A PHP Error was encountered

Severity: Warning

Message: file(): http:// wrapper is disabled in the server configuration by allow_url_fopen=0

Filename: views/template.php

Line Number: 35

A PHP Error was encountered

Severity: Warning

Message: file(http://static.vipeople.com/menu/index.php): failed to open stream: no suitable wrapper could be found

Filename: views/template.php

Line Number: 35

A PHP Error was encountered

Severity: Warning

Message: implode(): Invalid arguments passed

Filename: views/template.php

Line Number: 35

أسوار وأسرار

الكاتب: قصتي مشاهدات: 2928 التصنيف: روايات عبير

الفــــــــارس الأسود


كان الباص يسير بطء على جسر ضيق يمر فوق نهر , نظرت ساندي فيليبس من النافذة قربها وقرأت كلمة أسكوتلندا على أشارة موجودة الى جانب الطريق.
وصلت ساندي الى هذا القسم من بريطانيا الذي لم تزره من قبل , شعور مثير أنتابها , أسكوتلندا بلاد جبلية مليئة بالمستنقات , فيها أودية صغيرة, أو قلاع وحصون قديمة أثرية , ومزارع صغيرة مسورة وحقول واسعة.
سار فوق هذه الطرقات , من قديم الزمان مئات من جنود الرومان أبتلعتها القفار الواسعة هنا, وضاعت في البراري وضاعت آثارها , لم تستغرب ساندي ضياع فرقة من الجنود هنا بعد أن جالت ببصرها من نافذة الباص في الحقول الواسعة التي كانت الطريق تخترقها , المطر ينهمر والضباب يغمر الحقول الخضراء الرمادية تامشبعة بالمطر , خلف الحقول تطل تلال بعيدة هي متعة للنظر , ربما ستبتلعها السهول الواسعة أذا حاولت رؤية ما خلفها في البعيد البعيد, أنحرف الباص الى الشمال , فرأت لوحة جانبية على الطريق كتب عليها( غرتنا غرين) تذكرت هذه القرية الصغيرة وما تحمله من أحلام رومنطقية , كان العديد من الشباب والشابات يقصدونها ليتزوجوا خطيفة.
هذه هي الرحلة الأولى لساندي الى أسكوتلندا , رحلة طويلة قطعتها من لندن الى كارليزل في سيارة عمومية كبيرة مخصصة للمسافات الطويلة , سريعة الحركة ولكنها مريحة , توقفت عدة مرات على الطريق , رحلتها عبر أسكوتلندا من مدينة غالوي كانت معتدلة السرعة والطريق معظمها مطبات.
لم تشعر ساندي بأي عناء , منذ الصباح وهي على الطريق تجلس مستقيمة , أكتافها مرتفعة وعيناها مفتوحتان , متيقظة ومتحمسة لكل ما يدور حولها في الداخل والخارج.
ساندي فتاة طويلة نحيلة , ساقاها طويلتان وهي ترتدي بنطلونا من الجينز , أزرق باهت اللون مع قميص قطني , فوق سترة مانعة للمطر, شعرها طويل منسدل , مفروق في الوسط يتدلى فوق كتفيها بلون الرمال الصفراء , تخرجت ساندي منذ شهرين من الجامعة , تحمل شهادة بكالوريوس في علم التاريخ , بعد أن أمضت ثلاث سنوات في الدراسة والتعمق توجتا بالنجاح , عملت منذ تخرجها في عدة وظائف مختلفة لتشغل نفسها بها في مدينتها , حيث تعيش في كنف والديها, كانت ترغب في جمع المال الضروري لمتابعة تحصيلها الجامعي لنيل شهادة أرفع من تخصصها.
تلقت رسالة من أبنة خالها مرتا من دون أنتظار , قرأتها بتمعن , كانت مرتا تتمنى عليها أن تقبل دعوتها لتمضية فصل الصيف عندها , مرتا أبنة خالها شابة متهورة , تحب الحياة واللهو , ترملت فجأة بعد موت زوجها كروفرد كالدويل بحادث سيارة مفجع , في سباق للسيارات , وترك لها ولدا في عامه الثاني , تقول مارتا في رسالتها أنها تكتب اليها من بيت جدود زوجها في أسكوتلندا.
فتحت ساندي حقيبة يدها الجلدية وأخرجت منها الرسالة وأعادت قراءتها:
" عزيزتي ساندي,
كما ترين من العنوان الموجود على الرسالة , أنني وصلت سالمة الى ( دانكريغان) , كانت صدمة لي عند وصولي أذ أكتشفت أن والد زوجي كافن قد توفي منذ سنتين , ولم نكن أنا وزوجي كروفورد نعرف هذه الحقيقة , من المؤكد أن أتصالات ومحاولات عديدة لأعلام زوجي بالخبر ,في حينه , باءت بالفشل , كانت جميع هذه الرسائل تعاد لصاحبها لأن المرسل اليه غير موجود ولا عنوان جديد لديه , كان هذا ما دفعناه أنا وزوجي ثمنا لتكرار أنتقالنا وعدم أستقرارنا في مكان ما.
يملك المزرعة الآن ليماند الشقيق التوأم لزوجي , هي قلعة قديمة وقربها منزل جديد نسكنه , يسمونه كذلك مع أنه ليس جديدا لأنه بني منذ عشرين سنة , ستحبين العيش هنا في هذا المكان التاريخي الذي يرتبط بالماضي.
دعاني ليماند لأعيش هنا مع أبني ديرميد وقد قبلت دعوته , وصلت منذ ستة أسابيع , وقررت البقاء في دانكريغان من أجل أبني كير يتربى في منزل جدوده ,هنا تربى والده كروفورد وترعرع وسأتيح لأبني فرصة التمتع بالأمتيازات ذاتها التي كانت لوالده من قبله , ولذلك سأبقى هنا .
عزيزتي ساندي , أحتاج لمساندتك المعنوية , مساندة لا تأتي ألا من فرد من أفراد العائلة الواحدة, وأنت أقرب ألي من شقيقتي في هذه الحياة, أقترح عليك أذا لم تكوني مرتبطة بعمل ما هذا الصيف , أن تحضري الى هنا لتساعديني في رعاية أبني ديرميد مقابل سكنك ومعيشتك , خلال عطلة الصيف, أنه شيطان صغير وأنا أجد صعوبة في ملاحقته لوحدي , أتذكر دائما رعايتك له يوم نزلت عندكم في أنكلترا, عند عمتي جين وعمي توم , والديك, بعد وفاة زوجي , أنا متأكدة أن وجودك معنا في دانكريغان سيساعدني وأبني على الأستقرار.
يوم وصلت ومعي أبني , أستقبلني كل من في المنزل بحرارة وود , تعرفت الى بعض الأصدقاء الجدد, أنني أجد ليماند متحفظا ومنطويا وغريب الأطوار , أرجوك يا ساندي أن تحضري لأن وجودك يساعدني كثيرا ولأنك من لحمي ودمي ويمكنني أن أثق بك في رعاية أبني, أذا وافقت على الحضور أعلميني متى وكيف وأين ستصلين وسأرسل من يستقبلك".
طوت ساندي الرسالة وأعادتها الى حقيبتها , يوم أستلمت الرسالة وأطلعت والدتها عليها كان ردها الفوري:
" عليك بالذهاب, أن أبنة خالك مرتا تعرف ما عليها من واجب لكنها, كما هو واضح , تجد صعوبة في تحقيق غايتها , صحيح أنها ستبقى هناك من أجل أبنها ,ولكنني أقرأ بين السطور أنها تخاف من شقيق زوجها , أذهبي يا ساندي وأبقي قربها وأمسكي بيدها وشجعيها , مرتا تحب من يمسك بيدها ويحميها ويشعرها بالحب والأهتمام"..
وعلى الفور بدأت ساندي أستعدادها للسفر وأكملت المعاملات الضرورية له وأستعملت الباص لأنه أرخص وسائل النقل الى دانكريفان, وها هي الآن تدخل بلدة هنان.
توقف الباص في الشارع العريض الذي بللته الأمطار , حركة السير عظيمة, بدأ اللغط باللهجة الأسكوتلندية في حركة نزول وصعود الركاب , جلست أمرأة بدينة قرب ساندي , أعتذرت لها لأنها ستأخذ قسما كبيرا من المقعد المزدوج , كانت تحمل باقة ورد جميلة في يدها , أبدت ساندي أعجابها بالورود فأخبرتها المرأة أنها في طريقها الى المستشفى في دمفريز لتزور أبنتها التي وضعت مولودها الأول , كانت المرأة سعيدة جدا بحفيدها وقالت مخاطبة ساندي:
" عرفت من لهجتك أنك لست من هنا".
" كلا, أنا غريبة , قدمت من هامشير في جنوب أنكلترا في طريقي الى حصن دانكريفان".
" أوه, لكن لماذا تقصدين هذا الحصن؟".
" لأبقى في ضيافة أبنة خالي التي تسكن هناك, هل تعرفين المكان؟".
" آه , نعم , لقد تربيت في مكان قريب من الحصن وما يزال شقيقي يملك مزرعة بالقرب منه".
" أذن أنت تعرفين أصحاب الحصن والعائلة التي تملكه؟".
" أل كالدويل السود تعنين؟". تنحنحت المرأة وأكملت:
"ليس هناك ما لا أعرفه عنهم ".
" أخبريني لماذا لقبوهم بالسود؟".
" هو يا صغيرتي لقبهم لأن لون بشرتهم يميل الى السواد فشعرهم أسود فاحم وكذلك عيونهم سوداء , وربما أيضا لقبوهم بالسود نسبة لأعمالهم السوداء في الماضي".
" ما هي نوع أعمالهم السوداء؟".
" أعمال بشعة كالسرقة , النهب والتهريب وما شابه".
" ماذا كانوا يسرقون؟".
" كانوا يسرقون الماشية من الغير, كالخراف والبقر وغيرها , كان العديد من الناس يقومون بمثل تلك الأعمال ولكنهم يبرزونهم ويتفوقون عليهم , ومع الأيام أصبحوا من الأثرياء وبالتالي أحترمهم الناس لمالهم, سمعت أن المايجور كاقن كالدويل , الذي توفي منذ سنتين , مات مفلسا , عمل في الجيش , مثل جدوده , وأستحق العديد من الميداليات لبطولات أحرزها في الجيش , كان السيد كافن منطويا على نفسه ومنعزلا عن الناس بعد وفاة زوجته وحزنه عليها , كانت زوجته وقحة ومتهورة وقد تركت له ولدين توأمين ليعتني بهما ويربيهما , شيطانين , شريسين , وغدين ولا يستغرب ذلك , فسوء تصرفهما أكبر شاهد على أنهما ينتميان الى هذه العائلة السوداء , يعيش كبير التوأمين في الحصن الآن , ترك منزل والده منذ أثنتي عشرة سنة بعد أن تشاجر مع والده لسوء تصرفه مما حط من قدر العائلة , ثم عاد ليرث الأملاك , هو صارم وقاس جدا".
