرر أصابعه برقة على خدها، فبدأ جسمها يخون إرادتها.
تمتمت قمر الليل :" أنت..أنت مجنون، فقدت عقلك..أتظن أنني أستطيع مجارتك فيماتريد..وأرضي بالعيش معك في هذا المنزل".
- قد أكون مجنوناً ، مجنوناً لأنني أرغب في بعض السلوى والاكتفاء.. ولكنك هكذا أيضاً تاي..لماذا إذن لا نضم قوانا؟
- لكنك تمنيت لم لم آت إلى هنا..قلت إنك لا ترحب بي هنا.
ضحك فخفق قلبها:
- أعرف أنني قلت هذا ..كنت غاضباً من القدر لأنه أرسل امرأة مثلك إلى حياتي في هذه اللحظات بالذات..فمنذ وجدتك في الخارج تحت الثلج هذا المساء، وأنا أحاول حمايتك مني..لكنني لم أعد قادراً على هذا..أريدك تاي.
صاحت بوجهه:"لا".
انزلقت قمر الليل من بين يديه ونزلت عن الأريكة إلى الأرض ثم راحت تدب على أطرافها الأربعة وتزحف مبتعدة حتى استطاعت الوقوف..ثم ركضت وهي تعرج حتى وصلت الباب..ولكنها لم تكن واثقة إلى أين ستذهب أو لماذا هي ذاهبة، بل كانت تطيع غريزة بدائية تدفعها لحماية نفسها.
خرجت إلى الردهة وهي تعرج ثم راحت تستند إلى الجدار..كان قلبها يخفق بشدة في صدرها و كانت أذناها مشنفتين لالتقاط وقع أقدامه.
سمعت قمر الليل في صمت الغرفة المظلمة صوت رقع الثلج المتساقطة على النافذة ثم رأت في الضوء الخافت انعكاس الأثاث على السجادة.. فجأة أقفل الباب فانقطع عنها النور و أصبحت في ظلمة دامسة.
- هذا ذكاء منك تاي!
في صوته سخرية جعلتها تلتصق بالجدار لأنها لم تلاحظ أنه دخل إلى الغرفة قبل أن يقفل الباب..
أضاف: إنه ذكاء منك لأنك أتيت إلى هذه الغرفة لأنني كنت أنوي أن أحملك إليها هذه الليلة.
------------------------------
أدركت أنه على مقربة شديدة منها.. ولكنها لم تستطع معرفة مكان وقوفه فقالت وهي تحاول أن يبدو صوتها هادئاً:
- ميردت..أرجوك لا تفعل ماقد تندم عليه فيما بعد.
لم يرد..سمعته يدنو منها وكم ندمت أنها تكلمت فقد كشفت بذلك موقعها له، وقبل ذلك لم يكن يعرف أين هي..عضت شفتها السفلى بقوة ثم التصقت بالجدار بعيداً عن الباب، كاتمة أنفاسها، ثم بعدما تأكدت من ابتعادها عنه، اندفعت إلى الأمام وراحت تسرع بمقدار ما تسمح لها به ركبتها المصابة آملة أن تستدير من خلفه وتجد الباب مجدداً لتفتحه وتهرب إلى الردهة مجدداً.
كانت قمر الليل في طريقها إلى الباب عندما امتدت ذراعه الطويلة لتلتف حول خصرها تشدها إليه.. ظلت للحظات مشلولة و مقطوعة الأنفاس ثم وجدت يده الأخرى وجهها وأمسك ذقنها ليجبرها على النظر إليه.. كانت ذراعه حول خصرها كرباط من حديد تسحقها عليه.. لم يكن هناك مجال لتجنب تهجمه عليها.
بقيت تاي للحظات عاجزة في ذلك العناق الشديد.. ثم شعرت أن شيئاً ما يومض في عقلها..ولم يعد بحاجة لأن يشدها إليه..لأنها كانت تضغط نفسها بكل إرادتها عليه.
دفعها بعيداً عنه، وقال بلهجة ملؤها التأنيب:
- الآن قولي لي إنك لا تريدين..قولي إنك ترفضين.. ولو فعلت لكنت كاذبة..أما زلت راغبة في إيقافي عند حدي؟
همست قمر الليل: ليس في الظلام.آه ليس في الظلام..أريد رؤية عينيك..رؤية لونهما، أنا لا أعرف لون عينيك..أرجوك ميردت أضئ النور.
عرفت أنها فأجاته بطلبها، لأن يديه استرختا عن خصرها وضحك قليلاً.
- فليكن..سأضي النور لتستطيعي رؤية عيني إذا ذلك يسعدك.
تركها وهذا ماكانت تأمله وما إن ابتعد عنها حتى تنحت جانباً ومدت يديها إلى خلفها وهي تتراجع إلى الجدار حتى لامست الخشب.
ثم أخيراً مدت يدها فوجدت مقبض الباب وما إن أضاء ميردت النور في الغرفة حتى فتحت الباب و أسرعت تعرج إلى الردهة.
لا جدوى من الخروج من الباب الأمامي في مثل هذه العاصفة الثلجية الربيعية إلى اليسار رأت درجاً أنيقاً يفضي إلى الطابق العلوي وما إن سمعت ميردت يرعد باسمها ووقع أقدامه تتعالى حتى أخذت تعرج متألمة وارتفعت الدرج.
- تاي..أين أنت؟ أين ذهبت بحق الله؟
نظرت إليه من فوق كتفها فإذا هو واقف في الردهة ورأسه مائل إلى جانب واحد يصغي لصوت تحركها، فتوقفت عن الصعود، وكتمت أنفاسها..كان قلبها يخفق بقوة حتى ظنت أنه يسمعه.
ولكنه دنا من غرفة الجلوس..فأطلقت أنفاسها الحبيسة وتابعت الزحف على الدرجات تاركة الظلمة المخملية تبتلعها.
لم تتقدم أكثر لأنها خشيت أن تصطدم بشيء..ثم أرادت أن ترى الردهة في الأسفل كي تعرف ماذا سيفعل ميردت، استندت إلى الدرابزين وراحت تلتقط أنفاسها وتصغي إلى خفقات قلبها فشعرت للمرة الأولى بشيء من المرح في الموقف، إنها أشبه بلعبة كانت تلعبها في صغرها..عمادها أن تغمض فيها عينا طفل ثم عليه أن يحاول إيجاد أكبر عدد من الأولاد وهم يرقصون ويغنون حوله.
-------------------------------
استرعى انتباهها صوت من الأسفل وخرج كولت من غرفة الجلوس يلحقه ميردت.
توقف الكلب في أسفل الدرج ، ثم نظر إلى فوق و نبح بصوت منخفض..قال له ميردت شيئاً، فبدأ الكلب بصعد السلم، مد ميردت يده حتى وجد الدرابزين ، وبدأ يصعد الدرج متعقباً الكلب.
شهقت تاي:"آه..لا!".
هربت إلى الظلام الدامس معتمدة على حاسة اللمس وكانت تأمل أن تجد باباً يقودها إلى غرفة لتستطيع الاختباء فيها..صدمت أصابعها إطاراً خشبياً..وفي الوقت ذاته سمعت صوتاً آخر على الدرج.. وكأن أحدهم تعثر ووقع عن الدرج!
شهقت مجدداً:" آه..لا".

أدركت أن ميردت أخطأ في صعوده على الدرج ووقع، فهرعت حيث رأت كولت يقفز فوق الدرجات، وهناك في الأسفل كان ميردت ممدداً على الأرض بلا حراك.
شهقت مجدداً:" آه..لا".
نزلت الدرج ركضاً ناسية ألم ركبتها ولكن الكلب الجاثي قرب سيده نبح عليها مرة أخرى، وتجاهلت التحذير، مذعورة لأن مابد لها موقفاً مرحاً قد ينقلب إلى كارثة..رمت بنفسها على ركبتيها إلى جانبه، تئن بحدة بسبب اصطدام ركبتها اليمنى بالأرض.
صاحت يائسة:" آه! ماذا حدث؟ ماذا حدث؟ ".
أرادت أن تلمسه، لكنها كانت خائفة.
هل مات؟ كيف لها أن تعرف؟ آه! يالعجزها في أمور كهذه! إنها لا تعرف شيئاً عن أبسط مبادئ الإسعاف الأولي.. مالت فوقه، تفتش في وجهه.. فإذا النظارة السوداء ماتزال مكانها ..ستخلعها عنه لترى إن كانت عيناه مغمضتين أم مفتوحتين.
كانت يداها تهمان بنزع النظارة عندما تحرك بسرعة، وارتفعت ذراعه لتلتف حول كتفيها وتشدها فوقه، وهمس في إذنها:
- قبضت عليك!
لم تحاول الخلاص لأنها شعرت براحة غريبة..أدارت رأسها لتعبر عن هذه الراحة بمعانقته.
تأوه بصوت عميق فأسرعت تبتعد عنه ولكنها لم تستطع لأنه ظل يمسك بها.
لمست خده بأصابع لطيفة:
- ميردت..ماالأمر..هل أصبت بسوء؟
لوى رأسه من جانب إلى آخر:
- آه! رأسي..لقد ارتطم بالأرض.
- ولماذا وقعت؟ ماذا حدث؟
حاولت مجدداً الابتعاد عنه ولكنه ظل يمسك بها بقوة.
قال:" لقد تعثرت ..أحد أسباب وجود غرفة نومي في الأسفل هو عدم اضطراري إلى صعود الدرج..فأنا أجد صعوبة في تحديد ارتفاع الدرجات".
- إذن لماذا صعدت ؟
ارتفعت يده إلى مؤخرة رأسها، وتخللت أصابعه شعرها ليجبر وجهها على الاقتراب منه.
في هذه اللحظة اشتعلت مشاعر ما في كيانها واندفعت الحرارة في جسمها، ولكنها قاومت هذه المشاعر.
- لا، أرجوك..دعني.
- حسناً تاي..سيكون لك ماتريدين، لن ألمسك رغماً عنك..
توقف هنية ثم أردف: استخدمي غرفة نومي أما أنا فسأتدبر أمري.
*************************
وقف ثم راح يتمتم:
- ليتني أقتل نفسي.
شعرت بالرعب عندما سمعت كلماته فوقفت هي أيضاً ومدت يديها إلى ذراعيه وهزته مؤنبة:
- ميردت..لا تقل هذا.. ليس الأمر مضحكاً..
- لم أكن أحاول أن أكون مضحكاً..كنت أفكر في الخيارات منذ أخبرني بالحقيقة عن نظري.. وكان قتل النفس أحد الخيارات.
ارتفعت يدها إلى عنقه و التفت ذراعاها حوله:
- آه! لا، لا، يجب ألا تنهي حياتك فلن أستطيع تحمل هذا..
نهرها بشدة:"ابتعدي عني فأنا لا أريد شفقتك أبداً.
وخرج أما هي فراحت تحدق إليه وهو يتوارى بين جنبات هذه الظلمة المحدقة بهما.
أحست بالدوار يلفها و بتعب شديد فنهضت و توجهت إلى غرفته والألم يعتصر قلبها.
*******************

4 - العودة إلى عرين الأسد

تراقص شعاع من ضوء الشمس عبر نافذة الغرفة الشرقية التي حولها ميردت لا يبتون إلى غرفة نوم له على جفني تاي المغمضين..
فاستيقظت للحظة..فكرت في إغماضهما مرة أخرى و العودة إلى النوم الذي كانت تتمتع به.. على أي حال لا ضرورة للنهوض هذا اليوم.. فلاضيوف في الفندق، ولن تضظر إلى مساعدة كينان في تحضير الفطور .. إذن لماذا لا تعود إلى النوم؟
أغمضت قمر الليل عينيها ومددت ساقيها.. فلدغها شيء ما في ركبتها اليمنى وكأنه دبوس مغروس فيها.
هبت من منامها وجلست بسرعة..فتذكرت ماحدث لها معها ليلة أمس وقت العاصفة وتذكرت ميردت.
نهضت عن السرير وهي تفكر فيه: أين ميردت..ترى أين أمضى ليلته؟ تذكرت كيف تبعها من مكان لآخر قبل أن يسقط عن الدرج.. فابتسمت لنفسها.
سمعت نباح الكلب في مكان ما في مؤخرة المنزل، فأرهفت السمع..أتسمع حقاً أصوات أشخاص؟ أهي آتية من الداخل أم من الخارج؟
تذكرت فجأة أن ميردت قال لها إن الزوجين ماك كاب آتيان في الصباح.. ولاشك أنهما وصلا.
ياإلهي قد يدخل أحدهما في أية لحظة ليرى ميردت ولكنه سيفاجأ برؤيتها هي وعندئذ سيسيئان الظن، ويطلقان الشائعات وهذا آخر ما تريده.
****************************

أسرعت قمر الليل ترتب ثيابها ولكنها ألقت نظرة على ركبتها اليمنى فإذا هي أسوأ حالاً من البارحة.
هبت على قدم واحدة ثم أدارت المقبض بهدوء، وفتحت و تسللت إلى الردهة، وقفت للحظات تصغي، وسمعت صوت امرأة تتكلم في غرفة ما في مؤخرة المنزل.
تحركت قمر الليل بأسرع قدر ممكن ودخلت إلى غرفة الجلوس، وهناك بدا البيانو لامعاً أما النار في الموقدة فانطفأت وعم الرماد المكان..فوق الرف الرخامي أعلنت الساعة السابعة.. وعلى أحد جانبي المدفأة ، وعلى الأريكة التي كانت جالسة عليها ليلة أمس رأت ميردت ممدداً وظهره إليها..يغط في نوم عميق، وتسألت هل توقظه أم لا.
تحرك ميردت..فهمست:" ميردت..".
- نعم.
- مدبرة المنزل هنا.. أرجوك استيقظ بسرعة واذهب إلى غرفتك.
جلس مستوياً وهو يتمتم لاعناً..رمى عنه الغطاء وأخذ الكنزة عن ذراع الأريكة وارتداها ثم أمسك حذاءه من الباب ليتسلل إلى غرفته.
كانت تاي على وشك شد مداسها العالي الساقين حين سمعت وقع خطى من الردهة، ثم اقترب الصوت من غرفة الجلوس ودخلت امرأة قصيرة ممتلئة الجسم ترتدي سروالاً بنياً وكنزة مخططة شعرها رمادي، ووجهها مستدير وممتلئ عافية.. عندما رأت تاي، اتسعت عيناها اللوزيتان من فرط الدهشة وأوقعت مكنسة السجادة الكهربائية.
- ياإلهي! من أنت؟ وماذا تفعلين هنا؟.
أقفلت تاي سحاب مداسها العالي الساقين، ووقفت مبتسمة..إنها تعرف كيف ستتدبر هذا الموقف.
قالت:" أنت بدون ريب بيلا ماك كاب، أخبرني ميردت أنك ستأتين في الصباح لتنظفي المنزل، أنا تاي داتسام.. أختي تملك فندق نورثبورت.. علقت في العاصفة حين كنت أتمشى ليلة أمس ووقعت فآذيت ركبتي.. ولهذا سمح لس ميردت بالبقاء ليلة أمس.. لم نستطع إخبار أحد أنني هنا لأن الخط الهاتفي كان مقطوعاً.. وأنا مسرورة جداً لأنك جئت..كيف حال الطرق؟".
ضاقت عينا بيلا الصفراوين بريبة و تفرست في تاي:
- تبدو سيئة.. آذيت ركبتك هاه..؟ كيف؟
- تأذت عندما وقعت، وتورمت، ولم أعد أستطيع السير جيداً..هل تعتقدين أن زوجك قادر على إيصالي بالسيارة إلى الفندق الآن أريد العودة.. فشقيقتي تكاد تجن بلا ريب من القلق.
- لا أدري إن كان قادراً الآن فهو في المطبخ يطعم الكلب.
التفتت إلى صينية القهوة وإلى الطعام الموضوع على الطاولة الصغيرة.
التقطت تاي قبعتها:
- شكراً لك..على فكرة..حساء السمك كان لذيذاً وكذلك الكايك بالشوكولا.
وبدأت تقفز على قدم واحدة نحو الباب.. ولكنها سمعت بيلا تمتم شيئاً عن النساء الفاسدات اللاتي يمضين الليل مع رجال غرباء.. أسرعت تاي نحو المطبخ بحثاً عن جوزف ماك كاب على أمل أن يكون ودوداً.
إنه رجل طويل نحيل يرتدي سروالاً من الجينز السميك وقميصاً من الصوف.. وجهه مستطيل وذقنه مدبب ولكنه لم يظهر دهشته عندما رآها..أصغى لشرحها وهو يراقبها بعينين زرقاوين بارقتين.
***************************
قال ساخراً:
- حان الوقت ليجد ميردت امرأة أخرى، فمن غير المفيد لرجل مثله أن يعيش بدون امرأة، ها أنت واثقة أنك تريدين العودة إلى الفندق؟
- كل الثقة.. يجب أن تعرف أختي أنني مازلت على قيد الحياة كما علي أن أذهب إلى المستشفى لمعاينة ركبتي.. لقد آذيتها فعلاً.. وسأكون مسرورة إن أقليتني.
- هل قلت لميردت إنك ذاهبة؟
- لا.. إنه نائم.. ولكنه يعرف أنني أريد الذهاب، لقد اقترح عليّ أن أطلب منك إيصالي.
نظر إليها مفكراً:
- من غير الصواب أن تغادري قبل أن يستيقظ، سأذهب لأخبره.
خطا خطوة إلى الباب وقال:
- لا أريد أن أسبب لنفسي مشكلة لأنني أقليتك إلى نورثبورت بدون معرفته.
- لكن سيكون كل شيء على مايرام..حقاً، أرجوك سيد ماك كاب..فلنذهب الآن..أريد العودة قبل أن تبلغ أختي الشرطة أنني مفقودة.. ولن يسبب لك هذا أية مشكلة لأنه لا يريد مني أن أبقى بل سيكون مسروراً عندما يجدني راحلة.
- هل تعرفينه منذ زمن طويل؟
- لا..منذ الأمس فقط.. طلبت منه بالأمس استخدام هاتفه، ولكنه لم يرغب في البقاء هنا، لذا لن يغضب إذا رحلت.
تنهد جوزف:" حسناً إذن.. أعتقد أن لا شأن لي بهذا".
ارتد على عقبيه، ومد يده إلى ماوراء الباب ليتناول سترته التي ارتداها وغطى رأسه، وفتح الباب الخلفي:
- الشاحنة في الخارج، سيدتي.. راقبي خطواتك لأن الدرج منزلق.
وجدت تاي صعوبة في ركوب الشاحنة الزرقاء اللون بسبب ركبتها، ولكنها استطلعت ذلك بمساعدة جوزف وماهي إلا دقيقة حتى انطلق.
خرجت الشاحنة من البوابة ثم انعطفت يميناً معتمدة انحناءة شارع بيكرنغ، وما إن غير وجهته إلى " ماين ستريت" حتى ظهرت البيوت على الجانب الآخر من الشارع.. كانت ألواحها الخشبية البيضاء تلمع إزاء الثلج الأبيض.
قال جوزف:" أعتقد أن الثلج سيزول بسرعة إن بقيت الشمس مشرقة هكذا.. الحرارة مرتفعة..هل ستقيمين طويلاً في الفندق؟".
- لا أدري.
- أنا وميردت أبناء عمة.
- حقاً؟ كيف هذا؟
- كانت أمي خادمة في المنزل في عهد جوزف لايتبون، والد والد ميردت وقد أنجبت ابنة جوزف فسمتها أمها جوزفين.. كانت أمي أخت جايسون و ميردت لايتبون من جهة الأب وهذا مايجعلني ابن عمة والد ميردت هذا، آمنت لوقت أنني سأرث الأملاك لأنني الشخص الوحيد من نسل جوزف لايتبون..أو هكذا بدا لي.
- لابد أن أملك خاب حين وجدت أن جايسون أورث كل شيء لحفيده أخيه.
- هذا ما أعتقدته حتى قابلت ميردت، قصدت المستشفى عندما كان فيها لأتأكد إن كان فعلاً من عائلة لايتبون.. وما إن رأيته حتى عرفت أننا من نسل واحد، فرغم عماه ورغم التشوه الذي أصاب وجهه كان صورة طبق الأصل من جدي أنا ومن جده الأكبر جوزف لايتبون، وهو يشبهه في أشياء أخرى.. يحب النساء ويجذبهن كما يجذب العسل النحل.. تعرفين ما أعني؟
********************************
تمتمت تاي:" أجل..أعتقد أنني أعرف".
أضاف جوزف:" حين رأيت صعوبة حالته لم أعد أشعر بخيبة الأمل لأنني لن أرث الأملاك، أعتقد أنني فهمت أنه بحاجة إلى المكان أكثر مني..كان بحاجة إلى مكان يذهب إليه..بيت يختبئ فيه حتى يسترد عافيته..فكان أن رتبت أمر مجيئه إلى هنا، ثم رحت أعتني به أنا وبيلا كما كنا نعتني بجايسون لايتبون".
- إنه لطف منكما.
- هذا أقل ما أقدمه لشخص من لحمي ودمي.. أنا لا أحب من لا يساعد أفراد عائلته.
- لكنني أعتقد أن هناك شخصاً ما عاش معه حين جاء، أخبرتني أختي أن امرأة أقامت معه فترة.
رد بصوت ملؤه الاحتقار:
- تلك الساقطة! لقد ظهرت بعد انتقاله إلى هنا، يبدو أنها كان صديقته مرة على أي حال ، أقامت معه فترة ..لا أعرف ماذا حدث ولكنهما تشاجرا يوماً ورحلت، أظن أن ميردت لم يرغب أن تعيش معه.
- لا يبدو سعيداً جداً بما أخبره به الجراح عن نظره.
- وهل أخبرك عن هذا؟ يبدو أنه مال إليك إذن لأنه لايتحدث عن مشاكله مع أحد.
سمعت قمر الليل صوت المكابح وتوقفت السيارة أمام مفترق الطريق.. انعطف جوزف بالسيارة إلى شارع تحف به الأشجار وماهي إلا لحظات قليلة حتى أوقف الشاحنة أمام أكوام الثلج على مدخل الفندق.
قالت:" أشكرك لأنك أقليتني".
- أهلاً بك.. اعتني بنفسك.
ترجلت من الشاحنة ولوحت له مودعة، ثم أخذت تعرج في الطريق الداخلية الضيقة التي نظفها أحدهم من الثلج حتى باب الفندق، ودخلت إلى الردهة المكسوة الجدارن بالخشب، وأطبق عليها دفء المكان وجعلها تحس بالترحاب.
نادت قمر الليل:" كينان..كينان..لقد عدت".
خرجت كينان مسرعة من المطبخ:
- شكراً لله، شكراً لله لأنك حية! أين كنت؟ ماذا حدث؟ مرضت من شدة قلقي عليك.. ولم أنم لحظة ! خرجنا أنا وشاركي لنبحث عنك.
ولكن العاصفة كانت سيئة فعلقت سيارته بنا ونحن في الطريق إلى المنارة فاضطررنا للعودة سيراً، آه! لا أعرف ما كنت سأفعل لولا بقاؤه معي!
- أنا آسفة..عرفت أنك ستقلقين، لكنني لم أستطع فعل شيء، أتري؟ لقد آذيت ركبتي ولم أستطع السير، وكان هاتف ميردت لايتبون معطلاً..لذا لم أستطع السير، وكان هاتف ميردت لايتبون معطلاً..لذا لم أستطع الاتصال بك.
- ميردت لايتبون؟ كنت في منزل لايتبون؟
- أجل، كنت قريبة من منزله عندما وقعت وآذيت ركبتي..وكان المكان الوحيد الذي أستطيع اللجوء إليه، لو كان لديه سيارة لحاولت الرجوع، لكنه لايملك سيارة لأنه لا يرى.
- إذن كيف جئت إلى هنا الآن؟
***************************

