A PHP Error was encountered

Severity: Warning

Message: file(): http:// wrapper is disabled in the server configuration by allow_url_fopen=0

Filename: views/template.php

Line Number: 35

A PHP Error was encountered

Severity: Warning

Message: file(http://static.vipeople.com/menu/index.php): failed to open stream: no suitable wrapper could be found

Filename: views/template.php

Line Number: 35

A PHP Error was encountered

Severity: Warning

Message: implode(): Invalid arguments passed

Filename: views/template.php

Line Number: 35

السهم يرتد

الكاتب: قصتي مشاهدات: 972 التصنيف: روايات عبير

1-الخدعة الأولى

ظنت صوفي انها جنت عندما وافقت على المجئ فماذا كانت تفعل في بورت اوف سباين , وهي تنتظر بقلب مضطرب وصول جد ايف , ليأخذها معه ؟ كيف تأملت لعب هذا الدور بمهارة فائقة , فلا يشك احد انها ليست ايف هوليستر ؟ الم يكن انتحال شخصية اخرى جرما ؟ ام هل يمكن اعتبار ذلك العمل جرما حتى عندما يكون الشخص المعني قد اعطاها اذنا للقيام بذلك, لا بل ترجاها في الحقيقة ؟ هزت صوفي كتفيها كمن لا حيلة له . كانت راحتا كفيها رطبتين, والعرق يتصبب من عنقها, وساقاها ترتجفان قليلا . سارت بقلق داخل غرفة الفندق تحاول تهدئة اعصابها , وراجعت مرات عدة ما قالته لها ايف.
قالت لنفسها يجب ان لا اقلق ولكن من دون اقتناع حقيقي . ولم يسبق لعائلة سانت فينسيتي فينسيتي ان رأت ايف. فكيف في امكانها التعرف اليها او معرفة أي امر عنها سوى ما اختارت ان تخبرها في رسائلها؟ في أي حال , الفتاتان تشبه الواحدة الأخرى قليلا. كانتا شقراوان . وبينما مال شعر ايف الى لون فضي خفيف, كان شعر صوفي ذهبي اللون تشوبه خصلات من لون اغمق. كانتا طويلتين نسبيا , ونحيلتين , واذا كانت صوفي ناحلة اكثر , فذلك بسبب اهمالها الطعام بعض الشئ . اذ لم يكن اجرها القليل يكفيها للأهتمام بصحتها. بل هناك امور اخرى اعتبرتها اكثر أهمية! صوفي تعمل مديرة مسرح في ساند تشيرش . وادركت ايف كم صديقتها حمقاء لقبولها العمل مقابل ذلك الأجر الزهيد.
تعرفت صوفي الى ايف قبل سنوات اربع , عندما كان عمرها ثمانية عشر عاما وهي في عملها الأول في لندن. ومع انها كانت تفضل ان تصبح ممثلة اذا ما قدر لها ان تختار , ادركت انها تحتاج الى سبل اخرى لتؤمن معيشتها. لذلك تعلمت الاختزال والطباعة على الألة الكاتبة وعملت في احدى محطات التلفزيون المستقلة.
كانت ايف صحافية شابة وناضجة , وصنعت لنفسها اسما في فليت ستريت وساعدت صوفي عندما جاءت لتكتب مقالا عن محطة التلفزيون. وغدت الفتاتان صديقتان فورا. رغم تناقضهما . تمتعا بالرفقة من البداية. وعندما اسرّت صوفي الى ايف برغبتها في ان تصبح ممثلة , استعملت الأخيرة نفوذها وفتحت لها المجال للعمل كمديرة مسرح في ساندتشيرش . وبالطبع , ايقنت صوفي ان ايف لم تتوقع منها البقاء في هذا العمل , لكنها بقيت , وكانت سعيدة بطريقتها الخاصة خلال الثلاث سنوات ونصف السنة الماضية . لم يكن لديها الكثير من المال . الا انها كسبت الكثير من الأصدقاء , كما كانت تمضي عطلات نهاية الأسبوع في لندن مع ايف من وقت الى آخر . حتى بدت ايف كأنها تحيا حياة اكثر أثارة من صوفي , على رغم ارتباط الأخيرة بالمسرح. اذ دعيت كثيرا الى الحفلات كما حصلت على اجازات مجانية لتغطية بعض الأحداث . زاد عدد اصدقائها ولم تكن تمضي وقتا طويلا مع والدها المتقاعد الذي كان يقيم في كينغستون.
ولم يكن امام ايف سوى ان تخبر صوفي بأن امها توفيت اثناء ولادتها وان والدها يلومها......
رأت صوفي في ذلك الوضع مأساة, فقد رعتها عمتها المسنه في طفولتها ولم تعرف معنى إن يكون لها ابوان. وشعرت عندما تصورت انها مكان ايف بأنها كانت ستجد من الضروري إن تحاول جهدها لتبرهن لوالدها بأن وجودهما وحيدين يعني تأليا ضرورة اهتمام الواحد منهما بألآخر . ولكن الأمر لا يخصها . ولم يكن في استطاعتها إن تفعل اكثر من تذكير ايف أحيانا بضرورة اكثار زياراتها لوالدها.
توفي والد ايف قبل نحو سته اشهر وحضرت الدفن مع صوفي واخبرتها في ما بعد انها يجب إن تبلغ عائلة والدتها بالأمر . كانت هذه هي المرة الأولى التي سمعت فيها صوفي عن عائلة والدة ايف وتفاجأت عندما علمت بأنها عائلة ثرية وتملك مزارع شاسعة في ترينيداد.
وعندما اخبرتها ايف إن والدتها هربت كي تتزوج جيمس هولليستر وهي في الثامنه عشرة من عمرها , فهمت صوفي لماذا لم تسمع ايف تذكر شئ عن عائلة والدتها . لكنها الآن تعرف القصة كلها . كان والد ايف مهندسا يعمل في مشروع عمراني في ترينيداد عندما قابل والدتها . واعتبر جيمس هولليستر بأنه غير لائق بالعائلة وغير متكافئ من حيث الثراء مع عائلة سانت فينسيتي اضافة الى إن والدة ايف كانت مخطوبة لأبن عائلة ثرية اخرى في الجزيرة . لكن ايف قالت ببعض السخرية انهما احبا بعضهما البعض من النظرة الأولى . وهرب الحبيبان الى انكلترا ولم يعودا الى ترينيداد ابدا . وبالطبع , قاطع جدها ابنته تماما , ولم يلن قلبه , حتى عندما علم انها توفيت وهي تضع مولودتها. انفطر قلب والد ايف لوفاة زوجته , على رغم رعايته الجيده لأيف , لكنه لم يهتم بها كثيرا. فترعرعت في كنف عماتها ودرست في مدرسة داخليه , واخيرا مكنتها موهبتها الكتابيه من الحصول على احد المناصب الأكثر اجرا في الصحافة البريطانية.
لم تسمع صوفي المزيد عن سانت فينسيتي الا لأسابيع قليلة خلت, عندما دعتها ايف الى تمضية عطلة نهاية الاسبوع في شقتها. واخبرتها بأنها كانت تراسل جدها خلال الشهور القليلة الماضية ويبدو إن قلبه قد لان على مر السنين لأنه أجابها فورا على الرساله المتعلقه بوفاة والدها وكتب اليها رسائل عده.
سرت صوفي لأخبار صديقتها. وظنت إن ايف ستعرف أخيرا بهجة العيش الي عائله حقيقيه. لكن ايف كانت غامضة كالعادة.. واعترفت بأن الصلح اول الأمر مع عائلة والدتها قد راقت لها ولكن جدها اقترح إن تأتي الى ترينيداد , الى منزله في بوانتي سانت فينسيتي لقضاء بضع اسابيع تتعرف خلالها الى اقاربها.
قالت ايف:
_هل تستطيعين إن تتصوري ياعزيزتي إن انقطع انا عن المدينة لبضعة اسابيع! يا للسماء سوف اجن حتما!
لم تعرف صوفي بماذا تجيب. فمن ناحية كانت تفهم تمنع ايف,فهي ببساطة من النوع الذي لايستطيع العيش من دون النمط الصاخب في حياتها الراهنة. الا انها من ناحية اخرى كتبت رسائل لجدها مهدت فيها طلبه هذا.
وأخيرا سألتها صوفي :
_ماذا تزمعين إن تفعلي اذن?
- فكرت انك تحبين الذهاب عوضا عني.
وقبل إن تتمكن صوفي من الأحتجاج ,تابعت:
- لاتقولي لا فورا . فكري في الأمر.
تنهدت صوفي بعمق:
- لايمكن إن تكوني جادة!
- لما لا..؟
- حسنا , لأن الأمر مستحيل !
- لماذا ؟
نظرت صوفي في عيني ايف علها تجد دليلا على انها تمزح فقط ., ولا داعي لأخذ كلامها على محمل الجد .
- ايف!
- اصغي الي يا صوفي . الم تخبريني منذ بضعه اسابيع إن رودريك هارفي نظم مدرسة للممثلين في روما هذه السنه؟
- نعم بالطبع.
- حسنا .الا تحبين الذهاب ؟
ونظرت صوفي الى صديقتها مندهشه:
- احضر المدرسه الصيفية؟
- نعم , بأمكاني ترتيب الأمر .
- لكن ليس بأمكاني تحمل النفقات.
- انا استطيع ذلك .
آه يا ايف , بحق السماء , ماذا تحاولين إن تقولي؟ اذا ذهبت الى ترينيداد عوضا عنك سترتبين امر ذهابي الى مدرسه رودريك هارفي في الصيف؟
-هذا صحيح.
ذهلت صوفي وقالت :
. ولكن لماذا ؟ لماذا تفعلين ذلك؟
نهضت ايف ومشت حافية القدمين على السجاده الوثيره في الغرفة.
- هل يجب إن يكون هناك سبب ؟ اننا صديقتان. وظننت إن واحدتنا يمكن إن تساعد الأخرى من دون اسباب كثيرة لذلك.
بسطت صوفي ساقيها امامها :
-انت تعلمين انني افعل أي شئ لأساعدك يا ايف. ولكن هذا الأمر مختلف.
- كيف ذلك ؟
-انت تعلمين كيف.
ونظرت صوفي الى ثقب صغير في سروالها محاولة عدم التفكير في العرض الذي كانت ترفضه .
- لا اعلم.
أجابتها ايف واسندت جسمها بأهمال الى رف الموقد واضافت :
- ها انذا اعرض عليك ليس فقط فرصة لحضور المدرسة الصيفية . بل ايضا عطلة لأسابيع عدة في احدى الجزر الأكثر اثارة في العالم .ظننت انك ستقبلين بحماسة.
- هل كنت تقبلين انت؟
اجابت ايف :
- نعم اقبل . حقيقة يا صوفي اين روح المغامرة لديك؟ الا تريدين رؤية شئ من هذا العالم وتستمتعين به قبل إن تصبحي اكبر سنا ؟ لن تحققي شيئا وانت تعملين في مسرح من الدرجة الثالثة في ساند تشير تخضبت وجنتا صوفي وقالت :
- ليس مسرحا من الدرجة الثالثة . وانا مسرورة لأنك ذكرتني بأنني اعمل هناك!
- في امكانك اخذ اجازة من العمل .
قالت ايف بنفاذ صبر واضافت:
- يمكنهم الأستغناء عنك كما تعلمين.
كان في امكان ايف إن تكون قاسية اذا عارضها احد , وصوفي على علم بذلك منذ بداية صداقتهما, فحاولت الا تتأثر بما قالته . وادركت انها تتبع هذا الأسلوب لتقنعها بتغيير رأيها , وبدت ايف مدركة إن اسلوبها لن يوصلها الى نتيجة , فتنهدت ثم قالت معتذرة:
- اني آسفة يا صوفي . انا سيئة .لكنني كنت اعتمد عليك لأخراجي من هذه الورطة .
ونظرت اليها صوفي قائلة:
- أي ورطة؟
هزت ايف كتفيها وبحثت عن علبة السجائر . قدمتها الى صوفي التي اعتذرت , لأنها نادرا ما تدخن الا اذا عانت من توتر عصبي في ليلة افتتاح احدى المسرحيات.
- لقد وافقت على الذهاب الى بوانتي سانت فينسيتي .
سألت صوفي بدهشة :
- ولكن لماذا؟
هزت ايف كتفيها , قائلة:
- آه انت تعلمين كيف تحدث مثل هذه الأشياء . يبدأ الواحد منا امرا كهذا . لكن سرعان ما يفلت زمام الأمر من بين يديه.
- ولكن كان عليك التأكد اذا كنت تريدين الذهاب
ام لا !
- انت لا تفهمين . ظن جدي في رسائله بأنني اود الذهاب الى ترينيداد.
ويبدو واضحا انه ندم كثيرا على ما حدث قبل خمسة وعشرين عاما . ويريد التعويض عن ذلك الآن . اعتقد انه يراني يتيمة ووحيده ومن دون عائلة بعد وفاة والدي.
- في الواقع هذا صحيح.
- نعم . ولكن ليس كما يعتقد هو . اعني ...اخر امر ارغب فيه هو والد هرم يترقب تحركاتي !
وتنهدت صوفي . كان واضحا إن الصورة التي كونها جد ايف عنها مختلفة لدرجة عظيمة عن حقيقتها . ثم قالت لها:
- ما عليك إلا إن تكتبي وتبلغيه بأن عملك لن يسمح لك بالذهاب في هذا الوقت .
اجابت ايف بأصرار :
- لا , لا اريد إن افعل ذلك.
-لماذا؟
- حسنا ...لا تغضبي اذا قلت لك.
- اذا قلت ماذا ؟
وأسندت صوفي ذقنها الى يدها .
- حسنا هم لا يعلمون إنني صحافية.
- ماذا ؟
- انها الحقيقة . كانت لعبة لعبتها.
- لعبة؟
- نعم..
ثم اضافت ايف بتردد:
- عندما كتبت اخبر جدي بوفاة ابي , لم اذكر طبيعة عملي و وعندما رد على رسالتي كان واضحا انه ظن انني اعمل كسكرتيرة , وتركته يستمر في اعتقاده هذا .
- ولكن لماذا؟
- آه , اعتقد انني لو اخبرته كوني صحافية لحطمت الصورة التي كونها عني .
- بأي طريقة؟
- حسنا الصحافيون ...وخاصة النساء هم عادة من النوع الواثق من ذاته والقاسي اذا جاز التعبير . وعلمت إن جدي لن يستجيب لأنسان من هذا النوع , لذا تظاهرت انني اعمل سكرتيره.
- آه ايف!
هزت ايف كتفيها . فعادت صوفي لتسأل :
- وماذا في ذلك؟ ثم ما علاقة هذا الأمر بذهابك ؟
- جدي رجل عجوز , اسعدته رسائلي , واعدت اليه ثقته بنفسه. اذا رفضت الذهاب الآن , ففي وسعك إن تري ذلك جيدا .
تعلق هذا الرجل بايف وبالراحة التي وجدها في رسائلها والأمل على رؤيتها وتمضيه اواخر ايامه معها . فكيف سيكون في وسعها إن تخيب امله الآن ؟
شعرت صوفي بايف تحدق فيها , وقالت لها وهي تهتز بضعف :
- عليك الا تذهبي.
- لكنني لا استطيع .
- تعنين انك لن تذهبي .
- كلا اعني انني لا استطيع . عدا عن أي امر آخر , لدي مهمة قريبا مع جون فيلوز تعرفين من هو جون فيلوز , اليس كذلك؟
كانت صوفي قد سمعت به وأومأت برأسها وتابعت ايف حديثها :
- حسنا , عرضت علينا انا وجون فرصة الذهاب الى الشرق الأوسط الصحيفة تريد منا تحضير سلسلة مقالات عن رجال الدولة في الشرق الأوسط , واذا نجحت المهمة فمن يعلم الى اين قد تؤدي ؟
اشارت صوفي بيدها معترضة وقالت :
- رويدك لحظة. رويدك . فأنا لا شأن لي بالأمر . تبدو رحلتك عظيمة , اعني رحلة الشرق الأوسط , ولكن فيما يختص بجدك...
- يا عزيزتي , هل ستحرمينني فرصة العمل مع جون ؟ هذا ما كنت اخطط له منذ اعوام.
- ايف . لا علاقة لي بالأمر ! لا يمكنك فعل الأمرين معا , عليك إن تختاري.
ساد الصمت فترة طويلة ثم قالت ايف بتمهل :
- وانا اعتقدت انك صديقتي!
- انا صديقتك.
- الأصدقاء يتعاونون . كما ساعدتك انا عندما اردت ترك عملك في الطباعة والأنضمام الى الشركة المسرحية.
- ولكن الأمر يختلف تماما .
- كيف ذلك؟ من دون مساعدتي لكنت الى الآن تضربين على الآله الكاتبه في اغلب الظن. إن شق طريقك بمفردك في عالم المسرح ليس بالأمر السهل.
- اعلم ذلك , ولكن..
- ولكن ماذا؟ كنت ستتمكنين من ذلك في أي حال ؟
- لم اقل ذلك.
شعرت صوفي بالصدمة:
- ايف , هل تدركين ما تطلبين مني القيام به ؟
- نعم. اني اطلب منك قضاء بضعة اسابيع في مزرعة في جزر الهند الغربية متظاهرة بأنك انا . وبهذا تساعدين رجلا عجوزا على الموت بسعادة.
- تجعلين الأمر يبدو شديد السهولة !
- انه سهل . اين المشكلة ؟ لم يقابلوني قط . لا يعلمون عني أي شئ سوى ما اخترت إن اكتبه في رسائلي . تقولين انك ترغبين في إن تصبحي ممثلة . حسنا هذه فرصتك لتبرهني مقدرتك . بعدها هناك المدرسة الصيفية في روما بانتظارك.
مررت صوفي اصابعها في شعرها الكثيف المنسدل على كتفيها . وقالت :
- انك تعقدين الأمور يا ايف!
انتهزت ايف الفرصة واقتربت من صوفي واخذت يديها وقالت :
-يا عزيزتي , انا لا اريد ابتزازك , ولكن الا تستطيعين إن تري انه بامكانك القيام بالأمر! الا تريدين إن تكوني مسؤولة عن ادخال بعض السعادة الى حياة براندت سانت فينسيتي ؟
رف جفنا صوفي وقالت بدهشة :
- براندت سانت فينسيتي ؟ هل هذا اسم جدك ؟
اومأت ايف بالأيجاب . عادت تسأل :
- هل لديك ....جدة.
هزت ايف رأسها نفيا :
- كلا , ماتت قبل نحو عشر سنين .
- وهذا الرجل المسن....هل يعيش بمفرده؟
- كلا , هناك ابنه ......خالي المدعو آدج .
قالت صوفي محاولة الا تظهر اهتماما:
- آدج ؟ وهل يعيش مع جدك؟
- نعم.
- وهو غير متزوج؟
- انه ارمل . اتصور انه مدير اعمال جدي . لابد انه في منتصف العمر الآن.
- هل ......هل هما العائلة كلها؟
- كلا. هناك عمة امي روزاليندا وينادونها روزا على ما اعتقد . هكذا اشار جدي الى اسمها في رسائله.
سحبت صوفي يدها من يد ايف وازاحت الشعر عن وجهها .
- اهذا كل شئ ؟
- حسبما اعتقد . في أي حال, ليس من المتوقع إن تعلمي اكثر مما ذكر في الرسائل 0 في امكانك قراءتها اذا احببت . وعندها ستعلمين بكل التفاصيل مباشرة.
- كلا . شكرا.
قالت صوفي ذلك وشعرت بشئ من النفور من الفكرة , فقد كتب جد ايف تلك الرسائل بصدق . ولم يكن يتوقع إن تعرض رسائله على اصدقائها.
نظرت ايف اليها بنفاد صبر وسألتها:
- حسنا ؟ هل ستذهبين؟
هزت صوفي رأسها وقالت:
- لا ادري , حقا لا ادري . اعطني بعض الوقت لأفكر بالأمر.
ولكنها بالطبع كانت قد قبلت ضمنا . كما علمت ايف منذ البداية.
حاولت صوفي إن تقنع نفسها بأن دوافعها كانت في الأساس تجنيب براندت سانت فينسيتي , الأصابة بخيبة امل . لكنها في داخلها احتقرت نفسها لأن ذهابها المقترح الى مدرسة الممثلين الصيفية هو الذي ساعد في تقبلها فكرة الذهاب.
والآن هاهي في غرفة الفندق في بورت اوف سباين . تنتظر بنفاد صبر مجئ جد ايف ليلتقي حفيدته المفقوده. كانت ايف قد اقترحت عليها الأنتظار الى حين وصولها الى بورت اوف سباين ثم الأتصال بعائلة سانت فينسيتي . فبهذه الطريقة تتجنب تعرضها الى أي ارتباك في معاملات الدخول الرسمية . واندهشت صوفي من قدرة ايف على الأنحراف اذا تطلب الأمر منها ذلك . واخذت تتساءل عن مدى معرفتها لها بعد كل هذه الأعوام.
وقفت قرب النافذة تنظر الى الشارع المزدحم . كانت ايف قد الحت عليها إن تقيم في فندق فخم يقع في وسط المدينة باهظ الكلفة جدا.
وتساءلت صوفي اذا كان في امكانها الأستمرار في الأقامة فيه اكثر مما توقعت من دون إن يأتي ذلك على كل ما لديها من نقود. واخافها الأزدحام البشري الذي رأته من النافذة بعض الشئ . وهي لم تكن سافرت كثيرا من قبل , وشعورها الآن بأنها لم تكن تعرف أي شخص بين هؤلا الناس المتنوعي الجنسيات والأعراق كان شعورا مخيفا.
رأت نساء هنديات يلبسن الساري , ورجالا اميركيين يلبسون قمصانا ترمز الى جزر هاواي وقبعات من القش ورجالا يعتمرون العمامات والطرابيش , وفتيات صينيات جميلات ذوات بشرة زيتونية اللون يلبسن ثيابا رائعة التصاميم , ونساء افريقيات يحملن رزما هائلة على رؤوسهن برشاقة طبيعية .
وصدحت ابواق السيارات ودوت اجراس الدراجات الهوائية , اما الذين كانوا جسورين الى درجة كافية لركوب الباصات الزاهية الألوان , فتعلقوا بالأبواب يقفزون من الباص واليه حيثما احبوا .عكس المنظر اثارة ومتعة كانتا غريبتين عن صوفي تماما . وفجأة رن جرس الهاتف عاليا قرب السرير , كادت صوفي إن تقفز من الهلع . واستدارت تنظر اليه وشعرت بخوف حقيقي يجتاحها . فعائلة سانت فينسيتي كانت الوحيدة في هذا المكان التي عرفت انها موجودة في بورت اوف سباين ولابد إن هذه المكان لها علاقة بها . فجأة شعرت بأنها لا تستطيع الأستمرار وسمعت الهاتف يرن ويرن في موجات خوف غير معقولة اجتاحتها.
توقف الرنين واعادها الصمت الذي تلاه الى رشدها . وانهارت يداها الى جانبيها , واخذت تتنفس بعمق محاولة تهدئة اعصابها المضطربة . كان عليها الأجابة على المكالمة , قالت لنفسها بحزم . ماذا لو إن عاملة الهاتف فكرت في إن تنظر الى اسم من يشغل الغرفة ذات الرقم 75 ؟ ماذا لو اكتشفت انها ليست الآنسه هوليستر بل الآنسة سلاتر ؟ اضطرب قلب صوفي وعبرت الغرفة بسرعة وجلست على حافة السرير ورمقت سماعة الهاتف .
كانت هذه فكرة منحرفة اخري من افكار ايف : إن تقيم في فندق كبير لا يتذكر العاملون فيه اسماء جميع النزلاء , ومن ثم تضع رقم الغرفة فقط في رسالتها الى سانت فينسيتي , وبالطبع كان عليها إن تحجز غرفة بأسمها الحقيقي , لأنهم طلبوا جواز سفرها للتحقق من شخصيتها. ولكن ماذا يمكن إن يحدث الآن اذا كانت عاملة الهاتف تبحث في سجلات الفندق وتبلغ الشخص الذي يحاول الأتصال بها انه لا يوجد احد بأسم هوليستر في الفندق؟
عندما اجابت عاملة الهاتف . قالت صوفي :
- هل كنت تحاولين الأتصال بي ؟ اخشى انني كنت في الحمام .
- الآنسه هوليستر؟
سألت عاملة الهاتف بتهذيب :
- نعم.
وعقدت صوفي اصابعها .
- هناك خط في الحمام يا آنسه هوليستر .
اخبرتها عاملة الهاتف بنعومة . ثم تابعت :
- حاولنا معرفة مكانك . هناك رجل في الردهة ينتظر إن يراك , السيد سانت فينسيتي .
سانت فينسيتي ! كاد ذكر الأسم إن يحطم كل ثقتها الجديدة بنفسها . انه الآن في الردهة . لم تتوقع منه المجئ قبل إن يتصل بها اولا.
واستطاعت إن تحافظ على نبرة هادئة في صوتها , وقالت :
- عرفت سوف احضر . اعطيني خمس دقائق.
- حسنا جدا يا آنسة هوليستر . سأبلغ السيد سانت فينسيتي انك ستحضرين فورا.
- شكرا لك.
اعادت صوفي السماعة ونظرت الى فستانها القطني البسيط الذي كانت ترتديه . هل كانت ايف سترتدي هذا النوع من الملابس في لقائها الأول لجدها؟ ام هل كان عليها ارتداء ملابس اكثر وقارا ؟ هزت كتفيها . ايف لم ترد لها إن تتصرف بصورة تختلف عن الصورة العادية . وبدا الفستان الأزرق الفاتح ناعما جدا وجذابا يتماشى وبشرتها الباهتة ..
تنهدت عميقا ونهضت الى المرآة تنظر الى وجهها . بدا خداها شاحبين وعيناها الرماديتين كانتا تلومانها على ما كانت توشك القيام به . ولكن الوقت دهمها الآن ولن تستطيع التراجع . هي الآن وعليها القيام بعمل تعهدته.
عندما دخلت مصعدا شغله فتى محلي داكن البشرة , ابتسم لها وعلق بمرح على الطقس وهما يهبطان الطوابق السته التى تفصلهما عن الطابق الأرضي .
كانت ترتجف وهي تسير نحو الردهة , ولكن كان عليها الأستمرار.
عبرت قرب طاولة الأستقبال وهي تتفحص الرجال الذين يقفون وحيدين او جماعات , لكن احدا منهم لم يبد مسنا الى درجة توحي بأنه جد ايف.
موظف الأستقبال شاب نحيل هندي الأصل ابتسم مرحبا عندما اقتربت منه .
- انا .....انا الآنسه هوليستر .
قالت بصوت اقرب الى الهمس :
- فهمت إن احدا ما ينتظرني .
- آه اجل يا انسه هوليستر . إن السيد سانت فينسيتي ينتظرك في ردهة كينغستون.
- كينغستون؟ أين , اين هي ؟
- عبر ذاك الممر يا آنسه , تجدين اشارة الى يمينك.
- آه شكرا لك.
سارت نحو الممر الذي اشار اليه الشاب الهندي , ونظرت حولها . رأت اشارات مضيئة عدة ترشد الضيوف الى انحاء الفندق المختلفة , وكان من السهل عليها رؤية الأشارة , ولكن هل كان من السهل إن تتعرف الى جد ايف ؟ كل شئ في الفندق عكس فخامة لم تكن خبرتها قبلا . ولم تكن ردهة كينغستون مختلفة عن بقية الفندق . حتى في هذه الساعة المبكرة رأت زبائن يجلسون الى طاولات محاطة بأحواض من العرائش النضرة والمزهرة . كانت قناديل سفن قديمة تضئ المكان بنورها الخافت وتلقي بظلها على زوايا معينة محدثة جوا حميما .
نظرت صوفي ثانية الى فستانها القطني البسيط . وفكرت بأمزعاج في انه كان يجدر بها ابداله . في أي حال , نظرت حولها بعينين ضائعتين .اين هو جد ايف ؟ حتما كان عليه إن ينتظر قرب باب الردهة ويراقب وصولها. لكنها لم ترا احد قرب المدخل , لم يكن احد بمفرده سوى رجل اسمر يشرب كوبا من الشاي.
ما كادت عيناها تتوقفان عند الرجل حتى ادار رأسه ونظر ناحيتها وشعرت برعشة خوف تغمرها من جاذبيته الشديدة التي لم تر لها مثيلا في حياتها. مع انها رأت شيئا قاسيا في خط فمه الرقيق , كانت عيناه بلون عسلي غريب , اجالتا النظر في صوفي بتمعن وقح.
حولت نظرها بعيدا عنه بسرعة . لم تكن معتادة إن ينظر اليها احد على ذلك النحو ولم تطمئن الى ذلك . اين هو براندت سانت فينسيتي اذن ؟ لماذا لا يتقدم ويعرف بنفسه ؟ حتما لو كان هنا لأستطاع إن يرى بوضوح انها كانت تبحث عن شخص ما.
نهض الرجل عن كرسيه واحتسى جرعة من كأسه , واسر بشئ الى الساقي ثم سار نحوها . تسارع نبض صوفي بأضطراب وكادت تستدير بعيدا. ياللسماء . فكرت بوجل ...انه يعتقد اني ابحث عن رجل!
- ايف!
ناداها صوت الرجل الجذاب وقد دنا منها , شهقت واستدارت ثانية0 كان الرجل واقفا قبالتها بارتخاء اصبح اكثر اثارة عندما اقترب منها وبالكاد استطاعت صوفي إن تصوغ ما ارادت قوله..
- انا ....انا اعتقد بأنك مخطئ.
بدأت تقول له عندما قاطعها:
- انت ايف هوليستر, اليس كذلك؟
سألها ورفع حاجبيه بتهكم . حدقت صوفي فيه .
- في الواقع...اجل . انا هوليستر . ولكن ...ولكن من انت ؟
اعتدل في وقفتها واجاب :
- اسمي آدج سانت فينسيتي . لابد إن يكون ابي قد ذكرني في رسائله.
- آدج...انت كنت...اعني...انت شقيق امي؟
- اعتقد إن لي هذا الشرف.
وشعرت بأنه كان يستمتع بأرتباكها .
- اذن هل انت ..السيد سانت فينسيتي الذي ينتظرني ؟
بالكاد استطاعت ايف استيعاب الأمر . هذا الرجل هو آدج سانت فينسيتي شقيق والدة ايف . الرجل الذي وصفته ايف بأنه ارمل في منتصف العمر!
هزت رأسها . لم يكن آدج سانت فينسيتي في منتصف العمر واستبعدت إن يكون الشخص الماثل امامها قد تجاوز الخامسة والثلاثين وشعرت إن الخبرة التي عكستها عيناه العسليتان الغريبتان لم تصنعها زوجته!


