A PHP Error was encountered

Severity: Warning

Message: file(): http:// wrapper is disabled in the server configuration by allow_url_fopen=0

Filename: views/template.php

Line Number: 35

A PHP Error was encountered

Severity: Warning

Message: file(http://static.vipeople.com/menu/index.php): failed to open stream: no suitable wrapper could be found

Filename: views/template.php

Line Number: 35

A PHP Error was encountered

Severity: Warning

Message: implode(): Invalid arguments passed

Filename: views/template.php

Line Number: 35

الحب المجنون

الكاتب: قصتي مشاهدات: 1085 التصنيف: روايات عبير

الفصل الأول:
خريف 1977 كان المقهى الصغير منزويا في الجزء القديم من نيس ويتردد عليه أهل الحي فقط. ولا يرتاده السائحون وهو ما جذب وولف ويكفيلد إليه.
كان كل شيء يسير بالعكس بالنسبة له من البداية للنهاية في ذلك اليوم. لكن الشراب وأدوار لعب الورق مع الصيادين في الناحية خففا من مرارته. لا أحد هنا يعرف أنه ممثل الفيلم الذي يجري تصويره في المنطقة.
عندما غادر المقهى مع أصدقائه الجدد كان ذلك بعد إغلاقه, بعد سباب رئيس البوفيه لهم. كان رفقاء الشراب يسيرون بجواره وهو نفسه كان يترنح حتى سيارته.
جلس وولف وذهنه غير صاف وراء عجلة قيادة السيارة الچاجوار التي استأجرها بسعر زهيد وكانت تستهلك وقودا ضخما وإن كانت مزودة بجهاز ستريو ومحرك قوي.
خرج من المدينة بسرعة كبيرة ليصعد نحو التلال الخضراء حيث تقع وسطها الفيلا التي يسكنها. كان ينهب المنحنيات دون أن يهدئ من السرعة مما يزيد بهجته ونشوته من الشراب.
بدت الحياة جميلة بالنسبة له في تللك اللحظة ونسي تقريبا متاعب ومضايقات النهار. من الأفضل أن يتمسك بالجوانب الإيجابية. لقد أصبح معروفا وانتهى الأمر بأن لاحظوا عمله وأصبحت أدواره منتقاة شيئا فشيئا وهناك من يدفع أجر إقامته في أوروبا التي كان دائما يعشقها.
كان قد واصل دراساته في فرنسا و ألمانيا عندما كان يحس في أي مكان أنه في وطنه.
ماذا يطلب أكثر من هذا؟
ضغط بدال السرعة بشدة ودخل في ملف شديد الانحناء عندما سمع صريرا. تصور في البداية أن ذلك من وحي خياله. ولكن الأمر أصبح واقعا... وقف بالسيارة في الحال على جانب الطريق واستدار نحو الخيال الموجود على الأريكة الخلفية. لم يصدق عينيه: إنه يقل معه مسافرا خفيا. سمع صوتا يقول:
- لا تتعب نفسك, على أية حال أنا التي تدحرجت من جانب لأخر وفي كل اتجاه بسبب قيادتك الهوجاء.
قال وولف وهو مذهول ويتأمل الفتاة ذات الشعر الأسمر المحمر والعينين اللامعتين التي ظهرت أمامه:
- قيادة هوجاء؟ ماذا تفعلين في سيارتي بحق الحق؟
أجابت الشابة:
- إنني أختفي. إنني مطاردة من الوصي بي إنه يدعي أنه يريد استرداد الأموال التي أدين بها لأمه وفي رأيي أنه يريد أكثر من هذا .
- أليس لك عمل ؟
- إنني أبحث عن عمل. إنني أحاول أن أظهر في بلاتوه تصوير فليم يجري تصويره في هذه المنطقة...هل تفهم ماذا أقصد؟
رد عليها وولف وقد تجهم من تأثير الصداع الذي كاد يحطم رأسه.
- أعتقد ذلك. هل يمكن أن تجلسي في المقعد الأمامي؟
وهل يجب علي أن أنزلك في مكان ما؟
دهش من نفسه لأنه تصرف بهذه الكياسة في حين كان من الواجب أن يغضب من هذا التطفل. عندما جلست الشابة على المقعد المجاور له,لاحظ ساقيها الطويلتين اللتين برزتا من الشورت القطني الذي ترتديه: أخذ وولف
يسب ويلعن في نفسه.. إنها ليست سوى صبية صغيرة.
أجابت على سؤاله:
- لايهم أي مكان بشرط ألا يعثر بير علي ولا داعي لأن تنظر إلي بهذه الطريقة. سأدفع للوصية حالما أحصل على نقود ولكني لا أريد بأي حال من الأحوال أن يضربني ابنها
سألها وولف بصوت مرهق:
- كيف أتيت إلى فرنسا وليس معك نقود؟
لم ينتبه إلى ردها لأن صداعه ازداد سوءا:
-لقد ترك لي والدي وديعة صغيرة عند موته... إيه! هيا سر بطريقة
هادئة فإنني لازلت صغيرة على الموت.
- ماأسمك يا آنسة؟
- بليندا برونسكي.
- بليندا! إن هذا الاسم يبدو فريدا ويذكرني بالأسماء التي تستخدم
في روايات جدتي.
استاءت الفتاة وقالت:
- أحقا ما تقول؟ أنا آسفة بالنسبة لك ولكنه اسمي الحقيقي ولم أخترعه.
- هل كان والداك يكرهانك إلى هذه الدرجة؟
-لاجدوى من أن تكون ساخرا وأنت الذي تقوم بالدور السيئ. لقد أحتسيت الشراب بشراهة وغدا سيتصلب فكك ولن يرتخي طوال النهار وهذا سيعلمك ألا تسخر من اسمي.
- ولكني لا أسخر. إنه مثير للسخرية في حد ذاته.
قالت بصوت بارد كالثلج وهي تستدير ناحية النافذة:
- لطيف منك ما تقوله.
ساد صمت ثقيل بينهما وبعد ثلاثة كيلو مترات من السير وقف وولف بين عمودين يحدان المدخل الصغير الملتوي وسط غابة الصنوبر ثم انطلق بالسيارة دون أن يهدئ السرعة. ما إن وصل إلى أعلى حتى وقف فجأة وسط مسطح من الحصى. قال:
- ها نحن قد وصلنا. وإذا استطعت أن تظلي مختفية حتى لاتزعجيني فيمكنك استخدام أريكة الصالون وإلا فتصرفي بمعرفتك.
قالت "بليندا" في تهكم:
- هذا كرم كبير من جانبك.
بدأ "وولف" الحديث وأعصابه مشدودة للغاية.
- اسمعي... أنا...
قاطعته في الحال:
-لا بأس.. لا بأس. لن أقول شيئا.
خرجا من السيارة. كانت الفيلا البيضاء التي يضيئها القمر أحسن مكان عرفته الشابة من شهور مضت. كانت تخشى دائما الوحدة هذا الرجل على الأقل أمريكي. ولا يبدو عليه مظهر السفاحين بل إنه فتى مليح. ثم إنها يجب أن تتجاوز عن مغازلته لأنه ليس في كامل وعيه.
بدأت "بليندا" تضحك. وسألته:
- هل تحب الشراب في الصباح؟ يمكنني أن أحضر لك منه من السوق من أجل الإفطار.
زفر "وولف" وهو يمرر يده على جبهته.
- لا. بالأخص الشراب. لدي إجازة غدا وأنوي أن أنام حتى المساء وإذا بقيت فأرجوك ألا تصدري أي ضجة.
قالت الشابة بإلحاح وهو يدخل البيت دون أن يعيرها أدنى إلتفات:
- ألا أستطيع على الأقل أن أحصل على غطاء؟
لم تكن "بليندا" قد تركته قيد أنمله. قال وهو يلوح بيده في اتجاه غير محدد:
- ماذا؟ آه نعم! في دولاب البهو.
- هل يمكن أن تدلني عليه؟
زمجر "وولف".
- من الأفضل أن ألقي بك في البحر.
ومع ذلك ذهب معها إلى البهو وقد تضاعف الصداع وأحس بأن نافوخه سينفجر. قالت "بليندا:
- يجب عليك أن تكف عن الشراب.. ربما كانت لديك حساسية ضد الشراب المنعش.. إنك تبدو فعلا مريضا.
- أنا قيادتي سيئة وأنا أبدو مريضا.. هل هناك شيء آخر تودين أن تنتقديه في؟
سحب درجا في غضب وكان مملوءا بالأغطية المطوية.
- هذه مجرد نصيحة ويمكنك أن تستشير طبيبا نفسيا حتى يمكن أن يرتب عقلك.
- لا داعي لذلك فليس لدي عقل ثم تصبحين على خير ولا تقولي أي شيء آخر.
عاد ناحية الدرج فقالت:
- حسنا جدا. مادام هذا هو الذي تريده.
توسل إليها وهو في منتصف الدرج:
- اللعنة. أرجوك اخرسي!
ردت عليه "بليندا" قبل أن يختفي.
- أيها اللعين!
لم يعرها "وولف" أدنى انتباه. وصل إلى حجرته وألقى ملابسه على الأرض وألقى بجسده على السرير ووجهه لأسفل. حيث استغرق في نوم عميق.




استيقظ في الصباح عندما سقطت أشعة الشمس على وجهه وعلى صوت هدير محرك سيارته الچاجوار.
زمجر وهو شبه تائه ونهض من السرير بصعوبة.
- ولكن.. ماذا يجري؟
ألقى نظرة على ساعته وعرف أن الساعة لم تتجاوز الثانية صباحا.
من ياترى يحدث كل هذا الضجيج في هذه الساعة المبكرة؟ ترنح وهو يشعر بألام القرحة في معدته إلى أن وصل إلى النافذة الكبرى المطلة على الحديقة وصرخ:
- مامعنى هذا؟
كان نصف "بيلندا" مختفيا تحت غطاء محرك السيارة أمام البيت.
قالت له وهي ترفع أنفها نحوه قبل أن تشير إلى محرك السيارة في سخرية:
- ألا تعرف شيئا حقا سوى الصراخ؟ لقد خرجت ونظفت شمعات احتراق السيارة.ولآن أجرب الكاربوراتير. إنك حقا لا تعرف التعامل مع المحركات.
وضع "وولف" رأسه بين كفيه وهو يسب ويلعن ثم عاد إلى سريره ليعاود النوم. ولكن الضجة طردت النوم من عينيه مرة آخرى. قضى نصف ساعة كاملا تحت الدش ثم قرر بعد ذلك الاستحمام. ولكن بعد أن يخنق تلك الفتاة ذات الاسم المضحك. على الأقل لو فعل ذلك لتخلص من آلام. قابل في البهو مديرة المنزل "لوريث" وقالت له بلهجتها الإنجليزية المشوبة بلهجة أهل الريف:
- ياسيدي "وولف" إنني متوترة تماما من هذه الضجة وحاولت أن أفهم تلك الشابة ولكنها قالت لي:إنك لا تجد في ذلك أي إزعاج.
- بالعكس أجدها أكثر من مزعجة ولكنها ليست غلطتك يا سيدة "لوريث". سأرحل للاستحمام بسيارتي الچب ولا تقولي هذا لتلك الفتاة الوباء.
تسلل خارجا من الباب الخلفي المؤدي إلى الجراچ ما إن وضع قدميه في الخارج حتى قالت "بليندا":
- صباح الخير. هل أنت ذاهب للاستحمام؟
سأصحبك فقد انتهيت من السيارة "الچاجوار".
نظر "وولف" إليها في ذهول وغيظ وقال:
- ولكن مغطاة بالهباب من رأسك لقدميك.
-طبعا بسبب "الچاجوار" والحمام سيزيل كل ذلك.
- ولكن ليس عندك لباس البحر.
- وماذا في ذلك؟ إنني سأستحم بالشورت.
أحس بالدوار وهو يتخيلها تسبح بالشورت فقط. قال وهو ساهم:
- ولكن الهباب سيلوث المقاعد في السيارة وهي ليست ملكي.
قالت قبل أن تختفي في الجراچ لتخرج منه في الحال ومعها غطاء قماش مربعات كبير:
- سأجلس على قطعة القماش.. هيا بنا.
كان منوما مغناطيسيا من "بيلندا" وقدرتها على سيطرتها التامة على مجريات الأمور. ظل "وولف" في مكانه يتأملها دون كلمة. قالت له مقترحة.
- هل تحب أن أتولى القيادة؟
قال بعنف وهو يستيقظ من أحلامه ويجلس خلف عجلة القيادة:
- لا
انطلق والإطارات تصدر صريرا مزعجا وقفزت السيارة بعنف للأمام مما أعاد له الصداع. قالت بلا اكتراث.
- أنت لا تقود هذه أفضل من الچاجوار.
كز "وولف" على أسنانه دون أن يتكلم. تصور أن رأسه تضاعف حجمه وتترد فيه كل طنين الغابة.
هبط بالسيارة إلى نهاية الممر حتى الطريق العام ثم اتجه نحو المرفأ. صاحت "بيلندا" وهو ينهب بأقصى سرعة طريق الرعاة.
- خرافي! إنني أعشق السرعة.
ألقى "وولف" نظرة مسرورة على راكبته وقال دون أن يكتم ضحكته:
- أنت أكثر الفتيات إثارة للغيظ رأيتها في حياتي.
احتجت قائلة:
- كيف يمكن أن تقول هذا الكلام عني؟ إنني لم أفعل أي شي غريب معك.
- آه! رائع.. والاختباء في سيارة رجل غريب في الثالثة صباحا.. ماذا تسمينه؟
- حسنا.. ولكن الأمر يتعلق بغريب ثمل تماما ولكنك على حق واسمي هذا خليط من البؤس والجنون.
لاحظت أن ذهنه صاف تماما ويتذكر كل ماحدث في الليلة الماضية ومع ذلك لم يستغل الفرصة. إنه يبدو مختلفا عن بقية الرجال. قال وهو يركن السيارة أمام سقيفة القوارب.
- شكرا لاعترافك بذلك.
كان مجرد رؤيته للبحر قد أعادت له قوته. كان البحر منعشا وهائجا يتوجه الزبد والأمواج التى تصطدم بالشاطئ. إنه وقت رائع لمارسة التزحلق بالشراع على الأمواج:
- كوني حذرة وأنت تسبحين فقد تكون هناك تيارات ودوامات تحتية أما أنا فسأزاول رياضة التزحلق باللوح على الأمواج.
قالت الشابة:
- وأنا كذلك.
- إنها ألواح كبيرة الحجم ولن تستطيعي التحكم فيها.
- طبعا.. وهل تستطيع أنت؟
ألقى عليها "وولف" نظرة غاضبة ثم دار نصف دورة حول السقيفة حيث أخذ لوحتين للتزحلق.
قال لها وهو يأخذ لوحه تحت إبطه:
- حظا سعيدا.
وقفت "بليندا" معترضة طريقه للبحر.
- إنك لم تقل لي: ما إسمك؟ ولا ماذا تفعل هنا؟
فهل أن الأوان لتفعل؟ هل أنت صاحب المقهى أم وصيف في أحد الفنادق الكبرى؟
- أنا ممثل واسمي "وولف ويكفيلد"
قطبت الشابة حاجبيها:
- أوه.. لقد سمعتهم يذكرون اسم "ويكفيلد" ولكنك لست نجما.. ربما كنت ممثلا ثانويا.
قال "وولف" وهو يزيحها بيده ليتجه نحو الشاطئ:
- وأنت صاحبة أطول لسان...
توغل وهو يرتجف في سعادة في الماء البارد من تأثير الليل وسرعان ماحملته الأمواج. وقف فوق لوح التزحلق وفرد الشراع ثم ألتقى نظرة خلفه. لا حظ بصعوبة "بليندا" فوق الشاطئ تحمل الشراع الضخم على كتفها ثم سحبته هبة ريح إلى وسط الزبد.
أخذ يصيح مسرورا وهو يصارع ليجد الوضع الأفضل بالنسبة للريح ثم زادت سرعته.
في اللحظة التي تقوس ليدور للخلف فوجئ برؤية "بليندا" في طريقه.
تساءل:كيف استطاعت أن تقود لوحا بهذا الحجم وبهذه السرعة؟
إنها اتية نحوه. وأما "وولف" فكانت تحمله الرياح مباشرة إليها حاول بكل قوة أن يعكس الشراع ففقد توازنه وطار اللوح نحو السماء بينما غاص هو وسط البحر.
طفا مرة ثانية فوق الماء المالحة التي كانت تلذع حلقه وتحرقه وأخذ يبحث عن اللوح الطائر. قالت "بليندا" بصوتها الضاحك:
- لقد أمسكت به.. لقد قمت بدور تمثيلي رائع
أجابها بصوت جاف:
- شكرا.
ودلو خنقها... استأنفت الشابة الحديث:
- أستيقظ ياطرزان ... نحن نتعرض جميعا لهذه المواقف المضحكة ولكننا لانموت منها و...
قطعت كلامها في الحال عندما رأت في عينيه ماينوي أن يفعله..
حاولت أن تهدئه بصوت قلق:
- أنتظر.. إنني أمزح.. لا.. لا تقترب.
بينما كان يتقدم منها اجتاحها خوف رهيب وتذكرت المرة التي اختفى فيها أخوها غير الشقيق تحت الماء وزاد قلقلها.
غطس "وولف" تحت اللوح في اللحظة التي حاولت فيها فرد شراعها لتهرب. وبرز فجأة من الناحية الأخرى من الموجة ليمسك بكاحلها, ثم ألقى بها بدورها وسط البحر في كومة من الزبد.
- ظلت لحظات تتخبط ثم فقدت سيطرتها على أعصابها و أخذت تضرب الماء بذراعيها. رفعها فوق سطح الماء.. لقد أوشكت أن تغرق.
اختفت سعادة "وولف" التي أحسها وهو يمسك بين يديه فتاة الليل الشرسة وهو يرى على وجهها علامات الرعب الحقيقي بدلا من الضحك. لقد كانت تختنق حقيقة ولا تستطيع أن تسترد أنفاسها. رفعها فوق سطح الماء وهو يدعوها لأن تهدأ وتسترد أنفاسها.
- أنظري إلي يا"بليندا" أرجو المعذرة ..لم أكن أقصد أن أخيفك .. لقد كنت أقصد الضحك.. أنظري إلي!
كان يمسك بها بين ذراعيه وقد بدا عليه الانفعال قالت وهي تنتحب:
- دعني.. لابد أن أرحل.
- مستحيل.. إنك ترتجفين.
أمسك بأحد اللوحين العائمين وساعدها برقة لتصعد فوقه ثم سبح نحو اللوح الثاني. استغلت "بليندا" ذلك لتنهض وتمسك بالشراع وتوجهه نحو الريح لتقفز نحو الشاطئ. أحس "وولف" بالصدمة من الرعب الذي سببه وغضب من نفسه ثم انطللق وراءها فوق لوحه.
وصلا الشاطئ في نفس اللحظة تقريبا. وجرى وراءها إلى أن واجهته فجأة وهي متنمرة وقد ضمت قبضتيها استعدادا للصراع.. قال لها:
- خبريني ماذا جرى؟ هيا حدثيني.
قالت بصوت قاس:
- سأرحل.. ولا تقترب مني.
رد "وولف":
- بل سأقترب ولكنك لن ترحلي.
تقدم "وولف" نحوها. بحثت بعينين زائغتين عن أي شيء حولها وكأنها حيوان محاصر. قال لها:
- أبقي! إنني لم أرغب في أن أسبب لك ضررا وليس هناك سبب لأن تخافي مني.
رأها أمامه ضعيفة ومذعورة لهذه الدرجة وقد أغرقت الدموع عينيها




فأحس بعطف غير مفهوم. همس بصوت حنون وهو يأخذها بين ذراعيه كطفلة مذعورة:
- كل شيء سيكون بخير الآن. لن يؤذيك أحد.
لم تعد الشابة تستطيع أن تمنع نشيجها ونحيبها.
واستسلمت فجأة والتصقت به. كان العقل يحثها على الهرب ولكن جسدها كله رفض أن يطيعها. قال:
- لقد كان غباء من جانبي وأنا أعتذر تماما. لماذا أحسست بكل هذا الرعب؟ هيا صارحيني.
تجنبت "بليندا" نظراته. إنها لن تحدثه عن "هيكتور" الذي تعتبره شبه شقيق لها. ولا عن أسرتها ولن تعترف له بمدى شعورها بالوحدة. لقد أحست بعجز تام عن الكلام أو الإجابة.
- "بليندا" لو أقسمت لك أنني لن أضايقك.. فهل يمكن أن تبقي معي؟
إنني أريد فقط أن أكون صديقك.
ربت برقة كتفيها وظل يتكلم بصوت دافئ. لم تكن للكلمات أية أهمية ولكنها هدأتها وهذا هو المهم. أخيرا بدأت تحكي:
- عندما كنت صغيرة كنت معتادة معاكسة شبه أخي وكان انتقامه يزداد كل مرة قسوة وفي سن الثانية عشرة كنا نلعب في البحيرة. ضغط رأسي تحت الماء أخذت أتخبط وانكسرت ذراعي.وقد استطاع "أورتون" أن يقنع زوجة أبي و أبي أن الأمر لم يكن سوى حادثة.
قال "وولف" الذي ود في تلك اللحظة لو استطاع أن يقطع رقبة شبه أخيها:
- ياله من قرار حكيم.
تركته "بليندا" بلهجة حاسمة.
- لا..لابد أن أعود.
قال لها:
- أرجوك أن تسامحيني.
وافقت الشابة بهز رأسها وابتسمت ابتسامة حزينة ثم ابتعدت ببطء.
فكرة أن الوقت حان لعودتها إلى الولايات المتحدة.إنها تستطيع دائما أن تتصل بمحاسبها "بروكس" لتحصل على قرض ولكنها تخاطر بأن يعثر عليها "هيكتور" صاح "وولف"
- أرجوك ألا ترحلي.
إنه لا يعرفها قبل أربع وعشرين ساعة ولكن العذاب الذي عاناه وهو يراها ترحل كان حقيقيا. قالت بصوت رقيق.
- لن أرحل لأعاقبك ولكن الرحيل أفضل هكذا لابد أن أحصل على تذكرة سفر بالطائرة لأعود لوطني.
أقترح عليها بحيوية:
- دعينا نذهب في نزهة إلى القرية ولن نتكلم إذا رغبت في ذلك.
وسنتأمل البحر والعصافير والسفن التي تدخل الميناء وتخرج منه.
لم يسبق ل "وولف" أن توسل لأحد من قبل ولكنه أحس بالحاجة لذلك لأسبابه العديدة التي لا دخل لها بغريزته. أحس بالارتياح عندما وجدها توافق.
- يجب أن تتخلصي من هذه الملابس المبتلة.
الآن وقد وافقت فإن "وولف" لم يمنع نفسه من تأمل تفاصيل جسدها الرائعة. اقترح عليها أن ترتدي قمصانه الموجودة في السيارة الچب. قالت وقد أدركت في دهشة أن كل الخوف قد ذهب عنها:
- ولكنه واسع جدا. ثم ماذا أرتدي تحته؟
- آه.. واضح. ولكن القميص من القطن السميك وسيصل إلى ركبتيك و أعتقد أنه سيناسبك إلى أن تجف ملابسك.
قالت بطريقة طبيعية للغاية:
- لا بأس.
قلبت ابتسامته قلبها رأسا على عقب. اجتاحته رغبة عارمة فقفز نحوها ولكنها تجنبته ببراعة ثم تبعها حتى السيارة وكأنه يسير على قشر بيض.
تساءل:ماهذه الأهمية التي أصبحت هذه الفتاة عليها بالنسبة له؟
أعطاها القميص وراقبها وهي تبتعد نحو سقيفة إصلاح القوارب في خطوات رشيقة متماوجة مثيرة.
أحس بأنه لاشيء بالنسبة لها.. إن "بليندا" ساحرة رهيبة وطفلة مبهمة لا يستطيع أن يفهم أعماقها.
بدل هو أيضا ملابسه خلف السيارة.
استغرقا بضع دقائق ليصلا إلى القرية القريبة وابتاعا خبزا وسجقا جاهز الطهي من محل على الناصية.
عادت ل"بليندا" روحها المرحة وضحكاتها الرنانة مما أصاب "وولف" بعدوى السعادة. وعند البقال اشتريا مفرشا وأطباقا وسلة ليضعا فيها طعام الرحلة بعد إضافة الزيتون وعصير الفواكه وزجاجة مياه معدنية.
عادا إلى السيارة والتقت نظراتهما لحظات وتشابكت وهو يفتح لها باب السيارة.. سألها وهو يجلس خلف عجلة القيادة.
- هل أنت جائعة؟
زفرت "بليندا"
- وعطشى.
فكرت في صمت أنها أيضا سعيدة.
لم يسبق ل"وولف" أن كان الناس يشاركونه متعته أم لا. ولكن فجأة أصبح ذلك أحد اهتماماته. ظل لا يعير اهتماما للصوت الداخلي الذي يكرر عليه أنه من غير المجدي إقامة علاقة مع "بليندا". إنها صغيرة للغاية وبرزت في حياته في اللحظة التي يجب عليه فيها أن يركز ويستثمر كل جهده في عمليه لينجح.
غادر القرية وعاد إلى التلال. كانت قيادته بطيئة وعاقلة وعندما وصل إلى السهل كانت الفتاة قد استغرقت في النعاس. خطر ببال "وولف" أن الخوف المرعب الذي سببه لها شبه أخيها هو كابوس متكرر لم تتخلص منه بعد. إنه يريد من الآن فصاعدا أن يعرف عنها كل شيء حتى يستطيع أن يخترق تلك المنطقة المظلمة. مرت سحابة قلق على سعادته الحالية. هل نامت بما فيه الكفاية في الليلة الماضية؟ هل ينقصها شيء؟
لابد أن يتعقل. كل شيء على مايرام. لقد رأى النتيجة على لوح التزحلق. إنها في حالة بدنية ممتازة. أحس بالاطمئنان وترك الأمور تجري في مجراها الطبيعي كما خلقت عاطفته الجديدة مجموعة من الأحاسيس من الحنان لم يعرفها في سنواته الأخيرة التي تركزت على طموحه ورغبته في النجاح. لقد غيرت "بليندا" من منظوره كثيرا. حتى الآن كان "وولف" راضيا وقانعا بارتباطه بأصدقائه. كان يعيش بمفرده ولنفسه ولم يهتم أبدا أن يربط مصيره بأي شخص قانعا بعلاقاته النسائية العبرة. كان قد فقد والديه وهو لايزال صغيرا فتعلم مبكرا جدا كيف يتأقلم مع وحدته.
ولكن " بليندا" كانت في الحقيقة الشمس والراحة له. لقد كان من الضروري أن تظهر في حياته ليعرف أنها هي التي تنقصه.
كانت الريح في المرتفعات تهب بشدة. فردا المفرش في حماية صخرة ووضعا طعام الغداء عليه. أخذا يمتصان رحيق الزيتون الأسود المغموس في الزيت وقد أسندا ظهريهما على الصخرة وهما يتأملان البحر تحتهما الذي امتد سطحه اللامع إلى ملا نهاية تحت أشعة الشمس الحارقة. همست "بليندا":
- كم أحب ضجة السكون!
سألها:
- ماهي ضجة السكون؟
-إنه السكون المليء بالأشياء: همس الريح وحركة النسيم على الأوراق وصيحة عصفور أو تغريد البلابل أو تساقط قطرات المطر فوق الصخور.
كان "وولف" واقعا تحت تأثير سحرها. لقد أعطته "بليندا" بكلمات بسيطة حياة لصور كانت موجودة بداخله ولكنه كان يجهل وجودها في حياته التي بلغت ثماني وعشرين سنة.
لقد أعطت طعما ورائحة وجمالا لهذا العالم الذي لم يهتم أبدا بأن يحس به.
أخذا يتلذذان بتناول الفاكهة ويتحدثان ويثرثران بلا هدف. قلد "وولف" زقزقة العصافير وقلدت "بليندا" صوت قطرات المطر المتساقط على الصخور مما جعلهما ينطلقان في الضحك ثم غرقا في النوم وفي وقت واحد وكأنهما متفقان على لحظة معينة.
عندما فتح "وولف" عينيه والتقتا بزرقة السماء أحس بشعور من الانسجام التام وهو نائم بجوارها.
التقط ورقة شجرة ومررها على أنفها ليوقظها لم يسبق ل"بليندا" أن أحست بالهدوء والسكينة والكسل كما تحس الآن. أحس بأن حياتها لم تكن سوى سلسلة من العواصف الضارية منذ إصابة والديها بمرض قاتل أثناء رحلة صحراوية في إفريقيا. كانا قد أودعاها مدرسة داخلية حتى تتابع دراستها حيث وجدت فيها بعض الأمان. ولكن "هيكتور" بدأ يضايقها. لم يكن يكف عن أن يقول:لابد أن تتزوجه وتحتفظ له بميراثها قبل أن تنفقه.
لم تكن تحبه أثناء حياة والديها ولكنها سرعان ما بدأت تكرهه كره العمى بعد أن زادت سماجته بعد موتهما.ومن وقتها لم تعد حياتها سوى سلسلة من الهرب المستمر والمجنون.كان "هيكتور" قد بدأ ييئس ولكنها كانت مقتنعة تماما أنه لن يكف عن محاولة تدميرها مالم تتمكن من قطع كل الجسور.ومن الآن فصاعدا لم تعد تثق بأحد وترفض الارتباط بأي شخص.ولكن "وولف" اكتشفت أنها في أمان واسترخاء. همست له:
- إن هذه السحابة تشبه الخروف وتلك تشبه النعجة.
رفع "وولف" ذراعه نحو سحابة ضخمة وقال معلقا:
- وهذا حمار على اليسار.
كان يحس بسعادة لاتصدق وهو بجوارها يتأمل السماء والسحاب المتفرق. كان يحس كأنه صبي صغير.
- يلزمك نظارات معظمة ياسيد "ويكفيلد" إن تلك السحابة لا تشبه الحمار وإنما تشبه القطار.
قال بإصرار وهو يشير إلى واحدة بطرف قدمه.
- ليست هذه إنما تلك.
بدآ يلعبان التخمين كما يفعل الأطفال ساعات وهم ينظرون إلى السحب وانهمك "وولف" في اللعبة بحماس حتى اضطرت في النهاية لتنبهه أنها مجرد لعبة.
سألته وهي تستلقي على بطنها لتتأمله أفضل:
- هل كنت محروما من اللعب في طفولتك؟
- في الحقيقة كان لدي كل المال واللعب التي أستطيع اللعب بها. لقد كان والداي يحبانني كثيرا وكانت حياتنا كلها رفاهية وربما كنت أفتقد فقط تلك المسرات البسيطة الكافية لإسعاد الطفل. لقد كنا غالبا في رحلات وسفر دائم وكنت أكتشف_ بلا انقطاعات _حضارات مختلفة وطرقا معينة متنوعة.
كان والداه يحبانه بطريقتهما وفي الحقيقة طريقة متقطعة تفرضها عليهما مسؤولياتهما نحو وطنهما. كان والداه دبلوماسيا وأمه تنحدر من أكثر العائلات البريطانية عراقة. وكانت السلطة هي الكلمة المسيطرة على وجودهم. ووجد "وولف" نفسه وحيدا نوعا ما. سألته "بليندا"
- وهل رآك والداك وأنت تمثل من قبل
- لقد مات والداي من مدة طويلة ولكنهما في الحقيقة شاهداني في دور أو اثنين.
كان "وولف" يحس بأن والديه لم يوافقا- في نفسيهما-على مهنته.
وكانا يأملان أن يصبح على شاكلتهما ولكنهما لم يحاولا أن يعارضا رغبته. لقد عرف "وولف" كثيرا من الناس وكان يحب بعضهم ولا يقبل البعض الآخر ولكن أحدا منهم لم يتجاوز قلعة أسراره. لم يستطع أحد أن يقترب من طبيعته إلى هذه الدرجة مثل "بليندا" رفع عينيه إلى السماء وأشار إلى سحابة:
- أترين هذه؟ إنها أنت
- لا
قال بإصرار وعيناه تخترقان عينيها:
- بل أنت.. هل أنت ساحرة يا "بليندا"
- لقد اعتبروني أسوا من ذلك.
لم يعرف "وولف" في أي لحظة بالضبط أمسك بيدها ورفعها ببساطة إلى شفتيه ثم قبلها ببطء.. كل أصبع على حدة.
ردت عليه الشابة بابتسامتها الرائعة التي كان لها على قلبه تأثير الصاعقة والذي أخذ ينبض بشدة في صدره بينما يهتز كل كيانه بفرح صامت لا يختلط به شيء.