- أقلني جوزف ماك كاب الذي يعمل عند ميردت.
تأوهت كينان:
- أوه..ياإلهي! سينتشر الخبر في كل القرية بأنك أمضيت الليل مع ميردت لايتبون.. وسيظن الناس بك أسوأ الظنون.
- حسناً.. لم أستطع تجنب هذا ولم أسمع إلى أن أعلق في منزله بسبب العاصفة.
- أعرف هذا.. تعالي إلى المطبخ لتناول الفطور و أخبريني ما خطب ركبتيك.
ضمتها بحنان وتابعت:
- أوه..ليس لديك فكرة عن مدى شعوري بالراحة لرؤيتك! كانت محنة لك بلا ريب كما كانت لي، أرجو أن يكون ميردت لايتبون قد أحسن أدبه معك و عاملك معاملة لائقة.
- عاملني بفظاظة في البداية، ولم يسمح لي بدخول منزله لاستخدام هاتفه.. ولكن عندما أدرك أنني فعلاً مصابة أصبح من مهذب.
عرفت تاي ولحقت بكينان إلى المطبخ، وهناك في المطبخ وقف الرجل الرمادي الشعر وصاحب الوجه النحيل.
وقالت كينان بشيء من الخجل:
- تاي.. أريد منك أن تتعرفي إلى شاركي سوبر.
قال شاركي وهو يصافح تاي:
- تسرني سلامتك..كنا نفكر في إخطار الشرطة بأنك مفقودة.. أعتقد أنني قادر الآن على الذهاب إلى فناء المراكب..فقد آن لي أن أبدأ بالعمل.
تورد وجه كينان:
- أجل..أجل..بكل تأكيد .
مدت تاي ساقها اليمنى أمامها.. وأضاف شاركي:
- سأعود مساء..لنتكلم عن هذه الخرائط.
- شكراً شاركي.. وشكراً لك لأنك بقيت معي.
نظر إلى كينان نظرة لم تستطع تاي تجاهلها لأنها ذات مغزى.
- في أي وقت..أراك فيما بعد.
أقفلت كينان الباب وراءه بهدوء، ثم ابتسمت لنفسها واتجهت إلى الطباخ لتشعل أحد رؤوسه وباشرت بوضع الزبدة في مقلاة، ثم سألت:
- أتأكلين البيض؟
- قد آكل منزلاً، هل من قهوة؟
- بالتأكيد.
تقدمت كينان لتصب القهوة في الكوب لأختها، ثم عادت إلى الطباخ.
قالت تاي:" إنه لطيف..".
ردت كينان وهي تصب المخفوق في المقلاة:
- من؟ ميردت لايتبون؟
- لا أيتها الحمقاء..بل شاركي سوير.. هل تحبينه؟
ردت كينان ببطء:
- لا أعرف..قد أحبه، ولكننا الآن مجرد صديقين.
- هكذا يجب أن تبدأ كل العلاقات الرومنسية.. بالصداقة.
سخرت كينان منها:
- أوه..اسمعوا من يتكلم! هل تتكلمين عن تجربة؟ أم من خلال ما قرأت من قصص غرامية مؤخراً؟ أخبريني عن ركبتك.
فهمت تاي أن كينان لا تريد مناقشة أمر صداقتها بشاركي سوير فأغرقت بالحديث عما أصاب ركبتها، ثم قررتا الذهاب إلى القسم الخارجي في المستشفى ما إن تنهي طعامها وتغير ملابسها.
*****************************
أخذتها كينان بسيارتها إلى المستشفى، حيث فحصها الطبيب المناوب وطلب صورة أشعة لركبتها.. وأظهرت الأشعة شقاً برفع الشعرة قال الطبيب إنه سيشفى بسرعة طالما لا تسير على قدمها اليمنى كثيراً.
قال:" سأضع لك جبساً لئلا تحركيها..لكن إن كنت مستعدة لإطاعة تعليماتي فلا ضرورة إلى هذا، أريحيها قدر المستطاع، وإذا اضطرت إلى السير استخدمي عكازاً..عودي بعد أسبوع لألقي نظرة عليها".
سرت قمر الليل لأن إصابتها غير خطيرة..بعد ذلك ذهبت مع أختها إلى الصيدلية المحلية فاستأجرت عكازين طبيين، ثم عادتا إلى الفندق.
مرت الأيام ببطء وبدون أحداث تذكر، في البداية سرت تاي بالاستلقاء في الصالون وساقها مرفوعة و لتسلي نفسها راحت تقرأ أو تعزف على الكلارنيت.. وكانت أختها تجالسها حين تكون غير مشغولة بالطبخ للزائرين المحليين الذين يأتون خلال الأسبوع للغداء أو العشاء في مطعم الفندق.
لكن مع مرور الوقت أصبحت أقل اهتماماً بالقراءة، ووجدت نفسها غارقة بالتفكير في ميردت لايتبون الذي بدأ يغزو عقلها وكيانها كله.
كيف هو؟ ماذا يفعل؟؟ هل ستراه مجدداً؟ هل يفكر فيها و يتساءل عما إذا كان سيراها مجدداً؟
لاشك أنه نسي كل شيء عن تلك الغريبة التي أوت في منزله ليلة.. بل لربما نسي أنها باتت في منزله.. ويجب أن تتعلم هي كذلك أن تنسي.
ولكن هل هي قادرة على نسيانه؟ أو نسيان ذاك التجاذب الذي شدها إليه بشكل غريب؟
آه يجب أن تنسي..يجب..أم لعلها ستعود إليه راكضة ما إن تشفى ركبتها؟
نادتها كينان من الطبخ :" تاي..؟ اتصال هاتفي لك، استخدمي الجهاز الآخر عندك".
- لي أنا؟
فجأة عرقت يداها وارتجفتا واحترقت وجنتاها..أيكون ميردت هو المتصل أخيراً؟ أتراه يريد أن يسألها عن سبب رحيلها قبل أن يراها؟
- من المتصل؟
- دون بور تلاند.
كانت خيبة الأمل موجة باردة طافت فوقها، مدت يدها إلى الهاتف والتقطت السماعة لتتكلم.
قال دون إنه يتصل بها ليذكرها أن المجموعة الموسيقية ستلتقي في منزله ذلك المساء وإنه سيكون مسروراً بحضورها ووعدته تاي بهذا، فشكرها و أنهى المكالمة.
أقلتها كينان إلى منزل بورتلاند وهو منزل على شكل كوخ في شارع باي الشرقي يطل على مصب النهر وعلى التلال الخضراء القريبة من الشاطئ.. في غرفة الجلوس شاركت تاي مقعداً مزدوجاً مغطى بالمخمل مع شاب اسمه كرايغ روغان يعزف " الشيلو".
قال دون:
- الليلة أحب أن نناقش مستقبلنا..آمل أن تتمكن العضوة الجديدة من تقديم بعض الأفكار و البدائل، وأنا مسرور بأن أخبركم أننا وجدنا عازف شيلو أخيراً، وبه يكتمل القسم الوتري من الفرقة..وبهذا تكون على استعداد لتقيم حفلة موسيقية في الشهر القادم، أي في أول حزيران.
******************************

وهذا يعني أن أمامنا شهراً فقط للتمرين وعلينا في هذا الوقت إيجاد مكان مناسب للحفلة..لقد تفقدت الكنائس الثلاثة في القرية ولكنني لم أجد أياً منها.
تبع هذا النقاش طويل و سأل أعضاء الفرقة دون أي نوع من الأماكن يراه موقعاً ممتازاً للحفلة، عندما كانت تصغي وجدت تاي أنها تذكر الغرفة الطويلة و النوافذ الطويلة التي تتفتح على الشرفة المطلة على الخليج و التلال الكندية.. ما إن توقف النقاش قليلاً حتى مالت إلى الأمام تقول:
- في منزل لايتبون بيانو "شينواي" كبير وجميل.. وفيه أيضاً غرفة طويلة هو الكراسي للمستمعين.
نظر دون إليها بحدة من عينين بنيتين صغيرتين:
- هل رأيتها؟ هل كنت في ذلك المنزل؟
- أجل.. كنت هناك.. أظنه مكاناً رائعاً لإقامة حفلة موسيقية.. في الواقع بسبب كل تلك الغرف و بسبب الأرض المحيطة، يمكن تطوير المكان وجعله مركزاً ثقافياً صيفياً.
- تقصدين شيء مثل مركز "وولف تراب"؟
مال جاد باشيمو إليها وعيناه تبرقان بحماس:
- هذا ماكنت أحلم به لمثل هذا المنطقة، ولهذا بدأت بتجميع المجموعة الموسيقية.
هزت تاي رأسها:" أجل، شيء مثل "وولف تراب".
تعرف جيداً المركز الذي يقدم الفنون التي يعود ريعها للوطن، والواقع أنها عملت هناك مع برنابي في أحد مواسم الصيف في أوركسترا للآلات النفخية.
قال فايكلاند:
- ولكن الأملاك في بيكرنغ بوينت هي سكن خاص، أما الرجل الذي يملكها فشخص لا يمكن الاقتراب منه في الوقت الحاضر..لا أتصور ميردت لايتبون يسمح لأي منا بدخول المكان، إنه منعزل كلياً عن العالم.
نظر إلى تاي باستغراب:" كيف تعرفين شكل المكان في الداخل؟".
ردت قمر الليل ببرود:
- كنت هناك يوم الاثنين الماضي.
سألت كولييت ليستر وهي عضو جديد في المجموعة:
- ميردت لايتبون؟ هل هو الرجل عينه الذي صور الفيلم الوثائقي عن القتال في الشرق الأوسط؟ ذلك الذي فاز بجائزة أفضل فيلم وثائقي إخباري منذ بضع سنوات؟
قال تود:" هو نفسه".
صاحت كولييت بانفعال:
- لم أعرف أنه يعيش في نورثبورت..
ارتدت نحو تاي:
- هل تعرفينه جيداً؟
- لا..لا أعرفه جيداً.
قالت شيلا فايكلاند:
- أوه.. عنت لي فكرة عظيمة..إن استطعنا إقناع ميردت لايتبون بتقديم المكان لنا فقد يستطيع أن يصور الحفلة لتبث عبر شاشة التلفزيون.
************************

قال زوجها : إنه أعمى.. وقد ولت أيامه.. من الأفضل أن ننسى الفكرة..فكما قلت إنه رجل منعزل كثيراً.
نظر جاد إلى تاي:
- لا ضرورة من سؤاله.. أنت تعرفينه، فهل أنت على استعداد لتسأليه؟
نظر دون إليها أيضاً بلهفة و أمل:
- هل تكلمينه؟ فمن خلال ما قلته لنا يبدو لي المكان مثالياً.
- أعتقد أنني أستطيع الذهاب لرؤيته.
قال جاد بحماس:" عظيم".
سألت قمر الليل :" لكن..متى تريدون نعرفة الجواب؟".
- قبل نهاية الشهر طبعاً.. ولكننا في هذا الأثناء سنتابع التفتيش عن مكان مناسب آخر .. والآن قبل التمرين.. أرغب في مناقشة أمر إضافة القطع الجديدة التي تشملك تاي و تشمل كولييت.. لديكما بكل تأكيد قطعاً موسيقية مفضلة مكتوبة للآلات النفخية تحبان عزفها بمصاحبة بيانو أو آلة وترية.
مضت الأمسية في الحديث و العزف، خلالها قدمت زوجة دون القهوة و الكايك وقبل منتصف الليل غادر الجميع وكان أن أقل جاد ياشيمو تاي بسيارته.
ما إن دخلت إلى الفراش، حتى استلقت مستيقظة تتساءل عنا زجت به نفسها عندما عرضت أن تسأل ميردت ما إذا كان راغباً في تقديم غرفة الجلوس في منزله للفرقة الموسيقية.. من أين أتتها الفكرة؟ هل أوحى لها بهذه الفكرة عقلها الباطني لتتخذ من الأمر حجة حتى تراه مجدداً؟
لكنها لن تستطيع هذا.. لن تستطيع الذهاب إليه وطرح السؤال عليه وجهاً لوجه لذا ستتصل به أولاً..
في الأيام التالية ظلت مترددة وكانت تحفظ عن ظهر قلب ما ستقوله له.. ولكنها كلما التقطت السماعة خانتها شجاعتها فتعدل عن الأمر.
زارت المستشفى لتعاين ركبتها مجدداً وبعد صورة أشعة أخرى تبين لها أنها تتحسن بشكل جيد، ونصحها الطبيب بالسير عليها على ألا ترهقها بالسير كثيراً.
مرت أيام أخرى وحلت نهاية أسبوع، ومعها جاء الزائرون إلى الفندق .. وفي هذا اليوم جاء دون وجاد فسألاها ما إذا اتصلت بميردت لايتبون، ترددت قمر الليل في الإجابة ثم وعدتهما بالاتصال به غداً.
وجاء الغد وظلت مترددة.. عندئذ أسرت لكينان بمسألة الذهاب لسؤال ميردت عما إذا كان يرغب في تقديم غرفة الجلوس في منزله للفرقة.
قالت كينان ساخرة:
- أنت مترددة لأنك خائفة من الذهاب إلى الأسد في عرينه..لماذا أنت خائفة منه؟
- أنا لست خائفة منه.. لكنني لا أريد أن يعتقد أنني أحاول الاستفادة من تعارفنا القصير..آه! ليتني لم أقترؤح هذا..لماذا أقحمت نفسي بهذا كينان؟ لماذا أزج نفسي دوماً في مواقف مربكة؟ لماذا لا أتعلم إطباق فمي؟

- لأنك متهورة وكريمة و لأنك تظنين دائماً أن بإمكانك المساعدة.
نظرت كينان إلى أختها باستغراب:
- ربما تريدين في عقلك الباطني مساعدة ميردت لايتبون و إخراجه من عزلته يجعله يهتم بالمجتمع الذي جاء ليعيش فيه، فطالما ساعدت الكلاب المصابة.
****************************

- أجل..هذا صحيح.. وسيكون هذا جيداً له لأنه سيمنحه ما يفكر فيه بدل التحسير على إعاقته، سأتصل به الآن.
سخرت كينان: هذه أختي التي أعرفها، إنها لا تخاف رجلاً ولا وحشاً..تذكري..لن يستطيع أن يعضك عبر الهاتف..يمكنه فقط أن يزأر.. وإن فعل، يمكنك إقفال الخط و المحاولة مرة أخرى حين يكون أكثر رقة، وفي مزاج غير منعزل كثيراً.
لم تستطع تاي الوصول إلى ميردت حتى وقت متأخر من بعد الظهر..ثم رن الهاتف ست مرات قبل أن يرد.
- آلو..من المتكلم؟
صوته أجش وفاتر، بذلت جهدها لئلا تشعر بالأحباط.
- ميردت..أنا تاي.
سأل بحدة:"من؟".
آه! ياإلهي..لقد نسيها!
- تاي داتسام..ألا تذكرني؟ علقت في منزلك يوم العاصفة الثلجية منذ أسبوعين..واضطررت إلى قضاء الليل في منزلك.
ران صمت طويل على الجهة الثانية من الخط..صمت طويل.. فبدأت تتساءل عما إذا كان معها على الخط وعندما تكلم أخيراً، قال بصوت منخفض رقيق:
- أذكر..أذكر أنني استيقظت ولم أجدك..ماذا تريدين؟
قالت:" لي عندك طلب".
ابتلعت ريقها.. فلسبب ماكانت حنجرتها جافة جداً.
كرر بصوت أجش:
- طلب؟ لنفسك؟ ماذا تريدين؟ مالاً؟
-آه!لا..لا! كيف لك أن تفكر في هذا؟ يالعقل كهذا! إنك شخص كثير الريبة..ليتني لم أتصل بك..
قاطعها بفظاظة:
- لماذا لا تقفلين الخط إذن..سأقفله أنا.
سمعت طقطقة في الجهة الثانية من الخط، وران الصمت.. أعادت السماعة بغضب إلى مكانها ونظرت إلى الهاتف للحظات وراحت تنعت ميردت لايتبون بشتى الأسماء البذيئة التي طالعتها، ثم وقفت وتوجهت الى المطبخ حيث كانت كينان تعجن الخبز للعشاء.
- أقفل الخط في وجهي.. ظن أنني سأطلب منه مالاً! آه! لم ألتق قط شخصاً مثيراً للسخط مثله..
سألت كينان بطريقتها الهادئة:
- وماذا ستفعلين الآن عن الأمر؟
- لا.. أبداً!هلا أعرتني سيارتك لأذهب إليه.. سأكلمه وجهاً لوجه.
- هذا جيد لك.. أما السيارة فاستخدميها ياأختي متى أردت.
لقد ولى شهر أيار وحل شهر حزيران الذي قلب حال حدائق المنازل بشكل عجيب، فهاهي أزهار النرجس و الزنابق تتهادى مع النسيم القادم من البحر، وبدأت براعم كل الأزهار تخرج إلى الحياة من جديد.
كانت طريق منزل لايتبون الداخلية تلمع كالذهب في الأماكن التي تمكنت الشمس فيها من اختراق الصنوبر وبدا المنزل ذاته مشرقاً بسبب انعكاس أشعة الشمس عليه و مختلفاً جداً عن آخر مرة رأته فيها.
ارتقت قمر الليل الدرج العريض القصير ثم رنت جرس الباب..من الداخل سمعت نباح كلب، ثم سرعان ماتوقف، لكن الباب لم ينفتح، فرنت مرة أخرى فتعالى النباح من جديد ولم ينفتح الباب.
**********************

تمتمت قمر الليل لنفسها:
- ميردت لايتبون.. لايمكن أن تخدعني.. أعرف أنك هنا.
لم يكن الباب الأمامي مقفلاً بالرتاج لذا تمكنت من دفعه لينفتح، إنما بحذر شديد لئلا تثير كولت عليها.. ولكن ويالدهشة لم تجد الكلب في الردهة، وتمكنت من الدخول دون إعاقة.
أغلقت قمر الليل الباب وراءها بهدوء ثم وقفت لبضع لحظات وهي تصغي..كان المنزل مقارنة بالمرة الماضية غارقاً بالأنوار وهو صامت صمتاً مطبقاً فلا ريح تئن ولا حطب تتآكله النيران.
نادت:" ميردت..ميردت..هذا أنا ..تاي".
جاءها صوت عواء الكلب من مؤخرة المنزل لكن كولت لم يظهر في الردهة، فظنت أنه محبوس في المطبخ لذا ينبح.
لم تسمع رداً على ندائها، فتحركت نحو مدخل غرفة الجلوس الكبيرة..كانت أشعة الشمس تتدفق من النوافذ الغربية، وتلمع على الخزائن الزجاجية وعلى البيانو المشع بلون وردي.. وكانت الأرض السنديانية الخشب تلمع بلون بني ذهبي.. وبدا رخام المدفأة شاحباً.
أحست تاي أكثر من ذي قبل، أن الغرفة الرحيبة الأميقة موقع ممتاز لحفلة موسيقية صغيرة.. وكادت تسمع صوت البيانو والآلات الوترية وهي تعزف موسيقى"براهمز" وهي تعزف على الكلارنيت.
لم يكن ميردت في الغرفة، بل لم تجد مايدل على أنه دخل إليها هذا اليوم..كانت نظيفة لاغبار عليها.
نادت حين عادت إلى الردهة:
- مرحباً..ألا أحد هنا؟

***********************
نبح الكلب من جديد.
كان باب غرفة ميردت مقفلاً..أتراه فيها؟ دنت تاي من الباب تدقه بحدة، ثم أدارت المقبض ودفعت الباب لتنظر إلى الداخل فإذا السرير مرتب و الأثاث نظيف وميردت غير موجود هناك.
أقفلت الباب وتسمرت مرة أخرى، ثم سارت في الممر إلى المطبخ.. فنبح الكلب وسمعته يضرب بمخالبه الباب من الناحية الأخرى فدقت الباب بيدها.
- ميردت لايتبون..هل أنت هنا؟
نبح الكلب لأنه غير قادر على الخروج من المطبخ.. ولم يجرؤ على فتح الباب خشية أن يقفز كولت عليها، شعرت بالإحباط وبدأت تعود أدارجها..ثم فجأة انفتح باب المطبخ، وظهر ميردت فيه مشعث الشعر يخبئ عينيه المحاطتين بظلال سوداء.
قال بقسوة: ياإلهي! ألا تتراجعين أبداً؟ لماذا جئت إلى هنا؟ ماذا تريدين الآن؟
رأته ..طويلاً..عريض المنكبين يرتدي كنزة وسروالاً من الجينز فأثر منظره عظيم الأثر فيها.. أحست قمر الليل فجأة وكأن ساقيها أصبحتا رخوتين، فوضعت يدها على الجدار لتدعم نفسها.
همست: جئت..أراك وأسألك ماكنت سأسألك إياه عبر الهاتف..لكنك ..أقفلت الخط بوجهي.
تحرك فجأة وأقفل باب المطبخ وراءه، فأنّ الكلب لأن سيده ابتعد عنه.
بعدما أقفل الباب عاد الممر إلى ظلمته أما ميردت فدنا منها، ثم توقف أمامها ورفع يده ليلمس وجهها..ثم تحركت أصابعه إلى صدغها، ثم اندست في شعرها.
************************
تمتم بصوت غريب ونظر إليها عبر نظارته السوداء:
- أنت حقيقية إذن.
أخذت أصابعه الحرية في مداعبة خصل شعرها الحريري ثم تعمقت فيه، تشده وكأنها لا تشبع منه.
قالت بصوت مرتعش:" أجل ..أجل..أنا حقيقية". بدأت مشاعر غامضة تتسابق في أعصابها، وسرت الدماء حارة في قلبها، فردت:
- آه..أجل..أنا حقيقية..حقيقية جداً.
رفعت نفسها إليه ووضعت يديها على صدره، ثم رفعتهما إلى كتفيه..وارتفع وجهها نحوه بملء إرادتها.
*********************