2- ثلاثة رجال وصبيّة


- هذا صحيح.
قال لها آدج سانت فينسيتي وأضاف :
- من كنت تتوقعين؟
جمعت صوفي انفاسها :
- انا ... انا ظننت ....جدي..
- آه فهمت . آسف لأنني خيبت أملك , ولكن والدي نادرا ما يأتي الى بورت اوف سباين . انه لا يحب...
ونظر حوله يتمعن وهز كتفيه متابعا :
- جو المكان .
وضغطت صوفي يديها وقلت :
- فهمت .
عاد آدج ينظر اليها بأمعان مما جعل خديها يتخضبان :
- أذن انت ايف . لا تشبهين والدتك كثيرا.
حاولت صوفي ان ترد نظرته :
- أعتقد أنني اشبه والدي.
- أعتقد.
أجابها وقد بدا تعبير ه متأملا .
- حسنا ..هل نشرب شيئا؟
ترددت صوفي :
- أنا لا اشرب ......كثيرا.
- ألا تفعلين؟
وعاد الحاجبان الداكنان يرتفعان وأضاف :
- اعتقدت ان كل النساء الصحافيات يستمتعن بالجانب الأجتماعي لعملهن .
- النساء الصحافيات ؟
صدمت صوفي ولم تستطع اخفاء صدمتها .
- نعم.
استدار آدج عائدا لمكانه السابق واضطرت هي الى اللحاق به , ثم تابع حديثه:
- انت صحافية , اليس كذلك؟ أم ان ايف هوليستر أخرى؟
شعرت صوفي بالرعشة فبجملة واحدة حطم آدج سانت فينسيتي كل الصورة التي خلقتها ايف بعناية عن ذاتها . كان عليهما ان يعلما ان عائلة مثل عائلة سانت فينسيتي لن تقبل أي غرباء عنها من دون استقصاء . ولكن الى أي درجة تم ذلك ؟ ومن قام بالمهمة ؟
نظرت نظرة جانبية سريعة اليه . بدا مسترخيا الى درجة كافية . لم يكن ثمة حكم في تعليقه . ولكن كيف تستطيع ان تتأكد ؟ عاودتها مخاوفها القديمة . كان عليها الا ترضخ لأيف , وكان عليها عدم الموافقة على المجئ لأنها لن تفلح بالقيام بما اوكل اليها . أشار آدج عليه بالجلوس على احد المقاعد الطويلة بينما نادى الساقي .
جلست صوفي بأرتباك محاولة بيأس ان تجد جوابا لما قاله.
جلس آدج قربها بسهولة وأسند مرفقيه الى الطاولة . كان أطول منها بكثير . وعندما اقترب الساقي طلب لنفسه بعض الكولا ثم نظر بتساؤل ناحية صوفي وسألها :
- ماذا تشربين؟
مررت صوفي لسانها على شفتيها الجافتين, وقالت:
- ليموناضة.
- ليموناضة!
بدا عليه انه يتسلى :
- حسنا وكوبا من الليموناضة ايضا .
- نعم ياسيد سانت فينسيتي .
وضعت صوفي يديها على الطاولة لتوقف ارتاعشهما .
نظرت بعصبية الى المنطقة المعتمة حولها , وتحركت ببعض الأرتباك على مقعدها . وتساءلت ما اذا كان مدركا لحالتها العصبية . تناول علبة سيكار طويلة ونظر اليها بأمعان :
- اخشى انه لا يمكنني ان اقدم اليك السكائر.
- أنا ...أنا لا ادخن.
-الا تدخنين حقا؟
وضاقت عيناه وهو يضع سيكارا ضخما بين أسنانه.
- أغرب....وأغرب.
اقتنعت صوفي بأنه يلعب معها لعبة القط والفأر . فتحت فمها لتقول أن لا داعي لقول المزيد .ولتعترف بالحقيقة . بأنها ليست ايف هوليستر وتزمع على مغادرة ترينداد على متن اول طائرة مغادرة. ولكن الكلمات لم تخرج بالمرة اذا قاطعها قائلا :
- أعتقد أنه يجب ان تناديني خالي , اليس كذلك ؟
أطبقت صوفي أصابعها في كفها .
- أنا ...أنا اذا احببت.
كان آدج سانت فينسيتي جديا الأن واختفى المكر من عينيه.
- هذا ما يتوقعه ابي .
قال لها بهدوء وأشعل سيكارة بولاعة ذهبية نفخ دخانه وأكمل:
- هذا امر يعود اليك على ما اعتقد!
عاد الساقي وهو يحمل شرابهما . وضع الكأسين أمامهما ثم مسح الطاولة بقطعة قماش مبللة كأنه ينتظر حدوث أمر آخر . أومأ آدج شاكرا ثم قال له:
- ابلغ صهرك أن يتصل بي هاتفيا وسأرى ما بوسعي فعله.
- نعم سيدي وانا شاكرا لك يا سيد سانت فينسيتي .
- لا بأس.
واشار آدج اليه بالأنصراف فابتعد ليخدم زبونا آخر...ثم وجه آدج انتباهه مرة اخرى نحو صوفي .
- والآن .اخبريني .هل كانت رحلتك طيبة ؟
استدارت أصابع صوفي حول كأسها كأنه حبل نجاة وأجابت بسرعة :
- نعم شكرا لك.
كادت ان تكمل قائلة بأنها لم تعتد السفر بالطائرة كثيرا لتعلم الجيد من الردئ في رحلات الطيران, لكنها كانت حذرة مما قد يكتشفه عنها وتابعت:
- وصلت مساء امس.
- نعم .
رد آدج وشرب بعض الشراب. وانتبهت صوفي الى أصابعه الطويلة ويديه..يدان لا تشبهان يدا المزارعين. لكن عائلة سانت فينسيتي لم تكن عائلة مزارعين عاديين أم هل هم كذلك؟ قاطع تأملها بقوله:
- فرح والدي جدا عند تسلمه برقيتك . كان عليك اعلامنا بوقت وصولك وكان في استطاعة أحد ما ان يستقبلك عند المطار.
- أنا ...أنا علمت ان الطائرة ستصل في وقت متأخر جدا...
واختفى صوت صوفي . شربت بعض اليموناضة . واخبرت نفسها ان هذه مجرد بداية وان الأمور ستصبح أصعب مما هي عليه الآن بكثير .
- لا يهم.
قال آدج مقاطعا استرسالها. نفث دخان سيكاره فعبقت رائحة تبغ الهافانا حولهما.
- انت هنا الآن , وهذا ما يهم اليس كذلك؟
- نعم.
- وتمنت صوفي لو انها كانت واثقة كما بدت وسألته:
- كم يبعد...بيتك؟
-بوانتي سانت فينسيتي ؟
سألها وهو يهز كتفيه :
- قرابة ثلاثين ميلا شمالا من هنا على الساحل.
نظرت صوفي الى كأسها وقالت :
- أنا ...زأتطلع الى مقابلة...جدي.
- أتوقع منك ذلك.
كانت عينا آدج تخترقانها بهدؤ يفقد الأعصاب .
- هل انت مستعده للذهاب ؟
- الآن؟
- خلال بضع دقائق .
تذكرت صوفي فاتورة الفندق وهي بأسم صوفي سلاتر . نبض قلبها بصوت عال مزعج. ترى الم يكن في استطاعته ان يسمع نبضات قلبها هو ايضا؟
- أذن أنتظرني هنا سأذهب لأحضر متاعي .
انهى آدج كأسه , وقال وقد ضاقت عيناه :
- حسنا أنا في انتظارك.
أومأت صوفي برأسها وهرولت خارج الردهة نحو مكتب الأستقبال.
كان موظف الأستقبال الهندي قد غادر ورأت مكانه فتاة من جزر الهند الغربية لم تكن رأتها قبلا .اقتربت صوفي منها وفسّرت لها بأنها ستغادر بعد بضع دقائق . كانت الفتاة مهذبة متفهمة . وافقت على تحضير الفاتورة بينما ذهبت هي لتجلب متاعها.
أحست بأن المصعد استغرق دهرا قبل ان يصل الى الطابق السابع , وعلق مفتاحها في القفل ولم يفتح الباب فورا.
وشعرت كأنه تقضي زمنا طويلا جدا لتجمع اغراضها وتعود الى الردهة ثانية , واندهشت عندما علمت ان الأمر لم يستغرق أكثر من ربع ساعة.
تركت حقيبتها مع الخادم وعبرت الردهة الى مكتب الأستقبال. ونظرت حولها بسرعة وتأكدت أن آدج سانت فينسيتي لم يكن في الجوار. عندما ناولتها الموظفة فاتورتها دفعت صوفي المبلغ من دون أن تنظر اليها. ثم قفلت عائدة الى حيث جلس آدج.
كان آدج سانت فينسيتي لا يزال جالسا ولكن هناك امرأة تجلس مكان صوفي . امرأة ذات شعر أحمر تلبس فستانا مخمليا ذا الوان صفراء باهتة .اقتربت صوفي منهما بعصبية . لم يلحظ أي منهما وجودها ولم تعلم تماما اذا كان من اللائق أن تقطع عليهما حديثهما.
كان ظهر المرأة يواجه المدخل خلافا لأدج . وفي اللحظة التي كانت صوفي تزمع فيها على الأبتعاد لمحها فترك فجأة مقعده . ونظر بدهاء الى رفيقته وقال لها:
- هذة ابنة اختي يا ساندرا , ايف هوليستر . ايف تعالي تعرفي على صديقة قديمه.
استدارت المرأة ببطء وصوفي تقترب نحوها , وأسندت مرفقها الى الطاولة . كانت اكبر سنا مما ظنت صوفي في البداية , في الثلاثين من عمرها تقريبا , لكن نضجها زادها جمالا . ملامحها الكلاسيكية شرقية بعض الشئ . نظرت الى آدج من خلال جفون لوزية دلت على عراقه اوروبية, وهمست:
- لم أعلم انك خال يا عزيزي.
- ألم تعلمي؟
قال آدج مبتسما نصف ابتسامة :
- حسنا يتعلم المرء شيئا جديدا كل يوم .
- هل يعلم بيرز أن لدية ابنة عمة؟
- أتصور أنه يعلم مثل أي شخص آخر.
رد آدج بلباقة ,ثم وكأنه ادرك أن صوفي واقفة تستمع الى الحديث ببعض الأرتباك قال:
- ايف , اسمحي لي أن اقدم السيدة ساندرا مارش . انا وزوجها شريكان في شركة صغيرة على ساحل الجزيرة الجنوبي.
- تشرفنا.
صافحت ساندرا مارش بتردد. وشعرت بنفور من المرأة من غير أن تدري سببه. واستبعدت أن يكون سبب ذلك النظرات التملكية التي كانت تلقيها على آدج سانت فينسيتي . فأموره الخاصة لم تكن من شأن صوفي . لكنها احست بأن المرأة التي تعامل شخصا بمثل ذلك الود المثير , يجب
أن يكون من قبل زوجة تجاة زوجها.
-أذن انت ابنة جينيفر !
قالت ساندرا مارش بترفع وأضافت:
- وهل سيذبح براندت العجل المسمن على شرفك؟
- براندت؟
شعرت صوفي بفراغ في أحاسيسها للحظة ثم تابعت قائلة:
- آه تعنين ...جدي.
- أجل . لابد أنه لان مع تقدمه في السن . كان دائما يقسم بأنه لن يسامح أمك ابدا على ما فعلته.
- كفى يا ساندرا.
كانت لهجة آدج جادة, واندهشت صوفي كيف استطاعت كلماته أن تحطم ثقة ساندرا.
- والآن , عليك أن تعذرينا . علينا الذهاب.
وضعت ساندرا أناملها الطويلة على كتفه وناشدته:
- آه ياعزيزي آدج . بالتأكيد يمكنك البقاء في البلدة لتناول العشاء .
- متأسف لا استطيع.
وتحرك آدج بعيدا فهوت يدها الى جانبها.
- لكني لم أرك منذ أمد بعيد!
- أعتذر يا ساندرا.
ضغطت ساندرا على شفتيها ونظرت ببرود نحو صوفي .
- ألست محظوظة أنك ابنة اخته فحسب؟
سألتها بسخرية مكشوفه تقريبا وتابعت :
- انه ثور مع النساء , ألست كذلك ياعزيزي ؟
تجاهلها آدج ونظر متفرسا الى صوفي :
- هل انت جاهزة؟
أومأت صوفي .
- نعم . حقيبتي في الردهة مع احد الخدم.
تحدثت بسرعة وأرادت ان تبتعد , فقد شعرت بذل المرأة الأخرى وكادت تشفق عليها.
- حسنا اسبقيني وسأكون معك بعد لحظة.
سمعت صوفي وهي تسير نحو الباب , توسلات ساندرا التي قاربت البكاء ورفض آدج القاسي , واذا به قربها , يمشي بلا اكتراث نحو الردهة وعندما نظرت اليه بدا غير متأثرا
بما حدث وارتعدت . لو خاطبها أي رجل مثلما خاطب آدج ساندرا مارش لتمنت ان تختفي وتموت . ولكن ساندرا متزوجة . الم يعنها زوجها في شئ؟
حمل الخادم حقائب صوفي الى حيث توقفت سيارة آدج ,ورأته يناوله خمسة دولارات . وتساءلت اذا كان هذا واجبها لكن انشغالها بأمور أخرى انساها الأمر.
كانت الشمس قد غابت وبرودة المساء بدأت تحمل دفئا مخمليا . حتى ازدحام السيارات في الطريق خف بعض الشئ . مع ان تجمع الناس في متاجر الجواهر الصينية والحرائر الهندية ومتاجر الفضيات والمحفورات الخشبية استرعى انتباهها .
كانت سيارة آدج مرسيدس ضخمة بدت فارهة رغم الغبار الذي كساها . فتح باب السيارة ورمى حقيبتها على المقعد الخلفي ثم اشار اليها لتدخل.
أغلق آدج الباب ثم سار حول السيارة ليجلس الى جانبها . وضع يده على سقف السيارة وجلس بحركة واحدة فيها لين وخفة. وضع المفتاح في مكانه .
ثم قال لها قبل أن يدير المحرك.
- لست مضطرة الى ان تتصرفي وكأني وحش . فأنا أؤكد لك بأن ساندرا قادرة تماما على الأعتناء بنفسها.
تخضبت وجنتا صوفي وقالت:
- لا ادري عما تتكلم!
- آه اجل , تعلمين.
وأصلح من وضع ثيابه وتابع:
-لدي بعض المعرفة عن بنات جنسك وانا مدرك تماما انك تشعرين ببعض العطف تجاهها .
- لا شأن لي بالأمر.
- أنا اوافقك . ولكن وفري عطفك لشخص يستحقه.
ثم ادار المحرك وقاد السيارة بمهارة الى الشارع العام .
أخذت صوفي تسمع صوت موسيقى متناغمة من مكان قريب , وجعلها الصوت النابض تشعر بفورة ترقب فجائية غير أراديه تمتد عبر جسمها .
كان صوت قرع الطبول بدائيا واخترق وعيها برعشة ,محدثا رغبة في التمايل مع الموسيقى . كانت معتاده على الموسيقى الحديثة في الوطن , لكن هذا كان مختلفا . نظرت الى آدج سانت فينسيتي ولكنه بدا غير متأثرا بالأصوات التي سمعاها بوضوح ولا تمثل حدثا بالنسبة اليه . ولكنها كانت جديدة ومثيرة بالنسبة الى صوفي ونسيت لفترة انها دخيلة وتنهدت باستمتاع , تنبه آدج الى صوتها , وسألها:
- هل انت متعبة؟
هزت صوفي رأسها وقالت:
- كلا ,اليست الموسيقى رائعة؟
زم آدج شفتيه قليلا .
- اتساءل اذا كنت ستقولين الشئ نفسه بعد بضعة أسابيع.
- لماذا؟
-ثلاثة اسابيع ويحل عيد الكرنفال ستسمعين هذه الموسيقى الى درجة تتمنين معها لو انهم لم يخترعوها.
علق آدج ثم أضاف:
- افهم انك تحبين هذا النوع من الموسيقى.
- أحب الموسيقى على انواعها .
-أجابته صوفي وسألته ثانية:
- وأنت؟
هز آدج كتفيه وأجاب:
- لا شك في انك ستتفقين مع ابني أكثر في هذا المجال.
قال لها بشئ من التهكم. وجمدت صوفي . ابنه ! لم تذكر ايف ابن آدج !ثم تذكرت , عرضيا , شيئا قالته ساندرا مارش ولم يترك أثرا عليها حينها. كانت سألت اذا كان بيرز يعلم ان لديه ابنة عمة . آه طبعا . كان عليها ان تفهم . اذا كان ابن خال ايف فهو حتما ابن آدج.
بلعت ريقها بصعوبة وقالت :
- بيرز؟
نظر آدج ناحيتها برهة وقال:
- نعم . كم عمرك ؟
- انا...انا في الخامسة والعشرين.
شعرت بالعرق يتصبب على جبينها . كادت تقول اثنتين وعشرين.
وردد آدج وهو يهز رأسه:
- في الخامسة والعشرين! تبدين أصغر سنا من ذلك.
- شكرا على الأطراء .
حاولت ان تبدو خفيفة لكنها فشلت.
- كم ...كم عمر بيرز؟
- الم يخبرك والدي ؟
-ربما ...ربما فعل ولكن...لكني نسيت.
- انه في السابعة عشرة.
احنت صوفي رأسها ! أصغر منها بخمس سنوات فقط . اذن ماهو سن خال ايف هذا ؟ ولماذا تهتم لهذا في أي حال ؟
انحرف آدج بالسيارة وابتعد عن اضواء الشوارع الرئيسية متجها نحو ضاحية معتمة, وبدت أشجار التخيل الخلابة وضوء السيارة ينعكس عليها . كانا يتسلقان تلالا خارج البلدة والتفتت صوفي فرأت دنيا خلابة الأضواء ممتدة دونهما . وشعرت بوخزة خوف مزعجة . ففي المدينة كانت تشعر أنها لا تزال تتحكم بمصيرها بطريقة ما. اذا كانت قادرة على الهرب الى انكلترا والتخلي عن مهمتها اذا اتضح لها انها مستعصية . لكنها الآن أصبحت هنا مرتبطة بالدور الذي وافقت على القيام به , وعلمت غريزيا بأن آدج سانت فينسيتي لن يخفي أي شكوك تراوده في ما يختص بها. لم يكن من نوع الرجال الذين يمكن ان تلهو معهم , واذا ما اكتشف أنها كانت تخدعهم...
كان النسيم البارد الذي اندفع عبر نافذة السيارة المفتوحة مفعما بملوحة البحر. واستنتجت صوفي انهما قريبان من البحر ولكنها لم تستطع ان تميز شيئا عدا لمعان ضوء القمر الباهت . ورغم صعوبات وضعها شعرت برغبة في رؤية الساحل في النهار . كان كل ما رأته في الجزيرة تقريبا مليئا بالحياة واللون والحيوية , واقتنعت بأن الشواطئ المرجانية والموج الأخضر لن تكون أقل أثارة . فقط لو امكنها التفكير في تلك الأشياء وعدم القلق...
طال الصمت بينهما وشعرت صوفي بوجوب القيام بجهد لتكسره , محاولة ان تظهر عادية , فقالت له:
- أخبرني عن بوانتي سانت فينسيتي . هل ...هل هو اسم منزل والدك؟
وانتبهت متأخرة الى انه كان عليها ان تقول منزل جدي , لكنها لم تستطع تغيير ما قالته . لكن بدا أن آدج لم يلاحظ هفوتها واجابها :
- كلا , بوانتي سانت فينسيتي هو اسم المنطقة حيث يوجد المنزل . اما المنزل فلا اسم له , عدا انه معروف محليا كمنزل عائلة فينسيتي .
- يبدو ذلك رائعا !
- هكذا؟
وزم آدج شفتيه:
- ظننت انه لن يروق لك.
- لماذا؟
- حتما السبب واضح , علمت بوجودنا منذ عشرين عاما لكنك لم تقومي بأي جهد للأتصال بنا.
توردت وجنتا صوفي وأجابت بتلعثم :
- انا ...أنا فهمت أن...أن جدي رفض التعامل مع والدي .
-هكذا . لكنه كان سيرحب بكلمة منك . فأنت حفيدته في أي حال.
الوجه البرئ في القضية.
تململت صوفي بأرتباك .
- أنا ...نحن لم نتحدث في الأمر مطلقا.
- الم تفعلا؟
احكم آدج يديه على مقود السيارة عند منعطف حاد.
- ارى الأمر صعب التصديق .
- أنت لا تفهم ما حدث.
تحمست صوفي وهي تتكلم . فهي سمعت رواية ايف للقصة وكان في امكانها ان تتفهم معضلتها.
- والدي لم يتقبل موت والدتي ابدا. فقد أحبها كثيرا جدا. ولم يستطع أن ينسى انني كنت السبب المباشر في وفاتها . أنا .....انا لا اقول انه لامني ,لكنني كنت اذكره بها دائما , حسنا , الا تستطيع ان تفهم ؟ لم يكن في استطاعتي الأتصال بجدي في تلك الظروف. فألأمر كان سيبدو نوعا من التخلي .
فكر آدج في الأمر وقال:
- استطيع ان افهم ما تحاولين قوله , لكنني لا اقول انني اوافق عليه.
- في الواقع ان....ان جدي لم يكن متفرجا بريئا في هذه القضية , ام هو كذلك؟ اعني انه كان مسؤولا عن هذا الأنفصال في البداية.
- ربما كذلك . اذكر انه كان ممزق الفكر , جنيفر كانت دائما بؤبؤ عينه وكانت صدمة عظيمة له عندما اختارت ان تتجاهل كل شئ فعله لأجلها أو ما قد يفعله....من اجل مهندس مفلس!
-هو...أعني والدي لم يكن مفلسا.
- بالنسبة الى ثراء والدي كان كذلك.
- اعتقد انه اراد لها ان تتزوج لمصلحة؟
- اذا قصدت بكلمة مصلحة , شخصا مناسبا أكثر , اجل . كلمة مصلحة لها معان اخرى.
- وهي ايضا تعني زواجا يعتمد الواقع اكثر من اعتماده المبدأ.
- كان في امكان هوارد فليمنغ ان يسعدها.
- كيف يمكنك ان تقول ذلك؟
انزعجت صوفي من برودة نبرته.
- الواضح انها لم تحب هوارد فليمنغ هذا , والا لما هربت مع جيمس هوليستر!
ضاقت عينا آدج فتأملت صوفي رموشه السوداء الطويلة وهو ينظر اليها .
جيمس هوليستر؟
ردد بعدها وأضاف:
- هذه طريقة غريبة للتحدث عن والدك.
علمت صوفي أن عليها تمويه الأمر فقالت متحدية :
- لماذا ؟ اسم والدي كان جيمس هوليستر , اليس كذلك!
حوّل آدج انتباهه الى المنعطفات الخطرة في الطريق .
- اذا اصريت على ذلك.
علق بهدؤ وتساءلت صوفي ببعض اليأس هل يخيل اليها أنها تسمع نبرة عدم التصديق في صوته. بالتأكيد كان يصدق أنها من ادعت شخصها , والا لما أتى بها الى هذا المكان ؟
ثم سألت لتغير الموضوع تماما :
كم تبعد بوانتي سانت فينسيتي بعد؟
نظر آدج الى ساعته الذهبية واجاب :
- ربع ساعة اخرى.
وارتخت صوفي أكثر في مقعدها . قريبا سيصلان وكان عليها تحضير نفسها للأمر الواقع الذي ستعيشه مضطرة.
عند وصولهما الى الطريق المؤدية الى المنزل كان القمر قد أطل .
واستطاعت صوفي أن ترى في نوره الخافت المنحدرات المشجرة التي تؤدي الى مرفأ طبيعي تحت المنزل حيث تلعب ظلال البيوت العائمة على صفحة الماء . لكن المنزل ذاته هو الذي عقد لسانها فقد أضفت الحدائق المضاءة لونا غريبا على واجهته البيضاء. كان منزلا من طابقين وبدا ملتحما مع التلة نفسها وأحاطت زهور مختلفة الألوان بالدرج المؤدي الى موقف السيارات وامتدت أقسام البيت المختلفة بارتياح في الأتجاهات دونما أي اعتبار للتصميم او التوازن . لكنه مع ذلك بدا أحد أجمل المنازل التي رأتها .أوقف آدج المرسيدس في الفناء المعبد بجانب البيت , وسمعت صوفي وهي تفتح بابها وتخرج من السيارة صوت أمواج المحيط تتلاطم على الصخور دونها. وظنت أنه من السهل جدا على المرء أن يزهو بنفسه في مثل هذا المحيط لكن آدج سانت فينسيتي بدا غير آبه للأمر.
خرج من السيارة , وفيما كان يجلب حقيبتها من المقعد الخلفي هرع شخص ما نحوهما . وعندما قرب الوافد الجديد , رأت صوفي أنه خادم أسود البشرة يرتدي سروالا أسود وسترة بيضاء أنيقة , وابتسم لأدج ابتسامة سهلة مألوفة.
- والدك قلق عليك يا سيد آدج.
قال له وهو يأخذ الحقيبة من يد سيده بخفة. ثم نظر ناحية صوفي .
- هل هذه ابنة الأنسة جنيفر؟
زمت شفتا آدج:
- هذا صحيح يا جوزف . هذه هي الأنسة ايف هوليستر.
اومأ جوزف بحرارة ناحية ايف:
- ان السيد براندت سيكون سعيدا جدا برؤيتك يا آنسة ايف. لم تأت أية صبية الى منزل سانت فينسيتي منذ فترة طويلة.
نظرت صوفي الى آدج الذي وقف الى جانبها بعدم اكتراث وعقد أصابعه الى حزام سرواله وهو ينظر الى جوزف بأستكانه كسولة. وفكرت أن رشاقته ظاهرة في كل ما فعله. فه يتحرك بسهولة. او بكسل , لكنها تستطيع أن تشعر بالقوة الخفية التي تكمن فيه , القوة الحسية . كانت هذه هي الصفة التي ازعجتها فيه , كانت تشعر بوجوده وأزعجها ذلك الى درجة ما.
انتبه جوزف الى أنه كان يؤخرهما وتراجع كي يسمح لآدج بأن يأخذ صوفي عبر الدرجات الى المنزل. استطاعت ان تسمع صرير الصرصار المستمر فوق سطح البحر , وكان عليها كبت شعور الأثارة الشديدة الذي كان يعتمل في داخلها ويضغط على صدرها.
وقفت على مدخل المنزل عندما وصلا نهاية الدرج , اصطدم آدج بها وللحظة أمسكت ذراعه واعتذر منها.
- كانت غلطتي انا .
قالت صوفي بعصبية غير مبررة اذ أنها شعرت بقربه منها.
قادها آدج عبر باب مشبك الى قاعة باردة . وبدت القاعة كأنها تمتد من اول المنزل الى آخره وتتفرع منها ممرات عدة. وسلم لولبي يؤدي الى الطابق العلوي . ورأت اناء مليء بالأزهار الرائعة على قاعدة طويلة برزت الازهار منها على نحو غريب. وأنار القاعة مصباح ذو قاعده نحاس له اطار مزدان برسوم صينية.
نظرت صوفي حولها ببعض الأندهاش . كان هناك الكثير من اللون والجمال لتنظر اليه , ولكن آدج حثها على السير وأخذها عبر القاعة وصعد بها بضع درجات ووقف أمام باب ازرق اللون.
- هذه مكتبة والدي .
قال لها مفسرا ثم فتح الباب.
دخلت الى غرفة مؤثثة بطريقة توحي الراحة . أرضها مفروشة بسجاد من جلود الحيوانات وهيمنت طاولة على المنطقة الرئيسية منها.
وجدرانها مليئة بكتب جلدية مرصوفة وخزائن فيها ملفات وأريكة , وطاولة صغيرة عليها آلة طابعة وسلتان للأوراق . كان واضحا أن براندت سانت فينسيتي يدير شؤون المزرعة من هنا. ثم نهض رجل من خلف الطاولة يحييها: واختفت الغرفة عندما ركزت انتباهها على الرجل .
لم يكن براندت سانت فينسيتي يشبه ما تصورته أبدا . فبعد ما توسلت ايف ذهابها الى ترينداد من أجل التخفيف عن رجل عجوز كانت صوفي تتوقع ان تجد رجلا في السبعين من عمره ’ ضعيفا ومعتلا , يعيش كل يوم من دون أن يعرف حقيقة , ما اذا كان سيعيش اليوم التالي.
كان الرجل الماثل امامها مختلفا تماما . ومثل ابنه , بدا أصغر من عمره بسنوات , وقدرت انه في اوائل الستينات . اضافة الى ذلك كان رجلا في أوج نشاطه , طويلا ومليئا بالحيوية وأضخم من ابنه لكنه يشبهه جدا. شعر كثيف بدا بغزوه الشيب وملامح قوية مليحة.
نهض يرحب بها وتقدم منها فاردا ذراعيه . وضعت يديها في يديه بصورة آلية غير قادرة على نكران الترحيب الذي ابداه نحوها وهتف وهو يهز رأسه:
- اذن انت ابنة جينيفر , اكاد لا اصدق!
- لماذا؟
سألته همسا لكنها لم تستطع التفكير بأي شئ آخر تقوله .
ضغط براندت على يديها وقال بأنفعال :
- لقد انقضى زمن طويل. ثم استعاد اتزانه وتابع:
- أفترض أنك لا تعرفين الكثير عن والدتك.
- لا اعرف الكثير عنها.
أعترفت صوفي بعصبية .
- أنها...نادرا ما تحدث عنها والدي .كان...كان الأمر يؤلمه.
تبدلت ملامح براندت عند ذكر جيمس هوليستر . ضغط على شفتيه واختفى الدفء من عينيه البنيتين . وقال:
- أعتقد انه من الأفضل ان ننسي الماضي وننظر الى الحاضر . الا توافقين؟ أعني من الواضح ان التحدث في بعض الأشياء سوف يكون مؤلما لكلينا . ولا فائده من استذكار الأحزان الماضية . وصدقيني كلانا تألم بما فيه الكفاية . لذا أقترح ان نبدأ من جديد . أن ننصرف الى بعضنا من دون التأثيرات المشوهة التي خلقها أناس آخرون منذ مدة بعيدة.
اومأت صوفي موافقة ببطء وهمست:
- أنا ....أنا مستعدة.
ثم نظرت الى يديها في يديه .
- حسنا , حسنا.
ورق تعبير براندت ثانية .
- لا يمكنك أن تعلمي كم أسعدتني . لقد انتظرت مجيئك الى هنا ومقابلتك بنفاذ صبر . نحن عائلتك الآن وهذا هو مكانك آه انا أعلم ان لديك عملك , لكن بالتأكيد يجب ان تأتي العائلة في المقام الأول قبل أي شئ آخر!
حدقت فيه صوفي . لم تعلم تماما كيف تجيبه. وهتف قائلا:
- استريحي !لا تضطربي . سيكون وجود امرأة شابة في البيت مرة أخرى رائعا.
نظرت صوفي وراءها . كان آدج يقف بصمت قرب الباب يراقبهما وابتسامة كسولة على شفتيه بينما كانا يتحدثان . ثم اقترب منهما وقال:
- جوزف قال الشئ نفسه . لو علمت انكما متشوقان لوجود امرأة...
اختفى صوته عرضيا ونظر براندت بنفاد صبر الى ابنه وقال:
- لا تكن متهكما يا آدج . اذا كنت استقبلت ابنة اختك على هذا النحو فأنا لا استغرب ان تكون مضطربة!
نظر آدج الى صوفي وقال:
- حسنا , ربما لسنا ما توقعت هي ايضا.
صاح براندت :
- ماذا تقصد ؟
هز آدج كتفيه:
- آه لا شئ.
ثم حول نظره بعيدا عن صوفي وأخرج علبة سيكار من جيبه.
- أظن اني سأذهب وأبدل ثيابي للعشاء . أشعر ببعض التعب.
وبرقت عيناه ناحية صوفي ثانية ثم تابع :
- وربما ترغب ابنة اختي في أخذ حمام وابدال ملابسها ايضا .
أفلت براندت يدي صوفي معتذرا واتجه نحو المدفأة وهتف:
- طبعا , طبعا . فأثارة مقابلتك انستني أصول الضيافة , طبعا لا بد أنك متعبة سوف تريك فيوليت غرفتك ثم نتعشى بعدها. ونظر الى ساعته , بعد نصف ساعة؟ أتعتقدين ذلك وقتا كافيا لتكوني جاهزة ؟
- طبعا .
وشبكت صوفي يديها وأردفت:
- أنا..أنا اريد ان اقول بأنني سعيده جدا لكوني هنا .
سار آدج والسيكار في فمه ناحية الباب :
- آه أجدت القول.
قال بمكر وشدّت صوفي قبضتها:
- تجاهلي خالك .
نصحها براندت ونظر الى ابنه موبخا:
- ان سلوك آدج متهكم.
فتح آدج الباب وأسند نفسه اليه لبرهة ثم علق بكسل :
- انت دائما تقول بأننا متشابهان في كثير من الأمور يا براندت .
ثم اغلق الباب خلفه.
بدت الغرفة خاوية بعد ذهابه ونظرت صوفي بارتباك الى جد ايف.وهمست:
- لديك منزل جميل . انا متشوقة الى رؤيته في النهار.
- آه فعلا.
بدا براندت مسترخيا ثانية واقترب منها وهو يبتسم:
- انا متأكد بأنك ستكونين سعيدة هنا يا ايف . فأنا أنوي ان اجعل اقامتك ممتعة الى درجة لن ترغبي معها في مفارقتنا ثانية . لدينا الكثير هنا ليستأثر بأهتمامك . السباحة والأبحار والغطس. اذا كنت مغامرة بما فيه الكفاية فآدج وبيرز يعلمانك . انهما يقضيان ساعات طويلة على متن المركب . طبعا , الجزيرة نفسها جنة حقيقية لمحبي الطبيعة . لدينا فصائل متنوعة كثيرة من الطيور يجب ان نأخذك الى غابة العصافير في كاروني وتنهد مضيفا , اترين يا عزيزتي , منذ الآن أنظر الى الأسابيع المقبلة بأكتفاء عظيم.
انقذ قرع الباب صوفي من الأجابة عن هذه الخطبة الصغيرة , وسأل براندت من الطارق فدخلت خادمة سوداء وابتسم لها .
-آه فيوليت.
خاطبها ووضع ذراعه حول صوفي.
-يا عزيزتي ايف , اسمحي لي ان اقدم لك كنزنا فيوليت.
فضحكت المرأة السوداء وتابع قائلا :
- انها تدخل الراحة في كل حياتنا من دون ان نقدّر
لها ذلك حقا, اليس كذلك يا فيوليت؟
- اذا قلت ذلك يا سيد براندت.
وتحولت عينا فيوليت الداكنتان صوب الفتاة :
- كيف حالك يا آنسه ايف ؟ انني مسرورة للقائك.
- مرحبا فيوليت.
قالت صوفي مبتسمة .
- هل لك أن تأخذي ايف الى غرفتها؟
قال براندت ودفع صوفي برفق الى الأمام وأضاف:
- ثم نتناول عشاءنا بعد نصف ساعة .
- نعم يا سيدي براندت.
تراجعت فيوليت الى الممر خلفها.
- هل لك ان تتبعيني يا آنسه ؟
بعد ان ابتسم جد ايف مرة اخرى مشجعا , ذهبت صوفي مع فيوليت عبر الممر الى القاعة.
سارتا باتجاه الدرج وبدأتا تصعدانه عندما دخل شاب عبر الباب المشبك ورآها . كان طويل القامة نحيلا, وأبرز سرواله الضيق وقميصه القطني جسمه النحيل. ونظر بدهشة عندما رآهما وانتقل نظره الى صوفي كما فعل آدج . واستنتجت صوفي ان هذا بيرز لكنه لم يكن أسمر كوالده انما شعره مسترسل وملامحه الكسولة جذابة وأقل عدوانية من ملامح والده.
- أهلا. أهلا.
قال وهو يقترب من أسفل الدرج:
- لابد أنك ايف , هل انا مصيب؟
لاحظت صوفي ان فيوليت وقفت تنتظر منها ان تجيب بيرز , فأومأت قائلة:
- نعم. انا ايف. وانت بيرز بالطبع.
- أحظى بهذا الأمتياز المشكوك فيه.
أجابها بيرز ضاحكا وأكمل:
- الن تهبطي لتسلمي على ابن خالك المفقود؟
انحنت فيوليت على السور وقالت:
- السيد براندت قال ان العشاء سيكون بعد نصف ساعة يا سيد بيرز والأنسة ايف تحتاج الى ذلك الوقت لتغتسل وتحضر نفسها.
كشر بيرز وقال بأستهزاء :
- عشاء عائلي , هل قابلت عائلتنا يا ايف ؟
ترددت صوفي قبل ان تجيب :
- الجميع باستثناء عمة امي روزاليندا على ما اعتقد..
- روزا!
قال بيرز وزم شفتيه, ثم تابع:
- آه. حسنا انها الوجبة الأخيرة لك.
- سيد بيرز.
قالت فيوليت موبخة:
- أعلم , اعلم انه يجب ان لا اتكلم مع كبار السن بقلة احترام , لكن لا تتأثري كثيرا بما اقوله يا ايف.
وفّرت نظرة فيوليت المعبرّة الأجابة على صوفي, عندما تابعت الخادمة صعودها السلم , تبعتها صوفي من دون أن تنظر الى الوراء .
لكنها ابتسمت . فقد احبت بيرز كان لطيفا غير معقد . وظنت ان في امكانها ان تفهمه . لكنها لن تفهم والده ابدا. حتى بعد مليون سنه....



**********************

حفيدة ...لكنها غريبة

SIZE][/COLOR
كانت غرفة صوفي تقع على الجهة المستديرة من المنزل, وعندما خرجت الى الشرفة في الصباح التالي كاد نفسها ان ينقطع بسبب جمال المنظر الذي فاجأها.
تحت الدرجات المسطحه المؤدية الى الفناء المعبد والتي تسلقتها مع آدج الليلة السابقة, انحدرت الحديقة الكثيفة الأخضرار لتختفي عند حافة هوت بحدة الى البحر. وبما انها علمت بوجود بيوت عائمة في الأسفل استنتجت انه يوجد سبيل للنزول الى الصخور في الأسفل. والبحر نفسه كان خلابا ازرق ساحرا تتلألأ صفحة مياهه وتلمع في اشعة الشمس الساطعة. صار الطقس دافئا جدا وتمنت صوفي التي لم تنم جيدا ان تخلع ثيابها وتغطس في تلك الأعماق التي دفأتها الشمس.
لكنها لم تكن تعرف عادات المنزل بعد . ومع انها تمنت اكتشاف ما حولها لكن يجب ان تنتظر من يدعوها الى ذلك. وهكذا اكتفت بالاستحمام في الحمام الرائع الملاصق لغرفتها وفكرت جديا بالوضع الصعب الذي زجتها فيه ايف.
اصبح واضحا اكثر فأكثر ان اسباب اخفاء أعمار اقاربها الحقيقية عنها كان خطة متعمدة فهي لابد علمت ان صوفي لم تكن لتوافق على الحضور لو لم تستطع ان تستثير الجانب العاطفي من طبيعة صوفي .واوشكت هذه ان تغضب جدا لكنها لم تستطع انكار موجة الاثارة الصافية التي غمرتها عندما فكرت في الاسابيع المقبلة.
في اي حال,فكرت وهي تعود الى واقعها ان وضعها لن يكون سهلا ابدا. ولم تفهم لماذا اختارت ايف ان تتظاهر بأن جدها لم يكن يعلم مهنتها بينما الحقيقة هي عكس ذلك. الا اذا كانت تخيلت لسبب وجيه ان صوفي سترى في الأمر سببا آخر لعدم المخاطرة في المجئ. في أي حال , فمدى معرفتها لهذا الجانب من شخصية ايف كان ضئيلا جدا.
لكنها رفضت ان تقلق الأن. كان هذا يومها الأول في ترينداد وقررت ان تستمتع به ما استطاعت.
لفت منشفة كبيرة حول جسمها الرشيق وعادت الى غرفة نومها. بينما كانت تتناول طعام العشاء في الليلة السابقة كانت ثيابها قد علقت في الخزائن الطويلة. وفتحت باب احدى الخزائن ونظرت في داخلها بأمعان. كانت قد جلبت معها الكثير من الملابس الصيفية وبعض السراويل والقمصان ورداء خاصا بالسهرات واختارت ان ترتدي تنورة قصيرة بيضاء ذات ثنايا مطرزة بحاشية زرقاء جعلت بشرتها تبدو شاحبة قليلا. وفكرت بأنها ستبدل كثيرا من الثياب اذا ماقدر لها البقاء لفترة كافية في هذا المكان.
وفيما هي تفكر في البقاء في المكان تذكرت عشاء الأمس. كانت امسية غير حقيقية اذ جلس آدج المتهكم الى رأس المائدة الطويلة وابوه في الطرف المقابل. كانت المائدة مغطاة بلوح من الزجاج والشمعدانات وسيلة الأنارة الوحيدة.
فكرت صوفي ان الضوء الخافت وتخيلاتها جعلتها تشعر بأن نظرة آدج كانت شيطانية كلما نظر نحوها.
كان براندت لطيفا وقدمها الى شقيقته روزاليندا بفخر ظاهر. لكن صوفي لم تشعر بالأطمئنان معه هو الأخر. فهي كانت تخدعه. كانت دخيلة. ولاشئ يغير ذلك.
لكنها فهمت ما قاله بيرز عن عمته. لابد انها كانت جميلة يوما ما. الا انها الآن أصبحت خيالا عما كانت في الأمس, فبدت كأنها لا تزال تعيش الماضي, عصبية وشاردة الذهن وبدت اكبر سنا من اخيها القوي وفكرت صوفي انه ربما كانت والدة ايف محقة عندما هربت وهي قادرة , لكنها انبت نفسها للتفكير بمثل تلك الطريقة. ومن يدري ربما اثر فيها رجال هذه العائلة على نسائهم. وعرفت جنيفر ذلك مثل أي شخص آخر.
وبدا لصوفي انها لا تستطيع ان تكون طبيعية الا مع بيرز فهو يتحدث معها بشكل طبيعي , سألها اسئلة عن لندن استطاعت الأجابة عنها بصدق ومن دون انكماش . غير انها كانت تشعر دائما بأبيه وهو يراقبهما وسرت عندما انصرف آدج بعد العشاء. لم يسأله احد عن وجهته وهو لم يقل شيئا.لكن الجو اختلف بشكل واضح بعد انصرافه .