الفصل الثاني..
قضى "وولف" و"بليندا" خمسة عشر يوما معا دون أن يتبادلا أي نوع من الأسرار الشخصية. في البداية لم يكن هناك ضرورة ملحة لأن يعرف كل منهما أسرار الآخر ولكن بعد ذلك ازدادت حاجته إلحاحا أن يعرف أكثر عن تلك التي تشغل تفكيره.
كانت علاقتهما تقتصر على بعض الابتسامات والأحاديث الضاحكة تتخللها نظرات كلها هيام أو أن يرفع يدها ليقبل أناملها. ومع ذلك كان يحس أنه لم يسبق له أن اجتاحته هذه العاطفة الجياشة التي يحسها نحوها. ورغم أنه لم يكن يعرف الكثير عنها إلا أنها أصبحت جزءا لا يتجزأ من كيانه.
كان عقل "وولف" دائما ينصحه أن يحتفظ بأسرار حياته لنفسه. على أية حال فقد تكون مدسوسة عليه أو إحدى الصحفيات الفضوليات من الصحافة التي تبحث عن الفضائح وتستطيع أن تهدم كيانه وشهرته التي لاتزال هشة. ولكنه كره صوت العقل الذي ينصحه بالحذر والحيطة. إنه سعيد واستطاعت "بليندا" أن تخرجه من حياته الخاصة بأن قدمت له الأمل والسكينة.
كان "وولف" في مهنته يحاول دائما أن يكون مستعدا عندما يحين وقت التصوير. وكان يعمل دائما على إتقان تمثيل دوره مقدما حتى يصل إلى تحقيق هدفه من أول محاولة لتصوير المشهد. وكان يصل به هذا الاهتمام حتى وقت الغداء الذي كان يستغله لدراسة وتأمل الدور والتدريب عليه. وكان هذا يؤدي إلى كسب الوقت مما يتيح له الفرصة أن ينتهي بأسرع وقت ليعود إلى "بليندا" قبل غروب الشمس.
كانا يخرجا في القارب وقت احمرار الشمس قبل الغروب ويتأملان الشمس وهي تختفي خلف الأفق وفي كل مرة يعود فيها إلى الفيلا كان يخشى أن تكون قد رحلت وسرعان ما يشعر بالارتياح التام عندما يجدها لم تفعل شيئا.
عاد في ذلك اليوم ولديه نفس الخوف وعندما دخل البيت التقى ب"لوريث" سألها في الحال:
- أين هي؟
أجابت المرأة بطريقتها الصريحة"
- وأين ستكون في غير الحديقة؟ لقد استطاعت أن تحولها إلى جنة خضراوات.
- أنت تعشقين الخضراوات يا"لوريث" وأنا كذلك.
- تماما كما تقول و الأكثر من ذلك أنني تغلبت على بائع القرية.. إنه لص حقيقي وصدقني في هذا.
لم يعد يصغي "وولف" إلى شكوى المرأة من مساوئ بائع الخضراوات في القرية وذهب إلى الحديقة حيث وجد "بليندا" وقد تحولت بشرتها إلى اللون البرنزي.
- يجب أن تنتبهي لضربات الشمس يا"بليندا".
قالت الشابة بمرح:
- لقد حدث بالفعل.. كيف مر نهارك؟
نظر حوله ووجد أن "بليندا" قد حولت الحديقة المهملة إلى جنة حقيقية قال لها:
- - لا داعي لأن تتعبي نفسك إلى هذا الحد.
- إنك لم تحدثني عن نهارك؟
-نهاري؟ لقد عملنا بصعوبة وقد كررنا المشهد الأول خمس عشرة مرة. أما المشهد الثاني فقد هزمنا ولم ننجح في تصويره.
كانت فكرته عن مهنته يعتبرها سرا نادرا ما يشرك أحدا فيه. ولكن مع "بليندا" كان يحس بالحاجة لأن يقص عليها كل التفاصيل والأحلام والأهداف وهذا شيء جديد حدث في حياته.
- والآن حان دورك أن تقصي علي أيتها الفلاحة الجميلة.
قالت الشابة وهي تمسح بيدها كل الحديقة.
- كما ترى.. غدا سأبذر التقاوي في الجانب الأيسر لزراعة الطماطم والبصل.
كانت "بليندا" تتمتع بوجوده بجوارها إلى أقصى حد وكانت تشعر بالحزن عند رحيله في الصباح لدرجة الدموع سألها "وولف":
-ماذا تفعلين في الولايات المتحدة؟ الأعمال البستانية؟
رأى في عينيها تحذيرا جعله يندم على سؤاله.فقال:
- ما رأيك في أن نذهب للاستحمام؟
قالت الشابة وهي منهمكة في فحص نفسها لتداري اضطرابها:
-إنني قذرة لدرجة رهيبة.
إن البحر سيغسلنا وأمامك بالضبط خمس دقائق.
استدار وهو يدعو أن تنسى سؤاله ولكنه رأها تسابقه في الجري نحو البهو وهي تصيح:
- آخر سيارة على وشك الرحيل.
انطلق "وولف" خلفها وهو يطلق صيحة الحرب:
أحضر كل منهما المنشفة وارتدى لباس البحر في حجرته وفي وقت قياسي كانت "بليندا" تنهب الدرج ولكن "وولف" امتطى الدرابزين وانزلق بسرعة إلى البهو كالصاروخ.
احتجت وهي تراه يسبقها بمسافة:
- أيها الغشاش.
وصل إلى السيارة قبلها وجلس خلف عجلة القيادة وهو يبتسم في وقاحة قالت وهي تميل على بابه:
- لقد كدت أقضم أنفك!
قال لها بصوت عميق:
- أنا تحت أمرك في أي لحظة.
دارت أمام السيارة لتأخذ مكانها بجواره. انطلق "وولف" في الحال ليقطع الممر نحو الطريق. لقد سيطرت عليه مشاعر مختلفة من خوف ودهشة وانجذاب. بينما ظلت "بليندا" تنظر في عناد أمامها خلال الزجاج الأمامي. كانت فوضى تجوس داخلها وصراع أفكارها المتضاربة يجري داخل عقلها. إنها تحب هذا الرجل. إن عقلها يكرهه ويرفضه وليس هناك حل وسط. عندما وقفت السيارة عند المرفأ قفزت نحوه. جرى "وولف" خلفها وهو يناديها وقالت وهي تنظر إليه:
- سأذهب للسباحة.
تركت حقيبتها وملابسها مكومة دون ترتيب عند قدميها وجرت فوق الرمال الساخنة لتلقي بنفسها إلى المياه و"وولف" في أعقابها. عاما طويلا جنبا إلى جنب إلى أن استلقت "بليندا" على ظهرها لتستقر فوق سطح الماء قالت وهي تتنفس بسهولة:
- إنه لذيذ.. لقد دخل طين الحديقة داخل جلدي.
- إنك تبذلين جهدا أكثر من اللازم. استأجري أحدا!
- حتى يؤدي العمل بلا كفاءة وأضطر لإصلاح ما أفسده؟
غطست في أعماق الماء وتبعها "وولف" إلى الأعماق الملوثة. قال لها عنما ظهرا فوق السطح:
- ألا يمكن أن تسمعيني دقيقة يا "بليندا"؟ أقسم لك أنني لم أحاول أن أقبلك.
- الأمر ليس كما تظن. بل إنني أود ذلك ولكن الموضوع كان أسرع من استعدادي ويمكننا أن نكون أفضل لو صبرنا.
- وأنا كذلك.
- إذن هيا بنا.
عاكسها "وولف":
- لست سوى طفلة.
- أنت مخدوع. اثنان من زملائي في الكلية تزوجا هذا العام صمتت وهي تتذكر يوم الزواج. كانت قد كرهت "هيكتور" بسبب الفضيحة الشائنة التي سببها في حفل الزواج. كان إلحاحه على عودتها معه بعد الحفل قد تجاوز الحدود وفي تلك الليلة قررت الرحيل إلى أوروبا. همس لها "وولف"
- هيا صارحيني!
- ليس للأمر أي أهمية على أية حال لقد تركت دراستي.
- يجب أن تعودي إلى العمل مرة أخرى يا "بليندا" وتكملي دبلومك.
- هذا قول سهل عليك أنت يامن انتهيت من كل شيء.
اعترض:
- إن بعض ذكريات الدراسة تشكل جزءا رائعا من حياتي. هل سبب لك صديق صغير كل هذه المتاعب؟
صاحت وابتلعت جرعة من الماء المالح أحرقت حلقها.
- ماذا؟ لايمكن لأي صديق صغير أن يسبب لي أي متاعب.
- بل هذا هو الذي يحدد الداء.
- اسمع يا "وولف"! إذا كنت تبحث عن سبب لمضايقتي فإنني سأقول لك وداعا.
أرادت الشابة أن تهرب ولكنه حاصرها. قالت له:
- إنني امرأة في التاسعة عشرة من عمري رضيت أم لا.
انطلق "وولف" في الضحك.
- هأنا قد نجحت أخيرا.
أحس "وولف" بأن كل دفاعاته تنهار واختفى كل شيء من حياته من سيناريو الفيلم والتصوير والمستقبل ولم يبق سوى "بليندا".
أخذ "وولف" يتأمل عينيها المبللتين ذواتي اللون الأزرق الشفاف ونسي العالم كله. لم يسبق ل"وولف" أن أحس بهذا الشعور الحاد المتسلط. وعندما عادا إلى السيارة سألته بغتة:
- لماذا تتجنب النظر إلى يا "وولف".
أجاب:
- أنت تشعلين النار داخلي. وليس هناك أي شيء يربطك بي. يمكنك الرحيل في الحال كما يمكنك أن تظلي عندي أطول وقت ترغبينه. ولن أمارس أي ضغط عليك أو أؤثر قيك. هل فهمت؟
إنني أريدك يا "بليندا" ولكني أريدك حرة وهادئة.
لم تجب الشابة. لقد تدخلت صورة "هيكتور" الرهيبة بينهما كستارة بينها وبين الحياة. قال "وولف":
- ألا زلت لا ترغبين في الإفصاح عما تكتمينه عني؟
كانت أخص خصوصيات المرأة يحترمها بعمق ولكنه أحس بسطوة الشكوك والرغبة في معرفة الشابة كانت أكبر من أي شيء. دست الشابة وجهها في فراغ كتفه. وأجابت وهي تهمس برقة في أذنه والعاطفة الشديدة في حبها تجتاحه بفظاعة:
- ليس بعد.
أجابها:
- لا تكفي أن تظلي كما أنت.. إنك رائعة على ما أنت عليه الآن. هيا نعود ولاشك أن "لوريث" رحلت بعد أن تركت ما نأكله على العشاء.
- هل سنكون بمفردنا؟
- نعم.
- هذا يناسبك على مايبدو.. قل لي: هل هذه ابتسامة التي أراها على شفتيك؟
- نعم بالضبط أيتها الشيطانة الصغيرة. إنها ابتسامة.
وقف "وولف" بالسيارة أمام الفيلا وهبط ليفتح لها الباب بحركة دبلوماسية راقية. أحس بالدماء تغلي في عروقه وهي تنظر إليه بنظراتها الساحرة وحاول أن يسيطر على نفسه. قال لها:
- "بليندا" أعتقد أنك ساحرة..لايمكن لأي مخلوق بشري أن يمتلك تلك القدرة.
ضجت الشابة من الضحك ودخلا المنزل معا:
قالت له مقترحة:
- يمكن أن تأخذ حماما ساخنا.
- نعم إن كلا منا في حاجة إليه لينعشنا بعد مجهود النهار: ما هذا..؟ إنك ترتجفين.
لاتظن أنني أرتجف لأنني أخافك يا"وولف" ولكن لأنني أحبك حبا شديدا.
انحنى أمامها وقال:
- وأنل كذلك يا حياتي.
أخذت رأسه بين يديها وهمست:
- إنني أحس بأن قلبي يدق حتى يوشك أن ينفجر وأحذرك لو أصبت بأزمة قلبية فسأجرك أمام المحاكم.
- يا إلهي! إنني أوشك أن أنهار في مكاني. كيف استطعت أن تجعليني أشعر بهذه السعادة وتجعليني أضحك إلى هذه الدرجة.
- ربما كان أجدادي يعملون مهرجين في السيرك.
- حقا؟ قصي علي ذلك.


هزت "بليندا" رأسها وهي ساهمة تفكر.
كيف يمكنها أن تحكيله عن شبه أخ لها كل همه في الحياة أن يقودها إلى الجنون؟ وأن ذلك المخلوق يرعبها بكل الوسائل؟ لقد حاولت بكل الطرق أن تتجنب "هيكتور". ولكنها استردت شجاعتها من لقائها بـ"وولف" وأحست من الآن بانها قادرة على مواجهته حتى تحصل على حقوقها.
ولكن كل ذلك بدأ لها كقصة قديمة عفا عليها الدهر وتود لو تطوي صفحاتها خاصة في وجود "وولف" بالقرب منها. قال لها وهو يربت ذراعها:
- هل ممكن أن تعيريني انتباهك ثانية؟
قالت وهي تخرج من تأملاتها:
- ليس هناك أسهل من ذلك لأنك تشغل تفكيري ليل نهار على أية حال.
أحس برغبة شديدة في أن تصارحه بما يشغلها.
- "بليندا" ربما كان يفيدك كثيرا لو صارحتني بما يثقل على قلبك بهذه الدرجة القاسية.
أجابت الفتاة:
- كنت أفعل ذلك لو كانت له أي أهمية. ولكن لايوجود شيء مزعج وأن جزءا كبيرا مما أحسه من متاعب هو من خيالي ثم إن الوقت ليس مناسبا. ولا حتى المكان.. أليس كذلك؟
فكرت أن الجميل في الموضوع هو أن تعترف ل"وولف" أن هروبها من الولايات المتحدة إنما كان هربا من مطاردة "هيكتور" الغزلية لها. إن "هيكتور" يطالبها دائما بالمال الوفير ويلح على الزواج بها. إن الربيع السنوي الذي تتلقاه لايكفي شخصين كما أن "هيكتور" يريد أن يضع يده على قيمة وثيقة التأمين ولكنها لن تسمح له أبدا بذلك. إنها محتاجة إليها جدا في يوم ما لتبدأ حياتها من جديد.
ربتت خده وهي تطرد "هيكتور" من أفكارها إنه هو الذي يهمها الآن وهي تود لو تصرخ معلنة حبها الأبدي له. سألها هامسا:
- هل هذه أول مرة تحبين فيها يا"بليندا"
احتجت:
وهل هذا سؤال توجهه لي يا"وولف"؟ ألا يخبرك قلبك بالحقيقة؟
أنت أول حب في حياتي. لأنك أول رجل لمسني واستولى على قلبي.
أخذ يضحك وهو يشعر بالارتياح. ود في هذه اللحظة لون أن روحيهما انصهرتا في روح واحدة. إنها تمثل له النقاء والبراءة على عكس كل علاقاته السابقة التي كانت تشوبها المصلحة والتي لم تستمر طويلا. همست:
- "وولف"!
- ماذا!
- هل تحبني حقا؟
- أوه.. كثيرا.. جدا.
رفع عينيه نحوها واستطاع أن يقرأ فيهما كل العاطفة الجياشة وقال:
- أريد أن تكون علاقتنا ممتازة لايشوبها أي شيء.
- إنني لا أشعر بأي خوف لأول مرة في حياتي. لم يعد يعني شيئا بعد الآن حتى لو أذيتني.
- لن أسبب لك أي أذى ياحبيبتي وكيف أسبب ألما لنفسي فأنت روحي.
- عدني ألا تتركني أبدا.
- ليست لدي أية نية أن أفعل ذلك وأنت هل تعدينني أن تظلي بجواري يا "بليندا"؟
كان ينتظر ردها وكأن بهجة الحياة كلها تعتمد عليه. ردت عليه "بليندا":
- كم من الوقت ستحتفظ بي؟
- أطول وقت تريدينه. ولكني أولا أريد منك أن تستأنفي دراستك ولكن يجب أن يتم ذلك وأنت معي. ما رأيك في هذا؟
قالت وقد أحمر وجهها من السعادة:
- لا أريد أن أتركك أبدا. ولكن ربما يصيبك الملل من تلك القروية التي هي أنا والتي تقضي معها وقتك في حين أنك تستطيع أن تتمتع بصحبة النجمات الفاتنات.
- إن ما يربطنا ونتشارك فيه هو الشيء الوحيد الذي له قيمة في حياتي والذي لايمكن أن يحل محله أي شيء كان. وأريد أن يستمر ذلك للأبد. من المؤكد طبعا أنني سأقابل فتيات فاتنات وذكيات بحكم طبيعة عملي وقد أمثل أمامهن أدوار العاشق والفارس الغازي الذي لايشق له غبار. ولكن ستظلين يا "بليندا" في روحي وفي قلبي.
ربما كان الوقت مبكرا على التمادي في علاقتهما إلى هذه الدرجة ولم يمر سوى أيام قليلة على تعارفهما ولكن قناعته وعاطفته كانتا تغطيان على حرصه.
قالت الشابة وهي تزفر.
- إنني لا أستطيع أن أصدق أننا نستطيع أن ننطق كل هذه الكلمات العاطفية.. إن الأمر يبدو وكأننا كشفنا الغطاء عن عالم آخر. عالم خاص بنا.
همس "وولف":
- أنا أحبك.
- وأنا أحبك أيضا.. وقد حدث ذلك بكل بساطة. لم أكن لأصدق أبدا أنني أستطيع أن أحب أحدا إلا إذا عرفته مدة مائة سنة على الأقل.
- سنتعلم كيف يعرف كل منا الآخر بدون استعجال ونتمتع بكل اكتشاف نحققه عن نفسينا.
- يا إلهي! يا "وولف". أنت رجل خارق سوبرمان لم أكن لأعرف أن هناك رجلا له مثل تأثيرك السريع.
انطلقت في الضحك السعيد المرح.
- أصارحك القول... هذه أول مرة أقع صريع الحب بهذه السرعة..ربما لأنه حب صادق.
لقد اجتاحتهما عاطفة الحب كالإعصار نظر إليها في وله وهيام وهمس:
- إنني لم أحس من قبل بمثل هذه اللحظات.
عندما اضطر "وولف" للرحيل في الصباح للعمل همست في أذنه:
- عد سريعا.
استلزم الأمر كل إرادته حتى ينتزع نفسه من أمامها ويصعد السيارة لينطلق بها مبتعدا.
نهاية الفصل الثاني...




الفصل الثالث:
تمر الأسابيع و"وولف" يزداد دهشة من السعادة التي يحسها كل يوم.
وكلما فكر في "بليندا" كان يتساءل أحيانا:
إن كانت ستتغير في يوم ما عواطفها نحوه؟ إنها صغيرة وليست لديها تجارب كثيرة في الحياة. وغالبا ما يحدث تغير عند أي شابة تبلغ سن العشرين وهو ما كان يقلقه وهو نفسه يقترب من الثلاثين.
نسيت "بليندا" شبه شقيقها ومتاعب الماضي. ولأول مرة في حياتها تفكر الشابة في إيجاد أصول لها وتقيم علاقات عائلية. كان "وولف" يملأ أيامها وكان يمثل كل شيء بالنسبة لها. وعندما يحدث لها أن تفكر في أنه قد يمل منها ويتحول إلى امرأة أخرى كانت تصارع مخاوفها وتحاول إلى امرأة أخرى كانت تصارع مخاوفها وتحاول أن تطردها من أفكارها.
لقد أقام كلاهما اتحادهما ببطء على أساس الفرحة وكانت شخصيتاهما تندمجان معا قليلا قليلا وبطريقة كاملة على أساس الحب. كانا يسبحان ويركبان القوارب ويقومان بنزهات طويلة دون أن يترك إي منهما الآخر. وبناء على إلحاح "وولف" المستمر اتصلت "بليندا" بجامعة لوس أنچيلوس" التي قلبت أوراق قيدها المدرسية.
ومن ناحيته كان "وولف" راضيا عن التصوير وكان مخرج الفيلم مسرورا من عمله وإن كان يستعجل الانتهاء من النص الذي كان مزدحما. كان يتخيل المستقبل عندما يعود هو و"بليندا" إلى كاليفورنيا. وأثناء قيامه بتمثيل وتصوير فيلم آخر تكون "بليندا" قد انتهت من الدبلوم وتبدأ حياتها المهنية دون أن يستبعد من ذلك كونها ستصبح أما وزوجة.
أما بالنسبة ل"بليندا" فقد كانت كل أيام الآحاد تتابع نشاطها البستاني وتقضي معظم الوقت مع "لوريث" حتى تستطيع أن تتقن لغتها الفرنسية استعدادا للدراسة في الجامعة. قالت الريفية الطيبة في يوم ما:
- أنت أكثر إشراقا من الوردة يا آنسة وأحب أن أسمعك وأنت تغنين. كانت الحياة جميلة ومرحة ولم تتصور "بليندا" أبدا أن أي ظل يمكن أن يشوب هذه اللوحة جميلة. ومع ذلك في مساء يوم مابعد أن انتهى "وولف" من تصوير آخر مشاهد الفيلم كان رجلان في انتظاره في مخرج الاستوديو. أعلن الأول وهو رجل قصير وبدين في الثلاثينات من عمره وأصلع.
- اسمي "هيكتور بليدسو" وأنا الوصي الشرعي ل"بليندا برونسكي" وهذا هو السيد ديزموند محامي. أنت تحاول أن تسلب مني أختي الغالية يا سيد " ويكفيلد" أضاف السيد "ديزموند" وهو يناوله ورقة أخرجها من حافظته.
- وهذا أمر رسمي وسليم.
قرأ "وولف" المستند بسرعة وهو يفكر بسرعة. هذه إذن النقطة السوداء في حياة "بليندا"؟ وتساءل.
الماذا اسم المدعو "هيكتور" بدا مألوفا لديه؟
قال موجها الكلام إلى المحامي:
- أنا في انتظار تفسيراتك.
تدخل "بليدسو":
- إن القانون يحمي الأشخاص أمثال "بليندا". وأنتم أيها الممثلون تعتقدون أنكم فوق القانون ولكنك مخطئ تماما.
أجاب "وولف" في هدوء وهو ينظر لمحدثه العدواني:
- لم أفكر أبدا في ذلك.
تساءل "وولف": ما الذي يبحث عنه بالضبط؟ إن غريزته تحذره أن ذلك المخلوق لم يأت إلى هنا إلا للأضرار بها سأله فجأة مما جعل المدعو "هيكتور" يجفل:
- ماذا تريد؟
- إن السيد "بليدسو" يريد أن يقول...
قاطعه "بليدسو".
- أنا كبير بما يكفي أن أعبر عما أريد بمفردي. إن هذا الأمر يعني ببساطة أن تترك أختي في حالها.
قرأ "وولف" المستند مرة ثانية بسرعة. قال بصوت منخفض وإن كان باردا كالثلج:
- إذا ما قرأت هذا المستند بعناية فإنني أفهم أن "بليندا" هي شبه أخت لك يا "بليدسو".
رد الثاني بوقاحة:
- لايهم. إنك لن ترى "بليندا" بعد اليوم. وكما هو مكتوب في وصية زوج أمي فهي تحت وصايتي و...
قاطعه "وولف" بجفاء:
- أريد نسخة من هذا المستند من أجل محامي أنا أيضا ومن وجهة نظري فإن جدلك القانوني لا يساوي شيئا يا سيد "بليدسو".
ألأقى في وجهه الورقة باحتقار بينما بدأت عينا السيد "ديزموند" تدوران في محجريهما, صاح "بليدسو" وهو يوشك أن يختنق:
- لا تحاول أن تخدعني واترك أختي في حالها بعيدة عن حركاتك ولا مجال لأن تجعلها عشيقتك و...
لم تتح له فرصة إتمام جملته. فقد تلقى قبضة "وولف" بصوت منخفض:
- نصيحة مفيدة يا "بليدسو" لا تقل هذه الكلمة أبدا عن "بليندا".
نبح التعس كالكلب وهو يقف بصعوبة:
- سأشكوك أمام القضاء.
***
قص "وولف" كل شيء على "بليندا" في المشاء. قالت معلقة بلهجة المنكوبة:
- هذه هي طريقة "هيكتور" وتابعه "ديزموند" لقد طارداني حتى هنا ليعيداني إلى نيويورك بالقوة ورغما عني ولكني لن أذهب أبدا.. أنا أحبك يا "وولف"
ألقت بنفسها بين ذراعيه فقال لها:
- وأنا أيضا أحبك ياحمامتي الصغيرة.
- إذن تزوجني ولن يستطيع "هيكتور" أن يفعل شيئا.
- آه لو علمت كم أرغب في ذلك يا عزيزتي! بل إنني فكرت في الأيام الأخيرة ولكنك لازلت صغيرة.
انفجرت الفضيحة في صحافة الفضائح في إنجلترا وفرنسا وعرفت "بليندا" أن مستقبل "وولف" المهني يتعرض للخطر وربما ستقضي عليه نهائيا. أما هو فلم يكن مع رأيها وأخذ يطمئنها.
تذكرت الشابة كل أحاديثهما حول أدواره وعن خياراته وأماله. لم يكن "وولف" ليعيش إلا من أجل مهنته. وكانت تشاهد البريق الجياش الذي يضيء عينيه عندما يتناقشان عن فنه. لم يكن هناك ما يبرر أن يتعرض كل هذا للخطر بسبب حياته الخاصة ولكن الجمهور والوسط السينمائي كانا هوائيين ولا أمان لهما. فيمكن أن يرفعا هذا النجم إلى السماء و الشهرة في يوم في الصباح ويخسفان به الأرض في مساء نفس اليوم. كانت تغلي وهي تفكر في كل الاحتمالات.
كانت كل طبعة أسوأ من السابقة مما زاد كربها وكان من هذه التعليقات:
النجم الصاعد"وولف ويكفيلد" في السينما الأمريكية يخدع فتاة قاصرة ليجعل منها "لوليتا" في الواقع.
قالت "بليندا" ل"وولف" بعد أسبوع من النشر المتكرر.
- لست مثل " لوليتا" الفتاة المراهقة التي أحبت كهلا فأنا أدفع فواتيري بنفسي ولست قاصرة فلماذا لا يقولون هذا أيضا؟
دست وجهها في صدره يائسة.قال يطمئنها:
- اهدئي.. هذه الإشاعة ستموت من نفسها وأنا واثق بذلك وسنكون في الولايات المتحدة بعد أيام وكل شيء سينسى.
ردت في أمل:
- الحق معك.. لنرحل بأسرع مايمكن.
أحست وهي معه بالأمان والحماية من عالم جارح به أمثال "هيكتور" ومناوراته الدنيئة. إن "وولف" يحبها وهي تحبه أيضا وسيتزوجان وستصبح أجمل حياة في العالم. ولاشيء يمكن أن ينزع منها حب "وولف".. عدا الزيارة التي. لم يراع ذلك البائس أصول الأدب وهو يقول لها من بين أسنانه:
- أتظنين حقا أنك تستطيعين أن تعيشي إلى مالا نهاية بدون شعور بالمسؤولية؟ إنك لن تلمسي ميراثك إلا بعد سنتين كما تنص وصية والديك على ذلك. وبصفتي الوصي يمكنني أن ألجا إلى المحكمة لتجبرك على أن تكفي عن التشرد وأن تعودي إلى البيت.
- في كل مرة تفتح فيها فمك الكريه يا "هيكتور" تتحدث عن المال. لقد حاولت دائما أن تسرق مني ميراثي ولكنك لن تحصل عليه أبدا. أما بالنسبة لأموال التأمين وبقية ميراثي فإنها بعيدة عن مخالبك.
كانت تتلذذ وهي تقول له ذلك قال "هيكتور":
- إذا كنت قد اتصلت بـ"بروكسي" فإن ذلك لم يكن إلا من أجل أن أطلب منه قرضا ليغطي استثمار أود أن أعمله من أجلنا أنا وأنت لأنك لم تنسي طبعا أنك ستتزوجينني.
قالت الشابة بصوت حاد كالسياط:
- لا أريد الزواج ولا الاستثمار ولا أي شيء وأرفض المناقشة في ذلك وأنا كبيرة بما يكفي , أنا أعرف ما أريد وأعرف كيف أحصل عليه سأبقى مع "وولف".
سألها "هيكتور" بنظرة تهديد:
- هل ستدمرين مهنته؟
- هذا غير صحيح تماما. ولقد قال لي ذلك بنفسه:
- حقا؟ إنهم يشيعون أنه فقد الدور الرئيسي في فيلم "الحب المجنون" وأنهم اختاروا ممثلا آخر لدور "أوراجان" ألا تعرفين ذلك؟
- أنت تكذب.
- لا. على الإطلاق. اتصلي بوكيل أعماله إذا أردت أن تعرفي. أو الأفضل اقرئي آخر الأخبار في هذه المجلة الإيطالية. إن صديقك ينهار يا صغيرتي المسكينة.
رغم أنها لم تستطع أن تترجم - بالضبط – التعليقات باللغة الإيطالية. فإن الشابة استطاعت أن تفهم ما يؤكد كلام "هيكتور". وفي نفس المساء أطلعت "وولف" على المجلة التي تركها شبه أخيها في نهاية زيارته, ولكن "وولف" هز كتفيه بلا اكتراث و ألقى بالمجلة في سلة المهملات.
- إن هذه الأدوار يسعى إليها ممثلون آخرون موهوبون يا "بليندا" أشخاص يريدونها و يعلمون جادين للحصول عليها. نحن جميعا نتنافس على الأفلام ولهذا السبب فسخت هذه العقود ولا صلة لذلك بمجلات الفضائح.
كان كل ما تتمناه "بليندا" هو أن تصدقه ولكن كلمات "هيكتور" أخذت تطارد فكرها. وكذلك عندما وقعت يدها على صحيفة أمريكية مرغت في الوحل سمعة "وولف" وعمله. طلبت شبه أخيها في التليفون وعلق "هيكتور" في النهاية قائلا في لهجة أبوية:
- الحق معك إذا رغبت في الخروج أخيرا من هذا المأزق الذي لاحل له.
- أبعد عن هذا كله يا "هيكتور" ولا أريد بأي حال من الأحوال أن أجدك في طريقي.
- ولكن...
- لقد سمعتني جيدا وسأتحول إليك إذا اقتضى الأمر ولكن لن أدع لك فرصة النجاة.. وداعا للأبد.
عاملت "بليندا" "وولفر" في تلك الليلة بمنتهى الحنان قال لها دون أن يخفي فرحته:
- إنني أعبد هذا.. إنني أحبك إلى مالانهاية.
ردت عليه بصوت خفيض مشوب بالجدية:
- سأكون لك للأبد.
طار "وولف" على جناحي العاطفة الجياشة. وفي الصباح عندما حان وقت رحيل "وولف" لآخر تسجيل صوتي أحس بأنه موضع حمى عاطفية من جانبها فزادت سعادته ونظر إلى عينيها بعمق:
- سنرحل إلى "كاليفورنيا" بعد يومين يا عزيزتي وهناك سيكون كل الوقت لنا بمفردنا.
- إلى اللقاء يا "وولف" وتمتع بنهار سعيد.
تساءل: ما هذه التحية الفاترة؟ راقبته وهو يبتعد بالسيارة, تسلحت بكل شجاعتها وكتبت كلمة موجهة إلى "وولف" وتركتها على الوسادة. ودون أن تودع "لوريث" انتظرتها حتى رحلت إلى السوق لتترك بدورها الفيلا واستأجرت دراجة لتهبط إلى القرية. ومن هناك قفزت داخل أتوبيس نقلها إلى مطار "نيس".
اشترت الشابة تذكرة لم تستعملها وقبل أن تدخل دورة المياه أخفت شعرها تحت القبعة وارتدت چينزا حائل اللون وقميص قطن وبدت في مظهر الصبي حيث ذهبت إلى محطة سكك حديد المدينة.
ما إن وقفت أمام شباك التذاكر حتى حجزت تذكرة للأكسبريس الذاهب إلى "باريس" تحت اسم مستعار لرجل.
نهاية الفصل الثالث....