5- تعالي إلى الظلام

تعانقا بلهفة وكأنهما حبيبان طال فراقهما، وتدفق الهيام الحار بشراسة في شرايينهما..في تلك الزواية المظلمة من المنزل الصامت، تعلقا ببعضهما بعضاً، ومضت لحظات لم يعيا فيها الزمان أو المكان.. بل وعيا وأحسا فقط ببعضهما بعضاً.
لكن عندما أسندها ميردت إلى الجدار، قاومت تاي لتطفو فوق أمواج المشاعر التي كانت تغمرهما.
همست قمر الليل ويداها تلتفان حول معصميه في جهد:
- لا..لا.. أرجوك انتظر! أنا لم آت لأغويك بل جئت أسألك..
انقطع كلامها بوحشية لأنه ضمها إلى صدره بقوة وبدا لها أن ظلاماً مثيراً بدأ يستولي عليها، فكبت كل أفكارها العاقلة، وتوقفت عن أن تكون إنسانة مسيطرة على مصيرها، لتصبح مخلوقة محكومة بالمشاعر و الأحاسيس تحت رحمة يدي ميردت.
همس في أذنها بأنفاس مقطوعة:
- الآن عرفت أنك حقيقية..لم أكن متأكداً..ظننت أنني حلمت أن امرأة جاءت إلى عتبة داري وقلبت كياني كله ولكنها رحلت كالطيف.. اعتقدت أنني أتخيل مرة أخرى، لهذا أقفلت الخط.
ضحك برقة وأنفاسه تدغدغ أذنها:
***************************

- لكن هذا ماحصل، نعم جئت إلى هنا، وأعرف الآن أنك امرأة حقيقية ، امرأة من لحم ودم..وأنك لست شبحاً كما في تلك القصيدة,
أبعدها عنه وهو يمسك ذراعيها:
- لماذا تركتني قبل أن أستيقظ ذلك الصباح؟ لماذا رحلت؟
- لقد أيقظتك، وانتقلت إلى غرفتك.. والحقيقية أنني لم أرغب أن يجدني الزوجان ماك كاب في غرفة نومك.
نظرت قمر الليل إليه خائفة من تصرفاته قليلاً..هل هو مجنون حقاً؟ هل اختل عقله بسبب بقائه وحيداً؟
أضافت: كان عليّ العودة إلى الفندق في أسرع وقت ممكن لأطئمن أختي..وكان من الأفضل أنني غادرت.. الأترى هذا ميردت؟
قال بمرارة:
- أنا لا أرى كثيراً.. لم كن واعياً عندما انتقلت إلى غرفتي ..ولكن لمن؟ لم يكن أفضل أمر لي.. أما الآن فلن أدعك تتركينني مجدداً.
- لكنك لا تستطيع إجباري على البقاء إن كنت غير راغبة في ذلك.
- بل سترغبين .. وسأتأكد من هذا.
شدها إليه، لكنها أشاحت بوجهها بسرعة جانباً متجنبة إغواءه.
همست قمر الليل:
أرجوك..أرجوك.. تصرف بتعقل، لقد جئت في الواقع لأطلب منك خدمة ، أريد أن أكلمك عن غرفة الجلوس في دارك.
ألهاه ذكر الغرفة عنها، فهوت يداه عن ذراعيها وارتد عنها.
- حسناً فلنتكلم.
جلست على الأريكة أما هو فوقف قرب المدفأة وذراعه على رفها الرخامي واستدار ليواجهها.
- إذن ماهي تلك الخدمة التي تريدينها؟
جال بصرها في الغرفة وكأنها تفتش عما يلهمها الكلام.. توقفت أمام البيانو معجبة بلونه الوردي و بأناقة تصميمه..بدا لها أن أحداً ما كان يعزف عليه لأنه كان مفتوحاً..أتسعت عيناها قليلاً..فثمة شيء ما على كرسي البيانو..غيتار كلاسيكي وهو جديد.
سألت بلهفة:" من أين جئت بالغيتار؟".
- طلبت من جوزف أن يشتريه لي من " بانغور"، فقد أثرت بي نصيحتك كثيراً.
ارتدت قمر الليل تنظر إليه مجدداً:
- وهل كنت تعزف عليه؟.
- كنت أحاول.
همست:" ما أشد سروري".
ثم أردفت بسرعة:
- عندما كنت هنا أخبرتك عن المجموعة الموسيقية التي تأسست في نورثبورت.
عبس:" وهل أنت عضو فيها؟".
- أجل..أنا الآن عضوة فيها..
- إن جئت إلى هنا لإقناعي بالانضمام إليكم فانسي المسألة.. لأنني لن أجعل من نفسي غبياً أمام الموسيقين الآخرين.
- لن أطلب منك الانضمام..لأنهم لا يقبلون إلا العازفين المحترفين وهم الآن مستعدون لإقامة حفلتهم الأولى لكنهم لا يجدون مكاناً مناسباً.
صمتت وراحت تدرس وجهه، أيصغي إليها أم يشعر بالضجر من كلامها؟
***************************

أردفت قمر الليل:" على أي حال.. أخبرتهم عن هذه الغرفة و البيانو".
قال بحدة:" حقاً؟ ولماذا؟".
- لأن ..لأنني لم أستطع منع نفسي من التفكير في أنها موقع مناسب للحفلة الموسيقية ، ودون..إنه دون بورتلاند عازف الكمان الشهير المتقاعد الآن.. طلب مني أن أسألك ما إذا كنت على استعداد لإقراضنا الغرفة للحفلة.
صمتت مرة أخرى، فلاحظت بسرعة القسوة التي علت وجهه ثم أردفت بصوت ضعيف:
- هكذا..ها أنذا هنا، أسألك، هل تقرضهم الغرفة ميردت.. أرجوك؟
- أهذا هو السبب الوحيد الذي دفعك للاتصال بي ولهذا جئت إلى هنا؟
همست:" أجل..إنه السبب الوحيد".
لم يحرك ساكناً للحظات، ولم يقل شيئاً..فجأة ابتعد عن المدفأة ودنا من البيانو وقف هناك لحظات وظهره إليها راح يمرر يده على طرف البيانو، ثم استدار ببطء واستند إلى حنية البيانو.. وفمه مشدود في خط متجهم.
قال بصوت أجش:" ألهذا فقط جئت؟.. اغربي عن وجهي".
هبت واقفة وصاحت بعجز:
- ليتني ما جئت إلى هنا.. ليتني ماجئت؟ عرفت أنك هكذا!
ارتدت عنه واتجهت نحو الباب:
- تاي.. لا، لا تذهبي.
سار نحوها ليلحق بهل، فتوقفت وانتظرت حتى وصل إليها.
- سأعود إلى نورثبورت لأخبر رفاقي الموسيقين أنني طلبت منك إعارتهم الغرفة و أنك رفضت.
رد ببرود:" لكنني لم أرفض..بل قد أوافق على أن يقيموا حفلتهم الأولى في هذه الغرفة.. والأمر وقف عليك".
دهشت:" وكيف؟".
- كنت أفكر في النصيحة الأخرى التي نصحتني بها تلك الليلة غير مسألة الغيتار.
همست قمر الليل:" أية..أية نصيحة؟".
- نصيحة الزواج، اقترحت أن عليّ الزواج و إنجاب الأولاد لأن ذلك سيعطيني سبباً أعيش من أجله..ألا تذكرين؟
- بلى أذكر.
- حسناً وجدت أنك على صواب..يجب أن أتزوج..إذا واقفت على الزواج بي ما إن نحصل على الترخيص أوافق على إقامة الحفلة في هذه الغرفة.
تمتمت بذهول و الصدمة تصعقها:
- هذا.. إنه.. أنت مجنون! لا يمكن أن نتزوج.
- ولم لا؟ نحن راشدان و نتمتع بحرية التصرف.. فمن يستطيع منعنا؟
- لكن..نحن لسنا.. نحن غير متحابين..أنا لا أحبك..وأنت لا تحبني.
- إذن ماهو بحق السماء هذا الذي بيننا؟ لماذا تشتعل قلوبنا وجوارحنا كلما التقينا؟
- إنه..ليس الحب..ليس الحب، إنه مجرد افتتان لن يدوم، وهذا ليس سبباً للزواج.
*************************

قال من بين أسنانه:
- من يقول هذا؟
- أنا أقول ذلك.. أنا ..لن أستطيع الزواج بك..لأنني ..لا أحبك.
- لا تبدين واثقة من هذا.
تغير مزاجه مجدداً، واسترخت يداه و ارتفعتا إلى كتفيها وعنقا..فجاءت الاستجابة من أعمق كيانها ؟أقوى من إرادتها.
وتأوهت و أغمضت عينيها احتجاجاً على مثل هذا الاضطراب الساحر.
قال و أنفاسه على خدها:
- تزوجيني تاي.. وعيشي معي هنا، واجلبي جميع الموسيقيين في العالم ليعزفوا هنا ساعة تشائين، تزوجيني ليصبح هذا المنزل منزلك فتفعلين به ما تشائين.. وسترين كم سأكون كريماً.
همست قمرالليل: فقط عندما تريد شيئاً..آه..دعني.. لا أستطيع التفكير السوي و أنت تضمني هكذا..
تمتم:" لا تفكري إذن.. أشعري فقط و قومي بماتشعرين أنك تريدين القيام به.. ولنستفد بأكبر قدر ممكن من هذا التجاذب الغريب القائن بيننا..افتتان، حمى الربيع، سمه ما تريدين..إنه موجود، وهو جيد.. جيد جداً".
لف الظلام تفكيرها مجدداً.. وأدار سحر أسود رأسها.. إنه مصيب، وهذا جيد..وهي تتوق إلى قضاء العمر معه.. ولكن صوتاً غريباً تسلل إلى عقلها وكأنه نور رمادي بارد بدد الظلمة الدافئة و أظهر لها المخاطر المتوارية إن تزوجته.. فتحت عينيها و أبعدت وجهها عن كتفه ودفعته عنها.
صاحت قمر الليل:
- لا..لا ، لا أستطيع الزواج بك، أنت لست طبيعياً..لا..لاأستطيع الزواج بك! أنا خائفة من الزواج بك.
- خائفة؟ ولماذا بحق السماء؟
- لأنك ..لأنك تمتلك القدرة على..أن ..أن..
صاح: أن ماذا؟ ما الذي لدي القدرة على فعله..
لكنها لم تستطع أن تقول له القدرة على تحطيم قلبها..فهو في يوم من الأيام وبعدما يتغلب على إحباطه و غضبه بسبب إعاقته، قد يندم على زواجه بها و يرغب في حريته.
صاحت بجنون:" لاشيء..لاشيء!".
سحبت نفساً عميقاً محاولة السيطرة على نفسها:
الرد هو لا ميردت.. لن أتزوجك..حتى لمساعدة الموسيقيين..سأذهب الآن، أعتقد ..أعتقد..أنك لا تريد مني أن أبقى ..وداعاً.
ارتدت على عقبيها عائدة أدارجها أما هو فلم يلحق بها..فتحت الباب وخرجت إلى أشعة شمس الربيع الدافئة و اتجهت إلى سيارتها..إلى مقعد السائق..كانت تتحرك كأنسان آلي لا مشاعر له..لكن يد الإنسان الآلي لا ترتجف عادة حين تشغل مفتاح المحرك.. والإنسان الآلي لا يبكي دموعاً مالحة كما بكت وهي تقود في ممر المنزل الداخلي.
لم تشعر قط بمثل هذه المشاعر بعد افتراقها عن برنابي.. الآن تشعر بأنها منقسمة إلى شقين، شق منها يتوق للعودة إلى ميردت لشرح ما كانت تقصده بقولها عندما رفضت الزواج به لأنه غير طبيعي وهو شق يدفعها إلى خذه بين ذراعيها، وشق آخر يريد منها الابتعاد قدر المستطاع عنه.. ولاختباء في زواية من مكان ما حتى تخف آلام إيلامها له.. حتى تنساه، وينساها.
*******************

آه..ياإلهي! هل سأتمكن يوماً من نسيانه أو نسيان ذلك التعبير الذي لاح على وجهه حين قالت إنها لن تستطيع الزواج به لأنه غير طبيعي؟ كانت قاسية، ظالمة، مع أن نيتها غير ذلك أبداً..فقد قصدت أنه ماكان ليطلب الزواج بها لو كان بصيراً غير أعمى..إنها تحاول منعه من ارتكاب غلطة قد يندم عليها فيما بعد، آه..كم تأمل أن يفهم و يسامحها على ماقالت!
صاحت كينان وتاي تدخل المطبخ:
- يا الله ..ماذا بك؟ تبدين وكأنك رأيت نهاية العالم! هل تشاجرت مجدداً مع الأسد؟ وهل عضكم؟
انهارت تاي على كرسي قرب الطاولة:
- ما كان عليّ الذهاب إليه..آه كينان، لقد خلقت مشكلة رهيبة.
- أظنه رفض..هل كان فظاً معك؟
نفخت أنفها وهي تتابع النحيب:
- أجل.. ولا طلب مني الزواج .
أوقعت كينان الملعقة الخشبية في وعاء الطبخ وارتدت لتنظر إلى أختها بعينين متسعتين.
- ماذا؟ أنت تمزحين!
- لا..لا أمزح، قال إنه سيسمح للفرقة باستخدام غرفته إذا وافقت على الزواج به.
- إنه مجنون!
- هذا صحيح..إنه نصف مجنون لأنه لا يرى جيداً و لا يستطيع القيام بما يحب القيام به..هذا ما قاله.
- وهل رفضته؟
- نعم رفضته .. وهل تتوقعين مني الزواج برجل لا أكاد أعرفه، ولا يعرف ماذا يفعل أو يقول؟
- لا أعتقد هذا.. ولكنني لا أفهم سبب تكدرك ما دمت لا تحبينه.
- لم أقل إنني لا أحبه..أبداً!ّ
- بالتأكيد لم تقولي هذا، ولكنك تتصرفين على هذا النحو.
قالت تاي ساخرة:
- إنه ليس نوع الذي يحب أو يكره..أنت إما تحبينه و إما تكرهينه!
رفعت كينان حاجبيها سخرية:
- آه ..حقاً؟ و أنت تكرهينه كما أعتقد.
- آه..لا أدري! لا أريد الحديث عنه.
هزت كينان كتفيها: حسناً جداً..لكن من المؤسف أنك لم تجعليه يوافق على طلب الفرقة الموسيقية.. متى تخبرين دون؟
- غداً.
بسبب اضطراب أفكارها و بسبب ما بد عليه ميردت حين رفضت طلبه نامت نوماً سيئاً، واستيقظت في الصباح التالي و الكآبة تغلفها و الشعور بالذنب يتآكلها.
قالت كينان بمكر:
- هل تتمنين لو قبلت؟
كانت الشمس في الخارج تلمع فوق العشب المنُدّي.. وبدت عصافير الدوري تقفز بحثاً عن الديدان.. وراحت عصافير أخرى تزقزق على الأشجار.
تنهدت تاي: لم أستطع القيام بغير الرفض..إنما أتمنى لو.. لو ..آه..اللعنة!
************************

أمسكت رأسها بين يديها ووضعت مرفقيها على الطاولة، ونظرت إلى الطبق أمامها:
- ليته لم يطلب مني شيئاً.. وإلا ما اضطررت إلى رفضه و إيلامه ، وجعله يظن أنني رفضته بسبب ..بسبب ..عماه الجزئي.
- همم..أفهم قصدك.. وهذا شعور غير لطيف.. فأنت تشعرين أنك جرحت مشاعره، والأسوأ أنك سددت ضربة موجعة لكبرياء الرجل ولابد أنه الآن يكرهك كثيراً.
تنهدت تاي ببؤس:" هذا ما أعتقده..كينان هل سبق أن أفتتتنت برجل؟".
ارتفع حاجبا كينان:" افتتتتنت؟ ماذا تعنين؟".
- أقصد هل سبق أن شعرت بانجداب جنوني تجاه شخص لا تعرفينه؟؟؟
أحست تاي بالدم يحرق وجنتيها لأنهما لم تتباحثا قط مثل هذه الأمور الحميمية..
قالت كينان ساخرة:
- ثائرة برغبة عارمة، متأثرة بتهور مبالغ فيه..هذا على ما أعتقد هو تحديد القواميس للكلمة.. أجل أحسست بهذا مرة أو مرتين حين كنت صغيرة.
رفعت قمر الليل رأسها فجأة وقد تلاشت ابتسامتها:
- أهذا ما تشعرين به نحو ميردت لايتبون؟
- أجل..على الأقل..هذا ما أظنه.. ولا أظنه شيئاً آخر، وهذا هو شعوره أيضاً..
همست كينان:" يا إلهي! أنت بالتأكيد لم..لم..".
- لم أنم معه..لكننا لم نكد نستطيع نزع أيدينا عن بعضنا بعضاً.
تأوهت كينان:
- آه تاي! إذن ..لماذا رفضت الزواج به؟
- للسبب الذي ذكرته..ألا ترين.. الافتتان لا يدوم.. وهو أساس غير صالح للزواج.
سخرت منها كينان:
- تقرئين الكثير من القصص الرومنسية، إن كان ما تشعرين به افتتاناً فلماذا طلب منك الزواج؟
- لأن..آه، لقد لقترحت عليه ونحن نتحدث أن الزواج هو أمر يستطيع القيام به حتى ولو كان نصف أعمى..قلت له هذا كنوع من المواساة لأنه كان محبطاً كثيراً، يشعر بالعجز وبعدم الجدوى منه.. ولقد طلب مني الزواج لأنني المرأة الوحيدة التي رآها منذ مدة كبيرة.
قالت كينان بحزم: ولأنه منجذب إليك.. الجاذب الجسدي رغم مايقوله مرشد و الزواج جزء هام جداً من أية علاقة..فمعظم علاقات الحب و معظم الزيجات تبدأ هكذا، ترين شخصاً في غرفة ما يراك، و "هوبلا" تبدأ الكيمياء بالعمل..على الأقل هذا مايحصل بيني وبين شاركي.
نظرت تاي بدهشة إلى رأس أختها المطرق، وإلى الفرق الأبيض الذي يقسم شعرها قسمين..وسألت:
- أين التقيته؟
- في مزاد علني.
- مزاد علني ؟
تذكرت تاي أنها زارت ووالدها هذه المزدات.. فأهل ماين مشهورون بها.
**********************

ففي كل سنة ينظفون السقيفة و الكاراج و المخزن السفلي في منازلهم، ويعرضون مايجدونه للبيع في المزاد أمام المنازل، أو في الحدائق التي يسمونها باحات، ويأتي الجميع ليشتري مايحتاج إليه بعض الأحيان من السهل التقاط قطعة أثرية حقيقية ببضعة دولارات..
وكان أبوها صاحب قدرة على معرفة الحلي لذا وجد الكثير من السلاسل الفضية أو " بروشات" ذهبية مخبأة بين حلي عادية بشعة، وباع ماكان يشتريه بثمن جيد.
أردفت كينان:
- أجل..ذهبت إلى منزل كاربنتر..أتذكرين المكان في أعلى النهر؟ لقد ماتت السيدة العجوز مارتا كاربنتر التي عاشت هناك ولم تخلف وراءها من يرثها..فكان أن عرض منفذو وصيتها الأملاك للبيع..معظم الأثاث الأثري ذهب إلى صالات المزاد العلني..لكن بعض أغراض المطبخ، وقسم الخدم عرض في أكبر مزاد عرفته القرية و الناحية كلها.
أشارت كينان للكراسي حول الطاولة:
- اشتريت هذه الكراسي من هناك.. وكان شاركي هناك فأعطاني رأيه بالخشب، أما هو فكان يفضل خشب السنديان في صنع مراكب الصيد..اشتري طاولة سنديانية ضخمة ببضع دولارات.
- التقيتما في باحة البيع.. و"هوبلا" بدأت الكيمياء بالعمل.. أتقولين إن هذا ماحدث؟
- هذا صحيح.. ولكنه لم يكن لقاء عاصفاً كلقائك بميردت لايتبون ..إنما لست أنا ولا شاركي شخصين ديناميكيين..جاء تعارفنا بطيئاً و مايزال.
رفعت كينان رأسها فبدا الألم على وجهها و أضافت:" أترين؟.. إنه متزوج".
همست تاي مرتاعة:" آه..كينان!".
- هو منفصل عن زوجته منذ ما يقارب الثلاث سنوات وقد حدث ذلك عندما اشترى فناء المراكب هنا، والواقع أنها رفضت مرافقته لأنها لا تحب العيش في الريف و لأنها غضبت منه بسبب تخليه عن وظيفته في بوسطن ليصبح صانع مراكب.. كما أعتقد.
- إذن..لماذا لا يطلقها؟
- لن توافق على الطلاق..فهي تأمل أن يفشل في عمله هنا ويعود إلى بوسطن، إنه موقف كريه تاي.. ولا أحب القول هذا عن امرأة أخرى..لكنها فعلاً فاسقة، لا تريد القيام بشيء لمساعدته و لاتريد أن تتركه.
- ألديهما أولاد؟
- لا .. الحمد لله.
عادت قمر الليل ترشف قهوتها ووقفت:
- حان وقت العودة إلى العمل..سأقدم الطعام لحفلة عيد ميلاد الليلة.. حفلة كبيرة، أكبر سكان نورثبورت سناً توني يونغ، يبلغ الخامسة و التسعين اليوم لذا قررت عائلته و أصدقاؤه إقامة حفلة له..و آمل أن تكوني هنا لمساعدتي، ماذا ستفعلين هذا الصباح؟
- سأقصد دون لأنقل إليه الخبر السيء المتعلق باستقراض غرفة جلوس ميردت لايتبون.
- اعرضي عليهم استخدام صالتنا هنا فلا بأس بحجمها، يمكنكم وضع بيانو أمام النافذة و بإمكاني ترتيب مقاعد تكفي خمسين شخصاً.
ويمكننا إقامة حفلة استقبال بمناسبة العرض الأول..و سأقدم لهم أطعمة وعصائر ليلتقي الجمهور بالموسيقيين ولن آخذ أجراً منهم لأنها ستكون مناسبة للدعاية للفندق خاصة إن غطى التلفزيون المحلي الحفلة.
*************************