كانت تصفف شعرها عندما سمعت اصواتا وشخصا ما يصفر في الباحة. فوضعت فرشاتها جانبا وعبرت الغرفة بسرعة ونظرت خلسة من الشرفة . لم يكن هناك داع الى القلق . كان هناك آدج وبيرز والخادم منهمكين الى درجة لم يلتفتوا معها صوب الشرفة في الطابق الأول.كانوا يعبرون الباحة معا ويحملون الأقنعة واسطوانات الأوكسجين . لم تستطع صوفي الا ان تحسدهم. فهذا ما ارادت ان تفعله تماما. كانت متأكدة من ان المياة حول بوانتي سانت فينسيتي مليئا بالأسماك والحياة البحرية. اختفى الرجال عبر ممر لم تلاحظه صوفي سابقا لكنها انتبهت الآن الى انه يؤدي الى الدرجات المفضية الى الخليج وتساءلت وهي تدخل غرفتها عن سبب شعورها بالكآبة فجأة . كان يفترض بها ان تشعر بالراحة بسبب غياب آدج وبيرز لكن الواقع كان مخالفا . ربما سبب ذلك انها تطلعت الى رؤية بيرز ثانية وبدا لها ان املها سيخيب.

كانت الساعة جاوزت الثامنة عندما غادرت غرفتها ونزلت الى القاعة وهناك التقت احدى الخادمات وسألتها اين يفترض بها ان تتناول طعام الأفطار.
كانت الفتاة تنظر اليها بأستغراب وايقنت صوفي ان موقفها لم يكن اعتياديا لكنها لم تكن معتادة على اصدار الأوامر.
ولحسن حظها ظهرت فيوليت في تلك اللحظة وبد الأهتمام عليها حين رأت وقوف الخادمة الأخرى وسألت بحدة :
- ما الخطب يا آنسة ايف ؟ هل تحاملت عليك هذه الفتاة ؟ ليزا اذهبي الى المطبخ , سأراك في ما بعد.
- لم يحدث سوء يا فيوليت . ببساطة انا لا افهم اين نتناول الفطور.
- آه..
اومأت فيوليت , لكن أشارة من اصبعها جعلت الفتاة ليزا تهرع نحو المطبخ . وهزت برأسها وهي تخاطب صوفي:
- انت جائعة اليس كذلك؟
- قليلا..
- حسنا. حسنا, تعالى من هنا.
ارشدتها فيوليت الى غرفة مشمسة على يمين القاعة تطل على باحة مع منظر الحديقة الغنية امام المنزل وكانت هذه الغرفة صغيرة بالنسبة الى مكتب براندت والقاعة التي جلسوا فيها بعد العشاء ليلة امس . فيها طاولة مستديرة مغطاة بالزجاج قرب الأبواب الفرنسية الطويلة وخزائن طويلة مليئة بالصحون والأكواب.
- اذهبي واجلسي على الشرفة وسأجلب ترويقتك خلال خمسة دقائق . هذه الغرفة الصباحية . يتناول السيد براندت طعام الغداء هنا عادة , كما ستكتشفين بنفسك من دون شك.
- شكرا يافيوليت , اتمنى الا اكون مصدر ازعاج ..
بان الدفء في عيني فيوليت .
- بحق السماء لا يا انسة ايف , ان وجودك هنا متعة . لقد اعتنيت بوالدتك فور ولادتها وكنت دائما انظر الى اليوم الذي سأعتني فيه بطفلتها هي ايضا.
وتابعت بشيئ من الحزن:
- وكأنما سأجد الأعتناء بأبنتها متعبا. يا آنسة!
شعرت صوفي بالكدر . لماذا قالت فيوليت كل هذا ؟ كانت تشعر بالأرتياح حتى اللحظة لكنها الآن اخذت تشعر بخداعها مرة اخرى .
وسارت بسرعة نحو النافذة وغيرت الحديث فجأة:
- اليس المنظر خلابا؟ لا اظن اني رأيت اجمل منه ابدا.
جمدت فيوليت وقالت بثبات:
- علي الأهتمام بفطورك يا آنسة.
ثم غادرت الغرفة.
استدارت صوفي وشعرت بكآبة شديدة تغمرها . كات تتمنى اكثر واكثر لو انها لم تسمح لايف بالألحاح عليها في المجئ الى هذا المكان . واختفت حماستها في خضم احداث النهار . لكن عليها ان تستمر الآن.
وكلما اسرعت في التوقف عن توبيخ نفسها كان افضل لها.
كان عليها ان تتصور انها تلعب دور ايف هوليستر , ويجب الا تسمح لمشاعرها الشخصية بأن تتدخل ابدا.
استمتعت صوفي بالفطور الأنكليزي الذي احضرته فيوليت . كانت تحتسي ثالث فنجان قهوة عندما فتح الباب وظهر جد ايف .
- صباح الخير يا ايف.
قال لها بحرارة ظاهرة وسار نحوها وشد على يدها بمودة.
- جميل ان اراك هنا الى طاولتي . هذا مكانك . والآن اخبريني . كيف كان نومك .؟
- جيد جدا...شكرا لك يا .... جدي؟
- تجدين صعوبة في قول تلك الكلمة , اليس كذلك ؟
وعندما لم يبدر منها أي رد فعل , تابع حديثه :
- جدي ! تجدين صعوبة في التفكير بأنني جدك ؟
لم تعلم صوفي بماذا تجيب.
- آه ..ليس بالفعل.
لكنه لم يقتنع.
- اعتقد ذلك0 ولكن يمكنك مناداتي براندت كما يفعل بيرز . هل يناسبك ذلك؟
حدقت فيه صوفي.
- انا ...اذا لم يكن لديك مانع.
همست بارتباك وتساءلت عما كانت ستقوله ايف لو هي في وضع مشابه.
- حسنا, حسنا.
بدا براندت مكتفيا واردف:
- ربما سنجد طريقة تخاطب اقرب مع الوقت ولكن هذا يمفي الآن .
ابتسمت صوفي .. وتابع حديثه:
- هل انهيت فطورك؟
اومأت برأسها.
- اجل كان شهيا . استطيع من الآن ان اتخيل كيف سأصبح بدينة خلال اقامتي هنا.
-اذن ما رأيك في القيام بجولة في املاكي , هذا اذا كنت مهتمة.
- الأملاك؟
رددت صوفي بنعومة ونهضت.
- آه نعم, اود ذلك. لكن , الا تريد تناول طعام الفطور؟
- اتناول فطوري في السابعة والنصف صباحا في غرفتي .
اخبرها براندت وهو يضع يديه في جيبي سترته . وفكرت صوفي كم تطابقت كلماته وصورتها عنه. كان رجلا قويا مهيمنا , انضباطيا مع نفسه ومع الآخرين , متخليا عن العيش السهل , مفضلا الأنضباط الذي مارسه دوما.
ثم اعتدل في وقفته وسألها اذا كانت مستعدة للذهاب فورا.
- نعم اعتقد انني مستعدة.
ونظرت صوفي ناحية الأطباق الفارغة وقالت:
- الا تعتقد 00اعني اليس الأفضل ان احمل هذه الأشياء الى المطبخ؟
قطب براندت واجاب:
- طبعا لا. ستعتني احدى الخادمات بالأمر . هذا عملهن.
ولانت ملامحه وهو يقول :
- عليك ان تعتادي على السماح للأخرين بخدمتك. لا اظن انك معتادة على ذلك في الماضي.
- كلا.
هزت صوفي رأسها:
- هل سأحتاج الى معطف؟
- لا اعتقد . بالمناسبة سنذهب في سيارتي . هل تركبين الخيل؟
- كلا...
اجابت صوفي فورا ثم شعرت بانشداد اعصابها. ايف تستطيع ركوب الخيل . كانت تعلمت في مدرسة الفتيات التي ارسلها والدها اليها.تذكرت انها اخبرتها ذلك في الماضي . ثم هدأ روعها اذ ان براندت لا يعلم بالأمر والا لما سألها.
- اذن هذا امر آخر علينا تعليمك اياه.
قطعت كلماته حبل افكارها وهدأتها . ثم وضع ذراعه حول كتفيها .
- تعالي . دعينا نذهب . اني اتطلع الى اريك المزيد من المنطقة .
كانت ممتلكات عائلة سانت فينسيتي شاسعة كما توقعت صوفي . نمت فيها اشجار البن . وقال براندت ان الموسم كان جيدا وأمّن معيشة الكثيرين غير ان مصدر دخله الرئيسي يأتي من الجهة الأخرى من الجزيرة من امتيازات النفط التي جنى منها ثروة لا تحد والتي اصبحت عماد الأقتصاد في الجزيرة .
الا ان اشجار البن بأغصانها المائلة مثلت الى صوفي بالنسبة الى صوفي شيئا حقيقيا وأساسيا , وكانت سعيدة انها لم تضطر الى رؤية آبار النفط وما جاورها من آليات .
وفتنتها رؤية اشجار الموز في حالتها الطبيعية والثمر يتدلى منها موفرا الظلال . كانت الحرارة مرتفعة جدا حتى داخل السيارة وتطلعت الى عودتهما والى الدوش البارد.
في أي حال استمتعت برفقة براندت .ومثل جميع الرجال العصاميين كان يعرف كل التفاصيل عن عمله , وشرح لها عن حياة حبة البن من بدء تكوينها في البرعم الى تحويلها الى لوح شوكلاته. فكرت صوفي بالمصاعب الجمة التي واجهت مزارع القهوة. واثر عودتهما الى المنزل شعرت انها تلم بالموضوع الى درجة كبيرة . ولم تستطع الا ان تتساءل عن رد فعل آدج اذا ما بدأت تبحث معه العلاجات المحتملة لمرض جرثومي يصيب النباتات . ولم تشعر بالأنزعاج الا عندما زارا احدى القرى كي تتفرج على اكوام حبوب البن المجففة . فقد راعها رؤية مستوى معيشة الناس. بعكس براندت الذي لم يتأثر عندما ذكرت الأمر . وكان واضحا انه لم ير ما يزعج في نقصان النعم . ولم ينظر الى موضعه على انه مميز.
- انك متأففة جدا يا ايف.
قال لها في طريق عودتهما .
- فالمنازل كافيه , والمدارس مجانية . واذا عانوا من تكاثر نسلهم فاللوم يقع عليهم.
قالت صوفي :
- لكن يجب ان يكون هناك بعض القيود.
فرد عليها براندت بأن هز رأسه.
- عندما تبدأين بوضع قيود على حياة الناس , يشعرون بالديكتاتورية .
احتجت صوفي:
- تحديد النسل ليس كذلك.
- هنا يقبل الناس ما يعطيه الله شاكرين . انهم سعداء يا ايف! الم تلاحظي ذلك ؟ اتعتقدين ان المنازل والحمامات النظيفة هي التي تجعل الناس سعداء؟
تخضبت صوفي وقالت :
- لم اقل ذلك.
- كلا , انما هذا ما عنيته , اليس كذلك ؟
وابتسم براندت :
- استطيع ان ارى ان علينا تثقيفك بطرق عدة يا ايف.
كان الوقت بعد الظهر عندما عادا الى المنزل , واعتذرت صوفي وصعدت الى غرفتها. واستحمت , ثم تمددت على سريرها واسترخت. كانت متعبة من الحرارة والتوتر فلم تفلح في محاولتها النوم . سمعت طرقا على بابها . ورأت خادمة تدخل وهي تحمل صينية عليها ابريق صغير من مشروب الشوكلاته المثلجة وبعض قطع البسكويت .
اعتدلت صوفي في فراشها قليلا وغطت نفسها بالمنشفة . وقالت وهي تبتسم:
- آه شكرا لك . ضعيها على الطاولة هناك .
فعلت الخادمة ما طلبت منها وعندما جلست صوفي لاحظت انها الخادمة نفسها التي تحدثت معها في الصباح.
- قال السيد براندت ان اخبرك ان الغداء في الثانية يا آنسه ايف . وقد اعتقد انك سترغبين في تناول هذا حتى ذلك الحين.
- شكرا لك .
وحاولت ايف ان تجعل الفتاة ترد الأبتسامة, لكنها اومأت برأسها فقط وتركتها.
وبعد ان غادرت الخادمة , سكبت صوفي كوبا من السائل ذي الرائحة الذكية واحبت مذاقه . اكلت قطعة من البسكويت ثم استرخت ثانية . كانت حالتها النفسية آخذه في التحسن , ووجدت نفسها تبتسم , فقد كان الصباح سهلا جدا . وحالما تصبح مقبولة هنا ستسير الأمور من حسن الى احسن . ربما لم تكن ايف مصدر تهديد كما فكرت في السابق ..
تناولت طعام الغداء مع براندت وروزا على الشرفة . ولما لم تر آدج او بيرز جهرت الأمر فأوضح لها براندت :
- نمتلك شركة تأجير صغيرة خارج بورت اوف سباين . يختين , ومركبا شراعيا ومراكب بمحركات وما شابه . يوم امس اراد زوجان اميركيان استئجار يخت ولسوء الحظ كان القبطان مريضا , فحل مكانه بحار غير خبير . وارتطم اليخت بالصخور على مسافة من هنا قرب فم التنين دراغونز ماوث.
- فم التنين؟
لم تفهم صوفي فأوضح لها:
- انه جزء من قناة المياه الضيقة التي تفصل ترينيداد عن الشاطئ الفنزويلي .
- هل تأذى احد؟
- لا توجد اصابات خطيرة , بعض الخدوش والجروح . هذا كل ما في الأمر 0 انهم محظوظون لكن اليخت ثقب ويجب سحبه الى بورت اوف سباين للأصلاح وهذا ما يفعله آدج وبيرز.
- اوه.
علقت صوفي وانهمكت بتناول الطعام وعادت تسأل:
- هل ...هل هذا جزء من عمل خالي؟
- آدج؟
هز براندت كتفيه ومد يده الى جيبه وتناول سيكارا.
. اعتقد انه يمكنك قول ذلك , مع ان الزراعة عمله الأساسي . في الحقيقة يمكنك تسميته مدير اعمال كل شركات سانت فينسيتي . اعتقد انه لا يقوم بأي عمل مباشر الآن بل ربما يدقق في اعمال الآخرين لكن لا احد يستطيع اخفاء شئ عندما يكون موجودا .
- استطيع ان اصدق ذلك.
ابتسم براندت وقال بنعومة.
- ها. هل اسمع نبرة خاصة في صوتك يا ايف ؟ يجب الا تسمحي له بأزعاجك كما تعلمين .
مسحت روزا سانت فينسيتي فمها بنعومة .
- لا تتوقع ان تجلب ابنة جنيفر الى هنا من دون ان يظهر آدج رد فعل ما.
قالت بصوتها العالي النبرة.
- الا استطيع ؟ ولما لا؟ انت بالتأكيد لا تعنين بقولك هذا ان آدج غيور .
هزت روزا رأسها نفيا :
- لا . ان طبيعة آدج الكريمة لا تسمح له ان يكون غيورا .
- اذن ماذا تقصدين؟
شعرت صوفي بنفاد صبر براندت يتزايد خلف لهجته المهذبة .
- اعني هوارد بالطبع.
- اوه.
مضغ براندت سيكاره الذي لم يكن اشعله واطرق ثم قال:
- ولماذا يؤثر مجئ ايف الى هنا على هوارد ؟ هذا تاريخ مضى ياروزا .
-انه لم يتزوج!
- هذا لا يعني شيئا بالمرة .
زم براندت شفتيه وقال باقتضاب :
- انت تعيشين في الماضي ياروزا.
- هل تظن ذلك حقا؟ ربما...
وهزت كتفيها النحيلتين ثم تابعت :
- لكن الجميع يعلم ان قلب هوارد انفطر عندما هربت جنيفر مع...
- هذا يكفي ياروزا.
اصبح براندت حاد النبرة الأن .
عندما انتهى الغداء استأذنت روزا في الذهاب .. ومع ان براندت لم ينهض فورا عن كرسيه فقد كان في استطاعة صوفي ان ترى انه مشغول بأمور اخرى غير حفيدته الحديثة.
- هل تمانع اذا ذهبت الى غرفتي ؟
سألته بتردد وارجعت كرسيها اللى الوراء ورأت وجهه بوضوح.
- لا . طبعا لا ياعزيزتي . لدي بعض الأعمال انا ايضا وحرارة الطقس شديدة لا تسمح في البقاء خارجا . اقترح ان نلتقي على الشرفة لتناول الشاي بعد الظهر نحو الساعة الخامسه.
- حسنا.
ابتسمت صوفي وتركته وسارت نحو غرفتها وهناك شعرت بالقلق ومع انها كانت متعبة لم تستطع النوم . اثرت كلمات روزا عليها بقوة ورأت نفسها تفكر بهوارد المجهول .. وايقنت انه لا بد ان يكون هوارد فليمنغ الذي تحدث عنه آدج عنه وهما عائدان في السيارة من بورت اوف سباين
وتساءلت ما اذا اثر عليه هروب جينيفر بالشكل الذي ظنته روزا. لابد ان يكون اكبر من آدج ببضع سنوات بالطبع . وهذا يعني انه في اوائل الأربعينيات.. في اوج شبابه كما يقول البعض , اذن لم يتزوج؟
بعد الظهر سمعت اصواتا مرة اخرى تحت نافذتها وعلمت ان آدج وبيرز لابد عادا. وجعلها الأمر تتحمس اكثر من اللزوم وشعرت بنفاد صبر من رد فعلها هذا . الساعة الخامسة ارتدت فستانا برتقاليا ونزلت الى الشرفة لتناول الشاي . كانت الغرفة الصباحية خالية الا انها رأت بيرز جالسا هناك.
- مرحبا!
هتف ونهض بارتباك .
- تبدين جميلة وهادئة . ماذا فعلت بنفسك طوال النهار؟
جلست صوفي على كرسي من الخيزران وهزت كتفيها.
- لا شئ غير عادي . خرجت مع جدي هذا الصباح ثم ارتحت بعد الظهر.
-ارتحت؟
قال بيرز باندهاش :
- في مثل سنك ؟ الم تذهبي الى البحر ؟
- كلا ربما سأذهب غدا.
- غدا لا شئ !
قاطعها بيرز.
- اذهبي ارتدي ملابس السباحة وسنذهب الآن.
- نذهب ؟
رددت صوفي بصوت خافت .
- طبعا! كي نسبح ! تحبين ذلك اليس كذلك ؟ والوقت عظيم الآن فالمياة دافئة حقا.
لم تعرف صوفي ماذا تجيب.
- لكن من المفروض ان اتناول الشي مع براندت.
- اوه 0 لن يتأثر0 في كل حال ستعودين قبل ان يعرف اين انت .
وعلق اصابع في زناره وابتسم قائلا:
- حسنا. هيا . حضري نفسك للذهاب .
- لا ادري اذا كان يجدر بي ...
بدأت صوفي تقول بعدم ارتياح لكنه قاطعها :
- هراء ! انت تعلمين انك متشوقة الى السباحة . لا يمكنك قضاء ليلة اخرى في ترينداد من دون اختبار معنى السباحة هنا. صدقا ستحبين الأمر سوف تحبين الأمر.
- انا متأكدة من ذلك, ولكن....
رفع بيرز حاجبيه بنفاد صبر وقاطعها مرة اخرى:
- ياه انك تحتاجين الى كثير من الألحاح ..
اخيرا اتخذت صوفي قرارا . وهبت واقفة بعصبية :
- حسنا , اذا كنت متأكدا.
- طبعا انا متأكد والا لما سألتك !
- حسنا اعطني خمس دقائق .
ذهبت الى غرفتها وسحبت ملابس السباحة ونظرت اليها بتردد . ثم هزت كتفيها وبدأت تخلع ملابسها .
بدا اللباس صغير الحجم جدا , واحتارت لماذا ابتاعته صغيرا الى هذا الحد. شعرت بالعري حيث انه لم يسبق ان ارتدت مايوه بيكيني وعرضت وسطها لأشعة الشمس.
الا ان وقت الندم مضى وشعرت بالرضى لأنها ابتاعت سترة خضراء وزرقاء لترتديها فوقه.
عادت ادراجها الى اسفل وهي تشعر ببعض القلق . كانت في منتصف طريقها على الدرج عندما دخل آدج و رآها .
وفورا , شعرت بحراجة ملابسها وتمنت لو انها تستطيع الدوران والعودة الى غرفتها . لكن بالطبع لم يكن في استطاعتها ان تفعل ذلك . فهذا الرجل يفترض به ان يكون خالها وأي اهتمام قد يبديه لا يتجاوز اهتمام الخال بأبنة اخته.
وهكذا تابعت سيرها ووصلت الى القاعة ورأته يتمدد بكسل وقد بان جلده الأسمر اللون من خلال فتحة قميصه . ثم هوت ذراعاه الى جانبيه0ونظر اليها بتمعن . وعندما لم يقل شيئا , اضطرت صوفي الى المبادرة.
وقالت له:
- انا... سيأخذني بيرز الى السباحة.
اومأ آدج برأسه دليل الموافقة .
- انا لم اسبح بعد..
- لم تفعلي0
لم يكن مباشرا في حديثه . ووجوده حيث هو , سد طريقها وكان عليها الألتفاف حوله اذا ارادت ان تتابع سيرها .
- هل كان نهارك طيبا؟ هل استطعت استرداد قاربك؟
سألته وهي تأمل ان تبعد نظراته عنها.
هز آدج كتفيه وقال:
- لقد استرجعنا اليخت . نعم. لكن بالكاد ادعوا النهار طيبا. لن تكون شركة التأمين سعيدة بدفع نفقات اصلاحه في هذه الظروف.
ابتسمت صوفي نصف ابتسامه لكنها عندما لم تلق تشجيعا قالت:
- اعتقد انك متعب .
- ليس بشكل خاص . نمنا على المركب بعد الظهر ..
واخيرا ابتعد عن طريقها.
- علمت ان والدي طاف بك في مزارعه هذا الصباح.
- نعم. هذا صحيح. كان الأمر ممتعا.
وبلهجة متهكمة بعض الشئ قال:
- تمتعت اذن!
- بالطبع تمتعت .
- اعتقد انه اخبرك انه عمل مربح.
كانت صوفي تمر امامه لكن كلماته اوقفتها . ونظرت اليه بعبوس قائلة:
- لست متأكدة0 لكن اظن ان كلماتك وقحة نوعا ما.
قالتها وهي ترتجف.
- هل هي كذلك؟ ربما كان علي ان اتكلم بصورة اكثر وضوحا.
حدقت فيه صوفي مستفسرة لكنها لم تستطع الاستمرار في التحديق فهمست:
- لا بد ان بيرز ينتظرني.
وأومأ لها علامة موافقة على انصرافها . لكن ما ان خطت اول خطوة حتى اطل بيرز من الغرفة , وكانت منشفة حمراء وبيضاء تتدلى على كتفيه .
انفرجت اساريره عندما رأى صوفي وابتسم:
- لقد عدت! بدأت افكر انك غيرت رأيك .
- اخشى ان اكون سبب تأخرها يا بيرز.
قال آدج ذلك وعاد الى الأسترخاء.
- لكن لا تدعاني اؤخركما اكثر يا اولاد.
رفضت صوفي النظر اليه. بل استدارت ناحية بيرز وقالت:
- نعم دعنا نذهب.
كانت حرارة الشمس قد خفت الى درجة كبيرة وشعرا بنسمات هواء منعشة على وجهيهما وهما يهبطان الدرج وفكرت صوفي وهي تحاول طرد آدج من تفكيرها. ادت الدرجات الى رصيف رسى عنده قارب شراعي وقارب بمحركات . لا شك انه اليخت نفسه الذي استعملاه قبلا . صرصرت الحبال قليلا عندما تحركت القوارب مع الماء وملأت الجو رائحة مالحة لذيذة . لم يتغير لون البحر . من هنا اصبح في الأمكان رؤية عمقه والأسماك
الصغيرة تسبح فيه وتهاوت النباتات برقة في قاعه . خلع بيرز سرواله وسترته وظهر بمايوه ازرق ثم قفز بخفة فوق الصخور ونظر وراءه ليرى صوفي لا تزال في مكانها مترددة:
- تعالي ان المكان آمن . تستطيعين ان تسبحي اليس كذلك؟
- نعم.
قالت صوفي والشك يخالجها وهي ترخي زنار سترتها :
- هل المياة عميقة؟
- هنا ؟ ليست عميقة جدا . عشرة اقدام كحد اقصى..
اتسعت حدقتا صوفي أستغرابا :
- عشرة اقدام!
وضع بيرز يديه على خصره .
- هل ستأتين ام لا ؟ بحق السماء اخلعي سترتك وتعالي
تنهدت صوفي وتركت السترة تهوي وهز بيرز رأسه راضيا.
- جميل جدا.
قال لها وهي تسير على الصخور بارتباك نحوه:
- ولكن لونك شاحب . لا بأس . فسرعان ما ستصبحين سمراء مثلي.
شكت صوفي في الأمر فبيرز كان اسمر اللون مثل والده . ومثل هذا اللون الداكن يحتاج الى سنوات عدة لأكتسابه.
سار بيرز نحو حافة الصخور ونظر الى اسفل بأنتباه.ثم ناحية صوفي:
- هل تغطسين ؟
- استطيع .ولكن افضل الا افعل.
واعترفت صوفي بعصبية :
- الا استطيع ان انزلق في المرة الأولى ؟
اشار بيرز الى الخليج حيث برز رأس صخري من المياه.
- عدا تلك الصخرة التي تعطي بوانت سانت فينسيتي اسمها ليس هناك ما يخيف ..فلا مد قوي او تيارات مائية. سأذهب انا اولا ثم تتبعينني .
غطس ثم عام .. وازاح شعره عن عينيه ثم سبح عائدا الى حيث كانت صوفي ما زالت تقف.
- هيا . انه امر سهل. اقفزي!
ترددت صوفي لحظة اخرى ثم ضغطت على طرف انفها تسده وقفزت من الصخور الى المياه . ضاق تنفسها عندما شعرت بالبرودة في البدء لكن ما ان طفت على صفحة المياه حتى شعرت بأن المياه دافئة بالفعل .
ونظرت حولها لتجد بيرز على مسافة منها وسبحت في اتجاهه بتمهل وهي مسرورة بأحساس الماء على جلدها الدافئ . قال بيرز:
- حسنا . ليس الأمر سيئا . اليس كذلك؟
- لا انه رائع !
دفعت صوفي الماء براحة كفها ونظرت حولها بتشوق .
- لم اسبح كثيرا في البحر سابقا. ان الطقس باردا جدا في بلادي .
- هذا لا يفاجئني.
اومأ بيرز:
- كان الطقس باردا جدا عندما كنت في انكلترا. عليك تعويض ذلك وانت هنا .
سبحا ولعبا برهة ثم قال بيرز , ان عليهما العودة فقد جاوزت الساعة السادسة وقد يكون براندت قلقا .
- الساعة تجاوزت السادسة ! ياه ظننت انها الخامسة والنصف تقريبا.
ضحك بيرز وقال:
- انها صحبتي المسلية يا صوفي . سأخذ كلامك كمديح.
ضحكت صوفي ايضا ثم سبحا وخرجا من الماء . شعرت صوفي بضعف غريب في قدميها وادركت ان التمرين غير الأعتيادي قد اتعبها . وقال بيرز الذي لاحظ تعبها:
- سنرتاح قليلا قبل ان نصعد الى المنزل , اتوافقين؟
- آه ولكن ماذا بخصوص جدك ؟
قالت صوفي قبل ان تفكر بكلامها.
- جدي؟ انه جدك ايضا.
تخضبت صوفي :
- نعم . ادرك ذلك . لكن اعتقد ان المرء في حاجة الى بعض الوقت كي يعتاد الأمر.
قبل بيرز تفسيرها وبعد ان جفف جسمه لبس ثيابه وجلس قربها على الرصيف الدافئ وسألها بلطف:
اتظنين انك ستتمتعين باقامتك هنا؟هزت صوفي كتفيها:
- انا متأكدة.
- اذن سوف تبقين؟
- ابقى؟
- طبعا .والدي قال انك لا تودين ذلك لكن براندت يأمل العكس.
فكرت صوفي بغضب. اذن هذا ما في الأمر ! كان عليها ان تعلم ان براندت سانت فينسيتي ليس من النوع الذي يدع فرصة مثل هذه تضيع من يديه . استطاعت جنيفر ان تتحرر من قبضته , لكن ابنتها قد لا تستطيع ذلك...
فجأة نودي عليهما من فوق واستدارت لتجد براندت على رأس الدرج يطلب منهما المجئ.
- تعالي , ارى ان علينا الذهاب.
كان على صوفي ان تبتسم وهي تنهض وصعدت الدرجات دونما صعوبة جمة ولحقها بيرز. بقى حديثهما عالقا في ذهنها . وصلا رأس الدرج وسارا عبر الحديقة الى حيث ينتظرهما براندت وهناك. رأيا انه لم يكن وحد . كان في رفقته رجل آخر معتدل القامة ذو شعر بني داكن يخطه بعض الشيب وملامحه جذابة , كان يرقب صوفي وهي تسير نحوهما وتساءلت من عساه يكون . ماذا لو كان شخصا يعرف ايف. وادرك للحال انها ليست حفيدة براندت سانت فينسيتي ؟
لكن لم يكن هناك ثمة ما يبرر مخاوفها . وسرعان ما انكشفت هوية الغريب . اخذ براندت ذراعها بصورة تملكيه عندما اقتربت وقال:
- كنا في انتظارك يا عزيزتي ايف . دعوت هوارد لتناول الشاي كي يتعرف اليك . لكن لا بأس . انت هنا الآن . اريد ان اقدمك الى صديق قريب...هوارد فليمنغ. حسنا يا هوارد . ما رأيك بأبنة جنيفر؟