الفصل الرابع.....

حلت بشائر الخريف محل الصيف. كان هواء "مانهاتن" يشوبه بعض البرودة وإن كان لطيفا نسبيا. سار "وولف" على قدميه حتى نهاية الشارع السابع نحو مطعم "جرينوتش" حيث حدد له وكيل أعماله موعدا.
إنه سيتأخر قليلا على إفطار العمل المحدد له هذا الصباح ولكن الهواء المنعش طرد ما كان يشعر به من اعتلال في المزاج أثناء الليل.
بعد أن قضى ليلة في قراءة نص. كانت صورة "بليندا" لا تزال تتردد على أحلامه كما يحدث باستمرار منذ عشر سنوات لم يرها فيها. حمد الله أن ذلك بدأ يحدث أقل فاقل وكان دائما يحس بالتمزق خاصة في اللحظات التي سيقابل فيها ممولي أي فلم جديد سيلعب بطولته. كان وكيل أعماله يذرع الرصيف ذهابا وإيابا عندما ظهر "وولف" على مرأى من المطعم. قال بمرح:
- مرحبا يا "وليام"
أجاب الأخير وهو ينظر إليه في لوم:
- إنني أنتظرك من ساعات! لقد غير الممولون مكان الموعد ويجب أن نقابلهم في مكاتبهم.
قال "وولف" بغيظ:
- وماذا أيضا ؟ من يظن هؤلاء أنفسهم ؟
رد "وليام" وهو يسحبه نحو سيارته التي تقف بعيدا:
- لا تبالغ في الأمر.
- أنت تعلم جيدا أنني لا أحب أن تجرني يمينا ويسارا. اعتمد علي وسأقول لهم ذلك.
فضل "وليام" ألا يرد. وأنزلهما السائق أمام أحد المباني التي ترتفع نحو السماء وتلمع من الزجاج والصلب.
علق" وليام" وهما يعبران البهو نحو المصاعد:
- إنهم يشغلون الطوابق الثلاثة الأخيرة.
أحس بأن "وولف" متردد وقد بدا عليه الغضب فقال:
- أسمع! أعرف تماما أنك مشدود الأعصاب جدا:
و أنت تحاول موازنة تكاليف الفيلم ولكن لقاء اليوم هو أفضل العروض المتاحة وعلى أية حال أنت الذي طلبت مني ترتيب هذا اللقاء.
زفر "وولف".
- هذا صحيح.. هيا بنا.
خلال دقائق نقلهما المصعد إلى إدارة شركة "ليندا" العالمية لمستحضرات التجميل‘ أعطى "وولف" اسمه - وهو لا يزال عصبيا - إلى فتاة الاستقبال التي أوشكت أن يغشى عليها عندما رأته أمامها ثم تماسكت لتذهب كي تفتح بابا مزدوجا معلقا عليه لافته: الإدارة.
صاح "وليام" وهو يتقدم "وولف" نحو امرأة بدا ظلها واضحا ضد الشمس التي نفذت أشعتها من النافذة التي بطول الجدار خلف الكتب:
- آه هاهي ذي! " لندا" أقدم لك "وولف ويكفيلد"
"وولف"! أقدم لك "ليندا" من شركة "ليندا" العالمية لمستحضرات التجميل.
ابتعدت السيدة من أمام النافذة واستطاع "وولف" أن يتعرف عليها أخيرا: "بليندا" ! أصيب با لشلل أو أصبح كمن أصابته صاعقة. كانت تشغل فكره من سنوات وظن أنه مصاب با لهلوسة.
سأل "وليام" في قلق :
- "وولف" ! هل كل شيء على مايرام ؟
أجاب الأخير بعد أن أرسلت له المرأة ابتسامة هادئة:
- كل شيء على مايرام.
كانت "بليندا" تنتظر لقاءه. منذ اليوم الذي تركته فيه. كانت تتابع أخباره في مهنته وتكتب له مئات الخطابات التي لم ترسلها إليه أبدا. ورغم أنها كانت قد أعدت نفسها لهذه اللحظة إلا أنها فوجئت بالانقباض الشديد بداخلها عندما رأته وعندما نظر إليها. لقد أحتفظ "وولف" بكل قوته وسحره.
أحست بالعرق يبلل بشرتها وأن قلبها يتضخم وبذلت "بليندا" كل مافي وسعها حتى تتمالك نفسها.
همس "وليام" بينما نظراته الدهشة تنتقل بينهما:
- قل أي شيء يا "وولف" !
قالت "بليندا" وهي تبتسم ابتسامة حاولت أن تكون ابتسامة سيدة الأعمال:
- نعم.. قل أي شيء.. لقد مر وقت طويل.. أليس كذلك؟
صاح "وليام" متسائلا :
- هل يعرف كل منكما الآخر؟
قال "وولف" بصوت مشوب بالتهكم اللاذع :
- أنا والآنسة "بليندا برونسكي" تعارفنا من سنوات عندما كانت لاتزال... طفلة.
إنه لايصدق عينيه ولكنها فعلا أمامه تلك الفتاة الصغيرة الوباء التي قابلها في "نيس" وقد تحولت إلى هذه المخلوقة الرائعة الناعمة كالحرير والراقية.
أجابت السيدة:
- الإنسان لايكون طفلا في سن التاسعة عشرة يا "وولف" ثم إنني من الآن فصاعدا اسمي "ليندا".
أحست بأنها تتطوح. لقد صعقها "وولف" منذ لحظة دخوله ولكنها كانت واثقة بأن ذلك نفس ما حدث له. لقد أصبح مفتونا. غرست "بليندا" أظافرها في راحة يدها لتحافظ على مظهرها. قالت وهي تشير إلى باب موجهة الحديث إلى "وليام" :
- سنجتمع في القاعة المجاورة.
فتح "وليام" الباب وتركهما بمفردهما. ساد صمت أخذ كل منهما أثناءه يتأمل الآخر وكأنهما مصارعان على وشك الاشتباك. همست "بليندا" أخيرا:
- كيف حالك يا "وولف" ؟
لقد بدأ أمامها أكثر لمعانا من قبل وفي منتهى الملاحة والقوة.. تلك القوة التي لدى الفهد ولكنه متحكم فيها رد عليها وهو يكتشف فيها تلك الرقة التي احتفظ بذكراها من عشر سنوات:
- في أحسن حال في العالم.
كانت "بليندا" لازالت تحتفظ بوجه الصبية المليحة ولكن بدلا من الضحك والمرح وعدم الاكتراث والبساطة حل نوع من التباعد والتحفظ. ولكن "بليندا" ظلت كما هي فاتنة وشديدة الجمال. ولكن هل اختفت رقتها السابقة لتحل محلها الجدية والسلوك الهجومي؟
- إذن أنت تملكين شركة "ليندا" الدولية لمستحضرات التجميل؟
- نعم..أنا بمفردي ودون شبه أخي وهذا هو المهم.
- وكيف وصلت إلى هذا؟
أجابت بابتسامة أظهرت غمازتيها مما جعل "وولف" يكتوي بنار الذكريات.
- بقوة الإصرار والعزيمة..ومرحبا بك إذن في الإدارة العامة لشركتنا.
- ويالها من إدارة عامة! بصراحة لقد تأثرت كثيرا أعتقد أن هذا هو هدف تغيير مكان اللقاء؟
أخذ يتأملها بوقاحة من رأسها لأخمص قدميها وهو راض داخليا عندما لاحظ احمرار وجهها أمام عملية الفحص. قالت المرأة وهي متوترة من وقاحته:
- نحن نعمل دائما على التأثير على عملائنا. على أية حال فأنت ستعمل معنا..أليس كذلك ؟
- ليست لدي أي فكرة ‘ إنني سأوقع معك يا "بليندا". ولماذا اهتمامك بفيلمي ريح الجنوب؟
قالت بجفاء:
- إن شركتنا معروف عنها دقتها في اختيار مواد استثماراتها.
أجاب "وولف" دون أن يتخلى عن تهكمه الساخر:
- هذا أفضل. إنني أقدر دائما الجبابرة.
في هذه الحالة سنؤدي عملا طيبا معا..لننضم إلى الآخرين الآن إذا سمحت.
سار "وولف" خطوة بخطوة معها إلى صالة الاجتماعات وكان فستانها الحريري يحدد تفاصيل جسدها بينما ارتجفت "بليندا" وهي تحس بنظراته المركزة عليها.
تمت عملية التعارف في قاعة الاجتماعات بسرعة بين المحامين. وعندما استعدت الشابة للجلوس على رأس المائدة أحست بأنفاسه في عنقها والذي سحب مقعدا لتجلس عليه.
بدأ الجميع يتناولون الإفطار وهم يتحدثون عن العمل. التهم "وولف" فطيرتي كرواسان وثلاثة أقداح من القهوة بغير سكر وهو يجيب على الأسئلة التي طرحت عليه. ولكنه وإن بدا أنه يراقب الجميع إلا أن نظره كان مركزا على "بليندا" ‘ التي تعمدت أن توجه الحديث للجميع سواه. وبعد ساعتين انقضى اجتماع العمل.
بينما كل واحد ينهض ليرحل بعد المصافحة المعتادة ظل الاثنان جالسين وجها لوجه وعيونهما تتلاقى. تقدم "وليام" من "وولف" مترددا وقال مقترحا:
- أتحب أن أوصلك إلى مكان ما ؟
- لا..شكرا..أفضل أن أتمشى فالهواء طلق ويفيدني.
ترك "وليام" القاعة وأصبحا بمفردهما. نهض "وولف" ليصفق الباب بعنف ثم عاد ليجلس في مواجهة "بليندا". ساد صمت ثقيل عدة ثوان ثم ضرب المائدة فجأة بقبضته. وصاح:
- لماذا ؟
كانت "بليندا" تعرف بالضبط ماذا يعني.
- لقد كنت موضع هجوم من جميع الجهات من صحافة الفضائح وكنت تعلم كل الضرر الذي يمكن أن تسببه. لقد كنت قد بدأت لتوك مهنتك التي كانت لا تزال هشة ويمكن أن تهشمها خبطة واحدة للأبد. وفي نفس الوقت شبه أخي كان يهددنا باتخاذ الإجراءات الجنائية القاسية وكنت في حاجة إلى الدراسة العملية التي تؤهلني أن أحصل على حريتي من قبضته. أشياء كثيرة كانت قائمة بيننا ‘ يا"وولف".
نظرت إليه نظرتها الصافية والجريئة. بعد كل هذه السنوات التي قضتها في تجميع كل صورة عنه و مشاهدة كل أفلامه تجد نفسها أخيرا أمامه وتحس بنوع من الدوار. رد "وولف" بصوت منخفض:
- فهمت ! إنك لم تفكري لحظة واحدة في أن بإمكاني الحفاظ على مهنتي وتخليصك من شبه أخيك والعناية بدراستك؟
كان يتميز غضبا ‘ كيف أمكنها أن تحطم هكذا حكايتها من نفسها وبطريقة ديكتاتورية؟
صاحت "بليندا" وهي تتوتر بدورها من مسلكه المتسلط:
- كل هذا ليس من شأنك ومن ناحية آخر فإنك كنت ستخسر أكثر مني في هذا الموضوع.
قال بلهجة مريرة:
- ولقد خسرت الكثير.
همهمت الشابة:
- وأنا كذلك.
أخذ كل منهما يحيط الآخر بنظراته بكل الآلم والأسى اللذين تجمعا على مر السنين. ووسط ذبذبة السكون المحيط بهما كانت لكل كلمة تنطق تأثير المتفجرات.
- أما وقد حدث ما حدث فقد ربحت كل شيء مثلك.
قال "وولف" معلقا وهو يضم قبضتيه:
- دائما لديك الرد حاضر ‘ أليس كذلك ؟ كان من الواجب أن نتخذ هذا القرار معا وباتخاذه بمفردك تخليت عني ولم تستشيريني..هل وضعت هذا في الاعتبار ؟
لقد حصل كل منا على حياة جديدة.
ترك "وولف" نظراته تتأملها كلها. إن تلك الصبية الممشوقة القوام التي كانت في يوم ما قد حلت محلها امرأة راقية ذات جسم فارع متناسق ومغر وأحس بموجة من الرغبة الشديدة في أن يحتويها بين ذراعيه فجأة. قال "وولف":
لقد مضى الوقت الذي كنت أجعلك تذوبين أمام نظراتي ولم يبق اليوم سوى تمثال من الرخام.
ردت الشابة وهي تحاول تجاهل الوخز الذي أحسته داخل قلبها:
- لقد قطعت مشوارا طويلا كما قلت لك.
أدركت أنه هو لم يتغير فيه شيء بزوايا وجهه الرجولي والتي زادت حدة ونضجا. إن "وولف" ساحر للنساء لاشك فيه. زادت سرعة نبضات قلب "بليندا" .
قال بسخرية وهو يدور حول نفسه ليثبت لها أنه يستطيع أن يقرأ تفاصيل أفكارها:
- ما أريك؟
- رأيي هو رأي امرأة تستحق لقب امرأة. لست سوى محطم للقلوب. كانت تحاول أن تستخدم اللهجة المرحة التي تعرف تأثيرها وإن كانت هذه المرة غير متأكدة. عندما استعدت لمواجهته نسيت "بليندا" أنه قادر على شفط كل الهواء في المكان وتركها تختنق من الرغبة.
أضافت بطريقة مثيرة ومتحدية لترمي الكرة في ملعبه:
- ثم إن وجهك أحسن وسيلة دعاية لأعمال شركتنا.
- هذا صحيح..لقد نسيت أن هذا هو الهدف من عقدنا.
لمح "وولف" في عينيها ومضة شك هاربة. أحست الشابة يدور حولها كسمكة القرش التي تنتظر اللحظة المناسبة لتوجيه الضربة القاتلة. سألها:
- هكذا إذن واصلت مهنتك؟
هزت رأسها موافقة ببطء وكان "وولف" يحتوي غضبه بصعوبة. لقد اصطادته بسنارتها كسمكة صغيرة بعد أن ظلت تراقبه يوما بعد يوم وسنة بعد سنة بينما هو تائه كالأعمى يبحث عنها. قال بصوت أجش:
- أين كنت ؟
- في باريس. لقد قيدت اسمي بجامعة "السوربون" في البداية عشت في منزل صغير في شارع "ريف جوش" ثم عثرت على عمل كخادمة فندق. كل ذلك تحت هوية "ليندا بينيت" وهو اسم أمي وهي فتاة. بل صبغت شعري.
- ماذا ؟ كل هذا التنكر حتى لا أستطيع العثور عليك؟
همست وهي تخفض عينيها:
- نعم.
زمجر "وولف" بصوت تأنيب :
- لقد بحثت عنك في كل مدن أوروبا بما فيها "باريس" بل إنني قابلت شبه أخيك ولكن بدا أنه ل لا يعرف مكانك.
لم يجد داعيا لأن يذكر لها أنه حطم وجه "هيكتور" عندما قابلته وتركه شبه ميت . أضاف قائلا :
- ألم يكن من الممكن على الأقل أن تتصلي بي ؟
- لقد اتصلت بك من ست أو سبع سنوات وكنت تصور أول فيلم لك في" باريس" عندما تحولت إلى مخرج وتركت رسالة في فندقك ولكنك لم ترد علي أبدا . ربما لم ينقلوها لك . على أية حال لقد أردت أن نكون على قدم المساواة في اليوم الذي نلتقي فيه .
- ونحن على قدم المساواة الآن .. أليس هذا ماتريد ين قوله ؟
اعترفت الشابة :
- لقد كانت هذه أعز أمنياتي .. هل يمكن فقط أن تفهمني ؟
رد "وولف" بحدة .
- إنني أفهمك جيدا . لقد تصورت اللوحة وقد وضعتني في مكان محدد فيها ويجب علي الآن أن التزم بهدوء بخططك .
كانت مجرد فكرة أنها تلاعبت به بهذه الطريقة تجعله يتحرق شوقا أن يوجه قبضته إلى الجدار . اضطربت "بليندا" من هذا الغضب الأسود المختفي تحت ابتسامة بريئة .
بدأت حديثها :
- يجب يا " وولف" أن ...
ولكنه أشاح بوجهه إلى الناحية الأخرى من المائدة وقد تكوم كالفهد المستعد للهجوم .. قاطعها :
- نعم .. أنت تحملين كل علامات النجاح . الثوب والحذاء الغالي الثمن من الماركات العالمية واللآلئ والمجوهرات لقد أحسنت لعب دورك ودفنت فتاة الشوارع.
ردت عليه في تحد:
- رائع! واعلم أنني في أي لحظة كنت أستحق أن أصل إلى هذا عن جدارة. وأنت نفسك لم تعد ذلك الممثل الشاب المتعطش للمجد الذي عرفته سابقا.
لم تكن "بليندا" لتعرف عنه شيئا سوى ما تنشره عنه الجرائد عن ذوقه ومتعه. ولكنها لم تكن لتعرف شيئا لا عن أسرته ولا عن ماضيه.
والوقت القصير الذي عاشا فيه معا قضياه في الحب واليوم هاهو واقف أمامها فقد اكتشفت رجلا مختلفا تماما .هل اختفى "وولف" الذي كان ملكها ؟
رأت حاجبه يرتفع قليلا أوحى إليها أن لديه فكرة ما لايمكن أن تخدعها ذكرياتها ولكن لايهم إلى أين يقودها الأمر إلا يقودها الأمر إلا أن العاصفة بدأت تبتعد.
قال وهو يدور على عقبيه ويصفق الباب وراءه:
- إلى اللقاء يا "بليندا" .
ظلت الشابة ساهمة تفكر وهي تائهة وسط الصمت والسكون ثم ذهبت إلى مكتبها وحاولت التركيز على عملها.
تركت العمل في منتصف النهار وأخطرت سكرتيرتها أنها ستذهب لتناول الغداء رغم أنها فقدت شهيتها.
عندما خرجت "بليندا" إلى الشارع توجهت إلى المنتزه القريب و أخذت تتجول بين المشاة دون أن تراهم وقد غرقت في أفكارها التي تقودها بلا انقطاع نحو "وولف".
كان جو الخارج قد حسن من حالتها وعندما وصلت إلى جانب المنتزه أبطأت خطواتها ووقفت تحت أشعة الشمس أمام بائع سجق ساخن. قال صوت خلفها:
- لو سمحت....
استدارت "بليندا" كان "وولف" واقفا خلفها وهو يمدلها سندوتش سجق ساخن كان ممسكابه في يده.
سألته في شك:
- هل تبعتني ؟
- طبعا.. هيا نعثر على أريكة لنجلس عليها.
جلسا في دائرة من مقاعد الرخام وأخذا يأكلان في صمت ثم ناولها "وولف" بعد ذلك علبة عصير برتقال ثم سألها: إن كانت ترغب في القهوة ؟ أجابته:
- لا...شكرا..إن عصير البرتقال يكفيني.
ساد صمت من جديد أنهته "بليندا" عندما قالت:
- حسنا ! أعتقد أن علي أن أذهب.
قال "وولف" وهو يلقي العلب و الأوراق في سلة المهملات:
- سأصحبك حتى مكتبك .
أخذ ذراعها في يده بطريقة طبيعية للغاية وقال في الحال وهو يرغب في ألا يتركها تنساب من بين أصابعه دون أن يفهم سبب النيران التي تشعلها داخله:
- هل يمكن أن أدعوك للعشاء هذا المساء ؟
أجابت "بليندا" :
- الأحرى أنني أنا التي تدعوك إلى بيتي . أنا متأكدة أنك ستعشق طهيي .. أتدري أنني اصطدت " لوريث " وأحضرتها معي هنا في نيويورك ؟
كانت تتكلم بسرعة حتى تستطيع أن تستحضر اللحظات السعيدة من لقائهما وحبهما الأول . قال مذهولا :
- لوريث ؟ ولكن لماذا ؟
- ولم لا ؟
فكر "وولف" أن يكون الجنون بعينه على مائدتها !
وهي التي كانت تتصور دائما أن يكون العثور عليها بطريقة ودية وهادئة ومؤدبة . وهاهي الآن تهدم كل الخطوات التي أعدتها في هدوء قال "وولف" وهو يقترب منها أكثر حتى اصطدم بها دون قصد وهما يسيران:
- موافق سنتعشى عندك في المرة القادمة . قولي لي :
ألا تحسين بصعوبة وألم وأنت تسيرين بهذا الحذاء ذي الكعب العالي ؟ على أية حال لا زلت أذكر أنك كنت تحبين أن تسيري حافية القدمين.
- إنني أحب ذلك دائما. ولكن الكعب العالي لم يعد يجرحني. ولدي الآن إمكان أن أشتري . النوع الذي يبدو مريحا مع الاحتفاظ بجماله الساحق.
كانت تتكلم وقد بدا عليها بعض المكر جعله يبتسم . هذه إذن بداية عودتهما إلى التأمر . لقد أقسمت الشابة أن تتذكر تلك الأيام مدى حياتها.