حضنت تاي أختها:" كينان..أنت ملاك.. سأخبر دون بذلك.. وسيكون هذا سبباً لإبعاد الإحباط عنه..أشعر أنني أفضل حالاً ..شكراً لك..شكرا لك.
قالت كينان بجفاء:" الاعتراف للروح..إنما لا تهتمي بي، أتريدين السيارة للذهاب إلى منزل دون؟".
- لا..أعتقد أن من الأفضل لي أن أسير.. ركبتي أفضل حالاً .. والمكان غير بعيد.
كانت الشجيرات المحاطة بسياج خشبي أبيض في الحديقة الصغيرة أمام المنزل دون تضج باللون الأصفر وعلى الباب الأمامي الأسود لوحة نحاسية على شكل نسر، بعدما دقت تاي مرتين عليها فتحت زوجة دون الباب فوراً.
قالت وهي تتراجع لتفسح المجال لتاي حتى تدخل:
- كان دون يهم بالاتصال بك ..دون..تاي هنا!
خف دون إليها مرحباً واتجه إليها مبتسماً ثم مد يديه إليها و أمسك بيديها اللتين رفعهما إلى شفتيه ثم صاح بانفعال:" لقد فعلتها.. فعلتها".
سألت تاي بحيرة:
- ماذا فعلت؟
- لقد روضت الأسد المخيف في عرينه.. وجعلت ميردت لايتبون يوافق على استخدام منزله للحفلة!
سألت بصوت ضعيف:" حقاً؟".
- طبعاً ..أليس هذا ما دعاك للمجيء إلينا؟
قالت زوجته: اهدأ..اهدأ ..ورافق تاي إلى غرفة الجلوس ..سأجهز القهوة، أتحبين القهوة في الصباح تاي؟
- أجل..أجل.
جرها دون إلى غرفة الجلوس ودفعها لتجلس في مقعد مغطى بالقماش، ثم جلس على كرسي هزاز مرتفع الظهر.
قال:" اتصل بي في الصباح الباكر..بعد السابعة بقليل، كنت أنا وزوجتي في السرير.. قال إنك طلبت منه ذلك بالأمس و إنه خلال الليل فكر الأمر وقرر أن يسمح لنا باستخدام الغرفتين الكبيرتين في طابق منزله الأرضي من أجل الحفلة.. يريد مني أو من أي شخص آخر أن يذهب إلى منزله بعد ظهر اليوم لإلقاء نظرة على الغرفة، وفي هذا الوقت يأمل أن يكون قد اتصل بالتلفزيون المحلي العام ليرسلوا مخرجاً و مصورين للقائنا و لإلقاء نظرة على الغرف التي ننوي استخدامها، ليخططوا للتصوير".
صمت دون ليتقط أنفاسه و صفق يديه بانفعال:
- هذا رائع ..رائع جداً! لا أكاد أصدق ، والفضل كله عائد إليك.
لم تستطع تاي أن تصدق أذنيها.
همست فمر الليل: لم أعرف..لم أظن.. عندما تركته بعد ظهر الأمس لم شعر بأنه سيوافق بل الواقع أنني تصورته سيرفض.
برقت عينا دون:
- إذن ربما رغب في ممازحتك قليلاً..هه؟ ربما تظاهر بعدم اهتمامه ليفاجئك اليوم، هكذا يتصرف بعض الناس حين يجدون أنفسهم في مركز السلطة..إنه يتوقع منا الذهاب في الساعة الرابعة من هذا المساء.. سيرافقنا جاد و طلبت كذلك من شيلا مرافقتنا فعلى جاد و شيلا أن يريا البيانو فشيلا بارعة بهندسة الصوت.
ردت تاي بحزم:" لن أرافقكم فلن تحتاجوا إليّ هناك".
دخلت ليزا زوجة دون إلى الغرفة حاملة صينية قهوة:
- بل عليك الذهاب.. فأنت عضو علاقات العامة في الفرقة..وأنت من اتصل بالسيد لايتبون. دون ، يجب أن تصر على مرافقتكم لتقدمكم إلى السيد لايتبون.
****************************

قال دون: وأنا مصر على ذلك تاي.. وإن لم تذهبي معي فلن أذهب و بذلك نفقد الفرصة.
قالت تاي وهي تتناول فنجان القهوة من ليزا:
- قد تجد الغرفة غير مناسبة.
- لن أقرر حتى أراها.. ولن أراها إن لم ترافقيني.
- آه! حسناً.. سأرافقكم إنما عليّ العودة قبل السادسة لأساعد كينان..إنها تقدم الطعام لحفلة عيد ميلاد السيد يونغ.
- ستعودين إليها..أعدك، والآن أود أن أسألك إن كنت ترغبين في العزف معنا، لقد قررنا أنا و جاد أن تشاركينا بالعزف، فهل توافقين على عزف ثلاثي "تريو" الكلارنيت، و البيانو و الفيولا لقطعة من موسيقى موزارت؟ ستكون أمسية رائعة.
وافقت قمر الليل بحماس:" سأحب هذا كثيراً".
قالت لكينان فيما بعد:
- لكن ..لماذا..لماذا وافق؟ قال إنه لن يوافق إلا إذا وافقت على الزواج به.. وأنا لم أوافق.
ردت كينان: لا تسأليني، بل اسأليه هو بعد الظهر.
- حاولت التهرب من الذهاب، لكن دون أصر..قال إنه لن يذهب إن لم أرافقه.
وتنهدت.
سألت كينان:" ولماذا لا ترغبين في الذهاب؟".
- لا أريد رؤيته! مجدداً آه! كينان..أنا خائفة منه.. حقاً خائفة.
- خائفة أن يهاجمك فتعجزين عن المقاومة؟
- أجل ..هذا هو السبب بالضبط.
- إذن ليس عليك إلا عدم الانفراد لوحدك به أكثر من نصف ساعة.. ابقي قريبة من دون الذي أظنه سيكون مسروراًَ بحمايتك.
صاحت تاي بغضب:" ليس الأمر مضحكاً!".
- لا ...لا أعتقد ..لكن مادام هذا هو شعورك تجاهه فلا أفهم لماذا رفضت عرضه.
- لا أريد أن أتزوج لمجرد أنني أبدو له.. تحت الطلب، أنا أريد أن أتزوج من أجل ..أجل الحب.
تنهدت كينان:" أو ليس هذا ما نهدف إليه جميعناً؟ لكن كم مرة يحدث هذا ؟ أراك فيما بعد".
حين ترجلت تاي من سيارة دون في الرابعة بعد الظهر شمت رائحة عشب مجزوز حديثاًٍ.. رأت جوزف ماك كاب يركب جرافة قص العشب الصغير و يدور فيها في المرجة الكبيرة إلى جانب المنزل، من خلف حافة المنحدر الأخضر كان الخليج يبرق تحت أشعة الشمس وبدت الجزر طافية على سطحه..أما التلال الكندية فبدت حمراء قرمزية أمام الشمس الزرقاء.
صاح دون وهو يصفق يديه بابتهاج:
- جميل..جميل!
بدا المنزل مرحاً..فالنوافذ تلمع بالنور، و الباحة الخشبية مصقولة و الباب الأمامي مفتوح..سارت تاي في المقدمة من غرفة الجلوس إلى اليمين وهناك تعالت أصوات فدنت من الباب، فإذا ميردت واقف قرب البيانو ومعه شخصان امرأة ورجل.
المرأة ترتدي ثياباً عادية، سروالاً بنياً وبلوزة بيضاء و ستره بنية قصيرة وتضع حول عنقها منديلاً مبهرج الألوان، أما وجهها فنحيل و شعرها بني أجعد..لاحظت المرأة دخول تاي، وقالت شيئاً لميردت فالتفت ليواجه الباب.
****************************

تقدمت تاي متوترة وقالت بكل برود:
- ميردت! دون بورتلاند هنا ومعه جاد ياشيمو و شيلا فايكلاند.. أيمكنهم الدخول لإلقاء نظرة على الغرفة؟
أجفلته رنة صوتها الباردة فعبس..ظنت للحظة أن لن يرد عليها.. ولكنه رد ببرود ممائل:
- بالتأكيد يمكنهم الدخول فلهذا جاؤوا!
لكن تصرفه تغير بشكل فجائبي ما إن قدمت له دون إذ لم يعد بارداً جلفاً.. فقد صافح عازف الكمان بحرارة، ورحب بضيفيه الآخرين و قدمهم إلى ضيفيه.
المرأة هي جوليا غرين، مخرجة برامج في التلفزيون المحلي العام.. و الشاب هو كليف نورداي الذي سيصور الحفلة الموسيقية!
قال ميردت:" رداءً تصرفوا بحرية مطلقة وناقشوا ما تريدون القيام به مع جوليا وكليف، وإن أردتم أن تطرحوا عليّ شيئاً فأنا في الشرفة في الخارج".
جاء صوته مهذباً ، متسلطاً وبارداً، وبدا مختلفاً كل الاختلاف عن ميردت الذي تعرفه تاي وقد تجاهلها و كأنها غير موجودة.
لم تكد تسمع مايقوله دون لممثلي التلفزيون لأن الاندفاع للحاق بميردت كان قوياً وقد استسلمت له معتذرة و توجهت إلى الأبواب الزجاجية المفتوحة، متظاهرة أنها لا تشعر أن الجميع التفت لينظر إليها وهي تخرج.
كان ميردت في ناحية بعيدة من الشرفة، وبدأ كأنه يحدق في منظر التلال الخضراء المنحدرة نحو المياه الزرقاء و الجزر البعيدة و التلال..
كان كعبا حذائها يصدران صوتاً على البلاط الحجري ومع ذلك لم يلتفت إليها.
قالت قمر الليل:" ميردت".
صاح:" لماذا جئت؟".
- أصر دون على مجيئي معه لأقدمه لك..ميردت ..لماذا وافقت على إقامة الحفلة هنا؟ أرجو ألا يكون هذا..فهل تتوقع مني أن أغير رأيي وأوافق على الزواج بك من أجل قبولك بهذا؟
قال بلهجة قاسية باردة:
- لا أتوقع شيئاً منك.. لاشيء أبداً، أنت امرأة متناقضة فساعة تكونين باردة وأخرى تكونين امرأة حارة تقدم كل ما لديها ولكنك سرعان ما تريدين استرجاع ما أعطته..
- أنا لست هكذا..آه.. كيف تقول هذا؟ كيف تحكم عليّ مع أنك لا تعرفني؟
- أعرف ما فيه الكفاية عنك و لا أريد أن أعرف المزيد، لقد عرضت استخدام الغرفة على دون بورتلاند و فرقته الموسيقية لأنني أحترمه مثيراً..كما أظن أن هذا نفيد لمجتمع نورثبورت.. لا شأن لقراري بك.
ران صمت عميق غير كامل لأن هناك جرافة تجز العشب ، ولأن معزوفة شوبان تصدح من الغرفة الأخرى حيث يستخدم جاد ياشيمو البيانو.
أحست تاي عندما سمعت الموسيقى الرومنسية بأن قلبها يعتصر ألماً.
بدأت تقول بصوت منخفض:
- ميردت..أنا آسفة..أنا..
ارتد إليها وقال بصوت مرير
- على رفضك طلبي؟ لا تأسفي..كنت على حق برفضك..فأنا لم أكن طبيعياً عندما تقدمت بطلبي، كنت مجنوناً وأريد منك أن تنسي المسألة، أريد منك اعتبارها أمرً منسياً..مفهوم؟
*****************************

رفعت قمر الليل بصرها إلى النظارة السوداء المحدقة إليها، فتمنت لو تستطيع رؤية عينيه..لأنه لا يعني مايقول! فهو ليس قاسياً بمقدار ما توحي به شفتاه المضمومتان بوحشية.
بدأت:" لكنني..".
قاطعها بحدة:" ولا تعودي إلى هنا مرة أخرى..بمفردك، أعني، لا تأتي إلى هنا أبداً إلا إذا كنت مع شخص آخر، لا أريدك هنا..ابقي بعيدة عني..مفهوم؟".
- لكن إذا وجد دون و المجموعة أن الغرفة مناسبة فسأضطر إلى العودة..لقد طلب مني دون أن أعزف معهم في الحفلة.. وأنا أرغب في هذا، ولن أتراجع الآن لأنك لا تريدني هنا.
التوت شفتاه: لن تكوني بمفردك وأنت معهم..أليس كذلك؟
- أعتقد أنني لن أكون بمفردي.
اغرورقت قمر الليل عيناها بالدموع، ولم تعد ترى المنظر أمامها..
ارتدت إليه متوسلة:"ميردت..".
لكنها صمتت ثم ارتدت إلى الوراء حين أخذ يشتم بصوت منخفض شرس..
قال:" لا تجادليني.. ولا تقولي شيئاً آخر..انتهى الأمر، انتهى ..انسيه".
تخطاها وابتعد عنها.. كان البيانو قد توقف، وسمعت تاي أصواتاً، اللحظات القصيرة معه انتهت، وعلاقتها به وتلك المشاعر الغريبة، انتهت ..استنفذت..هذا ما قاله.. وحاولت التغلب على رغبتها في الارتماء أرضاً لتنتحب و تبكي.
- أخبرني دون أن الفضل عائد إليك لأن ميردت وافق على إقامة الحفلة هنا..في هذا المنزل.
كان الصوت أنثوياً أجش وحاداً..صوت لمرأة اعتادت إعطاء الأوامر، إنها جوليا غرين..تصلبت تاي ولكنها لم تلتفت إليها فعليها قبل ذلك مسح الدموع التي انسكبت على وجنتيها.
تمتمت قمر الليل:" كنت الوسيط ليس إلا".
ثم ارتدت إليها مبتسمة:
- عادة لابد من وسيط بين شخصين لا يعرفان بعضهما بعضاً.
- منذ متى تعرفين ميردت؟
عندما اقتربت المرأة من تاي وجدت أنها أكبر منها سناً، فهي تناهز الخامسة و الثلاثين، في مثل عمر ميردت تقريباً.
أضافت جوليا:": حسبما أذكر، لم يكلمني عنك يوماً.. أعرفه منذ زمن طويل".
- منذ متى؟
تصاعد إحساس غريب في داخلها..إحساس بشع له طعم مر.
أهي الغيرة من هذه المرأة الواثقة من نفسها والتي تعرف ميردت منذ زمن بعيد؟
- منذ عشر سنين..بدأنا المهنة معاً في شبكة التلفزيزن ذاتها، وفي الوقت ذاته.
- لم أعرف هذا.. لأنني لم أتعرف إليه إلا منذ ثلاثة أسابيع.. التقينا صدفة، هل سبق أن زرته هنا؟ أعني هل عرفت أنه جاء ليعيش هنا؟
- بالطبع كنت أعرف أنه يعيش هنا..عشت معه هنا قبل الميلاد لأسابيع.
*************************

بدأت تاي تقول:" أوه..أنت إذن المرأة التي..".
- المرأة التي ماذا..؟ هل أخبرك ميردت شيئاً عني؟
- لا..بل شقيقتي..إنها تملك فندق نورثبورت..قالت لي إن امرأة عاشت هنا فترة معه..كانت تراك في القرية..ثم غادرت.
لكنها تتذكر جيداً ملاحظة جوزف ماك كاب الحادة عنها وعن مغادرتها المكان..قال إنها سافلة و إنه وقع بينها وبين ميردت شجار ولهذا رحلت.
ردت جوليا:
- لكنني لم أبتعد كثيراً، عمدما سمعت بخبر إصابته وعماه تركت عملي في نيويورك وجئت لأكون معه..بذلت جهدي لأساعده في التغلب على إحباطه لكنه لم يتركني أساعده، إنه متكبر جداً.
تنهدت تنهيدة ثقيلة، ظهر الحزن على وجهها النحيل.
- كنا مقربين.. وكنا نأمل أن تصبح علاقتنا دائمة في يوم من الأيام، جئت لأكون معه..لكن هذا لم ينجح كما كنت أتمنى.
ثم وجدت عملاً في التلفزيون المحلي.. ثم ما إن سمعت بإمكانية إخراج برنامج في منزل ميردت حتى تشبثت بالفرصة وجئت إلى هنا لأراه.
تنهدت جوليا مرة أخرى:" وربما..إنها مجرد أمنية، ، قد يطلب مني العودة لأعيش معه".
- أجل..ربما.
أحست تاي بالتوتر في أعماقها وكأنهما كمان، أو غيتار مشدود الأوتار، قد ينقطع وتره في أية لحظة..هل عودة جوليا هي السبب وراء رغبة ميردت في نسيان عرض الزواج؟ أهو سعيد بعودة جوليا إلى حياته؟ ألهذا السبب لم يكن يريد منها أن تعود بمفردها إلى هذا المنزل؟
سألت:
- هل رتبتما كل شيء إذن؟ هل حددتما مع دون و جاد تفاصيل التصوير؟
- ليس بعد..لكننا سنلتقي ثانية في الغد، في منزل دون.. فقد اقترحت عليه إقامة أكثر من حفلة..سلسلة من أربع حفلات..كل واحدة تصور خلال أشهر الصيف في هذا المنزل، ثم تعرض على التلفزيزن في الخريف و الشتاء، فما رأيك؟
فجأة، أصبحت جوليا مخرجة التلفزيون المفعمة بالتصميم و الحماس..التي تعرف ماتريد وكيف تحقق ماتريد.
قالت تاي:
- هذا عظيم..سيبتهج دون بهذا كثيراً.
نظرت قمر الليل إلى ساعتها لأنها شعرت باندفاع فجائي للهرب..للابتعاد قدر المستطاع عن ميردت وعم هذا المنزل وعن هذا المرأة التي كانت يوماً عشيقة ميردت، وتطمح أت تصبح زوجته.
- يجب أن أجد دون.. فقد آن لنا أن نعود إلى نورثبورت ..عذراً.
توجهت إلى الأبواب الزجاجية فقالت لها جوليا:
- أعتقد أنني سأراك مرة أخرى خلال التمارين للحفلة.. لقد وافق دون على أن أحضر بعضاً منها لتتكون لديّ فكرة عن الحفلة المرتقبة.. ثم أريد أن أقابل الموسيقيين لعرض المقابلات خلال فترات الاستراحة بين الوصلات.
- لكنني سأظهر فقط في الحفلة الأولى.
*************************
دخلتا إلى غرفة الجلوس معاً.. وهناك ردت جوليا:
- لا يهم..مازلت أرغب في إجراء مقابلة معك، لماذا لن تكوني هنا طوال الصيف؟
نظرت تاي إلى ماحولها في الغرفة، فإذا ميردت جالس في مقعده المفضل، أما دون وجاد فكانا جالسين على الأريكة المواجهة له.. وشيلا على كرسي منخفض..كان الجميع يصغون إلى دون ولكنه صمت ما إن دخلت مع جوليا.
أعلنت تاي بصوت مرتفع ليسمعها ميردت:
- لن أكون هنا لأنني بعد الحفلة الموسيقية الأولى سأغادر نورثبورت، إذ أريد السفر إلى كاراكاس في فنزويلا.. تقدمت بطلب عمل في أوركسترا..دون..أرجوك..أيمكننا الذهاب الآن؟
وعدت كينان بالعودة إلى النزل قبل الساعة السادسة لأستطيع مساعدتها.
قال كليف بورداي الذي ظهر بباب الردهة:
- آن وقت ذهابنا كذلك جوليا، كنت أبحث عنك.
ردت جوليا وهي تقف قرب ميردت:
- اذهب بدوني كيف..فأنا و ميردت صديقان قديمان، وأرغب في البقاء معه للتحادث.
وقف ميردت فجأة بحيث انتفضت يدها عن كتفه ووقعت إلى جنبيها..وقال:" سرني التعرف اليك دون".
صافحه بحرارة:" وأنتما أيضاً جاد..شيلا".
وصافحهما ..أما تاي فالتفت إليها قائلاًَ:
- وداعاً.
لكنه لم يمد لها يده.
همست قمر الليل:"وداعاًَ".
ارتدت عنه وخرجت قبل الآخرين من الغرفة إلى الردهة وبذلك تركوه بمفرده مع جوليا غرين.
***********************

6- الحب و الموسيقى

صاحت كينان وهي تدخل إلى غرفة نوم تاي:
- رسالة لك!
وكان هذا بعد عشرة أيام.
كانت تاي جالسة إلى منضدة الكتابة الصغيرة أمام النافذة، لكنها لم تكن تكتب بل كانت تنظف الكلارنيت تحضيراً لآخر تمرين قبل الحفلة التي ستجرى في منزل لايتبون في أمسية اليوم التالي في اليوم الأول من شهر حزيران.
- آه..عظيم! آمل أن تكون رداً على ذلك الطلب المقدم إلى الأوركسترا في فنزويلا.