**********************

4- لماذا لا تبقى هنا؟
ارتدت صوفي ثياب العشاء في الليلة التالية بانزعاج. فقد كان مقررا ان يتناولوا العشاء خارج النزل هي وبراندت وروزا وآدج وشعرت انها عصبية كالهرة.
سيذهبون الى كومالي الى منزل عائلة فليمنغ,وشعرت بثقل الزيارة , بالقدر نفسه الذي شعرت به عندما اتت
الى بيت سانت فينسيني .
كان هوارد فليمنغ انيسا جدا بعد ظهر اليوم السابق. فعوضا من معاملتها بالمرارة التي أحسها ولا شك تجاه جنيفر , تصرف بود زائد , متجنبا الوقوع في أي ضيق معها . وهو على عكس ذلك ذهب الى حد ابدي فيه أسفه لوفاة والدها وهو شئ لم يفعله حتى براندت.
في أي حال , كانت صوفي مدركة وضعها أكثر من أي أمر آخر . وبينما وجدت هوارد رجلا ودودا وجذابا , إلا انه بقى الرجل الذي تخلت عنه جنيفر مفضلة جيمس هوليستر . عبرت الغرفة نحو السرير حيث كان فستانها الذي سترتديه في تلك الأمسية اللباس
المسائي الرسمي الوحيد الذي أحضرته معها وتأملت إن يكون مناسبا0 كان فستانا طويلا ابيض بدا قماشه كأنه مخملي. وكانت ايف قد أهدتها إياه قبل مجيئها الى ترينداد. بعد إن ابتاعته لمناسبة خاصة لكنها لم ترغب في ارتدائه مرة أخرى , لذا أصرت على صوفي إن تأخذه , وأحست صوفي بالغبطة لأنها قبلته .
غطت الأكمام الطويلة المزمومة ذراعيها الملتهبتين
قليلا0 بينما أضفى العقد مظهرا هادئا مصقولا عليها .
لم يكن مقررا إن يرافقهم بيرز . لكنه أمضى معظم النهار مع صوفي التي تمنت لو يكون في الأمسية معهم يضفي جوا من البساطة . غير انه لم يكن يحب مناسبات العشاء الرسمية فقرر الذهاب الى ناد ليلي في بورت اوف سباين مع بعض الأصدقاء.
نزلت صوفي الى القاعة حيث تجتمع العائلة عادة قبل العشاء الساعة السابعة. لكن الغرفة كانت خالية وسارت نحو النافذة وهي تفكر وتنظر الى الظلال في الحديقة . ثم اتجهت الى المكتبة وبدأت تطالع عناوين الكتب . وكبقية المنزل كانت هذه الغرفة جميلة جدا فما إن تناولت كتابا عن الرف حتى سمعت خطوات خلفها , واستدارت لتجد آدج يدخل الغرفة . وبدا رائعا في سترة مسائية بيضاء فشعرت صوفي برعشة لا ارادية تسري في جسمها , وأعادت الكتاب الى مكانه واستدارت نحوه بتردد. أجال النظر فيها وارتجفت وخاطبته بعصبية:
- هل ..هل منزل عائلة فليمنغ بعيد من هنا؟
تجول ادج في الغرفة ونظر حوله وقال:
- ليس بعيد جدا.
ثم سألها :
- هل تريدين شرابا؟
- لا مانع.
وأعطاها الكأس وفيما هما يتحدثان سمعا اصواتا في القاعة وبعد لحظة دخل براندت وروزا الردهة كانت المرأة ترتدي معطفا اسود طويلا ناسبها جدا وسرت صوفي لأنها اعتنت بمظهرها الى هذا الحد وبد واضحا لها إن المناسبة ستكون رسمية الى حد بعيد.
-آه. أنت مستعده.
خاطبها براندت وهو ينظر إليها بإعجاب .
- تبدين رائعة يا عزيزتي . سأكون موضع حسد الجميع هناك.
قبلت صوفي المديح بخجل ونظرت بارتباك الى الكأس التي في يدها وتابع براندت نظراتها.
لم تستطع صوفي قول شئ. فقد شعرت بنظرات آدج تتمعن فيها لكنها رفضت إن تمتعه بمشاهدة ارتباكها, وهكذا احتست قليلا من شرابها وحاولت إن تبدو عادية في ذلك. وعندما شعرت ببعض الارتياح وتصورت أنها مستعدة أكثر لمواجهه الأمسية المقبلة.
ذهبوا الى كومالي في سيارة فخمة رمادية احضرها السائق الزنجي جوزف وقرر آدج إن يقود السيارة فجلس براندت الى جانبه بينما جلست صوفي وروزا في المقعد الخلفي. سمعت صوفي عبر نوافذ السيارة المفتوحة أصوات مخلوقات الليل غير المألوفة , وكانت رائحة الأزهار التي نمت بكثرة في الجزيرة تعبق فتملأ الأمسية غير المقمرة بالشذى. وشعرت صوفي بالراحة.
استغرقت الرحلة عشرين دقيقة الى منزل عائلة فليمنغ واستطاعوا إن يروا أضواء المنزل عامرة وهم يقتربون ويسمعون أصوات الموسيقى الخافته.
كانت سيارة أخرى تقف عند منعطف في الممر 0فأوقف آدج السيارة وراءها , ثم خرج ليساعد عمته في النزول بينما ساعد براندت صوفي وساروا معا الى المبنى المضئ.
صعدوا بضع درجات ووصلوا باحة البيت الخارجية حيث رأو الأبواب مفتوحة وآل فليمنغ يرحبون بضيوفهم. وما إن رآهم هوارد فليمنغ حتى اتجه نحوهم مرحبا بحرارة ’ وعيناه تحدقان بمظهر صوفي الجذاب.
- تعالى لأقدمك الى والدي يا ايف.
قال لها وأشار على الآخرين أن يرافقوهما.
- إن والدتي متشوقة للتعرف اليك.
كانت ماريون فليمنغ فارعة القامة مثل ابنها كما شابهته في المظهر.
شعرها بني وقدرت صوفي أنها تجاوزت الستين عاما لكنها بدت اصغر من ذلك بعشر سنين. ماهو السر في الهواء الذي جدد شباب العالم وحيويته هنا؟
وهتفت والدته :
- إذن أنت ابنة جنيفر.
وتفحصت صوفي بعينين لم تعكسا حرارة كلماتها .
- لم أكن لأعرفك تلقائيا فأنت لا تشبهينها ابدا.
- هراء!
أجاب براندت وأراح صوفي من ضرورة الإجابة عن ذلك الكلام المربك.ثم تابع:
- طبعا أنها تشبه جنيفر. ربما نسيت كم كانت جنيفر جذابة.
- لو ننسى جنيفر يا براندت.
أجابت ماريون ببعض الحدة , وساد صمت مربك لوهلة . وفي تلك اللحظة اقترب ادريان فليمنغ والد هوارد وغابت سمة الحديث الذي سبق اقترابه. ووجدت صوفي نفسها تقف وهوارد الى جانبها. فهمس باعتذار:
- يجب إن تسامحي والدتي يا ايف.
لم تسامح جنيفر بسبب هروبها.
ونظرت صوفي إليه:
- وهل سامحتها أنت يا سيد فليمنغ؟
-...هوارد أرجوك!سيد فليمنغ كلمة فيها تكلف ولا حاجة بنا الى الرسميات بحق السماء , ربما كنت...
ثم قطع كلامه فجأة وسألها :
- اخبريني . ماذا تفعلين في انكلترا؟
تنهدت صوفي بعمق , وبدأت تخبره قليلا عما عرفته عن عمل ايف ولكن لحسن الحظ لم يلح عليها , وسرعان ما انتقل يهما الحديث الى مواضيع اقل حساسية . قدمها هوارد الى الضيوف الآخرين , زوجان في منتصف العمر لورنس وجين كنيدي والى أخته التي كانت تتحدث مع آدج..
كان شعر جانين فليمنغ كشعر أخيها , كثيفا وأجعد , لكن التشابه بينهما انتهى عند هذا الحد . كانت اصغر قامة منه نحيلة وذات عينين لامعتين وفم صغير , وبدت في فستانها الأحمر اللامع كلسان لهب مع سترة آدج البيضاء وهي تضع ذراعها على كتفه وكأنها تمتلكه .وعندما اقترب هوارد منهما ليقدم صوفي , نظرت إليها بعدم اكتراث واضح وقالت كلمة ترحيب عابرة قبل إن تتابع حديثها مع رفيقها . كان آدج يميل برأسه نحوها وهو يستمع لما تقوله , وشعرت صوفي بلسعة قلق تنتابها عندما رأت مدى حميمية علاقتهما . ولم تتوقع رد فعلها هذا وشدت على يدها بأظافرها وهي تشعر بموجة من الاستنكار تعتريها . لم تعرف السبب . لكن فكرة وجود علاقة ما,بين هذين الشخصين لم ترق لها البتة.ووجدت نفسها فجأة تتساءل عن شكل زوجة آدج ومنذ متى توفيت.
بدأت بالابتعاد ورأت عيني آدج تراقبانها . كان لايزال
يستمع الى ما تقوله جانين لكن صوفي لاحظت شروده للحظة. وأدارت ظهرها لهما وحاولت إن تنتبه الى ما كان يقوله هوارد لها لكن الأمر لم يكن سهلا . كانت يداها ترتجفان وراحتاها متعرقتين ,وكرهت الاعتراف بأن آدج سانت فينسيني كان سبب هذا الدفق المفاجئ من العاطفة . بحق السماء بماذا كانت تفكر ؟ هل أرادت إن تعطيه الانطباع الخاطئ؟ ماذا يفكر لو بدا يشك في إن الفتاة التي يفترض إن تكون ابنة أخته قد بدأت تشعر نحوه بطريقة لا تمت الى علاقة ابنة الأخت بالخال بشئ؟
مسحت يديها وابتسمت لهوارد ابتسامة شكر متكلفة0 ولكنها اعترفت أنها لابد إن تكون مجنونة لتدع مثل هذه الأفكار تخامرها . وبالفعل لم تتذكر أنها شعرت بشكل مماثل سابقا . لم ترتبط بعلاقات عابرة في السابق وتخيلت نفسها , ربما عن سذاجة أنها متحررة . لكن كان عليها الآن إن تعترف بقلة خبرتها.حركت كتفيها بنفاد صبر . حسنا , أدركت هذا الضعف فيه وكان عليها إن تتغلب عليه . لكن هل ستتمكن؟ سمعت صوتا في داخلها يهمس: لماذا لم تشعر بمثل هذا تجاه أي رجل قابلته في عملها, أولا في استوديوهات التلفزيون, ثم في المسرح؟
كان منزل عائلة فليمنغ اقرب الى التقليدي من منزل بوانتي سانت فينسيني. واخبرها هوارد انه من الممكن رؤية البحر من نوافذ الطبقة العلوية في النهار لكن موقع البيت بعيدا قليلا عن البحر ولذا بنوا حوض السباحة في الحديقة . في هذه الأمسية كان الحوض مضاء حيث تناولوا طعام العشاء خارجا الى طاولة طويلة بدت جذابة بما عليها من أطباق هيبيسكوس صفر وقرمزية وبدا الحوض كأنه يدعو المرء الى السباحة .واقترح هوارد على ايف إن تأتي لقضاء نهار معهم خلال إجازتها. علقت صوفي على ما قاله بلطف لكنها لم تستبعد الفكرة كليا.لم تكن تعرف تماما ما قد تكون ردود فعل ماريون فليمنغ على مثل تلك الدعوة
ومع أنها تصرفت بود مع جميع الضيوف, إلا أنها شعرت بأنها لم تحبهم , كانت وجبة العشاء شهية ولم يسبق لصوفي إن تذوقت حساء سمك قبلا , كما أحبت اللحوم المشوية . انهوا العشاء بتناول بعض الفاكهة والقهوة التي أصبحت صوفي تحبها. كانت مسرورة لأن تجلس باسترخاء في مقعدها بين براندت وهوارد وتستمع الى أحاديثهما . بينما الرجال يدخنون السيكار الذي وزعه ادريان فليمنغ كان آدج يجلس قبالتها بين جين كيندي وجانين فليمنغ. ومنعت صوفي عينيها من التجوال في ذلك الاتجاه وأحست بأن لجانين يدا في ترتيب كيفية جلوس الضيوف الى الطاولة0 ثم سمع الجميع مزيدا من موسيقى الكاليبسو0 سحبت جانين آدج ليراقصها وبعد إن رافق لورنس كينيدي ماريون فليمنغ الى حلقة الرقص . استدار هوارد نحو صوفي :
- لا اعرف كيف ارقص هذه الرقصات الحديثة لكنني سأفعل ما استطيع.
نظرت صوفي بشك ناحية براندت , منتظرة موافقته فأومأ برأسه مشجعا:
- هيا . ياعزيزي شجعها وسأتمتع بمراقبتك.
مع كل ما قاله هوارد عن عدم خبرته في الرقص . فقد بدأ راقصا ممتازا وتمتعت صوفي بمراقصته . كانت الموسيقى بطيئة ذات إيقاع , ولم يضمها إليه كثيرا. ووجدت نفسها تفكر بغرابة الموقف وكأنها كانت فعلا ابنة جنيفر.
في أي حال كان من الممكن إن يكون هذا الرجل أباها لو سارت الأمور كما تتوقع وشعرت أكيدة انه كان يزمع على قول ذلك قبلا عندما سكت عن الكلام فجأة .وعندما انتهت الاسطوانة شعرت نشئ من الحسرة. تحدثت معه بمرح وهما يسيران نحو الآخرين.
كان آدج يقف الى جانب كرسي والده ويتحدث معه ومع ادريان فليمنغ. ولاحظت صوفي انها لم تكن معتاده على الا تشارك في أي حديث . لكن الرجال كانوا يتحدثون عن الحادث الذي ثقب اليخت ولم تكن جانين ملمة بالموضوع كثيرا.بدا هوارد كأنه ربط نفسه بها ذلك المساء وبقى قريبا منها اينما ذهبت ومع انها استلطفته ووجدت في رفقته متعة لكنها تمنت لو يهتم بضيوف والدته الأخرين اهتماما اكثر .
لاحظت ان آدج انتبه الى ملازمة هوارد لها ولم تكترث عندما رأت شفتيه تزمان كلما نظر تجاهها . وضعت اغنيات اخرى على الفونوغراف ودعا لورنس كينيدي صوفي الى مراقصته. قبلت بعد تردد ورأت ان آدج كان يراقص مضيفته . بقيت جانين قرب اخيها وبراندت لكن صوفي استطاعت ان تدرك من تعابيرها انها لم تكن مرتاحة الى الوضع القائم.
قرابة الحادية عشرة والنصف بعد ان رقصت صوفي مرات عدة اخرى احداهما مع براندت واخرى مع ادريان فليمنغ شاد جو ينبئ بنهاية الحفلة .
فغادرت عائلة كينيدي واصرت على انها ستتصل بالأخرين لتنظيم حفلة مماثلة في دارها, ثم رافق براندت واخته عائلة فليمنغ الى المبنى الرئيسي كي تحضر روزا شالها.وتبعهم هوارد وصوفي وسارا امام آدج وجانين بخطوات واستطاعت صوفي ان تسمع همسات الفتاة . الا انها لسوء الحظ لم تستطع ان تفهم ما كانت تقوله واضطرت الى اجبار نفسها على عدم الأنصات .
بعد القاء التحية ذهبت صوفي وروزا وبراندت الى السيارة للعودة الى المنزل . وتأخر آدج قليلا وبعد لحظة جاء وجلس خلف المقود ولم تستطع صوفي الا ان تتساءل اذا كانت جانين هي السبب في التعبير المتجهم الذي ارتسم على محياه!
لم تر صوفي آدج ثانية خلال يومين . علمت انه غادر في الصباح التالي للحفلة الى بياركو وهو المطار الدولي في بورت اوف سباين ليذهب بالطائرة الى توباغو. واخبرها بيرز ان لديهم مصالح في سكاربورو عاصمة الجزيرة الصغيرة , وبما ان جو تقاعد تقريبا عن العمل فقد قام آدج بتلك المهام بنفسه.
همست صوفي بدلال , بالكاد مدركة انها تحدثت بصوت مسموع:
- يبدو انها رحلة ممتعة.
نظر اليه بيرز مندهشا وسألها :
- هل كنت ترغبين الذهاب انت ايضا ؟ كان في امكانك ذلك على ما اظن لكنني افترض ان والدي لم يعتقد انك تولين الأمر اهمية0
وهزت صوفي رأسها بسرعة وهتفت:
- اوه....كنت فقط اتمتم لنفسي , علما بأنني سعيدة تماما هنا , شكرا لك.
ابتسم بيرز وتمدد قائلا :
- اجل ان الحياة هنا لذيذة , اليس كذلك ؟ لا احب العمل ذاك وافضل البقاء في القوارب . اخبريني ! هل تودين الأبحار على قارب شراعي؟
- لا اعلم ....اعني لا ادري ما علي فعله .
- يمكنني ان اعلمك . ان الأمر سهل فعلا ما دام في امكانك ان تسبحي ....
- تقصد في حال انقلب القارب بنا !
ابتسم بيرز بحذق وقال:
- في الواقع على المرء ان يكون حاضرا لكل احتمال .
نظرت صوفي الى بشرتها ولاحظت كم تبدو جذابة بلونها الذي يتحول تدريجيا الى الذهبي وهمست :
- اوه ..لا ادري...
- لماذا الا تثقين بي ؟
رفع بيرز حاجبيه وبدا للحظة شديد الشبه بوالده.
نظرت صوفي بعيدا وقالت:
- طبعا اثق بك . الأمر هو ...حسنا , ما سيقول براندت؟
- اسأليه.
اجابت صوفي بتردد:
- هل افعل؟
- انا اسأله اذا كنت ترغبين .
- لا.لا. انا سأفعل.
ونهضت صوفي ونظرت نحوه من دون ان تعير صغر المايوه الذي ارتدته أي اهتمام.
- هل احتاج الى شئ ؟
- حذاء من المطاط . اذا كان لديك. اسرعي. سوف يطيب لك الأمر .
لم يبد براندت أي اعتراضات على خططهما عدا تنبيه صوفي ان تكون حريصة.
- لا اريد ان يصيبك مكروه وانا بالكاد عثرت عليك.
قال لها بحرارة وشعرت صوفي بالذنب . كان عليها ان تقنع نفسها انه لولا مجيئها لما وجد احدا يغدق عليه حنانه وانها بالتالي لا تؤذيه , لكنها كرهت ان تخدعه هكذا . ورأت الأمر يزداد سوءا.
اخذها بيرز في القارب . ومع انه كان صغير الحجم نسبيا فقد كان يتحرك بسرعة مخيفة وهو يمخر المياه . تضايقت صوفي في البداية . لكن ما ان استقرت في المركب حتى بدأت تستمتع بالنزهة . فالقارب الشراعي كان مثيرا اكثر من القوارب ذوات المحرك. كما كان تفسير بيرز لما يفعله مثيرا ايضا.
- اذا ابقيت المركب في وضع مستقيم يسير باقصى سرعته والريح هي التي تقوم بالعمل طبعا . لهذا ابقي الحبل الرئيسي في يدي كي اغير من وضع الشراع في مواجهته للريح فاذا ما واجهتنا ريح قوية مفاجئة وكان الشراع معرضا لها الى درجة كبيرة يمكن عندها ان تنقلب, ولذا على البحار توجيه المركب وادارة الشراع.
- هذا رائع.
ونظرت صوفي الى الشراع العالي فوقهما والى زرقة السماء الصافية.
- هل سأستطيع تسيير القارب لاحقا؟
ابتسم بيرزبهزء:
- ليس اذا استمريت في الأنحناء نحو الحافة كما تفعلين الآن. عليك ان تشدي بعكس ضغط الريح. لا ان تضيفي وزنك في اتجاه ضغطها.
ضحكت صوفي وغيرت موضعها.
- اني مسرورة لأنك دعوتني الى المجئ.
- وانا ايضا.
نظر بيرز اليها وبدا مسرورا.
- يبدو اننا ننسجم معا اليس كذلك؟
اومأت صوفي برأسها موافقة . كان ذلك صحيحا . فعندما تكون مع بيرز تنسى فداحة موقفها وتتصرف بصورة طبيعية0 ربما كانت مبالغة لكنها شعرت بأنها كانت انسجمت مع بيرز في أي حال ومن دون صلة القرابة المفترضة بينهما.
في صباح اليوم التالي دخل براندت الى غرفة الصباح بينما كانت صوفي تنتهي من تناول الأفطار ليبلغها ان هوارد يريد التحدث اليها بالهاتف .
نظرت صوفي نحوه وفاجأته وهو متجهم الوجه .
- لماذا ؟
سألته دونما تفكير فهي لم تجد سببا يدعو هوارد فليمنغ الى التحدث اليها.
هز براندت كتفيه واجابها بثقل.
- اعتقد انه سيدعوك الى قضاء نهار في كومالي.
قالت صوفي ومسحت فمها بالمنديل :
- اوه.
سألها باشراق:
- الا تريدين الذهاب ؟
- ليس بشكل خاص...انا بالكاد اعرفهم.
- اذن لا تذهبي.
ثم اضاف :
- اعلم ان هوارد يشعر بانجذاب نحوك , حسنا ...لانك ابنة جنيفر 0لكن لا يعقل ان يتوقعك ان تنجزي ما تركته امك!.
اتسعت عينا صوفي :
- اتعتقد انه يشعر هكذا.
- اللعنة . انا اعلم انه كذلك!.
وتحرك براندت بنفاد صبر :
بالتأكيد حتى أنت لاحظت كيف حام حولك طوال تلك الأمسية!
تنهدت صوفي:
- من الأفضل ان اقول انني لست ذاهبة اليهم.
- نعم اعتقد من الأفضل ان تفعلي ذلك.
اومأت صوفي برأسها ونهضت واقفة . آخر ما ارادته الآن هو ان يخلق هوارد فليمنغ تعقيدات عاطفية لها. خاب امل هوارد عندما رفضت دعوته . فقال مقترحا:
- اذا لم ترغبي قضاء نهار هنا فما رأيك بدعوة الى العشاء هذه الليلة؟
ترددت صوفي واخيرا قالت :
- آدج ليس هنا , كما تعلم واعتقد ان جدي يفضل لو بقيت هنا الليلة.
سمعت هوارد يتنهد بعمق ويقول بأصرار:
- غدا اذن؟
صمتت لفترة فقال لها هوارد:
- يعود آدج غدا , اليس كذلك؟ وسوف يبحث مع براندت في شؤؤن العمل , في هذا الوقت تتناولين العشاء معي .
فكرت صوفي في الأمر . كان هناك بعض الحقيقة في قوله في أي حال , ابلغها بيرز انها كانت رحلة عمل .
- حسنا غدا مساء . أي ساعة؟
- سأمر لأخذك قرابة الساعة السابعة . ايناسبك ذلك؟
- حسنا.
قالت صوفي وبدأت تندم على موافقتها للخروج معه.
- الى اللقاء اذن.
- الى الغد يا ايف.
ما ان وضعت سماعة الهاتف مكانها حتى شعرت بانها لم تعد وحيدة في الغرفة . كان براندت قد خرج من غرفته ووقف يراقبها.
- اذن سوف تخرجين معه غدا مساء.
علق بتجهم مبينا لها انه سمع نهاية حديثها مع هوارد . وتنهدت قائلة:
- لم يكن في وسعي ان افعل شيئا . سوى ان اطلب اليه ان يدعني وشأني ؟
هز براندت رأسه.
- الى اين سيأخذك ؟
- لست ادري . لم افكر بسؤاله. فقط الى العشاء على ما اعتقد0
ووضع براندت يديه في جيبي سرواله واقترب منها :
- حسنا تعلمين يا ايف . لقد مضى على وجودك هنا قرابة اسبوع وحتى الآن لم نتحدث فعلا.
- اوه , بل فعلنا! واقول بأنني احب اقامتي هنا , والجميع لطفاء معي.
- من السهل على المرء ان يكون لطيفا مع شخص مثلك يا ايف. ويجب ان تعلمي...حسنا...قال براندت بصوت اجش واضاف :
- لا اريدك ان تفكري في العودة الى انكلترا.
فغرت صوفي فاها وهمست بعدم ارتياح:
- ولكن...ولكنك تعلم انه يجب علي ان اعود.
- لماذا؟ لماذا يجب عليك؟
- لدي..عملي..
- اعلم ذلك . انا مستعد لأن اقبل ما يعنيه عملك لك. لكن اذا اردت مني ان اساعدك فليس كثيرا على ان اتوقع منك البقاء بعض الوقت هنا .
حدقت صوفي فيه من دون ان تفهم قصده وقالت بصوت شبه هامس:
- لا افهم.
وفكرت بشكل حدسي مفاجئ اذا كان ثمة امر أخفته عنها ايف قصدا.
- طبعا تفهمين.
لحسن الحظ كان براندت مستغرقا بشرح وجهة نظره الى درجة لم ينتبه معها كفاية الى صدمتها .
- لا انوي الخوض في حسنات الوضع ومضاره الآن . هناك متسع من الوقت لذلك , لكن..اتمنى ان تفكري جديا في البقاء هنا .هل فترة سنه مدة طويلة؟
- سنه؟
كان ارتباك صوفي واضحا هذه المرة . واحنى براندت كتفيه من خيبة امله.وقال بصوت مثقل:
- لا تريدين ذلك . ولا استطيع ان اجبرك . لكنني اتمنى ان تحاولي رؤية الامر من وجهة نظري.
- ولكنني افعل .
وضغطت كفا على كف وتابعت:
- انا000انا افهم تماما , لكن لدي ارتباطات . ولا استطيع ان اتخلى عن كل شئ لفترة سنه!
زفر براندت بصوت مسموع:
- لا.لا. كان علي الا اطلب ذلك.
راقبته صوفي بضعف . لكن ماذا تستطيع ان تفعل . كانت غير قادرة على تلبية رغبته حتى ولو ارادت . اقترحت ايف عليها البقاء اسبوعين او ثلاثة اسابيع . لكن ليس سنة! اضافة الى انه كان عليها التفكير في عملها. فالشركة لن تبقيها في عملها بعد غياب سنة.في أي حال . لو انها كانت فعلا ايف هوليستر , وبراندت كان حقا جدها , لكانت على يقين ان لا شئ يمنعها من البقاء وتحقيق رغبته . فحياتها في انكلترا اصبحت الآن غامضة والحياة الحقيقية هي في ترينداد وخاصة في بوانتي سانت فينسيني ...

5- الماضي يؤذي الجميع!


عاد آدج متأخرا بعد ظهر اليوم التالي , ودخل غرفة براندت وأغلق الباب خلفه . لم تتوقع صوفي ان تراه قبل ذهابها مع هوارد. لكن عندما نزلت الساعة السابعة الا ربعا وجدته في الردهة مسترخيا. كان لايزال يرتدي ثياب السفر وبدا تعبيره مكفهرا عندما استدار ووجدها تتردد عند المدخل .
تقدمت صوفي بحذر في الغرفة , وشعرت بأحراج وهي تحاول ان تبدو عادية في حديثها:
- هل كانت رحلتك جيدة؟
تمهل آدج قبل ان يجيبها بأقتضاب :
- ناجحة .
- اوه.حسنا , اعتقد أنك متعب.
- لا.هل يجب ان اكون .؟
تعمد ان يكون معاندا . استدارت صوفي بعيدا . لم يكن في وسعها الدفاع عن نفسها عندما يجابهها بهذا الشكل.
- فهمت انك ستتناولين العشاء مع هوارد.
جعلتها كلماته تستدير نحوه ثانية.
- نعم لابد انه سيصل في أي لحظة.
- أذا أردت نصيحتي . لا تقتربي من هوارد.
علق آدج بوضوح . وشعرت صوفي بموجة من العصبية تذوب أمام فورة من الغضب التام.
-لا أذكر أنني طلبت نصحك؟
-لا. ولكنني أقدمه في أي حال.
- لماذا ؟ لماذا لا أخرج معه؟
- أول شيء, عمره أكبر من ان يلائم عمرك . ثم أنه يعاني من وهم أنك جنيفر بعثت حية.
أخذت صوفي نفسا مرتجفا:
- نحن مجرد أصدقاء.
- حقا!.
تناول آدج سيكارا من علبة على الطاولة ووضعه بين أسنانه.
- حسنا لا تقولي انني لم أحذرك!
تنهدت صوفي وراقبته وهو يشعل السيكار ويمجه بعمق ثم هتفت:
- اتمنى لو انك تتوقف عن التحدث بهذه الطريقة فأنت....أنت خالي في النهاية.
- أذن كيف تودين أن أكون؟
احنت صوفي رأسها:
-فقط لا...لا تستدرجني دائما .
- اوه فهمت. لا تستطيعين مجاراتي, هذا ما في الأمر؟
نظرت اليه .كانت عيناه قاسيتين وفمه ينم عن تهكم وقالت باندفاع:
- الحمد لله ان بيرز لا يشبهك.
- ألا يشبهني ؟ أليس مثلي ؟ هل أنت متأكدة من ذلك؟
- طبعا.أنا متأكدة . أنني استمتع برفقته.
- ولا تستمتعين برفقتي ؟
- لا تتهمني بشيء لم أقله.
- اعتقدت أن الاستنتاج هذا حتمي.
- تظن أنك حاذق اليس كذلك ؟
- ليس بصورة خاصة. كانت ملاحظة معقولة.
- اوه.!
استدارت بانزعاج , فببساطة لم يكن في امكانها ان تربح مناقشة ضد مقاومته التي لا تتزحزح..
- أعتقد أنك تحب ...ايذائي.
اتكأ آدج على الرف:
- لا أشاطرك الرأي .
- بل انك تفعل , وارتجف فم صوفي , لماذا لا تتحدث الي من دون ان تكون متهكما طوال الوقت؟
- هل هذا ما افعل ؟
- انت تعلم ذلك!
هز آدج كتفيه العريضتين بكسل. ولاحظت عضلاته القوية تحت قميصه القطني الرقيق .
- اذا امتنعت عن ان اكون , ولأستعمل تعبيرك , متهكما , معك, هل ستبتعدين عن هوارد؟
ارتفع حاجبا صوفي دهشة:
- تعني...تعني أن أرفض الخروج معه؟
- ليس الليلة , فالأمر مقضي . أعني....لا تقبلي أي دعوات في المستقبل..
بدت الحيرة على صوفي وسألته:
- ولكن لماذا؟
ضاقت عينا آدج:
- انه طلب مباشر. اجيبي .
- ولكن ماذا في استطاعتي ان اقول ؟ سيبدو الأمر ... وقحا جدا.
- أخبريه أنك تزمعين القيام بأمور أخرى . أخبريه انك تخرجين معي .
- معك؟ اندهشت صوفي , ولكنه سيعلم أن الأمر غير صحيح.
- سأجعله صحيحا.
- ولكن لماذا تفعل ذلك؟
- هوارد صديقي. ولا أريده أن يتأذى مرة أخرى. اذا كان في مقدوري منع ذلك.
ترددت صوفي:
- ماالذي يجعلك متأكدا أنني سوف أؤذيه؟
- ستعودين الى انكلترا, اليس كذلك؟ عندما تنتهي هذه اللعبة!
- ماذا تعني بهذه اللعبة؟
وخفق قلبها بشدة.
- مجرد اصطلاح , هذا كل ما في الأمر. في أي حال , الأمر فعلا لعبة أليس كذلك؟
أعني ....الوضع بمجمله.
لم تعرف صوفي بما تجيب. لكن لحسن حظها سمعا محرك سيارة تقترب من الباحة في الخارج.
وقال آدج بجفاف :
- يبدو انه حضر. لا تزعجي نفسك. سيدخله أحد الخدم.
هزت صوفي رأسها وقالت باضطراب:
- اتمنى لو أنني غير ذاهبة.
هز كتفيه واعتدل في وقفته:
- لماذا؟ ستمضين وقتا طيبا في الغالب .
- بعد هذا الذي قلته؟
- نعم. ضعي هذا الحديث جانبا.
- كما لو اني استطيع.
- حسنا ....تذكريه اذن . فقط لا تخططي أي شئ ليوم غد, لأنني سآخذك الى جنيفيرا.
- جنيفيرا؟ أين هذا المكان؟
- انه خليج صغير , على مسافة من هنا , ولا يمكن الوصول اليه الا عن طريق البحر. والشاطئ هادئ والمياة ضحلة. فكرت أنك قد تودين تجربة الغطس.
- الغطس؟ شعرت صوفي بأثارة خفيفة , يبدو الأمر مثيرا.
-انه كذلك.
كان ذلك صوت بيرز , واستدارت صوفي نحو الباب لترى انه دخل الغرفة للتو.
- هل كان والدي يخبرك عن نزهة الغد المقترحة؟
- انت تعلم؟
- طبعا.
- اوه , فهمت. فجأة فقدت النزهة المقترحة شيئا من جاذبيتها . هل ستأتي انت ايضا؟
اجابها بمرح:
- حاولي ان تمنعيني . لا استطيع الأنتظار لأجعلك تشاهدين ما يوجد تحت الماء .
هزت صوفي رأسها وابتسمت ابتسامة طفيفة وشعرت بعيني آدج تحدقان فيها. لم يكن لحديثهما علاقة بقراره ان يأخذها في نزهة. ولا شك أن والده هو الذي اقترح الأمر . فهو أيضا اراد ان يبقيها بعيدة عن هوارد.
جاءت احدى الخادمات الى باب الردهة وقالت:
- السيد فليمنغ هنا يا سيد آدج جاء من اجل الأنسة ايف.
- اطلبي منه ان يدخل يا راكيل.
أمرها آدج بهدؤ وهو يطفئ سيكاره في منفضة عاجية:
- هل تتناولين شرابا قبل ان تخرجي يا ايف؟
لم يتسع الوقت لصوفي كي تجيبه, فقد دخل هوارد فليمنغ الغرفة . وبدا أنيقا وجذابا وهو يرتدي بدلة بنية غامقة وغاير منظره المتآنق , مظر آدج المتعب من جراء السفر لكن مع ذلك , فلو انها كانت صادقة مع نفسها لاعترفت بانها تفضل البقاء في المنزل تلك الأمسية , على قضاء أمسية وجها لوجه مع رجل توقع يوما أن يتزوج جنيفر..

وعلى غير توقعها , تمتعت صوفي بالأمسية . أخذها هوارد الى ناد ليلي في بورت اوف سباين , وبعد عشاء شهي تفرجا على الراقصين واستمعا الى المزيد من الموسيقى التي كانت الفرق تتمرن عليها أستعدادا للكرنفال المقبل.
كان الجو مفعما بالأثارة الطليقة التي لم تترك احدا من دون ان تؤثر فيه.ووجدت صوفي نفسها تتمايل مع الموسيقى وتتمنى ان ترقص على انغامها. وحسدت النساء اللواتي كن يرقصن ويتمايلن مع الألحان بانسجام تام وتساءلت عما يمكن ان يفكر به هوارد لو أنها تخلت عن انضباطها وحذت حذوهن. شعرت بأنه لن يوافق , فمع انه بدا رجلا طربا ودودا شعرت فيه بشئ من الأنقباض يقضي على أي اندفاع في التصرف. كان شعورها هذا حدسيا وتساءلت اذا كان لهذا الشئ علاقة في طربقة تصرف جنيفر في السابق .
ثم عادا الى المنزل وهما يتنسمان هواء الليل العليل , وأشار هوارد الى الأنوار المتلألئة التي ظهرت في البعد . كانا قد تحدثا كثيرا ذلك المساء , أحاديث بسيطة عن الموسيقى والأفلام , وكتب تمتعا بها. ولكنهما ظلا صامتين في طريق العودة وتساءلت صوفي عما كان يدور في ذهن هوارد.
كانت هي مشغولة بمشاريع الغد , ولم تستطع أن تنكر شعور الأثارة الذي اكتنفها لدى التفكير بها. ورفضت ان تفكر بما قاله آدج وادركت انه لو شك في هويتها لكشف الأمر.
عندما اوقف هوارد السيارة في باحة المنزل أطفأ المحرك والتفت نحوها قائلا:
- لقد استمتعت كثيرا بهذه الأمسية يا ايف. أرجوك قولي انك ستأتين الى كومالي غدا!
اتكأت صوفي جانبا بقدر ما تستطيع وهزت رأسها معتذرة , وقالت له:
- أخاف الا استطيع.
وكانت مسرورة لأنها لم تضطر الى الكذب وأردفت:
- خالي .. خالي وبيرز سيأخذاني الى الأبحار غدا.
- آدج؟
قطب هوارد حاجبيه مندهشا :
- فهمت انه سيقضي النهار مع جانين .
- جانين!
- بالتأكيد . طبعا لاحظت كيف هي الأمور بينهما.
حبست صوفي انفاسها وسألته برقة:
- كلا . كيف هي؟
تنهد هوارد , ومرر أصابعه حول مقود السيارة:
- حسنا . اعتقد بأنهما سيقترنان يوما ما . ليس هناك من داع للعجلة . فهما يعرفان بعضهما منذ مدة طويلة.
وتمنت صوفي الا تظهر صدمتها :
- انا...لم اعلم.
هز هوارد كتفيه:
- الأمر معروف هنا . وأعتقد ان احدا لم يجد من الضروري ابلاغك الأمر. ولكن منذ وفاة جيري...
- جيري ؟
- جيرالدين , زوجة آدج.
- اوه فهمت . أخشى ان معرفتي للعائلة محدودة .
- لا بد انها كذلك.
اومأ هوارد برأسه وتابع:
- وبالطبع لا احد يتحدث عنها هذه الأيام . فقد مضت عشر سنوات على وفاتها.
فتحت صوفي فمها لتسال مزيدا من الأسئلة عن جيرالدين المجهولة ولكنها اغلقته ثانية. لم يكن الأمر يعنيها خاصة عندما فكرت ان لا مكان فعليا لها في هذه العائلة . ولكنها لم تتمكن من تناسي الأمر كليا فقالت تحثه على الحديث :
- قلت..منذ ان توفت جيري.
- ماذا؟ قطّب هوارد , اوه نعم , منذ توفت جيري , لازمته جانين كخياله . وكانت بعمرك طبعا , اكثر بقليل من فتاة صغيرة عندما ترمل آدج , ولكنها احبته دائما واعتقد ان آدج يفهمها .
شعرت صوفي بشئ من الغثيان .. فالشراب الذي تناولاه لم يناسبها كثيرا.
- حسنا , علي ان اذهب .
- الن تغيري رأيك بالنسبة الى يوم غد؟
- لا أستطيع.
قالت صوفي وهزت رأسها بالنفي.
- حسنا . سأتصل بك , بعد بضعة أيام . ربما نستطيع تحديد موعد مناسب لنا.
تخاذلت صوفي ولم تجبه وفتشت عن مقبض الباب وفجأة فتح وخرجت لتجد ان هوارد استدار حول السيارة وفتح الباب لها.
- عمت مساء.
وانطلقت نحو البيت.
- تصبحين على خير يا ايف.
ما ان دخلت المنزل حتى جاء براندت لملاقاتها قائلا:
- اهلا , هل تمتعت بهذه الأمسية؟
- كثيرا, شكرا لك.
كان صوت صوفي ضعيفا ونظر براندت اليها بحدة .
- مالخطب؟ تبدين شاحبة. واسودت عيناه, هوارد لم.
- هوارد لم يفعل شئا . فقط أشعر بانزعاج قليل , هذا كل شئ .المأكولات غنية بالتوابل على ما اعتقد.
- هاه.
بدا براندت غير مصدق .
- حسنا ادخلي الردهة وتناولي بعض الشراب قبل الذهاب الى غرفتك .
كادت صوفي ان ترفض لكن صورة غرفتها الهادئة جعلتها تغير رأيها.
فهي لم ترد ان تراجع نفسها كثيرا في تلك اللحظة. وسبقت براندت الى الغرفة الجميلة وارتاحت عندما وجدتها خالية. وجلست في احد المقاعد الوثيرة وعندما سألها براندت عما تود ان تشرب.
- بعض عصير البرتقال من فضلك.
- هل هذا ما تريدين ان تشربيه وانت تشعرين ببعض الأنزعاج؟
- حسنا , لا اعتقد انه يكفي , أين الأخرون؟
- روزا وبيرز اخلدا الى النوم. وآدج لم يعد بعد .
وتمنت صوفي الا تبدو فضولية:
- آدج خرج؟
- نعم . ذهب لزيارة عائلة فليمنغ .
بلعت صوفي ريقها بصعوبة وتناولت كأسها من براندت ونظرت اليها بتركيز .
- أخبرني , هوارد ....أن آدج وجانين...
- اوه , هكذا؟ في الواقع يجب الا تهتمي كثيرا لما يقوله هوارد.
سألته صوفي بدهشة:
- لماذا؟
- تحاول عائلة فليمنغ الأرتباط بعائلتنا منذ سنوات , حتى قبل والدتك, لا اتوقع ان يقترن آدج بجانين.
- ولكن لماذا؟ الا يحبها, هل هذا ما تريد ان تقوله؟
- لا دخل للحب في الموضوع . ياعزيزتي ايف. انك بسيطة جدا في بعض الأحيان ! خلافا لانطباعي عن النساء الصحفيات تعلمت شيئا ما عن اولادي وهو انهم لا يحبون ان يجبرهم احد على القيام بعمل ما . واذا ما قرر آدج ان يتزوج مرة اخرى , وبصراحة لا ارى أي احتمال ان يحصل الأمر , فسوف يفتش عن امرأة بنفسه . وجانين ملحة كثيرا. وقد ذهبت معه الى توباغو.
شدت صوفي قبضتها على الكأس.
- ولكن قلت للتو...
- حسنا, ربما اسأت التعبير . ذهبت الى توباغو على متن الطائرة ذاتها ونزلت الفندق ذاته.
- تعني من دون دعوة؟
ابتسم براندت:
- ان جانين مصرة جدا.
- اعلم ولكن..
- ولكن انت لا تفعلين امرا مماثلا؟
قال هذا منهيا حديثه. اجابته صوفي بأصرار:
- في الواقع كلا.
- ربما لم تصادفي بعد الرجل الذي سيقلب عالمك رأسا على عقب 0 انا متأكد تماما من ان والدتك كانت ستقوم بعمل فظيع لو اني منعتها من الذهاب مع والدك.
كانت هذه هي المرة الأولى منذ وصولها التي يتحدث فيها عن هروب والدة ايف وتساءلت صوفي عما اذا كان وجودها هنا الآن يساعده في النظر الى المسألة بمرارة اقل . فاذا كان الأمر كذلك تكون قد حققت شيئا ما على الأقل . لكن ما قاله براندت قضى على هذا الأعتقاد.
- انت لا تذكرينني بوالديك . فأبوك كان انتهازيا.
أحنت صوفي رأسها وتجاسرت ان تقول:
- لقد...أحب والدتي , كما تعلم.
تنهد براندت :
- هل فعل؟ لكنه لم يسعدها. ربما لو انها لم تمت عند ولادتك . لكانت الأمور تغيرت. واحتقن صوته . ولكن فات الأوان الآن . علينا ان نحاول نسيان الماضي ونحيا الحاضر على افضل وجه.
لم تعلق صوفي على ما قاله . كان واضحا ان حديثه عن ابنته يزعجه وتساءلت لأول مرة عما كان يمكن ان يكون رأيه بأيف. من كانت تشبه في تصميمها على الحصول لكل ما تريده؟ جنيفر , اتي هربت من اجل الحب , ام جيمس , الذي تحدى هذا الرجل
المتعجرف ليتزوج المرأة التي اختارها. انهت كأس البرتقال ونهضت واقفة.
- حان وقت النوم على ما اعتقد.
اومأ براندت برأسه وكان تعبيرة لطيفا , وهمس وهي تمر أمامه :
- حاولي الا تسيئ الظن بي .
توقفت صوفي لما شعرت من عذاب في صوته :
- اوه ارجوك كما قلت , الأمر كله من الماضي . لا يفيد ان يحقد المرء.
- شكرا لك يا عزيزتي . اذهبي الى النوم الآن , سوف تخرجين مع بيرز و آدج غدا, اليس كذلك؟
- هذا صحيح , وضغطت صوفي على ذراعه بلطف وهمست , تصبح على خير يا براندت .
وبحركة اندفاعية انحنت الى الأمام وطبعت قبلة خفيفة على خده . لكن حتى قبل ان تعتدل في وقفتها شعرت أنهما لم يعودا وحيدين . رأت آدج يقف على عتبة الباب ينظر اليهما بأمعان , ونظرة تهكم تغطي ملامحه الشديدة الجاذبية.
6- الآلأم تكشف الحقيقة!