وجد "وولف" نفسه واقعا تحت تأثير فتنتها وترك عينيه تتجولان على ساقيها المخروطتين بيد نحات . ود لو عاد إلى الأريكة الحجرية وجعلها تخلع الحذاء .
انتزعته مرارة الذكرى والأسف من تأملاته عن الماضي الرائع .أحست "بليندا " بتغيير مزاجه وخمنت أنه يفكر في ذلك الزمن الذي كان يعرف فيه كل أفعالها وتغييرات سلوكها دون أن يشك في شيء . لقد فهمت أن ذلك يحرقه كالحامض اللاذع .
ارتعدت الشابة أمام فكرة أن يهجرها . لقد فكرت مئات المرات قبل أن تتأكد من إمكان مواجهتها لهذا الافتراض . ولكن نظراته هزت اطمئنانها .. أن تفقده مرة ثانية هي ضربة قاتلة . قالت وهي تسرع :
- لابد أن أسرع .
كان "وولف" مصمما ألا يدعها تفلت منه مرة ثانية .. ماذا يمكن أن يحدث له لو اختفت ثانية ؟
في هذه اللحظة بالذات ولدت الفكرة في رأسه .
إنه يستطيع هو أيضا أن يلعب دورا مزدوجا . أجاب :
- وأنا كذلك .. لدي نص لابد أن أقرأه .
أحست "بليندا " أن هناك فكرة في رأسه فشعرت في الحال بالضعف . بماذا يهددها ؟ ولماذا ؟ سألها " وولف فجأة عندما وصلا أمام المنى :
- ماالذي قادك إلى الوسط السينمائي ؟
- عرض لم أستطع أن أرفضه .
عندما وثقت " بليندا " بنفسها وأنها مستعدة لمقابلة "وولف " بدأت في التحري والبحث عن أفضل دور يصلح له بهدف أن تقوم بتمويل الفيلم وكان الفيلم الذي ستوقع عقده معه - وهو ريح الجنوب - هو الثاني الذي عثرت عليه .قالت شارحة :
- لقد أردنا في البداية أن نشتري - الرجل الحجري - ولكن الفرصة فاتت . أنت تستحق حقا جائزة الأوسكار للأحسن ممثل والتي نلتها عن ذلك الفيلم أقصد "الرجل الحجري " وكانوا يسمونك لذلك في الصحف "الرجل الحجري".
- أنت تعرفين أمورا كثيرة عني يا "بليندا " .
- لأنك أصبحت مشهورا .
- وهل أنت شريكة في مؤسسة "ديلند " التي أرادت أن تشترك في فيلم " الرجل الحجري " ؟
- نعم
- من الواضح أن لك أسماء كثيرة .
- إنه اسم شريكي وهو أروع رجل قابلته في حياتي .
سمع نفسه يجيب :
- حقا ؟ أنا سعيد من أجلك .
في الحقيقة كانت الغيرة تأكل قلبه وهو يرى عينيها تغشاهما الدموع . إنها تحب ذلك الرجل . تابعت "بليندا " حديثها :
-أنا واثقة بأنك كنت ستقدره . لقد كان نوعا خاصا من الرجال.
كان موت الأستاذ "ديلند " قد صدمها بشدة في اللحظة التي بدأت فيها شركتهما تزدهر . كان الرجل العجوز كريما وطيبا وحاو المعشر ويعتبر أباها الثاني ولازالت تشتاق إليه بدرجة رهيبة . طبع "وولف "قبلة على وجبينها وهو يقول بصوت عميق :
-هذه باسم الأيام الخالية الجميلة .. سأمر عليك في السادسة لأصحبك إلى بيتك .
كانت تشعر بالدهشة وعدم القدرة على الكلام . هزت "بليندا " رأسها علامة الموافقة وابتعد "وولف " . أحست بجبينها يحرقها .. لقد قبلها وعليها أن تظل ترقص فرحا حتى المساء .
تمشى "وولف " في الشوارع , كانت الخطة التي تكونت شيئا فشيئا في ذهنه لم تفارقه أبدا . إن "بليندا " لن تتبخر أبدا بعد في الهواء وستتخذ كل الإجراءات والاحتياطات اللازمة .
اتصل بسكرتيره "وليام " من إحدى كبائن التليفونات العامة على ناصية الطريق ليحصل على رقم تليفون الإدارة في الحال . ما إن كان على الخط حتى أعطى تعليماته في كلمات قليلة مختصرة ووضع السماعة مكانها . لقد بدأت المرحلة الأولى من خطته في الانطلاق . استأنف تسكعه دون أن يعير الشاة أي انتباه ودون ينصت إلى صوت آلات التنبيه الصادرة من السيارات كانت فكرة واحدة تحتل ذهنه : لن تهرب منه "بليندا " أبدا .
"بليندا " تلك الصبية التي رفعت في يوم ما عينيها إليه في ثقة أصبحت الآن بعيدة وحلت محلها امرأة واثقة بنفسها بقوتها ولا تحتاج لأحد . لقد شقت طريقها . ثم هذا المدعو " بليندا " ؟ لقد أحبت رجلا آخر .. هذا مؤكد وهو ما يعذبه أيضا .
أخذ يدير خطته في رأسه مرة ومرة ومرات وفي جميع الاتجاهات حتى سيطر الموضوع على أفكاره تماما .
في النهاية بدأ يمارس رياضة الجري إلى أن وصل إلى الحي الذي يقطن فيه وقد انقطعت أنفاسه وغرق في عرقه واستطاع أخيرا أن يسترد سيطرته على نفسه , على الأقل حدد هدفا وهو الذي سيمسك بزمام اللعبة .اختفى في شارع جانبي صغير فجأة ثم انضم إلى النادي الصحي الذي يتردد عليه وبصفة دائمة للمحافظة على لياقته البدنية . وهناك ارتدى لباس استحمام كان موجودا في دولابه الخاص ثم غطس في حمام السباحة وظل يسبح باستمرار ذهابا وإيابا بما يعادل مسافة كيلو مترين قبل أن يدرك أن ذلك لم يطرد من ذهنه صورة "بليندا " المثيرة . عاد إلى بيته يحدوه الأمل أن ينجح العمل الذهني فيما فشل فيه التمرين البدني وانهمك في دراسة نص سينمائي جديد قدمه له "وليام" هذا الصباح نفسه.
كان هذا النص مثل "ريح الجنوب" مبيعا أيضا إلى "شركة "ليندا" الدولية لمستحضرات التجميل" وبدا وكان الدور مفصل عليه بالضبط. لابد أن يكون مجنونا لو رفضه مادامت وعدته "بليندا" أن يكون له السيطرة الكاملة على النص وإخراج الفيلم لو أراد.
قرأ النص مرتين ليحاول إيجاد نقاط الضعف ولكنه وجده أفضل عند تحليل له.. لا زلت "بليندا" تناوره وتتلاعب به وعليه أن يقوي من خطته.
رفع سماعة التليفون من أول رنة وأجاب على المرأة المنفعلة وهي تتكلم على الطرف الآخر من الخط وقال:
- نعم يمكنك أن تطبعيه . كل شيء مضبوط .. إلى اللقاء.
فكرة "وولف" ماذا ستظن "بليندا" ؟ كل شيء سيثبت بسرعة وسينشر في كل الصحف صباح غد.
كان في بهو مبناها من الساعة السادسة إلا عشر دقائق. وهو يذرع الأرضية الرخامية منتظرا خروجها. كان المبنى جديدا وفاخرا.
هل كانت "بليندا" تستأجر فقط الأدوار الثلاثة العلوية أم تمتلك كل المبنى ؟ وإذا كانت قد استطاعت أن تشيد مشروعا دوليا في عشر سنوات فهل كان ذلك بمفردها أم مع ذلك المدعو "بليندا" ؟
في تمام السادسة فتحت أبواب المصعد وظهرت الشابة ‘ تقدم "وولف" نحوها وقد أذهله جمالها. كان مجرد تأملها يملأ قلبه بكل مشاعر الحب والرغبة في العالم. لقد ظلت نضرة وجميلة عبر السنين. كانت غير عادية وراقية وهشة وقوية في آن واحد. مراهقة وناضجة واستطاعت أن تجمع كل هذه التناقضات في سيمفونية رائعة جعلت منها إنسانة فريدة.
في هذه اللحظة أدرك "وولف" أن حبه ل"بليندا" الذي ظن أنه مات ودفن في التراب لم يكن سوى حالة من البيات الشتوي واستيقظ عند أول لمسة للحرارة. كان من الواضح أن الشابة تحتفظ بمجموعة كاملة من الملابس في مكتبها مادامت قد ظهرت وهي مستعدة مسبقا للخروج بعد أن استبدلت التايير المهني بثوب سهرة من الحرير اللامية والساتان الأرجواني يبرز اللون التركواز لعينيها الواسعتين ونعومة لون بشرتها قال "وولف" وهو يستقبلها بتقبيل يدها :
- ها نحن هنا .
سألته دون تكلف :
- إلى أين سنذهب ؟
- لقد فكرت أن بإمكاننا العثور أولا على مكان مسل يفتح شهيتينا للعشاء بعد ذلك .
كان رائعا في حلته السموكينج الحريرية الزرقاء الداكنة وحيث التفصيلة المضبوطة تظهر جمال جسده الفارع .
ظلت الشابة مصعوقة أمامه وانهمكت في فحص ثوبها حتى تعيد الثقة بنفسها. لقد كانت واثقة بنفسها ثقتها بالكون عندما التقت به في "نيس" لقد اختلفت الأمور تماما اليوم فقد بدأت تفقد ثقتها بنفسها من قرب "وولف" منها وكأنه انتزع منها كل تلك الثقة في لمح البصر بسطوة وجوده. قالت الشابة وهي تدرك أنه كان يحدثها:
- أرجو المعذرة.
- إنني تساءلت: لماذا تفحصين ثوبك وقد بدا عليك بعض القلق... إنك فاتنة إلى أقصى حد.
كان صوته كالنسيم الذي أصابها بالرعدة ‘ قالت:
- لقد كنت تتحدث عن شيء يفتح شهيتينا.. في الحقيقة لسنا مزودين بما يسمح لنا بالجري في الحديقة.
- لا... ولكننا في حالة رائعة تسمح لنا بالذهاب للرقص.
أدارت "بليندا" رأسها لترى سيارة "كوبيه الفاروميو" .
- هل هذه سيارتك التي نالت غرامة مرور؟
تحرك "وولف" بسرعة وهو يصيح ويقودها نحو الباب الخاص بالمبنى.
- اللعنة.. هيا نسرع
شاهدتهما الشرطية وهما يصلان بهدوء ودون أن يبدو عليها أي تعبير. قالت بصوت اتهام:
- أنتما تقفان في منطقة ممنوعة!
رد "وولف" وهو يبتسم :
- سنرحل في الحال .
تغير تعبير الشرطية في الحال عندما رأته . ظلت فاغرة فمها واتسعت عيناها عن آخرهما و أسقطت القلم . لا يزال "وولف" يؤثر فيهن نفس التأثير . تلعثمت المرأة:
- ولكنك ... أنت .. أنت "وولف ويكفيلد" . إن أختي ستموت حسدا عندما أحكي لها .
فتح "وولف" الباب أمام "بليندا" ثم التقط القلم ليناوله الشرطية في أدب . سألته:
- هل يمكن أن أطلب منك أن توقع لي في الأوتوجراف ؟
- طبعا .. أين ؟
- هنا في دفتر المخالفات بجوار اسمي.
استدار "وولف" عندما سمع صوت نفير سيارة كانت سيارته تسد الطريق أمام سائق غير صبور.
صاحت الشرطية وهي تلوح بحركة إمبراطورية :
در حوله !
ثم عادت إلى "وولف" وهي تبتسم:
- لا تعره أدنى انتباه .. وقع من فضلك.
قال "وولف" بعد أن وقع وناولها القلم:
- هاك ! وشكرا لتفاهمك.
أجابت المرأة:
- ولكن لا .. أنا التي أشكرك وشكرا على التوقيع وهذه هي مخالفتك. تركته مسمرا في مكانه بعد أن أدارت له ظهرها وتركت له المخالفة في يده. وعادت أصوات آلات التنبيه تنطلق مرة ثانية فقفز إلى السيارة بينما انفجرت "بليندا" في الضحك الصاخب . نظر إليها بطرف عينيه:
- ظريفة للغاية.
كان المرح الفجائي و الطبيعي في عينيها قد أسعده وأعاد إليه ذكريات حبيبة إلى قلبه. لقد سبق لهما أن ضحكا كثيرا في الماضي.
قال وهو يندس وسط زحام السيارات:
- لماذا لم تسارعي بنجدتي؟
- أنا ؟ أنحشر في رقصة الإغراء حول الشرطية ؟ لايمكن أبدا .
استأنفت الضحك من أعماقها وأصابته العدوى .
قال من بين ضحكاته :
- إنك لست سوى ساحرة شريرة " يابليندا " .
خلال ثوان قليلة اختفت بعدها عشر سنوات من الفراق .
لقد وقف الزمن ليحرصهما وسط دائرته الذهبية .
كتما أنفاسهما وابتسم كل منها للآخر واستأنف الزمن مساره وأصبح الحاضر هو المهم .
لقد أحست "بليندا " أنها تدور وسط شبابها .
لم يسبق لها أن ضحكت بهذه السعادة من زمن طويل وبدا هذا واضحا .قالت بمرح لتخفي عواطفها :
- ياصغيري العزيز .. لا بد أن كرامتك اهتزت أمام خيبة الأممل . رد عليها بحنان :
- نعم ولايوجد شخص آخر يستطيع أن يضحك علي مثلك .
كانت " بليندا "تهتز من السعادة وهي تشعر بهذه الحرية بجواره كيف استطاعت أن تعيش بدون ذلك ؟
ولماذا لم تقدم تلك اللحظات الثمينة عن موعدها ؟ قالت :
- في رأيي أنك لم تتعرف جيدا على تلك الشرطية إنها لم تصدق عينيها ولكن لاشيء يمكن أن يحولها عن أداء عملها . لابد أنها تعول أسرة بأكملها من هذا العمل . اعترف " وولف " وهو يطبع قبلة على ظهر يدها :
- لايهم .. لقد استطاعت خداعي وأنا الذي كنت أظن أنك فقط القادرة على ذلك ...
قالت " بليندا " بصوت سريع :
- زد السرعة على الثالث .
- هذه السيارة أوتوماتيكية . هل يضايقك أن أمسك يدك ؟
- طبعا .. لا ولكن الأمان قبل كل شيء .
قال بصوت رقيق :
- لاتخافي .
إنه لا يستطيع أن يتركها ولا يرغب في ذلك خوفا من أن تهرب منه مرة أخرى . حاولت "بليندا
أن تجد ماتقوله :
- إنك لم تصادف سوى النجاح في كل السنوات . هل تحب مهنتك إلى هذه الدرجة ؟
- نعم ,ولكن حدثيني عن نفسك .. كيف وجدت نفسك وسط صناعة مستحضرات التجميل ؟
- لقد حدثتك عن شريكي "اندريه ديلند "وهو كيميائي تعرفت عليه خلال دراستي في "السوربون كان يصنع مراهم ضد الحساسية للعناية بزوجته .
وعندما توفيت تابع أبحاثه . جعلني أهتم بعمله .
همس "وولف " وهو يلاحظ الحزن في صوتها .
- هل كان شخصا مهما بالنسبة لك ؟
قالت وهي تشعر بالحزن لدرجة الهوس :
- مهم جدا .. لقد مات هو أيضا في اللحظة التي بدأت فيها أعمالنا تزدهر أخيرا.
لم يستطع "وولف" أن يكتم السؤال الذي كان يحرق شفتيه.
- هل كنت تعيشين معه؟
أجابت "بليندا" :
- "أندريه" كان أستاذي وشريكي وصديقي وكان في السبعين من عمره يوم وفاته.
أعتذر لها وهو يحس بالارتياح الشديد:
- أرجو المعذرة فليس هذا من شأني ولم يكن من الواجب أصلا أن أطرح عليك هذا السؤال.
- هذا بالضبط.. ما كان يجب عليك أن تفعله. هل تدخلت في كل مغامراتك النسائية؟ والتي ذكرتها الصحف؟
رد عليها "وولف" هجوما مقابل هجوم:
- هذه ليست سوى إشاعات في معظمها ولو كان لدي عنك ربع المعلومات التي لديك عني لما احتجت لأن أطرح عليك هذا السؤال.
قالت الشابة وهي تنظر إلى الزجاج الأمامي:
- هذه ثاني مرة تفعل بي ذلك.
- إذا كان الأمر كذلك فلن أمل من تكراره.
- حقا؟ لو كنت راغبا إلى هذه الدرجة في العثور علي فلماذا لم ترد على رسالتي التي تركتها لك في الفندق وأنت تمثل فيلم "انهيار باريس" ؟
- أقسم لك أنني لم أتسلم أي رسالة ثم إن هذا كان من سبع سنوات.
أجابت بعد أن كتمت أنفاسها:
- هذا صحيح.
وصلت السيارة إلى وجهتها وأحس "وولف" بالأسف. إن ما شعر به من خصوصية مع "بليندا" داخل السيارة جعله يشعر بالدفء والحياة.
ركن السيارة في ساحة الانتظار أمام واجهة فاخرة تعرفت عليها بدهشة.
- ولكن ملهى "البيلوري" .. إننا لا نستطيع الدخول. إنه من أكثر النوادي خصوصية.
قال "وولف" مطمئنا:
- باعتباري من نسل المتعاطفين مع التقدميين أثناء الثورة فلدي الحق في الدخول.
- لا شك أنك تمزح.
- لا...على الإطلاق . إن النصف المحافظ من أسرتي عاد إلى إنجلترا ونحن على الجانبين .
- بالمناسبة هذا لا يبدو عليك من قليل أو بعيد.
همس في أذنها وهو يعبربها مدخل النادي:
- هذه أحيانا الطريقة الوحيدة للرجل ليحصل على ما يريد.
- دائما ساخط يا "وولف" وأنت كنت أكثر قسوة عندما تثور.
- أثور؟ ولكني لست غاضبا لدرجة الثورة معك يا حبيبتي.. ثم إن كبير الخدم ينتظر.
قالت له وهي تدير له ظهرها:
- لا مجال للعشاء مع رجل دائما يحاصرني.
تهكم "وولف" وهو يدفعها في اتجاه كبير الخدم:
- وتقولين: إنني غاضب .. مساء الخير يا"نيلسون" هل الفرقة الموسيقية جيدة هذا المساء؟
قال كبير الخدم وهو يبتسم بطريقة راقية جدا:
- ككل مساء يا سيد "ويكفيلد" .. نحن سعداء برؤيتك ثانية .. أتحب أن ترقص؟ أم تتناول العشاء؟
تقدمها "نيلسون" فوق المرات المغطاة بالسجاد الناعم عبر حجرات مغلقة بستائر من المخمل خلفها أحاديث هامسة إلى أن وصلا إلى حجرة أصابت الشابة بالذهول ‘ كانت عبارة عن قاعة ثلاثية الأسقف محاطة بمقصورات تعلو حلبة الرقص وتطل على الراقصين وكانت الجدران كلها مغطاة بقماش حافاته مطرزة بخطوط بيضاء بينما النجف الكريستال يعكس آلاف الأنوار الذهبية والفضية . همس "وولف" عندما رأى دهشتها:
- إنها جميلة .. أليس كذلك ؟ أعرف أنك كنت ستحبينها.
أجابت:
- إنني أحبها جدا.
قدم لها مقعدا وهي لا تعرف ماذا تقول. طلب "وولف" عصير التفاح مع حلوى "البتي فور" وأضافت الشابة:
- ومياه معدنية من فضلك من أجلي.
قال لها عندما رحل الساقي:
- لقد كنت تشربين عصير البرتقال في "نيس"
- لم أكن راقية ومميزة كما أنا الآن.
- معنى هذا أنك تفضلين شرب عصير التفاح بدلا من المياه المعدنية.
- أتريد أن تقول: إنك تفضل من يشرب عصير التفاح على من يشرب المياه المعدنية.. لم تذكر شيئا عن الرقص؟
قال "وولف" وهو ينهض:
- هذا حقيقي.
عندما أمسك بيدها ليقودها إلى حلبة الرقص عرفت أن هذا أسوأ طلب طلبته منه. أن ترقص مع "وولف" فإن ذلك آخر حصونها.
وجد "وولف" لذة في أن يشاهدها تسير أمامه حتى وسط الحلبة. كان جسدها يتأرجح في ليونة في منظر لم ير في جماله مثيلا من قبل.
همس في أذنها:
- أتذكرين تلك الليلة التي ذهبنا فيها للرقص على الشاطئ ؟
قالت كاذبة:
- نعم .. قليلا.
إنها تذكر أدق تفاصيلها ووجدت قلبها يشتعل أمام الذكرى. تابع بصوت دافئ وعميق:
- ثم راقبنا شروق الشمس فوق البحر وقلت: إنني أريد في طعام الإفطار....
قاطعته حتى لا يسترسل في الذكريات:
- "وولف" ! إنني أنصت للموسيقى.
ولكن الأوان قد فات.فإن سيل الذكريات غمرها بلا رحمة.
أحست بيد خفية تدفعها للالتصاق به وتغمض عينيها لتطير فوق أجنحة الموسيقى نحو عالم خرافي لذيذ ... كان عالمهما من عشر سنوات مضت.
نهاية الفصل الرابع




وجد "وولف" نفسه واقعا تحت تأثير فتنتها وترك عينيه تتجولان على ساقيها المخروطتين بيد نحات . ود لو عاد إلى الأريكة الحجرية وجعلها تخلع الحذاء .
انتزعته مرارة الذكرى والأسف من تأملاته عن الماضي الرائع .أحست "بليندا " بتغيير مزاجه وخمنت أنه يفكر في ذلك الزمن الذي كان يعرف فيه كل أفعالها وتغييرات سلوكها دون أن يشك في شيء . لقد فهمت أن ذلك يحرقه كالحامض اللاذع .
ارتعدت الشابة أمام فكرة أن يهجرها . لقد فكرت مئات المرات قبل أن تتأكد من إمكان مواجهتها لهذا الافتراض . ولكن نظراته هزت اطمئنانها .. أن تفقده مرة ثانية هي ضربة قاتلة . قالت وهي تسرع :
- لابد أن أسرع .
كان "وولف" مصمما ألا يدعها تفلت منه مرة ثانية .. ماذا يمكن أن يحدث له لو اختفت ثانية ؟
في هذه اللحظة بالذات ولدت الفكرة في رأسه .
إنه يستطيع هو أيضا أن يلعب دورا مزدوجا . أجاب :
- وأنا كذلك .. لدي نص لابد أن أقرأه .
أحست "بليندا " أن هناك فكرة في رأسه فشعرت في الحال بالضعف . بماذا يهددها ؟ ولماذا ؟ سألها " وولف فجأة عندما وصلا أمام المنى :
- ماالذي قادك إلى الوسط السينمائي ؟
- عرض لم أستطع أن أرفضه .
عندما وثقت " بليندا " بنفسها وأنها مستعدة لمقابلة "وولف " بدأت في التحري والبحث عن أفضل دور يصلح له بهدف أن تقوم بتمويل الفيلم وكان الفيلم الذي ستوقع عقده معه - وهو ريح الجنوب - هو الثاني الذي عثرت عليه .قالت شارحة :
- لقد أردنا في البداية أن نشتري - الرجل الحجري - ولكن الفرصة فاتت . أنت تستحق حقا جائزة الأوسكار للأحسن ممثل والتي نلتها عن ذلك الفيلم أقصد "الرجل الحجري " وكانوا يسمونك لذلك في الصحف "الرجل الحجري".
- أنت تعرفين أمورا كثيرة عني يا "بليندا " .
- لأنك أصبحت مشهورا .
- وهل أنت شريكة في مؤسسة "ديلند " التي أرادت أن تشترك في فيلم " الرجل الحجري " ؟
- نعم
- من الواضح أن لك أسماء كثيرة .
- إنه اسم شريكي وهو أروع رجل قابلته في حياتي .
سمع نفسه يجيب :
- حقا ؟ أنا سعيد من أجلك .
في الحقيقة كانت الغيرة تأكل قلبه وهو يرى عينيها تغشاهما الدموع . إنها تحب ذلك الرجل . تابعت "بليندا " حديثها :
-أنا واثقة بأنك كنت ستقدره . لقد كان نوعا خاصا من الرجال.
كان موت الأستاذ "ديلند " قد صدمها بشدة في اللحظة التي بدأت فيها شركتهما تزدهر . كان الرجل العجوز كريما وطيبا وحاو المعشر ويعتبر أباها الثاني ولازالت تشتاق إليه بدرجة رهيبة . طبع "وولف "قبلة على وجبينها وهو يقول بصوت عميق :
-هذه باسم الأيام الخالية الجميلة .. سأمر عليك في السادسة لأصحبك إلى بيتك .
كانت تشعر بالدهشة وعدم القدرة على الكلام . هزت "بليندا " رأسها علامة الموافقة وابتعد "وولف " . أحست بجبينها يحرقها .. لقد قبلها وعليها أن تظل ترقص فرحا حتى المساء .
تمشى "وولف " في الشوارع , كانت الخطة التي تكونت شيئا فشيئا في ذهنه لم تفارقه أبدا . إن "بليندا " لن تتبخر أبدا بعد في الهواء وستتخذ كل الإجراءات والاحتياطات اللازمة .
اتصل بسكرتيره "وليام " من إحدى كبائن التليفونات العامة على ناصية الطريق ليحصل على رقم تليفون الإدارة في الحال . ما إن كان على الخط حتى أعطى تعليماته في كلمات قليلة مختصرة ووضع السماعة مكانها . لقد بدأت المرحلة الأولى من خطته في الانطلاق . استأنف تسكعه دون أن يعير الشاة أي انتباه ودون ينصت إلى صوت آلات التنبيه الصادرة من السيارات كانت فكرة واحدة تحتل ذهنه : لن تهرب منه "بليندا " أبدا .
"بليندا " تلك الصبية التي رفعت في يوم ما عينيها إليه في ثقة أصبحت الآن بعيدة وحلت محلها امرأة واثقة بنفسها بقوتها ولا تحتاج لأحد . لقد شقت طريقها . ثم هذا المدعو " بليندا " ؟ لقد أحبت رجلا آخر .. هذا مؤكد وهو ما يعذبه أيضا .
أخذ يدير خطته في رأسه مرة ومرة ومرات وفي جميع الاتجاهات حتى سيطر الموضوع على أفكاره تماما .
في النهاية بدأ يمارس رياضة الجري إلى أن وصل إلى الحي الذي يقطن فيه وقد انقطعت أنفاسه وغرق في عرقه واستطاع أخيرا أن يسترد سيطرته على نفسه , على الأقل حدد هدفا وهو الذي سيمسك بزمام اللعبة .اختفى في شارع جانبي صغير فجأة ثم انضم إلى النادي الصحي الذي يتردد عليه وبصفة دائمة للمحافظة على لياقته البدنية . وهناك ارتدى لباس استحمام كان موجودا في دولابه الخاص ثم غطس في حمام السباحة وظل يسبح باستمرار ذهابا وإيابا بما يعادل مسافة كيلو مترين قبل أن يدرك أن ذلك لم يطرد من ذهنه صورة "بليندا " المثيرة . عاد إلى بيته يحدوه الأمل أن ينجح العمل الذهني فيما فشل فيه التمرين البدني وانهمك في دراسة نص سينمائي جديد قدمه له "وليام" هذا الصباح نفسه.
كان هذا النص مثل "ريح الجنوب" مبيعا أيضا إلى "شركة "ليندا" الدولية لمستحضرات التجميل" وبدا وكان الدور مفصل عليه بالضبط. لابد أن يكون مجنونا لو رفضه مادامت وعدته "بليندا" أن يكون له السيطرة الكاملة على النص وإخراج الفيلم لو أراد.
قرأ النص مرتين ليحاول إيجاد نقاط الضعف ولكنه وجده أفضل عند تحليل له.. لا زلت "بليندا" تناوره وتتلاعب به وعليه أن يقوي من خطته.
رفع سماعة التليفون من أول رنة وأجاب على المرأة المنفعلة وهي تتكلم على الطرف الآخر من الخط وقال:
- نعم يمكنك أن تطبعيه . كل شيء مضبوط .. إلى اللقاء.
فكرة "وولف" ماذا ستظن "بليندا" ؟ كل شيء سيثبت بسرعة وسينشر في كل الصحف صباح غد.
كان في بهو مبناها من الساعة السادسة إلا عشر دقائق. وهو يذرع الأرضية الرخامية منتظرا خروجها. كان المبنى جديدا وفاخرا.
هل كانت "بليندا" تستأجر فقط الأدوار الثلاثة العلوية أم تمتلك كل المبنى ؟ وإذا كانت قد استطاعت أن تشيد مشروعا دوليا في عشر سنوات فهل كان ذلك بمفردها أم مع ذلك المدعو "بليندا" ؟
في تمام السادسة فتحت أبواب المصعد وظهرت الشابة ‘ تقدم "وولف" نحوها وقد أذهله جمالها. كان مجرد تأملها يملأ قلبه بكل مشاعر الحب والرغبة في العالم. لقد ظلت نضرة وجميلة عبر السنين. كانت غير عادية وراقية وهشة وقوية في آن واحد. مراهقة وناضجة واستطاعت أن تجمع كل هذه التناقضات في سيمفونية رائعة جعلت منها إنسانة فريدة.
في هذه اللحظة أدرك "وولف" أن حبه ل"بليندا" الذي ظن أنه مات ودفن في التراب لم يكن سوى حالة من البيات الشتوي واستيقظ عند أول لمسة للحرارة. كان من الواضح أن الشابة تحتفظ بمجموعة كاملة من الملابس في مكتبها مادامت قد ظهرت وهي مستعدة مسبقا للخروج بعد أن استبدلت التايير المهني بثوب سهرة من الحرير اللامية والساتان الأرجواني يبرز اللون التركواز لعينيها الواسعتين ونعومة لون بشرتها قال "وولف" وهو يستقبلها بتقبيل يدها :
- ها نحن هنا .
سألته دون تكلف :
- إلى أين سنذهب ؟
- لقد فكرت أن بإمكاننا العثور أولا على مكان مسل يفتح شهيتينا للعشاء بعد ذلك .
كان رائعا في حلته السموكينج الحريرية الزرقاء الداكنة وحيث التفصيلة المضبوطة تظهر جمال جسده الفارع .
ظلت الشابة مصعوقة أمامه وانهمكت في فحص ثوبها حتى تعيد الثقة بنفسها. لقد كانت واثقة بنفسها ثقتها بالكون عندما التقت به في "نيس" لقد اختلفت الأمور تماما اليوم فقد بدأت تفقد ثقتها بنفسها من قرب "وولف" منها وكأنه انتزع منها كل تلك الثقة في لمح البصر بسطوة وجوده. قالت الشابة وهي تدرك أنه كان يحدثها:
- أرجو المعذرة.
- إنني تساءلت: لماذا تفحصين ثوبك وقد بدا عليك بعض القلق... إنك فاتنة إلى أقصى حد.
كان صوته كالنسيم الذي أصابها بالرعدة ‘ قالت:
- لقد كنت تتحدث عن شيء يفتح شهيتينا.. في الحقيقة لسنا مزودين بما يسمح لنا بالجري في الحديقة.
- لا... ولكننا في حالة رائعة تسمح لنا بالذهاب للرقص.
أدارت "بليندا" رأسها لترى سيارة "كوبيه الفاروميو" .
- هل هذه سيارتك التي نالت غرامة مرور؟
تحرك "وولف" بسرعة وهو يصيح ويقودها نحو الباب الخاص بالمبنى.
- اللعنة.. هيا نسرع
شاهدتهما الشرطية وهما يصلان بهدوء ودون أن يبدو عليها أي تعبير. قالت بصوت اتهام:
- أنتما تقفان في منطقة ممنوعة!
رد "وولف" وهو يبتسم :
- سنرحل في الحال .
تغير تعبير الشرطية في الحال عندما رأته . ظلت فاغرة فمها واتسعت عيناها عن آخرهما و أسقطت القلم . لا يزال "وولف" يؤثر فيهن نفس التأثير . تلعثمت المرأة:
- ولكنك ... أنت .. أنت "وولف ويكفيلد" . إن أختي ستموت حسدا عندما أحكي لها .
فتح "وولف" الباب أمام "بليندا" ثم التقط القلم ليناوله الشرطية في أدب . سألته:
- هل يمكن أن أطلب منك أن توقع لي في الأوتوجراف ؟
- طبعا .. أين ؟
- هنا في دفتر المخالفات بجوار اسمي.
استدار "وولف" عندما سمع صوت نفير سيارة كانت سيارته تسد الطريق أمام سائق غير صبور.
صاحت الشرطية وهي تلوح بحركة إمبراطورية :
در حوله !
ثم عادت إلى "وولف" وهي تبتسم:
- لا تعره أدنى انتباه .. وقع من فضلك.
قال "وولف" بعد أن وقع وناولها القلم:
- هاك ! وشكرا لتفاهمك.
أجابت المرأة:
- ولكن لا .. أنا التي أشكرك وشكرا على التوقيع وهذه هي مخالفتك. تركته مسمرا في مكانه بعد أن أدارت له ظهرها وتركت له المخالفة في يده. وعادت أصوات آلات التنبيه تنطلق مرة ثانية فقفز إلى السيارة بينما انفجرت "بليندا" في الضحك الصاخب . نظر إليها بطرف عينيه:
- ظريفة للغاية.
كان المرح الفجائي و الطبيعي في عينيها قد أسعده وأعاد إليه ذكريات حبيبة إلى قلبه. لقد سبق لهما أن ضحكا كثيرا في الماضي.
قال وهو يندس وسط زحام السيارات:
- لماذا لم تسارعي بنجدتي؟
- أنا ؟ أنحشر في رقصة الإغراء حول الشرطية ؟ لايمكن أبدا .
استأنفت الضحك من أعماقها وأصابته العدوى .
قال من بين ضحكاته :
- إنك لست سوى ساحرة شريرة " يابليندا " .
خلال ثوان قليلة اختفت بعدها عشر سنوات من الفراق .
لقد وقف الزمن ليحرصهما وسط دائرته الذهبية .
كتما أنفاسهما وابتسم كل منها للآخر واستأنف الزمن مساره وأصبح الحاضر هو المهم .
لقد أحست "بليندا " أنها تدور وسط شبابها .
لم يسبق لها أن ضحكت بهذه السعادة من زمن طويل وبدا هذا واضحا .قالت بمرح لتخفي عواطفها :
- ياصغيري العزيز .. لا بد أن كرامتك اهتزت أمام خيبة الأممل . رد عليها بحنان :
- نعم ولايوجد شخص آخر يستطيع أن يضحك علي مثلك .
كانت " بليندا "تهتز من السعادة وهي تشعر بهذه الحرية بجواره كيف استطاعت أن تعيش بدون ذلك ؟
ولماذا لم تقدم تلك اللحظات الثمينة عن موعدها ؟ قالت :
- في رأيي أنك لم تتعرف جيدا على تلك الشرطية إنها لم تصدق عينيها ولكن لاشيء يمكن أن يحولها عن أداء عملها . لابد أنها تعول أسرة بأكملها من هذا العمل . اعترف " وولف " وهو يطبع قبلة على ظهر يدها :
- لايهم .. لقد استطاعت خداعي وأنا الذي كنت أظن أنك فقط القادرة على ذلك ...
قالت " بليندا " بصوت سريع :
- زد السرعة على الثالث .
- هذه السيارة أوتوماتيكية . هل يضايقك أن أمسك يدك ؟
- طبعا .. لا ولكن الأمان قبل كل شيء .
قال بصوت رقيق :
- لاتخافي .
إنه لا يستطيع أن يتركها ولا يرغب في ذلك خوفا من أن تهرب منه مرة أخرى . حاولت "بليندا
أن تجد ماتقوله :
- إنك لم تصادف سوى النجاح في كل السنوات . هل تحب مهنتك إلى هذه الدرجة ؟
- نعم ,ولكن حدثيني عن نفسك .. كيف وجدت نفسك وسط صناعة مستحضرات التجميل ؟
- لقد حدثتك عن شريكي "اندريه ديلند "وهو كيميائي تعرفت عليه خلال دراستي في "السوربون كان يصنع مراهم ضد الحساسية للعناية بزوجته .
وعندما توفيت تابع أبحاثه . جعلني أهتم بعمله .
همس "وولف " وهو يلاحظ الحزن في صوتها .
- هل كان شخصا مهما بالنسبة لك ؟
قالت وهي تشعر بالحزن لدرجة الهوس :
- مهم جدا .. لقد مات هو أيضا في اللحظة التي بدأت فيها أعمالنا تزدهر أخيرا.
لم يستطع "وولف" أن يكتم السؤال الذي كان يحرق شفتيه.
- هل كنت تعيشين معه؟
أجابت "بليندا" :
- "أندريه" كان أستاذي وشريكي وصديقي وكان في السبعين من عمره يوم وفاته.
أعتذر لها وهو يحس بالارتياح الشديد:
- أرجو المعذرة فليس هذا من شأني ولم يكن من الواجب أصلا أن أطرح عليك هذا السؤال.
- هذا بالضبط.. ما كان يجب عليك أن تفعله. هل تدخلت في كل مغامراتك النسائية؟ والتي ذكرتها الصحف؟
رد عليها "وولف" هجوما مقابل هجوم:
- هذه ليست سوى إشاعات في معظمها ولو كان لدي عنك ربع المعلومات التي لديك عني لما احتجت لأن أطرح عليك هذا السؤال.
قالت الشابة وهي تنظر إلى الزجاج الأمامي:
- هذه ثاني مرة تفعل بي ذلك.
- إذا كان الأمر كذلك فلن أمل من تكراره.
- حقا؟ لو كنت راغبا إلى هذه الدرجة في العثور علي فلماذا لم ترد على رسالتي التي تركتها لك في الفندق وأنت تمثل فيلم "انهيار باريس" ؟
- أقسم لك أنني لم أتسلم أي رسالة ثم إن هذا كان من سبع سنوات.
أجابت بعد أن كتمت أنفاسها:
- هذا صحيح.
وصلت السيارة إلى وجهتها وأحس "وولف" بالأسف. إن ما شعر به من خصوصية مع "بليندا" داخل السيارة جعله يشعر بالدفء والحياة.
ركن السيارة في ساحة الانتظار أمام واجهة فاخرة تعرفت عليها بدهشة.
- ولكن ملهى "البيلوري" .. إننا لا نستطيع الدخول. إنه من أكثر النوادي خصوصية.
قال "وولف" مطمئنا:
- باعتباري من نسل المتعاطفين مع التقدميين أثناء الثورة فلدي الحق في الدخول.
- لا شك أنك تمزح.
- لا...على الإطلاق . إن النصف المحافظ من أسرتي عاد إلى إنجلترا ونحن على الجانبين .
- بالمناسبة هذا لا يبدو عليك من قليل أو بعيد.
همس في أذنها وهو يعبربها مدخل النادي:
- هذه أحيانا الطريقة الوحيدة للرجل ليحصل على ما يريد.
- دائما ساخط يا "وولف" وأنت كنت أكثر قسوة عندما تثور.
- أثور؟ ولكني لست غاضبا لدرجة الثورة معك يا حبيبتي.. ثم إن كبير الخدم ينتظر.
قالت له وهي تدير له ظهرها:
- لا مجال للعشاء مع رجل دائما يحاصرني.
تهكم "وولف" وهو يدفعها في اتجاه كبير الخدم:
- وتقولين: إنني غاضب .. مساء الخير يا"نيلسون" هل الفرقة الموسيقية جيدة هذا المساء؟
قال كبير الخدم وهو يبتسم بطريقة راقية جدا:
- ككل مساء يا سيد "ويكفيلد" .. نحن سعداء برؤيتك ثانية .. أتحب أن ترقص؟ أم تتناول العشاء؟
تقدمها "نيلسون" فوق المرات المغطاة بالسجاد الناعم عبر حجرات مغلقة بستائر من المخمل خلفها أحاديث هامسة إلى أن وصلا إلى حجرة أصابت الشابة بالذهول ‘ كانت عبارة عن قاعة ثلاثية الأسقف محاطة بمقصورات تعلو حلبة الرقص وتطل على الراقصين وكانت الجدران كلها مغطاة بقماش حافاته مطرزة بخطوط بيضاء بينما النجف الكريستال يعكس آلاف الأنوار الذهبية والفضية . همس "وولف" عندما رأى دهشتها:
- إنها جميلة .. أليس كذلك ؟ أعرف أنك كنت ستحبينها.
أجابت:
- إنني أحبها جدا.
قدم لها مقعدا وهي لا تعرف ماذا تقول. طلب "وولف" عصير التفاح مع حلوى "البتي فور" وأضافت الشابة:
- ومياه معدنية من فضلك من أجلي.
قال لها عندما رحل الساقي:
- لقد كنت تشربين عصير البرتقال في "نيس"
- لم أكن راقية ومميزة كما أنا الآن.
- معنى هذا أنك تفضلين شرب عصير التفاح بدلا من المياه المعدنية.
- أتريد أن تقول: إنك تفضل من يشرب عصير التفاح على من يشرب المياه المعدنية.. لم تذكر شيئا عن الرقص؟
قال "وولف" وهو ينهض:
- هذا حقيقي.
عندما أمسك بيدها ليقودها إلى حلبة الرقص عرفت أن هذا أسوأ طلب طلبته منه. أن ترقص مع "وولف" فإن ذلك آخر حصونها.
وجد "وولف" لذة في أن يشاهدها تسير أمامه حتى وسط الحلبة. كان جسدها يتأرجح في ليونة في منظر لم ير في جماله مثيلا من قبل.
همس في أذنها:
- أتذكرين تلك الليلة التي ذهبنا فيها للرقص على الشاطئ ؟
قالت كاذبة:
- نعم .. قليلا.
إنها تذكر أدق تفاصيلها ووجدت قلبها يشتعل أمام الذكرى. تابع بصوت دافئ وعميق:
- ثم راقبنا شروق الشمس فوق البحر وقلت: إنني أريد في طعام الإفطار....
قاطعته حتى لا يسترسل في الذكريات:
- "وولف" ! إنني أنصت للموسيقى.
ولكن الأوان قد فات.فإن سيل الذكريات غمرها بلا رحمة.
أحست بيد خفية تدفعها للالتصاق به وتغمض عينيها لتطير فوق أجنحة الموسيقى نحو عالم خرافي لذيذ ... كان عالمهما من عشر سنوات مضت.
نهاية الفصل الرابع