- لا..ليست كذلك، إنها من برنابي كورتنر.
وضعت الرسالة على الطاولة:" هل كنت تراسلينه؟".
- أرسلت إليه رسالة قبل مجيئي إلى هنا ليعرف إلى أين يراسلني إن أراد..على أي حال مازلنا صديقين.
ردت كينان ساخرة:
- بالتأكيد..ألن تفتحيها وتقرأيها؟
- وأنت هنا؟
- صح..أريد أن أعرف كيف هي الحياة في بلاده.
- هل أنت واثقة أنني لم أتلق رسالة أخرى؟
- كل الثقة، أنت حقاً ملهوفة للحصول على عمل.
- بالتأكيد.. لن أستطيع البقاء هنا إلى الأبد عالة عليك.
- لن تكوني عالة.. ومن الأفضل أن تصدقي هذا لأنني سأجعلك تعملين كثيراً..فسأكون في هذا الصيف كثيرة الانشغال نظراً للحجوزات التي وصلتني حتى الآن.. ولسوف أضطر إلى استئجار من يساعدني إذا رحلت أنت..لماذا لا تبقين حتى نهاية شهر آب على الأقل؟ أنت الآن عضو في الفرقة الموسيقية، سيكون لديك الكثير من الفرص للعزف.. ولاداعي أن تكوني في أوركسترا كبيرة..هذا أكثر حرية لك، وتعبير أكبر عن الذات.
- أنت على حق..وأحب هذا.. لكن يجب أن أعيش.
جذبت أطراف المغلف السميكة لتفتح ورقة بريد جوي رقيقة من المغلف.. بدا وكأن برنابي كتب لها كتاباً..
ردت كينان:" قلت لك إن بإمكانك أن تعملي هنا وتعيشي".
- وقلت للصيف فقط..ولن ترغبي فيّ هنا في الشتاء حين يخف ضغط العمل عندك.. لن تستطيعي تحمل وجودي.
- بل أستطيع..يجب أن أوظف أحداً ليساعدني، فأنا أترك النزل مفتوحاً في الشتاء فلماذا لا أوظف أختي؟
هزت تاي رأسها: لا..هذا لطف منك كينان.. لكنني لا أستطيع البقاء هنا، يجب أن أذهب بسرعة..في الأسبوع القادم إذا أمكن.
فتحت تاي الرسالة على الصفحة الأولى..أما كينان فظلت جالسة على حافة السرير تراقب وجه تاي وهي تقرأ الرسالة وتراقب تعابير وجهها التي يغلب عليها التسلية و السخرية.
بعد قليل قالت:" حسنا..ماذا يقول؟".
- إنه يحب الإقامة هناك..يعجبه الطقس و العمل في الإوركسترا وأن يكون مع أبناء وطنه..ياالله، يريد مني أن أذهب إلى هناك!
***********************


- لتعزفي في الأوركسترا؟
- لا أظن هذا، يقول إنه يفتقد إليّ وإنه ندم على انفصاله عني.
- مع ذلك، لا يعرض الزواج بك؟
- لا..لن يطلب مني الزواج ابداً..إلا إذ غيرت ديني.
- وهل تقبيلين بتغييره؟
- آه..أبداً..آه برنابي..لقد تأخرت كثيراً..تأخرت كثيراً.
- ماذا تقصدين بأنه تأخر؟
- لم أعد أحبه..
دست الرسالة في الغلاف.
ارتفع حاجبا كينان بسخرية.
- حقاً؟ إذن لماذا لا تبدين أفضل حالاً؟ لماذا لا يزداد وزنك؟و لماذا أنت متوترة؟ أنت أسوأ حالاً عما وصلت.
- شغلت بالي أمور كثيرة..التمرين للحفلة..التمرين مع دون أمر غير سهل..تعرفين هذا، إنه يحب الكمال و الواقع أنني ملهوفة للحصول على عمل في أوركسترا كبيرة، المنافسة كبيرة..كبيرة جداً.. والفرق الموسيقية كبيرة.. كبيرة جداً.. والفرق الموسيقية تعاني بسبب الخسائر و بسبب عدم دعمها من الحكومة.
- هذه اسباب أخرى يجب أن تدفعك للتفكير بالبقاء هنا لتكسبي عيشك من العمل عندي وفي العزف في فرقة نورثبورت.. من يدري فقد تنجح هذه السلسلة من الحفلات، فيطالبها الجمهور بالمزيد من الحفلات، وقد يتمكن جاد ياشيمو من تأسيس مدرسة الموسيقى الصيفية حيث يمكنك التعليم فيه، متى قلت إن تلك المرأة قادمة لإجراء المقابلة معك؟
- في الحادية عشرة..
- حسناً..أزف الوقت، لذا أقترح عليك البدء بتجميل نفسك، لا أظنك ترغبين في إجراء المقابلة و شعرك أشعث كالمجانين.
هبت تاي واقفة و صاحت:
- لا..لاأريد، ماذا سأرتدي؟ أوه..ماذا سأرتدي؟ ساعديني كينان!
فتحت قمر الليل الخزانة: ماترتديه عادة للتمرين..لماذا لا ترتدين ذلك السروال الأسود و البلوزة الفضفاضة!.. تلك القرمزية، اللون الأحمر يليق بك، واجمعي شعرك فوق رأسك لتظهري عنقك.. وتبرجي بكثرة لتغطي الخطوط تحت عينيك، حبأ بالله! أنت لم تنامي جيداً مؤخراً.. أليس كذلك؟
- لا..حقاً.
خلعت روبها ودست السروال الأسود..
أضافت كينان: لاأظن أن سبب أرقك هو الحفلة الموسيقية فقط أو التفتيش عن العمل.. بل رجل.. وإن لم يكن برنابي فهو قطعاً ميردت لايتبون! فأنت نادمة على رفضك إياه..
تمتمت تاي وهي تتناول البلوزة الحمراء:
- لا..ليس الأمر كما تقولين..آه! لا أدري كيف .. لا أستطيع التوقف عن التفكير فيه.. عندما لا أكون مشغولة.. لا يفارق خيالي.. و أجدني غير قادرة على تنفيد ما طلبه مني..
- وماذا طلب منك؟
- طلب مني أن أنسي أنه طلب يدي..و..
ارتجفت شفتا تاي وهي تنظر إلى صابعها التي كانت تزرر بلوزتها..ثم أضافت هامسة:
قال لي:" ابقي بعيدة عني" ولقد بقيت بعيدة.. ولكنني ..لم أستطع نسيانه، ولن أنسى مادمت باقية هنا.
رفعت تاي عينيها السوداوين اللتين ملؤهما العذاب:
- أتفهمين الآن لماذا عليّ الرحيل بعد الحفلة؟
- أجل..فهمت الآن.. ألم أحذرك..آه! تاي ماذا أفعل بك؟ لا يمكنك المضي على هذا النحو..لا يمكنك الوقوع في الحب و الخروج منه طوال الوقت مع رجال غير مناسبين لك.. يجب أن تحاولي ضبط مشاعرك بطريقة ما.
- إذن ربما يجب أن أنخرط في دير لأنه المكان الوحيد الذي لن أرى فيه رجلاً..وآخر مكان في العالم قد أرى فيه أمثال ميردت لايتبون!
بعد عشر دقائق من هذا، دخلت قمر الليل صالون الفندق فوجدت جوليا غرين وكليف نورداي يحضران الكاميرا و الأضواء لتصوير المقابلة.. منذ لقائها الأول بجوليا في منزل ميردت تتالت المرات التي عادت فالتقت بها ولكنهما لم تنفردا البتة.. كانت المخرجة التلفزيونية مرتدية بذلة من التويد الفاخر العاجي اللون وبلوزة ضيقة و سترة قصيرة واسعة تحتها بلوزة حريرية بلون التويد.. امرأة كفؤة نشيطة، مسيطرة على الموقف سيطرة كاملة.
- سنتحدث مدة عشرين دقيقة..بعد ذلك سأنسق المقابلة وآخذ منها ما أظنه مناسباً مع المقابلات الأخرى التي صورتها مع دون وجاد، وشيلا و كرايغ..أريد منك أن تجلسي على الأريكة لتكون لوحة المركب المبحر خلفك.. وسأجلس هنا إلى جانبك..هل سبق أن أجرى أحدهم معك مقابلة تلفزيونية؟
جلست تاي في زواية الأريكة الوردية وأجابت:"لا".
- إذن استرخي و حاولي أن تكوني على سجيتك قدر المستطاع.
تقدم كليف فوضع الميكرفون الصغير في باقة بلوزتها وفي هذا الوقت راحت جوليا تثبت الميكرفون على سترتها.
- أولاً سأسألك لماذا اخترت العزف على الكلارنيت.. ثم لماذا جئت إلى نورثبورت للاشتراك مع الفرقة..أخيراً ماهي مشاعرك عن القطعة الموسيقية التي ستعزفينها..أجيبي وكأنك تتحدثين إلى شخص تعرفينه وانطلقي على سجيتك، كلما أطلت الإجابة كان ذلك أفضل لك..فهمت؟
- أجل..هل أنظر إلى الكاميرا؟
- لا.. بل أنظري إلي..فالكاميرا ستكون في مواجهتك على أي حال وهي ستصور كل تعابير وجهك.. وبما أن لدينا كاميرا واحدة فقط سنضطر إلى تصوير القسم الخاص بي من المقابلة و أنا أسألك، كي يصور كليف وجهي و أنا أتكلم.. وبعد ذلك نجمع القسمين في الاستديو..جاهزة للبدء؟
شعت أنوار التصوير حارة و انصبت مباشرة على وجه تاي لتوحي بأن الجو مشمس مع أن الواقع أن السماء ممطرة و الغيوم قائمة، ما إن أجابت عن أسئلة جوليا المتعلقة بسبب اختيارها مهنة العزف حتى وجدت أن من السهل الإجابة عن السؤال التالي المتعلق بسبب وجودها في نورثبورت وكيف التقت بدون و الأعضاء الآخرين في الفرقة..لكنها لم تكن مستعدة للسؤال الآخر.
طافت عينا جوليا بلؤم وهي تبتسم وتقول:
- قيل لي إن الفضل عائد إليك لحصول الفرقة على الإذن بإقامة الحفلة في غرفة موسيقى جميلة يعود طرازها إلى القرن الثامن عشر، في منزل لايتبون، كما قيل لي إنك صديقة مقربة من صاحبها، ميردت لايتبون..فهل هذا صحيح؟
****************************

ردت تاي بحذر:" أجل..التقيت السيد لايتبون".
لكنها لم تستطع منع الاحمرار من غزو وجنتيها بسرعة، ومن التواء يديها في حضنها.
ارتفع حاجبا جوليا باستهزاء:
- مرة فقط؟
- لا.. التقينا أكثر من مرة.
فجأة فقدت قمر الليل أعصابها:
- اسمعي..لا أفهم ما شأن هذا السؤال بالمقابلة..خلتك تريدين معرفة ماهو شعوري نحو.. نحو الموسيقى وليس ماهو شعوري نحو..
أضافت جوليا بسخرية:" نحو ميردت؟".
صاحت تاي:" لا علاقة لي به".
ارتدت إلى كليف بورداي:" أما زلت تصور؟".
أجاب من وراء الكاميرا:" بالتأكيد".
- إذن لن أبقى أكثر ولن أضيف كلمة أخرى!
وقفت بحدة، ولكنها وجدت أنها مربوطة بشريط الميكروفون الموصل بها، انتزعت الأداة الصغيرة ورمتها على الأريكة.
- وإن تجرأت على عرض أي جزء من المقابلة، فسأقيم دعوى عليك!
قالت المخرجة:"إذن..هذا صحيح".
- ماهو الصحيح؟
- أنك وميردت على علاقة.
رفعت المخرجة رأسها فجأة فارتدت تاي إلى الوراء مجفلة بسبب العداء المشع في عينيها الخضراوين..
قال كليف بعدما أطفأ الأنوار و الكاميرا.
- اسمعا..وإن كنتما ستتقاتلان، فسأخرج لأدخن سيكارة.
وخرج من الغرفة إلى الردهة، فوقفت جوليا برقة لتواجه تاي الممتقعة الوجه.
همست:" ماذا فعلت بميردت؟".
- أنا..أنا..لم أفعل شيئاً له، ولا أعرف ماتعنين.
- آه..هيا الآن..لا تلعبي دور البراءة..لقد أثرت فيه بطريقة ما ..وسخرت منه.. وقلت له إن عماه الجزئي جعله مجنوناً، وأشرت إلى أنه شخص غير طبيعي.
انتفضت تاي فلاحظت جوليا انتفاضتها، ضاقت عيناها أكثر، و التوى فمها:
- إذن، هي أنت ؟ حسناً..آمل أن يساعدك ضميرك على تحمل العبء.
صاحت تاي:" أي عبء..؟ رجاء هلا تكلمت بوضوح ؟ هلا توقفت عن الغموض؟ هل أصاب ميردت شيء؟".
تذكرت فجأة أن ميردت قال أمامها يوماً إنه مستعد لقتل نفسه.
فجأة أصبح وجهها أبيض شاحباً بعدما كان أحمر قاتماً.
- إنه لم..لم..
صمتت لأن حنجرتها أطبقت، وشفتاها جفتا.
قالت جوليا:" أجل..قرر المضي في العملية الجراحية".
شهقت تاي واصطكت ركبتاها:
- أية..أية عملية؟

*********************

صاحت جوليا بوجه عابس:
- ألا تعرفين؟ ألم يخبرك؟
- لا..لم يخبرني شيئاً عن عملية جراحية..بل حدثني فقط عما سبب له عمى جزيئاً..قلت لك..إننا التقينا ثلاث مرات فقط ..نحن لا نعرف بعضنا بعضناً بشكل جيد..أي نوع من الجراحات. وماذا ستفعل له؟
- عملية دقيقة جداً لإزالة الضغط الذي سبب هذا العمى..جراحة نسبة نجاحها تترواح بين الأربعين و السبعين بالمئة فقط..إذن نسبة بقاء ميردت حياً بعد العملية هي ستون بالمئة، ارتجافة واحدة من يد الجراح ويتضرر الدماغ كلياً، أو يموت ..اقترحت عليه إجراء الجراحة مرتين، ولكنه رفض في المرتين..والآن..فجأة..أجده عازماً على إجرائها، لأن شخصاً ما وأظنه أنت، قال له إنه ليس طبيعياً.
صمتت جوليا التي راحت تلتقط أنفاسها، ثم مالت إلى الأمام:
- إن مات ميردت، كنت أنت السبب في موته..عليك منعه من الذهاب إلى نيويورك..اذهبي اليوم لرؤيته.
- لكن..لكنه..طلب مني البقاء بعيدة عنه.. قال إنه لا يريد رؤيتي ثانية.
قالت جوليا ببرود:" حسناً..سأترك الأمر لك..نهارك سعيد، آن وقت ذهابنا إلى الزوجين فايكلاند لتصوير المقابلة مع شيلا، أراك غداً وقت الحفلة.
خرجت إلى الردهة، ثم عادت مع كليف لتساعده في تفكيك معدات التصوير و توضيبها، أما تاي فتركت الغرفة و توجهت إلى غرفتها لتلوذ إليها و لتفكر في ماقالته جوليا..هناك طريقة واحدة فقط لتعرف..هي الذهاب إلى ميردت وطرح السؤال عليه.
بعد دقائق نزلت قمر الليل الدرج ثم أسرعت تضع سترة واقية من المطر فوق ثيابها..كانت جوليا وكليف قد غادرا، فأسرعت إلى المطبخ بحثاً عن كينان ولما رأتها سألتها بأنفاس مقطوعة:
- أرجوك، هل لي أن أستعير سيارتك؟ لن أذهب بعيداً، ولن أتأخر.
- المفاتيح في مكانها المعتاد..كيف جرت المقابلة؟
- كانت كارثة، تشاجرت مع جوليا غرين، فتوقف كليف عن التصوير.
- شجار؟ بشأن ماذا؟
- بشأن صداقتي بميردت هذا إن كان بالإمكان تسميتها صداقة.
- أتشعر بالغيرة؟
- بإمكانك تكرار هذا..أراك فيما بعد.
عبقت رائحة البنفسج المزهر حديثاً في الجو الرطب، وبدأ المنزل على قمة بيكرنغ بوينت رمادياً معزولاً.. ارتقت تاي الدرجات القليلة بسرعة.. ودقت الجرس..كان قلبها يخفق بطريقة غريبة وكان التهور يدفعها إلى رؤية ميردت ولكنها لم تتوقف قليلاً لتفكر في التريث قبل التهور فيما لا تحمد عقباه..يجب أن ترى ميردت بمفرده قبل أن يسافر إلى نيويورك، تعرف أن لا أمل لها في إيقافه عن إجراء العملية الجراحية، ولكن يجب أن تراه..أن تكون معه قبل أن يسافر في حال.. ورفض تفكيرها بعنف إمكانية الموت.
انفتح الباب قليلاً، و أطلت بيلا ماك كاب.
قالت :" حسناً؟".
- جئت أرى ميردت لايتبون.
- ليس هنا.
*******************
- هل سافر؟
- لا أعرف إلى أين ذهب..لقد خرج مع جوزف في الشاحنة الصغيرة إلى مكان ما..إنهما يخرجان دائماً معاً.
- أتعرفين متى يعودان؟
- لا.. لم يخبراني شيئاً، وأنا لا أسأل.. فأنا أذكى من أن أسأل أياً منهما.
- أذهبا برأيك إلى نيويورك؟
- قلت لك لا أعرف، أهذا كل ماتريدينه؟
وراحت تقفل، فتمتمت تاي:
- أجل.. أعتقد أن هذا كل شيء..شكراً.
أقفل الباب، وعادت تاي ببطء تنزل الدرج خائبة الأمل قانطة.
عادت قمرالليل إلى النزل، ولكنها لم تقل لأختها أين كانت ..بطريقة ما، مرت فترة الظهيرة ثم لما بلغت الساعة الرابعة توجهت إلى منزل دون من أجل التمارين النهائية.
رحبت بها ليزا،، ولكنها قالت لها بقلق:
- تاي..ما الأمر؟ تبدين..كيف أقول هذا؟ متوترة الأعصاب؟ هل أنت قلقة بسبب الحفلة الموسيقية، ربما؟
- قليلاً.
- لكن يجب ألا تتوتري لأنك عازفة ماهرة.
ابتسمت تاي لعازف الكمان وهو يخرج من الغرفة التي يتدربون فيها عادة ويرد الابتسام مرحباً.
- هذا صحيح..صحيح..لكنني لا أنتقد التقنية لأنها ممتازة.. بل.. أنتقد النقص في التعبير..يجب أن تتعلمي الاسترخاء وترك المجال لمشاعرك بالظهور..فكرت كيف يمكنني مساعدتك في هذا..يجب أن تفكري في هذه المعزوفة الثلاثية وكأنها قصة حب..قصة زوجين غير مناسبين..الفيولا و الكلارنيت..أيمكنك هذا؟.
قالت وقد أثار اقتراحه اهتمامها:
- سأحاول.. إنما رجاء أخبرني المزيد.
- اسمعي إذن.. فيما ننتظر جاد، سنتكلم أنا و أنت عبر آلاتنا وكأننا زوجان غير مناسبين..كما تعرفين، الجزء الأول من الحركة الموسيقية يبدأ بعزفي للكمان بطريقة مشاكسة.
عزف اللحن بطريقة عنيفة..أشار اللحن العنيف إلى شخص يشخر ساخراً بشكل مستفز..بالطريقة التي سخر منها ميردت حين التقيا أول مرة..
قال دون:
- هذا هو بطلنا..الكمان يعبر عن حبه..إنه شخص عنيف قاسٍ..مايسمى اليوم بالمغرور، الآن أنت ، على الكلارنيت، بطلتنا، اعزفي اللحن عينه، إنما بحنان أكبر لأنك أنثى..هيا..اعزفي وضعي في ذهنك أنه يعجبك و أنك تريدين معرفته أكثر.
رفعت تاي الكلارنيت من علبتها..ثم بللت لسان الآلة بشفتيها، وبدأت بالعزف..تصاعدت النغمات في الهواء بوضوح و صفاء كتغريد الطيور وراحت تتذكر ماشعرت به عندما قابلت ميردت في منزله.. وكيف حاولت أن تتملقه.. كبرت الذكرى، وتغيرت أنغام الكلارنيت وأصبحت دافئة مثيرة وعندما وصلت إلى نهاية النغم توقفت لتلتقط أنفاسها فصفق دون يديه ابتهاجاً.
- هذه هي..هذه هي! الآن أعرف أنك مررت بتجربة..الآن لم تعودي تعزفين كإنسان لا جنس له.. يجب دائماً أن تضعي خبرتك في الحياة في عزفك..إذن.. فلننتقل إلى الحركة الثانية، الأخف ظلاً.. مع أن فيها لحظات جادة، وفيها تتنهد الكلارنيت لتبدي توسلها و شوقها.. ولكنها ستتلقى رداً سيئاً من الكمان، عليك أن تفهمي أن ذلك أشبه بقصة حب.. تقدم و تراجع ..عرض و رفض.
*********************

تمتمت تاي:" أجل.. أفهم، لكن كيف ستنتهي..قصة الحب هذه؟".
- في الحركة الأخيرة..كما تعرفين.. نحصل الكلارنيت على فخرها بنغمتين رائعتين..الأنثى تعبر للمرة الأولى و الأخيرة عن حبها ثم يتشاجر الرفيقان غير المتناسبين عندما يرفض بطلنا الكمان، الاعتراف بأن الحب غلبه.. ثم أخيراً، يتم التغلب على كل المعارضة، وتسير الكمان و الكلارنيت معاً، بطلنا و بطلتنا، في انسجام كامل.
- النهاية السعيدة؟
- النهاية السعيدة..أرجو أن تتذكري هذا و أنت تعزفين.
- سأحاول.
ثم سألت قمر الليل بسرعة:" دون..ذهبت إلى منزل ميردت لايتبون هذا الأسبوع..أليس كذلك؟".
- مرتين..لأضع مع جوليا غرين ترتيبات الغرفة للحفلة..لماذا تسألين؟
- هل كان ميردت هناك؟ هل رأيته؟
- نعم رأيته في المرة الأولى و أذكر أنه قدم لنا نصيحة، أما البارحة فلم أره.
- هل تعرف ما إذا كان سيحضر الحفلة غداً.
- لا..لا أعرف هذا، لكن الزوجين ماك كاب سيكونان هناك لفتح الأبواب لنا.. وسيكون أفراد من جمعية الموسيقى و الفنون هناك للمساعدة، و لإرشاد الناس إلى مقاعدهم و للتأكد من عدم دخول أحد إلى سائر أرجاء المنزل..هاقد وصل جاد ، فلنبدأ..تذكري تاي.. و أنت تعزفين..أنت امرأة واقعة في الحب.
لم يكن من الصعب عليها أن تتذكر لأنها فعلاً امرأة واقعة في الحب.. بدأت الموسيقى الآن تروي قصتها مع ميردت.. ولكن النهاية بدت بعيدة عن منالها.. وكانت تفكر في هذا بكل حزن وهي تعزف آخر الألحان بتناغم مع دون.. رحل ميردت ولن تراه مرة أخرى.
بعد التمرين هنأها دون و جاد معاً، واتفقا على الذهاب بعد ظهر الغد إلى المنزل للتأكد من جهوزية الفرقة.. أوصل جاد تاي إلى النزل حيث وجدت كينان في المطبخ تحضر العشاء للزبائن القلائل عندها، حيث شاركي سوير جالساً على الطاولة قرب النافذة يراقبها وهي تتحرك ، وعلى وجهه و عينيه تعابير الحب و الحنان.
لا نهاية سعيدة له و لكينان أيضاً، فكرت تاي في هذا وهي ترتقي الدرج وصولاً إلى غرفتها.
آه.. لماذا طريق الحب الحقيقي غير سهل دائماً؟ لماذا العراقيل دائماً في الطريق؟
استلقت قمر الليل في فراشها عاجزة عن النوم، تراقب القمريتسلل من خلف الغيوم وتصغي إلى ثلاثية موزارت التي تضج في رأسها، إلى نغمة الكمان الضاجة، وإلى الكلارنيت الصافية متشوقة.. زوجان غير متناسبين..
إنها و ميردت غير متناسبين.. ولهذا اصطدما منذ لحظة التقائهما.. كان فظاًَ قاسياً، يحب العيش في ظل المخاطرة، يسافر إلى بلدان تمزقها الحروب، يلتقط أفلام العنف، وهي مشدودة حساسة إلى أقصى الدرجات، تغمض عينيها أمام العنف في العالم وتدير ظهرها له.. تهرب من الواقع إلى جمال الموسيقى، ليس هناك بينها وبينه شيء مشترك .. لاشيء.
*******************************