تلاطمت أمواج خليج جنيفيرا برفق على الرمال المبيضة من أشعة الشمس. كان المكان منعزلا تماما كما وصفه آدج تحوطه صخور عالية مغطاة بالطحالب التي بدت كأنها أعمده قلعة قديمة. رسا المركب الشراعي على مسافة من المكان حيث وقفت صوفي وحيدة في تلك اللحظة . وفكرت في ما كان يمكنها ان تفعله لو ان آدج وبيرز لم يعودا لسبب ما . لم تعرف كيف تقود المركب الشراعي ولم يكن مزودا بمحرك.
استدارت واستلقت على صدرها . بالتأكيد سوف يعودان . كان بيرز سيعلمها كيف تستخدم الانبوب الهوائي . لكنه ذهب مع آدج للغطس ناحية المياه قبل ان تقوم بذلك . وشكت صوفي في الأمر . في أي حال مضى على وجودها هنا اكثر من اسبوع , وعاجلا ام آجلا كان عليها ان تبدأ في التفكير في العودة الى انكلترا. تجنبت ذكر الأمر لبراندت لأسباب واضحة . لكنها اعترفت لنفسها بصدق ان فكرة المغادرة أصابتها بانقباض .لم ترغب في العودة فعدا عن جمال البيئة , أصبحت مولعة ببراندت وبيرز لكنها لم تتحمل التفكير بمشاعرها تجاه آدج.
اعتدلت جالسة وركعت على ركبتيها وراحت تراقب حركات سرطان يشق طريق بارتباك الى الشاطئ. بدأت ترى ان هذه المهزلة التي دفعتها ايف الى القيام قد يكون لها ردود فعل من شأنها ان تقضي على أي امل يراودها بالسعادة. ونهضت واقفة محاولة بأن تدفع تلك الأفكار بعيدا عنها. كان دفء الشمس مثل البلسم لروحها المضطربة وبسطت بغنج ولم تلاحظ ان احدا يراقبها الا بعد فوات الآوان . كان آدج قد خرج من المياه ووضع قارورة الأوكسجين في المركب.
هوت ذراعاها الى جانبيها وانحنت تنفض الرمال عن منشفتها.
تحاول فعل اي شئ يجنبها هذا الشعور المجنون الذي انتابها , وكان يدفعها الى النظر في عينيه والأعجاب بجسمه وهو يرتدي مايوه سباحة
ازرق.
تقدم منها بصعوبة وهو لا يزال يضع الخفاقين في قدميه وتمكنت من اخفاء ارتباكها بأن ضحكت وسألته بمرح:
- تبدو كطائر البطريق.
ونظر الى قدميه بمرح:
- لدي مثلهما لك ايضا. وهاك القناع وانبوب الهواء . هل تظنين انك تستطيعين وضعهما؟
جلست صوفي على الرمال ثانية :
- سأحاول , اين بيرز؟
- سيعود قريبا. يعلم اني تركته.
أومأت صوفي وبدأت تضع قدميها في الخفاقين. كان الأمر سهلا , لكن عندما حاولت النهوض كان الأمر أصعب مما ظنت . جهدت في الا تدوس خفاقا بأخر وهي تحاول الوقوف وبعد أن راقبها آدج لفترة . انحنى ومد يده اليها . أخذتها صوفي وسحبها بقوة , ثم تركها فورا. ناولها قناعه قائلا :
- والأن ! ضعي هذا على انفك , هكذا .
وساعدها في ذلك .
-هاك انبوب الهواء . اترين هذه القطعة تضعينها على فمك والأنبوب على قناع الوجه....انتهينا.
اومأت صوفي برأسها . وجربت وضع القطعة المطاط في فمها .أخرجتها ثانية وكشرت:
- انها كبيرة جدا. اليس كذلك؟
- ليس كثيرا , لكنك عصبية قليلا , هذا كل ما في الأمر.
كان آدج صبورا اكثر مما توقعت صوفي .
- والأن , حاولي مرة اخرى. أترين هذه الكرة عند طرف أنبوب الهواء؟
مادمت تتنفسين بصورة طبيعية فانها تبقى في مكانها . لكن اذا هلعت تقطع عنك الهواء وعليك أن تعومي بسرعة افهمت؟
- كيف اعلم بالأمر.
- اوه ستعلمين . هل نجربها.؟
كانت المياة دافئة جدا قرب الشاطئ لكن صوفي وجدت نفسها ترتجف من الخوف.
- استرخي ليس هناك ما يخيف.
- انا ...اعلم.
تفحصت صوفي فم الانبوب قبل أن تضعه في فمها :
- ولكن ماذا ستفعل انت؟ ظننت أنك ستأتي معي لكن لا معدات معك؟
- انني قادم معك ولن احتاج اليها.
اكد آدج الأمر لها ومرر يده عبر شعره تحت صفحة المياه . ابقي وجهك ناحية أسفل وتنفسي بصورة طبيعية.
فعلت صوفي كما قال لها . لم يكن الامر سيئا في البداية .ركزت على تنفيذ تعليمات آدج كما أخذتها ألوان البحر الرائعة والحياة البحرية في العمق.
سبحت سمكات صغيرة بالقرب منها واندفعت عبر صخور مرجانية عكست ألوان الشمس المتعددة . شعرت بآدج يسبح قربها وكانت مطمئنة.
ولكنه تقدمها قليلا وعندما ادركت صوفي انه وحيدة حركت قدميها بسرعة أكبر كي تلحق به. ولسوء حظها اندفعت أكثر نحو القاع , وانسد انبوب الهواء وامتلأ فمها بالمياة المالحة . وهلعت للحظة وطفت وهي تتخبط في الماء وتسعل محاولة ان تلتقط انفاسها.
وبدا وكأنما آدج أصبح قربها فورا, تحدث اليها يطمئنها ونزع القناع وأنبوب الهواء عن وجهها وسألها عندما بدأ تنفسها ينتظم:
- اترين ان تعودي ؟
لكن صوفي هزت رأسها نفيا :
- أنا على مايرام الآن.
همست بعدم ثبات واستدارت ونظرت اليه تسأله:
- هل00هل تساعدني في وضع القناع ثانية؟ لست متأكدة تماما كيف أضعه.
اومأ آدج برأسه موافقا واقترب منها وقال بأقتضاب:
- ضعي يديك على كتفي. لا أستطيع تثبيته عليك اذا استمريت في الأبتعاد.
وضعت صوفي يديها على كتفيه ووضع القناع بسرعة في مكانه وناولها فم الأنبوب وابتسمت صوفي قائلة:
- شكرا لك , آسفة لأني كنت بلهاء.
رد عليها آدج بشئ من الحدة :
- لم تكوني بلهاء : تنقصك الخبرة ’هذا كل شئ.
رفعت صوفي كتفيها ووضعت رأس الأنبوب في فمها وتنفست بعمق وبدأت تسبح مجددا . بقي آدج قريبا منه هذه المرة . لكن بعد مرور ربع ساعة أشار عليها بالعودة . ارادت صوفي ان تحتج الا انها لم تجسر . وسبحت وراءه طائعة الى ان وصلا الشاطئ وسارا خارج المياه . كان بيرز قد عاد وفتحت صوفي حقيبة الغداء التي حضرتها فيوليت لهم . تكوّن الغداء من الدجاج والسلطة والبطاطا الحلوة والفواكه والمرطبات التي وضعها بيرز في المياه قرب المركب كي تبرد بعد الغداء استرخى بيرز لفترة قصيرة ثم سار نحو المركب ليتسلى , وبقيت صوفي وحدها برفقة آدج.
ظنت أنه نائما لكن عندما نهضت لتمد منشفتها فتح عينيه , ورفع نظارتيه السوداوين على جبينه . سألته صوفي معتذرة:
- هل ازعجتك؟ لم أقصد...
هز ادج رأسه بكسل:
- لم اكن نائما!
- اوه حسنا.
عادت صوفي الى الأستلقاء ثانية . ولامست يد آدج جانبها لا اراديا فابتعدت فاوضح تصرفه هذا:
- حاولت ابعاد...
فتخضبت خجلا وكان رد فعلها مبالغا به فشعرت بالارتباك وقالت:
- لم000لم أعلم ما الذي لمسني هذا كل شئء , لقد فوجئت.
- هل فاجأتك؟ أني آسف.
لكن نبرته التهكمية كانت واضحة, وعادت صوفي تتأمل المحيط وكتفاها محدودبتان وعلّ آدج :
- نسيت كم انت حساسة فيما يخصني.
أطبقت صوفي قبضتيها وهتفت بغضب من دون ان تنظر اليه:
- اوه , لا تطري نفسك! لن افقد الوعي فقط لأن آدج سانت فينسيتي وضع يده علي!
تمدد آدج بارتياح على الرمال الدافئة وقال معلقا بلطف:
- لا ادري ما قصدك.
- بل تدري.
ووضعت يدها تحت ذقنها واوضحت قائلة:
- لابد ان التأثير الذي لك على بعض النساء هو امر ملاحظ , وانا واثقة منذلك.
- من يلاحظ ذلك؟
ونظرت صوفي اليه ببرود:
- انت بالطبع
نزع آدج نظارتيه ونظر اليها متفحصا:
- بصفتك ابنة اختي , تشعرين اني مغرور, هل هذا ما في الأمر؟
ترددت صوفي مدركة تورطها التدريجي في الحديث :
قالت وكأنها تخاطب نفسها:
- اوه..هل يهم الأمر.
- نعم اعتقد ذلك.
وضع آدج نظارتيه جانبا وتمعن فيها بعد ان اشاحت بوجهها بعيدا عنه وقال:
- اريد ان اسمع المزيد عن رأيك الذي كونته عني . هل انت متأكدة بأنك موضوعية؟
غرست صوفي أصابعها في الرمال.
- لا موجب لبحث الأمر أكثر.
- الا تفهمين أنني أريد أن اسمعك , فانت تحيرينني 0كيف يمكن لشخص في وضعك أن يعلم اذا كانت النساء تجدنني جذابا ام لا.
تمنت صوفي لو انها لم تقل شيئا عن الموضوع.
- انه امر واضح.
- هكذا ؟ أخبريني المزيد!
هزت صوفي كتفيها بيأس:
- أنك تعيد الكرّة اليس كذلك ! أقصد , تتعمد ازعاجي.
ونظرت نحو الشاطئ الى حيث كان بيرز في المركب يعالج شيئا ما في الأشرعة.
- من حسن الحظ ان ابنك لا يستطيع ان يسمعك.
مال آدج برأسه الى الجهة الأخرى متحديا:
- لماذا ؟ ماالذي قلته ولا يجوز ان يسمعه؟
هزت صوفي رأسها , غير قادرة على التفكير في أية اجابة . ونظرت اليه.
ومن هذه المسافة القريبة استطاعت ان ترى النقاط الصفراء في عينيه العسليتين ورموشه الطويلة الكثيفة, وعضلات فكيه القوية. كان شعره داكنا في الشمس وزاد سالفاه في سمرته. فغرت فاها عندما اصبحت نظراته اشد تركيزا واضطرت الى أن تنظر بعيدا وهي تكاد تكون مصدومة من المشاعر التي حركها فيها. وشعرت بعصبية عندما أحست بأصبعه يلامس بشدة يدها لكنها لم تقل شيئا.
- لقد أصبحت سمراء. وهذا يلائمك.
بلعت صوفي ريقها بعد ان استعادت هدوءها:
- مالذي تحاول ان تفعله يا خالي آدج؟ تبين لي خبرتك بالنساء ؟
اسودت عينا آدج غضبا وامسك بذراعيها بقوة:
- انتبهي .....يا ايف!ربما تزعجني هذه الأمور أقل مما تزعجك!
- ماذا تقصد؟
- اعني انك قد تحصلين على اكثر مما راهنت عليه عندما اتيت الى هنا.
- أنت .....انت لا تستطيع ان تخيفني.
- لا استطيع؟ اعتقد اني استطيع , بل انا متأكد من ذلك.
- اترك ذراعي ! انك تزعجني.
- صحيح؟
لمعت عينا آدج بصورة خطرة:
- لا تقولي لي ما علي عمله!
- لما لا؟
لم تعرف صوفي ما الذي يدفعها ان تخاطبه بمثل تلك الطريقة.
علمت انها كانت تخاطر لكنها شعرت بالأثارة لعلمها انها قادرة على أثارة أعصابه ولو بصورة طفيفة. نهضت واقفة لكنها تعثرت ووقعت على الرمال . أمسك بها بعنف وشعرت بالخوف وأصبح تنفسها سريعا وغير منتظم.تنهدت بعمق وشعرت بقبضته تفلتها وقف آدج ونظر اليها بغضب ثم استدار بعيدا وبدا عليه الأحتقار ولم تعلم اذا كان يحتقر نفسه ام يحتقرها هي..
استلقت صوفي على الرمال مشدوهة بالمشادة التي حصلت لكن بدا واضحا ان آدج مل رفقتها اذ سار بعيدا عنها نحو المركب وجعلها تشعر بالوحدة لم تشعر بمثلها قبلا.
صار لدي صوفي الوقت الكافي خلال اليومين التاليين لتفكر بأحداث ذلك النهار الكارثة. بعد ان قرر آدج رغما عن والده ان يقود المركب المأجور الذي سيبحر في اليوم التالي في رحلة صيد تستغرق يومين, وكان بيرز متشوقا جدا لمرافقته. ومع ان رجل اعمال من فنزويلا وزوجته استأجرا اليخت قبل اسبوع, ادركت صوفي ان آدج قرر الذهاب فقط كي يتجنبها.
أقنعت نفسها بأنه سعيده لذهابه,وبأنها ستتمتع في غيابه لكنها ادركت أنها تخدع نفسها . فعلى رغم ما حدث بينهما شعرت بنفسها مجذوبة نحوه اكثر فأكثر, على الأقل فكريا . ومرت لحظات في طريق عودتهما من خليج جينيفرا عندما شعرت بأنها تريد ان تذهب اليه وتعتذر عن تصرفاتها وتطلب الغفران. لكنها بالطبع لم تفعل , وها هو الآن يتركها وحيدة مرة ثانية.
في غياب بيرز , امضت صوفي وقتا أقل في السباحة وأخذت تطوف في ارجاء المنزل الأنيق على غير هدى. علمت ان عليها مفاتحة براندت في موضوع مغادرتها. ومهما يكن من أمر,عليها ابلاغه0 فقد كان من الافضل لها مغادرة المكان والابتعاد عن آدج الذي كان يشوش افكارها . فالحرية التي شعرت بها هنا جعلتها تتوهم امور كثيرة .وأملت في ان الرجوع الى ساندتشبرش , وتنظيم أمور عملها , سينسيانها كل هذا الأندفاع الساذج الذي شعرت به تجاه رجل ظن انها ابنة اخته.
في صباح اليوم الذي غادر آدج وبيرز المنزل. تناولت الأفطار مع براندت وهو حدث غير عادي لكن براندت هو الذي رتب الامر على ذلك النحو بسبب غياب الآخرين . وشعرت صوفي ان الوضع ملائم جدا, وببعض التردد ذكرت انها استفسرت عن الطائرة المغادرة الى انكلترا, لكنها , لم تكن مستعدة لردود فعل براندت . فقد دفع كرسيه الى الوراء ووقف امامها بعصبية ويداه تقبضان على جانبيه. وقال بجفاف:
- لا يمكن ان تكوني جادة.
طرفت عينا صوفي:
- لم لا؟
- لما لا ؟ لما لا؟ لأنني لن اسمح بذلك ,هذا هو السبب.
حاولت صوفي ان تبقى هادئة:
-براندت , يجب على ان اغادر.
انحنى الى الأمام ووضع يديه على الطاولة أمامه ونظر اليها نظرة ثاقبة.
- منذ بضعة ايام فقط سألتك ان تفكري في البقاء هنا لمدة سنة , والآن تأتين الي بعد أقل من اسبوعين على وجودك هنا لتخبريني بهدؤ انك استفسرت عن الطائرات المغادرة ! كيف تتوقعين ان يكون ردة فعلي على هذا الأمر ؟
شعرت صوفي بفيض من المحبة, فقط لو كان بامكانها ان تخبره كم ترغب في البقاء لكنها اجبرت نفسها على قول ما كانت ايف تتوقع منها ان تقوله واحتجت تجاه ذاتها!
- لكن يا براندت , خططت للبقاء لمدة اسبوعين
او ثلاثة اسابيع فقط.
- لكن هذا حدث قبل ان نلتقي....قبل ان يعرف أحدنا الأخر , ظننت وخيل الي , ربما عن سذاجة انك بدأت تحبين الأقامة هنا....انك تحبينني !
حدقت فيه صوفي باستسلام . ثم هتفت متأثرة:
- اوه يابراندت , انني احبك وانت تعلم ذلك . لقد كنت لطيفا جدا معي . سأفتقدك كثيرا.
- اذن لا تذهبي , الأمر بهذه البساطة.
- كلا , انه ليس كذلك.
احتارت صوفي كيف تفسر له الامر من دون ان تؤذي مشاعره؟
- لا استطيع التخلي عن عملي لمدة سنة وبالتالي اتوقع متابعته من دون مواجهة مصاعب جمة.
- نعم, في الواقع, هذا ما ينبغي علينا التحدث عنه , اليس كذلك؟
قطبت صوفي حاجبيها:
-لا افهم.
- الآن يا ايف ,دعينا لا نتظاهر بأننا لا نفهم.علمت عندما اتيت الى هنا بأنني سأفعل ما في وسعي لابقيك هنا حتى لو تطلب الامر تأسيس وكالة صحافة خاصة بك, فأنا على استعداد للقيام بذلك...
دهشت صوفي . وفجأة تذكرت امرا آخر قاله براندت في السابق عن انه مستعد ان يساعدها! ولكن بمثل هذه الطريقة؟ لم يبد ما قاله مهما وقتئذ. لكن صوفي وجدت نفسها تتساءل عما قالته ايف لها عن ذهابها الى ترينداد؟ ولماذا لم تذكر لها شيئا. بالطبع كان الجواب عن ذلك جليا . فلو ان صوفي أحست ان في الأمر ما يتعدى قضية الأسترحام الذي ابدته ايف لها , لكانت رفضت المجئ,وكانت ايف تدرك ذلك . ولكن هل يعقل ان تكون رغبة ايف الا تخيب امل جدها دافع مالي؟ كانت الفكرة رخيصة وغير مستساغة , وتساءلت صوفي عن الورطة التي اوقعت نفسها فيها.
والأمر الوحيد الذي تستطيع ان تفعله الآن هو ان تبرق لايف تطلب منها ان تكتب وتخبرها عما كانت تتأمل ربحه من خداعها هذا.
فجأة ادركت ان براندت كان لا يزال ينتظر اجابتها , وهزت رأسها بشئ من الدهشة وقالت:
- لا اتوقع منك ان تفعل شيئا من هذا القبيل انا ...انا لا امانع في البقاء صدقني . الامر هو ...انني يجب ان اعود.
- لكن ليس بعد أسبوعين!
ازاحن صوفي خصلة من شعرها خلف اذنيها:
- حسنا ربما استطيع ان ابقى...ثلاثة اسابيع.
- اربعة!
- انا لا اقايض معك.
- ولكنك ستبقين لمدة شهر اليس كذلك؟
ندمت صوفي على موافقتها البقاء طوال النهار . في أي حال , كانت فترة الأجازة التي حصلت عليها لا تزيد عن ثلاثة اسابيع على ابعد تقدير.وهناك مشكلة التفكير بأيف. كان عليها الذهاب الى بورت اوف سباين وارسال برقية بطريقة ما من دون ان ينتبه أحد , ويمكن لايف ان تكتب اليها رسالة من دون ان تخاف فضح أمرها. لكن من الصعب عليها ارسال برقية موجهة اليها عن طريق شقة ايف في لندن من دون اثارة الكثير من الشكوك
عاد آدج وبيرز ذلك المساء بينما صوفي وبراندت وروزا يتناولون طعام العشاء على الشرفة . واتجها نحوهم ليعلنا عودتهما ولم تستطع صوفي ان تنكر شعور الطمأنينة الذي انتابها عندما علمت انهما عادا الى المنزل سالمين. بدا آدج جذابا وكسولا وهو يرتدي سروالا مبللا وسترة مفتوحة حتى الخصر وذقنه غير حليقة . سألهما براندت وهو ينهض ليرحب بهما :
- هل كل شئ على ما يرام؟
أجاب بيرز بحماس:
- عظيم ! واصطدنا سمكة باركودا كبيرة الحجم!
استمع آدج الى ابنه يتحدث بحماسة وبدا صبورا في اصغائه. ولم تكن هذه المرة الاولى التي لاحظت فيها صوفي الحب العفوي الذي كان بينهما,وشعرت بوخزة حسد. وقال آدج موافقا بهدؤ:
- كانت رحلة ناجحة الى حد معقول.
- اصطدنا الكثير من الأسماك الصغيرة وسمكتين كبيرتين .وعدا عن وقوع ماريا من المركب سار كل شئ على ما يرام.
انقبض كفا براندت:
- من وقع عن ظهر المركب؟
- ماريا زوجة دييغو. اثارتها سمكة الباركودا ! الى حد كادت ان تمسي وجبة للسمكة وليس العكس.
استمعت صوفي الى حديثه بغيرة.كان يمكنها ان تعلم بأن هناك امرأة دائما في عالم آدج. كان براندت مهتما فسأل:
- وهل هي بخير؟ الم تصب بجروح؟
هز بيرز رأسه نفيا:
- اوه , كلا! غطس والدي في المياه وانتشلها .كانت غلطتها هي . غضب زوجها جدا, اليس كذلك يا ابي؟
هز آدج كتفيه يعدم اكتراث :
- لا بأس عليها. لم تصب بأذى . فقط تبللت واضطربت . هذا كل شئ. ونظر الى صوفي متعمدا وأكمل , تميل النساء الى الخوف لسوء الحظ.
نظرت صوفي الى السرطان الذي جثم في صحنها . وفقدت شهيتها بسرعة وأنبت نفسها لأنها كانت تكترث لأي شئ يقوله او يفعله آدج . لماذا لم تستطع ان تنظر اليه كما نظرت الى براندت او بيرز.؟
فهي احبت كليهما وهما بالتالي اظهرا لها المودة ذاتها , اذن لماذا يتميز آدج عن غيره؟
اعترفت انها شعرت بوجوده على نحو لم تكن تعهده منذ لقائهما الأول في بورت اوف سباين.
اراد براندت ان يعرف المزيد عن الرحلة , آدج اعتذر لاضطراره الى الأستحمام وتبديل ملابسه . وعاد براندت الى الطاولة وهز رأسه وهو يعود الى تناول طعامه.
- تصوروا ذلك0 وقعت عن ظهر المركب بالفعل ! دائما اقول ان النساء على متن المراكب المأجورة هن اخبار سيئة!
تظاهرت صوفي بأنها منكبة على التهام طعامها لكنها متشوقة الى معرفة المزيد عن المرأة الفنزويلية وسألته بعفوية مقصوده:
- اتعرف هؤلا الناس؟
قطب براندت حاجبيه وأجاب:
- آل دييغو ؟ في الواقع , لا اعرفهم شخصيا. لكنني اعرف ان رفاييل يعمل في مجال النفط, مثلنا . تعامل آدج معه في السابق . لماذا ؟
- كنت اتساءل فقط هل هم...اعني...هل هم اصدقاء له؟
- اتعنين اصدقاء آدج ؟ولكنهما ليس من جيله.
لم تستطع صوفي الا ان تتنهد بارتياح:
- اوه اعتقدت...تصورت انهما اصغر سنا.
- لأن ماريا دييغو وقعت؟ اوه انها لاتينية ياعزيزتي تثور بسرعة , واعتقد انها فقدت توازنها اثناء الصيد.
اومأت صوفي رأسها:
- اعتقد ذلك.
عندما عاد آدج وبيرز اكدت فيوليت لهما انها لم نسهما . تركت صوفي براندت يتحدث اليهما وانضمت الى روزا في الردهة. وسرعان ما حضر براندت لكن قبل ان ينتهوا من تناول القهوة سمعو صوت سيارة تقترب من المنزل . بدا براندت نافذ الصبر واحست صوفي انه اعتقد القادم هوارد فليمنغ لا محالة. لكن الخادمة جاءت وقالت ان الآنسة فليمنغ قد جاءت.
دخلت جانين فليمنغ وبدت سمراء وأخاذة وهي ترتدي ثيابا مرقطة. وبعد ان حيت براندت وشقيقته , ابتسمت لصوفي ببرود وقالت:
- لكن اين آدج؟ اعتقدت انه سيعود هذا المساء؟
اقترح براندت عليها ان تتناول كأسا من الشراب وقال لها:
- لقد عادا . لكنهما تأخرا عن موعد العشاء. سينضم الينا قريبا.
- اوه فهمت.
نظرت جانين حولها واخيرا قررت ان تجلس قرب صوفي على الاريكة الطويلة الوثيرة:
- وعدته ان احضر حالما يعود.
فكرت صوفي بالخساسة في تصرف جانين اذ لم تضيع أي وقت , في أي حال , كان لجانين كل الحق في ان تكون حيث هي.
جاء ادج بعد دقائق وهبت جانين واقفة ترحب به:
- اهلا , يا حبيبي هل كانت رحلتك موفقة؟
ذهب آدج ليحضر لنفسه شرابا , رافضا القهوة اتي عرضتها عليه عمته, ورافقته جانين. تحدثا معا بصوت هامس في الزاوية ثم استدار آدج وقال انهما قررا الذهاب الى بورت اوف سباين لتمضية السهرة.
- فكرة جيدة.
هتف براندت بحماسة غير منتظرة واضاف:
- ولم لا تأخذ ايف معك؟ فهي أمضت يومين مملين عندما كنت انت وبيرز بعيدين.
انا متأكد انها ستستمتع بالخروج هذه الليلة.
ارتاعت صوفي وبدأت تتكلم:
- اوه حقا , اني مسرورة في البقاء هنا.
- هراء ! يمكن لبيرز ان يذهب وهكذا تكونول اربعة.
- بيرز اخلد للنوم.
قال آدج بجفاف واضاف:
- كان متعبا . لذا لن يذهب الى أي مكان . ولكن اذا ارادت ...ايف ان تنضم الينا...
قالت صوفي بأصرار:
- كلا . كلا.شكرا لك. افضّل الا اذهب . ثم انني احس بصداع.
بدأ الأرتياح ظاهرا على جانين. لكن آدج لم يقتنع بحجتها البسيطة.
وزفر براندت بنفاد صبر:
- هواء الليل سيريحك من الألم!
- كلا. هزت صوفي رأسها نفيا , شكرا لكما في أي حال.
وتنفست جانين بسهولة اكثر:
- حسنا سوي الأمر اذن. هلا نذهب؟
سألت آدج وبدا عليها انها متشوقة لابعاد آدج قبل ان يقترح والده امرا آخرا.
أوما ادج برأسه وقال وهو يشرب:
- لما لا.؟
ثم نظر اليها وشعرت صوفي بألم حاد كالسكين في معدتها.
نامت باكرا تلك الأمسية , قرابة العاشرة , لكنها لم تستطع ان تغفو.
واستمرت تفكر بآدج وجانين وهما يمضيان الأمسية في مكان ما متعانقين.
وهذا الفكر سرق النوم من عينيها . وأخذت تدرك ان موافقتها على البقاء اسبوعين آخرين ستجعل الامور أشدّ قساوة. فلم يعد ينفعها نكران الامر. فقد ادركت انها تحب آدج ولم يكن في وسعها ان تفعل شيئا حيال هذا الأمر.