الفصل الخامس...
رقصا ورقصا حتى ساعة متأخرة من الليل وقد تاها في ذكرياتهما ولم يقطعا رقصهما إلا لكي يتناولا بعض عصير الفاكهة أو يلتهما بعض الجمبري أو الجبن المقدم على قطع من الخبز المدهون بالزبد.
قالت "بليندا" :
- إنني أعشق طعم الجبن و الفواكه.
قال "وولف" وهو يلتهم العنب وشراب التفاح:
- إنهما مفيدان لك .. أترغبين في الرقص ؟
قبلت في الحال وأخذا يرقصان على أنغام الموسيقى الهادئة. سألته الشابة حتى ينظر إليها وتغرق في سحر عينيه :
- أتعتقد أن القروض الحكومية استثمار جيد؟
أجاب وهو شارد:
ماذا ‘ حكومة؟
قالت "بليندا" وهي تضحك:
- يالها من إجابة ممتازة ! ثم لماذا ترتجف؟
- لاشيء إنه من تأثير السعادة.
أخذت تفكر في هذه السعادة وخشيت أن تفقدها فارتجفت بدورها .
سألها:
- لماذا ترتجفين؟ هل دست على قدمك؟
- لا .. لدي مشكلة في ركبتي.
قال مقترحا:
- من الأفضل أن نجلس.
- لا طبعا.
أوشكت أن تصرخ فالتفتت بعض الرؤوس نحوهما . أسندت رأسها على كتفه وأغمضت عينيها . لابد أن تعيش هذه اللحظات أطول وقت ممكن ولقد اشتاقت إلى "وولف" شوقا عارما . إنها لا تجرؤ على عد الليالي التي زارتها فيها الكوابيس و أيقظتها وهي غارقة في عرقها لأنها كانت ترى فيها الرجل الذي تحبه يرفضها بلا رحمة. سألها :
- هل تركت حقا لي رسالة في "باريس" من سبع سنوات يا "بليندا" ؟
نظرت في وجهه مباشرة وهزت رأسها بالإيجاب إذن هو يعرف أنها تقول الحقيقة وأن القدر شاء في ذلك اليوم أن تخطئ موظفة الاستقبال في الفندق في عملها وتنسى أن توصله بالمكالمة.
عندما حيا الأوركسترا الحضور وبدا يجمع أفراده آلاتهم . ابتعد عنها "وولف" وهو يشعر بالأسف.
قالت الشابة معلقة :
- إننا لم نفعل سوى تذوق الطعام طوال السهرة . ما رأيك لو ذهبنا إلى بيتي ؟ لابد أن "لوريث" قد أعدت لنا شيئا دسما.
رد "وولف" :
إنه عرض لطيف جدا.
ظلا صامتين طوال طريق العودة ولم يتبادلا النظرات . ثم فتحت له "بليندا" في خجل باب شقتها قالت له وهي تدخله إحدى الغرف في الدور العلوي لشقتها :
- تصرف وكأنك في بيتك.
شكرها بابتسامة واختفت الشابة . ما إن أصبحت في حجرتها الخاصة حتى أخذت تتأمل صورتها في المرأة . إن "وولف" عندها وسط الليل ! إنه الرجل الوحيد الذي وهبته قلبها للأبد والذي جعل لحياتها طعما ومعنى إنه موجود الآن هنا وهو قريب منها كان ذلك يرعبها كثيرا. هل ستفقده في اللحظة الرائعة؟
وهل لازالت عواطفه نحوها سليمة دائما ولم تتغير ؟
ارتجفت يدها فلوثت خدها ببعض أحمر الشفاه الذي كانت تمسك أصبعه . قالت لصورتها تطمئن نفسها :
كل شيء سيكون على مايرام . وستنجحين مهما كان الأمر يا "بليندا" تأمل "وولف" الحجرة التي أدخلته فيها , كانت الحجرة في منتهى الرقة و الفخامة ومجهزة بكل وسائل الترفيه وعندما دخل الحمام وجده تحفة من الألوان الهادئة التي تغلب على تجهيزاته . لم يكن عادة ليهتم بالديكور الداخلي وكان يكتفي بإلقاء نظرة على ما يعرض عليه من مخططات تاركا للأخصائيين تنفيذ كل شيء ولكن هذه الليلة أخذ يدرس كل التفاصيل وكأنه يدرس التاريخ الشخصي ل "بليندا".
كان "وولف" يحب بيته ويعجب بالأثاث تماما كما أعجب بشقتها وأثاثها. لقد صعق عندما رآها هذا الصباح بجسدها الممشوق الممتد نحو السماء أمام زجاج الجدار خلف مكتبها...
ولكنه تساءل : ماذا يمكن أن يقدمه لها أكثر مما يمكن أن يقدمه الرجال الآخرون ؟ أخذ "وولف" نفسا عميقا وعبر الحجرة ثم فتح الباب رآها في الحال وهي تخرج من حجرتها الخاصة لتعبر الشرفة وتهبط إلى الدور الأسفل وهي تتماوج.
أخذ "وولف" وقته ليدرس بتأن "بليندا" ورغم أنها كانت مختلفة إلا أنها احتفظت بتلك المسحة من البراءة التي لا يملكها أحد غيرها. وكل ما زاد عليها هو النضوج. يا إلهي! إنها رائعة في بريق الثلاثين من عمرها. قال بمرح:
- هاللو! .. مرحبا.
قالت وهي ترفع عينيها نحوه:
- مرحبا بك أنت.
قال معترفا:
- لقد أحببت بيتك.
لم تكن بالطبع كما كانت من قبل. ويكفي أن يعلم "وولف" أن كل الجرأة والقوة التي واجهت بهما شبه أخيها حتى تصبح سيدة نفسها.. كل هذه القوة اختفت وطارت أدراج الرياح أمامه هو الذي انتظرته كل هذه السنين. لقد نزع "وولف" أسلحتها في الحال وأصبحت هشة.
سألها "وولف" وهو يراها تقطب وجهها:
- هل هناك ما يسوء؟
ردت الشابة:
- نعم.. صداع خفيف يبدو أنني لم أكل جيدا.
قال وهو يصحبها إلى المطبخ:
- سأعدلك شيئا لتأكليه.
- لابد أن هناك طبقا في الثلاجة يمكن تسخينه بالفرن أو الميكروويف.
لابد أن "لوريث" نائمة ومن المستحيل إيقاظها في الخامسة صباحا.
ابتسم "وولف" وهو يداعب طرف أنفها:
- سرعان ما ستتعود على ذلك لو عشت معك هنا. إنها تعيش حسب العادات القديمة ولكن ما إن يوجد رجل في البيت...
احتجت "بليندا".
- إن "لوريث" ليست من النوع الذي يخضع إلى السيطرة الرجولية في مجتمعنا .. أتذكر كيف كانت تعامل البقال في "نيس" ؟ ورغم سنها الكبيرة فهي متحضرة وتؤمن بأن الرجال والنساء متساوون.
قال "وولف" مازحا:
- وهل كانت هكذا هناك ؟ على كل هذه ليست مشكلة وأنا متفق تماما معها والآن لنهتم بك .. أين دولاب الصيدلية ؟
سألته دون أن تفهم:
- لماذا ؟
رد "وولف" دهشا.
- أبحث عن أسبرين من أجل صداعك.
- أوه! .. نعم طبعا. هناك دائما أنبوبة في أعلى الرف بجوار الفيشار.
أحس "وولف" أنها قلقة وغير مطمئنة ولم يزعجه ذلك , فقد كانت تحتفظ بأوراق اللعب في يدها مدة طويلة والدور عليه الآن ليلعب وجد الأنبوبة بسهولة وملأ كوبا بالماء وناولها قرصين ابتلعتهما "بليندا" بسرعة حتى تبتلع معهما كذبتها الصغيرة . قال:
- اجلسي الآن سأعدلك الموجود.هذه غلطتي لأنني صحبتك للرقص دون مراعاة لصحتك.
- لا .. أؤكد لك . ثم إنني تحسنت كثيرا وأحس بذلك فعلا. ثم إنني التهمت كمية كبيرة من الأشياء الصغيرة هناك.
لم يكن لديها صداع وإنما هي الذكريات التي لم تعد تتحمل تدفقها على ذهنها.
- لابد أن تأكلي ثم إنني لن أقدم لك ما يصيبك بالتسمم قالت "بليندا" :
- من يدري ؟ على كل حال "لوريث" هي التي تطبخ.
نهض ثم اتجه نحو باب الثلاجة وهو يقول:
- وعلى أية حال فقد حققت بعض التقدم من يومها.
أخرج من الثلاجة لفافة محاطة بورق الألمونيوم وسألها:
- ما هذه ؟
- ماذا ..؟ آه.. إنها يخني الفاصوليا بلحم الضان .
نزع "وولف" الغطاء ووضعها في الميكروويف. سألها:
- وما أخبار شبه أخيك الآن ؟
أجابت بابتسامة مقتضبة:
- كما هو دائما. أنه يبحث عن مال لأعماله الصغيرة ويمر على المكتب كل خمسة عشر يوما وسكرتيرتي تحلم بأن تلقي به من النافذة.
قال "وولف" معلقا:
- تحيا السكرتيرة.
كان يبتسم ابتسامته الخالدة وهو يتحدث. ولكن "بليندا" لمحت بعض الغضب في كلامه, فكرت "بليندا" أنه من الأفضل ل"هيكتور" ألا يعترض طريقه وستحذره في المرة القادمة. بعد فترة قصيرة كانا جالسين فوق مقاعد عالية في المطبخ أمام الطبق اللذيذ المصحوب بسلطة خضراء. كانا يأكلان بطريقة آلية ولا يتبادلان سوى القليل من الكلمات . تساءلت "بليندا" فجأة عن التحفظ الذي ظهر فجأة على "وولف" . ربما لا يزال يحتفظ ببعض المسافة بينهما. قال لها عندما حانت لحظة اصطحابه إلى الباب:
- لقد سعدت من هذه السهرة.
قالت بصوت غير ثابت ومنخفض:
- لقد كانت ممتازة.
ابتسم وخرج. عندما أصبحت بمفردها صعدت إلى المستوى العلوي وهي تحدث نفسها وتلومها:
أيتها الغبية ... لماذا لم تقتربي منه.. لا. إنه جذاب أكثر من اللازم وكان من الممكن أن تفقدي عقلك وتتصرفي تصرف المراهقات.
حملت هذه الليلة بـ"وولف" وهو يهزأ بها لأنها صرحت له بحبها كله أما هو من ناحيته فقد ظل يتقلب طوال الليل كالفهد المحبوس في قفص تساءل:
ماذا سيكون رد فعل "بليندا" أمام أول جزء من خطته؟
إن ذلك سيحدث ابتداء من الصباح. إنه يريدها بقوة وستعرف الشابة عن عواطفه من أول طبعة من جرائد الصباح. لقد وقع المقدور.
# # #
نهضت "بليندا" من الفراش في الساعات الأولى وتطوحت وهي ذاهبة إلى الحمام حيث أخذت دشا بالشامبو أزال الصداع وبعد أن ارتدت التايير والحذاء من الجلد الكستنائي هبطت ومعها حافظة أوراقها قالت "لوريث" وهي تستقبلها في المطبخ:
- لقد وجدت خوخا في السوق هذا الصباح يا آنسة واشتريت أيضا الجريدة. وصورتك جميلة جداً وكذلك صورة السيد "وولف" .
قالت "بليندا" وهي شاردة بعد أن جلست أمام المائدة:
- آه .. حسنا ؟
ثم ألقت نظرة مذهولة إلى الريفية العجوز الباسمة عندما فهمت ما تقوله:
- صورتي ؟ وصورة "وولف" ؟
فتحت الصحيفة بأصابع مرتجفة وأطلقت صحية ثم قفزت واقفة وهي تهمهم كلاما غير مفهوم. قالت "لوريث" وهي تحاول أن تهدئها:
- هل أنت مريضة يا آنسة؟ ربما ترغبين في تناول إفطارك في السرير؟
صاحت الشابة وهي تلوح بالجريدة في غضب:
- مريضة؟ نعم بسبب الغضب . سأتبعه واقتله.
سألتها "لوريث" وهي مدهوشة :
- هل أعجبتك الصورة ؟
قالت "بليندا" أخيرا وهي تلقي الجريدة على الأرض وتتجه نحو التليفون :
- سأنزع روحه.
قبل أن تلمس التليفون رن الجرس وقالت بعد أن رفعت السماعة:
- هنا "بليندا برونسكي" .
سألها أحد الصحفيين على الطرف الآخر من الخط.
- هل حقا ستذهبين للعيش بصفة دائمة في أوروبا ؟
ولكن "بليندا" وضعت السماعة بعنف . قالت لمديرة البيت.
- من اليوم ستغيرين رقم تليفوني يا"لوريث " .
قالت " لوريث " التي لم تفهم شيئاً :
- سأصعد لك بالبيض وعصير البرتقال وأنت في السرير .
أجابت الشابة :
- لا داعي لذلك .
سألت الدليل عن رقم تليفون ثم أدارته في الحال وانتظرت رفع السماعة وهي تطرق سطح المائدة بأظافرها ولكن كل ماسمعته هو صوت " وولف " على جهاز الرد الآلي يعلن أنه غير موجود في تلك اللحظة . وضعت " بليندا " السماعة بعنف . أخذت تغلي وهي تكلم " لوريث" :
- كيف تجرأ وأعلن الصحافة أننا سنتزوج ؟
قالت الأخيرة في حكمة :
- آه .. إذن هذا هو الأمر .. يجب أن تكوني سعيدة أنت تحبينه .
صاحت " بليندا " .
- ولكني لا أحبه .. إنه خائن وغير أمين وليس سوى ساحر نساء سوقي .
ردت عليها " لوريث " بهدوء :
- كل ذلك سينتهي عندما يتزوجك . إن السيد " وولف " سيكون زوجا ممتازا وسينسى معك كل النساء الأخريات .
ظلت الشابة تشعر بتقلص في معدتها من هذا الحديث .
قالت بعد أن استردت أنفاسها :
- أنت مطرودة " لوريث " . أعدي أمتعتك واحزميها وعودي إلى فرنسا .
ردت عليها العجوز بهدوء :
- هيا اهدئي ! إنك ستتأخرين .. اشطفي وجهك بالماء قبل أن ترحلي .. إن وجهك أحمر قان.
بعد ذلك أدارت العجوز ظهرها لها وعادت إلى المطبخ صمتت "بليندا" أمام هذا المنطق الهادئ والتقطت حافظة أوراقها ونهبت الدرج ثم قفزت فوق الرصيف ولديها نية أن تستوقف أول سيارة أجر تمر عليها. ولكن حشدا من المصورين الصحفيين جعلها تتقهقر وهي تتعثر إلى مدخل العمارة.
خشيت أن يطاردها مصورون آخرون في مكان عملها فطلبت من السائق أن ينزلها خلف مبنى شركتها واستخدمت مفتاحها الخاص لتفتح باب الفناء الخلفي.
ثم وصلت إلى المصاعد وصعدت حتى مكتبها . أعلنت سكرتيرتها وهي تستقبلها:
- إن الأمر لم يتوقف من الصباح . ولقد بلغ الحنق برجال الأمن أشده في محاولة منع المصورين و الجماهير من دخول المبنى. أمرتها الشابة:
- اقطعي كل الاتصالات . واعثري على السيد "ويكفيلد" بأي طريقة عن طريق التليفون.
- ولكنه موجود في مكتبك يا آنسة.
صرخت "بليندا" وهي تسرع إلى الداخل:
- ماذا؟
كان "وولف" مسترخيا في أحد المقاعد ذات المساند داخل المكتب صفقت الشابة الباب وراءها بعنف وسارت في خطوات ثابتة نحو مكتبها. ثم صرخت وهي تواجهه وقد أسندت ذراعيها على السطح اللامع:
- والآن عليك أن تشرح لي.
- لا تصرخي عاليا فلربما اعتقدت "ليديا" أننا نتعارك.
- هذا بالضبط ماس نفعله يا "وولف".
قال بصوت راض:
- لا زلت جميلة وأنت غاضبة وفي منتهى الفتنة و الجاذبية.
قالت "بليندا" وهي تضع كل دفاعاتها أمام صوته الناعم والذي تعرف تماما مدى خطورته:
- سألقي بك من النافذة إذا لم تخبرني في الحال مامعنى كل هذا؟ إن الصحف حددت تاريخ الزواج خلال خمسة عشر يوما بالضبط .. هل أنت الذي أصدرت هذا البيان إلى الصحافة ؟
اعترف بصوت هادئ :
- نعم هو أنا . في الحقيقة سنتزوج ثم ...
قاطعه رنين التليفون الداخلي ولم يتردد هو لحظة في أن يوجه الحديث إلى السكرتيرة:
- حسنا يا "ليديا" نحن في انتظارهم فأدخليهم.
قال "وولف" وهو يدور حول المكتب ليمسكها من وسطها:
- إنهم أصدقاء .. هيا اهدئي أنت تشبهين قنبلة موقوتة.
قالت له في اللحظة التي انفتح فيها الباب على رجلين وجهاهما مألوفان بعض الشيء:
- تدخل من ؟
قال "وولف" وهو يتقدم نحو القادمين ليصافحهما:
- إن "بليندا" تعشق طرح الأسئلة. كيف حالك يا " بيتر" وأنت يا " بير"؟
هز الاثنان رأسيهما بطريقة آلية دون أن تترك نظراتهما الشابة في إمعان وجدية.
قالت وهي تحس بالاختناق من هذا الفحص الغريب و الشاذ:
- من أنتما وما معنى هذا التطفل ؟
تدخل "وولف" ليقوم بعملية التعارف:
- إنهما أفضل أصدقائي يا عزيزتي: " بيتر لارابي" و " بير كيتمور" أقدم لكما "بليندا برونسكي"
قال " بيتر" بصوت حاد وهو يمد لها يده:
- أنا سعيد جدا لأنني عملت أخيرا بعودتك. لقد كان "وولف" ينتظر هذه اللحظة من زمن بعيد.
قالت في دهشة وقد فغرت فمها:
- حقا ؟
قال " بير" مؤكدا بدوره وهو يبعد صديقه ويقبلها على خدها :
- نعم .. حقا إن من يراك اليوم يفهم كل شيء. لا شك أن " وولف" سيقتلني لأنني قبلتك . انظري إليه.
قالت الشابة بعد أن استعادت توازنها:
- لا يهم ما يظنه والأمر ليس كما تظنان.
قال " بيتر":
- أيتها النمرة! إنك تذكرينني بزوجتي. آه هذا يذكرني بضرورة أن أدعوك إلى العشاء عند " بير" للاحتفال بإعلان زواجكما. وستكون عائلة " بير" موجودة وقد وعدنا الأولاد أن يظلوا هناك فلا تتأخرا.
قال " بير" :
- بالمناسبة يا " وولف" أنت تعرف طبعا أن والدي قد يصران على إقامة حفل الزفاف عندهما.
رد " وولف" :
- لقد اهتممت بذلك. وكل شيء تم ترتيبه في نادي "بيلوري" .
كررت " بليندا" كلامه بصوت منخفض وكل مقطع على حدة.
- كل..شيء..تم..ترتيبه ؟
تبادل " بيتر" و " بير" النظرات وابتسما. قال " بير" وهو يستأذن في الانصراف من "وولف":
- حسنا.. وشكرا لأنك اتصلت. كانت كريستين " ستغضب بشدة لو عرفت هذا الخبر العظيم من الصحف.
قالت " بليندا" بحدة وقد تصلبت بجوار " وولف" :
- ولكن هذه هي الطريقة التي عرفت بها الخبر شخصيا.
صاح " بيتر " في مرح:
- كيف ؟ هل أعد لك " وولف " المفاجأة ؟ أنا أحب ذلك.
زمجر " وولف " :
- ظريف جدا يا " بيتر " ! لم يبق أمامنا سوى بعض التفاصيل وسيتم إنهاؤها بسرعة.
قال " بيتر " الذي ذهبت بهجته أمام نظرات صديقه:
- لاشك في هذا. أعرف يا " وولف " أنك لا تحب أن يتدخل أحد في أي شيء تفعله.
قال " بير" متهكما:
- وهذا هو شعوري أيضا.
أعلن " بيتر" وهو يطرقع أصابعه:
- حسنا. كان بودي أن أبقى قليلا ولكن أعتقد أنه من الأفضل أن نرحل..إلى اللقاء يا " بليندا " .
مال عليها وطبع قبلة على خدها وحذا " بير" حذوه :
- إنني سعيد للقائك .
أجابتهما الشابة بصوت منخفض ممطوط :
- وأنا كذلك .
اختفى الرجلان وهما يبتسمان وأصبح " وولف "و " بليندا " بمفردهما مرة أخرى في مكتبهما . قال وهو يحس أنها تقلى على نار الغضب :
- لنبق هادئين .
- لقد اتصلت بصديقيك ولم تفكر لحظة في الاتصال بي أو تأخذ رأيي أنا صاحبة المصلحة الأولى ؟ على أية حال لن نتزوج .
رد عليها صوت ثابت وغير مكترث :
- بل سنفعل .
- هل تعرف أنك تلاعبت بي تماما في هذه الحكاية ؟
- وأنت ؟ هل عملت غير ذلك من عشر سنوات قضيتها في انتظارك وانتظار أي مكالمة منك أو علامة تدل على أنك لازلت على قيد الحياة ؟
ماذا كنت تنتظرين؟باقة ورد؟ لقاء حار وهتاف ترحيب؟
بدأ صوته يتصاعد ويضربها كالسوط من الغضب.
ردت وهي تشكو:
- لقد اتصلت بك وتركت لك رسالة.
قال مزمجرا:
- مرة واحدة خلال عشر سنوات!
- أحذرك يا " وولف" لا ترفع صوتك في وجهي.
- آه لا ؟ من الواجب أن أفعل أكثر من ذلك.
- حقا؟ وماذا إذن من فضلك؟ لقد صعدت كل هذا الموضوع دون أن تقول شيئا بالطبع من حقه أن يغضب؟
تصاعد غضب " بليندا" مع غضبه. وبقدر ماتسعفها ذاكرتها فإنها لم تشاهد " وولف" يخرج عن حدوده عدا اليوم الذي جاء فيه "هيكتور" ليغتال قصة حبهما. وباستثناء تلك المرة يمكن تلخيص أخلاق "وولف" في أنه نموذج للتحكم في النفس الكامل والمطلق. تابعت صياحها وهي على استعداد للدخول معه في جدال:
- لا تحاول أن تمثل علي دور الرجل المجروح من الماضي...
ولكنها كفت عندما رأت لون وجهه يتحول من الأحمر إلى الأبيض الشاحب من الشعور بالمهانة و العذاب.
قال بصوت أبح :
- أمثل؟ ليس هناك أي تمثيل. إن ما فعلته أوشك أن يقتلني يا " بليندا".
- ولكن..ليس..ليس هذا حقا ما أردت أن أقوله ولم أنتظر منه أي شيء محدد و...
قاطعها بإشارة من يده لوح بها في الهواء كالسكين:
- كذب! لقد كنت تنتظرين الكثير مني , لقد أردت مراقبتي و التجسس علي و اختباري خلال سنوات قبل أن تخرجي فجأة من مخبئك لتصطاديني كالفراشة وتضميني إلى مجموعتك.
- كيف تستطيع أن تحدثني هكذا؟ إنني لم أخرج من مخبئي... لقد قضيت كل هذا الوقت في بناء مشروع عالمي و...
- أعرف . وأعرف رقم ثروتك , ولكنك لست الوحيدة التي تتحكم في حياتنا. إن لي كلمتي التي سأظل أقولها للأبد. والآن اسمعي جيدا , لقد تحدثت مع محامي عن تلك الرابطة المغناطيسية التي سأحصل عليها عندما تأتين لتعيشي معي.
قالت " بليندا" فجأة وهي تحس بالعجز التام:
- أليس لديك تلك الرابطة باستمرار؟ ولكن أي فرق هناك ؟ ثم ليس لديك أي إثبات لهذه العلاقة.
- لم نقف بعد أمام المحكمة يا عزيزتي ؟ وأنت لست محامية ورجال القانون الذين يعملون معي يؤكدون لي أن ما بيننا يعد وعدا لو أخللت به لسمح لي بأن أرفع عليك قضية أمام المحاكم. هل نسيت تلك الليلة التي أصابنا فيها جنون الحب وأخذنا نحتسي الشراب المنعش , ونقرأ الشعر الذي موضوعه الحب , وتبادلنا القسم أن نظل معا للأبد ومن باب المزاح سجلناه كتابة؟ صدقيني: إنهم سيصغون إلى قضيتي وسيفهمونها .لقد طلبت منهم أن يجدوا لي وسيلة أستطيع بها أن أسيطر عليك.
احتجت " بليندا" في ضعف:
- إنك لن تجرؤ.
- أتظنين هذا؟ لو كنت مكانك لما وثقت بنفسي لأنني سأستخدم حقي يا " بليندا" إما أن تقبلي الزواج بي يا "بليندا" وإلا جررتك أمام المحاكم أنت ومشروعك.
هل فهمت؟
صاحت الشابة وهي تتمرد وتستعد للدفاع عن مشروعها لآخر نفس:
- ليس لك أي حق.
- انظري في عيني يا "بليندا" وخبريني: أيهما أفضل؟
الزواج بي أو الصراع ضدي في المحاكم بلا رحمة ولا شفقة إلى أن يسحق الأقوى منا الآخر؟
قالت تتحداه:
- إن محامي يستطيعون أن يعدوا لي ملفات ممتازة تجعلني أصارعك على قدم المساواة.
رد عليها وهو يهز كتفيه:
- بلاشك .ولكن رجالي هم الأفضل ثم إنهم بدءوا العمل بالفعل.
قبل أن تأتي بأي حركة حاصرها ولم يترك لها أي فرصة للهرب. كان يود أن يقبلها قبلة يضع فيها حرمان السنوات العشر.ولكن هذا مستحيل . بينما كانت " بليندا" تصارع النار التي سرت داخلها . أخذت تصارع لتفلت من حصاره. قال لها:
- إنك ترتجفين ياحبي.لاتقلقي.ما إن نتزوج حتى أعمل جاهدا على ألا ترتجفي مرة أخرى . سأعود لمقابلتك بعد ست ساعات.
اختفى في لمح البصر بينما " بليندا" لازالت تترنح وعيناها تحومان حول الباب الذي أغلقه خلفه.
رفعت يدها ببطء نحو فمها وسدته حتى لا تصرخ.