تشعب الحديث بين ساندي وجارتها البدينة وشغل مواضيع أخرى , وصل الباص الى ضاحية بلدة أخرى , نزلت لمرأة الثرثارة وتابع الباص سيره ببطء , كانت ساندي تراقب المنازل وقرميدها الأحمر , حجارتها بللها المطر , مرت أمامها ساعة قديمة في برج قديم في الشارع الرئيسي , ثم وصل الباص الى ساحة كبيرة قرب النهر حيث نهاية الرحلة.
نزلت ساندي من الباص الى الشارع المبتل , لفحها الهواء البارد على وجنتيها كما داعب خصلات شعرها الأصفر المنسدل على كتفيها , كان صوت أنسياب مياه النهر فوق السد يصل لسمعها , تساءلت هل حضرت أبنة خالها لأستقبالها؟
" آنسة فيليبس؟".
سمعت صوتا خلفها يناديها , كان صوت رجل بارد , غير مميز , كأن الذي ناداها لا يهمه أن كانت هي الآنسة فيليبس أم غيرها , ألتفتت ساندي ناحية الرجل الذي ناداها , كان يقف خلفها مباشرة , أطول منها بقليل , عريض المنكبين , ويلبس سترة صفراء واقية من المطر , شعره الأسود القصير المبلل ينسدل فوق جبهته بدون ترتيب , ياقته مرفوعة الى أعلى أتقاء للمطر , وجهه الصارم بدون أي أبتسام , تجلت قساوته في شدة سواد عينيه.
" نعم أنا الآنسة فيليبس , ومن أنت؟".
أجابها بأقتضاب:
" كالدويل من دانكريغان".
ألى أي طبقة تنتمي هذه العائلة في علم الأنساب؟ تساءلت ساندي وهي تنظر الى الرجل الواقف أمامها , لا بد أنه ليماند المنطوي , المنعزل , الغريب الأطوار , هو بعينه وريث حصن كالويل وممتلكاته.
سألها بجفاف وهو يشير الى حقيبة صغيرة بقربها:
" هل هذا كل ما تحملينه معك من متاع؟".
أجابته وهي تحاول الأبتسام , رافضةأن يسخر منها ويحط من قدرها :
" نعم , أنا أسافر خفيفة".
رمقها بنظرة آمرة وقال:
" الشباب عادة يسافرون هكذا ". وفي أجابته حزم أكيد على أن الحديث قد أنتهى.
حمل لها حقيبتها على كتفه وأدار ظهره ومشى أمامها قائلا:
" السيارة واقفة في الجهة الأخرى من هنا".
كان على ساندي أن تتبعه عبر الشارع العريض المبلل الى سيارة قديمة بالية , وتأمل أن تجد أبنة خالها مرتا وأبنها بأنتظارها داخل السيارة , لترحب بوصولها , لكن السيارة كانت فارغة من البشر , فتح ليماند صندوق السيارة الخلفي , ووضع فيه الحقيبة فوق عدة متنافرة الأشكال مختلفة الأنواع ثم أقفل الصندوق.
" أدخلي! ", أمرها ثم مشى هو الى المقعد خلف مقود السيارة.
" هل أجلس في المقعد الخلفي أم الأمامي؟".
" كما يحلو لك! الأبواب كلها مفتوحة ".أجابها بدون أي أكتراث فشعرت بأنها بدأت تكرهه وترفضه , لم تنتظر منه أكثر من لياقات أولية في معاملتها , كان عدم أكتراثه بها وقحا ومريرا ويصعب عليها أحتماله .
وجدت كيسا صغيرا أمام المقعد الخلفي على أرض السيارة , لذلك أختارت المقعد الأمامي , دخلت بعد أن أدار ليماند محرك السيارة , خلع سترته الواقية ورماها على المقعد خلفه , كان يرتدي طقما رماديا مخصصا للصيد مصنوعا من أجود الأقمشة , وكنزة سوداء لها قبة عالية.
أدار المحرك وحل الكابح وبسرعة قفزت السيارة عدة قفزات ومشت بعدها بصعوبة , مشت فوق الجسر الى جهة الشمال وتوقفت على المفترق تنتظر دورها بالمرور , نظرت ساندي الى أشارة جانبية على الطريق كتب عليها : غلاسكو الى اليمين, من ضمن لائحة بأسماء مدن أخرى , أضاء اللون الأخضر وتابعت السيارة تحركها الى الأمام.
كانت مسّاحات الزجاج الأمامي تزيل الأمطار وهي تزقزق لأنها تحتاج للتزييت , والمحرك يخرج أصواتا نشاذا , لم تكن ساندي تنتظر سيارة مهترئة كهذه , كانت أبنة خالها تخبرها أن عائلة زوجها كروفورد من الميسورين ويملكون أفخر الأثاث ويقتنون سيارات السبور والليموزين وغيرها من السيارات الفخمة.
بدأت رائحة تزكم الأنوف تنتشر داخل السيارة , نظرت ساندي حولها متفحصة , لفت نظرها الكيس الموضوع في أرض السيارة خلفها , أعادت التحديق اليه , رأت عجلا صغيرا يقبع في داخل الكيس ولم يظهر منه سوى رأسه , كانت عيناه مغلقتين , تمنت ساندي أن لا يكون ميتا , أستراحت ساندي بعد أن عرفت مصدر الرائحة الكريهة , نظرت عبر النافذة تتسلى , مرت السيارة بالمنازل القديمة من البناء الحجري الجيد يعلوها القرميد الأحمر وتلفها الشجيرات الوردية كأنها أكاليل الغار, وغيرها من المنازل التي بدأت تلمع الأنوار من داخلها لتبدد العتمة التي بداخلها باكرا مع المطر الشديد , تابعت السيارة سيرها وسط حقول شاسعة رمادية بعضها مزروع بشجر الحور القاسي ... أو الدردار.
أسترقت ساندي النظر اليه بمكر من طرف عينها , تذكرت جميع الصفات التي أسبغتها المرأة البدينة في الباص عليه ( رجل أسكوتلندي قاس وصلب) أعادت النظر , نعم هو كذلك , وجهه وجبهته العريضة وشموخ أنفه.... مع فمه الدقيق وفكه ينحرف في زاوية معينة كأنه تمثال حجري ... أنه يشبه تمثال الفارس النورماندي الموجود فوق قبر في بلدتها هامشير بداخل الكنيسة.
سافرت ساندي مع أحلام اليقظة عبر التاريخ وهي تنظر من النافذة الى البعيد , لا بد أن مؤسس عائلة كالدويل هو فارس نورماندي , تخيلته قادما من شمال أنكلترا ليساعد الملك داوود الأول في تثبيت دعائم ملكه في أسكوتلندا وبالمقابل أعطاه الملك الأملاك الواسعة مكافأة له على مساعداته.
فرحت ساندي بأسطورتها , ألتفتت الى ليماند الجالس بالقرب منها لتستفسر منه عن أصله وتعرف ألى أي مدى توصلت الى الحقيقة في تخيلاتها , لكنها أجبرت على السكوت , هو غير مبال بل متعال , كأنها لم تكن موجودة معه داخل السيارة.
نظرت من جديد عبر النافذة لتكمل نظريتها , كالدويل هو فارس أسود يقوم بالأعمال السوداء ولكنه شجاع, بطل من أبطال الحروب .
بدأت السيارة تصعد تلة وتجري سريعة في خط مستقيم , كانت كالسهم تخترق طريقها بين الأشجار السوداء , وبدت الطريق شديدة العتمة , الأضاءة الأمامية للسيارة ضرورية , أرتال السيارات قادمة من الجهة المعاكسة تلمع أضواؤها كذلك, تشجعت وقالت بدون مقدمات:
" كم من الوقت يلزمنا لنصل الى حصن دانكريغان؟".
" ساعة أخرى ", قطع الصمت أخيرا , لا بد من أن يجيب على سؤالها , هو رجل قليل الطلام , هذا واضح , تململت ساندي في مقعدها خفضت رأسها مسافة صغيرة وأسندته الى حافة المقعد الخلفية لترتاح قليلا.
" هل توجد مدينة بالقرب من الحصن؟".
" كيركتون".
" هل هي مدينة كبيرة؟".
" كلا , ربما خمسة آلاف نسمة أو أقل".
" هل يمكنني الذهاب من دمفريز الى كيركتون بالباص؟".
" يمكنك".
كأنها تخرج الماء في الصخر , كانت تستخرج كلماته بصعوبة , لم تيأس ساندي من جره الى الحديث , كيف يمكنها أن تبقى ساعة أخرى معه في هذه السيارة بدون أن تشاركه الكلام. هذا غير معقول , بدأت:
" كان يمكنك أن لا تحضر لأستقبالي الى دمفريز , كنت أستطيع الوصول بالباص الى كيركتون لوحدي".
ران الصمت من جديد, لم يعلق, عرفت أنه لم يتجاوب مع دعوتها أياه لقتح الحديث , قدمت سيارة من الجهة المعاكسة , ورشّت الزجاج أمامه بالوحل, المسّاحات الأمامية تعمل على أزالتها بصعوبة , شتم السائق الآخر , وقال:
" لم أتضايق أبدا من الحضور لأستقبالك". ثم أكمل ببرود " كنت في موعد عمل في ديمفريز , وقد طلبت اليّ مرتا أن أستقبلك في المحطة هذا المساء".
" شكرا, هذا لطف منك".
" أبدا, أنا لا أفعل الا ما يناسبني , لو أخذت الباص بنفسك الى كيركتون ستصلين في الحادية عشرة والنصف ليلا, وكان لا بد لي أو لجوني من أستقبالك في ذلك الوقت المتأخر , فأستقبالك في ديمفريز يناسبني أكثر".
صمت آخر, وصلت السيارة الى أعلى التلة ثم نزلت الى الجهة الثانية , طوت السيارة المزيد من الحقول والقرى الصغيرة وبعض التجمعات السكنية , أزداد المطر أنهمارا.
تأكدت ساندي الآن أن ليماند كالدويل لا يرحب بها في دانكريغان , ربما دعتها مارتا من دون أن تستأذنه أولا, فكرت بالأمر, وبدأت تتجهم وتعبس بعد أن أستعرضت صفات وتصرفات أبنة خالها , مرتا تتصرف دائما بتهور وسرعة وبدون ترو , بدأت تقول:
" أرجو أن يكون بقائي مع دانكريغان لنهاية الصيف ممكنا ".
ألتفت بسرعة ناحيتها ورمقها بنظرة تساؤل من طرف عينه , أعاد نظره من جديد الى الطريق أمامه , كانت الطريق لزجة , سريعة الأنزلاق.
" كم ستبقين ؟ " سألها " هل دعتك مرتا؟".
أذن صدق حدسها , كانت على صواب في تفكيرها , أرتبكت كثيرا, أحرجت, شعرت بالخزي , وبأن كرامتها قد هدرت.
" نعم , لقد دعتني ". ثم أكملت بصوت خفيض" ألم تخبرك؟".
" كلا, كل ما قالته لي هذا الصباح , لما علمت بأنني مسافر الى ديمفريز , أن لها قريبة ستصل بعد الظهر لتتفرج على الحصن , فهمت من كلامها أنك ستمكثين ليلة واحدة في طريقك الى مكان آخر".
جمدت ساندي من هول المفاجأة , لماذا لم تخبره مرتا بالحقيقة؟ نظرت الى وجهه الصارم وتكهنت السبب , أنها لم تجرؤ , ربما كانت مرتا تخاف أن لا يوافق ليماند على طلبها في أن تبقى أبنة عمتها عندها بقية الصيف, لذا لم تسأله , نظرت ساندي اليه خجلة وقالت شارحة:
" لقد كتبت لي مرتا تدعوني لمساعدتها في رعاية أبنها ديرميد".
سألها:
" هل هذا هو عملك؟ هل أنت مربية أطفال؟".
" كلا, أنه عمل مؤقت خلال أجازة الصيف".
رمقها بنظرة جانبية أخرى بالرغم من العتمة التي عمت السيارة من الداخل وقال بحدة:
" آمل أن لا تنتظري أن تدفع لك أجرا على عملك هذا".
" أوه, كلا, لقد كتبت مرتا أنني أساعدها مقابل سكني ومعيشتي!".
أحسّت ساندي بمذلة , مما جعلها ترى نفسها ضئيلة أمامه , ما أصعب أن يكون الأنسان محتاجا , أن ليماند يتصرف بكبرياء وعنجهية أمراء الأقطاع , جدوده , وهي أمامه تستجدي مساعدته , ونظرت اليه بترج وقالت:
" سيد كالدويل, أنا أشعر بخجل من تصرفات أبنة خالي غير اللائقة , كان عليها أن تستأذنك أولا".
أنت على حق , كان عليها أن تسألني أولا, مؤخرا أكتشفت أنها غير صادقة وتستعمل طرقا ملتوية , أنا لا أفهم لماذا تحتاج لمساعدة في رعاية وتربية أبنها , هي لا تعمل أي شيء سوى رعايته".
" معظم الأمهات يحتجن لبعض الوقت يتفرّغن فيه لأنفسهن وراحتهن , كذلك مرتا مثل بقية الأمهات تجد في الأمومة عائقا مضنيا يشغلها معظم أوقاتها".
وجدت ساندي نفسها تشرح له نظريات تتعلق بالأمومة لم تخطر لها ببال من قبل, هي نفسها لا تفكر أن تمر بهذه التجربة قبل سنوات عديدة أخرى.
" لماذا تقولين أغلب الأمهات؟ لماذا ترفض مرتا مسؤوليتها كأم على عكس الأمهات؟".
" لا أظنها ترفضها , ولكنها مسؤولية كبيرة عليها لوحدها وهي ما تزال صغيرة السن".
" عرفت أمهات أصغر منها بكثير".
" لا تنس أنها الوحيدة المسؤولة عنه بغياب والده".
" وهل هذا جديد تحت الشمس؟".
" كلا, أنني فقط أحاول أن أشرح لك شعورها ونفسيتها , فهي تحب الحياة...".
قاطعها:
" يعني أن تتمتع هي أولا ولا فرق بعد ذلك من يتألم من بعدها , كما أن ذلك يعني أن حياتها مع كروفورد كانت موفقة وعظيمة فهو الزوج الملائم لها لأنهما كانا متفقين على حب الحياة واللهو , ولكن ألم يكن موته كافيا ليبطىء من غليان حي الحياة في شرايينها ولو قليلا؟".
" وهل تنتظرها أن تلف نفسها بوشاح أسود بقية حياتها تندبه وتبكيه؟".
أجابته ساندي , وفكرت في نفسها , ربما يكون ليماند من المتزمتين الذين قرأت عنهم , هم فئة من البشر لا تهتم بمتع الحياة بل تدعو الى التمسك الصارم بالأخلاق الفاضلة.
وضحك ضحكة عالية ساخرة تهكمية , ولكن ساندي لم تتبين وجهه من الظلمة التي أطبقت على داخل السيارة بعد أن عم الظلام مع حلول الليل , وقال:
" لا , لا أنتظر منها ذلك أبدا , متى رأيت مرتا آخر مرة؟".
" بعد الحادث مباشرة يوم رجعت الى أنكلترا حزينة , أستغرقنا وقتا طويلا لأخراجها من عزلتها الى الحياة , والدتي ( عمتها) هي التي رعت مرتا طفلة صغيرة بعد موت والديها قتلا, تمنت عليها البقاء عندنا , ولكنها صممت على الحضور مع ابنها الى أسكوتلندا , كما وعدت زوجها كروفورد , فأذا حصل له حادث في طريق السباق أن تأخذ ديرميد الى جده ليراه , لم تكن تعرف أن جده قد توفي".
" وهذا أيضا ما عرفته منها " همهم " وأنا لم أكن أعلم أن أخي تزوج وعنده ولد قبل حضورها الى الحصن منذ عدة أسابيع , ألم يخطر ببالها أن تكتب أولا وتستأذن بالحضور الى دنكريغان؟".
أجفلت ساندي من أنتقاداته اللاذعة , المبطنة لمرتا , وعدم لياقتها في التعامل مع الآخرين , صمتت ساندي مفكرة وهي تعض على شفتها السفلى ثم سألته:
" ألم تعرف أنت عنها وعن أبنها؟ ألم تكن أنت تتصل بأخيك؟".
" حاولت عدة مرات خلال السنوات السابقة ولكنني فشلت , كانت رسائلي تعود اليّ وعليها جملة ( أنتقل الى سكن آخر غير معروف العنوان) , كتبت له حين توفي والدي, لم أستلم جوابه أو أي كلمة تعزية منه ".
" ألم يكن كروفورد على أتصال بوالده؟".
وضحك قبل أن يجيبها بالنفي ضحكة ساخرة مريرة , وقالت:
" ولماذا لا!".
" ألم تسمعي بالكبرياء يا آنسة فيليبس؟ أن عائلة كالدويل لديها الفيض من الكبرياء , كان والدي وشقيقي كروفورد لديهما تخمة منها , قام شقيقي كروفورد في الماضي , بعمل أغضب والدي , فطلب اليه والدي مغادرة المنزل وعدم العودة اليه , وهذا من نفّذه كروفورد بدون تردد , لم يحاول ترطيب الجو بالكتابة اليه , أو حتى أخباره بولادة حفيد له".
علّقت ساندي على قوله:
" آه , كم هو حقود , كأنه يعيش في ظلمات القرون الوسطى".
كانت ساندي تنتمي الى عائلة متلاحمة الروابط , كل أعضائها على أتصال دائم ببعضهم البعض , علاقتهم حميدة , لذلك وجدت تصرفات كالدويل وأولاده غير لائقة بل همجية ومخالفة لمبادىء المدنية الحضارية .
" أوافقك الرأي , لكن عائلة كالدويل عرفت بأعمالها السوداء وأتصفت بما يخجل , وأظن أن مرتا لو عرفت عنا هذه الحقائق لما لجأت الينا مع أبنها, لقد صعقت عندما أخبرتها أن والدي ترك لنا ديونا متراكمة ما زلت أعمل كي أسددها حتى الآن".
" أذا كان والدك لم يترك وصية , كيف ورثت لوحدك الحصن والمنزل؟".
" أن الأملاك يرثها الكبير من الأبناء في عرف أهل البلد , وأنا أكبر من كروفورد شقيقي التوأم بخمس دقائق فقط".
" أذن, لم يرث كروفورد أي شيء؟".
" نعم, ليس هناك أي شيء له , فقط بعض السيارات القديمة كان يستعملها أخي يوم كان في دانكريغان , ثم ضحك ضحكة مبطنة وهو يكمل " كان عليك أن تري وجه أبنة خالك عندما رأيتها وأخبرتها أن سقف المنزل يلف في فصل الشتاء , لقد تعجبت كيف قبلت البقاء هنا في دانكريغان بالرغم من كل ما ذكرته , وبعد أن خبرت بنفسها , كم ينقص المنزل من أشياء أساسية ليصبح العيش فيه مريحا ومقبولا ".
جلست ساندي في مقعدها فاقدة الصواب, صامتة , مصعوقة مما سمعت, تذكرت فحوى الرسالة التي أستلمتها من مرتا تقول فيها ( من أجل سعادة ديرميد أبني سأعود الى أسكوتلندا – دانكريغان لأجعله منزلا لي وله , كان القصر منزل كروفورد بالسابق وكانت أمنيته أن يتربى أبنه فيه ليحظى بالرفاهية التي عاشها هو) كيف يمكن لمرتا البقاء هنا بالرغم من أن أحدا لم يرحب ببقائها؟ كيف تفرض نفسها في ضيافة ليماند رغما عنه؟ وهو يكافح ليجمع المال ليسدد ديون والده, السقف يرشح ويحتاج لأصلاح وبالتالي للمال , أي رفاهية تنتظر؟ أفضل لمرتا الرجوع الى جنوب أنكلترا حيث يمكنها أن تجد عملا , كذلك يمكن لعمتها جين أن ترعى لها أبنها في أثناء غيابها في عملها , ثم قالت:
" سيد كالدويل! أشعر أن عليّ أن أعتذر لك عن تصرفات أبنة خالي مرتا , لا يجوز لهاأن تفرض نفسها عليك وعلى ضيافتك , لكنها كتبت تقول أنك دعوتها للبقاء هنا بنفسك".
" نعم, أنا دعوتها , عليك أن لا تنسي أن ديرميد هو أبن شقيقي . أحب أن أتعرف اليه! " وقطع حديثه فجأة , وأحست ساندي بأنفاسه تهسهس بتنهيدة سخط بل غضب , قالت:
" وهل توصلت لمعرفته؟".
" ليس كما يجب ".
" فهمت الآن أسباب عدم ترحيبك بوصولي " قالت ساندي بصوت منخفض ثم أردفت:
" سوف أرحل غدا عائدة أدراجي , هذا أذا سمحت لي بالبقاء ليلة واحدة عندك ف دانكريغان ".
لم يجب , كان يفكر , أحست ساندي كأن قواه قد خارت , صمتت ساندي وأعادت نظرها الى خارج السيارة ترقب من النافذة الظلام , أقتربت السيارة من بلدة صغيرة , أرتال السيارات تمر بهما وترسل أضواؤها أنوار تشير الى حافة الطريق , أبطأت السارة ودلفت الى مفرق لجهة الشمال , ومرة ثانية أصبحت السيارة خارج البلدة , الأشجار هنا متلاصقة وملتفة , صف الأشجار على جانبي الطريق يشكل نفقا تسير السيارات بداخله , أنتهى صف الأشجار وخرجت السيارة مرة أخرى الى العراء , الى الريف , ظهرت أشكال غريبة أمام السيارة , أبطأ ليماند سرعته , ركضت هذه الأشكال من أمامه مسرعة , سألته ساندي:
" ما هذا؟".
" أنها خراف".
أنزعج العجل الصغير القابع خلفها في الكيس , من صوت الزمور , نخر وتنشق بصوت مسموع , شعرت ساندي بثقل في رأسها كأنها تخدرت , هزت رأسها ورفعته الى أعلى حتى لا يغالبها النعاس ولكن بالرغم من ذلك , شعرت أن عينيها مثقلة , أغلقتهما وغفت.
أفاقت علىصوت توقف محرك السيارة , فتحت عينيها لمحت المنزل وسط العتمة , كانت السيارة قد توقفت أمام بعض الدرجات المؤدية الى فسحة المنزل , يرتكز المنزل فوق عواميد حجرية , تنتهي فسحة الدار بقنطرة قديمة بداخلها باب خشبي مزخرف على شكل بيوت العنكبوت , فوق الباب ضوء صغير خافت , أطفأ ليماند ضوء سيارته ومدّ يده الى المقعد الخلفي وأخرج سترته الصفراء , فتح بابه وخرج , لبس سترته ومشى الي الصندوق الخلفي وأخرج منه حقيبة ساندي , فتحت هي بابها بنفسها ورفعت قبة سترتها على رقبتها كي تحمي ما أمكن من شعرها من البلل , مشت الى خلف السيارة وحملت بنفسها حقيبتها , أغلق ليماند صندوق السيارة.
" أدخلي الى المنزل " تكلم بنبرة آمرة أعتادها , وأكمل " عليّ أن أحمل العجل الى الزريبة".