7- عواطف خائفة


كانت صوفي لا تزال مستيقظة قرابة منتصف الليل , انسلت من السرير وارتدت معطفا حريريا قمحي اللون ناسب قميص نومها . وسارت نحو الباب وخرجت الى الشرفة.
كان هواء الليل باردا ومفعما برائحة طيبة, وسمعت صوت تلاطم الامواج على الصخور فشعرت بحنين مفاجئ لأن تكون قرب الشاطئ لتشعر برذاذ المياه المالحة على وجهها. واستدارت وعادت الى الغرفة ولبست صندالا خفيفا وفتحت باب غرفتها.كان البيت ساكنا, ولم يعكر صفوه سوى دقات الساعة . ولم يكن آدج قد عاد بعد , لكنها لم تهتم للأمر . لم تتوقعه ان يعود قبل الفجر. وهبطت الدرجات الحجرية نحو الباحة . بدت الحديقة غريبة وغير مألوفة في ضوء القمر, وتحولت الوان الزهور الى لون فضي . وتذكرت قصيدة للشاعر والتر دولامار كانت القصيدة عن ضوء القمر ايضا , وقد دعاها فضة.
وعادت اليها كلمات القصيدة وهي تهبط الدرجات الى الرصيف:
في الليل...يسبح القمر
صامتا بطيئا
بريقه الفضي هالة
تغمر الفضاء
يلبس اغصان الشجر فضة
يتلفت ولا يرى سوى
الثمار ولازهار الفضية
ناسبت الكلمات تلك الامسية الكئيبة . كانت قصائده دائما تثير فيها ذلك الشعور بالخيال والغموض اللذين كانا جزء لا يتجزء من طفولتها.
هربت من عالم اكتظ بالنساء المسنات وفتشت صوفي عن عزاء لها في القصص والأشعار , ربما كان ذلك الشعور القوي بعالم الخيال , هو الذي جعلها تهتم بالمسرح . وبالتأكيد كانت سنواتها الأولى وحيدة . وشعرت وهي تقيم هنا في بوانت سانت فينسيتي بأنها قضت جزءا كبيرا من حياتها تتظاهر بأنها تعيش عوضا من ان تحيا فعلا. كان الجو اكثر برودة على الرصيف , لكنها رحبت به بعد النهار الحار. تلاطمت المياه على الصخور ونثرت رذاذ ابيض لمع في ضوء القمر الذي اضفى تلك الليلة لونا فضيا , انعكس على الصخور. وجعلها شعور العزلة تعود الى صعود الدرجات ثانية.وسمعت أصواتا من اعلى. لم يكن هناك ضجيج محرك , لكن حفيف الدواليب القوي كان واضحا ثم سمعت صوت اغلاق باب سيارة.
لابد ان آدج عاد بسرعة اكثر مما توقعت . توقفت عن الصعود . وابعد وجوده على الاقل شعور الخوف الذي انتابها قبا . لم تعد تقوى على الصعود ومواجهته. قد يعتقد انها تراقبه , ثم أي سبب معقول يمكنها ان تعطيه لتفسر وجودها على الرصيف في تلك الساعة من الليل؟ كلا, كان عليها ان تنتظر بضع دقائق وتعطيه الوقت الكافي للذهاب الى غرفته قبل ان تتجاسر وتدخل الى المنزل مرة اخرى. ارتعدت . اصبحت البرودة التي تلذذت بها ساعة. قارصة الآن. وأحدثت أعصابها رعدة خاصة بها. ووجدت نفسها تتمنى لو انها لم تترك غرفتها الآمنة نسبيا, حتى سريرها بدا أكثر جاذبية.
واخيرا , عندما شعرت انها ترتجف من شدة البرد , صعدت الدرجات الحجرية بسرعة , محاولة ان تدفئ نفسها بعض الشئ. وحتى انها شعرت بقدميها تتصلبان ورؤوس اصابعها وقد جمدت من الصقيع. كان المنزل مظلما وتنهدت تنهيدة ارتياح. عبرت الباحة وصعدت الدرجات المؤدية الى الشرفة . وادارت مقبض الباب بثقة ثم تراجعت الى الوراء مذعورة. كان الباب مقفلا من الداخل ولم يكن في امكانها الدخول ثانية. فورا عاد الذعر الذي انتابها سابقا بكل قوته . ماذا تستطيع ان تفعل الان؟ كيف يمكنها الدخول من دون ان توقظ اهل البيت ؟ هدأت من روعها وحاولت ان تراجع موقفها بهدوء. وبدا واضحا ان الأبواب كانت موصدة , لكن قد تكون نافذة ما مفتوحة. عليها ان تتحرى الامر. سارت عبر الشرفة وحاولت بتفاؤل ان ترى اذا كانت الابواب مفتوحة, لكنها كانت مغلقة ايضا.
استدارت صوفي الى الناحية الاخرى, عابرة الباب المشبك ثانية وصعدت بضع درجات لتصل الى ابواب اخرى. وتلك ايضا مغلقة وضغطت انفها بألم على الزجاج محاولة ان ترى الداخل.وعرفت ان الغرفة كانت مكتب براندت , وكادت ان تستدير وتبتعد بيأس عندما أمسكت يد قوية بذراعها . أجفلت من الخوف وأدت تخيلاتها السابقة بها الى حالة من الهلع الهستيري وناضلت بعنف ولكن الصوت كان اليفا وطمأنها.
فارتخت وارتخت كتفاها ونظرت الى وجه آدج المكفهر الذي بدا عليه اللوم.
همست وهي ترتجف:
- انا....انا لقد حبستني في الخارج.
- حبستك في الخارج؟
هز رأسه من دون ان يفهم ثم شعر ببرودتها تنسل عبر معطفها الى حيث قبض على ذراعها,ثم تمتم
بعنف:
- ماذا تعتقدين انك تفعلين خارج المنزل في مثل هذا الوقت من الليل؟
كان واضحا ان سؤاله لا موجب له وسحبها معه وهو يخاطبها عبر الشرفة والباب المشبك. وتوقف لحظة كي يقفله ثانية’ ثم سار بخطى ثابته عبر القاعه المظلمة والى الردهة . واغلق الباب وراءه وتركها وذهب ليشعل مصباحا , ثم استدار وقد اكتسى محياه الوسيم تعبير متجهم وسألها:
- حسنا ؟ ماذا كنت تفعلين؟
لملمت صوفي اطراف ردائها. وتمنت لو انه يتوقف عن النظر اليها بتلك الطريقة المحتقرة وكأنها شئ غير مستساغ وجده على عتبة منزله. تنهدت بعمق وقالت:
- نزلت الى الرصيف..! لم استطع النوم ورغبت في السير. وعندما...عندما عدت كان الباب مقفلا ولا بد انك انت حبستني خارجا.
- ولماذا انا؟
- لماذا, لأن ....في الواقع. حيث انك الشخص الوحيد المستيقظ فلا بد ان تكون انت.
- اوه .حقا؟
- في أي حال , كيف علمت ان الشخص الذي كان خارجا هو انا؟
رفع آدج كتفيه ثم ارخاها بحركة عفوية:
- لم اعلم. ولكن عندما يسمع أحد شخصا ما يحاول
فتح جميع الابواب والنوافذ يستنتج ان ذلك الشخص يحاول الدخول . انك لا تصلحين لمهمات سرية . فأنت تحدثين الكثير من الجلبة.
- اوه شكرا لك. لأنك ادخلتني المنزل , اعتقد انه من الافضل ان اذهب الى غرفتي وانام الآن.
- انك ترتعدين من البرد . وانت في حاجة الى ما يدفئك والا ستصابين بالنزلة الصدرية.
- اوه. لا, حقا سأكون على مايرام عندما انام.
- ولكني اصر.
أعطاها شرابا وراقبها وهي ترشفه. كانت تضع يدا على ياقة ردائها وتمسك بالكأس باليد الاخرى. وشعرت بضعف تجاهه , وتمنت لو انه يذهب ويجهز لنفسه كأسا. لو يفعل شيئا ما عوضا من الوقوف امامها . جاء صوته ليقطع حبل تفكيرها:
- هل تشعرين بتحسن الان؟
- اوه. ...اجل , شكرا لك, اني آسفة لانني ازعجتك.
ضاقت عينا آدج:
- يجب ان تخبري الناس عندما تنوين الخروج للتنزه في منتصف الليل. لربما لم اكن هنا لأدعك تدخلين, او كان من المحتمل ان تتعرضي لحادث.
- ماذا تعني؟
- ان تلك الدرجات قد تكون خطرة خصوصا في الليل. كان من الممكن ان تقعي او تلوي كاحلك وعندها ماذا كنت ستفعلين؟
- لا ادري, وناولته كأس شرابها قائلة, لا اريد المزيد شكرا.
- انهي الكأس!
- كلا. انا...انا لا أحبه كثيرا.
- ليس القصد ان تحبي طعمه هذا دواء , وانت تعلمين ماذا يقولون عن الادوية.
اخذت صوفي نفسا مرتجفا وقالت:
- لا استطيع ان اشرب المزيد منه.
نظر آدج اليها بأمعان وركز بصره على وجهها وشفتيها.
وقال لها:
- اخبريني اليس هناك شاب متشوق الى عودتك الى لندن؟
خطت صوفي خطوة الى الوراء وقالت:
- انا . لا اعتقد ان هذا من شأنك.
عبر آدج المسافة التي فصلت بينهما بتأن وقح قائلا:
ولكنني مهتم.
قال لها ذلك وعيناه العسليتان تلمعان بشكل مثير. خطت صوفي خطوة اخرى الى الوراء ونظرت حولها بيأس كي تضع الكأس في مكان ما.
واعترضت:
- انه من السخف ان نتحدث بمثل هذه الأمر في الساعة الاولى بعد منتصف الليل.
- اذن اجيبي على سؤالي.
خطت صوفي مرة اخرى الى الوراء واصطدمت بمقعد قريب من الباب وقالت ترجوه:
أرجوك توقف عن أيذائي , واسمح لي ان اذهب للنوم!
- انا لا احاول ايذاءك.
توقف آدج ولم يكن يفصل بينهما الا بضع سنتمترات.
وبتمهل مد يده وجذب خصلة من شعرها بقوة:
- اريد ان اعلم. اخبرني والدي انك وافقت على البقاء هنا لمدة اسبوعين آخرين واريد ان اعلم السبب.
حاولت صوفي ان تهدئ نفسها المتسارع:
- حسنا. حسنا. يجب ان تعرف لماذا سأبقى . لقد احببت , براندت وبيرز واحببت الأقامة هنا.
خفض آدج نظره , وبدا انتباهه مركزا على اصابعها التي امسكت بعنق ردائها. علق بصوت أجش:
- الاحظ ان اسمي مشبوه بسبب غيابه من مجموعه الناس الذين تحبين.
ارتعشت صوفي:
- انا لم اعتقد انك تأبه للأمر.
وحاولت ان تبدو غير مهتمة ثم تابعت:
- يبدو ان هناك اناسا يشعرون بأكثر من ميل نحوك.
فتح عينيه قليلا ونظر اليها بأمعان:
- وكيف تعلمين ذلك ؟ قد اكون غير محبوب الى درجة ملحوظة.
- اشك في ذلك , ونظرت صوفي بعيد عنه, أوه أرجوك , دعني اذهب.
تمعن آدج فيها وعلت وجهه انفعالات الانزعاج:
- انت لا تنفعين كمتواطئة, اليس كذلك يا ايف؟
نظرت اليه بسرعة:
- لا ادري ماذا تقصد.
- لا تدرين , وشعرت بالخوف فطمأنها قائلا, استرخي , لن اؤذيك.
- دعني....دعني اذهب.
- واذا لم ادعك , ماذا تفعلين ؟ تصرخين للنجدة؟
- أرجوك.
وصلت صوفي الى درجة أصبحت معها مستعدة لأن ترجوه.
- اني متعبه. وأريد ان انام.
عندها اقترب.....وشعرت بأنقباض أنفاسها وعجبت كيف انها لا تزال متماسكة الذهن.
- قلت لك.لن اؤذيك.
- آدج...
تهدج صوتها ونظر الى عينيها وشعرت به يجذبها نحوه وأرادت ان تقاوم لكنها لم تستطع . وفجأة تكسرت الكأس التي لاتزال ي يدها وهوت على الارض وتيقظت والتقطت انفاسها , وحاولت ان تفلت منه لكنها لم تتمكن وما ان تراخت حتى وضع يديه خلف ظهره وأزاح ذراعيها عنه محاولا ابعادها عنه قائلا:
- لا. ياألهي. لا.
وهزها بعنف وتخضبت وجنتاها خجلا وبأصابع مرتجفة لملمت أطراف ردائها:
- الوقت تأخر قليلا لتفعلي هذا, اليس كذلك ؟
سألها, آدج بفظاظة واستدار بعيدا وظهر عليه الأحتقار.
- يا الهي . فقط اغربي عن وجهي يا صوفي!
لبرهة لم تستطع صوفي ان تدرك ما قاله لكن آخر كلمة قالها جعلتها تفهم.
- صوفي؟
قالت وهي تكاد تختنق :
- انت...انت تعلم اسمي؟
ابتعد آدج عنها واسند جسمه الى الطاولة وبدا باردا ومتجهما.
- عرفت اسمك منذ وصولك الى هنا , قال بتجهم. والآن , اخرجي من هنا قبل ان افعل ما نندم عليه.
لم تستطع صوفي ان تستوعب الأمر فورا.فقد حدثت أمور عدة في وقت قصير جدا لم تتمكن معه من فهم ما يجري تماما . حركت رأسها ببطء من جهة الى اخرى . محاولة فهم ما يعني لها كل الذي حصل لكنها اغمضت عينيها عندما نظرت ناحية آدج ورأت الكراهية العارية تلتهب فيهما .
- اوه..آدج...
بدأت تخاطبه بنعومة لكنه نهرها بلهجته الصارمه.
- لا اريد التحدث اليك أبدا, غمغم وهو يمسح فمه بقفا يده, فقط اذهبي واتركيني وحدي!
أدار ظهره . وسارت صوفي مترددة نحو الباب ثم توقفت . كان رأسها يضج بصخب وشعرت بالغثيان لكنها لم تستطع ان تصدق ان آدج لم يعد يشعر بشئ تجاهها. واستاءت من نفسها بسبب ما حصل وهمست قائلة :
- آدج أرجوك , دعني افسر الأمر.
- اخرجي!
كان صوته مشبعا بالقرف فخرجت وهي ترتطم بالاثاث وصعدت السلم الى غرفتها بصمت قطعته لهثات باكية في داخلها.
كان امرا مدهشا ان يكون الصباح مشرقا دائما مهما حوى الليل من امور. وبالنسبة الى صوفي , التي ايقظتها الخادمة ليزا, كان بريق الصباح أشبه بتحية ساخره لها في حزنها . وناضلت لتنهض من السرير الواسع. وطرفت عيناها بعدم تصديق وهي تنظر الى الساعة على الطاولة الصغيرة, الحادية عشرة! لا يمكن ان يكون الوقت متأخرا الى هذه الدرجة!
حملت الخادمة صينية وعليها كوب من القهوة
وبعض السندويشات الساخنة . وخاطبتها بلهجة جدية:
- الانسة فيوليت قالت انك تحتاجين الى هذا.
كانت صوفي متأكدة ان الخادمة لم تغفر لها ابدا عندما جعلت فيوليت تؤنبها.
- اوه , حسنا, شكرا لك.
واعتدلت صوفي في السرير وازاحت بعض الاشياء الموضوعة على الطاولة الجانبية كي تتمكن ليزا من وضع الصينية عليها.
- سوف انهض فورا.
هزت ليزا كتفيها:
- هذا كل شئ؟
قالت صوفي متنهدة:
- نعم , شكرا.
هزت ليزا كتفيها ثانية وغادرت الغرفة وبعد خروجها غرقت صوفي في السرير, وأحنت رأسها باستنكار وانسدل شعرها كستار كثيف على وجهها. ثم وضعت رأسها بين يديها وتنهدت بعمق, وتساءلت عما اذا فسر آدج بقاءها في السرير تعمدا لتتجنب المحتوم. بالطبع, لابد ان يفكر هكذا. لم يكن يعلم انها بقيت مستلقية لساعات طوال وهي تشعر بالتعاسة والغثيان , تناولت بعدها ست حبات اسبرين كي تغفو.
لم تمس السندويشات ولكنها رحبت بالقهوة. كان فمها ناشفا وبعد رشفات قهوة عدة نهضت وذهبت الى الحمام لتنظيف اسنانها. لم يكن شكلها مريحا للنظر في المرآة وبدت عيناها سوداوين قاتمتين لشدة ما بكت وكان خداها شاحبين هزيلين.
استحمت بالماء البارد وتأملت ان ينعشها الحمام. وبالفعل , شعرت بتحسن حالما خرجت , لكن شعورا بالفراغ داخلها بقي على حاله.
ارتدت سروالا وردي اللون وسترة زرقاء وسرحت شعرها بحركات سريعة يائسة وقالت لنفسها انها لن تكون كالفأرة التي تختبئ في الزاوية بانتظار ضربة الفأس. ستخرج وتلاقي الحدث بكل مالديها من شجاعة, وتري آدج انها لم تكن جبانة ايا تكن النتيجة.
عندما نزلت الى الطابق الارضي صادفت بيرز وانشدت اعصابها لشدة التشابه بينه وبين والده . سلم عليها بمكر:
- مرحبا, هذا افضل وقت للأستيقاظ. انتظرتك منذ ساعات.
بدا الحرص في عيني صوفي:
- تنتظرني؟ لماذا؟
نظر بيرز نحو السماء بأعياء ظاهر:
- لماذا؟ تسألينني لماذا؟ الا نذهب عادة للسباحة في الصباح؟ اعلم انني ذهبت بعيدا لمدة يومين , لكن هذا لا يعني ان الحال تغيرت فجأة.
- اوه . نسيت.
- نسيت؟ كيف يمكنك ان تنسي موعدا مهما كهذا؟
وتظاهر بيرز انه تأذى:
- اذن ماالذي تنتظرينه؟ الا تريدين ان تسبحي؟
ترددت صوفي منتظرة بعصبية ان يسمع آدج او براندت حديثهما ويظهرا واخيرا قالت:
- انا ....لا اشعر بميل الى السباحة اليوم.
تقدم بيرز نحوها , وتفحص ملامحها عن كثب وسألها باهتمام:
- قولي لي , هل انت على مايرام, تبدين شاحبة , هل نمت في ساعة متأخرة ليلة امس؟
- يمكنك ان تقول ذلك. لم...لم انم جيدا.
- استطيع ان ارى ذلك, اومأ بيرز رأسه , تعالي دعينا نذهب ونجلس على الشرفة وسأخبرك عن رحلتنا.
بقيت صوفي على ترددها:
- اين براندت ووالدك؟
نظر بيرز اليها بلطف:
- لماذا؟ ما حاجتك اليهم؟ اليست رفقتي كافيه؟
- اوه بيرز , طبعا لكن...يبدو البيت ساكنا هذا كل شئ.
هز بيرز كتفيه:
- لقد ذهبا الى بورت ماغواير. اراد براندت ان يأخذك معه لكن كنت نائمة , وقال ابي انك ستجدين الرحلة مضجرة في أي حال.
شعرت صوفي بالضعف وارتاحت:
- اين بورت ماغواير؟
- في الجهة الجنوبية من الجزيرة قرب حقول النفط.
تمايلت فجأة وأمسك بيرز معصمها كي يسندها:
- انك متوعكة فعلا, الست كذلك؟ تعالي سنرتاح اليوم. سأطلب من فيوليت ان تجلب يعض القهوة الى الشرفة.
ولكن صوفي تمالكت باصرار. من الواضح ان آدج لم يقل شيئا بعد, ولكن الى متى يمكنها ان تتوقع استمرار هذه الظروف؟
كان عليها ان تفكر في طريقة واعية وعاقلة , وكلما اسرعت في ارسال برقية الى ايف وابلغتها بما حصل كان افضل لها. جلست صوفي مع بيرز وتناولت بعض قطع البسكويت وشربت فنجانا من القهوة وبدأت تستعيد حيويتها . وفكرت ان الامور مازالت كما كانت ظاهريا قال آدج انها لم تكن ايف منذ البداية فكرت في الامر مليا وكان السبب في عدم قدرتها على النوم الليلة السابقة جزئيا, وعاودها الشعور باليأس ثانية وهي تفكر في هذه الأمور شربت بعضا من قهوتها وتعمدت التفكير بأمور اخرى ونظرت الى بيرز وقالت:
- اتعتقد انه يمكننا الذهاب الى بروت اوف سباين اليوم؟
- اتعتقدين انها فكرة حسنة وانت تشعرين بتوعك؟
تكلفت صوفي الابتسام:
- اوه اشعر انني على مايرام الان اعتقد انني تعرضت لحرارة الشمس اكثر مما ينبغي يوم امس هذا كل شئ
بدأ بيرز مشككا:
- وان يكن ماذا تريدين من بورت اوف سباين؟ استطيع ان ارسل جوزف
تنهدت صوفي:
- لا, افضل ان اذهب بنفسي ثم اني لم ار المكان بما فيه الكفاية. واعتقدت انه يمكننا التجول قليلا.
- وتريدين ان تتسوقي؟
- اريد ان ارسل برقية.
- برقية ؟ رفع بيرز حاجبيه , الى شخص اعرفه؟
- كلا , الى شخص في الوطن برقية معايدة. تعلم هذه الامور.
قررت ان تعترف بأنها سترسل برقية لأنها ستحتاج اليه في الاهتداء الى المكان.
انهى بيرز قهوته ووضع الفنجان جانبا.
- اذن متى تودين الذهاب؟
- ساعة تشاء.
- الآن؟
- سيكون ذلك رائعا!
- حسنا واذا شعرت نفسك متوعكة تخبرينني؟
- اجل شكرا بيرز انك رائع!
- هل انا حقا رائع؟ اذن لماذا لا نتجاوز ابدا مرحلة امساك الايدي نحن اقارب كما تعلمين.
اضحكها ما قاله بيرز.
- اعتقد انه من الافضل ان احضر نظارتي.
ذهبا الى بورت اوف سباين وقاد بيرز السيارة بمهارة وعندما فسر لها ان والده علمه قيادة السيارة على اراضي العائلة وهو في الثامنة من عمره فهمت صوفي سبب مهارته.
- هل...هل تذكر والدتك؟
سألته بتردد غير قادرة ان تنسى آدج بصورة تامة.
نظر بيرز اليها نظرة جانبية:
- هل تعلمين انها المرة الاولى التي تسألين فيها عن والدتي ؟
- لم انتبه في الواقع, ماوددت ان ابدو دخيلة.
- ولم لا فهي كانت عمتك.
- اجل , حسنا...لاعلاقة لي بالأمر, اليس كذلك؟
- اوه. اجل . اني اذكرها. اعتقد اني كنت في السابعة من عمري عندما توفيت. لكنها لم تكن كل شئ في حياتي. اعتقد ان فيوليت كانت والدة لي اكثر منها.
- اذن انت عشت هنا دائما؟
- في بوانتي سانت فينسيتي؟أوه أجل اسمعي. كان والدي يعمل لحساب براندت والبيت ضخم. ولم يكن براندت يحب ان يبقى وحيدا.
- كانت معه روزا.
- اجل, لكن تعرفت اى روزا. انها لا تعيش معنا معظم الوقت, وبالتأكيد لاحظت ذلك.
اومأت صوفي برأسها:
- اعتقد...اعتقد ان والدك تضايق جدا عندما توفيت.
بدا بيرز مفكرا:
- اعتقد انه كان كذلك الى حد ما.
-ماذا تعني؟
- في الواقع لم تكن امي مثله. لا اعلم بالفعل لماذا تزوجها, ثم تنهد وتابع , اجل , اعلم .اخبرته انها حامل وفعل ما أملاه عليه ضميره!
- اوه! استدارت صوفي في مقعدها وقلبها يخفق بقوة , لكن اعتقد انه كان سعيدا بولادتك؟
-نوعا ما. لكني ولدت بعد سنة من زواجهما لذا لم تكن الامور بينهما على مايرام.
هلعت صوفي :
- تعني...
- نعم أقدم حيلة وقع فيها. ماذا كان في وسعه ان يفعل.عائلة سانت فينسيتي عائلة مرموقة ولديها مبدأ في مسائل الشرف. كان من غير المعقول ان ينكر ابي مسؤوليته وان ساوره الشك في عدم صحتها.
هزت صوفي رأسها:
- ياله من امر فظيع!
- نعم الم يكن هكذا؟ ولكن هكذا هي الحياة , كما يقولون لم تستطع صوفي ان تقف عند هذا الحد من الحديث:
- ولكن بعد ولادتك , بالتأكيد تحسنت الامور؟
- ليس فعلا0 ارادت والدتي ان تتزوج. وعندما اصبح عليها تحمل مسؤولية الزوج والعائلة انطرحت في فراشها.
- لا يمكن ان تكون جادا. من اخبرك كل هذا؟
- او تعتقدين ان والدي اخبرني القصة كما يرغب وجعلني امقت والدتي؟ لم يكن في حاجة الى اخباري
يا ايف . كنت موجودا. رأيت الامر يحدث.
- ولكن لا يمكنك . كنت صغيرا جدا.
- في البداية نعم..
لا اعتقد انها تماثلت بعد ان ولدتني على الاقل ناسبها التظاهر بذلك.وكما ترين , فوالدتك توفيت عند ولادتك واعتقد ان كلا من والدي وبراندت كتب لهما ان يكون رد فعلهما مماثلا, في كل الاحوال , لا اعتقد انها كانت زوجة فعلية لوالدي. بالطبع أصيبت بالسرطان . قد ابدو قاسيا. لكني لست هكذا فعلا.الامر لايعدو انها لم تكن اما حقيقية لي ايضا . فأذا ما ذهبت اليها بقدمي الدامية او رأسي المجروح كانت تتظاهر بالغيبوبة فاعتدت ان اذهب الى فيوليت التي كانت تطمئني.الناس يعتقدون ان روابط
الدم هي كل شئ . انا لا اعتقد ذلك . يمكن للناس ان يكون دمهم من نوع واحد ويكرهون بعضهم بعضا. فيوليت كانت امي وهذا كل معنى الامومة اليس كذلك؟
-اعتقد ذلك.
كان مكتب التلغراف يقع في ساحة الاستقلال التي سميت هكذا بعد الاستقلال في عام 1962 كما اخبرها بيرز. وهناك عدد من الحدائق والساحات الجميلة تتشوق الى السياح. لكن امرا واحدا كان يشغل بال صوفي تلك اللحظة. لحسن حظها وافق بيرز على انتظارها في الخارج بينما دخلت هي وكتبت رسالتها الى ايف. بدت الرسالة طويلة جدا عندما انتهت من كتابتها , لكنها ارادت ان تعلم صديقتها بالورطة التي اوقعتها فيها, كان عليه ان تبلغها ان خالها علم بهويتها الحقيقية . وبعد ان دفعت رسم البرقية للموظف وخرجت , وجدت بيرز يرفس بقدمه بنفاد صبر.
- بحق السماء ماهي رسائل المعايدات هذه؟ هل تدركين اني انتظرتك هنا منذ قرابة نصف ساعة؟
- اني آسفة يابيرز ولكنك تعلم كيف تسير الامور . انا غير معتاده على ارسال برقيات.
حدق فيها بيرز بدهاء:
حقا؟ واعتقد انك لم تذكري شيئا عن بقائك هنا لفترة اسبوعين آخرين, هل انا مخطئء!
عبست صوفي:
- انا! قد اكون نسيت ان اقول ل ذلك.
أومأ بيرز برأسه:
- اعتقدت ذلك. صديقك هذا الذي كتبت له انه رجل , اليس كذلك؟
فغرت صوفي فاها مستنكرة سؤاله وعبست ثانية. على الاقل اذا علم الجميع انها ارسلت برقية
لن يرتاب آدج في شئ اذا اخبره بيرز انها موجهة الى رجل. فهزت كتفيها وقالت ببطء:
- لدي اصدقاء من الجنسين ولا اجد ان الامر يهم في كلا الحالين .
بدا الخجل على وجه بيرز:
- اعتقد انك محقة. مللت الانتظار هذا كل ما في الامر. تعالي. سنذهب نتغدى ثم اطوف بك في المدينة قليلا.
تمكنت صوفي من نسيان همومها ذلك اليوم وقررت الا تعيش عذاب الترقب لانها لن تستطيع فعل شئ لتغير مجرى الاحداث. وبدلا من ذلك تمتعت بالتنزه مع بيرز في واحدة من اجمل مدن العالم. لكن ما ان عادا الى السيارة حتى شعرت صوفي بموجة عارمة من الندم . كاد النهار ينتهي وعليها الان ان تعود وتواجه أي طارئ يمكن ان يحصل.
وصلا الى سانت فينسيتي قرابة الساعة السادسة مساء ورأت صوفي ان براندت وآدج قد عادا ايضا. كانت سيارة آدج متوقفة في باحة المنزل ونوافذها مفتوحة . علق بيرز:
- لقد عاد والدي . تعالي! ربما وصلنا في الوقت المناسب لشرب الشاي, انا بالتأكيد احتاج الى ذلك.
تبعته صوفي بخطى بطيئة. تخوفت من اللحظة التي ستضطر فيها لمقابلة آدج ثانية ورؤية المكر القاسي في عينيه. تخوفت رؤية الاحتقار يملأ وجهه , وتمنت لو انها لم تتنزه مساء امس. ولو لم يحصل ما حصل...
دخلا القاعة. وانعشتها برودتها بعد الحرارة في الخارج, وملأت الجو رائحة الورود الموضوعة في مزهرية كبيرة على قاعدة طويلة. توقفت صوفي معجبة بالورود. فعلت أي شئ لتؤخر لحظة مواجهته المقيتة. كانت منحنية على باقة الورود عندما جاء آدج . لم يكن وحده. بل هناك فتاة تتبعه وللحظة ظنت صوفي انها جانين فنظرت بعيدا . لكنه تكلم وجعلتها كلماته تجمد في مكانها.
- آه, لقد عدت. اني سعيد يا ايف فهناك زائر من انكلتلرا . اليس الامر مدهشا ؟ الانسة صوفي سلاتر!
ظنت صوفي انها ستغيب عن الوعي حيث كانت تقف . شعرت بارتخاء في ساقيها وغشت عينيها غشاوة
. لكن تقدمت منها وامسكت ذراعها بنفاد صبر قائلة:
لا تتأثري الى هذا الحد يا عزيزتي! اعلم انها مفاجأة , لكنك تعلمين كم احب المفاجأت!



8- الحقيقة كالكابوس!