وجدت " بليندا" في دولاب ملابسها في المكتب ما يمكنها من تغيير ملابسها للعشاء هذا المساء. اختارت تاييرا من الساتان البليسيه مكونا من چيب مستقيم وسترة مربعات أزرارها بنفس شكل قرطها الذهبي وبلوزة من الحرير الكريم بكمين منفوخين . حلت شعرها من الضفيرة الجادة التي تستخدمها في ساعات العمل.
وتركته ينسدل على كتفيها بعد أن مشطته بقوة لتعطيه لمعانا وحجما ضخما. انهمكت في فحص نفسها في المرأة فلم تسمع صوت الباب وهو يفتح خلف ظهرها.
- إنه أنا " وولف" " ليديا" أخبرتني أنك تستعدين . أنت رائعة.
- لقد اعتقدت أنني أغلقت الباب.
- أنت مخطئة...هل نذهب ؟
قالت " بليندا" معلقة:
- الآن أنت في ملابس كلاسيكية.
كان رائعا في بذلته الحريرية الداكنة بلون الفحم.
- لقد ارتديتها من أجلك فقط ., ولأذكرك بالوقت الذي قضيناه معا في "نيس" .
قالت الشابة حتى لا تتوقف أمام تلك الصورة الحارقة:
- أنا مستعدة .. هل سنأخذ سيارتي أم سيارتك ؟
- سيارتي أسفل .
طوال فترة هبوط المصعد أحست " بليندا" بنظراته تثقل فوقها بقوة. استند على جدار المصعد وأخذ " وولف" يدرس تفاصيلها .كانت كل أفكاره حول أول لقاء لهما لم يعد لها وجود .لقد أراد أن يلعب بها عن طريق إعلان زواجهما في الصحف وهاهو يشعر بالسعادة أمام فكرة أن يصبح زوجها.
تظاهر بأنه يراعي احتياطات الأمن وأمسك بذراعها ليعبر البهو ولم يتركها إلا بعد أن جلست في سيارته والتي كانت واقفة في مكان ممنوع فيه الانتصار.
لسوء الحظ لم تكن هناك مخالفات . إن تلك الشرطيات لا يتواجدن عندما تحتاج إليهن .شعرت "بليندا" بالأسف لسوء حظها الذي أوقعها في الفخ.
كانت "مانهاتن" ساحرة في المساء وكان الهواء جميلا وتركت الفتاة نفسها على سجيتها رغما عنها وهي على مقعد السيارة " الفيراري" عندما أمسك " وولف" بأصابعها التي التفت حول أصابعه بحركة لا إرادية.
قال " وولف" :
- إن " بير" يمتلك بيتا في هذا الحي أما بالنسبة ل " بيتر " فإنه يعيش بعيدا في " لونج إيلاند" .
لمحت في صوته حرارة الصداقة فقالت معلقة:
- إنهما يعنيان الكثير بالنسبة لك.
- لدي إحساس أحيانا أنهما أنقذاني من الجنون.
لم ترغب أن ترد على العبارة الأخيرة وأحست بالارتياح عندما وصلا إلى وجهتهما .ركن " وولف" السيارة أمام مبنى جميل مكون من أربعة طوابق من الحجر المنحوت .
دار حول السيارة ليفتح لها الباب ثم تقدم نحو الباب الذي انفتح قبل أن يطرقه قال:
- مساء الخير يا "بير" .
أجاب " بير" .
- لقد كنت أنتظر حضوركما .. ادخلي يا " بليندا" وستقابلين باقي العصابة.
ما أن دخلت الشابة إلى المسكن الفسيح و العالي حتى انفتح باب جانبي فجأة واندفع نحوها صبيان صغيران توءمان متشابهان كل الشبه.
قال " بير " برقة وهو يحاول الإمساك بهما .
- كونا عاقلين .
ولكن التوءمين تجنباه ليندفعا نحو " بليندا" التي أوشكت أن تسقط على ظهرها لولا نجدة " وولف" لها الذي قال :
- انتبها أيها الولدان . هذه السيدة ملكي وليست ملككما .
لم تكن " بليندا" لتترك هذه الفرصة لولا أن التوءمين نالا كل انتباهها.
ورغم قلة خبرتها بالنسبة للأطفال فإنها خمنت أن سنهما ثلاث سنوات.
انحنت عليهما وقالت:
- مساء الخير .
قال أحدهما قبل أن يشير إلى " وولف" بإصبعه الصغير.
- أنا " باتريك" وهذا " إيريك" وذلك أبونا الروحي.
أجابت الشابة :
- أنا سعيدة بمعرفتكما.
ابتسم " إيريك" في خجل بينما كان " باتريك" أكثر جرأة.
- نحن نعرف من أنت .لقد سمعت أبي يقول لأمي :إنك ستنجبين أطفالا في منتهى الجمال وإنك...
تدخل " بير" وهو يحملهما بين ذراعيه و ينظر إلى " بليندا" في حرج :
- يا إله السموات ! إنني أحاول دائما ألا أتحدث أمامهما ولكنهما أفسدا كل شيء .كف عن الضحك يا "وولف" فإن " بليندا" ستغضب .
قال " وولف" .
- ولكن لا ..إنها لن تغضب أليس كذلك يا عزيزتي ؟
ردت الشابة :
- كلا ..على الإطلاق.
في الحقيقة تمنت لو اختفت تحت الموكيت .كان " وولف" لا يزال يضحك وهما يتبعان " بير" إلى الصالون الفسيح المزود بالسجاد الشرقي . ألقت سيدتان ممشوقتا القوام نظرات دهشة على القادمة الجديدة.
تقدم " بيتر" نحو " بليندا" وأمسك بيدها ليقدمها .
قالت المرأة الأولى الضخمة الشقراء ذات الشعر الذهبي :
- أنا " كريستين كينمور" ولقد سمعت الأخوين التوءمين وأنا آسفة جدا بالنسبة لهما.
وجدتها " بليندا" شديدة الجمال بعينيها الواسعتين الحادتين .
تدخلت المرأة الثانية وهي تمد لها يدها بود.
- أولادي أسوا منهما .. أنا " دميانة لارابي" .
قدمت الشابة نفسها وهي تتساءل : إن كانت قد سبق لها أن رأت هذا الوجه ذا الشعر الفضي على غلاف مجلة " فوج ".
- أنا " بليندا برونسكي ".
قالت " دميانة وهي تشير بيدها نحو بنت صغيرة وولد صغير .
- هاهما ..سوزان سنها أربع سنوات و "روبرت" عنده سنتان .
قالت " بليندا" متهكمة وهي تشير إلى " وولف" .
- وأنت طبعا الأب الروحي لهما.
هز رآسه موافقا في فخر . قالت "سوزان" بصوت كالقيثارة :
- أنا لا أتكلم مثل الأولاد وأنا المفضلة عند العم " وولف" .
اتسعت ابتسامتها عندما رأت الكبار يضحكون.
همس " وولف" في أذن " بليندا" التي احمر وجهها وابتعدت عنه.
- هل أقول لها :إن لدي مفضلة جديدة؟
بعد ذهاب الأطفال للفراش . التف الجميع حول المائدة وأمامهم الأوزي اللذيذ.
رغم أن أيا من الموجودين لم يجرؤ على أن يطرق الموضوع فإن الشابة فهمت أن أصدقاء " وولف" لديهم فضول قاتل أن يعرفوا كيف التقى الاثنان.
قررت " بليندا" أن تقص عليهم بالتفصيل كيف أن " وولف" فشل في محاولته إغواء الشرطية التي حررت له مخالفة الوقوف في الممنوع.
أعجبتهم القصة كثيرا وانفجر " بيتر" و " بير" في الضحك بينما أخرجت " كريستين " منديل يدها لتمسح دموعها و قالت :
- كم كنت أود أن أشاهد ذلك يا " وولف" .
قالت " دميانة" وهي تضع يدها على كتفه:
- وأنا كذلك.
همس " وولف" نحو صديقتيه.
- أيتها الخائنتان.
بعد أن تمنيا للجميع ليلة سعيدة أخذ " وولف" و " بليندا" طريق العودة. قالت معلقة:
- لقد فهمت الآن لماذا هم أعزاء على قلبك.
أجاب بلهجة جادة:
- إنهم عائلتي و أصدقائي في وقت واحد وهم دائما يمثلون العاطفة الوحيدة و الغالية في السنوات الأخيرة بالنسبة لي.
انسلت برودة فجائية إلى داخل السيارة . اقتربت " بليندا" من الباب في حزن . ود " وولف" لو نزع لسانه قبل أن يقول عبارته الأخيرة.

نهاية الفصل الخامس....





الفصل السادس ...
قضت " بليندا" اليوم التالي في العمل وهي تعطي ردا مبهما على كل سؤال يطرح عليها دون أن تترك الابتسامة فمها .لقد افترقت هي و " وولف" و علاقتهما يشوبها بعض البرودة ولكنها حرصت أن تذكره أن اتفاقهما قائم.
بعد أن تناولت غداء عمل على حسابه لم تعد الشابة تحلم إلا بشيء واحد :أن تحصل على أربعة أيام من النوم المتواصل . أوشكت أن تنفذ ذلك في مكتبها عندما سمعت رنين التليفون الداخلي و أعلنت " ليديا" :
- إنه شبه أخيك .. إنه يريد بإلحاح أن .. هاي انتظر.
انفتح الباب على صرخة " ليديا" وهي تحاول أن تمنع " هيكتور" من الدخول على رئيستها والذي وقف على الباب .قالت " بليندا" بصوت كالفحيح:
- ادخل هكذا مرة أخرى إلى مكتبي وسأطلب الشرطة و سأجعلهم يلقون القبض عليك لو استلزم الأمر ذلك .هل هذا واضح؟
لم يتغير " هيكتور" خلال السنوات العشر وإن زاد صلعا وبدت عليه البلاهة وعدم الاكتراث و الإهمال نحو نفسه.
وتساءلت " ليديا" :ماذا سيظن " وولف" لو رآه هنا ؟
همهم " هيكتور" .وهو يشير إلى " ليديا" التي تبعته حتى داخل المكتب :
- إن سكرترتك لا تساوي شيئا. ولم تعرني انتباها .
ردت الشابة :
- لدينا عمل . ثم إنه ليس لدينا ما نقوله لك.
لقد كان أكثر الأشخاص الذين تحتقرهم في العالم .
لابد أنه قرأ المقالات في الجرائد وأتى من أجل ذلك .
رد " هيكتور":
- أعتقد تماما العكس . أريد جزءا من نصيبك في هذه الشركة . فيما مضى كنت أطلبه منك أما الآن فأنا ألزمك به .
أمسك بمحبرة و أخذ يفحصها ثم قال :
- إنها جميلة أليس كذلك ؟ هل يضايقك لو أخذتها ؟
- بل يضايقني . وستضعها في مكانها .. خذ أقل شيء من هذه الحجرة وسأستدعي الشرطة ولا أريد أن أراك بعد الآن .. هل فهمتني جيدا ؟
رفع التعس حاجبيه ولوى فمه في تأثر . قال وهو يضع المحبرة ببطء :
- إنه أنت التي لم تفهم جيدا .. أنا لا أطلب منك عملا وإنما أريد فقط استثمار في مشروعك و أعمالك مالا لم أحصل عليه فإنني سأكشف كل شيء لصحافة الفضائح . أختي القاصرة وحياتها مع " وولف" كعشيقة ..
هل هذا ما أدركته ؟ ولكن كل ذلك ليس سوى حكايات قديمة علي أية حال , ثم بالنسبة لي فإن إعادة ظهور كل هذا البؤس سيكون عذابا حقا وأنت تعرفين ذلك جيدا.
صمت ليسحب لنفسه مقعدا وقال:
- لا يمكن لأي شخص أن يظهر العلاقة بين " ليندا" المديرة الحالية لشركة " ليندا العالمية لمستحضرات التجميل " وفتاة " وولف و يكفيلد" الخاصة من عشر سنوات , لا أحد سواي . وأستطيع أن أثبت ذلك.
- "هيكتور" !
قال متهكما :
- أحب هذا المكتب كثيرا .. إنه يعجبني جدا .
ضربته بالمحبرة في صدره مباشرة فتدحرج للخلف هو ومقعده.
عندما رأته " بليندا" فوق الأرضية مكوما و مذهولا انطلقت في الضحك ولكنها كانت مجروحة في أعماقها . دارت حول مكتبها ورفعت المحبرة الثقيلة وكأنها ستضربه بها مرة ثانية . قالت بعنف وهي تكز على أسنانها :
- والآن إلى الخارج ولا أريد أن أرى وجهك القبيح مرة ثانية أبدا, ومهما قلت للصحف فلن تحصل على بنس واحد.
- اللعنة عليك يا "بليندا" لقد أوشكت أن تكسري ساقي وسأجرك إلى المحاكم.
- هيا ابدأ إجراءاتك من الآن ولن تحصل مني على شيء. " ليديا"!
سيخرج الآن من هنا صندوق قمامة على قدمين وعلى الأمن أن يخرجه من الباب و يعمل على عدم عودته ثانية.
أجابت السكرتيرة عبر التليفون الداخلي:
- لقد أخطرتهم بالفعل .
في الحقيقة انفتح الباب وظهر حارسان .أعلن " هيكتور" بصوت مليء بالكراهية عندما أمسكا به .
- لا تحاولا .. ففي يوم ما سأكون الصاحب و السيد لهذا المكان وستمسحان حذائي.
ردت " ليديا" ولم تفارقها روح الفكاهة الدائمة.
- هذا عندما ترى حلمة أذنك وتطلع أسنان للدجاجة .
أخرج الرجل المقزز الكريه بسرعة من المكتب.
قالت " بليندا" لسكرتيرتها :
- لا تحولي لي أي مكالمات حتى لو كانت من ملك إنجلترا.
- إنك تخلطين الأمور فليس لديهم ملك في انجلترا و إنما ملكة ...
خرجت " ليديا" وهي تضحك وتغلق الباب وراءها .
بقيت " بليندا" بمفردها في مكتبها ورأسها بين يديها لابد أن كل ذلك ليس سوى حلم مزعج .
# # #
في الساعة العاشرة ظهر " وولف" في مكتبها وقال بصوت ناعم:
- إن منظر " ليديا" غريب وكأنك لاقيت متاعب .
أجابت " بليندا" وهي تستدير نحو النافذة زجاجية الجدران التي تخترقها أشعة الشمس الغاربة في سماء "نيويورك" .
- هذه هي الحقيقة . لقد حضر " هيكتور" لمقابلتي وقد هددني أن يبيع للصحافة رؤيته الخاصة عن لقائنا في " نيس" إذا لم أترك له مكتبي ووظيفتي كمديرة .
قال " وولف" بصوت بارد كالثلج :
- ثم ماذا ؟
كان قد تمكن بصعوبة من السيطرة على نفسه وضم قبضتيه و كأنه يمسك " هيكتور" من رقبته . قالت :
- لقد ألقيت به إلى الخارج .
- اللعنة .. كم كنت أتمنى أن أقوم بهذه المهمة بنفسي . لقد حلمت من زمن بعيد أن أعطي لشبه أخيك المجنون هذا العقاب الذي يستحقه وبقوة للأبد .
صاحت " بليندا" وهي تنظر إليه .
- سيفعلها يا " وولف" .. إنه سيبيع قصته لأكبر عرض .
أحس " وولف" بالحب الشديد لما يجتاحه وهو في مكانها وقد انعكست أشعة الشمس الذهبية على جسدها الممشوق .
قال بصوت ثابت يدل على تحكمه في نفسه :
- دعيه يفعل .
- ولكن مهنتك وسمعتك ...
- لقد تعرضت سمعتي للكثير من ذلك وسترى أكثر .
تساءل : ألم يخطر ببالها مرة أنه لن يتردد أبدا في الاختيار بينها وبين مهنته وأنها هي دائما الاختيار الأول .قال لها :
- وهل هذا سيؤثر على أعمالك ؟
ردت الشابة :
- لا أظن ذلك .. ولكن من يدري !
- لن أجعله يفعل ذلك أو يسبب لك أي ضرر , وسأعمل بجدية على القضاء عليه لو حاول وبعدها لن يشعر أبدا بأي رغبة في أن يصبح مديرا هنا أو في أي مكان .
دهش عندما وجد " بليندا" تنفجر ضاحكة وقالت :
- لا تقلق وليست لدي نية أن أصبح مجنونة من هذا الضحك وإنما أضحك على هذا المشهد الكوميدي .. كان عليك أن تشاهده وهو يخرج على أربع من تحت المقعد ذي المساند . لقد ضربته بهذه المحبرة الكريستال.
فحص " وولف" القطعة باهتمام وسألها :
- خبريني .. هل أنت مناضلة صغيرة ؟
- نعم ومن الأفضل لك أن تتذكر ذلك أنت أيضا.
- عندما نتزوج سأسير وأنا مرتد ملابس مدرعة ولكن هذا المساء سنحتفل بخطبتنا مثل كل العشاق.
قالت الشابة بصوت ممطوط :
- حقا ؟
رد عليها وهو يدير رقم تليفون و ينظر إليها :
- حقا مادمت أقول ذلك .. من السعادة أن أحس بك بجواري.
- أعرف ذلك.
أغلقت " بليندا" عينيها. لم تفهم أبدا لماذا أخرت هذه اللحظة كل هذا الوقت ؟ لقد كان "وولف" هو الوحيد محور حياتها و طموحاتها ورغبتها في النجاح .
قال "وولف" في السماعة عندما رد عليه "بيتر لا رابي" .
أنا "وولف" يمكنك أن تنضم إلينا أنت و "دميانه" في "كاسوريل" وسأجد أيضا " بير "و "كريستين" .
- لا مشكلة . و أعتقد أن لديهم فرقة ممتازة للموسيقى وأنا متلهف على الرقص مع زوجتي و مع "بليندا" .
زمجر "وولف" :
- لم أسمع شيئا.
قال "بيتر" وهو يطلق ضحكة صاخبة .
- إلى اللقاء هذا المساء .
أغلق "وولف" الخط وهو يحدج "بليندا" بنظرة تأمر .
- إن "بيتر" و "بير" يستطيعان أن يقرأ ما في فكري ككتاب مفتوح . إنهما يفهمان مدى أهميتك بالنسبة لي .
أخذ قلب " بليندا" يدق بشدة وسرعة . تابع "وولف":
- خلال سنوات كانا يتساءلان عما أخفيه .. لقد أخفيتك في أعماقي بشدة حتى إنهما لم يستطيعا أن يستشفا أي شيء . و الآن هما يعرفان السر. على أية حال فإنني لم أعد أستطيع أن أخفي هذا الشيء الكبير .
لقد بدت له الحقيقة ساطعة : إنه يريد هذه المرأة حتى آخر أيام عمره .
عادت "بليندا" بذاكرتها إلى أيام "نيس" لقد كان "وولف" مصدر سعادتها في الأمس وهو مصدر سعادتها اليوم .
ودت لو بكت من السعادة والعرفان . لقد غرق كل منهما في أعماق عيني الآخر وهمس "وولف" .
- لا يمكن أبدا أن أتركك تهربين مني مرة ثانية. ردت عليه وهي تضحك من القلب:
- لا يمكن أبدا أن أسمح لك بذلك ويجب عليك أن تحضر إلى الكنيسة في الموعد لأنني لا أريد أن أنتظر ساعات أمام المذبح .
- سأكون هناك يا عزيزتي لا استقبالك .. هل لديك شاهد على الزواج يصاحبك ؟
- لا سأسير بمفردي على طول الممر الرئيسي.
أحست " بليندا" في تلك اللحظة بمدى وحدتها في السنوات الماضية واجتاحها حزن الماضي . وأحس "وولف" بأفكارها مما جعل قلبه ينفطر .. لقد كان سبب عذابها وهي ملكه.
- مستعد لأتنازل عن مال الدنيا لأنتظرك وأنت تأتين نحوي أمام المذبح يا " بليندا" . لا تبكي .. لا تبكي يا عزيزتي .. أنا ملكك منذ اليوم الذي وجدتك في سيارتي وحملت معك كل حياتي عندما رحلت و اليوم أولد من جديد.
اجتاحت العواطف الشابة وغرقت في دموعها ولم تستطع سوى أن تردد اسمه وهي تتلعثم من بين شهقاتها .
همس "وولف" :
سأحتفظ بك للأبد.
همست "بليندا" :
لم أظن أن هذا اليوم سيأتي .. لقد حلمت به كثيرا ويجب أن تعلم ذلك . ولكن في أعماق روحي كنت مقتنعة أن الأمر لن ينجح .
- كان من الواجب عليك أن تثقي بي من البداية يا وبائي الصغير في "نيس" .
شرد "وولف" في الذكريات و همس :
- "نيس" ! إنني أذكر كل شيء .. لقد كنت تعلمين الأعمال البستانية طوال النهار وكان وجهك دائما مغطى بالغبار والعرق وأنت ترتدين المريلة الواسعة عليك عشر مرات .
- يا لها من لوحة جميلة !
- أنت جميلة اليوم كما كنت دائما ولازلت أحبك كما كنت في الماضي .
- وأنا كذلك .
- سأحبك بكل قوتي و كياني .
- على حبك القوي أن يصبر قليلا .. يجب أن نرحل .
سألها فجأة وهما يتجهان نحو المصاعد :
- هل ترغبين في أطفال يا "بليندا" ؟
ترددت في الإجابة ثم اعترفت :
- منذ أن رأيت "باتريك" مساء أمس أريد فعلا صبيا .
أعلن "وولف" :
- أما أنا فأريد بنتا ذات شعر أحمر وعينين بنفسجيتين لا تخاف شيئا .
- مثل " سوزان" ؟
- بالضبط .
وصلا إلى الدور الأرضي بسرعة ولحقا بالسيارة الواقفة في الممنوع كالعادة .قالت الشابة:
- أريد حقا أن تمر على بيتي لأنني أريد أن أخذ دشا وأبدل ملابسي .
قال "وولف" :
- وأنا كذلك ويمكننا المرور على بيتي بسرعة بعد ذلك هل ستبقين معي هذه الليلة "بليندا" ؟
- نعم .
همهم .
- حمدا لله .
ما إن ركن السيارة أمام بيتها حتى تبعها إلى شقتها ذات المستويين.
صاح "وولف" وهي تصعد إلى الدور العلوي :
- هل هناك ما أستطيع أن أؤديه لك ؟
قالت وهي تنحني على الدرابزين:
- لا .. ليس الآن .
هربت بسرعة من أمام الوميض الذي يلمع في عينيه و أغلقت على نفسها الحمام وهي مستمرة في الضحك.صاح :
- سأخذ "دشا" في الدور الأول حتى لا نتأخر على أصدقائي. عندما التقيا في الصالون وكان شعرهما لا يزال مبتلا قال لها "وولف":
- أتعرفين أنك ستصيبينني بالجنون يا زوجة المستقبل ؟
كانت تحب لهجته القاطعة و المرحة في آن واحد والتي يستخدمها أحيانا ليخلب ألباب الآخرين .قال:
- يجب أن نرحل.
وافقته.
- فعلا يجب أن نسرع .
ما أن فتح باب شقته حتى قال لها على العتبة :
- هنا بيتك الجديد وأنت خطيبتي .
وسألها عندما دخلا في بهو الاستقبال الفسيح :
- هل أعجبك بيتك الجديد يا "بليندا" ؟ إنه ملك أسرتي من أجيال وقد احتفظت بكل الديكور الأصلي من فترة المستعمرات وإذا كان هناك ما تريدين تغييره أو أن تعيشي في مكان آخر ...؟
رفعت إليه وجهها المغطى بالدموع و قالت :
- إنني أحب بيتك جدا. إنني أؤمن بقوة التقاليد وسينتقل بعد ذلك لأبنائنا وإذا كان هناك ما يحتاج إلى التغيير فسنقرره معا.
همس "وولف" :
- هل قلت : أبنائنا ؟ كم هو رائع أن أسمع ذلك أنا أحبك يا " بليندا " وذلك من وقت طويل ولاأعتقد أن ذلك سيتوقف في يوم من الأيام .
لم تستطع الشابة أن تجيب بعد أن تملكها الحب الشديد .
- يجب أن تذهب لتبديل ملابسك يا "وولف " .. اذهب ولا تشغل بالك بي .
قال مقترحا :
- يمكنك التجول في كل البيت إذا أحببت ولن أغيب سوى دقائق .
تركته يبتعد ثم غادرت البهو كي تدخل حجرة المكتب حيث جلست وهي تتأمل الكتب التي تغطي الجدران من الأرض للسقف . فجأة بدت كل الأسباب التي دعتها للابتعاد عنه بلا قيمة ولاوداع .أخفت وجهها بين كفيها واسترخت في المقعد ذي المساند . لقد ضحت بدافع الغرور والأنانية والغباء بحياتها وحياة "وولف " سنوات طويلة .لماذا ؟ لماذا لم تفهم ماستطاع أن يشرحه لها في الحال ؟ كان بإمكانهما أن ينجز أشياء كثيرة معا ويهزما العديد من العوائق . لقد كانا متساويين ومتطابقين وكانا هكذا دائما ومن هنا تأتي قوة الحب .
أخذت تردد وهي تنتحب :
- غبية .. غبية .. بلهاء !
قال " وولف " وهو يظهر في الحجرة .
- ماذا حدث يا " بليندا " ؟ أنت شاحبة ياعزيزتي ؟
هل أخافك شيء ما ؟
قالت بصوت متكسر :
- طمئني يا " وولف " ! لقد كنت مخطئة ومخدوعة في نفسي لقد أضعت وقتا طويلا .
قال وهو ينظر في عمق عينيها بإمعان :
- أفهم ياعزيزتي . وأتساءل : إلى متى ستتحملينها إن آجلا أو عاجلا وأعرف ذلك جيدا .
- هل تعرفني حقا ؟
- نعم .
شرحت الشابة :
- لقد تساءلت كثيرا حول لقائنا بعد طول غياب .
- وهذا جعلك تشعرين بالألم .. أليس كذلك ؟
- بلى .
- اطمئني .. كل شيء سيمر على خير وسترين ذلك , ويلزمك فقط بعض الوقت .
اعترفت " بليندا " وهي تبتسم ابتسامة شاحبة :
- إنني بدأت فعلا أحس بالتحسن .
قال وهو يصحبها إلى باب البيت :
- إذن هيا بنا . لن نفترق أبدا ياعزيزتي وهذا وعد مني .
زفرت الشابة بعمق ونظرت إلى الطريق الذي خرجا إليه .
قالت :
- أنا أحب كثيرا هذا الحي .. إن المرء لايعتقد أنه في " مانهاتن " وإنما في بلدة صغيرة من " نيوإنجلاند " .
- أريد أن تحسي بالراحة والسعادة هنا لأننا سنقضي هنا أكبر قدر من وقتنا ولدي نية الحصول على فيلا مرتفعات " نيس " .
سألته " بليندا " في سعادة :
- هل هذا ممكن ؟
- سأبذل كل ما في طاقتي لتحقيقه على أية حال .
بعد أن ركبا السيارة اتجها إلى الشمال وقال معلقا :
- لقد سألني "بير " عن أسباب انفصالنا .
أجابت الشابة : - يمكنك أن تجيبه أن الغلطة غلطتي . لقد كان من الواجب أن أتزوجك في اليوم التالي للقائنا .. هل هذا كلام مجانين ؟
قال ساخرا :
- ولكنك كنت صغيرة وقتها .
- ولكن عواطفي لم تكن طفولية . أتمنى أن تحدثني أكثر عن الزواج .
- ماذا ؟
- حسنا .. إنها ستكون اللعبة الكبرى أو شيئا حميما وخاصا .. من سيكون الشهود وهل أعرفهم ؟
- يا عزيزتي .. سنتزوج وهذا هو الأساس .فما أهمية معرفة من سيحضر وغير ذلك؟
- الشهود يا "وولف" .. إنه القانون والشرع .
بدا دهشا ثم ابتسم.
- هذا صحيح .. لقد نسيت .
يمكنك أن تطلب ذلك من "بيتر" و "دميانة" وكذلك من "بير" و "كريستيان" .. أليس كذلك ؟
أجاب :
- أنها فكرة طيبة في الحقيقة .
- إنني أحبهم كثيرا هم وأولادهم . ولا عجب في أنك تعتبرهم كعائلتك.
- لقد دخلوا حياتي بعد أن اختفيت من حياتي بوقت قصير وقد فكرت باستمرار أني لم أكن سأجتاز المحنة دون مساعدتهم .. أرجو ألا تغضبي لأنني نسيت موضوع الشهود.
أعلنت الشابة :
- لن أتركك أبدا يا "وولف ويكفيلد " .. أنت شمس حياتي و الهواء الذي يعطيني الحياة وأنا محتاجة إليك كثيرا .
همس "وولف" وهو يمسك يدها ويقبل راحتها :
- يا له من كلام رائع !
بدأت حرارة مطمئنة تملأ قلبه بالأمان . إنه يعرف من الآن أنه ليس هناك ما يمكن أن ينزع منه تلك المرأة حتى لو دفعته في يوم ما بعيدا فإنه سيبقى رغم ذلك وسيجد الوسيلة ليعدها إليه .لقد أحس بكل هذا من اليوم الأول في "نيس" ولم يحدث ما يمكن أن يغير هذه الحقيقة .
همست "بليندا"
- لقد كنت مجنونة تماما عندما تركتك . لقد كانت أفكار الفروسية التي تملكتني وقتها قد أضرت بحياتنا ولن أعيد أبدا هذه المهزلة .. هل تصدقني ؟
وافقها بإيماءة من رأسه و الغصة تمنعه من الكلام .
- لقد أعدتني إلى الشمس و الحياة يا "بليندا" وربما انطلقت في البكاء .
قالت بصوت عميق :
- سيكون مشهدا رائعا .. هيا نمر بسرعة يا "وولف" ولكن لا ترتكب مخالفة مرورية .
- أمرك يا سيدتي !
ضغط على بدال السرعة.

نهاية الفصل السادس...


الفصل السابع...