مشت ساندي مطيعة أوامره , تحمل حقيبتها , صعدت الدرجات وتمكنت رغم الأنارة الخفيفة من رؤية الباب الخارجي , ولاحظت فورا قدم الباب وحاجته الى دهان وتصليح , كان فوق الباب جرس قديم متدل, أمسكت به لتقرعه , فوجئت بمسكته تنقطع وتبقى في يدها قبل أن يسمع للجرس رنين , لم يكن الجرس موصولا بأي سلك كهربائي وهو غير صالح أصلا لأي أستعمال , حاولت ساندي أعادة المسكة لمكانها ولكنها لم تفلح بل سقطت من يدها وأحدث سقوطها قرقعة عندما أرتطمت بالأرض , ألتقطت المسكة وأحتارت ماذا ستفعل بها , سمعت وقع أقدام على الحصى , ثوان وظهر ليماند , قفز الدرجات بخفة ونظر الى يدها الممسكة بالجرس المقطوع.
" حاولت قرع الجرس , وقعت المسكة ...".
كانت ساندي تشرح له ما حصل وتمد يدها وبداخلها مسكة الجرس.
" أرجو أن لا تكوني من هؤلاء الناس الذين يخربون كل ما يلمسون ".
كان ليماند يكلمها بلهجة ساخرة وقد مد يده وأخذ مسكة الجرس ووضعها مكانها وأكمل :
" لأن قصر دانكريغان كله يحتاج لمن يمسك بأشيائه بلطف وأنتباه وألا يتفتت ويخرب , الباب لا يقفل أبدا , كان عليك أن تديري مسكة الباب الخارجية فيفتح".
فتح لها الباب وأشار اليها بالدخول , دخلت الى قاعة كبيرة تدلت من سقفها ثريا قديمة خافتة الأضواء لأن بعض أقسامها كان خاليا من اللمبات , وسط القاعة سجادة هندية خيوطها بالية ولونها باهت , كانت تغطي قسما مربعا من الأرض الخشبية , توجد سلالم تؤدي الى الطابق الأول الى يمين القاعة , لم تكن السلالم مغطاة بأي سجاد , في طرف القاعة بعض الكراسي الأثرية ويوجد على الحيطان بعض الصور الزيتية في أطارات فخمة مطلية بالذهب , حيطان القاعة لونها أصفر باهت.
فتح باب الى اليمين وخرجت منه أمرأة وخرج معها من الغرفة صوت تلفزيون مسموع , تمنت ساندي أن تكون تلك المرأة أبنة خالها مرتا ولكن أملها خاب لأن المرأة أطول وأكبر سنا من مرتا , قالت المرأة:
" سمعت الباب يفتح , هل وجدت الفتاة القادمة من أنكلترا يا ليماند؟".
" نعم , هذه ساندي فيليبس".
" أهلا وسهلا في دانكريغان "
قالت المرأة وهي تبتسم , كانت ترتدي تنورة من قماش التويد الصوفي وفوقها كنزة صوفية , شعرها الأسود يخالطه البياض مما أعطاه لونه الرمادي , تعقصه بضفيرة حول رأسها.
" هذه تان كوري وهي مدبرة المنزل منذ عشرين سنة".
" تشرفنا".
" أين مرتا؟".
" ذهبت الى نادي اليخوت مع جوني".
| ط وأين الولد؟".
" نائم بعد أن قصصت عليه القصص العديدة".
قالت نان وهي تبتسم , ثم ألتفتت الى ساندي وقالت:
" أنت متعبة جدا بعد هذه الرحلة الطويلة , كذلك لا بد أن الجوع قد أستبد بك , سأضع أبريق الماء على النار من أجل الشاي , ضعي حقيبتك في أسفل السلالم وستحمليها الى غرفتك في الطابق العلوي بعد العشاء, الى اليسار ستجدين حماما صغيرا , أغسلي يديك وأتبعيني الى المطبخ من أجل الطعام , نحن لا نستعمل غرفة الطعام في هذه الأيام الا نادرا".
سرّت ساندي بترحيب نان بها , غسلت يديها ومضت لتوها الى المطبخ عبر ممر الى يمين القاعة , جلست الى طاولة كبيرة يغطيها شرشف زاهي الألوان , نظيف , أكلت وجبتها التي وضعت أمامها بنهم بدون أن تنبس ببنت شفة , كان يجلس معها ليماند يأكل وجبته التي أمامه بدون كلام .
المطبخ مربع وواسع وله أرض حجرية , كان لهيب نار خفيف يخرج من الموقد القديم , منظر بديع في ليلة شديدة المطر .وألسنة اللهب تنعكس على أدوات المطبخ النحاسية المعلقة على الحيطان , خزانته الخشبية دهنت بلون أصفر في محاولة لتجميله , زهور ونباتات عديدة من النوع الذي يعيش داخل المنازل هنا وهناك فوق الرفوف أو على ظهر الخزائن.
كانت نان تقوم على خدمتهما أثناء العشاء , تصب الشاي الغامق من أبريق فخار وهي تسأل ليماند أسئلة تتعلق برحلته من والى دمغريز وتسمع أجاباته , وترقب ساندي بطرف عينيها.
شعرت ساندي بنظرات نان الفاحصة لها , كما لاحظت الشبه الكبير بينها وبين ليماند , الأثنان لهما شعر أسود وعينان سوداوان , بشرتهما مائلة الى الأسمرار وتقاطيع وجهيهما غريبة عن أسكوتلندا , ربما بعض الجدود قدم من الشرق الأوسط وربما تكون نان والدته.
" كلا , أنا لست والدة ليماند , ولكنني أبنة عم والده كافن كالدويل وجدودنا واحدة , والدتي كانت شقيقة والدة كافن".
قالت نان كأنها قرأت ما كانت تفكر به ساندي".
" أوه".
أستغربت ساندي ونقلت بصرها بين ليماند ونان بسرعة وسألتها :
" كيف عرفت بما كنت أفكر فيه؟".
" أنت صغيرة , وعيناك صافيتان تعكسان ما في داخلك ".
أجابتها نان بصوت جهوري واضح , كانت عيناها السوداوان ترسلان بريقا ساحرا , ثم أكملت :
" لم تتعلمي بعد يا صغيرتي كيف تخفين ما بداخلك , أنت واضحة كالنهار وهذا ما يجعلك طيبة ومحببة , مع أنه يشكل خطرا عليك".
" هل عدت الى تكهناتك ؟".
سألها ليماند ونظر الى ساندي وخاطبها :
" تزوج أحد أبناء كالدويل قديما , غجرية صغيرة , كانت أبنة ملك الغجر في هذه الضواحي , تحمل نان في عروقها دما غجريا بالوراثة , وتتكهن أن هذه القطرات الغجرية تمكنها من قراءة الأفكار والتنبؤ بالمستقبل , لا تأخذي ما تقوله على محمل الجد فهو لا يحمل من الحقيقة قدر ذرة ملح".
" لا تضحك ولا تسخر مما ورثناه أنا وأنت من جدودنا ".
أجابته نان وهي تبتسم بحنان.
كانت ساندي تفكر أن الدم الغجري بينهما يمكن أن يكون السبب في سواد الشعر والعينين عندهما , علم أجناس البشر وأصوله يثبت ذلك , أذن نظريتها صحيحة بالنسبة الى عائلة كالدويل من أن أحد جدودهم قدم من الشرق الأوسط , أن كلمة غجري تشتق من كلمة مصري , وهي كلمة أعطيت لجماعة من الرحل قدموا من أنكلترا في القرن السادس عشر , وربما يكون الشعر الأسود والعينان السوداوان وراثة عن جماعة أستوطنت أسكوتلندا في قديم الزمان تعرف بالنكنس ( هم جماعة غريبة لا يعرف عنهم الا القليل تاريخيا).
وكانت ساندي قد سرحت برحلة عبر التاريخ , كعادتها , فلم تسمع ما دار من حوار بين ليماند ونان , وأجفلت قليلا حين أبعد ليماند كرسيه ليقوم , بعد أن أكمل طعامه , قال يخاطب نان وهو واقف:
"هل عندك مكان لتنام فيه ساندي؟".
" نعم , في الغرفة المجاورة لجناح الطفل".
" أظنك ستقولين لي أنك عرفت أنها قادمة الى هنا كي تساعد مرتا في رعاية الصغير , مع أن مرتا أهملت كليا أن تخبرني أنها دعت أبنة عمتها لتبقى معنا لنهاية الصيف ".
كان ليماند يخاطب نان بجفاء وقد رفع حاجبيه وأنفرجت أساريره عن أبتسامة ساخرة.
أتسعت عينا نان من المفاجأة وجالت نظرها بسرعة بين ساندي وليماند وأجابت:
" كلا , كلا لم أعرف , فقط لأنني ظننت أن وجودها قرب غرفة ابنة خالها مطمئن لها".
صمتت نان وقد بدا على وجهها هم كبير , ثم خاطبته بسرعة:
" لن تعيدها الى أنكلترا؟ لن تحرمها ضيافتك لأن مرتا لم تصرح لك حقيقة رغبتها؟".
" لن يعيدني الى بلدي , بل أنا التي أخترت العودة بنفسي , سأعود غدا بعد أن أرى أبنة خالي , سأعود بعد أن أعرف منها حقيقة ما حصل"
دافعت ساندي عن كرامتها بصوت متهدج , وأضافت:
" متى يرحل الباص من كيركتون الى دمغريز غدا؟".
وران صمت لفترة بين الثلاثة , حدق ليماند لأول مرة في وجه ساندي , أنها المرة الأولى التي يوجه اليها نظرة ويرى وجهها بوضوح , مرت فترة وجيزة وهو يتفحصها بعينيه السوداوين , أحست ساندي بثقل نظراته وق جسمها كله , تسربت حمرة الخجل الى وجهها الشديد البياض , كان ليماند يفكر بالحل السريع لهذه المشكلة الجديدة , وبسرعة كمن توصل الى قرار مهم قال:
" لا لزوم لذهابك بالباص غدا , يمكنك البقاء أسبوعين فقط تساعدين فيها مرتا في رعاية الصبي , تذكري دائما أنني أنا مضيفك وأنا دعوتك للبقاء في منزلي".
كانت لهجته آمرة , وهذا جزء من طبيعته , ولكن وجهه الصارم لم يكن خاليا من الطرافة وعدم الأكتراث والبرودة كالسابق....
" شكرا".
قالت ساندي ببطء وأنكسار , أحتارت , هل عليها أن تنحني له أجلالا لكرمه , لم يجبها ليماند على شكرها , هز رأسه ودار خارجا من المطبخ , نظرت ساندي الى نان نظرة أستغراب , كانت نان تخفي ضحكة واضحة على وجهها وهي تصب المزيد من الشاي لنفسها, ثم قالت:
" يستطيع ليماند أن يكون متعجرفا حين يشاء , كنت أتساءل متى يعود لطبيعته الآمرة من جديد , منذ حضرت أبنة خالك مرتا الى هنا , وجلبت معها خبر موت كروفورد بقي ليماند منطويا على نفسه ,هادئا وحزينا , لم يكن أحد يستطيع التكلم معه , الأنباء المحزنة قلبت كيانه وغرق في حزن شديد على أخيه , بعد ذلك مر بفترة شك في صحة زواج أخيه بأبنة خالك!".
قاطعتها ساندي:
" أوه , لماذا الشك؟".
" لم يكن لديه علم بزواج أخيه وظن أن مرتا محتالة ومزيفة".
ودافعت ساندي عن أبنة خالها قائلة:
" لا يمكن لمرتا أن تفعل ذلك , أنا واثقة من صدقها , كانت زوجة كروفورد بالتأكيد ".
" تأكد ليماند من صدقها بعد أن رأى وثيقة زواجها , في البداية لم يصدقها".
" كم هو كثير الشك!".
" أنه ليس شكا بقدر ما هو حذر , أن ليماند يعرف أخاه أشد المعرفة , كما تعرفين أنت أبنة خالك , كان من المحتمل أن يعيش كروفورد مع مرتا بدون زواج وبالتالي يكون الصبي ولدا غير شرعي ".
" أفهم الآن تفكيره وسبب حذره".
سرت من شرح نان لهذه الأمور الدقيقة .
" هل تعرفين كروفورد؟".
سألتها نان تستوضحها المزيد من المعلومات لأن ذلك من صلب أختصاص عملها في منزل دانكريغان وأسراره وأكملت:
" هل حضرت زواجهما؟".
" كلا , لم أكن موجودة يوم تزوجا , كان الزواج في باريس حيث كانت تعمل مرتا عارضة أزياء لأحد بيوت الأزياء هناك , ذات ليلة ألتقت كروفورد في حفلة وتزوجا بعد اللقاء بثلاثة أيام".
" نعم".
أومأت نان برأسها موافقة :
" هذا ما قالته لنا مرتا , كان زواجهما رومنطقيا ! ألا تظنين ذلك؟".
" أوافقك الرأي ".
أجابت ساندي , وأردفت:
" ولم نرها بعد ذلك في أنكلترا الا يوم عادت مع ديرميد ابنها في الربيع الماضي بعد الحادث المشؤوم , كانا يتنقلان كثيرا".
" نعم, كان كروفورد يحب التنقل ويكره الأستقرار , ترك دانكريغان بعد أن غادر ليماند المنزل في دانكريغان".
تنهدت نان وسرحت عبر ذكرياتها , قامت ساندي تمع الصحون الوسخة , كان عليها أن تبدي رغبتها في المعاونة في أعمال المنزل بالرغم من شدة تعبها , أعترضتها نان بلطف:
" أتركي , لا عليك".
" لكنني أرغب في مساعدتك فترة أقامتي هنا".
وتمتمت:
" لو أن مرتا أستأذنت السيد كالدويل قبل دعوتك لتمضية الصيف هنا؟". ألا يكفيه أن يعيلها هي وأبنها؟ هو الآن مثقل أيضا بضيافتي!".
كانت تجمع بقية الصحون وتضعها في المغسلة :
" عليّ أن أعمل لقاء سكني ومعيشتي هنا...".
" لا تهتمي , أرجو أن لا يكون ليماند قد أثقلك بشرح أعبائه المالية؟".
قالت نان وهي تضحك.
" نعم , ذكر لي أن عليه ديونا متراكمة ورثها عن والده وهو يعمل لسدادها , كذلك ذكر لي أن السقف يرشح في فصل الشتاء ويحتاج للترميم , ثم لحظت بنفسي أنه يحتاج لسيارة جديدة بدل سيارته المكسرة والمحطمة التي يستعملها , ...".
كانت ساندي تتكلم وهي مهمومة , فتحت حنفية الماء الساخن وبدأت عملية جلي الصحون المتراكمة أمامها .
" كل ذلك صحيح".
أجابت نان وهي تحمل الى ساندي بقية الصحون الوسخة لتنظفها .
" لقد تعب كثيرا خلال السنتين الماضيتين حتى تمكن من أيفاء جميع ديون كافن , لكنه أنتهى من هذه الأزمة تقريبا".
" سيدة كوري...".
" نادني نان , الكل يناديني بهذا الأسم".