جلست صوفي على كرسي في الحمام وراقبت ايف وهي تستحم وتستخدم كل ما وضع بتصرف صوفي فقط0 ملأت ايف حوض الحمام بفقاقيع الصابون واسترخت بكسل , غير آبهة لتعبير القلق المرتسم على وجه صديقتها . وقالت:
- يا عزيزتي , الأمر الذي لا تفهمينه هو ان آدج لا يستطيع ان يفضحك الآن.
- لماذا؟
- يا عزيزتي , لو كان ينوي ان يفعل ذلك لكان في امكانه ان يفعله قبل اسبوعين, الا ترين ؟ لقد جعل نفسه متواطئا في القضية.
- تجعلين الامر يبدو بسيطا جدا!
- في الواقع انه بسيط , اليس كذلك . انه وضع غريب , الاتعتقدين انت تمثلين شخصيتي وانا شخصيتك.
- انه وضع سخيف ! ايف, عليك ان تخرجيني من هذه الورطة . اخبري جدك من انت وسأعود الى الوطن.
- كلا!
- لم لا؟
- سيكون مثل هذا التصرف غبيا الآن. من الواضح انه يكن لك محبة حقيقية تبدو في كلامه عنك. ستكون الحقيقة بالنسبة اليه امرا قاسيا.
استدارت صوفي نحوها بغضب:
- تعنين....لن يكون الامر مناسبا؟
ضاقت عينا ايف :
- ماالذي قلته؟
-سمعت ما قلت هناك اكثر من مجرد تهدئة خواطر رجل مسن. ارسلتني الى هذا المكان بهدف محدد لكنك لم تخبريني به!
نهضت ايف وتناولت منشفة بيضاء:
- صوفي , لا تغضبي لأي سبب تصورتك دائما هادئة وعاقلة 0 فجأة يبدو لي ان اخلاقك قد تبدلت. واني اتساءل عن السبب؟
- اوه لاتكوني سمجة يا ايف! انظري , لقد فعلت ما اردت , جئت الى هذا المكان . الا تعتقدين انه يحق لي ان اعلم لماذا؟
- ربما. ربما لا. هل يمكنك اعارتي بعض الثياب النظيفة يا عزيزتي ؟ اغراضي ما زالت في الفندق . الى ان يحضر جوزف حقيبتي.
شدت صوفي قبضتيها:
- لا يمكنك البقاء هنا!
- لما لا؟ انه افضل من البقاء في فندق.
- لكن ,ادج يعلم...اقصد لابد ان يدرك من انت.
- وان يكن ؟ ان الامر يضفي شيئا من التشويق على والوضع , الا تعتقدين؟
تنهدت صوفي :
- لكن ماذا عن جون فيلوز؟ اعتقدت انك تعملين في الشرق الاوسط الان.
خلعت ايف المنشفة عنها وسألتها:
- اين الثياب ياعزيزتي؟ لا استطيع ان اقف هكذا الى الابد.
تأففت صوفي لكنها استدارت وذهبت الى غرفة نومها وفتشت في ادراجها واحضرت ما طلبته منها ايف . ثم قالت لها وهي ترتدي ثيابها :
- الشرق الاوسط يا ايف؟ماذا حدث لتلك الرحلة التي منعتك من المجئ الى هنا؟
ارتدت ايف ثوبها الازرق الذي ارتدته ساعة اتت ثم استدارت قائلة:
- لم يكن هناك من رحلة الى الشرق الاوسط يا صوفي, ولكنها ستحصل....بمساعدتك.
- ماذا تعنين؟
- اوه يا صوفي , هل يجب ان افسر فورا؟الا نستطيع ان نجلس وندخن سيكارة ونتحدث عما فعلته انت هنا؟ عدا قضية خالي اظنك استمتعت بأقامتك هنا. اليس كذلك؟ وبيرز يبدو رائعا.
عادت صوفي الى الحمام لتفرغ الحوض وجاءت ايف ووقفت باسترخاء عند الباب المفتوح.
- لا تكوني هكذا يا عزيزتي . الا نستطيع ان نتحدث بمودة ؟
ووقفت صوفي مكانها:
- كيف يمكنك ان تقفي هنا وتتوقعي مني ان اوافق على تصرفاتك؟
اعتقد انك تصرفت بصورة مقيتة, اذا اردت ان تعرفي حقيقة شعوري.
هزت ايف كتفيها وقالت بجفاف :
- لقد وافقت على المجئ ياصوفي.
- اعلم ذلك وندمت على فعلتي منذ ذلك الحين.
واتجهت صوفي الى غرفة النوم واضافت :
- انا لا اصلح للمؤامرات يا ايف. اذا لم تخبريني عما في الامر فورا, سأنزل واخبر براندت كل شئ؟ هل تفهمين؟ كل شئ!
نظرت ايف اليها بتمعن:
- لا اصدقك يا عزيزتي لكن اذا اصريت...
- انني مصرة.
- حسنا والأن من اين ابدأ؟
- من البداية.
- اوه نعم. أي منذ وفاة والدي. حسنا, كما تعلمين كتبت الى جدي آنئذ وابلغته الامر وكما تعلمين كان عطوفا جدا. تبادلنا الرسائل , واقترح على ان أتي الى ترينداد وارتعت للأمر.
- لماذا؟
- اكره ان اعترف بالأمر لكنني احب جون فيلوز.
- تحبين جون فيلوز؟
- نعم, لم اعتقد يوما ان أي رجل يمكن ان يثير اهتمامي الى هذا الحد لكني احب جون فيلوز.
- اذن اين المشكلة؟
ردت ايف عليها :
- لمجرد انني قلت بأنني احب جون فيلوز فهذا لا يعني انه يبادلني الشعور . على العكس , اشك في ما اذا كان يشعر حتى بوجودي .
نظرت صوفي اليها باستغراب ذكي:
- ياه يا ايف انت لست من نوع النساء اللواتي يبقين من دون ان يلاحظهن احد لمدة طويلة.
- شكرا لك يا صوفي , وابتسمت ايف ابتسامة صغيرة غامضة , سأعتبر كلامك بمثابة اطراء لي. لكن على رغم ما تقولينه لم يصل جون فيلوز الى حيث هو اليوم من دون ان ينتبه للفرص التي اتاحت له ذلك فهو يعلم اين يريد ان يكون ويصل الى ما يريد. ان الصحافة مثيرة لكن من الممكن ان تكون خطرة جدا عندما يقوم الصحافي بمهمات ما وراء البحار. وهو يعلم اين يكمن المال في الصحافة والتلفزيون, وكيف يصبح المرء شخصية مهمة ويشتهر اسمه فورا , ولهذا يريد ان ينجز السلسلة الوثائقية تلك.
- تعنين ان فكرة ذهابة الى الشرق الاوسط كانت ممكنة الحدوث؟
- بل ضرورية. على الاقل من وجهة نظر جون. الا ترين , اذا استطعت تأمين المال فسوف يأخذني معه!
- اوه, يا ايف لست جادة في ما تقولينه!
- لم لا؟
- لأن...حتى لو كان الامر صحيحا , وكان فيلوز يحتاج الى ممول واستطعت انت تأمين ذلك له, فهذا لا يعني بالضرورة انه سيهتم بك!
بحق السماء اعتقد ان العكس قد يحصل.قد يصبح مشهورا , ويرد لك ما استدانه منك, ثم يتخلى عنك!
زمت ايف شفتيها بضيق:
- في الواقع , عقلك الساذج يستنتج هذا اليس كذلك؟ لا تتصوري انني سأعطيه النقود من دون اي ضمانات
. لست بلهاء كما تعلمين.
هزت صوفي رأسها :
- وهذا كل ما في الأمر ؟ فرصة لسلب رجل عجوز بضعة الآف من الجنيهات؟
نظرت ايف اليها بتعب:
- اني لا اسلب احدا. انه حقي . اني قريبة امي الوحيدة. ويحق لي نصف الممتلكات هنا!
شهقت صوفي :
- انت نسيت ان امك تخلت عن كل شئ عندما تزوجت والدك. وحسب ما اعرف فالصبي هو الذي يرث كل شئ.
- تعنين آدج؟ ولمعت عينا ايف , اخبريني كيف اخبرك انه كان يعلم من انت؟
وبدت صوفي الأن غير مرتاحة:
- هل يهم؟ اخبرني وهذا يكفي.
- هل يكفي؟
امعنت ايف النظر فيها ولاحظت امتقاع وجهها المفاجئ:
- آه اجل. بدأت افهم . انه طبق شهي , اليس كذلك؟ الخال آدج .ومادام يفكر انه خالك فليس هناك من مجال...
- لم يكن في الأمر شئ من هذا! لقد اخبرتك. انه علم منذ البداية.
- كيف؟
- لست ادري , واستدارت صوفي بعيدا, ارجوك يا ايف , توقفي عن محاولة القاء اللوم علي.
-انا لا الومك . كنت فعلت الشئ ذاته لو اني مكانك. اخبريني كيف هو؟ اعني آدج.
شهقت صوفي. ونظرت اليها قائلة:
- من العار عليك ان تقولي مثل هذا الكلام!
- لماذا؟ اوه يا صوفي انك شفافة كالماء.. من الواضح انه يثيرك . ولكن هل تنبه هو لك؟
- ايف ارجوك! اننا لا نبحث في اموري.. اننا نبحث في موضوعك انت..ووضعك هنا اسمعي, يمكنك ان تخبريهم ما يحلو لك. يمكنك ان تدعي انك جئت بمهمة عاجلة من الجريدة...زاي شئ. ما دام يمكنني العودة.
- ابدا.
- ولكن لماذا يا ايف؟ كنت صبورة جدا. وقد كذبت علي. تظاهرت بأن جدك لم يعلم انك تعملين في جريدة.. تظاهرت بانه رجل مسن وعلى وشك ان يموت. ارسلتني الى هنا من دون ان ادرك الاسباب الحقيقية لذلك. كيف تتوقعين ان تبقيني هنا الآن؟
وقفت ايف:
- اذا ذهبت الآن سيتحطم كل شئ . الا تستطيعين ادراك ذلك؟ لن يسامحني جدي ابدا ان علم انني ارسلتك لتحلي محلي.
- وهل تعتقدين فعلا بأن آدج سيسمح له بان يعطيك المال وهو يعلم انك اتيت هنا بنفسك؟
- قد يقبل.. اذا كانت الشروط تلائمه..
- أي شروط؟
حسنا. هناك قضية عدم فضحك كمحتالة منذ البداية. اتعتقدين ان لهذا الأمر اهمية شخصية؟
- عم تتكلمين؟
- اني اتكلم عند وآدج. اتعتقدين انه يستهويك؟
حبست صوفي انفاسها:
- لا!لا. طبعا لا.
- انه احتمال.
- لا اظنك تعتقدين ان آدج لم يخبر والده من اكون, لأنه وجدني جذابة! اوه يا ايف, لاتكوني سخيفة الى هذا الحد!
- اين السخف في ما اقوله؟ مالسبب اذن في عدم كشف هويتك؟
- هو. لم يعطني أي سبب.
- هكذا اذن.
- اوه يا ايف! فقط لو تعلمين كم انت مخطئة في ما يخص آدج فأنا لا استهويه. انه يكره ان يراني وقد اخبرني بذلك.
- حقا.
بدت ايف محتارة. ثم تابعت:
- اغرب , واغرب. في الواقع لابد ان يكون لديه سبب ما لعدم كشف هويتك, وعلينا معرفته واستخدامه
لمصلحتنا.
هزت صوفي رأسها بقوة:
- يمكنك ان تفعلي ما يحلو لك يا ايف بشرط عدم اقحامي في الموضوع .
- ماذا؟ اتريدين ان يعلم جدي الحقيقة من دون تحضير؟ماذا تظنين سيكون رد فعله؟ سوف يصدم.
تحركت صوفي بعصبية :
- لا بد ان يعرف عاجلا ام اجلا .
- لماذا؟ لم لا تنجح خطتنا الأساسية؟
- خطتك انت!
-حسنا خطتي انا لو تتوقفين فقط عن التصرف بهذه المزاجية لرأيت ان لاشئ تغير. يمكن ان يسير كل شئ كالسابق ولكنني الآن سوف اساعدك.
-لا.لا.لن افعل ذلك.
- ماذا ستفعلين اذن؟ تكشفين نفسك؟ وانا لا انوي ان افعل ذلك واعتقد ان آدج لن يفعل ايضا لسبب ما.
اخذت صوفي تسير في الغرفة:
- يا الهي ما هذا الوضع! ثم خطرت ببالها فكرة , لكن اذا كنت لا تزمعين السفر مع جون فيلوز, لماذا ارسلتني هنا؟
- كما اخبرتك يا عزيزتي. لم استسغ فكرة لعب دور الحفيدة المفقودة.حتى الآن لا ارغب في ذلك. انت اقرب الى طراز الحفيدة التي يتوقعها جدي.
- انت لا تهملين اية تفاصيل, اليس كذلك ؟ كيف تجسرين على تحريك الناس كي يخدموا اغراضك وتتوقعين ان لا تتضرري؟
-اوه حقا يا صوفي, لا تكوني طفلة!ما المر المريع الذي اقترفته, في أي حال لقد اسعدت جدي كثيرا. اكثر مما كنت اسعدته انا بالتأكيد.
- وتعتقدين ان هذا عذر مقبول؟جعلت جدك سعيدا بسبب انانيتك!هناك امور اخرى يجب ان تأخذيها في الأعتبار يا ايف.
- كان في امكاني ان اعلم ان ضميرك البورجوازي سيبدأ بأزعاجك.
- يبدأ؟ لم يتوقف ابدا عن ازعاجي!
- اتعنين انك لم تتمتعي في الأقامة هنا؟ أي انك لم تتمني العودة الى الوطن؟
كان على صوفي ان تكون صادقة:
- كلا, انا لم اقل ذلك.
ولكن فجأة, قبل ان تستطيع ايف الأجابة , سمعتا طرقا قويا على الباب خارج غرفة نوم صوفي,واستدارت الفتاتان تحدقان في الباب من دون فهم . وطرق قلب صوفي بقوة, لكنها تحركت لتفتحه ثم تراجعت مرتبكة عندما دخلت الخادمة فيوليت الى الغرفة:
- اني آسفة يا آنسة ايف, خاطبت صوفي بلهجة اعتذارية, ولكنني امسكت بتلك الفتاة ليز تتنصت على بابك.
اسندت صوفي نفسها الى مقبض الباب:
- ليزا؟
- نعم ارسلتها الى هنا قبل عشر دقائق لتخبر صديقتك الأنسة سلاتر ان غرفتها جاهزة وتنتظرها. وطبعا عندما لم تعد , اتيت لأرى ماالذي يحدث فرأيتها واقفة خلف الباب تتنصت!
تركت صوفي الباب وجلست بضعف على السرير.
- فهمت..فهمت.
نظرت ناحية ايف فتحركت الفتاة بسرعة الى الأمام وهتفت:
- كوني اكيده من انها ستعاقب بقسوة , وتعجبت صوفي من برودة لهجة ايف, لا يمكن للمرء ان يسمح لمثل هذه الأمور بأن تحصل. هل حصل مثل هذا قبلا ؟
استجابت فيوليت فورا للهجة الآمرة في صوت ايف.
- ليس على حد علمي يا آنسة سلاتر. ولكن لا تقلقي . سوف اخبر السيد براندت عنها. انها فتاة وقحة وربما كان من الأفضل ان تبحث عن عمل في مكان آخر.
تنفست ايف بسهولة اكثر:
- اعتقد انها فكرة ممتازة يا فيوليت, وابتسمت , ففي أي حال يجب ان تفكري براحة ضيوفك, اليس كذلك؟ وهذا ينعكس عليك.
اومأت فيوليت برأسها قائلة:
- اتركي الأمر لي يا آنسة.
- حسنا.
انحنت ايف والتقطت حقيبتها ونظرت نحو صوفي نظرة ثاقبة , ثم خاطبت فيوليت:
- والآن خذيني الى غرفتي, فأنا متعبة. هل تعتقدين ان في امكاني تناول عشائي في غرفتي هذه الأمسية؟ انا متأكدة ان الأنسة ايف يمكنها ان تعتذر نيابة عني.
خرجت ايف قبل ان يكون لدى صوفي الوقت الكافي لتعترض وسمعت فيوليت تؤكد لايف ان المسألة سهلة. ولكن ما ان اغلق الباب خلفهما حتى دفنت صوفي رأسها بين ذراعيها, وارتجفت لا اراديا. لا بأس ان تصرفت ايف بمثل هذا الهدؤ .لكنها لم تقم هنا ولم تعرف هؤلا الناس.
اخرت صوفي موعد نزولها الى العشاء حتى اللحظة الأخيرة , وظهرت في اللحظة التي جاءت فيها الخادمه لتخبر براندت ان العشاء جاهز0 كان جميع افراد العائلة يتناولون العشاء في المنزل هذه الأمسية0 وبدا براندت متضايقا بعض الشئ عندما ابلغته صوفي ان صديقتها متعبة ولن تتناول طعام العشاء معهم وسألها عابسا:
- هل هي مريضة؟ بدت متعافية ساعة وصلت.
هزت صوفي رأسها نفيا , متجنبه نظرة آدج المتهكمة:
- لا. انها ليست مريضة, فقط متعبة. تعلم كيف هي الأمور كالسفر من انكلترا وما اليه.
- اوه لكنه اخبرتنا انها هنا منذ بضعة ايام وانها قررت ان تبحث عنك بصورة عرضية0 علق آدم بمكر وهم يجلسون الى طاولة العشاء.
تخضب وجه صوفي:
- اوه حقا, اعتقد انها تجولت كثيرا في الجزيرة قبل ان تأتي الى هنا.
حدق براندت في ابنه:
- لا اذكر ان الأنسة سلاتر ذكرت موعد وصولها الى ترينداد.
هز آدج كتفيه:
- الم تذكر ؟ ربما اخطأت.
القت صوفي نظرة غاضبة تجاهه:
- الجميع يخطئ احيانا0
- نعم , اننا نخطئ , اليس كذلك؟ قال بنبرة قاسية , ولكن البعض يخطئ اكثر من البعض الأخر0
قطب براندت حاجبيه في وجه ابنه وقال لصوفي
بلطف :
- لا تكترثي لما يقوله آدج ياعزيزتي 0 اخشى ان يكون مزاجه سيئا اليوم0
- لست في حاجة للأعتذار عني يا براندت!
- فعلا؟
ونظر براندت في وجه صوفي القلق:
- اخشى ان نهارنا في بورت ماغواير لم يكن ناجحا تماما0 اصيب احد انابيب الضخ بعطل في منطقة اوغوستينا وامضى آدج معظم الوقت يزحف فوق الألات 0 كما ان عجلة السيارة ثقبت في طريق العودة 0 من حسن حظك انك لم تكوني معنا يا ايف 0 فلم اود لك سماع ما تلفظ به من كلمات0
استطاعت صوفي ان تبتسم:
- اخذني بيرز الى بورت اوف سباين 0
- نعم هذا ما سمعته0 نظر براندت الى حفيده , انك هادئ جدا هذا المساء 0 ما الخطب ؟
- ماذا؟ اوه كنت افكر , هذا كل شئ 0
نظرت صوفي نحوه بسرعة0 هل علم بيرز بالأمر ؟ هل قرر آدج كشف هوية صوفي الحقيقية لابنه بعد ان جاءت ايف؟ فأيف هي قريبة بيرز وابنة اخت آدج0
التقط بيرز نظراتها القلقة وابتسم لها وسألها:
- كيف تشعرين الآن؟
ثم خاطب الجميع:
- كانت ايف متوعكة بعض الشئ هذا الصباح0 لم احبذ ذهابنا للتنزه لكنها اصرت0
سألها براندت باهتمام:
- بماذا شعرت؟ طبعا, قلت انك مصابة بصداع مساء امس عندما اقترحت عليك الذهاب مع آدج وجانين0
- لم يكن صداعا مؤلما , اعتقد انني تعرضت لأشعة الشمس اكثر مما ينبغي0
- هذا قد يكون خطرا , عليك ان تكوني اكثر حرصا 0 لا نريدك ان تمرضي فتتخلفي عن حضور الكرنفال الاسبوع المقبل0
- هل حان موعد الكرنفال؟
سألت روزا وهزت رأسها ببعض التعجب0
- كيف تمر السنوات!
اشعر كأن والدتك كانت تحضر نفسها للكرنفال يوم امس0
- نعم, لكن هذا كله من الماضي0
علق براندت بنشاف0 بدت روا كأنها لم تسمعه اذ تابعت حديثها :
- ذلك كان الوقت الذي هربت فيه والدتك0 او تعلمين, وقت الكرنفال , لم يفتقدها احد0 لساعات طويله0
- كفى ياروزا!
كان صوت براندت قاسيا وبدا كأنه ايقظ اخنه من احلامها 0 فنظرت اليه في صمت مؤلم وصمت الجميع لفترة0
عندما انتهت وجبة الطعام , كانت صوفي تهم بالصعود الى غرفتها عندما اعترضها آدج:
- اود التحدث معك يا ايف!
خاطبها ببرود وهما يغادران الطاولة:
- سنذهب في نزهة في سيارتي0
نظرت صوفي اليه بتمرد :
- افضل الا اذهب0 شكرا لك0
- لكنك ستفعلين0
همست كي لا يسمعها احد غيره :
- لا تستطيع ان ترغمني0
- اوتظنين ذلك؟
كان صوته هامسا وشعرت بالعنف الذي يكتنفه0 واقترب براندت منهما:
- ماالذي يجري ؟ ماالذي تقوله لايف الآن يا آدج؟ الاتستطيع ان ترى كم هي متعبه؟ دعها وشأنها!
وضع آدج يديه في جيبي سرواله , واجابه ببرود:
- كنت فقط اقترح عليها استنشاق بعض هواء الليل البارد فهذا سيخفف من صداعها0
- صداعها مرة اخرى يا ايف؟ ياللحظ التعيس0
طوت صوفي ذراعيها في حركة دفاعية وقالت بأرتباك :
- افضل ان اخلد الى النوم , شكرا لك في أي حال 0
- ولكن ذهابك الى النوم ليلة امس لم يشفك , اليس كذلك؟
- ماذا تقصد!
وللحظة موجعة ظنت صوفي انه ينوي فضحها0 ولكن بدا واضحا امن آدج كان يفكر بسبل اخرى لتعذيبها 0 لكنه اجابها بلطف:
- حسنا , تشكين من الصداع وربما هواء الليل سيكون انجح من النوم0
اومأ براندت برأسه موافقا :
- مادمت لا تتشاجر معها طوال الوقت يا آدج فلا بأس0 خذها الى الجبال فالهواء ابرد هناك0
لم يكن في وسعها الا ان توافق . أحضرت شالاً وضعته على كتفيها ثم رافقت آدج الى السيارة . وذهبا نحو الجبال فعلاً كما اقترح براندت عليهما . في ظروف مغايرة , كانت صوفي تمتعت جداً في النزهة . فضوء القمر أضفى لوناً فضياً على البحر الذي قبع مئات الأمتار دونهما , وغطت الأشجار الطريق الملتوية التي سلكاها . كان الطقس اشد برودة هنا وارتعدت بتأثير البرد المشوب بالخوف . بقي آدج صامتاً في الطريق وكان يركز على قيادة السيارة عبر المسالك الضيقة , ويسترخي وراء المقود . أخيراً وصلا إلى هضبة صغيرة تطل على منظر جميل وكان ضوء القمر يعكس نوره على المزيد من المناظر حولهما . أطفأ آدج محرك السيارة وفتح بابه وخرج وسار بكسل نحو سور حجري وأسند ذراعه إليه . رأت صوفي شعلة قداحته وهو يشعل سيكارة وبقيت مكانها , متجمدة وعصبية , غير قادرة على تفسير سبب مجيئه بها الى هذا المكان . كان الصمت مثيراً للأعصاب وتمنت لو عاد الى السيارة واخبرها بما أراد قوله لها . كان من غير المجدي التظاهر بأن ما حدث بينهما ليلة أمس لا يدعو أكثر من مجرد ازعاج له , ومهما حدث يجب ألا تدعه يرى كم يستطيع إيذاءها بسهولة .
وأخيراً عاد نحو السيارة وأنسل في مقعده قربها باسترخاء طبيعي . ثم أضاء نور السيارة الداخلي وتمعن في ملامحها الشاحبة وسألها :
- حسناً ؟ متى ستغادر ؟
- متى تغادر ؟ لم أفهم !
- فهمت جيداً . متى تزمع على الرحيل ؟
أطبقت صوفي يداً على يد بإحكام :
- أنا لا أعلم . ولا أستطيع إجبارها على المغادرة .
- طبعاً ! صاح آدج بغضب , أتتوقعين مني فعلاً ان اتحمل وجود تلك المخلوقة في منزلي يوماً آخر ؟
- أنت ... أنت تعلم من تكون ؟
- عليك اللعنه , طبعاً أعلم انها إبنة جيمس هولليستر ! بكل ما للكلمة من معنى !
- لماذا ... ماذا تقصد؟
زفر آدج بغضب :
- كان جيمس هولليستر مغامراً . بلا أخلاق . تزوج أختي على أمل ان يضع يديه على ما تخيله ثروة كبيرة . ولسوء الحظ ظن انه يستطيع ذلك من دون الرجوع الى والدي , وعندما انعزلت جينيفر عن العائلة ولم يكن معها فلس واحد , أصيب بأكبر صدمة في حياته العملية .
شهقت صوفي :
- لا أصدقك !
- ليس عليك ان تصدقيني . الأمر سيان لدي . ولكن هذه هي الحقيقة.
صدمت صوفي للحظة , ثم بدأت تحتج :
- جيمس هولليستر أحب جينيقر .
- أحب مالها , أو ما ظن انه سيؤول اليها ! يا الهي لا أظنك تعتقدين انني اتكلم دون اثبات . عندما اكتشغت جينيفر الحقيقة , أيبت بخيبة امل فظيعة وكتبت الي تخبرني كم هو خسيس . وماتت عندما ولدت ايف , لكنني اعتقد انها فقدت رغبة الحياة !
- أوه ...... لا يمكنك ان تعني ما تقول.
- بل اعني ما اقول .
- اذن لماذا لم تنفصل عنه , ولم تعد الى المنزل ؟
أطفأ آدج سيكارته بعصبية في المنفضة :
- لأن أبي لم يسمح لها . ماذا تعتقدين كان سبب كل المشكلة ؟ الا تدركين ان شعور ابي العطوف تجاهك ... للشخص الذي يتخيله انه انت ينبع من شعوره بالذنب تجاه جينيفر ؟ جينيفر أدركت محاذير عملها لكن كلاهما لام الآخر , اختارت ان تتجاهل التحذير وانت ترين ما حدث ! ربما لو لم تمت لحظة ولادة ايف لحدث صلح ما , ولكن هذا لم يحدث , على رغم كل شئ فأن والدي يستطيع عادة التمييز بين الأشخاص . عرف من هو جيمس هولليستر منذ البداية , ولكن جينيفر لم تقتنع .
- أوه , يا الهي !
- انت تصدقين , أليس كذلك ؟
- اتمنى لو لم أفعل .
- لماذا ؟ لأن الأمر سيجعل موقفك أسوأ ؟
- لا ! لا . انت لن تصدق ما اقوله , ولكنني لم أرغب في المجئ الى هنا .
- أوه . فعلاً ؟
- نعم , واتمنى لو اني لم افعل .
- اذن لماذا أتيت ؟
- هل تصدقني اذا قلت لك .
- اشك في ذلك ....
- اذن ...
- لكن افهم لماذا ارسلتك ايف الى هنا .
اتسعت عينا صوفي :
- لماذا ؟
نظر آدج الى أصابعه على مقود السيارة وقال :
- لأسباب واضحة . علمت انك الفتاة التي سيحبها والدي . ناعمة تفيض أنوثة , بعكس ايف القاسية .
أحنت صوفي رأسها , لم تستطع ان تقبل كلياً ما قاله عن ايف . كانت لطيفة معها في الماضي . وساعدتها في الحصول على عمل في ساندتشيرش . اذا طالبت برد جميل فهذا لا يعني انها سيئة الى ذلك الحد .
- اذن ما الذي سيحدث الآن ؟ نظرت إليه مستفسرة , سنغادر , على ما أظن !
- هل ستغادر ؟
صحح آدج ما قالته بتجهم .
- لا أستطيع البقاء هنا ..
- لم لا ؟
هزت صوفي راسها بيأس :
- ليس هناك سبب ...
- فعلاً ؟ وماذا عن أبي ؟
تحركت صوفي مكانها بارتباك :
- اذا ذهبت ايف ..... علي ان اذهب ايضاً .
- لماذا ؟ لأنها ستتوقع ذلك منك ؟ لأن خطتها الصغيرة لم تنجح ؟
- أي خطة ؟
- لا تتظاهري بأنك لا تعلمين . وافقت ايف على المجئ فقط لأن الجشع يملأها .
شدت ايف خصلة من شعرها :
- هل يجب ان نتابع هذا الحديث ؟ من الواضح انك تعلم كل شئ . الا يمكننا ترك الأمور على ما هي عليه ؟ سأخبر ايف انه لا جدوى ...
- لا .
قال لها آدج بلهجة آمرة باردة :
- ستغادر ايف وانت ستبقين .
شهقت صوفي :
- ولكن لماذا ؟
- لأنني لا أريد لوالدي ان يتضايق . لا بد انك تساءلت كيف سمحت لك بالبقاء هنا مع اني علمت انك محتالة . هناك أسباب عدة . وأحدها يهمك , وهو أهمها , مع ان والدي يبدو في صحة ممتازة , الا انه منذ عامين وهو يعاني من مرض في القلب وأصيب بذبحة طرحته مريضاً لشهور عدة .والآن تعافى بفضل الأدوية ومن شأن أي صدمة .. في الواقع الأفضل تجنيبه مثل هذه الصدمة .
- لم أكن أعلم ذلك .
- كيف لك ان تعلمي ؟ وكي أطمئنك أكثر فأن ايف لم تكن تعلم ايضاً .
تنهدت صوفي تنهيدة ارتياح :
- وانت تريدني ان ابقى هنا وأتظاهر بأنني ايف الى حين موعد مغادرتي ؟
- نعم . هل أسأل الكثير ؟
لم يكن طلبه كثيراً لكنها شكت في ان ايف سترى الأمر بالطريقة نفسها او في انها ستغادر المكان من دون مشكلة ما . ثم سألته بارتباك :
- ألا يمكنني ان أتظاهر بأنني مضطرة للذهاب الى لندن للقيام بمهمة صحافية ؟ عندها يمكنني ان أغادر انا وايف معاً.
انتظرت اجابته في انقباض . سألت ذلك السؤال بعدما فكرت في انها قد تكون الطريق الوحيد لأقناع ايف بالمغادرة من دون ازعاج جدها , وان من الأفضل لها ان تغادر وهي تدرك ان بقاءها سيؤلم مشاعرها نحو آدج .
لم تكن مهيأة لرد فعل آدج على اقتراحها . ضاقت عيناه وبان الغضب فيهما واستدار في مقعده وامسكها بإحكام من كتفيها وأصابعه تنغرز فيهما وتمتم بغضب :
- أيتها الأنانية ! أليس لديك الأخلاق الكافية كي تنهي ما بدأته .
- انت لا تفهم ...
- لا تقولي هذا ! ما الخطب ؟ هل انت خائفة من البقاء هنا , هل هذا ما في الأمر ؟ هل تخافين من ان انتهز الفرصة لأستفيد من عرضك ؟
- عرض ؟ أي عرض ؟
- هذا !
صاح فيها وشدها نحوه وعانقها :
- آدج ! آدج لا تفعل هذا !
- لماذا ؟ وأستمر ... قائلاً .. لم يكن رد فعلك مماثلاً ليلة أمس ...
حاولت صوفي إبعاده عنها لكن من دون جدوى ثم فكرت .. بأن آدج لا يحبها ! ألم يبين لها مدى إحتقاره لها . هل تريد ان يحتقرها أكثر . أبعدته عنها ونظرت اليه وقالت :
- أعدني الى المنزل !
كان تعبير آدج محيراً لكنها اعتقدت انها رأت نظرة أحتقار في عينيه.
تحرك وأسند نفسه الى الباب , ولم يقل شيئاً , فقط نظر اليها . وتحركت صوفي تحت وطأة نظره وكأنها عينة ميكروسكوب . ثم أستدار نحو مقود السيارة ببطء وخاطبها :
- يمكنك ان تخبري ايف بأنها ان لم تغادر ترينيداد غداً مساءاً فسأجعل الشرطة تقبض عليها متلبسة شخصية مزيفة !



9- ضائعة وسط الجميع !