خرجت "بليندا" من الحمام ولديها إحساس بالخجل وعدم الارتياح كانت و "وولف" في منتهى الانسجام أثناء السهرة و أثناء العودة.
ولكن سوء الفهم بدأ عندما طلبت منه أن يمرا على شقتها لتحضر شيئا ما لم تحدده .كان ضيقها من جانب وعصبيته من جانب آخر قد أثارا حنقها . ما إن دخلت "بليندا" شقتها حتى أخرجت عباءة من الحرير شبه الشفاف بلون كريم كانت قد اشترتها بسعر مرتفع جدا من "باريس" وهي مع الأستاذ "ديلند" ولكنها لم ترتدها حتى الآن .
عندما التقت ب"وولف" في السيارة ألقى نظرة قصيرة على الكيس الذي يحتوي على العباءة دون أن يلقي أي أسئلة.
دخلت الشابة الحجرة التي أشار إليها وارتدت العباءة التي انسدلت على جسدها .نظرت إلى نفسها في المرآة .كانت تريد أن تبدو رائعة في عيني "وولف" كانت تعلم أنها لا تستطيع أن تتأخر عليه أكثر من ذلك. ففتحت الباب المؤدي إلى الحجرة الموجود بها وقد جلس في مقعد ذي مساند أمام المدفأة.نهض عند دخولها . قال بصوت مفعم بالعاطفة.
- هأنت أخيرا . لقد أعددت عشرات الأحاديث الحارة في عقلي ولكني نسيتها كلها .
عندما رأت البيچاما الحريرية بلون أزرق مخضر قالت :
- هذا اللون يناسبك تماما ويزيد جاذبيتك .
أجابها وهو يمسك بيدها:
- ببساطة لقد قلبت كياني .. أنت فاتنة للغاية .
قالت الشابة وهي تخفض عينيها :
- قد أبدو لك مثيرة للسخرية ولكني بصراحة أحس بالخوف.
رد "وولف" وهو يقترب منها :
- وأنا كذلك .. إنها أهم لحظة في حياتي .
- لقد تعاملت مع الكثيرات من النساء في حياتك يا "وولف" أما أنا فلم أعرف أحدا غيرك لذا أريد أن تكون علاقتنا وقد أصبحنا زوجين أحسن و أقوى علاقة .
همس في حب :
- وأنا كذلك .
فهمت "بليندا" من تلك اللحظة أن مصيرهما أصبح واحدا . لقد ولد كل منهما للآخر .إنها لم تنس لحظات السعادة التي قضتها معه في "نيس" .لقد انفتحت الشابة أمام الحب بكل قلبها وكيانها .أما هو فكان يريد أن ينال ثقتها وأن يتصرف معها بتعقل .إن تحكمه في نفسه هذه الليلة كان أشق تجربة عليه أن يواجهها .قالت له وهي تبتسم :
- من الواضح أنك الليلة تتصرف تصرفا تقليديا .
- نعم ولأنني أحب أن تكون علاقتنا الزوجية قائمة على تبادل الاحترام و التفاني في حب الزوجة وتقديم رغباتها على رغباتي.
حملها "وولف" فوق جزيرة الحب وفردوس الغرام حيث جابا معا طرقاتها غير المتوقعة . لاحظت الشابة أن ما كان يشوب تصرفاته من سوء فهم وعصبية قد ذهب أدراج الرياح وحل محله التفاهم والحنان و أصبح كل منهما شخصا مختلفا ناضجا محبا وعاشقا .
عرفا في تلك الليلة السعادة الحقيقة التي تختلف عما كانا يشعران به من عشر سنوات من حب يعتبر صبيانيا بالنسبة لهذا الحب الناضج.
ساد صمت عميق وكان الهدوء الذي يلف الحجرة من العمق بحيث كان صوت أنفاسهما يبدو كصوت الرعد مرت الدقائق ثم بدآ يعودان شيئا فشيئا للواقع .عرفت "بليندا" ما الذي يجب عليها أن تتمسك به .إن حبها ل"وولف" لم يكف عن النبض داخلها منذ لقاء "نيس" ولكنها اليوم وجدت أنها تغيرت بطريقة لا علاج لها فلم يعد أمامها مشاكل تمنعها من أن تعيش معه للأبد.
بدأ النعاس يسيطر عليها بعد أن ساد الظلام الذي لم يكن يضيئه سوى لمعان النجوم في السماء والذي كان يتسلل إلى الحجرة من النوافذ ثم بدأ الأفق يظهر شاحبا معلنا عن ميلاد الفجر.
# # # #
استيقظت "بليندا" وتقلبت في الفراش في سعادة واسترخاء نظرت إلى عينيه الباسمتين وهمس :
- أحب أن أشاهدك وأنت نائمة . أما بالنسبة لها فقد رأته في منتهى الجاذبية تحت ضوء المصباح الباهت .
كان قويا ومسترخيا كالفهد وقت راحته .بينما في عينيه اختلط وميض الرجولة مع وميض الطفولة .
عندما نهضا وأخذا دشا كان الوقت قد تأخر.تذكر "وولف" وهو ينظر في ساعته :
- لدي موعد مع "وليام" .
أعلنت "بليندا" في سعادة ومرح :
- لابد أن "ليديا" تشد شعرها أمام مكتبي .
قرر "وولف" أنه من الأفضل أن يرحلا ولكنه لم يتحرك قيد أنملة. قال لها :
- يمكنك أن تنسي مواعيدك وأستطيع أن أرسل "وليام" ليقشر البصل. ما رأيك في الهروب إلى الريف ؟
أجابت بحماس:
- أقول: إننا أصبنا بالجنون المطبق ولكن يجب أن نتمتع بهذا الجنون .. موافقة .. هيا يا "وولف" .
- حسنا .. سنمر أولا على بيتي وسنأخذ بعض القهوة اللذيذة من صنع "لوريث" بينما تعدين حقيبتك الرياضية.
- ومضارب كرة الشاطئ .
قال متهكما :
- الأفضل لباس البحر ! إننا لسنا ذاهبين إلى البحر .. وعلينا أن نتخيل ماذا سنصنع .
بدأت الدماء تجري في عروقها وقلبها ينبض بشدة وقالت :
- لن نستطيع هكذا أن نرحل .
خرجا وكانت السماء زرقاء صافية لا يشوبها أي غيوم وهواء الخارج منعش وبارد كما تمنيا .صاحت "بليندا" وهي تنظر إلى "وولف" بطريقة غامضة :
- إنه نهار رائع .
سألها :
- ماذا هناك ؟ لماذا تنظرين إلى هكذا ؟
قالت:
- أنت رائع فعلا .. إنك مثل محارب من غزاة الشمال المعروفين باسم "الفايكنج" بشعرك الأشقر .
كان عبورهما لحي "مانهاتن" خرافيا .إنها المملكة التي سيعيشان فيها معا بعيدا عن العالم .
- هل تحب أن نذهب لنعيش في "كاليفورنيا" يا"وولف" ؟
- إن عملك هنا .طبعا سنتصرف من أجل الخروج من "نيويورك" ويمكنك أن تأتي معي من وقت لآخر.
احتجت :
- من وقت لآخر؟ تقصد كل الوقت.
- كما تحبين يا عزيزتي .
عندما وصلا إلى بيتها أخذا المصعد وفتحت "لوريث" لهما الباب وقفت أمام الباب وقد بدا عليها الضيق ووضعت يديها في وسطها قالت :
- إنك لم تتصلي يا آنسة! وهذا ليس بالأمر الطيب .. ثم .. السيد "وولف"! عرفت الآن أين كانت , ولكن كان من الواجب أن تخبرني يا سيدي .
- سأفعل ذلك في المستقبل يا "لوريث" ,على أية حال أنا سعيدة برؤيتك.
همهمت "لوريث" وهي تهز كتفيها :
- وأنا سعيدة كذلك ,لقد كانت مريضة بدونك لدرجة البؤس الحقيقي يا سيدي .
انفجر "وولف" ضاحكا .وحدجت "بليندا" "لوريث" بنظرات نارية.
قالت لتداري خجلها:
- أنت مفصولة.
ردت الخادمة العجوز:
- إن السيد "وولف" سيصبح حالا سيد البيت .. هل تريدان الغداء؟
قال "وولف" وهو يربت كتف الشابة :
- لا يا "لوريث" سنذهب للاستحمام .وأنت يا "بليندا" أتدركين جيدا من هو "سيد البيت" بعد زواجنا؟
قالت بغضب مصطنع :
- يا لك من مغرور برجولته ومن مؤيدي التفرقة بين الجنسين !
جرى "وولف" نحو السلم وجرت وراءه .قالت : "لوريث" وهي تهز رأسها في عدم رضا :
- يا ألهي! إنهما يلعبان كطفلين .
غادرا البيت بعد ذلك متشابكين ذراعيهما وكان "وولف" يحمل حقيبة "بليندا" وعندما وصلا إلى السيارة استدارت فجأة .
- يجب أن تعلم يا "وولف" أنه لم يدخل حياتي أي رجل ... فقط أنت .. هذا كل ما أريد أن أقوله .
عندما رأت وجهه يحمر من الارتباك أضافت :
- اعذرني .. لم أقصد أن أحرجك بهذا الكلام .
- بالعكس .. لقد سعدت بهذا القول .أنت تعرفين أنني عرفت نساء أخريات ولكنك يا "بليندا" لم تغادري فكري ولم أستطع بالطبع أن أرتبط عاطفيا بأي امرأة لأنك أخذت كل حبي معك عندما رحلت .دون أن تتركي لي أملا في العودة .
همست الشابة :
- إنني في منتهى السعادة .
- وأنا كذلك يا حبي .
- لقد شاهدت فيلم "الرجل الحجري" خمس مرات .هل تعرف هذا ؟
- لقد جعلتهم يكتبونه من أجلك .
بدأت "بليندا" في البكاء من ناحية من أجل سعادتها الحاضرة ومن ناحية أخرى من أجل تعاستها على الزمن الضائع .
قال "وولف" هامسا:
- لقد بحثت عنك في كل مكان وكان كل كياني يطالب بك كما لا يزال يفعل الآن .
أجابت "بليندا" .
- إنني أؤمن بك كما أؤمن بحياتي .
التقت نظراتها بعمق نظرات الرجل الذي تحبه بكل مالديها من عاطفة .

نهاية الفصل السابع...





الفصل الثامن..
لم تكن الأيام التالية سوى فوضى رائعة .كان "وولف" يقضي وقته إما داخل مكتب "بليندا" أو في أحاديث تليفونية معها .كانت الشابة مدركة أن معاونيها يظنون أنها أصيبت بمس من الجنون .
ولكنها لم تعد تهتم على الإطلاق بآراء الآخرين وهي عادة لم تكن تعير آراءهم أي انتباه.
كان يحدث أحيانا أن تقضي ساعات على الخط مع "دميانة" أو "كريستين" في مناقشة ثوب الزفاف الذي ستعده مصممة الأزياء الشهيرة "كارين" خصيصا من أجلها .أدركت كم فاتها الكثير من التفاصيل الصغيرة الأنثوية خلال السنوات العشر الماضية من العمل الجاد.
كانت "ليديا" متحمسة بالفعل أمام توقعات حفل الزفاف وكثيرا ما كانت تحس باليأس من تصرفات "بليندا" غير المكترثة .وفي هذا الصباح قالت السكرتيرة شاكية :
- على الأقل يجب أن نلقي نظرة على قائمة الزواج صباح هذا اليوم الموعود. لماذا أشعر بالعصبية وأنت لا تشعرين بها ؟
رن جرس التليفون في تلك اللحظة .رفعت "بليندا" السماعة :
- آلو ؟ من؟ السائق الخاص بالزفاف ؟
دهشت الشابة قبل أن تناول السماعة للسكرتيرة ,
وقالت :
- شيء آخر نسي "وولف" أن يخبرني به !
رفعت "ليديا" عينيها إلى السماء وزفرت:
- آلو ؟ ماذا قلت إذن ؟ آه .. نعم .. هل يمكن أن تخبرني عن اسم مكتبك و الخدمات التي تقترحها من أجل الزفاف الخاص بالآنسة "برونسكي" ؟ أنتم شركة "ليموزين جوتام" ؟ حسنا لقد سجلت الاسم سنمر لنأخذ الآنسة "برونسكي" ...
أضافت "بليندا" :
- وكذلك السيدة "كينمور" والسيدة "لارابي" ...
همست "ليديا" :
- سأخبرهما بذلك ., ..نعم ..نعم أنا أسمعك يا سيدي العزيز ..متى يمكنك الحضور ؟
استدارت نحو رئيستها- بنظرة متسائلة- التي قالت :
- عند "كينمور" في الشارع الخامس حوالي الحادية عشرة صباح غد وأعتقد أننا سننتهي من بروفات ثوبي وقتها .
رددت "ليديا" التعليمات في الهاتف ثم وضعت السماعة ثم تنهدت :
- أعتقد أن كل شيء سيتم على مايرام .
ردت "بليندا" وهي تضحك :
- كل شيء سيكون على مايرام وسترقصين حتى الفجر .
قالت السكرتيرة مبهورة :
- إنني لم يسبق لي أن رأيتك في هذه الحالة .
- إن السعادة يمكن أن تغيرك تماما كما هو معروف!
بعد ذلك انهمكت "بليندا" في العمل ولكنها من وقت لآخر كانت تبتسم ابتسامتها المبهمة عندما تمر على ذهنها صورة "وولف" .
# # # #
حدث في هذا المساء كما يحدث عادة منذ أن انتقلت إلى بيت "وولف" من أسبوع أن كان الخطيبان يجلسان متجاورين فوق الأريكة الكبيرة وهما يثرثران ويستمعان إلى الموسيقى – همس "وولف" في أذنها :
- غدا يا حبيبتي في مثل هذه الساعة سنكون في الطائرة متجهين إلى "باريس" .من الواضح طبعا أن "لوريث" لن تكون معنا ولكننا سنعثر على عشنا الصغير .
- أوه يا "وولف" إنني لا أستطيع أن أصدق أن تلك الفيلا أصبحت ملكنا .إن لها معنى كبيرا بالنسبة لنا .على أية حال لن أشعر بشوق شديد ل "لوريث".
ضحك "وولف" من أعماق قلبه.
# # #
قال "وولف" وهو يوقظها في الصباح هامسا :
انهضي أيتها الكسول الصغيرة !أعتقد أن عندك بروفة .
تمطت "بليندا" ثم تكومت على نفسها في الجهة الأخرى من السرير .
ثم أطلقت صيحة عندما رأت الساعة وقفزت من فوق السرير كالغزال وهي تحتج :
- ولكني سأتأخر .. لدي موعد مع "دميانة" و "كريستين" كان قلب "وولف" يدق بلا انتظام ومع ذلك لم يحس أبدا بمثل هذا الهدوء والسكينة من قبل .إن "بليندا" هي الوحيدة التي حققت هذا التضارب في حياته .
إنها تصيبه بالجنون والاطمئنان في آن واحد .وحتى لو عاد كابوس أن يفقدها مرة ثانية ليطارده فإن ذلك لن يكون إلا بطريقة متباعدة ومتقطعة .
انتبها إلى أن ساعة البروفة اقتربت فقال :
- سأتصل بمحال "كارين" لأطلب منهم أن يبدءوا عملية ضبط الثوب على "دميانة" أو "كريستين" وعودي بسرعة لأنني أريد أن أتزوجك.
نظرت في أعماق عينيه وقالت:
- أنا أحبك يا "وولف ويكفيلد" ولا أنتظر سوى شيء واحد في العالم .. أن أصبح زوجتك للأبد .
اختفت بسرعة وراء الباب ونهبت الدرج.صاح : "وولف" وراءها من أعلى الدرج :
- هذا ليس عدلا .. ليس من المعقول أن تتركني في منتصف الحديث المثير ثم تهربين بعد ذلك . وبهذه الطريقة التي يمكن أن تكسري بها ساقك فوق الدرج كان الحظ في ركاب "بليندا" حيث عثرت في الحال على سيارة أجرة ورغم الزحام أوصلتها إلى محلات "كارين" متأخرة عشرين دقيقة فقط عن موعدها .
استقبلتها "كارين" في مرح .
- آه هاهي الموعودة !لما كنت أعرف السيد "ويكفيلد" جيدا فإنني أعلم أنه لم يكن يرغب في أن يتركك .إنه فريد .. أليس كذلك؟ لقد كان أكثر من ذلك بالنسبة للشابة.لقد أصبح "وولف" كل عالمها .تابعت مصممة الأزياء العالمية:
- على أية حال اعتبري نفسك سعيدة لأن رجلا مثله أحبك .إن معظم الرجال مثيرون للملل .
ردت على هذه الملحوظة ضحكات عالية صادرة من "دميانة" و "كريستين" من داخل ورشة البروفات .
قالت "كارين" ساخرة:
- اضحكا أيتها السعيدتان فلدى كل منكما زوج خارج المنافسة ,فليست كل النساء لهن حظكما .. هيا بنا فعلينا أن نعمل في الأثواب خاصة ثوب الزفاف .
هناك بعض اللمسات ولكن ذلك لن يأخذ وقتا طويلا .
انتهت "كارين" أولا من "دميانة" و "كريستين" .
قالت كريستين :
إلى اللقاء قريبا في الكنيسة .. يا إلهي ! كم أنا عصبية تماما مثلما كنت في زواجي .
قالت لها "دميانة" عاتبة:
- هل من الضروري أن تقولي ذلك؟ هيا من الأفضل أن نعد الأطفال .
ظلت "بليندا" مع "كارين" التي أخذت تديرها نحو اليمين و الشمال وللأمام والخلف لتدرس آخر التعديلات اللازمة ,أخيرا قالت المصممة المحترفة:
- غرزة هنا وغرزة هناك وكل شيء سيكون رائعا .
وسأرسل الثوب إلى بيتك في بداية ما بعد الظهر.هل هذا يناسبك؟
- ممتاز .. وشكرا على كل شيء يا "كارين".
- العفو يا آنسة وافبلي أخلص تمنياتي القلبية .
سبحت "بليندا" فوق سحابة صغيرة وهي تغادر الشارع الخامس وقبل أن تستدعي سيارة أجرة وجدت أمامها سيارة "كاديلاك" سوداء وأشار سائقها من وراء الزجاج الفاميه. فكرت أنها لاشك من مكتب "ليموزين جوتام" وهي تتذكر الترتيبات التي تمت في الأمس بواسطة "ليديا" من الداخل أشار إليها السائق أن تركب.
قالت الشابة وهي تستقر على المقعد الخلفي للسيارة:
- أنها فكرة رائعة . إن محاولة العثور على سيارة أجرة في هذا المكان وهذه الساعة تعد مغامرة .
وافقها السائق بهز رأسه وهو يسير وسط الزحام الشديد .وتركت "بليندا" نفسها لأحلامها إنها ستصبح السيدة "ويكفيلد" خلال ساعات .
أليس هذا رائعا ؟ هي التي انتظرت طويلا هذه اللحظة ترتعد أمام فكرة أن تأتي عقبة غير متوقعة بينها وبين سعادتها .ولكن لا ... إن ما تفكر فيه غباء مطبق .طردت الشابة أفكارها السوداء.
عندما وقفت السيارة ثم استأنفت السير ثم وقفت ثانية بين الزحام أجبرت "بليندا" نفسها على ألا تقلق . إن الوقت كله أمامها والمهم هو ألا تجد نفسها محصورة وسط مرور متوقف تماما.
وعندما زاغ السائق إلى شارع فرعي ظنت أنه يختصر الطريق متجنبا المحاور الرئيسية ولكنه عندما دار أكثر من مرة إلى اليمين والشمال وقطع شارعا بعد شارع نحو الجنوب الغربي وجدت الشابة نفسها ضائعة. رأت عن يسارها مياه نهر الهد سون وبدأت تشعر بالقلق .قالت معلقة:
- اخبرني أيها السائق . أيها السائق . لدي إحساس أننا انحرفنا كثيرا عن وجهتنا .
- كل شيء سيكون على مايرام يا سيدتي .إنني أعرف الطريق.وقفت السيارة الكاديلاك بعد بضع دقائق مما جعل "بليندا" تستيقظ من أحلامها .قال السائق قبل أن يصدر عنها أي تعليق:
- إنها لحظة الخروج.
هبط الرجل من السيارة ليفتح لها باب السيارة ,قالت في صرخة مكتومة عندما كشف عن وجهه:
- أنت !ولكن ماذا تفعل هنا يا "هيكتور" ؟ أين نحن ؟ ولماذا تقود سيارة أجرة ؟
- ما كل هذه الأسئلة يا أختي العزيزة ؟ أولا هذه ليست سيارة أجرة وإنما هي سيارتي .وهكذا ترين أنني أنا "ليموزين جوتام" وهي شركة مزيفة تماما أنشئت من أجل المناسبة .وأنا الذي اتصلت بسكرتيرتك أمس . لقد كان فخا استطعت به أن أصطادك. انفجر ضاحكا وأمسكها من ذراعها ليدخلها إلى الداخل .تذكرت "بليندا" أن "وولف" اتصل بإحدى شركات النقل بالسيارات بل إنها قالت ذلك "ليديا".
- إنني لا أستسيغ ذلك أبدا يا "هيكتور" .وإذا كنت تظن نفسك ظريفا فإنك أفسدت كل شيء .
حاولت أن تخلص نفسها من قبضته:
- لا يهمني ما تستسيغينه .
ظلت "بليندا" مذهولة لحظات .كان المكان مهجورا ومعزولا وعدوانيا .حاولت أن تدفعه .
- لا تكوني ساذجة يا "بليندا" واتبعيني في رقة وهذا مسدس وهو معبأ بالرصاص .
لم تصدق الشابة عينيها وهي ترى السلاح في يده .
- ماذا تريد مني ؟ إنني سأتزوج بعد الظهر و ...
قاطعها "هيكتور" :
- ليس قبل أن توقعي لي عقد بيع شركة مستحضرات التجميل.
تمالكت الشابة رد فعلها الأولي وقالت:
- أنت تعلم جيدا يا "هيكتور" أنني لا أستطيع أن أفعل ذلك اليوم هنا حتى لو أردت ذلك. يجب أن تكون العقود مسجلة قانونا ومعدة و...
- لدي ورقة ستوقعينها ثم بعد ذلك يمكنك الذهاب للزواج بالأستاذ عضلات الذي كان عشيقك في "نيس".
حاولت الشابة أن تحتفظ ببرودة أعصابها. قرأت في عينيه حقدا أسود لا صلة له بمشاغباته الماكرة التي كان يمارسها ضدها من سنوات تقلصت معدتها من الخوف. لابد أن "وولف" سيتصل بها في منزلها عدة مرات ولكنه لن يستطيع الوصول إليها وسيعتقد أنها مشغولة في ارتداء ملابسها ولابد أنه سيعمل على ارتداء ملابسه هو الآخر وسيحس الرغبة في أن يكون بجوارها.
# # #
في الساعة الواحدة جاء "بيتر" و "بير" للانضمام إلى "وولف" قال "بير" بتهكم:
- انظر إليه ,إنه أكثر عصبية من فهد في قفص .لاتفقد أعصابك يا "وولف" .. لقد مر كل منا بهذه اللحظات و أتذكر أنني كنت متأكدا من أن كريستين ...
قاطعه "بيتر" الذي رأى وجه صديقهما يتحول إلى حجر.
- ماذا هناك ؟
أجاب "وولف" .
- لست أدري .. لاشيء .. ربما أعصابي ...
لقد تركته "بليندا" مرة وحولت حياته على جحيم .
قال "بيتر" باهتمام وقد رفع حاجبيه:
- اتصل بها مادمت قلقا لهذه الدرجة.
تردد "وولف" مرة ثم قرر فاتصل بمنزلها:
- "لوريث" ؟ أنا "وولف" . أليست "بليندا" عندك ؟ لا ..إنها لم تصل بعد , لا..اهدئي ..ليس الموضوع موضوع حادثة وإنما مجرد تأخير بسيط .وستصل مابين لحظة وأخرى .انتظريها بدون قلق .
وضع "وولف" السماعة وقد صارت تقاطيعه باردة كالثلج ثم أدار رقم "كارين" في الحال وكان الاتصال قصيرا ومركزا ثم وضع السماعة .قال وهو يستدير نحو صديقيه:
- لقد تركت "كارين" من أكثر من ساعة. هناك شيء ماحدث وكان علي أن أصدق إحساسي وأتصل بها قبل ذلك .ماالذي حدث لها ؟ يا إلهي!
قال "بيتر" وهو يتقدم نحوه:
- إنها كانت ترغب دائما أن تعيش هذه اللحظة .إذن التأخير ليس منها .وإذا كان الأمر ليس منها فلابد أن شيئا ما غير سليم حدث وعطلها .مفهوم ؟
وافقه "بير" .
- "بيتر" على حق .
قال "وولف" بصوت منخفض :
- أعرف ولكن شيئا ما عطلها وأستطيع أن أعرف ماهو .
رن جرس التليفون فرفع السماعة في الحال.
- اللعنة ؟ أين هي ؟ حسنا .. سأذهب إلى هناك .أعتقد أنني أعرف من هو شبه أخيها "هيكتور" حسب وصفك . ولكن أعرف لماذا قادها إلى هناك . مع السلامة وشكرا يا "شيم" .
وضع سماعة التليفون ثم استدار إلى صديقيه :
- ابقيا هنا .سيتصل "شيم لوك" مرة أخرى .لقد شاهد أحد رجاله سيارة "كاديلاك" سوداء تتبع "بليندا" هذا الصباح ثم انتظرتها أمام محلات "كارين" وعندما خرجت نقلها المخلوق الذي كان يقودها نحو المرفأ ...
قاطعه "بيتر" .
- اسمع يا "وولف" سأذهب إلى هناك أنا و "بير" وستبقى أنت هنا على الأقل لن تقتل شخصا .
صاح "وولف" بشدة :
- سأذهب لأحضرها ..لقد فقدتها مرة من قبل ولن أفقدها مرة ثانية.
أعلن "بير" بجدية:
- أنه يوم زواجك وإنه لأمر رهيب أن تلوث يديك بالدم اليوم.
- "بير" على حق يا "وولف" وأنت تعرف ذلك .
صمت "وولف" لحظات ليفكر ثم خلع لبس الاحتفال ليرتدي چينزا وحذاء كرة سلة . انفتح باب المدخل ثم انغلق بقوة واختفى "وولف".
علق "بير" بخوف:
- إنه يعرف من اختطفها وسيعلقه من رقبته.
- بشرط أن يحتفظ ببرودة أعصابه ولكني لا ألومه و أعرف جيدا ما يمكن أن يكون عليه إحساسه في هذه الحالة .
- سأتصل ب"كريستين" ويمكنها أن تذهب مع "دميانة" إلى الكنيسة وترتبان تأخير المراسم وسنتصل بعد ذلك ب"شيم" لنعرف أين "وولف" .
وافقه "بير"
# # #
تقدمت "بليندا" وسط الديكور العاري والكئيب لجسر عائم وعن بعد كان تمثال الحرية يرفع ذراعه وكأنه يودع شخصا منحوسا .نبح "هيكتور" كالكلب :
-استمري في التقدم ولا تحاولي خداعي .لقد اخترت هذا المكان لأن أحدا لا يأتي إليه أبدا ولن يسمعك أحد لو صرخت علاوة على أن ذلك يضايقني كثيرا.
تجهم وجه الشابة في اشمئزاز وصاحت:
- لا يهمني أن تغضب .لست سوى أحمق يا "هيكتور".
رفع فوهة المسدس مهددا ولكن الشابة لم يهتز لها رمش .في طفولتهما كان "هيكتور" يهاجم دائما من هو أصغر منه ويرتعد ممن هم في سنه .استمرت الشابة في الكلام:
-اسمعني .حتى لو وقعت لك على هذه الورقة التي تشهد أنني أتنازل لك عن نصيبي في الشركة فلن تضمن أبدا أن مجلس الإدارة سيقبلها .
أي شركة تدار بطريقة سليمة لها نظام للتحكم لمقاومة مثل هذا النوع من الاحتيال .
- لهذا ستوقعين لي شيكا يصرف لحامله وتوقعين توكيلا عاما عن شركة "ليندا" أمام "لهجته .إن حياتها حقا في خطر!كيف أمكن أن تكون بهذا الغباء بحيث تجهل إمكان أن يقوم بمثل هذا الدور الخطر؟
ألقت نظرة على الماء الأسود المثلج ثم قالت في نفسها :إنها على أية حال أمامها فرصة .كان "هيكتور" دائما يعطي قدراته أكثر مما تستحق ولا ينتبه إلى تفاهة مشروعاته الخيالية والتي دائما كانت تفشل .ولا شك أن هذا المشروع لاختطافها يحمل في طياته نقطة ضعف قاتلة .
ما إن أصبحا فوق القارب حتى دفعها بوحشية في الممر الأسفل وهبطا درجا إلى الكبينة الداخلية الكبيرة .
سألته الشابة لتحصل على وقت كاف للتفكير والتركيز على فرصها:
- منذ متى تمتلك هذا القارب؟
- من وقت قريب..لقد اشتريته في الأوكازيون عن طريق بطاقة ائتمان يا أختي الصغيرة .لقد كانت هذه أكبر صفقة اشتريتها من حسابك هذا الشهر. لقد كنت أكتفي بمشتريات متواضعة حتى الآن. حتى لا أثير انتباهك .لقد قلدت إمضاءك بطريقة متقنة ولم يكتشفها محاسبوك .إنهم مهملون ولكن ذلك كله سينتهي بعد أن أتولى الإدارة. كانت "بليندا" مذهولة .إنه يتحدث وكأنها لم تعد موجودة في الشركة وكأنه يعتبر أحلامه حقيقة .كانت عيناه تعكسان جنونا حقيقيا وفمه يرتعد.
تساءلت: هل كانت حقا تعرف حقيقة "هيكتور" ؟
- إذن ستتزوجين اليوم؟ لم تدعيني ؟ هذا خطأ يا "بليندا" ماذا كان يمكن أن يظن أبي و أمي.
- لم يكن لدي أي فكرة.
صاح في وحشية :
- حقا ؟لقد كنت صغيرتهما المدللة حقا.إن أمي نفسها كانت تفضلك علي وتدافع عنك في كل شيء .إن لي الحق في نصف المال وبدلا من ذلك أعطياك إياه كله دون أن يتركا شيئا للمسكين "هيكتور" .
- إن هذا المال يخص أمي وهو ميراث شخصي ووالدي موافق على ذلك .ثم إنه لم يكن هناك ما يكفي إلا لبدء دراستي ولا شيء من تلك الثروة المزعومة – التي تطالب بها باستمرار – كان موجودا آنذاك .
- أنت تكذبين دائما وهما أيضا كانا يكذبان .
أخذ يبحث عن حبل وقال:
- لابد أن أقيدك وبعدها نبحر.
ارتجفت الشابة .لو قيدها وتركا المرفأ إلى عرض البحر فإن كل فرصها للهرب ستضيع ولن يعرف أحد مصيرها وسيعتقد "وولف" أنها هجرته عن عمد .جعلتها هذه الفكرة تصاب بالجنون. لابد أن تجد حلا بأي ثمن .استأنف "هيكتور" الحديث :
- آه لو علمت مدى سعادتي عندما ماتا .كان والدك يريد أن يطردني وأمي الكلبة كانت ستسمح له بذلك.
همست:
- إنني لم أعرف شيئا عن ذلك .
- لا يهم .سنرحل للأبد .اصعدي معي إلى كبينة القيادة وسأربطك هناك حتى تعطيني نقودك .
تقدمته "بليندا" فوق سطح السفينة وهي تبحث في حمى عن شيء يصلح سلاحا لها .في كبينة القيادة لمحت في الحال مطفأة الحريق مثبتة على الجدار .وقف "هيكتور" عند عجلة الدفة وهو يفحص آلات السطح بينما وضع المسدس على خدها .
وقفت الشابة ببطء أمام مطفأة الحريق لتخفيها عن نظره وحاولت نزعها عن طريق تحسس الحزام الذي يربطها عندما تمكنت من ذلك .
ألقتها في وجهه بكل قوتها .تنبه "هيكتور" بالغريزة في آخر لحظة فرفع ذراعه ليحمي نفسه ولكن ثقل المطفأة كان كافيا ليفقد توازنه ويترك سلاحه .
كانت "بليندا" قد عبرت باب المقصورة عندما سمعته يطلق صيحات الغضب الشديد ومجموعة من السباب قفزت فوق المعبر الذي سبق أن عبرته ثم قفزت إلى المرفأ لتنطلق جريا كالريح .
انطلقت رصاصة أخطأتها بمسافة بسيطة جرت بكل قوتها ويأسها محاولة أن تهرب منه .ولكن "هيكتور" انطلق في مطاردتها وسرعان ما لحق بها. كانت على مرأى من الجسر الرئيسي والطريق المؤدي إلى الشوارع الكبرى عندما استطاع أن يمسك بها ويحاصرها.
اصطدمت رأس الشابة بخشب الجسر وغرقت في الظلام.