" أذن , هل لديك فكرة , لماذا لم تستأذنه مرتا قبل أن تدعوني ؟".
" لأنها تخاف منه قليلا".
" هذا ما قالته لي أمي وهي تقرأ بين السطور في رسالة مرتا لي , لكن لماذا تخافه؟".
" أعتقد لشدة الشبه بينه وبين أخيه في المظهر الخارجي ويختلف معه كثيرا في الطباع والأخلاق , أنه غامض وهذا يخيفها ,ألا توافقين ؟".
" الغموض يخيف لفترة قصيرة ".
أجابتها ساندي ثم سألتها:
" ماذا تعرفين عن كروفورد؟".
" كان يخالف في طباعه كليا شقيقه ليماند , كان كثير الحركة , طائشا , متكبرا , سريع الغضب شديد الحساسية , ويستولي على محبتك لدقيقة ويثير غضبك بطيشه السريع دقيقة ثانية , كان الأبن المفضل لوالده كافن , لكنهما تشاجرا آخر المطاف".
تنهدت نان وهي تعيد هذه الذكريات وأكملت:
" لو كتب كروفورد لوالده يعلمه بولادة حفيده لكان كل شيء هنا قد تغير وربما رأب الصدع الذي أتسع بينهما مع مرور الأيام".
تمنت ساندي لو تعرف سبب شجارهما ولكنها أحست أن نان أنزعجت من أثارة هذه الذكريات الأليمة , أكملت ساندي جلي الصحون بدون حديث , وعندما أنتهت منها همّت بتنشيفها ولكن نان أصرت عليها بالتوقف قائلة:
" لقد عملت أكثر مما يجب , أرى أنك منهوكة القوى من شدة التعب , سأريك غرفتك لتنامي ".
" أود رؤية أبنة خالي قبل أن أنام".
" سترينها في الصباح , كل شيء يكون في الصباح على ما يرام , الشمس المشرقة فوق الرمال , الطيور المزقزقة , سأخبر مرتا بوصولك حين تحضر من سهرتها , تعالي معي الآن الى الطابق العلوي".
أقتنعت ساندي , لحقت بها الى الطابق الثاني , جناح الطفل يقع في أقصى الممر بعد ثلاث غرف نوم , واحدة ليلعب فيها الصبي , وواحدة لمرتا وقربها غرفة ساندي.
" هنا الحمام".
قالت نان وهي تشير الى باب مفتوح يخرج منه نورضئيل".
" كان ديرميد يخاف العتمة وقرقعة أبواب القصر وصريرها , أبقيت له هذا الضوء في الليل , ستنامين في هذه الغرفة القريبة من غرفته , هي غرفة صغيرة ولكنها تطل على الحصن القديم ومصب النهر , هل هناك أي سؤال قبل أن أتركك؟".
" نعم , لديّ سؤالان من فضلك , أذا لم أعرف أجابتهما لن أنام!".
" أسألي فورا , أنا أفهمك".
" أولا , من هو جوني؟".
" هو أبني الوحيد , شاب مهذب ويصغرك بقليل , عمره واحد وعشرون سنة , عاش كل حياته هنا , حضرت الى القصر بعد ولادته لنعيش ونستقر هنا , لم أكن أملك أي شيء , قتل والد جوني بحادث , صدمه جرار في المزرعة ومر من فوقه ,كنا نستأجر من كافن مزرعة صغيرة , سيعمل جوني في خدمة ليماند فترة الصيف فقط , هو مثلك طالب جامعي , لديه بعض الأصدقاء في نادي اليخوت , دعا مرتا لمصاحبته الليلة ليمرحا معا , أسألي سؤالك الثاني!".
" ماذا يعمل السيد كالدويل؟".
" هو ملاّك مع أنه لا يملك الكثير من الأ**** , باع عدة مزارع كانت تؤجر لمزارعين يعملون عنده , كذلك باع الأ**** الواقعة في الناحية الثانية الى البناء , باع بعض أملاكه ليسدد بثمنها بعض الدين , كذلك أستعمل قسما آخر من المال للبدء في أستصلاح أ****ه الزراعية".
" أقصد ماذا يفعل للأرض لتصبح منتجة وتعطيه المال؟".
كانت ساندي تستوضحها في محاولة لمشاركة ليماند همومه المالية , وأكبرها في نظرها أعباء أعالة مرتا وأبنها.
" لديه قطيع من الأبقار والخراف وبعض الحيونات اللبونة الأخرى , لديه فراخ , والآن بدأ بتربية الأرانب".
أجابتها نان وهي تبتسم أبتسامة عذبة حنونة.
أنه مزارع!".
" نعم , هذا ما يسمى , كان والده كافن يفضله في الجيش مثله , لكن ليماند كان يرغب في تربية الحيوانات المختلفة , أدارة المزرعة همه , كان دائم الخلاف مع والده بسبب أدارة الأملاك , مما أضطر ليماند لترك دانكريغان , تنقل في بلدان مختلفة في بريطانيا يعمل في المزارع , هل ترغبين في المزيد من الأسئلة يا عزيزتي؟".
" شكرا , هذا يفسر الآن وجود العجل الصغير في المقعد الخلفي في السيارة".
سرّت ساندي أن بعض الغموض بدأ ينجلي حولها .
" عمت مساء , سأتركك لتنامي , وتصبحين على خير".
كان الفراش قاسيا وضيقا ولكنه نظيف , رائحة الشراشف ذكية , نامت ساندي فورا , حلمت قبيل أنبلاج الضوء أنها سجينة في قبو الحصن ,حضر لنجدتها من سجنها فارس يمتطي حصانا أسود ودرعا من القرون الوسطى , كانت أوسمة الشرف تزين صدره وفي خوذته ريشة زاهية , ترجل عن حصانه ومشى شاهرا سيفه بيمينه , ولما وصل اليها رفع قناعه عن وجهه , نظرت اليه لتتعرف الى مخلصها , وجدت نفسها تحدق في عيني ليماند كالدويل السوداوين.
**************************