- إنه يعني ما يقول يا ايف , حتماً !
تكلمت صوفي بيأس , بينما ايف بقيت مستلقية في الفراش تدخن سيكارة , وبدت غير متأثرة بما كانت صوفي تقوله . كان الوقت صباح اليوم التالي عندما جاءت صوفي لتتحدث الى ايف بعد ان رفضت الأخيرة التحدث اليها في الليلة السابقة .
- يا عزيزتي , بدأت تزعجيني . ما لا تستطيعين فهمه هو ان آدج متورط في هذه القضية الى العنق , ألا تفهمين ذلك ؟ لا يستطيع ان يطردني أو ان يفضحني ! من دون ان يخلق الوضع ذاته الذي يتمنى ان يتجنبه !
- لا تقصدين ... ايف لن تفعلي .
- لن أفعل ماذا ؟ أخبر جدي انك لست حفيدته في نهاية المطاف . سأفعل اذا أضطررت .
- أوه , ايف !
- لكنني لن أفعل , قالت ايف وتنهدت , ألا ترين يا صوفي ؟ لا يمكن لآدج ان يدع هذا يحصل . ليس الآن .
أستدارت صوفي بعيداً بتعب .
- اذن ما الذي ستفعلينه ؟
- سأتحدث مع خالي المحترم , أجابت ايف بهدوء , وأفسر له مصاعبه ومصاعبي . انني متأكدة بأننا سنصل الى تسوية ما .
- ايف , هذا ابتزاز !
- لا تبالغي في كل شئ يا صوفي ! سيتفهم وضعي تماماً . دعيني أتصرف .
- لكنني لا أريد ان اكون جزءاً من كل هذا .
- انت اخبرتني بنفسك انه يتوقع منك ان تبقي . بعد اسبوعين ينتهي كل شئ .
- لست أدري !
وتمنت صوفي لو ان لها هذه الثقة .
انقضى الصباح بصورة طبيعية . أراد بيرز ان يسبح ومع ان صوفي وافقت على الذهاب معه , إلا انها لم تسبح . فقد كان تفكيرها منهمكاً الى درجة لم تستطع معه ان تتمتع وتسترخي , وبعد ان سبح بيرز بعض الوقت , عاد وجلس بالقرب منها على الصخور . وسألها :
- ما الخطب ؟ تبدين قلقة .
- فعلاً ؟ ولا أدري لماذا .
- انها صديقتك , هي السبب اليس كذلك ؟ لقد ازعجتك .
شهقت صوفي :
- ياللسماء , لماذا تظن ذلك ؟
هز بيرز كتفيه :
- لست أدري , مجرد حدس , على ما أعتقد . ظهرت بصورة غير متوقعة . واقامتها هنا , أعلم ان براندت أصر على أستقبالها , لكن يبدو انها قبلت الأقامة هنا .
أحنت صوفي رأسها :
- انك واهم .
- كلا , انا لا أتخيل . ولديها قداحتك ايضا ً.
نظرت صوفي اليه :
- قداحتي ؟
- نعم , القداحة التي تستعملها عليها الأحرف الأولى من أسمك .
- أوه , نعم .
بلعت صوفي ريقها بصعوبة :
- عندما أقلعت عن التدخين أعطيتها اياها .
- أوه !
بدا مشككاً , وتذكرت صوفي كم بدا منهمكاً على العشاء في الليلة الماضية . وتساءلت اذا كان آدج قد اخبره , حقيقة الأمور , لكن لم يكن هناك سبب لذلك . كان بيرز يشك في الأمر في أي حال , وان لأسباب أخرى . آه كم تزداد الأمور تعقيداً !
في البيت لم تر ايف او آدج , وارتدت صوفي ثيابها بسرعة لتناول الغداء مترقبة ان تعلم ما حدث . لكن احداً لم يجبها عندما قرعت باب غرفة ايف ففتحت الباب وأطلت برأسها . كانت الغرفة مهجورة . لم تكن ايف هناك . وبينما تجيل النظر غير مصدقة في انحاء الغرفة تنبهت الى ان حقيبة ايف لم تكن موجودة ولا ملابسها . ففتحت باب الغرفة على مصراعيه ودخلت الغرفة وأدركت ان مخاوفها لها ما يبررها . اختفت كل اغراض ايف من الغرفة . لم يكن احد يشغل الغرفة . احتاجت الى بضع دقائق لتستوعب حقيقة ان ايف غادرت فجأة كما جاءت . ولكن الى اين ذهبت ولماذا لم تخبرها قبلاً . جلست على السرير بضعف وحاولت ان تستجمع افكارها . علمت ايف بمشاعر صوفي بالنسبة الى اقامتها هنا . لكن لا يمكن لها ان تغادر من دون أي اشارة ! ربما تركت رسالة , تفسر فيها تصرفاتها , لكنها لم تجد شيئاً هنا . كذلك لم تجد شيئاً في غرفتها ايضاً . نزلت الى غرفة الطعام وهي تشعر بالوهن والضعف . ما الذي يجري ؟ رأت فوراً ان آدج لم يكن يتناول طعام الغداء في المنزل . رأت براندت وبيرز وروزا فقط في انتظارها على الشرفة وابتسمت معتذرة قبل ان تجلس . فهي لم ترد لبراندت ان يشك في أي شئ ..... ليس الآن . كانت صامتة أثناء تناول الطعام . وأخيراً قال براندت :
- لسوء الحظ ان الآنسة سلاتر أضطرت الى مفارقتنا بهذه الصورة الفجائية , أليس كذلك ؟ لكن لا بأس , أعتقد انك سررت بزيارتها القصيرة .
تبادلت صوفي وبيرز النظرات :
- انت تعلم أنها ..... غادرت ؟
- طبعاً , آدج أخبرني قبل ان يأخذها الى المطار . كان من حسن حظها انها أستطاعت ايجاد مكان لها على الطائرة .
- هل ...... هل أخبرتك عن سبب إضطرارها المفاجئ الى الرحيل ؟
- نعم , بسبب عملها . لكن يسعدني ان اعلم انك لن تغادري يا أيف .
نظرت صوفي الى صحنها . اذن ايف ذهبت كما قالت ! لكن هل حصلت على ما أرادت ؟ كادت صوفي ان تهز رأسها وهي تفكر . وألا كيف وافقت على الرحيل من دون أحداث جلبة ؟ ولكن ما هو رأي آدج فيها ...فيهما ؟
بقيت صوفي في غرفتها طوال فترة بعد الظهر . وكانت تظن بين الفينة والآخرى ان آدج قد عاد , لكنها تكتشف خطأها , بعد ان تطل من الشرفة , كانت أعصابها مشدودة و متوترة , وخداها متوهجين , ولم تستطع التفكير إلا بما كان ينتظرها عندما يعود . أستلقت على سريرها بقلق متخوفة من المجابهة القريبة . ويدو انها نامت اذ انها استيقظت بعد فترة على صوت طرق الباب .
- آنسة ايف ! آنسة ايف ! هل انت هناك ؟
فتحت صوفي عينيها وهرولت تفتح الباب . وقفت فيوليت أمام الباب وبدت منزعجة جداً .
- مالخطب يا فيوليت ؟ ما الأمر ؟
- هل .... هل يمكنك ان تأتي فوراً , يا آنسة ايف .. انه السيد براندت . وهو في مكتبه ولا أعتقد انه بخير أبداً .
نظرت صوفي الى الخادمة بهلع :
- ماذا تقصدين ؟ ماذا حدث له ؟ أين آدج ؟ هل هو وحده ؟
وفيما هما تهبطان السلم فسرت فيوليت الأمر :
- جوزف هو الذي اخبرني , يا آنسة . كان قد ذهب الى المدينة لأحضار بعض الأغراض لي ثم ذهب لرؤية السيد براندت اثر عودته . كان السيد بخير وقتئذٍ . تحدث الى جوزف . وسأله عن رحلته . ثم بعد ربع ساعة عاد جوزف ليسأله اذا كان يرغب في تناول بعض الشاي فوجده على طاولته , واغرورقت عينا فيوليت بالدمع وسألتها :
- سوف يكون بخير , أليس كذلك يا أنسة ايف ؟
هزت صوفي رأسها يأساً . لم تعرف بماذا تفكر . هرعتا عبر القاعة ثم الى مكتب براندت . وكما وصفت فيوليت الحادث , كان براندت ملقى فوق مكتبه فيما كان جوزف يفرك يديه بقلق ظاهر . ترددت صوفي لحظة ثم سارت نحو المكتب ووضعت أصابعها على جبهة براندت . شعرت بالنبض لكنها هلعت عندما أحست بضعفه وهتفت محاولة الإمساك بزمام الأمور :
- أطلبوا الطبيب , فيوليت , هل يمكنك الإتصال بطبيب ؟
قفزت فيوليت من مكانها .
- نعم يا سيدتي . هل سيكون بخير يا آنسة ايف ؟
فتحت صوفي فمها كي تحتج ... لتقول انه ليس لديها ادنى فكرة عن الموضوع ثم أطبقته ثانية . كانت فيوليت وجوزف مثل الأطفال الذين يحتاجون الى طمأنينة . أرادا ان تقول لهما ان كل شئ على ما يرام , قالت صوفي بثبات :
- اعتقد انه غاب عن الوعي فقط . هذا كل ما في الأمر . أفعلي كما اقول لك واتصلي بالطبيب . هل .... هل عاد السيد آدج ؟
- كلا , يا آنسة ايف .
أجابها جوزف , وأنّبت صوفي نفسها لأنها سألت ذلك السؤال السخيف . لو كان آدج هنا , لأمسك هو بزمام الأمور . هرولت فيوليت بعيداً كي تتصل بالطبيب وقالت صوفي لجوزف :
- ساعدني في وضعه على الأريكة .
أومأ جوزف برأسه واستطاعا معاً نقل براندت الضخم الى الأريكة ومدداه بشكل مريح . ثم جلست صوفي قرب براندت ووضعت وجهها على صدره , شعرت أن دقات قلبه أصبحت أقوى بقليل , لكنها لم تعلم اذا كانت تتوهم الأمر ام لا .
وسألها جوزف :
- هل هناك ما أستطيع فعله يا آنسة ايف ؟
نظرت صوفي اليه وقالت :
- لا , لا اعتقد ذلك . ما الذي حدث ؟ قالت فيوليت انك وجدته صحيحاً عندما عدت من البلدة .
- هذا صحيح ياآنسة ايف . كانت الآنسة جانين معه .
إهتز رأس صوفي :
- جانين فليمنغ ؟
- نعم يا آنسة .
- وما الذي كانت تفعله هنا ؟
هز جوزف رأسه :
- لست أدري يا آنسة .
- كلا , بالطبع لن تعرف .
فكرت صوفي في الأمر . ما يمكن جانين ان تفعله هنا بينما آدج غائب عن المنزل ؟ مع انها قد لا تكون مدركة انه غائب . أضطرب عقلها من كثرة انشغالها . هل يعقل ان يكون لزيارة جانين علاقة بحال براندت ؟ بدأت تتساءل اذا كانت جانين قد علمت بهويتها الحقيقية بطريقة ما وانتابها قلق شديد . ماذا لو انها جاءت هنا لهذا السبب ؟ ماذا لو ان معرفة براندت بحقيقة حفيدته كانت السبب في إصابته بالنوبة القلبية ؟ هناك احتمالات عدة . ولم يستطع عقلها ان يستوعبها . كانت لا تزال جالسة قرب براندت عندما سمعت وقع أقدام تقترب ورأت آدج يدخل الغرفة . انتقلت نظراته من صوفي الى الرجل .... ونهضت صوفي بارتباك عندما جاء آدج ليفحص والده . ولدهشتها رأته يضع يده في جيب والده ويخرج علبة دواء ويأمرها :
- أحضري بعض الماء .
وركضت تحضر كوباً . أجلس آدج والده قليلاً , ودفع بحبتي داء الى فمه ما جعله يصحو لوقت مكنه من ابتلاعهما . ثم سكب بعض الماء في فم براندت , ودهشت صوفي عندما رأت عينيه تطرفان . ثم مدده آدج ثانية وسألها بقسوة :
- ما الذي حدث , ماذا قلت له ؟
- أنا ؟ .... انا لم أقل شيئاً .
حدق آدج في وجهها للحظة ثم أستدار نحو والده قائلاً :
- سمعت انك طلبت الطبيب .
- أنا .... انا فكرت ان هذا افضل ما يمكنني فعله . هل سيتعافى ؟
- آمل في ذلك , لحسن الحظ وصلت في الوقت المناسب .
- أعلم انك أخبرتني بأنه يتناول الدواء . لكن لم أكن أعلم اين الدواء ... لم أكن أعلم ماذا أفعل !
- كان يمكن لروزا ان تعلم , هل سألها أحد ؟
- لا أعتقد فقد جاءت فيوليت تطلبني .
- لا بد انها فعلت !
ترددت صوفي ثم قالت :
- من الأفضل ان اذهب . هل ستخبرني بما يقوله الطبيب ؟
- أريد ان اتكلم معك في ما بعد .
- نعم .. حسناً ... اعذرني ..
كانت صوفي لا تزال في القاعة عندما ظهرت فيوليت :
- سيصل الطبيب بعد قليل , كيف أصبح الآن ؟
- السيد آدج معه فيوليت . الآنسة فليمنغ كانت هنا كما أخبرني جوزف . ما الذي كانت تريده ؟
هزت فيوليت كتفيها :
- لم تخبرني يا آنسة ايف . فقط قالت ان لديها ما تقوله للسيد براندت . أعتقد أنها كانت توصل رسالة من والدتها عن ليزا .
- ليزا , رددت صوفي من دون ان تدرك ما تردد . تقصدين الفتاة ... الفتاة التي ...
وفجأة لم تستطع أن تتابع الكلام , تذكرت ليلة أمس والمشاجرة التي دارت بينها وبين ايف , ليزا كانت واقفة خارج بابها تنصت الى الحديث ...
- نعم , يا آنسة ايف تلك الفتاة التي كانت مصدر ازعاج هنا , يبدو انها عرضت ان تعمل لحساب السيدة فليمنغ وقد قبلوا خدماتها .
- هل فعلوا حقاً ؟
شعرت صوفي بالوهن . وبدأت فجأة تتبين ما يجري ولم تحب ما أدركته . ما الذي سيظنه آدج عندما يعلم بالأمر ؟ هل سيصدق انها لم تقل شيئاً ؟ ماذا لو كانت جانين هي المسؤلة عن أخبار والده حقيقة الأمر ؟ كانت فيوليت تنظر اليها ببعض الإستغراب الآن وسألتها بإهتمام :
- هل انت على ما يرام , يا آنسة , واردفت بحنان , لا تدعي الحادث الذي ألمّ بالسيد براندت يقلقك كثيراً . قال السيد آدج ان لا داعي للقلق , فالسيد براندت سيتعافى .
لكن آدج قال ذلك بالمنطق نفسه الذي قالته هي فيه . وهزّت رأسها واستطاعت ان تطمئن فيوليت وسارت ببطء الى القاعة الداخلية . ما الذي ستفعله ؟ اذا أصيب براندت فعلاً بنوبة قلبية , اذا توفي .... لكن لا , لا يمكن ان يحصل هذا , خاطبت نفسها بيأس . لا يمكن ان تكون طرفاً في مثل هذه المشكلة . عليه أن يتحسن , مهما علم عن الحقيقة , كيف لها أن تبقى هنا الآن اذا علم براندت بالحقيقة ؟ قد لا يريد ان يراها ثانية . أما بالنسبة الى آدج ...
هزت رأسها ومسحت الدموع التي أخذت تنهمر . كان البكاء ردّ فعل جباناً وضعيفاَ . جاءت الى هنا بإرادتها , ولم يجبرها أحد على المجئ , وكان عليها ان تواجه النتائج . ولكن الآن .... وبإندفاع مفاجئ , دخلت الى القاعة وأمسكت بدليل الهاتف ووجدت رقم هاتف عائلة فليمنغ . أتصلت بالرقم ورفضت ان تفكر فيما كانت تفعله وعندما ردّت الخادمة طلبت التحدث الى الآنسة جانين فليمنغ .
- الآنسة فليمنغ ليست في المنزل , أجابتها الخادمة بتهذيب , هل أنادي السيدة فليمنغ .
- أوه .. كلا .. كلا... لا بأس .
بدأت صوفي ترتاح عندما سمعت أصواتاً في الطرف الآخر من الهاتف ثم أجابها صوت هوارد فليمنغ .
- أيف , ايف , هل هذا انت ؟
ايقنت صوفي ان هوارد فليمنغ لم يكن يعلم بعد بشخصيتها الحقيقية فارتاحت بعض الشئ واجابته :
- نعم أردت التحدث الى جانين . لم يكن الأمر مهماً .
- ألا أنفع أنا عوضاً منها ؟ تبدين منزعجة . هل وقع مكروه ؟
- في الواقع , أجل . انتابت براندت وعكة ونحن في انتظار الطبيب .
- يا الهي ! بدا هوارد متأثراً فعلاً , هل في استطاعتي ان افعل أي شئ؟
- كلا . شكراً لك . علي ان انهي حديثي معك . اعتقد ان الطبيب وصل الآن .
وهكذا كان . ظهرت فيوليت التي قادته عبر السلم الى مكتب براندت بينما تجوّلت صوفي في غرفة الصباح والشرفة وتساءلت عن مكان وجود بيرز . ربما ذهب في المركب الشراعي . تمنت لو كان هنا الآن . فهي كانت في حاجة الى وجوده قربها .
ثم سمعت أصواتاً في القاعة وسارت نحو باب الغرفة لترى الطبيب يغادر . ودلّ قصر زيارته على ان الأمر ليس خطيراً , لكنها لم تتجاسر ان تؤكد استنتاجها . رافق آدج الطبيب الى سيارته , وسارت صوفي نحو باب المكتب المفتوح . كان براندت لا يزال مستلقياً حيث وضعته هي وجوزف . وعيناه لا تزالان مغمضتين . لكن بدا ان تنفسه قد انتظم . كانت صوفي تهبط السلم عندما التقت آدج .
- انه نائم الآن , وربما سينام بضع ساعات . لكن ليس هناك ما يقلق .
- أوه , الحمدلله .
كان تعبير آدج غامضاً :
- اقترح عليك ان تذهبي وتتناولي بعض الشاي . يبدو أنك بحاجة الى ذلك . سوف أكلمك في ما بعد .
أومأت صوفي برأسها وذهبت . على الأقل لن يموت براندت . وهذا أهم شئ في الموضوع .
كانت ترتدي ثياب العشاء عندما جاءت خادمة تخبرها بأن مكالمة هاتفية تنتظرها .
- لي أنا ؟
فوجئت صوفي . من يمكن ان يتصل بها ؟ تحدثت من القاعة , وحملت السماعة بانتباه ووضعتها على اذنها بتردد .
- ايف هولليستر . من المتحدث ؟
- شخص يعلم انك لست ايف هولليستر .
قال صوت نسائي , علمت صوفي فوراً انه صوت جانين :
- فهمت انك اتصلت بي في وقت سابق اليوم .
جلست صوفي حائرة على السلم . فقد فاجأتها كلمات جانين ولم يكن لديها ما تقوله .
- حسناً ؟ كان عليك ان تعلمي ان امرك سينكشف عاجلاً أم آجلاً .
- هل ..... أخبرت براندت ؟
- ليس بعد . ولكني سأفعل إذا لم تغادري فوراً .
شعرت صوفي بنفسها منهكة :
- تريدين مني ان أغادر ؟
- هذا صحيح . غداً إذا امكنك , كان عليّ ان أعلم ان الطريقة التي كنت تنظرين فيها الى آدج .... ثم قطعت حديثها فجأة . في أي حال أنا اعلم الآن ولن أتردد في كشف حيلتك ! لا أعلم لماذا جئت الى ترينيداد . أو كيف حصلت على عنوان براندت , الا اذا كانت ابنة جينيفر الحقيقية وراء كل ما يحصل . لكن من الأفضل لك ان توضبي حقائبك من الآن وإلا سيكون لدى عائلة سانت فينسنتي أمور اخرى تشغل بالها .
أدركت صوفي ان الفتاة قد أقفلت الخط بعد حديثها . لقد هدّدتها ولم تشك صوفي في ان جانين عنت ما قالته . سوف تخبر براندت . فهي لم تكن تخاف خسارة أي شئ . جاءت مكالمة هاتفية اخرى وانشدّت صوفي عندما نهض آدج ليجيب , لكنه بدا مشغول البال عندما عاد ولم يجلس ثم قال مخاطباً عمته :
- يجب ان اخرج يا روزا ! تعرّض بعض عمالنا لمشكلة في المدينة وعليّ ان اذهب سوف اراك لاحقاً .
ولمعت عيناه وهو ينظر الى صوفي وأدركت انه كان ينبهها الى انها لن تنجو من الحديث المقبل معه . لكن لأي هدف ؟ سألت نفسها بعد رحيله . لم يعد مهماً اذا طلب منها البقاء او الرحيل . فجانين عنت ما قالته , كانت ستخبر براندت . وكان على صوفي ان تقرر اذا كان من الأسهل عليها ان تبقى او تذهب .
عندما انتهت وجبة العشاء خرج بيرز , واندفعت صوفي خارج المنزل ونزلت السلم الى الرصيف الحجري . كان الهواء قوياً في تلك الأمسية وتطاير شعرها على وجهها وأقشعرّ بدنها . لكن على الأقل كان الهواء بارداّ ومنعشاً وأزال غشاوة الهم والأرتياب عنها .
كان الموج غير الإعتيادي يجعل المركب والقارب يرتطم واحدهما بالآخر , وسارت صوفي نحوهما ببطء وهي تراقب حركاتهما غافلة . لكنها تنبّهت الى ان الحبال التي تربط المركب بالمرساة كانت سائبة . فأما ان بيرز لم يربطها جيداً أو أن الريح هي السبب , لكن المؤكد أن المركب كان على وشك ان ينحرف الى عرض البحر . نسيت صوفي همومها للحظة وانحنت كي تلتقط الحبل . وكادت الريح وموجة مفاجئة ان توقعاها لكنها تمكنت من استعادة توازنها وانحنت ثانية كي تربط الحبل لتكتشف ان حلقة المرساة قد تآكلت من الصدأ وهذا فسر كيف أفلت حبل المركب في الأساس . نظرت حولها وهي ممسكة بالحبل تحاول ايجاد مكان مناسب لربطه به لكنها لم توفق . كان أملها الوحيد في ان تربطه الى مرسى القارب الثاني وان تأمل في ان تتحمل المرساة الأثنين معاً .
إلا ان يديها أصبحتا باردتين وأفلت الحبل فجأة من يدها بسبب الريح .
وتأرجح المركب كفلينة واختفى الحبل في الماء على بعد بضعة سنتيمترات في الرصيف .
- آه , اللعنة !
حدّقت صوفي في المركب الصغير بانزعاج . لو لم تنزل الى هنا لما كانت علمت بالأمر لكنّها الآن لا تدري ماذا تفعل . بالكاد كان في امكانها ان تصرخ طلباً للنجدة في الوقت الذي كان فيه براندت طريحاً . أذن ماذا في امكانها ان تفعل . تتركه وتأمل في ألا يجرفه الموج ؟ أو تحاول ان تنقذه ؟ نظرت الى تنورتها ذات الثنايا وقميصها وفكرت أنها لو حاولت الإمساك بالحبل ستتسخ ثيابها . ومن ناحية اخرى فان ثيابها الداخلية تنفعها أكثر . وبحركة فجائية . خلعت ثيابها وقفزت في الماء . شعرت بلسعة البرد لكنها سرعان ما إعتادت عليها . كانت المياه لا تزال أدفأ بكثير من المياه في وطنها . واستطاعت ان تصل الى المركب , وامسكت بالحبل , ثم استدارت وحاولت ان تجذبه نحو الشاطئ لكن لسوء الحظ عاكسته الرياح وآلمتها يدها . وشعرت بضيق فظيع , وبدأت تشعر بقساوة البرد وعلمت ان عليها التخلي عن مهمتها عاجلاً أم آجلاً ثم أصابها تشنج ووجع مؤلم في ساقها اليسرى جعلاها تشهق وتترك الحبل وتنزل تحت الماء للحظة . ثم تصعد من تحت الماء مذعورة وهي تحاول التقاط انفاسها , غير متمكنة من تصور طريقة للعودة الى الشاطئ . وعوضاً من ذلك , أمسكت بجانب القارب وقفزت الى داخله وهوت على متنه . شعرت بارتياح عارم لخروجها من الماء ولشعورها بأن تشنج ساقها بدأ يخف , لكن وهلة الإستراحة الأولى أختفت وبدأت تشعر بأحاسيس اخرى . شعرت ببرد شديد جعل اسنانها تصطك , وأخذ الشاطئ يبتعد عنها رويداً . ركعت وهي مذعورة وتساءلت عما يمكنها ان تفعل . حتى لو عرفت الطريقة لذلك فانها شكّت في ما اذا كانت تجسر على رفع الشراع في مثل هذه الريح القوية , وقد تسحب الريح الركب الى عرض البحر .
علمت ان آملها الوحيد هو في الغطس في الماء والسباحة نحو الشاطئ . فاذا ما بقيت حيث هي , فمن الممكن ان يحدث أي شئ لها . قد ينقلب المركب وثم .... مسدت قدمها مرة أخرى ثم وقفت ومن دون اعطاء نفسها المجال للتفكير ثانية في الأمر قفزت من المركب وسبحت في اتجاه الصخور . غطت المياه رأسها مرات عدة , وبصقت الماء مرات عدة من فمها لكنّها استمرّت في السباحة , لم تشعر بالصخور بعيدة الى هذا الحد في السابق . وأخيراً أقرت لنفسها بأنها لن تستطيع الوصول اليها . وكان لديها أملها الوحيد في الوصول الى الرأس الصخري على بعد امتار عدّة منها . وبدا الرأس مرعباً ولم تر ما تتمسك به كي تخرج من الماء , لكن لم يكن لديها أي خيار , واخيراً وصلت الى الرأس , وسحبت نفسها من الماء وهي تشعر بتلاشي قواها . ومزق سطح الصخرة الخشن أصابعها وهي تحاول ان تنهض . وجدت حافة ضيقة على سطح الصخرة تكفي لدس جسمها فيها فألقت رأسها المتعب على الصخرة الخشنة . على الأقل كانت في مأمن في تلك اللحظة . لم تغمر المياه هذا الجزء من الرأس الصخري وفكرت أنها ستحاول السباحة الشاطئ ما ان تستجمع قواها . وشعرت بالبرد وبالتعب وبعصبية خفيفة , لكنها نسيت متاعبها الأخرى في تلك اللحظة .

10- الحنان إلى الأبد

سمعت صوفي اصواتاً ملحة غاضبة تناهت اليها عبر المياه كموجات , مثل ارتفاع الموج .... رفعت نظرها وحاولت ان تتحرك . شعرت بكل عظمة في جسدها تؤلمها من شدة تعبها , رغم انها نامت , وحاولت ان تبقى مستيقظة لكن البرد جعلها ترغب في إغلاق عينيها . كانت تعلم انه يجدر بها ان تحاول العودة الى الشاطئ , لكن المياه بدت مائجة وعدوانية واخبرت نفسها انها ستبقى لفترة اخرى . لكن الآن .... الآن سمعت أصواتاً , يجب ان يراها احدهم لكن كيف لهم ان يستطيعوا ؟ فلقد خيمت الظلمة ولم يكن ثمة ضوء قمر , والضوء الشحيح لم يكن كافياً كي يبين شكلاً جمد في مكانه واستلقى على الصخر , الا اذا استطاعت لفت انظارهم بوسيلة اخرى , استطاعت ان تتحرك ثم نظرت بيأس نحو الشاطئ . كانت لا تزال تسمع الأصوات لكنها شعرت انها تبتعد , واذا لم تتصرف بسرعة فسوف تختفي .
- النجدة , صاحت بصوت خافت , ثم بصوت اقوى , اوه ارجوكم ساعدوني !
حملت الريح صوتها بعيدا! ابتعدت الأصوات اكثر وجعلها الرعب تصرخ بشكل هستيري :
- النجدة , أوه يا الهي انا هنا ! ساعدوني !
ساد الصمت للحظة وبدا كأن أسوأ مخاوفها قد تحقق , لكنها عادت تسمع الأصوات وعلمت انها تقترب نحوها .
- صوفي ! كان ذاك صوت آدج , صوفي هل تستطيعين ان تسمعيني ؟
- نعم , أجابته وصوتها يضعف , الحمد لله انك سمعتني !
- ثم تهدّج صوتها اكثر واجهشت في بكاء هز كيانها .
- إهدأي , انا مقبل لنجدتك !
صاح آدج , وسمعته يوجه أوامره الى من كان برفقته . سمعت صوت محرك قارب يقترب وصوت آدج يناديها في استمرار مشجعاً لكنها بالكاد ادركت اقترابه . فقد جعلتها الصدمة والبرد تفقد السيطرة على نفسها .
وعندما اقترب القارب من الصخرة صاح آدج مرة أخرى :
- اذا رميت حبلاً , هل في استطاعتك الإمساك به ؟
حاولت صوفي ان تنهض نفسها :
- سأحاول .
رمى آدج الحبل اليها . فانطرح قربها وكان من السهل عليها ان تلتقطه. لكن أصابعها كانت متجمدة الى درجة لم تتمكن معها من التقاطه وابتعد الحبل عنها . لم يسألها آدج مرة أخرى . وبدلاً من ذلك اقترب بالقارب ثم انحنى وقفز منه الى الصخرة ليقف على حافتها بالقرب منها .
- أوه , صوفي !
تمتم قائلاً ثم تابع بصوت مكسور :
- ظننت انك قتلت نفسك ؟
نظرت صوفي اليه وهي ترتجف , وتحاول الوقوف على قدميها , ومن دون ان يكترث لتبللها قرّبها اليه واحتواها بذراعيه .
- يا الهي , قال وهو يئن , انك ترتعدين من شدة البرد ! تعالي ! لن يطول بنا الأمر الآن يجب ان اعيدك .
كانت صوفي مسرورة ان تبقى حيث هي بين ذراعي آدج . فهي تشعر بالإنتماء الى هذا المكان . لم تذكر مشوار العودة الى الشاطئ كثيراً . غطاها جوزف الذي كان يرافق آدج بالأغطية بينما قاد آدج المركب . ثم وصلوا الى الرصيف وحملها آدج نحو المنزل .
- إنني ثقيلة يا آدج , في استطاعتي المشي !
- أشك في ذلك .
تمتم آدج مجيباً , ثم تجاهل احتجاجاتها المتلاحقة . لاقتهم فيوليت الى مدخل المنزل , وبدا القلق واضحاً على وجهها :
- أوه يا سيد آدج لقد وجدتها ! هل هي بخير ؟
- ستصير كذلك , اذهبي وجهزي الحمام .
- نعم يا سيد آدج .
هرولت فيوليت صاعدة السلم ولحق بها آدج غير منزعج من حملها . وتركها تقف عندما وصل بها الى غرفتها وقال لها باقتضاب :
- استحمي الآن ابقي ما يطيب لك من الوقت في الماء , لا داعي للعجلة .
وما ان اصبحت صوفي في المياه الدافئة حتى سألت فيوليت عن الساعة .
- الا تعلمين انها قاربت الثانية بعد منتصف الليل !
- الثانية؟ ولكن لماذا لا يزال الجميع مستيقظين ؟
نظرت فيوليت اليها نظرة تقليدية .
- أوه يا آنسة يا له من سؤال ! فقد السيد آدج نصف رشده وهو يبحث عنك وارسل السيد بيرز الى عائلة فليمنغ ليرى اذا ذهبت الى منزلهم مصادفة . وقبعت صوفي في المياه الساخنة . وبدأت تشعر بالدفء مجدداً ...
- ولكن ... متى افتقدني ؟
- قرابة الحادية عشرة مساءاً , عندما عاد السيد آدج من المدينة . اراد ان يراك وعندما لم نجدك بدا مقتنعاً بأنك هربت .
رددت صوفي :
- هربت ؟
- نعم يا آنسة صوفي ... هذا اسمك ؟
نهضت صوفي واقفة في الماء .
- كيف عرفت اسمي ؟
- لم هذا السؤال الجميع يعلم يا آنسة .
- الجميع ؟ أمتقع خدا صوفي , براندت ... أعني .... السيد براندت ايضاً؟
- الجميع .
قال صوت من القاعة, واستدارت صوفي لترى آدج مستنداً بكسل الى الباب , وفوراً عادت الى الجلوس في الحوض وتخضبت وجنتاها .
- يجب الا تكون هنا يا سيد آدج !
وبّخته فيوليت وهي تلملم ثياب صوفي وتضعها في سلة الغسيل .
- تستطيع ان تتحدث اليها في ما بعد .
- هذا ما سأفعله يا فيوليت , قال آدج بلهجة الواثق , ولكن استعجلي فصبري بدأ ينفد .
ثم استدار وابتعد . أعياها التفكير في ما سمعته , ولم تجسر على التفكير في ما قاله ولماذا لا يبدو غاضباً . أرتدت صوفي ثيابها وبعد ان اطمأنت فيوليت الى ان لديها كل ما تحتاجه غادرت الغرفة . كانت صوفي تجلس امام المرآة تسرح شعرها عندما فتح الباب وظهر آدج . دخل الغرفة بصورة مألوفة وأغلق الباب خلفه , وبدأ قلبها يخفق بقوة . وضعت الفرشاة جانباً وراقبته يقترب منها في المرآة ويلمس كتفيها .ثم ابتعد عنها قليلاً وسحب علبة سكائر واشعل واحدة . لاحظت ان يديه كانتا ترتعشان قليلاً وهو يشعل السيارة . ثم سار بعيداً عنها نحو الشرفة . وطرق قلبها مرة أخرى . ماذا سيحدث الآن ؟ هل سيعود الى تصرفه المتهكّم مرة أخرى ؟ لكنها لم تر أي سخرية في وجهه عندما إستدار نحوها . بل على العكس بدا تعبيره متوتراً وسألها بهدوء :
- أتشعرين بأنك على ما يرام ؟
- أنا ... انا بخير . اني متأسفة لأنني سببت المتاعب لكم .
- متاعب ؟ ورفع عينيه نحو سقف الغرفة , أوه , يا الهي , لو تعلمين أي متاعب !
- اني آسفة .
- لماذا ؟ استحق اكثر من ذلك . يا الهي , عندما علمت انك مفقودة , فأنا ... ثم هز رأسه, حسناً , لا يهم الأمر الآن , كيف وصلت الى هناك ؟
- كنت أحاول اعادة المركب الشراعي .
- المركب ؟ وبدا فاقد التعبير , أبحرت بالمركب ؟
- كلا , لم ابحر به .. المرساة تآكلت من الصدأ وكان المركب غير مربوط , وحاولت استرجاعه .
- فهمت . اذن لهذا السبب خلعت ثيابك . يا الهي عندما وجدتها ظننت فعلاً ...... ظننت .....
واستدار فجأة وكأنه لم يقو على الإستمرار في الكلام وشعرت صوفي بدفق من العاطفة يسري في أوصالها . ولكن قبل ان تتمكن من قول أي شئ , تابع حديثه :
- اتعلمين , اكتشفت هذا المساء عندما استيقظ والدي انه كان يعلم انك لست ايف .
جمدت صوفي :
- وهل كان هذا سبب ..... سبب .....
- تعنين سبب إغماءته ؟ كلا , فقط نسي ان يتناول الدواء . هذا كل ما في الأمر .
وشعرت صوفي بموجة ارتياح تغمرها .
- ولكن .... لكن من اخبره .. جانين قالت .....
ثم صمتت عندما رأت عيني آدج تضيقان , لكنه حثها على متابعة الكلام .
- نعم , ماذا قالت جانين ؟
- أوه .... أوه لا شئ .
- تعتقدين ان جانين أخبرته , أليس كذلك ؟ هل هددت بأن تفعل ذلك ؟
- ربما فعلت , لا أذكر .
- في الواقع على رغم أخطائها , فجانين لم تخبره .
- اذن .... اذن كيف ....
- لم تتمكن صوفي ان تفهم . ونظر آدج بمرارة وقال :
- فتح برقية كانت موجهة اليك ظناً منه انها قد تكون مهمة . جلبها جوزف معه عندما عاد الى المدينة , وانت لم تكوني موجودة وهكذا .... أعتقد انك انت التي ارسلت البرقية !
- البرقية !
حتى تلك اللحظة كانت صوفي قد نسيت امر البرقية التي أرسلتها , إذ وصلت ايف في اليوم نفسه الذي أرسلت فيه البرقية , نظرت بوهن الى آدج الذي تابع قائلاً :
- أنت أرسلتها أليس كذلك ؟ استطيع ان ادرك من تعبير وجهك . شكراً للسماء انك فعلت ذلك !
إرتبكت صوفي وسألته هامسة :
- ولكن لماذا ؟
- ألا تدركين ان تلك البرقية ترفع اللوم عنك ؟ دلت كلماتها بوضوح انك وافقت على المجئ الى هنا فقط لأنك أعتقدت ان براندت على وشك ان يموت وانك بالتالي متورطة في عملية الإبتزاز .
فردت صوفي ذراعيها وسألته :
- ولكن كيف وصلت البرقية الى هنا ؟
- بالسبل العادية . لم يكن من سبيل للإهتداء إلى ايف في لندن . ومن الواضح انها أبلغت جيرانها انها ستغيب بعض الوقت . ولذلك أعيدت البرقية الى هنا .
- فهمت الآن .
قالت صوفي وأومأت برأسها . ثم أطرقت :
- ولكن كيف تأكد لك اني لم أرسلها كعملية تغطية ؟
نظر إليها آدج بنفاد صبر .
- هل فعلت ؟
- كلا .
- اني أصدقك . انا أصدق حدسي . انت ببساطة لست ذلك النوع من الأشخاص . أعتقد اني علمت ذلك منذ البداية لكنني أحتجت إلى إرغام نفسي على قبول الأمر . إني آسف .
هزت صوفي كتفيها بإرتباك :
- لا بأس .
لم تعلم كيف تتصرف حيال ما قاله . ففي السابق كان يبدو مكروباً , وربما كان يشعر بالذنب لأنه عاملها بإحتقار طوال تلك المدة . ومهما شعر من انجذاب نحوها , فهو إحتقر نفسه كل الوقت بسبب ذلك . ثم عاد آدج ليقول :
- قد يفاجئك ان تعلمي بأن براندت كان قد بدأ يشك في انك إبنة جينيفر فعلاً .
أنصتت صوفي بإنتباه :
- أصحيح هذا ؟
- نعم , إن المرء يكون صورة عن الآخر من كتاباته , ولأبي خبرة طويلة في التعامل مع الناس . وبدأ يدرك انك كنت تتجنبين مناقشته في الموضوع الذي كان يتوقع منك ان تناقشيه فيه . الدوافع وراء قبول ايف زيارته . ولكن كما ترين ... واقترب آدج خطوة منها ... بدأ والدي يحبك , يحب الشخص الذي هو أنت , وكان خائفاً من التفتيش عن أجوبة قد تدمّر العلاقة بينكما .
أسرعت خفقات قلب صوفي :
- لو كنت أعلم ...
- لو علمنا جميعاً لكانت الأمور ابسط بكثير . لو لم تستنبط ايف هذه اللعبة الماكرة لما كنا تلاقينا , أليس كذلك ؟
- أفترض ان هذه هي الحقيقة . لكن يجب ان اخبرك بوجود سبب آخر دفعني الى المجئ .
- سبب آخر !
- نعم , قالت صوفي بإرتباك , هناك مدرسة للتمثيل هذا الصيف في روما وكانت ايف تعلم اني لا أستطيع دفع نفقات الدراسة بمفردي , وهكذا عرضت أن تساعدني ....
وإحتقن صوتها من شدة يأسها وتابعت :
- أعتقد ان هذا يجعلني سيئة مثلها , أليس كذلك ؟
لم يقل آدج شيئاً , فأسرعت تتابع حديثها :
- والدك أخبرني انك أخذت ايف الى المطار هذا الصباح ... أعني صباح أمس .
- نعم , ولان تعبير آدج قليلاً , اعتقد انها اصبحت في لندن الآن .
- لكن كيف ..... أعني هل قبلت ان تغادر ؟
- قبلت بنتيجة الأمر .
- تعني .... تعني أعطيتها ما أرادت .
- بالطبع لا !
وعادت الكبرياء الى نبرات صوته ثانية .
- لا أعطي مالاً الى أحد اذا لم أرغب في ذلك .
- لكنها قالت ....
- قالت الكثير , قال آدج مقاطعاً , بما فيه اخباري بانك وافقت على المجئ الى هنا كي تذهبي الى روما ولكنها حذفت قصة مدرسة التمثيل الصيفية واخبرتني قصة مختلفة عن رجل يهمك امره ويعمل هناك .....
- أوه هذا غير صحيح !
قالت صوفي وحدقت فيه بصمت .
- أوه بل هو كذلك .
- لكنها كانت صديقتي ...
- بوجود أصدقاء مثلها لست في حاجة الى اعداء .
- لا , استوعبت صوفي ما قاله , أوه حسناً افترض ان هذا هو كل شئ ... أعني براندت يعلم الحقيقة , وايف ستتدبر امورها كما هي دائماً . وانا سأعود الى المسرح في ساندتشيرش . واذا أتيت الى أنكلترا , يجب ان تتصل بي ...
كاد صوتها يختفي وأضطرت الى ان تشيح بوجهها وتنفست بعمق محاولةً ان تهدأ . فلديها من الوقت ما يكفيها لبكاء عندما يغادر . كل الوقت الى الأبد .
سمعته يتحرك وشعرت بأنفاسه قربها ثم قال لها :
- هذه المدرسة الصيفية , هل يهمك أمرها كثيراً ؟
تنهدت صوفي :
- كانت مجرد فكرة , هذا كل شئ .
- اذا كنت تودين الذهاب , سأموّلك أنا .
كان صوت آدج خافتاً وواضحاً في آن .
إلتقطت صوفي أنفاسها , وأستدارت تنظر إليه بإستغراب .
- لماذا ..... لماذا تفعل ذلك ؟
ضاقت عينا آدج :
- أشعر بأنك أمضيت فترة صعبة . وأحاول ان افعل ما في وسعي لأصلح الأمور .
أحنت صوفي رأسها وهزته بإصرار :
- لا , شكراً لك في أي حال . لا اعتقد انها الفكرة جيدة .
- لم لا ؟ لن أربطك بشئ .
- أنا متأكدة من ذلك لكنني ..... لكنني أفضل ألا أخذ أي شئ من .... منك .
- لم لا ؟
وأمسك آدج بها من كتفيها وهزها قليلاً :
- يا الهي , أعلم انني تصرفت بسوء في الماضي , أعلم انني جرحت شعورك , لكنني ظننت انك تتآمرين علينا وكنت في كل مرة أكره المشاعر التي تثيرينها بي .....
حدّقت فيه صوفي :
- ألا تعني الأنجذاب ؟
سألته بصوت مرتجف .
- حسناً . يحق لك قول ذلك ويحق لك ان تكرهيني . ولكن ألا ترين انني أحاول إصلاح الأمور ؟
أحنت صوفي رأسها :
- لن يتوقع براندت مني ان ابقى الى نهاية الشهر , أليس كذلك ؟ اعتقد انه من الأفضل لكلينا لو غادرت يوم غد .... أعني اليوم , ألا توافق ؟
- لا ! عليك اللعنة , لا أعتقد ان هذا سيكون الأفضل على الإطلاق .
- وارتجفت عضلة قرب فم آدج وأخذت أصابعه التي أمسكت بكتفيها تؤلمها , أدارت صوفي رأسها وقالت له :
- اني متعبة الآن , وأود ان أرتاح . أرجوك !
- أوه صوفي .... صوفي لا تكوني قاسية . لا أريد ان أتركك . إني أحبك .
- آدج ...
قالت بعدم ثبات , ثم عانقها وساد الصمت في الغرفة الدافئة المضيئة . وأخيراً إبتعدت صوفي عنه قليلاً تنظر إليه وأصابعها تداعب شعره :
- آدج ؟ ماذا قلت ؟
لاطف آدج خدها وهمس وهو يجذبها اليه :
- سمعتني , وأعتقد انك تعلمين بأنني أعني ما أقول .
طرفت عينا صوفي :
- إذن لماذا تريد ان ترسلني بعيداً ؟
تنهد آدج :
- لا أريد ان ابعدك . أشعر فقط ان علي ان افعل .
- ولكن ..... ولكن يجب ان تعلم بأنني ....
- تشعرين بأنك مغرمة بي ؟ نعم . علمت بالأمر قبل الآن . لكنك صغيرة وقليلة الخبرة بينما أنا .... حسناً تعلمين نوع الحياة التي عشتها , كذلك سبق لي ان تزوجت .
- نعم ,أخبرني بيرز بالأمر .
- هل فعل ؟ كان تعبير آدج كئيباً ,أوه حسناً , اذن تعلمين كل شئ عني . لكن انت ..... حياتك كلها أمامك . إذا ذهبت الى المدرسة الصيفية فقد تبرعين وتصبحين مشهورة . من يعلم ؟ بالتأكيد هذا ما يجب ان أساعدك فيه .
وعانقته صوفي :
-أوه , آدج , آدج , لا تدري كم أسعدتني ! أما بالنسبة للتمثيل .... فهذا فقط للنساء العازبات .
- إنك تفترضين بأنني أريد الإقتران بك !
علّق آدج ببعض النشافة , وتخضبت وجنتاه , لكنه هز رأسه بمكر وأضاف قائلاً :
- وكأنما سأقبل بأقل من ذلك ! لقد نلت مني يا حبيبتي وعندما لا يوجد سبيل للشفاء على المرء أن يستمر في تناول الدواء !
لمعت عينا صوفي :
- يا لهذا الدواء , أتسمح ؟
وأقتربت منه تعانقه أكثر ثم سألته همساً
- وماذا بالنسبة الى بيرز , أتعتقد انه يمانع ؟
دفن آدج وجهه في شعرها :
- لا أعتقد , فهو مولع بك . وبالتأكيد فزواجنا سيسعد والدي .
- فعلاً ؟ بدت صوفي متأكدة , لم يكن يتوقع منك ان تتزوج ثانية .
- حتى هذا المساء .
علّق آدج مبتسماً وتابع :
- أعتقد ان لديه فكرة جيدة كم تعنين بالنسبة الي , أكثر مما كان يتصور , وذلك عندما عصفت في هذا المكان بحثاً عنك , وهز رأسه , يا الهي عندما افكر فيك وانت على تلك الصخرة تحت رحمة الطبيعة ....
- لا تفكر بذلك ...
حضنته صوفي في نعومة وبدا ان آدج استسلم لهذا الحنان الذي إبتدأ الآن .


The end

مشاركة