نهاية الفصل الثامن...





الفصل التاسع والأخير...
كان "وولف" يتصرف كمن مسه الجنون .وحتى لا يضيع ثانية نادى أول سيارة أجرة مرت به وناول السائق ورقة بمائة دولار ثم قال له:
- ستنال ضعف هذا المبلغ لو استطعت الطيران وسط الزحام. ابتسم السائق ثم خبت ابتسامته عندما رأى هذا الوجه المألوف للممثل وقد تحول على وجه قاتل قائلا:
- موافق .. أين .. علي أن أذهب بك؟
وضح له "وولف" الاتجاه الذي عليه أن يتبعه ثم راجع خزانة المسدس الذي أخذه من مكتبه وحاول أن يطرد الصور المفزعة لما يمكن أن يحدث ل"بليندا" .
كان عبور حي "مانها تن" أسوأ فترة مرت بحياته وكان متوترا لدرجة أنه أحس بأنه يوشك أن ينفجر من الداخل في كل لحظة. وأخذ يسب ويلعن بثلاث لغات مختلفة وهو يدعو أن تجنب السماء "بليندا" أي سوء.
وعندما وصل إلى المكان الذي وصفه رجل "شيم" كان مشحونا بالكهرباء لدرجة رهيبة .قفز من السيارة الأجرة وناول السائق الورقة الثانية بمائة دولار وقال له:
- إذا لم أعد في ظرف ساعة فاتصل بالشرطة.
أجاب السائق :
- سأحضر معك يمكنني دائما أن أكون نافعا .
نظر "وولف" إلى السائق وقدر بنيته القوية :
- طبعا ستكون نافعا .ولكن أفضل طريقة لمساعدتي هي أن تظل في مكانك .
- كما تحب .ولكن عند أقل ضجة سأتصل بالشرطة باللاسلكي وأحضر لأنضم إليك .
كان "وولف" قد أطلق لساقيه العنان قاطعا الجسر إلى أن شاهد سفينة راسية عن بعد بمعزل عن السفن الأخرى عند آخر الجسر الخشبي .ضاعف من سرعته بعد أن أوحت له غريزته بكل ما يجري واتجه إليها ولكنه اضطر للوقوف في مكانه ثابتا .
كانت "بليندا" تقفز في تلك اللحظة من السفينة فوق الجسر الخشبي.
كان سيناديها عندما رأى "هيكتور" يقفز وراءها وينطلق في مطاردتها.
جرى "وولف" نحوها وهو يناديها ولكن "هيكتور" لحق بها قبله وألقى بها أرضا وهو ينبح كالكلاب بصوت تهديد :
-سأقتلها .
وقف "وولف" في مكانه متخشبا وقلبه ينبض بشدة .
أخذ نفسا عميقا ليطرد خوفه وصاح :
- لماذا ؟يمكنك أن تحصل على كل ما تريد .. هيا تكلم !
هل تريد مالا؟ ستحصل عليه.
عوى "هيكتور" :
- لقد أخذت كل ما هو ملكي .
همهمت "بليندا" :
- "وولف" .
رد "وولف" على "هيكتور" وهو يتجنب النظر إليها حتى يركز عليه .
كان بعيدا عنه حتى يطمئن إلى إمكان السيطرة عليه في قفزة واحدة ..
ثم إنه كان ممسكا بسلاحه .
زاد عواء "هيكتور" مقرونا بالمهانة وتطاير الرذاذ من فمه .
- لا تحاول أن تهاجمني .
استرد "وولف" سيطرته على نفسه وهو يرى الآخر يرفع "بليندا" كان منظر الشابة وهي مرعوبة والمسدس على عنقها قد أصابه بالصدمة .
قال صارخا :
- لن تحصل على شيء ما لم تقبل النقاش وكل الناس يعرفون الآن انك هنا الآن .
ألقى "هيكتور" نظرة حوله كحيوان محاصر وصرخ :
- سأقتلها لو اعترض أحد طريقي ولن يبقى أمامك سوى أن تصطاد جثتها بالشبكة من النهر !
تراجع "وولف" خطوة للوراء ولكن الشابة توسلت إليه:
- لا .. "وولف" ...لا ...
قاطعها "وولف" وعيناه لا تغادران "هيكتور" .
- كل شيء سيكون على ما يرام يا عزيزتي .
تردد صوت عن بعد من سائق سيارة الأجرة:
- هاي !أنت يا من تحمل المسدس.
فزع "هيكتور" وقفز في مكانه وانتهز "وولف" الفرصة في الحال وقفز وهو يبعد "بليندا" من أمامه وأمسك بيد "هيكتور" التي تمسك المسدس ورفعها نحو السماء .
انطلقت رصاصة ورأت الشابة "وولف" يتعثر قليلا ليقفز مرة ثانية نحو "هيكتور" صرخت في رعب .
- لا .. لا ...
فاجأت صرختها الرجلين مرة ثانية استغلها "وولف" ليكيل ل "هيكتور" لكمة مباشرة طرحته أرضا وهو يتدحرج .
سألها "وولف" في قلق في الحال وهو يقفز نحوها :
- خبريني يا حبيبتي .. أنت بخير هل جرحت ؟
تعلقت في رقبته في حالة عصبية وهي تقول :
- لا .. أنت الذي أصبت يا "وولف" لقد رأيتك تتعثر لحظات بعد طلقة الرصاص .
أخذ "هيكتور" يرجع للخلف ووجهه مليء بتعبيرات الخوف والحقد التي شوهته .ثم قفز واقفا فجأة وجرى نحو السفينة .
أعلن السائق الذي جرى نحوهما فوق الجسر .
- لقد استدعيت الشرطة و الإنقاذ .
في الحقيقة كان رجلان في الزي الرسمي للشرطة يغزوان الجسر الخشبي ورأت "بليندا" بينهما "بيتر" و "بير" .
في هذه اللحظة انطلقت السفينة بعد أن دارت حول نفسها وهي تنزل الحبل الذي يربطها بالمرسى و ابتعدت وسط هدير محركها .قال أحد الشرطيين .
- أتمنى ألا يذهب بعيدا من أجل مصلحته . لقد أعلنت خفر السواحل أن عاصفة شديدة على وشك أن تهب .في الجزء الجنوبي .
قال "وولف" وهو يحتضن "بليندا" بقوة :
- لقد ذهب إلى الجحيم بقدميه . ومن الأفضل الاتصال برجال حرس السواحل .
قال "شيم" ل "وولف"
- إنني سعيد لأنك خرجت دون إصابة.
تدخلت الشابة وقالت بصوت قلق :
- إنه ليس مصابا وإنما مجروح .
أجاب "وولف" :
- هذا لاشيء فاطمئني , على أية حال هذا لا يقارن بالصدمة التي تلقيتها عندما علمت بأنك اختفيت ثانية .
صاح "بير " .
- قل لنا .. أليس هناك زواج متوقع ؟
أيده " بيتر" وهو يبتسم وإن بدا عليه القلق :
- يبدو لي أنك على حق.هل كل شيء بخير يا "بليندا" ؟
- سأجيب بنعم على سؤالين : لقد خشيت ألا أرتدي الثوب المطلوب لهذه المناسبة ولكن ثوبي لابد أنه في انتظاري بالبيت .
تدخل "وولف" :
- سأصحبك قبل كل شيء إلى المستشفى . إن لديها جرحا تحت ذقنها.
- إنه ليس سوى خدش وقليل من المطهر يكفي ولكنك أنت الذي في حاجة إلى العناية الطبية.
أدركت مدى الشحوب الذي شاب وجهه .رد "وولف" وهو يتجاهل ملاحظتها الأخيرة:
- لا يمكن أن نكون متأكدين من أن جرحك ليس خطيرا لقد اصطدم رأسك بسور الجسر بعنف شديد وليذهب "هيكتور" إلى الجحيم على ما فعله بك.
اعترفت الشابة وهي ترتجف .
- لقد كان كا لمجنون .إنني لم أره أبدا هكذا . لقد كنت أعتقد أن والدي كانا على علم باضطرابه العقلي .لقد اعترف لي أنه ود أن يقتلهما ولكني لم أتصور أنه مريض لهذه الدرجة.
همس "وولف" في رقة قبل أن يكلم صديقيه .
- كل شيء سيكون على ما يرام يا حبيبتي .. إنها مصدومة وسأنقلها إلى المستشفى القريب .
رحل الجميع معا من فوق الجسر الخشبي وقال "بير" ل "بليندا" .
- هيا نسرع .. لابد أن نقودك للكنيسة وخير البر عاجله.
وافقت الشابة وهي تضحك ولا حظت أن "وولف" انتهز فرصة الفوضى وانتحى جانبا مع "بيتر" .
وتساءلت : ماذا يمكن أن يقول كل منهما للآخر؟
قال "وولف" لصديقه:
- إن المخلوق الذي في السفينة هو شبه أخيها .
رد "بيتر" متسائلا وهو ينظر نظرة تفاهم :
- وأنت تريد منا أن نشويه على نار هادئة عندما نضع أيدينا عليه ؟
هكذا إذن الأمر ؟
- أريد بصفة خاصة ألا يرى "بليندا" مرة أخرى .
- لقد سبب لها الكثير من الضرر وربما أكثر مما أعرف وهذا يرجع إلى طفولتهما وأعتقد أنني فهمت منها أنه حاول مرة أن يغرقها وكان من الواجب علي أن أحاسبه على ذلك من قبل وأن أعرف النتائج المترتبة على تلك الحادثة مبكرا .
- هل تعرف أنه كان يحوم حول مكتبها أو في المنطقة؟
- نعم بل وصل به الأمر أن مر على مكتبها ليهددها بأن يكشف كل شيء عن علاقتنا .ولم أفعل شيئا لأن "بليندا" لم تكن لتريد أن تقلب الماضي ولكني ألوم نفسي لأنني لم أستشعر الخطر كما ترى. قال "بيتر" مطمئنا وهو يضغط على ذراعه بحب :
اطمأن "وولف" وانضم بسرعة إلى "بليندا" وقال "بير" :
- إنك لا تتركها لحظة .أليس كذلك ؟
رد "وولف" بمرح :
- ولا غمضة عين خاصة معك .
داخل سيارة الأجرة التي أقلتهما إلى المستشفى قال لها "وولف" وهو يربتها في حنان :
- لا تسببي مثل هذا الرعب مرة أخرى. إن عواطفي نحوك لا تترك أي مجال لتحمل رجفة خوف عليك مرة ثانية.
قالت بصوت يرتجف من السعادة:
-كيف يمكنني أن أشكرك لأنك أنقذتني يا "وولف" ؟
أجاب وهو يبتسم :
- لا شيء سوى أن تصبحي السيدة "ويكفيلد" .
# # #
لم تستغرق زيارة المستشفى سوى دقائق قليلة كانت الرصاصة قد احتكت ب"وولف" ولم تترك سوى خدش سطحي و "بليندا" لم تعان إلا خدش شظية من خشب سور الجسر .كان موعد المراسم قد انقضى من وقت طويل عندما عادا إلى البيت. قال "وولف".
-سأتصل بالجميع لأخبرهم بعودتنا. هيا ارتدي ملابسك بسرعة.
تساءل عندما رآها واقفة على رأس السلم :
- إيه! ماذا هناك ؟
- إن ثوبي في بيتي.
قال يطمئنها:
- لا .. إنه هنا. لقد أخبرني "بير" أن "كريستين " مرت على بيتك وأحضرته هنا.
انفرجت أساريرها وزفرت في ارتياح. إن كل شيء يصبح سهلا ماداما معا. قال وهو يتأملها:
- هل قال لك أحد من قبل: إنك فاتنة؟
أجابت "بليندا" وقد احمر وجهها:
- نعم .. أنت .
- إذن لدي ذوق حقا.
كانت سعادته لا تطاق ويكفيه الآن أن يمسك بيدها أمام المذبح . قالت دون أن تتحرك قيد أنملة:
- لابد أن أسرع.
سألها:
- هل هناك شيء آخر تريدين مني أن أفعله؟
- نعم. ألن تتزوجني!
سمع "وولف" باب حجرتها ينغلق وراءها وظل ثابتا في مكانه.لقد أحس فجأة بأنه حر وطليق ."بليندا" عنده في بيته سليمة معافاة استدار وهبط الدرج وهو يتمتم بدعوات غير مفهومة شاكرا السماء.
تأملت "بليندا" صورتها في المرأة. تساءلت: من هذه المرأة؟كانت عيناها مزينتين بدوائر داكنة وبشرتها قد لوحتها الشمس بعض الشيء كما كانت هناك آثار لاصطدام جبهتها بسور الجسر وهي تسقط. إنها كارثة! ومع ذلك كانت مسرورة لأن "وولف" موجود هناك أسفل.وخلال ساعات سيكونان متزوجين. ولكن "هيكتور" .. كيف تجاهلت أنه مريض لهذه الدرجة؟
أحست بتعب شديد .ألم تكن حياتها كلها مجرد صراعات ؟ لماذا لم تر "هيكتور" على حقيقته؟
إن والديها لم يفهماها أي شيء عنه ومع ذلك لم تشك في اختلال قواه العقلية لحظة واحدة عندما تركت "وولف" من عشر سنوات كان قلبها لا يحس إلا بآلام شديدة. فلماذا؟
لقد أمضت عشر سنوات في إقامة حياة على أعلى مستوى مهني ونظمت حياتها في سبيل تحقيق أهدافها التي اعتقدت أن لها ما يبررها .. دون أن تتخيل أن تلك أهداف أنانية .وهكذا لم تلاحظ انحراف "هيكتور" التدريجي والبطيء , ولا حاجته إلى علاج مناسب لحالته. إنها لم تمد له يدها لحظة واحدة.
دخلت الحمام وأخذت "دشا" وغسلت شعرها دون أن تكف عن تقليب أفكارها.
ارتدت ثوبها الذي بلون شراب التفاح ونظرت لنفسها في المرآة ولم تهتم بالخدوش ولا الهالات الموجودة حول عينيها لقد هادنت الشابة نفسها ولا داعي لأن تنتقد هيئتها .
أقسمت ألا تخفي الحقائق الخفية و الشخصية ولا أن تهتم بالمشاكل التي كانت دائما تزعجها .مثلما فعلت مع "هيكتور" إنها ستأخذ راحتها في فحص كل شيء بإمعان وهي تفكر دائما فيما عليها .ثم إنها بالأخص ستحب "وولف" من كل روحها وأن تقدم له نفسها كباقة من السعادة.
أما بالنسبة ل"هيكتور" فسيتلقى كل الرعاية والنصائح والأمان الذي يحتاجه .ولديه كفاية من المال يحقق ذلك .
كان "وولف" بانتظارها في الطابق الأسفل عندما هبطت .همس في رقة:
- أنا مستعد لأصطحبك إلى المذبح يا آنسة.
كانت أجمل من أي وقت رغم ظلال التعب التي كانت تبدو في عينيها.
إن هذا الجمال من الحب الذي يأخذ مصدره من أعماق الروح ليشيع البهجة في كل جسدها .
أمام ضياء جمالها أحس "وولف" بالشكوك تجتاحه لام نفسه لأنه لم ينظر إلى الجانب المتعقل والذي يبرر رحيلها المفاجئ من "نيس" .إنه هو لم يفعل سوى أن تقوقع على آلامه كحيوان جريح وسط الغابة.
سألته "بليندا" في قلق:
- لماذا هذا المظهر المهموم ؟هل بسبب "هيكتور"؟
- لا ياحبي! إنني ثائر على نفسي لأنني لم أتزوجك عشر سنوات.
إن هذا يصيبني بالجنون .
لم يعد "وولف" يستطيع الكذب على نفسه . إنه لم يقلب الدنيا بحثا عنها . على أية حال كان بإمكانه أن يفعل أفضل من أن يدفع أجر المخبرين السريين الذين كانوا يقدمون له عن بعد – تقارير غير واضحة اكتفى بها كأنها أمر محتم . لقد سيطر عليه غروره بأن ركز على نفسه وعلى حالته النفسية داخل تلك القوقعة التي أغلقها على نفسه . قالت بصوت رقيق:
- لست الوحيد المسؤول عما حدث لنا .
- ربما لا ولكني حانق على نفسي لكل ما لم أفعله .
كانت بعض المرارة تشوب كلامه وفهمت الشابة أن "وولف" يفحص نفسه وأعماقها ولا تعجبه الصورة.التي يراها عن نفسه . استأنفت الحديث :
- أفهم جيدا ما تحسه .كان من الواجب أيضا أن أعرف حالة "هيكتور" .ولكن الأهم أنه كان علي أن أعرف أكثر عنك . لقد كنت أعرف أنك حساس وتراعي شعور الآخرين . كيف استطعت أن أغادر "نيس" وأنا مقتنعة أنني أؤدي لك معروفا كبيرا ؟لقد كنت غبية تماما .
اعترف "وولف" وهو يقبل يدها في حنان:
- لقد أجريت حسابا للنفس .. إنه مؤلم.
قالت "بليندا" بمرح:
- ولكن هذا لا يمنع أنك ساحر جذاب في هذه البذلة أرجو ألا تتضايق من أن أقول لك هذا على الأقل ؟
- لا على الإطلاق .. أنت تعجبينني إلى أقصى حد ولكن كل ما هناك أنني لم أتعود على أن تكون روحي عارية إلى هذه الدرجة ياحبي .في منتهي نتبادل المجاملات كما نتنفس الهواء ولكن المجاملة منك تصيبني بالاضطراب .لك تأثير وقوة علي يا "بليندا" فكرت في نفسها: إنها إذن قوية .قال "وولف" :
- أوه .. نعم أنت قوية جدا وأعدك أن ينال "هيكتور" كل ما يستحقه حتى لا ينسى نفسه على الإطلاق .
صاحت الشابة وهي تنتحب :
- أوه .. شكرا .. شكرا .. لقد كان ذلك مهما جدا بالنسبة لوالدي .لماذا لم أفهم ولماذا تظاهرت بالفهم ؟
حرك منظر آلامها مشاعر "وولف".
قال شارحا :
- أحيانا ما نضر أنفسنا بأنفسنا .لقد أخفيت قلقي وألمي لأنني فقدتك ولم أتحدث عن ذلك لأحد . ربما كان بدافع الغرور أو الاعتزاز بالنفس .
سقطت دموعهما معا على وجهيهما .قالت :
- نحن تأخرنا ويجب أن أعيد زينتي مرة ثانية وإذا استمررنا على هذه الحالة فلن نتزوج أبدا .
صاح "وولف" في غضب وهو يدفعها إلى حجرتها ويجبرها على الجلوس أمام التسريحة :
- بل سنتزوج .. واعتبري الأمر منتهيا .
أصلحت زينتها بيد مرتعشة فقال لها :
- أنا أيضا مهزوز .. إنه يوم رهيب . نحن معا الآن ومع ذلك لا أطيق صبرا على الذهاب.
أجابت بضحكة مكتومة ولكن حقيقية وهي تغادر التسريحة :
- أنا كذلك .
أمسك "وولف" بذراعها وأحس ببعض التردد عندها .
- حسنا ؟هل نسيت شيئا ؟
- لا ..ليس الأمر هكذا .وإنما أتساءل ببساطة :هل سأتحمل المقارنة مع تلك الفاتنات اللاتي دخلن حياتك؟
أجاب وهو يضحك :
- أنت خارج المنافسة يا "بليندا" ولدي إحساس أنك تشكين في ذلك ولكن أؤكد لك أنني لم ولن أحب غيرك .
بعد خروجهما من بيت "وولف" عثرا على سيارة أجرة أمام البيت نزل السائق .. نفس السائق الذي ساعدهما على مرسى السفن من قبل وأشار إليها .وقال شارحا:
- لقد دفعتما لي أجر أيام كثيرة من العمل .
أجاب "وولف" :
- شكرا لأنك انتظرتنا .وأنت مدعو على حفل الزفاف على أية حال .
قالت "بليندا" في تهكم وهي تصعد للأريكة الخلفية :
- شخص آخر مكتوب عليه أن يصبح ضمن أصدقائك مثل "شيم لوك" أليس كذلك ؟
عرف اسم السائق من لوحة تحقيق الشخصية المعلقة على تابلوه السيارة .
- أنا أحب جدا "توماس ميلاس" إنه مخلوق شجاع وذو عزم .
رد عليه السائق :
شكرا يا "ويكفيلد":
قالت معلقة:
- لقد لاحظت أنك تقدر الصفات التي تتمتع بها .
- أتظنين حقا أن لدي تلك الصفات ؟
- نعم .
- هذا رائع .تصوري أن أعز أمنياتي هي أن أرى في عينيك كل الفضائل وهو ما يحدث لي لأول مرة.
وقفت سيارة الأجرة أمام الكنيسة وكان على "توماس" أن يهبط ليفتح لهما باب السيارة معلنا عن وصولهما .صاح "بيتر" وهو يستقبلهما :
- أخيرا حضرتما! ظننت أن الأمر سينتهي برحيل القس .لقد اتصلت بنادي "بيلوري" والتأخير لن يسبب أي مشكلة.
قال "وولف" :
- إنني أضعها أمانة في يدك يا "بيتر" .
- اعتمد علي ويمكنك أن تذهب .
تلكأ "وولف" في الرحيل فصاح "بيتر" وهو يدفعه إلى داخل الكنيسة.
- اللعنة عليك! اتركها قليلا .
جلس الكل في أماكنهم بعد عدة دقائق وأمسكت "بليندا" بذراع "بيتر" لتسير على الممر المركزي وتتقدم نحو حبها .
لم تنتبه الشابة إلى كل الصيغ الرسمية حيث ظلت مثبتة نظرها على رجل عمرها .إن كل أحلامها تتحقق في هذه اللحظة بينما اختفى كل ندمها على أخطائها الماضية أمام القسم الذي تبادلاه.
أنهي القس كلامه بأن قال ل"وولف" :
- يمكنك أن تقبل العروس.
التفت "وولف" نحو عروسه وهو يبتسم .إنها الآن عالمه الخاص. ربما كانت هناك لحظات صعبة أو مؤلمة ولكنها ذهبت أمام الحب .
وطالما عاشا فسيعيشان معا هما الاثنان وهذا هو المهم .
مال على عروسه وقبلها قبلة الزواج .
خرج العروسان على أنغام آمال السعادة من الكنيسة وركبا سيارة الأجرة.
كان "نيلسون" كبير خدم نادي "بيلوري" في انتظارهما أمام النادي وقد بدا عليه التوتر أكثر من المعتاد.
سألته "بليندا" في قلق:
- أتعتقد أنه غاضب من تأخيرنا؟
- لقد اتصلت "دميانة" بهم لتشرح أسباب التأخير على أية حال كان بإمكانهم أن يرفضوا استقبالنا.
- هل سبق أن رفض شخص ما طلبك يا "وولف" ؟
قال ساخرا في لهجة غامضة :
- مرة أو اثنين .ولكن لا أهمية لذلك لأن الرفض كان منك.
قالت بحزن :
- هاهي مرة أخرى جراح الماضي الصغيرة .. أتظن حقا أننا نستطيع أن ننساها ؟
قال "نيلسون" وهو يذكرهما بوجوده بصوت جاد :
- لو تكرم السادة والسيدات أن يتبعوني.
ومع ذلك مال "وولف" عليها وقال هامسا :
- سنتمكن دائما من تسوية خلافاتنا في الوقت المناسب ولدينا الوقت الكافي للحديث عن ذلك . أليس كذلك ؟
ابتسمت "بليندا" وهي تهز رأسها موافقة بينما تقدم "بير" نحوها وصاح وهو يرفع "بليندا" بسرعة بين ذراعيه :
- هاهي العروس وفارسها المغوار.
همس "وولف" في أذن "بيتر" وهو يضع كفه على كتفه:
- دعه يفعل ذلك .. لقد طلبت منه ذلك حتى أستطيع أن أقول لك كلمة.
هل هناك أخبار عن شبه أخيها.
- إنه يستطيع أن يرسو في أي مكان جنوب " نيويورك " .
على أية حال لابد أنه سليم لأن العاصفة غيرت اتجاهها نحو كارولينا الشمالية .
- لندع " شيم لوك " ورجاله يتولون الأمر وسيعثرون عليه إن عاجلا أو آجلا.
المهم لدى " وولف "ألا يرى هذا الشبح الهارب يمر أمام عيني " بليندا " الزرقاوين .. إنها كالملاك في ثوبها بلون عصير التفاح .
علق " بيتر " بطريقته في ادعاء الحكمة :
- أفهم أنك لاتريد أن تفكر في أي شيء غيرها ؟
- بالضبط .. ألم يحدث نفس الشيء بالنسبة لك ول" دميانة " ؟
لحق "وولف " ب " بليندا " وأمسك بيدها وابتسمت له في سعادة وتشابكت أصابعها .
لما كان " بيتر " ودميانة " و" بير " و "كريستين " وأطفالهما ووالدا " بير " هم المدعوون فقط إلا أن السهرة تحولت إلى فوضى ولم تراع فيها الرسميات .
عندما قدم العشاء استقرت مجموعة من الموسيقيين في طرف القاعة وبدءوا يعزفون قطعا موسيقية ترضي جميع الأذواق من "جاز" وفولكلور شعبي وموسيقى كلاسيكية .
قبل إحضار الجاتوه قام "وولف" وسحب "بليندا" إلى حلبة الرقص وسرعان ما قلدها باقي الأزواج. اقتربت الشابة من الموسيقيين وقالت :
- هل يمكن أن تعزفوا رقصة البولكا ؟ إنني وزوجي نحب أن نرقصها .
كانت الألحان حيوية وسريعة مما نشر الحياة في داخل القاعة.
كانت "بليندا" مشرقة وهي تتمايل على الألحان السريعة وكأنها تسبح في الجو وقدماها لا تلمسان الأرض . لقد تحولت في لمح البصر إلى فتاة في التاسعة عشرة من عمرها والتي عثر عليها على الأريكة الخلفية لسيارته في "نيس" صاح :
- رقصة البولكا ؟هل تعتقدين أنني قادر على أدائها ؟
- أجابته.
عليك إثبات هذا .
انطلقا في متابعة اللحن السريع وقد اختلطت ضحكات السعادة من الجميع .
بعد أن انتهت الرقصة السريعة تبعها لحن رومانسي هادئ . همس في أذنها :
- سنحتفظ ببعض الذكريات المؤلمة يا "بليندا" عن هذا النهار ولكن أحسن الذكريات هي التي ستطفو .
- آه .. نعم وذلك بفضلك .ما رأيك في أن نرحل ؟
اعترض "بير".
- مستحيل لابد من قطع التورتة أولا .. انتظرا فسأحاول استعجال الأمور .
وافقه "وولف" .
- تصنع خيرا لو فعلت.
قطعا التورتة ثم حل الحلواني محلهما ليقوم بتقسيمها بعناية أمسك "وولف" بيد "بليندا" وهو يتعجل الرحيل .أعلن "بيتر" :
- نرجو أن تصحبكما أجمل تمنياتنا لكما .
تقدم الصغير "باتريك" بسرعة ودس كفيه في كريمة التورية .تأوه "بير" يائسا وسارع ليمنع الكارثة بينما انفجر العروسان في الضحك .
صاح "وولف" وهو يسحب زوجته:
- إلى اللقاء و أتمنى لكم شهية طيبة مع الحلوى .
رد الجميع في صوت واحد :
- شكرا !
# # #
الخاتمة...
بعد تسعة أشهر استقبل "وولف" و "بليندا" أصدقاءهما من عائلتي "كينمور" "ولارابي" على العشاء .
قالت "بليندا" في تعاسة وهي تنظر إلى بطنها المكور .
- لم تعد النساء يحصلن على أطفال بعد تسعة أشهر من الزواج لأن هذه العادة كانت أيام جداتنا وأصبحت الآن عتيقة .
سالت الدموع على خديها وهي تستدير نحو مدعويها .ركع "بير" و "بيتر" على ركبتيهما أمامها ليسريا عنها وهما ينظران في غيظ إلى زوجتيهما اللتين كانتا تضحكان من الموضوع كل قلبيهما.
صاح "بيتر" مناديا "وولف" .
- "وولف" تعال هنا وأنت يا"دميانة" .كفي عن الضحك إنني لا أتحمل أن أراها تبكي هكذا.
صاح "بير" بدوره نحو لوريث .
- مناديا يا "لوريث" .. وأنت يا "كريستسن" لست أفهم ما الذي يضحك . ألا ترين أنها يمكن أن تمرض .هكذا.
اعترفت الأخيرة وهي تمسح دموع الضحك :
-- فعلا .. وهذا أمر رهيب .
صاح "وولف" من المطبخ :
- هل هي تبكي ؟
ردت "كريستين" و "دميانة" في نفس واحد :
- نعم.
علق "وولف" في هدوء يعود إلى صالة الطعام:
- هذا يحدث لها كثيرا .من وقت الحمل أصحبت الدموع عادة عندها.
أقل سيء يحولها إلى نافورة وتبكي براميل من الدموع .
تلعثمت "بليندا".
- أنا .. أنا .. آسفة.
أحضر "وولف" معه منديلا كبيرا ومسح به دموعها قال "بير" وهو يعود إلى مقعده .
- إنني لا أطيق أن أراها تبكي.
تبادل "وولف" و "كريستين" و "دميانة" نظرات متآمرة ثم شدت "بليندا" كم قميصه.سألها :
- ماذا هناك يا عزيزتي ؟
أعلنت في صوت منخفض :
- أعتقد أن الوقت حان للذهاب إلى المستشفى.
تغير وجه "وولف" بدرجة رهيبة وسقط على ركبتيه.
انفجرت "بليندا" ضاحكة وقالت وهي تضربه على رأسه:
- لقد تمكنت منك.
بعد ذلك بفترة مال "وولف" على "بليندا" وهي في سريرها في المستشفى وهو لا يزال شاحبا.كانت قد وضعت لتوها .همس في أذنها:
- إنها رائعة يا حبيبتي.
علقت زوجته وهي تتثاءب :
- تأكد من أن الممرضات سيعتنين بها جيدا لأنني لاحظت أن عيونهن لم تفارقك أبدا .. إنني أحس بأنني نحيفة ومنهكة .. أنا أحبك يا رب الأسرة .
فجأة استغرقت في النوم دون أن تتركها ابتسامتها. قال "وولف" بصوت منخفض:
- أنا أحبك أيضا للأبد .. لقد أنرت حياتي.
خلف زجاج الحجرة كان فريق كبير من الممرضات قد تجمع وهن يتهامسن ويتدافعن ليشاهدن الممثل السينمائي الشهير "وولف ويكفيلد" .


تمت

مشاركة