2/ الزائـرهـ


أستفاقت ساندي مذعورة من حلمها , لتجد نفسها وحيدة في غرفة نوم صغيرة , هذا هو اليوم الأول لها في دانكريغان , كانت أشعة الشمس تدخل الغرفة من فتحة صغيرة في الستارة المخملية الخضراء العتيقة , التي تغطي قسما من النافذة لا يتعدى أطارها , سمعت ساندي زقزقة عصفور صغير يغرد , مع صوت العصفور أصوات أخرى متشابكة , لمطرقة حديدية تغل الحديد وأصوات رجال يتكلمون , صوت محرككك سيارة بدأ يدور , وشاحنة أو جرار ثقيل يسير فوق الأرض.
قفزت ساندي من فراشها ونظرت من النافذة بعد أن فتحت الستارة , كانت غرفتها تقع في مؤخرة المنزل وتشرف على ساحة خلفية تحيط بها أبنية زراعية بيضاء , كانت شاحنة لنقل الحليب تحاول الخروج من الساحة الى الطريق العام , يقف بالقرب من الشاحنة شاب يلبس بنطلون جينز وقميصا بدون أكمام وفوقه كنزة صوفية خفيفة قبتها مفتوحة على شكل سبعة , وينتعل جزمة مطاطية , يراقب خروج الشاحنة وضع أصابعه في فمه وصفر , وللفور ظهر كلب لونه أسود يخالطه بياض , كلّمه الشاب ومشى وأياه الى بناية مجاورة , دخلاها , وبعد ثوان قليلة خرج من البناية قطيع من الأبقار والماشية , بعضها أسود وأبيض , تمشي مترنحة ببطء , نظرت ساندي الى البعيد خلف الساحة , رأت حقلا أخضر فسيحا وفي وسطه حصن عال , حجارته رمادية تلمع تحت أشعة الشمس , الحصن موجود فوق هضبة من العشب الأخضر وتجري بجانبه الميته الزرقاء تتراقص مع أشعة الشمس حيث يصب النهر.
الحصن مربع وفيه نوافذ ضيقة طولا , وجود الحصن ينبىء عن سلطة وعظمة وقوة عائلة كالدويل في الماضي , شعور مثير أنتاب ساندي وهي تراقب الحصن من بعيد , هو الشعور نفسه الذي يخالجها كلما وجدت نفسها في مكان أثري تاريخي.
سمعت ساندي صفيرا مرة ثانية , في الباحة... ألتفت الى مصدر الصوت , كان الشاب قد خرج من الزريبة ينظر اليها , وجهه مكشرا عن أبتسامة عريضة , وبعد أن أسترعى أنتباهها اليه , بادرها محييا اياها وهو يلوح لها بيده , ردّت له تحيته بلأن لوّحت له بيدها ايضا وتراجعت الى داخل غرفتها.
لبست ثيابها بسرعة , وما أن أنتهت حتى سمعت طرقا خفيفا على بابها , فتحت الباب , كانت نان تحمل لها فنجانا من الشاي , وكان ديرميد الصغير ذو العامين , ممسكا بثوبها الطويل القديم , كان شعرها جديلة طويلة على كتفها , وما أن لمحت ساندي ديرميد حتى أخفى وجهه خلف نان.
" جلبت لك فنجانا من الشاي , هل نمت جيدا؟".
" شكرا , نعم , نمت فورا , شكرا لأحضارك فنجاي الشاي , أرجو أن لا تفعلي ذلك كل يوم , أنا معتادة أن أستيقظ باكرا ".
قالت ساندي لما رأت الصغير :
" أهلا ديرميد , هل تذكرني؟".
نظر الصغير وهز رأسه أيجابا , نظرت ساندي الى شعره الأسود وقالت في نفسها : لا بد أنه ورث سواد شعره عن والده وعائلة كالدويل , أما عيناه الذهبيتان الواسعتان فقد ورثهما عن مارتا , عيناه مثل عيني الهرة , لا يرف له جفن أذا حدق.
" سآخذ ديرميد ل المطبخ من أجل فطوره , مرتا ما تزال نائمة , لقد عادت البارحة مع جوني بعد منتصف الليل".
" لكن جوني أستفاق باكرا!".
" نعم , لقد أيقظه ليماند ليرعى الأبقار , هذا عمله لهذا الصيف , عليه رعاية البقر وحلبها وشحن حليبها للسوق كل صباح , هل تحبين العصيدة مع الزبدة ثم اللحم مع البيض للفطور؟".
" هذا كثير".
" سأطبخ من أجل جوني ويمكنك مشاركته فطوره , ليماند تناول فطوره باكرا وذهب الى كيركاد برايت سيغيب اليوم بطوله , لديه أجتماع مع أعضاء المجلس البلدي ".
أنتهت نان من تفصيلاتها ولمست شعر ديرميد وهي تقول له :
" تعال , أتبعني , ستتناول فطور الصباح".
نزلت ساندي الى المطبخ وكان قد سبقها جوني الى طاولة الطعام وبدأ يتناول فطوره , كذلك كان ديرميد يجلس على كرسي خشبي عال قديم وقد وضعت نان فوطة حول عنقه , يحاول أن يطعم نفسه بجهد جهيد.
" أجلسي يا ساندي".
قال لها نان وهي تضع أمامها صحن العصيدة .
" هذا أبني جوني , هذه ساندي أبنة عمة مرتا يا بني".
" أهلا".
قال الشاب وهو يكشر عن أسنانه بأبتسامة عريضة , شعره أسود قصير وقد أنسدلت غرة فوق جبينه من الأمام , تكاوينه كبيرة ولا يشبه والدته أو ليماند .
" أهلا بك في دانكريغان , الظاهر أن قدومك خير علينا , فقد جلبت معك الطقس الجيد , قالت لي مرتا أنك تخرجت لتوك من الجامعة في علم التاريخ , ماذا ستفعلين بعد التخرج؟ هل ستدرسين في مدرسة؟".
" كلا , لن أعمل , أحاول أن أتابع دراستي الجامعية للحصول على درجة عليمية أخرى".
ثم أضافت:
" ماذا تدرس أنت يا جوني؟".
كان حديثها معه سهلا ومنفتحا , شخصيته لينة لا غموض أو قساوة فيها.
" أدرس علم الأحراش , سأتخرج بعد سنة من الجامعة , أحب أن أتجول في العالم قليلا وأعمل في مدن مختلفة , كما فعل ليماند , لأكتسب خبرة ضرورية قبل أن أستقر , ستحبين هذا المكان أذا كنت تهتمين بعلم التاريخ , توجد آثار قديمة عديدة هنا , لا تمشين خطوتين الا وتقعين على آثار أو بقايا آثار".
أجابها بلباقة .
" رأيت الحصن هذا الصباح وأظن أنه بني في القرن الرابع عشر , هل تعلم متى أمتلك آل كالدويل هذا المكان؟".
" لا , لا تسأليني , أنا لا أعرف أكثر مما دار من منتصف القرن العشرين فقط".
أجابها وهو يضحك ثم نظر الى والدته وقال:
" هل تعرفين يا أماه متى حضر مؤسس عائلة كالدويل الى هنا ؟".
وضع صحنه بعيدا وتناول صحن البيض واللحم.
أجابت نان:
" قال لي كافن أن العائلة تنحدر من صلب فارس نورماندي يدعى سيرغاي , قدم لمساعدة الملك داوود الأول من أجل تثبيت حكمه في سكوتلندا".
" كان ذلك حوالي القرن الثاني عشر".
علّقت ساندي , كانت مسرورة من أن نظريتها الأولى برهنت عن صحتها.
" نعم هذا صحيح".
أجابت نان , ثم أكملت:
" كان كافن يقول أنه وجد عدّة أبنية في الطرف الآخر , ويعتقد أن هناك مستوطنين قبل آل كالدويل , وقد بدأ حفريات عدة في الأرض للأستكشاف والتنقيب".
" تنقيب عن الآثار!".
صرخت ساندي بحماس.
" نعم , كان يجرب بيديه من وقت لآخر يحاول العثور على جواهر قديمة أو أدوات فخارية مما يساعده في معرفة تاريخ المستوطنين الأوائل هنا , حاول كافن أن يكتب تاريخ حصن دانكريغان".
" ماذا حلّ بمخطوطاته؟ هل نشرها؟".
سألتها ساندي بألحاح.
" كلا , مات قبل أنجازها , هي موجودة في المكتبة , صفحات وصفحات من الكتابة".
" هل يمكنني قراءتها ؟".
سألتها ساندي ثم نظرت الى جوني لأن نان أستدارت الى جانب الموقد , رفع جوني كتفيه أشارة أنه لا يعرف , وقال:
"عليك أستئذان الريّس هنا , هو الفارس الحالي في دانكريغان , المكتبة في حالة كبيرة من الفوضى , كان الرجل العجوز كافن لا يسمح لأحد بدخولها , ولكنني آمل أن لا يكون علم التاريخ هو همك الوحيد ؟ هل قمت بأية رحلة بحرية في السابق؟".
" نعم , نملك أنا وأخي زورق تجديف صغيرا نستعمله في عطلة نهاية الأسبوع , نجوب فيه الشاطىء الجنوبي بحرا".
" أذن ربما تبحرين هنا أيضا , لي صديق يدعى رون كارسن .أشترى مؤخرا مركبا شراعيا ويأمل أن يستعمله في السباق ما رأيك في مشاركتنا رحلتنا هذا الأحد؟".
" أحب أن أشارككما , ولكنني لا أعرف برنامج عملي بعد , لقد حضرت الى هنا لرعاية ديرميد من وقت لآخر , ولست في عطلة صيفية للراحة والأستجمام!".
ودهش جوني كما دهش ليماند من قبل , وتعجب أن تكون مرتا في حاجة لمن يساعدها في رعاية ديرميد , ثم قال:
" أمرأة عظيمة هي مرتا , أليس كذلك؟ لا وقت لديها لتفاهة تحرير وحقوق المرأة أو مساواتها بالرجل , همّها أن تحافظ على جمالها وتلفت الأنظار اليها وتظهرها بمظهر لائق وفاتن , هي صعبة المنال ".
ثم أردف يسألها:
" كم ستمكثين هنا؟".
" لا أعرف بعد , ذلك يتوقف...".
لم تعرف ساندي بماذا تنادي ليماند , أذا كان فارسا حقيقيا فعليها مناداته بسير ليماند...
" يتوقف على الريّس".
أكما جوني عنها جملتها وقد أتسعت تكشيرته .
" هل هو فارس حقا؟".
" أفضل من فارس , لقد ورث لقب بارون عن جدوده".
شرحت نان وهي تضع أمامها صحن البيض مع اللحم وأكملت حديثها:
" هل ترغب في المزيد من الشاي يا جوني؟".
" كلا , شكرا يا أماه , عليّ أن أعود لعملي , أحد الجرارات يتعبني , ولقد وعدت ليماند بتصليحه".