إذن..لماذا هذا التجاذب القوي بينهما؟ لماذا هي ضائعة لأنه سيجري العملية التي قد تؤدي به إلى حتفه؟ هل لأنه ماكان ليجريها لولا كلماتها القاسية؟ أين هي الآن؟ أهو في غرفة مستشفى؟ أن تحت تأثير المخدر ينام استعداداً للعملية الجراحية؟
لا..غداً الأحد؟؟ ونادراً ماتجري الجراحات أيام الآحاد إلا في حالات طارئة..إذن ستجري يوم الأثنين..آه..ياالله.. ليتها تعرف متى وأين؟ لا جدوى من طرح السؤال على بيلا ماك كاب، لكن جوزف قد يخبرها.. وما أن تعرف حتى تهرع لتكون معه عندما يجري العملية.. ولتكون هناك حينما يستيقظ من غيبوته، ولتكون هناك عندما.. أجبرت نفسها على مواجهة مرة أخرى..ساعة موته..
نامت قمر الليل تلك الليلة أكثر مما نامت في الليلة السابقة، وفي أية ليلة منذ طلب منها الابتعاد عنه.. وكأنما اعترافها بحبه جعل بالها يستريح أخيراً.
استيقظت منتعشة في الصباح وفيما كانت ترتدي ثيابها أعادت قراءة رسالة برنابي..ثم طوتها مجدداً ودستها في الغلاف ونظرت من النافذة إلى أشعة شمس الصباح المتسللة من بين أوراق الشجر..كان هناك عصفور يغرد.
بدا لها وكأنه يقول:" تأخرت كثيراً..برنابي..تأخرت كثيراً، برنابي".
فتحت قمر الليل درج منضدة، ورمت الرسالة فيها.. في يوم ماسترد عليها..أما الآن..فلديها الكثير مما يشغل بالها، لديها ميردت.
حاولت أن تهون على نفسها ذلك اليوم و أبعدت أفكارها عن الحفلة الموسيقية.. في الصباح ساعدت كينان في تحضير غداء الأحد المبكر العادي، وساعدت كذلك في خدمة الطاولات وفي تنظيفها..
بعد ذلك جلست في الحديقة للاستمتاع بأشعة الشمس.. وبعد ذلك غيرت ملابسها وارتدت فستاناً أبيض و أزرق، قماشه من الكريب دوشين الحريري وهو ما اختارته للحفلة الموسيقية، ثم رفعت شعرها إلى فوق وعقصته في أعلى رأسها.. وزينت وجهها، وارتدت معطفها وحملت الكلارنيت وجلست في صالة الفندق بانتظار دون الذي سيقلها.. وكانت كينان التي ستقدم الطعام و الشراب في حفل الاستقبال الذي سيقام هناك بعد الحفلة الموسيقية، ستذهب إلى هناك مع مرغو الساقية المنتظمة.. ومع شاركي سوير بالتأكيد.
تركت تاي دون و ليزا يدخلان قبلها إلى غرفة الحفلة.. وما إن ابتعدا عن السمع حتى ارتدت إلى جوزف الذي كان يقفل الباب الأمامي، وهمست:
- هل ميردت..أعني السيد لايتبون..بخير؟
- بكل تأكيد سيدتي.. ولماذا لا يكون بخير؟
- إنه..أخبرني أحدهم أن سيسافر من أجل.. الدخول إلى المستشفى، وأريد أن أعرف ماإذا سافر.
ضاقت عينا جوزف الزرقاوان، وقال بلهجة مراوغة:
- ومن أخبرك بهذا؟
- لايهم من.. هل سافر أم لا؟
- حسناً.. إنه غير موجود هنا.
- أين هو إذن؟
- لا أعرف سيدتي.. هل ستعزفين مع الفرقة الليلة؟
- أجل..آه جوزف أخبرني بمكانه!
****************************

رد بصوت جاف:" ليس لي ملء الحرية لأخبرك.. سينزعج ميرت إن أجبت عن سؤالك.. والآن أعذريني يجب أن أساعد بيلا في وضع كؤوس الشراب على الصواني.
تمتمت تاي عندما ارتد على عقبيه:
- آه ..اللعنة!
ضربت قمر الليل قدمها في الأرض.. لكنه لم يلتفت إليها أو يتوقف، بل تابع طريقه رأساً إلى المطبخ.
نظرت إلى يمينها فرأت باب الغرفة التي نامت فيها مفتوحاً..دنت منها لتنظر إلى الداخل، فإذا الغرفة متغيرة.. لم تعد غرفة نوم، بل أصبحت مكتبة فيها منضدة كبيرة ورفوف كتب و كراسي مريحة..في إحدى الزوايا طاولة مغطاة بقماش أبيض، وسط الطاولة باقة زهور ربيعية، هنا سيقام الاستقبال إذن؟ لم يعد أحد بحاجة إليها كغرفة نوم..لأنه لم يعد هنا، لقد رحل.. ولكن إلى أين؟
في الساعتين التاليتين لم يكن لتاي الوقت لتفكر في مكان تواجده..لأنها انشغلت كثيراً بالتدريبات، ثم تناولت عشاء سريعاً قدمته كينان.
ستبدأ الحفلة .. في السادسة و النصف وصل كليف نورداي ومعه مصور آخر ولكن جوليا لم تكن معهما.
قال كليف:" لا اعرف أين هي، اتصلت بها في شقتها طوال اليوم فلم نتلق جواباً، ولم تأت أيضاً الى الاستديو..لكننا قادران على التصوير بدونها".
إنها إذن مع ميردت..أعرف أنها معه.. وشعرت تاي بموجة غيرة تثير الغثيان..لقد سافرا معاً.. عادا إلى نيويورك..فهل أقنعته بعدم إجراء الجراحة وهل أقنعته بمغادرة نورثبورت..آه..لماذا أضيع وقتي بالتفكبر فيه؟ ألم يوضح بما لا يقبل الشك أن لا يريدني وقد حدث هذا منذ عادت إلى حياته! فلماذا لا أفعل ما قاله لي؟ لماذا لا أنساه؟
في السابعة بدأ الجمهور بالوصول.. في سماء المغرب كانت الشمس أشبه بكرة ذهبية فوق تلال قرمزية ترتفع في سماء زرقاء.. الهواء دافئ، ناعم، عابق برائحة البنفسج وبرائحة البحر..أما ردهة المنزل القديم المكسوة بالخشب فكانت تلمع وكأنها ترحب بالغرباء الوافدين ، وسرعان ماعجت الغرفة الواسعة بالناس.
في الغرفة التي سيقام فيها الاستقبال، كانت كينان تعد الكؤوس التي حضرها لها جوزف وبيلا.
سألت:" هل هو هنا؟".
- من هو هنا؟
- ميردت لايتبون طبعاً..أحب أن أقابله.
- لا..ليس هنا.. لقد سافر.. وأظنه رحل معها.
- مع من؟
- جوليا غرين..مخرجة البرنامج، إنها المرأة التي عاشت معه قبل الميلاد..المرأة التي رأيتها في القرية خلال الشتاء..
ارتدت عينا كينان دهشة:
- حقا؟ إنه لأمر مؤسف لأنه يسمعك وأنت تعزفين، أعني ..هذا أقل ما يجب أن يفعله.
تممت تاي:" وأنا أظن هذا أيضاً".
بدأت الحفلة الموسيقية في وقتها المحدد .
في البدء عزف دون سيمفونية براهامز، ثم جلس ليعزف أصوات كمانين فيولا و تشيلو، أحياناً تعلو بحدة و تتنافر، و أحياناً تخرجان بتناغم جميل، وأحياناً تبدو مستوحدة وكأنها تحدث بعضها بعضاً.
***************************
جلس الجمهور صامتاً مسمراً.. في الخارج و عبر الأبواب الزجاجية تطاولت الظلال فوق المرجة لأن قرص الشمس غرق وراء التلال.. وطال الشفق رمادياً بنفسجياً، حل الظلام.. وحدها أنوار التلفزيون المشعة كانت مبهرة، وموجهة على الموسيقين، أما سائر الفرقة، فكانت في ظلال وعتمة.
أنهى سيمفونية براهمز بنغمات انتصار، وسادت لحظة صمت.. ثم تصاعد التصفيق فانحنى دون.
سأل دون تاي:"هل أنت جاهزة؟".
- أجل جاهز، ولكن ألا تريد و جاد شيئاً تشربانه قبل العزف مجدداً؟ أرى أنكما تشعران بالحر.
- السبب أنوار التصوير..
قال جاد: أنا مسرور لأنها أمسية رائعة، فنحن قادرون على فتح الأبواب..أعتقد أن الماء البارد هو الشراب الملائم.
عادوا إلى فرقة تاي معهما..عندئذ حياهم الحضور بمزيد من التصفيق..بدأت الموسيقى وبدأ الكمان يعزف المقطع الأول..عندئذ تذكرت تاي ماقاله لها دون في اليوم السابق، وتصورت أن ميردت أمامها يزمجر في وجهها و يشتم.. ساعة اصطدمت به في باي ستريت، فرفعت الكلارنيت إلى شفتيها لترد له النغمات ذاتها بكثير من المشاعر.
كانت حركتها ثابتة..فقد تصورت أنها تتجادل مع ميردت، وعزفت وكأنه معها في الغرفة..ثم جاءت الوصلة مابين الحركة الثانية و الثالثة.. فتذكرت ماقاله دون عن النهاية السعيدة.. وتساءلت كيف ستعزف اللحن بسعادة وهي تعلم علم اليقين أن لا أمل أمامها بنهاية سعيدة.
نظرت قمر الليل إلى الجمهور الجالس في العتمة، وإلى وجوههم البيضاء من فوق الرؤوس، نظرت إلى نهاية الغرفة وعندئذ صدمت صدمة قوية.. توجهت أنظارها إلى أحد الأبواب الزجاجية المفتوحة ..كان هناك رجل واقف في الباب..رجل طويل يرتدي نظارة سوداء.
همس دون:" تاي ..جاهزة؟".
أدركت أنها لم تعي إشارته التي تشير إليها بالبدء بالعزف.. جمعت شتات نفسها، وهزت رأسها ورفعت الكلارنيت ثم ضغطت الصفارة على شفتها السفلى ، ونفخت برقة.. ميردت هنا يصغي إليها.. خرجت النغمات الذهبية ممتلئة ، رخيمة.
نظرت مرتين بحذر نحو الباب وحدقت للحظة إلى الطيف الواقف في الظل لتطمئن بأنها لا تتخيل أنه موجود.. ولكن عندما انتهت المعزوفة وارتفع التصفيق، نظرت مرة أخرى فلم تجده.
لاقت المعزوفة نجاحاً منقطع النظير، فقد اضطروا ثلاثتهم إلى الانحناء ثلاث مرات..فيمابعد، خلال حفل الاستقبال تلقت العديد من التهاني ولكنها ظلت تركز اهتمامها على الباب علها ترى ميردت ثانية لكنها لم يظهر.
لاشك أنه الآن في مكان مامن المنزل.. ليتها تستطيع ترك الحفلة لتفتش عنه! لكنها لن تستطيع لأن جوزف وبيلا لن يسمحا لأحد بالدخول إلى الطابق العلوي أو إلى مؤخرة المنزل..يجب أن تبقى وتشرب المرطبات، وتقضم سندويشات الجبن، وتتبادل الأحاديث المهذبة مع أناس لا تعرفهم.
*************************
كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة حين غادر آخر شخص من الجمهور وعندها فقط تمكن الموسيقيون من المغادرة وعندما عرض دون عليها أن يقلها رفضت و اعتذرت قائلة إنها عائدة مع كينان.. ولكن عندما توجهت إلى سيارة كينان التفتت إلى الوراء نحو المنزل..فإذا النور مايزال يتسلل من الردهة عبر الباب الأمامي لمفتوح، وإذا ضوء دافئ أصفر يشع من النافذة العلوي.
همست قمر الليل:" كينان تعالي إلى هنا".
ابتعدت عن السيارة..فلحقت بها كينان حتى ابتعدتا عن مرمى السمع.
أشارت تاي إلى النافذة المضاءة:
- انظري..ميردت هناك.. أعرف هذا.. رأيته في الغرفى عندما كنت أعزف..كان واقفاً بأحد أبواب الشرفة..إنه فوق الآن..سأذهب لأراه.
قالت لها كينان بهدوء:" إذن سأنتظرك فلا تتأخري".
- حسناً لن أتأخر..
سارت تاي بهدوء قدر المستطاع ثم ارتقت الدرج، ودخلت إلى المنزل.
*********************

7- إذا مات...
ما إن خطت إلى الردهة حتى سمعت تاي أصواتاً، كان جوزف و بيلا يدمدمان لبعضهما بعضاً وهما يسيران في الممر في طريقهما إلى المكتبة، فوقفت وراء الباب المفتوح.
اقتربت الأصوات ووقع الأقدام ثم انطفأ النور في الردهة، وأقفل أحدهما باب المكتبة، ولولا نور القمر المتسلل من النافذة لغمر تاي الظلام.. أقفل الباب الأمامي وابتعد وقع الأقدام نزولاً على الدرج الخارجي.. بعد دقائق قليلة تناهى إليها صوت هدير محرك شاحنة جوزف..ثم أخذ صوتها ينخفض لأنها ابتعدت عن الطريق الداخلية.. وماهي إلا لحظات حتى عم الهدوء..
تحركت تاي بحذر و توجهت إلى الباب الذي أمسكت قبضته و أدارته وفتحت الباب..كانت الردهة مظلمة ولكن سرعان ماوجدت زر الإنارة..ارتقت السلم، وقلبها يضج إثارة..وصلت قمر الليل إلى الردهة العليا المظلمة.. من تحت أحد الأبواب إلى اليمين في مقدمة المنزل، شعاع رفيع نوره أصفر، توجهت إليه مباشرة.. طرقت طرقاً خفيفاً على الخشب وفتحت الباب بدون أن تنتظر الرد.
امتد النور على طول السرير العريض ولكنها لم تجده في سريره بل وجدته واقفاً إلى جانب السرير العريض لها، كان يقلب أغطية الفراش، وبدا أنه لم يسمعها.
**********************

قالت :" ميردت".
انتفض أولاً ثم تشنج.. ولكنه مالبث أن رمى الغطاء من يده وارتفع رأسه إلى الوراء.. وأطلق لعنة قاسية ثم ارتد ليواجهها..لم يكن يضع النظارة فبدت عيناه الزرقاوان واسعتين تحدقان إلى شيء ما فوق رأسها.
قال بصوت ساخط:
- ياإلهي..أنت هنا مرة أخرى؟ ألم أطلب منك الابتعاد عني؟
- أجل..طلبت مني ذلك..وقد ابتعدت عنك..لكن عندما سمعت أنك مسافراً قريباً لتجري عملية جراحية وجدتني أطلب رؤيتك مجدداً..كان عليّ أن أراك.
فجأة..حدث شيء ما.. الحب الذي تكنه له تفجر وطاف ليغمرها فتركته يتدفق منها دافئاً قوياً، لايمكن مقاومته، وكأنه مد قادم من أعماق البحار يدفعها نحوه، وامتدت يداها إليه تتلمسانه.
ماهي إلا ثلاث خطوات حتى أصبحت قربه، يداها على صدره.
- آه ميردت.. ما أشد سروري عندما رأيتك واقفاً في الباب الزجاجي ساعة الحفلة، ظننتك رحلت.. ظننت أننا لن نلتقي مرة أخرى.
غمرتها مشاعرها فضغطت وجهها على عنقه..لكنه ظل جامداً إنما للحظة لأنه مالبث أن تأوه وتنهد قبل أن يلقي سلاحه و يتخلى عن جميع دفاعاته..التفت يداه حول وجهها بخشونة ورفعه.. رأت عيناه تحترقان بنار زرقاء.. ثم التفت يداه ذراعاه حولها برقة حارة متطلبة، فأذابهما معاً..فجأة ترنح كل ماحولها بجنون، وبدا أنهما يطوفان معاً..كان عناقهما حلواً عاصفاً، ولم يعد هناك صوت سوى ضربات قلبيهما المتسارعة في نغم متوحد.
كان رأسها يدور عندما ارتد وتراجع عنها بحدة آلمتها..كأنه يرفض وجودها..أحست قمر الليل بأنها فقدت دفئه، وأدركت أن خطأً وقع.. ففتحت عينيها..رأته يجلس على حافة السرير و يضع رأسه بين يديه.
فاقتربت منه وجلست قربه وراحت تمرر أصابعها على بشرته الحارة الرطبة قليلاً.
همست:" ميردت..ما الأمر؟".
- ماكان يجب أن تأتي إلى هنا..طلبت منك الابتعاد عني..ما كان يجب أن تأتي..
ران صمت ملؤه التوتر، حدقت تاي خلاله إلى الرأس المتكبر المرتد عنها وإلى المنكبين العريضين لتحاول سبر غور الغموض الذي يلفه، ولكنها فشلت..فهمست:
- لماذا رفضتني؟
تركت يداه رأسه فارتد إليها بحدة عابساً:
- عم تتحدثين بحق السماء؟
- عن الحب..جئت إلى هنا لأعترف لك بحبي..قبل..أن تسافر.
- ومن قال لك إنني مسافر..جوزف؟
- لا..جوليا غرين، أخبرتني أنك قررت إجراء جراحة لإزالة الضغط الذي سبب لك هذا العمى الجزئي، قالت إن نسبة نجاح العملية هي أربعين بالمئة فقط.
نظر إليها مباشرة وكأنه يراها، وبدا وجهه متجهماً خطوطه قاسية..مدت يدها ببطء فوضعتها على ساعده.. وهمست:
- هل..هل جوليا على صواب..ميردت؟
رد وقد ازداد عبوسه:
******************************

- إنها على صواب.. إنما لا أدري لماذا قالت لك هذا.
- قالت لي لأنها تريد أن أشعر بالذنب إن.. إن مت خلال الجراحة..قالت إنك قررت إجراء العملية لأن شخصاً ما قال لك .. إنك لست طبيعياً..وتصورت أن هذا الشخص هو أنا..آه! ميردت هل هذا صحيح؟ هل قلت لها إنني من قال هذا؟
ردد ساخطاً بصوت غاضب:
- السافلة..السافلة المتطفلة اللعينة!
غطى يدها بيده وراحت أصابعه الطويلة تشد عليها لتؤلمها.
- أجل..قلت لها هذا..كنا نتجادل..أرادت أن تعرف..آه! كانت تريد أن تفهم ماكان بيني و بينك..
أطلق اللعنات..
حثته بهدوء: إذن..قل لي.. أنا.. أعرف أنها كانت عشيقتك.
التفتت إليها عيناه الزرقاوان الجامدتان وقال ساخراً:
- أحقاً كانت؟ إنه خبر جديد لي..متى؟
- متى..حين تعود إلى نيويورك بعد كل مهمة، عندما جاءت إلى هنا لتكون معك قبل آخر عيد ميلاد.
- صدقتها..تجرأت على أن تصدقيها؟
مال إليها، كانت يده تمسك بيدها وهي على ساعده..
- مرة واحدة.. ومرة واحدة فقط.. ومنذ زمن قديم نسيته، عندماكنا طالبين في الجامعة أمضيت معها ليلة.. وكانت غلطة..غلطة ندمت عليها مراراً وتكراراً..أترين، إنها من النوع المتملك..مرة واحدة ثم تركتها و لكنها لم تستطع نسيان ماكان بيننا ولم تغفر لي.. ومنذ ذلك الوقت وهي تعود إلى الظهور لتحاول السيطرة عليّ عندما تظن أنها قادرة..ظنت أنها حصلت عليّ عندما جئت إلى هنا نصف أعمى و أكاد أفقد عقلي من الألم و الإحباط..أرادت أن تكون رفيقتي المساعدة و مرشدتي و ملاكي الحارس.
ضحك ضحكة صغيرة خالية من الشفقة:
- وهل من شخص مناسب لهذا الدور أكثر منها؟ ماكانت تريده حقاً هو السيطرة عليّ كانت تسعى أيضاً وراء المال الذي ورثته.. ولم أتأخر كثيراً لأعرف نواياها.. وقد فضحت نفسها عندما راحت تحثني على عدم إجراء الجراحة: لا تجرها ميردت فقد تموت، لا تحتاج للعملية مادمت معك.. سأكون مرشدتك و مساعدتك إن تزوجتني.
ضحك ضحكة ساخرة:
- شكراً لله لأن جوزف كان هنا! فقد ساعدني على الخلاص منها.. وضب لها حقائبها ووضعها على الباب.. وأقلها بشاحنته بعيداً عن حياتي.. وظننت أنني أبعدتها للأبد ولكنني كنت مخطئاً مرة أخرى.
التوت شفتاه بسخرية مريرة مرحة.
- ألم تعرف أنها حظيت بعمل في التلفزيون المحلي؟
- لا.. وإلا لما وافقت على أن يصوروا الحفلة الموسيقية هنا.. عندما رأيتها غضبت غضباً شديداً جعلني أنفث غضبي عليك..فطلبت منك أن تبتعدي عني.
وضع يده على عنقه:
- اكتفيت من النساء المتسلطات المتطفلات!
- آه.. وهل تعتقد أنني متسلطة متطفلة؟
قال بصوت منخفض:
- قليلاً.. ولو تسلطك لماكنت جئت إليّ.
**********************