أنهت ساندي فطورها وساعدت ديرميد في طعامه , حملت الصحون الوسخة ال المغسلة من أجل جليها لكن نان رفضت أن تدعها تنظفها قائلة:
" كلا , كلا يا صغيرتي , أتركي الصغير معي وأحملي هذه الصينية لمرتا في غرفتها , سنفاجئها بمفاجأة صغيرة , ستجدينها في غرفتها مقابل غرفة الصغير , سلمي عليها وثرثري وأياها قليلا ".
ظهر الممر رثا باليا أكثر من السابق في وضح النهار , تسلقت ساندي السلالم العارية من السجاد وأجالت بصرها في أطارات الصور الزيتية المطلية بالذهب المعلقة على الجدران , كلها رجال سود العيون والشعر .
كان يرتدي لباسا عسكريا لفارس في الجيش , كتب أسمه في أسفل صورته وعليها تحديد وظيفته في الجيش , فارس دانكريغان.
دخلت غرفة مرتا بلطف , مشت الى طاولة قرب السرير ووضعت عليها الصينية , حاولت فتح الستائر عن النوافذ , كانت غرفة مرتا تطل على المدخل الرئيسي للمنزل , الى جانبي الممر المؤدي الى المنزل , عشب أخضر ترعى البقرات السود والبيض منه مسرورة ****ة , بعضها يتمشى في الممر بدون حرج , خلف الممر منحدر تغطيه شجيرات شوكية صغيرة ملفوفة , وقربها بعض شجرات الحور الطويلة وقد مالت بأتجاه الرياح , السماء صافية وزرقتها لامعة.
" ساندي , وصلت , كم أنا سعيدة برؤيتك!".
أستيقظت مرتا لتوها , جلست في سرير نحاسي قديم ترتدي غلالة نوم شفافة , من اللون الأخضر الفاتح يكشف عن أحد كتفيها , جسمها البض ووجهها المستطيل الجميل يتوجه شعرها الأحمر الذهبي يتموج بثورة حول عنقها الفاتن , رفعت يديها لأستقبال ساندي بالعناق ولفورها مشت ساندي نحوها وجلست نحوها الى حافة السرير لتعانقها.
" جلبت لك فطورك , أسرعي بأكله قبل أن يبرد".
قالت لها ساندي بعد أن أنتهت من العناق والترحيب , حملت الصينية ووضعتها أمامها .
" شكرا , أنت حملت فطوري!".
" هي فكرة نان".
" وهل ديرميد معها؟".
" نعم , وعدت أن ترعاه في غيبتي عندك".
" حسنا فعلت , يمكنني الآن التحدث اليك من القلب للقلب , وجودك معنا سيكون مفيدا , كم تمنيت أن أجد قريبا لي أتكلم معه بصراحة , نان عطوفة وحنونة ولكنها غريبة عني , هي لا تتحمل مني أي أنتقاد أبديه بخصوص المنزل أو العائلة ".
سكتت مرتا لتأكل بعض الخبز المحمص ثم أكملت:
" ما رأيك في المنزل يا ساندي؟ ألا تجدينه صرعة , مفروشاته القديمة أثرية عفنة وبالية , أنواره خافتة , كل شيء هنا على الطراز القوطي( نشأ هذا الطراز في فرنسا وأنتشر في أوروبا الغربية في منتصف القرن الثاني عشر ) كل شيء في هذا المنزل يشير الى مظاهر العظمة والغطرسة للسيد الأعلى , والحاكم المطلق".
" تقصدين سير ليماند!".
" نعم , هو من أعني , أرجوك لا تناديه سير يا ساندي , هو صحيح متغطرس ومتكبر وغامض ولكنه يكره الشكليات , أعتاد أن يعيش على طبيعته عندما سكن في كندا , وغيرها من البلاد التي عمل فيها , كيف كان مشوار الطريق معه من دمفريز؟".
" ليس كما يجب يا مرتا , أرتبكت جدا لما عرفت أنه لا يعلم أي شيء عن موضوع حضوري للعمل هنا فترة الصيف , كان عليك أستئذانه قبل دعوتي".
حدقت مارتا بالسقف , عيناها الواسعتان جامدتان كعيني قطة , قالت:
" كيف عرفت أنني لم أسأله؟".
" شعرت ببرودة في أستقبالي ونفور من قدومي , واجهته بالحقيقة وسألته أذا كان يسمح لي بالبقاء فترة الصيف".
" أوه , يا ساندي , كيف تخذليني هكذا؟".