انحنى يعانقها مداعباً.. فحاولت دفعه عنها بيديها على كتفيه، وشهقت بأنفاس متقطعة:
- إذا كان هذا هو ظنك بي..فدعني..آه..أرجوك ميردت دعني أذهب!
فجأة تغيرت طريقة مقاومتها لتتهرب منه بسبب تغير عناقه..فاستجابت له جوارحها.
- ليتني أقدر أن أراك جيداً.
همست فمر الليل:" ستراني يوماً".
أحاطت وجهه بيديها وراحت تقبل عينيه..ثم ضمته بحنان.. سيكونان دوماً جزءاً لا يتجزأ.
لكن شيئاًُ ما سيقف بينهما ليفرقهما، في القريب العاجل.. تسللت الفكرة إلى تفكير تاي.
- ميردت؟
- همم.
- متى ..متى قررت إجراء العملية؟
قال بعدم اكتراث:
- لست متأكداً.. ولماذا تريدين أن تعرفي؟
- أكان هذا قبل أو بعد أن قلت لك إنك ..غير طبيعي؟
صمت لحظات..ثم ابتعد عنها.
قال بوضوح وحزم:
- قبل هذا، لا شأن لقراري بماقلته بل هو نتيجة جدال مؤلم مع نفسي..قررت في نهايته أن هذه هي حياتي، والأفضل أن أموت أن أعيش نصف أعمى، غير قادر على القيام بالأشياء التي أحب القيام بها.. وهذه هي المخاطرة التي سأركبها في إجراء العملية.. فأنا لا أعرف العيش إلا مع الأخطاء.
صمتت تاي وهي تكافح لمنع الدموع التي ترقرقت في مآقيها.
- أنا سعيدة بهذا.. ومسرورة لأن قرارك غير متعلق بماقلته..ما كنت لأتحمل لو مت بسبب غلطة زل بها لساني.
مرت أصابعه بخفة على خدها تلاحق قطرات الدمع التي انسكبت، اقترب منها فعاد رأسها يدور ثم راح يلثم وجنتيها حيث الدموع.
كلمها برقة: تاي.. يجب ألا تبكي من أجلي، أنا لا أستحق هذا.
صاحت قمر الليل:" بل تستحق..تسحق!".
عقدت ذراعيها حول عنقه تشده إليها:
- أنت لا تعرفين ما تقولين..أنت لا تعرفين ما أنا ..حقاً.
ردت: لدي فكرة جيدة عنك، أنت قاس وجلف.. وظالم.. ومتعصب ضد النساء كذلك، أنت لست النوع الذي يعجبني من الرجال..لكنني أحبك.
- توقفي عن مداعبتي بمثل هذه الرومانسية.
أضافت قمر الليل وكأنه لم يتكلم:" ولا أريدك أن تموت".
أجفل وتراجع، وأمسك بمعصميها يبعد يديها عن عنقه.
- لن تطلبي مني عدم إجراء العملية من أجلك..
- لا..لن أطلب ذلك..لكنني لا أريد أن تموت.. متى تذهب إلى المستشفى؟
- غداً في الصباح.. سيقلني جوزف إلى عيادة الجراح..لم يبق لدينا وقت طويل معاً..
عاد يضمها إليه بكل رقة فتذكرت أن أختها بانتظارها:
- حبيبي عليّ الذهاب الآن فأختي بانتظاري.
توقفت قليلاً ثم أضافت: ولكنني عاجزة عن الذهاب..فأنت راحل غداً..وهذا كثيراً عليّ..
*********************************
- لا تخافي اذهبي الآن.. ولكننا سنعود فنلتقي.
في صوته أمل كبير..يبعث الطمأنينة إلى قلبها.
تركته ولكن قلبها ظل معه..ترى هل تراه ثانية؟ هل سيجمع القدر من جديد بينهما؟
عندما وصلت أمام السيارة أختها صعدت إليها صامتة.
قالت لها كينان بشوق:" أخبريني ماذا حدث؟".
ولكن تاي كانت تشعر بالألم وهي الآن عاجزة عن التفوه بكلمة:: غداً أختاه، أيمكنك الانتظار حتى الغد؟".
نظرت إليها كينان نظرة طويلة وكأنها تشعر بالألم الذي يسيطر عليها.
في الصباح التالي.. بعد ليلة أرقة نهضت تاي من فراشها متأخرة..ارتدت ملابسها ثم توجهت إلى المطبخ حيث وجدت كينان هناك شاركي سوير، كانا يحتسيان القهوة و يمسكان بأيدي بعضهما بعضاً..ولكن عندما شاهداها سحبا أيديهما عن الطاولة، بدأ عليهما الخجل و الارتباك ووقف شاركي.
- أعتقد أن الوقت حان لأعود إلى العمل.
نظر إلى تاي بخجل:
- كانت حفلة موسيقية رائعة ليلة أمس..استمتعت بها كثيراً..ليتك تبقين هنا، لتعزفي لنا ثانية وثالثة.
أدهشها إطراؤه:" شكراً لك!".
نظر طويلاً إلى كينان، وسار نحو الباب:
- أراكما فيمابعد.
بعدما أقفل الباب وراءه، نظرت تاي إلى أختها التي بدت جميلة هذا الصباح.. شعرها يلمع كأنه جناح غراب أسود، وعيناها السوداون تشعان بغموض، وخداها متوردان.
سألت قمر الليل: حدث شيء..بينك وبين شاركي؟
ابتسمت كينان حالمة:
- أجل..طلب مني أن أتزوجه.
- لكن..ماذا عن..
- لقد وصلته أخبار من محاميه..يمكنه الحصول على الطلاق الآن على أساس هجر زوجته له، فقد رفضت لثلاث سنوات المجيء إلى هنا و العيش معه و لم تحاول رؤيته، جاء ليقول لي هذا فوراً وطلب مني الزواج بعد حصوله على الطلاق.
- وأنت ..ماذا تريدين..؟ هل تريدين الزواج به؟
- بالتأكيد، أريد الزواج، وأريد أن أنجب أولاداً قبل أن أصبح أكبر سناً..وأريد أن يكون شاركي أباهم.
همست تاي وهي تعانق أختها: أنا سعيد من أجلك".
قالت لها كينان:" سأحضر لك طعام الفطور".
صبت فنجان قهوة:
- خذي هذا واجلسي إلى الطاولة..ثم أخبريني عن ميردت..
- لاشك أنه رحل.. وفرصة لقائي به مجدداً قليلة جداً، سيجري جراحة لإزالة الضغط الذي سبب له العمى.. وهي عملية دقيقة.. قد.. قد يموت.
ارتشفت قهوتها فلسعتها حرارتها.
- وإن لم يمت؟ إن نجحت العملية و استطاع الرؤية مجدداً؟
- سيعود إلى عمله كمصور أخبار، سيعود إلى حياة الخطر..
نظرت إلى الحديقة متظاهرة بعدم الاكتراث بمايخبئه القدر لميردت..كل الأشجار في آخر الحديقة كانت تورق..أشجار القبقب الخضراء تتضارب مع لون القصب الفضي الأخضر ولون التفاح الحمراء.
*****************************
- ألم يصل البريد؟
- أجل.. إنما لا شيء.
صبت كينان البيض المخفوق على الزبدة الذائبة.
- على فكرة..اتصل بك دون.. يريد رؤيتك في أسرع وقت ممكن..إنه مستاء من تلك المرأة ، غرين.
يبدو هكذا، قد لا يستمر برنامج الحفلات الموسيقية لأنها غير موجودة لإخراج الأفلام..عجباً، لماذا تركت؟
- لا أدري.
لن تقول شيئاً عن جوليا لأن هذا سيدخل اسم ميردت في الحديث..من الأفضل الحديث مع أي شخص كان، حتى كينان، عن ميردت وهو من المحرمات.
أضافت قمر الليل:" سأذهب إلى دون بعد إنهاء الطعام.. واثقة أن كليف نورداي قادر على إخراج البرنامج..وسأكون أكثر من مستعدة لمساعدته في الإشراف".
سارت إلى منزل دون الذي بعد حديث قصير توجه معها إلى "بانغور" لرؤية مدير البرامج في التلفزيون المحلي، فقد كان يريد مناقشة مايجب فعله بشأن تصوير سلسلة الحفلات الموسيقية.
وعندما غادرا مبنى التلفزيون في الساعة الرابعة، كان لتاي وظيفة لماتبقى من الصيف: الإخراج و مساعدة كليف نورداي في الإدارة.
علقت كينان على الخبر:
- أراهن أن دون مسرور كثيراً.
- أجل..بالتأكيد..فقد راح طوال طريق العودة يصفق بيديه ويقول: هذا رائع..أنا سعيد.. سعيد من أجلك.. وسعيد من أجلي.. وقد اضطررت أكثر من مرة إلى إمساك المقود عنه لئلا تنحرف السيارة عن مسارها..فمن يتكلم بيديه، سائق خطير!
قالت كينان مرددة:
- وأنا سعيدة من أجلك، وسعيدة من أجلي أيضاً..سعيدة لأنك باقية هنا طوال الصيف، وسعيدة لأنه أصبح لديك ما تفعلينه..ما سيبقي تفكيرك مشغولاً عن شخص محدد..ماهو إحساسك بشأن الوظيفة؟
تنهدت تاي: مرتبكة.. ولكنني منفعلة في الوقت ذاته..سيكون العمل تحدياً لي.. فهو عمل لم يسبق أن اختبرته بل لم أتوقعه، وستكون التجربة ثمينة بالتأكيد..وإذا نجحت، سيوسع هذا خياراتي في مسألة اختيار وظيفة في المستقبل.. لكنني مازلت راغبة في أن تقبلني الأوركسترا في كاراكاس.
- ومتى ستقيمون الحفلة الثانية؟ بدأ الناس يتساءلون إن كنتم ستقيمون حفلة أخرى.
- في الأول من تموز..ستكون أمي هنا...أليس كذلك؟
- لست واثقة..عندما تحدثت إليها لآخرة مرة ذكرت شيئاً عن الذهاب إلى اسكتلنده..يبدو أن شمل عائلة ماكفرسون سينعقد ولقد دعاها أبناء عمها لتكون هناك في شهر تموز..وهل ستقيمون الحفلة في المكان ذاته؟
ردت قمر الليل ببرود:" نأمل هذا.. هذا هو الاتفاق الذي عقده دون مع ميردت لايتبون، ولا سبب يدعو للاعتقاد بأنه سيتغير.. ولكنني أنا ودون سنذهب في وقت لاحق هذا الأسبوع إلى المنزل للتحدث إلى جوزف ماك كاب في الأمر..أعتقد أن ميردت تركه في مركز المسؤولية".
******************************

- عندما كنتما في استديوهات التلفزيون في بانغور هل جرى ذكر لجوليا غرين؟
- القليل..شعرت بأنها لم تكن محبوبة كثيراً، و أنهم سعداء لأنها تركت العمل..كانوا يبحثون عن طريقة ما لطردها.
- ألم تذكر سبباً لترك العمل؟
- قالت فقط إنها تريد العودة إلى نيويورك لأنها وجدت منطقة "ماين" مملة وغير مثيرة..هل تريدين مساعدتي هذا المساء؟
- لا..شكراً..شيري هنا، وليس لدينا حجوزات كثيرة للعشاء.
- إذن..سأرد على بعض الرسائل.
سألت كينان: بنظرة جانبية ماكرة:
- على رسالة برنابي؟
- ربما.
وصعدت السلم إلى غرفتها.
مرت الأيام بسرعة..أيام من طقس مختلط ، شمس مشرقة وشتاء منهمر يتبادلان الأدوار..أيام ترقب متلهف منتظر بالنسبة لتاي، انتظاراً لأخبار ميردت، انتظاراً للذهاب إلى منزله لرؤية جوزف ماك كاب، وسؤاله ما إذا كانت العملية قد جرت أم لا.. وإذا كانت قد جرت، هل كانت ناجحة أم لا.
لكن، لخيبة أملها الكبيرة لم يكن جوزف في المنزل عند بيكرنغ بوينت ساعة وصلت مع دون، وحدها كانت بيلا هناك.. وفتحت الباب وتركتهما يدخلان على مضض، تنظر إليهما بعينيها الرماديتين الواسعتين المائيتين، وفمها الصغير مزموم بسخط.
قالت بطريقتها الباترة:
- جوزف لم يعد بعد من بوسطن، ولا أعرف شيئاً عن استخدامكم للغرفة مجدداً..لو كان لي رأي، فلن تستخدمها.. كان عملاً شاقاً لي أن أنظف المكان في المرة الماضية!
أربكت ملاحظتها دون الذي أخذ يعتذر بطريقته الخجولة حتى قاطعته تاي التي اعتادت على أسلوب بيلا الفظة في التعامل مع الناس:
- ومتى يعود جوزف؟
- يوم الاثنين..كما قال..حسب الظروف.
- أية ظروف؟
- كيف يشعر ميردت؟.
قال دون:" أوه.. وهل السيد لايتبون مريض ..لم أعرف هذا!".
ردت بيلا بفظاظة:" ليس مريضاً..الأمر فقط أنه سيجري عملية جراحية في رأسه..ليتمكن من الرؤية".
سألت تاي:" وهل أجريت له العملية؟".
- بالتأكيد.. ولكنهم لا يعرفون النتيجة حتى الآن.. ولهذا السبب مايزال جوزف هناك..فالدم لا يتحول إلى ماء.. وجوزف بكل تأكيد ملتزم بميردت، ويعامله معاملة الابن لا معاملة القريب لقريبه.
تحركت نحو الباب و فتحته لهما ليخرجا:
- أعتقد أنكما لن تبقيا هنا لأن جوزف غير موجود، سأرافقكما إلى الخارج.
التفتت تاي ونظرت إلى بيلا نظرة توسل:
- رجاءً، هلا طلبت من جوزف أن يتصل بي حالما يعود؟
- اتركي رقم هاتفك..انتظري لحظة لأحضر قلماً وورقة.
*************************

عادت وهي تحمل دفتر أو أوراق صغيرة وقلم.. دونت تاي اسمها ورقم الفندق ثم أضافت قمر الليل بضع كلمات لجوزف:" أرجوك..دعني أعرف شيئاً عن ميردت" ثم بعدما شكرت بيلا لحقت بدون إلى سيارته.
السبت..الأحد ..الاثنين.. أيام ثلاثة كانت تجر خطاها بتثاقل..ولكن يوم الاثنين كانوا أسوأ الأيام الثلاثة.. فالأن جوزف لم يتصل بها حتى الآن قضت ليلتها وهي تتساءل عما إذا كان تأخره عائد إلى فشل عملية ميردت..أو.. ربما لأن ميردت..مات.
كانت تتمرن على الكلارنيت في الصباح التالي حين جائت شيري لتخبرها بأن جوزف ماك كاب في الصالون و أنه يريد رؤيتها.
بدا طويلاً و نحيلاً بثوب العمل.. وكان واقفاً يتأمل لوحة زيتية لمركب صيد معلقة على أحد الجدران، دخلت إلى الصالون مقطوعة الأنفاس لأنها كانت تركض وهي تنزل الدرج.. التفتت إليها بعينين زرقاوين براقتين، ثم أشار برأسه إلى اللوحة:
- هذه سفينة" الأيام السعيدة" وهي مازالت تبحر.. رأيتها في كامون حين مررت بها بالأمس..إنها الآن سفينة سياحة، تبحر حول الجزر وفيها عدد كبير من السواح ومن مالكي الأراضي..يقال إن الطعام فيها جيد، وصلتني رسالتك ولكنني لم أتصل بك لأنني لم أحب التحدث إليك عبر الهاتف..فكان أن انتظرت حتى وجدت وقتاً وها أنا ذا أمامك.
- شكراً لك..ألن تجلس؟ هل أحضر لك شيئاً؟ فنجان قهوة؟
- لا..شكراً ..سأقول مايجب قوله و أمضي في طريقي..لقد أجرى ميردت الجراحة.
- أجل..و؟
- خرج منها بصحة جيدة.. لم يمت أو يتعرض لأي سوء، لكن معنوياته في الحضيض.
سألت قمر الليل بحيرة:" في الحضيض؟".
- كئيب..لهذا لازمته..كان يأمل أن يرى ما إن يستعيد وعيه من المخدر ولأن هذا لم يحصل راح يصيح في وجه الجراح و الممرضات وفي وجهي أنا وفي كل من يقترب منه.
تمتمت تاي:" أفهم هذا..لكن ..هل سيبصر من جديد؟".
- لن نعرف هذا قبل ستة أسابيع أو شهرين.
- إنها مدة طويلة الانتظار ..أعني بالنسبة له.
- أنت على حق في هذا.. ومن المحتمل أن يجن.. لكنه لن يحب أن يكون معه من يعتني به خلال هذه الفترة!
- آه! ألن يعود إلى هنا؟
- لا..بل سيبقى في نيويورك في أحد المصحات الخاصة.
- لم أعرف هذا.
فجأة فكرت في جوليا غرين التي عادت إلى نيويورك لأنها وجدت ماين مملة غير مثيرة..أوه..أعرفت أن ميردت سيكون في المدينة الكبيرة ولهذا رحلت إلى هناك؟
- جوزف، أتظن بمقدوري زيارته..أعني في المصح؟
- يمكنك ذلك.. إنما أنصحك بعدم الاقتراب منه حالياً.
- لماذا؟
- لايحب ميردت أن تلاحقه النساء.
- لكنني لن ألاحقه..سأذهب إليه كصديقة ..لأرفع معنوياته.
- لن يعجبه هذا، أتريدين منه أن يعاملك كما عامل تلك المرأة الخليعة النيويوركية.
- تعني جوليا غرين؟
**********************

- أجل..جاءت تراه بعد العملية بيوم.. عندما رأيتها قلت لها أن تغرب عن وجهه لأن ميردت لن يحب أن تراه و الضمادات على وجهه و الأنابيب في أنفه.. ومن جهة ثانية لا يوجد عندها احترام لخصوصيات الرجل، ولكني أقدر لها مثابرتها وعنادها، فقد جاءت ثانية وهي تحمل باقة من الأزهار عندما لم أكن موجوداً لأطردها.
- ماذا حدث بعد ذلك؟
- غضب ميردت بشدة و أخذ بالصراخ و الزمجرة حتى أتت الممرضات و طلبوا منها الانصراف.
اتجه جوزف نحو الباب الذي يفتح على الرواق قائلاً:" أعتقد أن الوقت قد حان لكي أذهب".
لحقت تاي به حتى الباب الأمامي للفندق، ورمقها بنظرة فيما كان يهم بفتحه.
- إذا كنت تريدين القيام بزيارة ميردت فلا تأخذي أزهاراً لأنه سيرميها في وجهك، وهذا هدر للزهور الجميلة، أراك لاحقاً.
********************

8- عدني ألا تموت!
تبعت تاي نصيحة جوزف، ولم تذهب لزيارة ميردت.. جوزف على صواب لأنها لا تريد أن يعاملها ميردت كما عامل جوليا.. ولا تريد أن يظن أنها تلاحقه.. والواقع أنها كلما أطالت التفكير في المسألة كلما أدركت أن الحكمة الابتعاد عنه في الفترة التي هو فيها في المصح..وإن كان يريدها وإن كان يحبها فسيأتي إليها في يوم ما..
وفي هذه الأثناء ستسير حياتها من دونه، كما سارت قبل أن تلتقيه.
هناك أشياء تريد القيام بها ولا شأن له بها كما هناك أشياء يفعلها ولا شأن لها بها.. من غير الضروري أن يعيشا في ظل بعضهما بعضاً..
لكنها مشتاقة إليه..آه! ! كم تتألم شوقاًَ إليه! كم تود أن تعرف حاله الآن..كيف يبدو..كيف يشعر، حاولت أن تراسله، ولكن فكرة أن تقرأ له رسالتها ممرضة ما أوقفتها.
في النهاية أرسلت له رسالة مختصرة، من إحدى تلك الرسائل التي تطوى داخل بعضها بعضاً لتصبح غلاف علبة صور مناظر محلية أو زهور، كتبت في الداخل ببساطة:" ميردت..أفكر فيك دائماً..تاي".
في المرة التالية التي رأت فيها جوزف سألته عن عنوان المصح ولكنها أكدت له أنها لاتريد زيارة ميردت بل إرسال رسالة إليه.
سألت قمر الليل:" هل علمت شيئاً عن حالته؟".
- إنه بصحة جيدة..
***********************

- ألم يبصر حتى الآن؟
- لم يقل شيئاً.
اعتذر كعادته، وابتعد عنها.
مرت أيام شهر حزيران ببطء وكان الجو في هذا الشهر حيناً مشرقاً وحيناً غائماً.. وكانت الحياة في تتابع روتينها الطبيعي..في فناء المراكب عند شاركي سوير.
انطلقت المراكب الشراعية و اليخوت، أو وقفت في مرساها تترنح بانتظار أصحابها الذي سيقضون إجازة الصيف هنا.
كان معظم الضيوف من كبار السن أو من الأزواج الذين صحبوا معهم أولادهم.. وكانوا يبقون في النزل مدة يومين أو أسبوع لاستكشاف الريف و المرافئ البحرية الصغيرة، ثم يرحلون قاصدين نيويورك و بوسطن للقضاء الوقت على الساحل.
كانت الفرقة الموسيقية تجتمع بانتظام و تتدرب من أجل الحفلة المقبلة التي ستقام في الأول من تموز وليس في منتصفه كما كان مخططاً لها أصلاً.. الحفلة الأولى اجتذبت إلى الفرقة أعضاء من الهواة و المحترفين في آن .
أعلن دون بحماس:
- الآن نستطيع توسيع الأداء و توزيع الألحان..نستطيع على الأقل تقديم بعض موسيقى موزارت الموسعة، مع آلتي كلارنيت، وآلتي "باسون" يتبعها مقطعوعة بيتهوفن الثلاثية رقم ستة على البيانو و الكمان و التشيلو.. وستكون أمسية موسيقية رائعة..
جعلها التمرن و التدرب مع الفرقة و مساعدتها في إخراج البرنامج التلفزيوني كثيرة الانشغال لكنها استمتعت بالمشاركة مع العديد من المعارف الجدد..وهي طالما شعرت بالسعادة كلما عزفت موسيقى موزارت الرائعة..كان كليف نورداي من الأشخاص الذين يسهل التعامل معهم وكان يوافق على اقتراحاتها بشأن وضع الكاميرات خلال الحفلة..تعلمت أن التوقيت في عملية إخراج فيلم هو أهم شيء.. واضطرا للتخطيط وهي وكليف خلال التمارين متى يجب أن تستقر الكاميرا على وجه أحد العازفين.
بعد مشاهدة أفلام المقابلات مع أفراد الفرقة ومع تاي، قررا أن يلغياها و أن يعيدا المقابلات من جديد ثم اقترح كليف عليها أن تجري بنفسها المقابلة.
- من الأفضل أن تطرحي الأسئلة بنفسك لأنك لك خبرة بالموسيقى..كما أن لك حضور جيد في التصوير، فصورك رائعة و توحين للمشاهدة بالإخلاص و الصدق وهما ميزتان كانت تفتقر إليهما جوليا.
أردف ساخراً:" السبب هاتان العينان الذهبيتان".
دهشت تاي من هذه النظرة الجديدة إلى نفسها:"حقاً؟".
- بالتأكيد..أنت طبيعية وعفوية، ولا تخفين شيئاً أو تخبئين مشاعرك.. تبدين على الشاشة دافئة و مهتمة حقاً بمن حولك، وهذا مايحبه مشاهدو التلفزيزن الذين هم قادرون على ملاحظ كل زائف..ولهذا لم تنجح جوليا كثيراً بنفسها، وبإبراز صورتها على الشاشة ولم تكن مهتمة بمن تجرى معهم المقابلات كما لم تكن ناجحة كذلك في الأخراج، فليس لها خيال أو احترام لذكاء الناس الذين سيشاهدون برامجها، لذا لن أدهش إن فشلت بالعمل مع أية شبكة تلفزيزنية.
نجحت الحفلة الثانية أكثر مما نجحت الأولى.. ولم يكن الجمهور المحلي هو من شاهدها فقط بل الكثير من المقيمين في المنطقة و السواح.. بيعت كل المقاعد واضطر الكثير إلى الوقوف أو الجلوس على الدرج أو في الردهة..وكان أن تلقت ترحيباً شديداً من الصحافة المحلية.
*********************

فيما بعد، اجتمعت الفرقة كعادتها لتقوم العمل و لتخطط للحفلة التالي.. اقترحوا على أساس النجاح الذي لقيته الحفلة أن يكون لنورثبورت احتفالها الخاص بالموسيقى و الفنون سنوياً، كل صيف.
قال تود فايكلاند عضو المجلس البلدي:
- مجلس بلدية مهتم بالأمر، لأنه يجتذب المزيد من زائري الصيف و السواح إلى المنطقة، هذا إن استطعنا أن نتأكد من حصولنا على منزل لايتبون.
والتفت إلى تاي:
- هل ذكرت يوماً فكرة الاحتفال السنوي أمام السيد لايتبون..تاي؟
ردت قمر الليل بحذر: لا لم أذكرها..فيكفينا الآن أنه وافق وسمح لنا أن نستخدم غرفته الكبيرة لهذه الحفلات الموسيقية الصيفية.
التفتت تود إلى المجموعة:
- هل ذكر أحدكم المسألة أمامه؟ ماذا عنك دون؟ يبدو أنك اتفقت معه.
- أجل، تحدثت معه عن إقامة احتفال عام ولكنني لم أضغط عليه.. فأنا كتاي أعتقد أن علينا أن نخطو بحذر و علينا أن ننتظر ونرى كم ستنجح هذه الحفلات قبل القيام بشيء آخر.
قال جاد:
- إنها ناجحة جداً.. وأعتقد أن علينا التقدم إلى لايتبون الآن كمجموعة، فلنكتب له رسالة نضع فيها بالضبط مانريد، ونرسلها إليه، أظن أن تاي على علم بمكانه..أليس كذلك؟.
ارتد إليها متسائلاً فأجابت:
- أستطيع أن أعرف..سأسأل جوزف كاك كاب..لأنه يعرف مكانه.
ذهبت لرؤية جوزف في اليوم التالي. . وكالعادة لم يكن متعاوناً..لكنه قال لها إن ميردت مايزال غير قادر على الرؤية وإنها مايزال في المصح في نيويورك.
بعد نقاشات طويلة، سطرت المجموعة رسالة وقعها دون وجاد وأرسلت إلى ميردت..ثم اتجهت كل طاقات المجموعة للتخطيط للحفلة الثالثة في أول نهاية أسبوع من شهر آب، ولحفلة رابعة أواخر شهر آب، ولحفلة رابعة أواخر شهر آب، قبل أن يرحل أكثر المصطافين.
أخيراً، تلقت تاي رسالة من لجنة التوظيف في أوركسترا كاراكاس، تقول أنها لم تقبل كعازفة في قسم الآلآت النفخية.. بعد خيبة الأمل التي منيت بها شعرت براحة عارمة.. فأخيراً عرفت أين تقف، وكيف تخطط للمستقبل..قالت لدون ماحدث، وسألت عما إذا كان بإمكانها استخدام اسمه كمرجع للسؤال عنها إن تقدمت بطلبات جديدة لفرق أخرى.
- بالتأكيد سأوصي بك.. إنما لما لايمكنك البقاء هنا؟ المجموعة بحاجة إليك وإن استطعنا ترتيب هذا الاحتفال السنوي فسنرغب أن تكوني المدير التنفيذي له.
- أحب البقاء وأحب أن أدير لكم الاحتفال ، إنما يجب أن أعيل نفسي فلن أستطيع الاعتماد على أختي إلى الأبد.
- أفهم هذا..لكن سيبقى لك العمل الصغير في إخراج الحفلتين المتبقيتين للتلفزيون.. ولدي إحساس بأنهم سيطلبون منك المزيد، لماذا لا تنتظرين لتري ماسيحمل إليك أيلول معه عزيزتي؟ فقد تحدث أمور كثيرة بين الآن وبين ذلك الوقت.
****************************

وافقت تاي متنهدة:
- هذا صحيح.. هل هناك رد على الرسالة التي أرسلتموها إلى ميردت لايتبون؟
- لا..ليس بعد، إنما الرد ..آت.. ولن يتجاهلنا..أنا واثق من هذا.
قدمت الحفلة الثالثة في مطلع آب، وبدأ التدريب للرابعة..مر شهر آب و أيامه الحارة، ، في هذا الوقت كان الخليج يعج بأشرعة اليخوت ولكنه في بعض الأحيان كان يعود ساكناً لأن الأمطار الموسمية كانت تهطل فجأة كما يحدث في المناطق الاستوائية.
إنه آخر يوم من الشهر، وآخر أحد فيه، بدا فيه الجو صافياً ممتازاً، وبدا مغيب الشمس رائعاً والسماء قرمزية والبحر مشتعلاً ناراً، والتلال أرجوانية قاتمة.
عندما صدحت الموسيقى في منزل لايتبون تسمر المشاهدون في أماكنهم، أما تاي التي لم تكن تعزف تلك الليلة بل كانت تقدم كل قطعة قبل عزفها فكانت جالسة على مقعد البيانو، في مكان لا يراها فيه الجمهور..وكانت واثقة أن روح جايسون لايتبون تبتسم وتهز رأسها موافقة على مايحدث في الغرفة التي طالما عزف فيها على البيانو.
كانت على وشك إنهاء تقديم آخر قطعة موسيقية، عندما رأت ميردت..على الأقل، ظنت أنها رأته..أجفلتها رؤيته بحيث صمتت في منتصف الجملة، ، واضطرت إلى سحب نفس عميق قبل أن تكمل.
وقبل أن تعود إلى مقعدها وراء البيانو، نظرت قمر الليل بسرعة إلى الباب المفتوح حيث ظنت أنها رأته يقف، وانه لم يكن موجوداً..عندئذ اقتنعت أن مخيلتها تلاعبت بها.. إنها ترغب في رؤيته كثيراً لذا اجتاحت مخيلتها الواقع و أظهرت لها شيئاً من الهلوسة.
انتهت الحفلة الموسيقية وصفق الجمهور، وانحنى العازفون عدة مرات.. ثم غادر الجمهور المنزل ببطء..
بعد الاتفاق على القاء في منزل دون في الأسبوع المقبل غادر الموسيقيون وودعت تاي كليف نورداي و المصورين الآخرين وذهبوا في "الفان" ، أما تاي فقد جاءت بمفردها في سيارة كينان..عندما كانت تهم بفتح الباب، رفعت بصرها إلى المنزل الكبير المظلم فتذكرت ليلة الحفلة الموسيقية الأولى و الضوء المشع من غرفة الطابق العلوي.
لكن الليلة لم يكن هناك أثر للضوء في الأعلى أو في الأسفل..مع ذلك وجدت الباب الأمامي مفتوحاً..نظرت حولها، فإذا شاحنة جوزف ماك كاب غير موجودة ولكنها رأت سيارة واحدة متوقفة أمام المنزل، بعيداً عن سيارتها..
صفقت باب السيارة وهرعت إلى الدرج ثم إلى الردهة..كان الظلام يلفها ومع ذلك دخلت إلى غرفة الموسيقى.. ولكنها رأت ضوءاً خفيفاً يتسلل من النافذة ويضيء مفاتيح البيانو، والساعة فوق رف الموقد.. من الباب المفتوح أخذ نسيم الليل البارد يحرك الستائر المخملية.
ثم تناهى إلى مسمعيها صوت من الردهة فارتدت على عقبيها و ألقت نظرة إلى خارج الغرفة..كان الباب الأمامي مقفلاً..فتقدمت لتستفقده ولكنها وجدت الباب مقفلاً بالمفتاح..آه، لاشك أن جوزف كان في المنزل و أنه غادره الآن مقفلاً الباب وراءه.. والأرجح أنه أقفل أيضاً الباب الخلفي، إذن هي مججوزة في المنزل.
لا..لم تكن محجوزة..فالباب الزجاجي في غرفة الموسيقى ما يزال مفتوحاً..هذا إهمال من جوزف..عادت تاي إلى غرفة الموسيقى وسارت حول المقاعد باتجاه أقرب باب زجاجي..من ورائها ناداها أحدهم باسمها:تاي!
************************

ارتدت قمر الليل نحو الباب فلم ترا أحداً..هل تراءى لها أنها سمعت صوتاً؟ هل لفظ أحدهم اسمها؟ أم لعل هذه الغرفة" مسكونة"؟
- تاي..
ارتفع الصوت مجدداً فاقشعر بدنها على بشرتها، واستولى عليها الخوف من المجهول، عندئذ حثت الخطى نحو الباب الزجاجي، فارتطمت بالكراسي فوقعت أرضاً إنما ليس قبل أن تصطدم بعدد من الكراسي..وصلت أمام الباب الزجاجي، وكانت تهم بالخروج عندما ارتفع من ورائها صوت مألوف طالما تاقت لسماعه وقال هادراً:
- تاي.. ماذا تفعلين هنا بحق الله؟
انصب العرق من بشرتها و خفق قلبها بين ضلوعها بقوة واتسعت عيناها رعباً..نظرت إلى الوراء فعم النور، كان هناك رجل في الباب يده اليمنى تنزل عن زر الإنارة على الجار..رجل تعرفه.. ولا تعرفه،، رجل ضخم قوي، يبدو أقوى لأن شعره القصير جداً عاد ينمو بعدما كان محلوقاً كلياً.. كان يرتدي الجينز وتيشيرت أزرق قصير الأكمام، قماشه الرقيق ملتصق بعضلات صدره والأكمام القصيرة تظهر ذراعيه السمراوين..ولكنه لا يضع نظارة سوداء..عبر الغرفة، رأت تاي بريق عينيه الزرقاوين.
أحست قمر الليل بالفرح يغمرها، وهمست:
- ميردت..هل أنت..أعني..آه ..ميردت!
مرة أخرى اصطدمت بالمقاعد وارتطمت ركبتيها وساقيها بها وهي تحاول الركض إليه.
وكان يتقدم نحوها أيضاً دافعاً المقاعد بدوره أمامه، التقيا..وقفا يتبادلان النظرات..ثم امتدت أذرعتهما و التفت حول بعضهما بعضاً، تعانقا وتعانقا وهما يضحكان بأنفاس مقطوعة..ثم عانقها عناقاً حاراً جعلهما يترنحان تحت جبروت الحب المشتعل.
سألته تاي:
- متى جئت؟
- هذا المساء، وصلت قبل نهاية الحفلة بقليل، ودخلت من الشرفة فسمعت آخر حركة من الجزء الثاني..ظننت أنني أتخيل حين خرجت من وراء البيانو لتعلني عن الجزء الثالث.
- ألا تعرف أنني هنا؟
- لا.. فقد تذكرت أنك قلت لجوليا غرين في هذه الغرفة إنك تاركة نورثبورت بعد الحفلة الأولى لتذهبي إلى كاراكاس، ولم يكن لدي سبب يجعلني أعرف أنك غيرت رأيك.
- لكن ألم يخبرك جوزف بأنني مازلت هنا؟
- ولماذا يخبرني؟ فأنا لم أسأله عنك وهو لم يأت على ذكرك.
كانت ابتسامته الملتوية تسخر من نفسه ومن جوزف..
ردت عليه:
- همم..لاحظت هذا.. وأنت لا ترد على الرسائل كذلك، لأنك لم ترد على رسالتي، هل وصلتك؟
صمت لحظات، كان ينظر إلى أيديهما المتشابكة معاً على ركبته، ثم رفع عينيه إلى عينيها فشعرت للمرة الأولى بتأثير عينيه الزرقاوين.
قال بهدوء:" لم أستطع..مشاعري نحوك كانت أعمق من الكلمات، اعتقدت أنك تركت نورثبورت، وسافرت إلى مكان ما بحيث لن أستطيع إيجادك ثانية"؟.
رفع يديه وأمسك رأسها بينهما وهمس:
- ما أروع أن أراك..تاي..أخيراً..ما أروع أن أراك.

*********************************

تعانقا مجدداً برقة وحرارة فشعرت تاي بأن أشهر فراقهما لم تكن.
قالت بأنفاس مقطوعة:
- أفهم من هذا أن الجراحة ناجحة.
- أستطيع الرؤية بشكل كامل تقريباً..أحتاج إلى نظارات طبية للقراءة..هذا كل شيء.
- لكنك تستطيع استخدام الكاميرا مجدداً.
- طبعاً..وشكراً لله..ولهذا أنا هنا، سأسافر في مهمة وأريد ترتيب أمور المنزل.
ارتدت عنه قليلاً:" مهمة؟ لشبكة التلفزيون ذاتها؟".
- هذا صحيح.
همست قمر الليل: إلى أين؟ إلى أين ستذهب؟
- إلى السلفادور مرة أخرى..
- لكن..لكن، هناك..
- هناك حيث بارني تمزق إرباً وأصبت أنا، أعرف..إنما عليّ العودة..
- لماذا..؟ لماذا يجب أن تعود؟ أليس هناك مهمة أخرى لك؟ مكان أقل عنفاً؟
قال بهدوء: يجب أن أعود.. لأثبت لنفسي أنني لم أفقد شجاعتي..وأنني لا أخاف السير بين الرصاص المتطاير، وقنابل"الهاون" و " المورتر" لألتقط صور بشاعة الحروب الأهلية..فهذا هو مايجري هناك بالضبط.
- لكن..لكن، ماذا عنا؟
أحنت رأسها واغرورقت الدموع في عينيهاو تشابكت يداها في حضنها.
كرر بحيرة:
- عنا؟
- أجل..أنت و أنا..
رفعت نظرها إلى وجهه، تنفض شعرها إلى الوراء وتكمل:
- أليس ..لعلاقتنا..لصداقتنا..مهما أحببت أن ندعوها، أية أهمية لك؟ هل الإسراع في الذهاب إلى بلد مزقها الحرب وتصوير الموت والدمار، يعني لك أكثر مما..مما أعني أنا؟
تأمل ميردت وجهها المرتفع إليه فغادرت القسوة عينيه، وحل مكانها نظرة دفء وحنان..لامس خدها بطرف إصبعه.
اعترف ببطء:" لا..لا شيء يعني لي أكثر مماتعنيه لي".
صاحت:" إذن لاتذهب في هذه المهمة".
رمت ذراعيها حوله تحتضنه، وتغط خدها على خده الخشن:
- لاتذهب ميردت..ابق هنا معي..وصور أفلاماً عن الموسيقى..آه..أرجوك لاتذهب، فقد تصاب بأذى مرة أخرى.. وقد تقتل!
لم يقل شيئاً، ولكنه ظل يحضنها لحظات طويلة، يلمس شعرها بهدوء حتى هدأت، ثم أراحت رأسها على كتفه فشعرت بدفئه ينشر في جسمها.
ثم قال بصوت منخفض ناعم و حازم:
- يجب أن أذهب تاي.. لن يهدأ لي بال إلا إذا عدت لأنهي ما كنت أحاول أنا وبارني القيام به.. إذا كنت تحبينني فستفهمين مشاعري وستفهمين ماذا عليّ الذهاب.
صمتت تاي.. وفكرت في مايقول، واعترفت على مضض أنه على صواب.
*************************

سألت بصوت لا حياة فيه:" متى؟ متى ستسافر؟".
- في بداية تشرين الأول.
بعد شهر..
رفعت رأسها عن كتفه، وابتعدت عنه:
- هل وصلتك رسالة دون وجاد؟
- أجل..وأرجو أن ألتقي بهما في الأسبوع المقبل.
- كان بإمكانك رؤيتهما هذه الليلة لمناقشة المسألة.
- هذا صحيح.. لكن ما إن رأيتك حتى بت غير راغب في مكالمتهما..أردت محادثتك أولاً..نويت الذهاب إلى الفندق غداً ولكنك عدت إلى المنزل ، لماذا عدت؟
- ظننت أن جوزف ذهب وترك الأبواب مفتوحة فعدت أقفلها.. كيف عرفت أنني عدت إلى الداخل؟
- رأيتك..كنت في المكتبة، ولما خرجت أقفل الأبواب رأيتك تدخلين إلى الغرفة عندئذ أقفلت الباب الأمامي بالمفتاح واختبأت في الظل.
- ولماذا لم تكلمني ساعتها؟
- أردت ممازحتك قليلاً.
- حين كلمتني كدت أموت خوفاً، ظننت أنني أتخيل..
نظرت إلى الباب الزجاجي المفتوح:
- يجب أن أذهب..ستتساءل كينان عن مكان وجودي.
- حسناً لن أؤخرك كثيراً.
عانقها من جديد ويتأوه:
- لم يكن لي غيرك في الأشهر الماضية.. كنت دائماً في تفكيري وفي جسدي، تطاردينني، وتعذبينني.
همست تاي، التي تعلقت به بيأس:
- وأنا كذلك.
سألها قمر الليل: لماذا لم تغادري نورثبورت بعد الحفلة الأولى؟لماذا لم تسافري إلى كاراكاس؟
- لم يقبلوا بي.. سوف أبقى هنا، منذ تركت جوليا المحطة كنت أخرج الحفلات للتلفزيون العام، تعلم أنها تركت وعادت إلى نيويورك؟
رد ببرود:
- أعرف..تابعي حديثك عن الإخراج الذي تقومين به، هل أنت ناجحة فيه؟
- هذا مايظنه كليف نورداي ومدير البرامج..لقد طلبا مني إخراج المزيد
من البرامج لهم..ثم في الصيف القادم إن استطعنا إيجاد مكان مناسب لإقامة حفلة سنوية تريدني الفرقة أن أكون مدير الاحتفال التنفيذي..ميردت..هل قررت؟ هل ستسمح لنا باستخدام هذا المنزل؟
أغمض عينيه وتشدق ببطء:
- قد أسمح..ولكن ذلك وقف عليك.
- يبدو لي أننا أجرينا مثل هذا النقاش من قبل.
- هذا صحيح..تزوجيني تاي، عيشي معي هنا، ولك ملء الحرية بأن تجلبي كل فرق العالم للعزف هنا متى شئت، أعتقد أن هذا ماقلته لك ولكنك يومذاك اتهمتني بأنني غير طبيعيي.
التوى فمه بمرارة.
صاحت قمر الليل بأسى:
- ألن تغفر لي أبداً؟ لم أقصد بقولي إنني أرفضك لأنك نصف أعمى..بل قصدت أنني لا أستطيع قبول عرضك لأنني شعرت بأنك ماكنت لتطلب الزواج بي لولا عماك..هل كنت ستطلبني لولا ذلك؟

***********************

رفعت قمر الليل بصرها ونظرت إليه بتحد..
قالت بفظاظة: لولا عماي لما التقيت بك.. لكنني الآن بصير، وأنا طبيعي كما لم أكن قط، وأنا أتقدم إليك مرة أخرى..تاي..هل تتزوجينني قبل سفري؟
همست:"لماذا؟ لماذا؟".
- للاسباب عينها التي جعلتني أطلب يدك من قبل، ياإلهي يا امرأة! هل يجب أن أهجئ لك الكلمات؟ بل كلمة واحدة؟ أريد أن أجعلك زوجتي، أريد الزواج بك بسبب جميع الأسباب التي تدفع رجلاً إلى الزواج بامرأة، أنا أحب أكون معك وأريد أن أتأكد أنك لي، لي وحدي..أريد أن يكون لي الحق أن أعود إلى منزلي لأجدك، وأساكنك في أي وقت أريد، أريد أرعاك و أحميك، أريد أن أشاركك المنزل..أريد أن أمنحك إياه لتحوليه إلى مركز موسيقى..أريد الزواج بك لأنني..لأنني..آه..اه..أعتقد أن هذا كله بسبب ..آه..أحبك..فماهو ردك إذن. هل وجدت شخصاً آخر تفضلينه عليً؟
ردت تاي بسرعة:"لا..لا.. أوه..لا..ميردت، لا يمكنني أن أحب سوى رجل واحد..وأنت الرجل الوحيد الذي أحببته بمثل هذه القوة و اليأس".
- إذن ستتزوجينني وستعطيني الحق بأن أعود إليك..بعد انتهاء مهمتي؟
- أجل..أنت، سأتزوجك..إنما يجب أن تعدني أن تكون حذرا لئلا تقتل أو تجرح.
- أعدك.. فسيتغير أسلوب حياتي لأنني أعرف أنك هنا بانتظار عودتي إلى البيت.
تزوجا قبل ثلاثة أيام من سفره إلى السلفادور، وكانت كينان موجودة هي و شاركي سوير هذا عدا معظم أفراد الفرقة الموسيقية الذين شاركوا أيضاً، ووالدة كينان و تاي التي وصلت من اسكتلنده وأبدت قليلاً من الانتقاد على اختيار ابنتها الزواج بميردت.
- لايبدو مناسباً كزوج.
قالت تاي ببساطة:
- لكنني أحبه.

- إنما سيسافر بسرعة، سيتركك ثلاثة أشهر، وماهذه بطريقة للبدء بحياة زوجية..يجب أن يبقى معك..أن يغير عمله ليعيش معك طوال الوقت...أتعرفين تاي.. أنت مثل أبيك.. متهورة، لاشك أن الدم الإيطالي يجري فيك.
التفتت نظرها من ميردت الذي كان يكلم دون.. وإلى كينان، الواقفة مع شاركي.
- كينان تشبهني أنا..وأنا أفضل من اختارته زوجاً، أتوقع منها أن تتخلى عن الفندق بعد زواجها لتربي أولادها.
ردت تاي:أوه..أشك في هذا..أشك في أن تتخلى عن الفندق، فهي تتمتع بإدارته كثيراً..وأظنها قادرة على تدبر أمر الأولاد بطريقة ما حين تنجبهم.. وهذا ماسأفعله أنا أيضاً.
عندما شعرت بنظرة ميردت الزرقاء تتركز عليها، تركت أمها واتجهت إليه ورفعت وجهها إلى وجهه، وكأنها تدعوه لتقبيلها.
تمتم: لم يبق أمامنا وقت.. فهل نتركهم الآن لنذهب إلى منزلنا؟
بعد دقائق كانا يتجهان بالسيارة إلى المنزل القابع في أعلى التلة..بدا رمادياً قاتماً أمام السماء الرمادية و البحر في أحد مزاجاته الغامضة، دخلا و أقفلا الباب وراءهما و دخلا إلى عالمهما السري الخاص.. عالم النور و التناغم الذي خلقاه بنفسيهما نابعا من رغباتهما اليائسة نحو بعضهما بعضاً..والذي سوف يعودان إليه كلما كانا معاً.

تمت

مشاركة