" أنا أخذلك ؟ أنا لم أخذلك بل أنت التي وضعتني في مأزق حرج , كيف لي أن أعرف أنك لم تستأذنيه ؟ أو لم تخبريه حتى بالأمر؟ ما علينا ألأن , أخبريني يا مرتا , لماذا لم تسأليه؟ هذه ليست من صفاتك ولا طباعك التي تربيت عليها ؟".
" صحيح أنني لم أسأله , وذلك لأنني كنت أخاف أن يرفض لي طلبي , قلت في نفسي , عندما تحضرين الى هنا سيذعن للأمر الواقع ويقبل أن تبقي , وهذا ما حصل معي أيضا عندما حضرت الى بابه مع أبني, سمح لي بالبقاء لفترة قصيرة فقط ... وها أنا ما زلت هنا للآن , وسأبقى حتى أحصل منه على كل ما أبتغي".
وصمتت ساندي بعد أن سمعت خطة أبنة خالها وقرارها الشديد , كانت تراقبها وهي تأكل فطورها , قالت ساندي في نفسها: أن مرتا طفلة مدللة أعتادت أن تحصل على كل رغباتها , فطورها تتناوله في الفراش , الكل في خدمتها ... هذه الفئة من الناس تعيش لنفسها وتحصل في النهاية على كل رغباتها في الحياة ولو على حساب الآخرين , ثم قالت لها:
" ألست يا مرتا طفيلية تمتصين تعب شقيق زوجك وتعيشين عالة عليه أنت وأبنك؟".
" خذي الصينية , ضعيها هناك يا حبيبتي".
قالت مرتا بلهجة آمرة وأكملت:
" أجلبي لي فرشاة شعري من فوق طاولة الزينة , سأمشط شعري بينما نكما حديثنا , ساندي حبيبتي , كذلك أجلبي لي المرآة وأمسكيها لي بينما أنا أمشط شعري".
عملت ساندي ما طلبت منها وهي تبتسم لنفسها , الظاهر أنها ستكون وصيفة خصوصية لأبنة خالها بالأضافة الى مربية لأبنها , ثم قالت مخاطبة مرتا:
" لم تجيبي على سؤالي؟".
" كلا , لا أعتقد أننني عالة عليه".
رمقتها مرتا بنظرة مزعجة عاتبة وأكملت:
" زوجي كروفورد ينتمي الى هذا المكان مثل ليماند , وأنا أرملة كروفورد ويحق لي البقاء هنا كما يحق لأبني".
ثم رمت فرشاة شعرها جانبا ولمست كتف ساندي وأكملت:
" لا تهتمي بهذه الأمور ولا تنزعجي , يمكنك البقاء بدون خوف , ليماند سيرحب بك مثلي بعد أن يرى بنفسه كم أنت بارعة في رعاية ديرميد".
أجابتها ساندي :
" أنا لست مهتمة , لقد دعاني ليماند بنفسه للبقاء هنا فترة أسبوعين".
" دعاك هو بنفسه! أذن لماذا كل هذا الجدل؟".
" ما يزعجني هو شعوري بأنني عالة عليه , بل كلنا عالة عليه , مرتا! لماذا لا تحضرين معي الى هامشير ؟ يمكنك الحصول على عمل وهذا أشرف لك من أن تكوني طفيلية عليه".
" أنا أجد عملا! أوه , لا تقنعيني يا ساندي فأنا لا أستطيع أن أعمل سوى عارضة أزياء , وهذا يعني أن أعمل ريجيما كي أستعيد شكلي ونحافتي , ثم من يؤكد لي الحصول على عمل؟ ومن يرعى ديرميد في غيابي؟".
" عمتك جين ترعاه , ألم تطلب اليك البقاء عندنا يوم وصلت بعد وفاة زوجك؟".
" كلا يا ساندي , سأبقى هنا ولن أعمل".
أكدت مرتا عزمها على تنفيذ خطتها , ثم تابعت:
" لقد أكتشفت هنا أنني أنسانة مهمة , أنت تعرفين حب الظهور عندي , أن أسم عائلة كالدويل بالرغم من ماضيها المريب وحاضرها المفلس لأن وضعها المادي مترد , هي عائلة عريقة ومعروفة في المنطقة ولها وزنها بين العائلات ,ومع أن السير كافن كان متطرفا ومنعزلا عن الناس ألا أنه بطل من أبطال الجيش , ولقد أنتخب ليماند مؤخرا عضوا في المجلس البلدي".
" لم أكن أعرف أن الوضع الأجتماعي يهمك الى هذا الحد".
" صحيح , لم أكن أهتم له بالسابق , لكن اليوم وبعد تجربتي هنا , عرفت قيمته ولمست لمس اليد أهميته وما يعنيه , الجميع يرغبون بالتعرّف اليّ لأنني أرملة كروفورد كالدويل , وكنة السير كافن كالدويل وزوجة أخ السير ليماند كالدويل – لهذا سأبقى , سأحاول أقناع ليماند بأعطاء ديرميد حصة أبيه في الميراث , وبعد ذلك سأكون سعيدة جدا".
" ولكن يا مرتا , ليس هناك ميراث أو مال قد تركه كافن , فقط هذه الأملاك وهي من نصيب الأبن الأكبر".
" كيف عرفت ذلك؟".
" لقد أخبرني بذلك ليماند ونحن في طريقنا الى هنا قادمن من دمفريز".
" يا ألهي! لقد تكلم ليماند معك كثيرا!".
ثم حولت مرتا الحديث الى ناحية أخرى وقالت:
" أنا أعرف أن لا وصية مكتوبة ولا شيء موصى لزوجي وكروفورد , ولكن ذلك لا يعني أن عمه لا يمكنه مساعدته , كل ما أبغيه لأبني علما لائقا في مدرسة محترمة , مثل والده كروفورد , ولا بأس لو دفع ليماند مصاريف تعليمه من جيبه , أن ذلك دين عليه يدفعه لأبن شقيقه التوأم , على كل , أبني هو الوريث الوحيد الآن لهذه الأملاك".
" أظن ذلك ".
تمتمت ساندي وهي مطرقة تفكر في خطط أبنة خالها ثم قالت:
" ما هو دوري في مخططاتك؟ كيف يمكنني مساعدتك؟".
" يمكنك مساعدة ديرميد على تحسين تصرفاته".
تنهدت مرتا وكأن حملا ثقيلا قد أزيح عن كاهلها وأكملت:
" أن تصرفاته بغيضة ورديئة , دائما يسيء التصرف أمام عمه ليماند ولا يوجد تقارب بينهما , يوم كنا عندكم في هامشير لاحظت أنه يستمع اليك ويحسن التصرف جيدا أمام الآخرين , حسب أرشاداتك , كم يسرني لو تفهميه أن علاقته الحميدة بعمه تهمني أكثر بكثير من حسن أنسجامه مع بوب سكوت أو ول برودي".
" من هما؟".
" هما أثنان من عمال المزرعة , هو يحب أيضا جوني كثيرا".
" أظنهم يهتمون به ويتكلمون معه ويشاركونه لعبه".
قالت ساندي :
" ألا يهتم به ليماند؟".
" أظنه يحبه , ولكن ديرميد يهرب منه كلما ألتقاه ويصرخ , حضر القاتل الأزرق".
رفعت مرتا حاجبيها أشارة لجهلها الأسباب , ثم نظرت نظرة فاحصة الى وجه ساندي وقالت:
" الظاهر أنك أستطعت من البداية أن تتفاهمي مع فارس دانكريغان , ولهذا السبب عليك أن تقنعيه في تلبية طلبي , عليك أن تلينيه ليعطف عليّ وعلى أبني".
" أنا أليّنه ؟ كيف؟".
" أوه يا ساندي كم أنت بريئة , يمكنك تليينه بأستعمال سحرك الأنثوي عليه , لقد دعاك ليماند للبقاء هنا , وهذه أشارة جيدة لنجاحك".
" أنا! لا أستطيع ! ولا أريد أن أفعل أي شيء من هذا القبيل ".
تراجعت ساندي الى الوراء خائفة وقالت:
" أنا لست من ذلك الصنف من البنات ! لماذا لا تجربين أنت بنفسك تليينه كما تقولين , أنت أكثر خبرة مني في هذا المضمار".

ضحكت مرتا ضحكة مثيرة لها مئة معنى ومعنى , ضحكتها تلك تدير رؤؤس الجال مهما بلغ عنفوانهم , كانت ساندي تفكر مهمومة , ألتفتت اليها مرتا وقالت:
" جربت سحري عليه يا حبيبتي , فلم أفلح , أنه صلب وطينته تختلف عن طينة شقيقه كروفورد , من الصعب عليّ ايجاد نقطة ضعفه , وبما أنك من طينة مختلفة عن بقية النساء , ربما تفلحين أن حيث فشلت أنا, ربما تعرفين نقطة ضعفه , هو لا ينفر من الجنس اللطيف وجاذبيته , وله شهرة واسعة في هذا المضمار مع الفتيات هنا قبل رحيله الى الخارج ... أنت يا ساندي جذابة ومثيرة أذا خلعت بنطلونك الجينز ولبست فستانا يبين سحر أنوثتك".
" ولكنني أرتاح في البنطلون وأجده أقتصاديا".
أجابتها ساندي بحدة ونزق , وضعت المرآة التي كانت تحملها لتمشط شعرها ووقفت لتخرج من الغرفة بعد أن شعرت أن المحادثة بينهما أصبحت مزعجة , حملت الصينية ونظرت الى مرتا التي ما تزال في فراشها وقالت:
" يمكنك النهوض , ستصبحين ثمينة أكثر اذا بقيت وقتا أطول في الفراش".
تمكت مرتا في فراشها وقلبت شفتيها علامة الأمتعاض من تعليقها وقالت:
" فهمت قصدك يا ساندي , أحذرك أن يوما قريبا سيأتي وتتمنين رجلا يراك أمرأة مميزة , كلنا نمر بهذه التجربة آجلا أم عاجلا, هنا تكمن المشكلة عندئذ".
" ماذا ترغبين لي أن أفعل مع ديرميد اليوم؟".
سألتها ساندي وهي تتجاهل تشعب الحديث وأنحرافه عن طريقه الأصلي , ثم فتحت الباب لتخرج.
" خذيه الى الشاطىء , أنه يحب اللعب هناك, سأراك فيما بعد".
كان ديرميد فرحا وهو يقود ساندي الى الشاطىء , كان يقفز صامتا ويده الصغيرة في يدها , بينما يحمل في اليد الأخرى سطلا ومجرفة صغيرة.
وصلت وأياه الى خليج صغير حيث المياه نظيفة تتراقص فوق الرمال , تحيط بعض الصخور الرملية بالخليج, أطفال وشباب يمرحون على الشاطىء , وجد ديرميد أصدقاءه وهما فتاة صغيرة من عمره , شعرها أشقر حريري منسدل على كتفيها وعيناها زرقاوان واسعتان وأسمها لورنا وشقيقها ايوان في الثالثة والنصف من عمره , شعره أحمر بلون الصدأ ووجهه مليء بالنمش , كان مع لورنا وايوان مربية متوسطة العمر وقد جلست فوق مقعد وأمامها رمال الشاطىء , تركت الأولاد يلعبون أمامها ولم تشاركهم لعبهم, كذلك لم تكلم ساندي أو تحييها.
لعبت ساندي مع الأولاد بالطابة وصنعت لهم من الرمال أشكالا مختلفة وحفرت بمساعدتهم القنوات الرملية وغطست رجليها في المياه الباردة , أنتهى الصباح على هذا الحال , ولما حان وقت الغداء أخذت ساندي ديرميد عائدة به الى دانكريغان بعد أن وعدت الولدين برؤيتهما مجددا , وصلت ساندي الى المنزل فوجدت مرتا قد أغتنمت فرصة ذهابها مع ديرميد فذهبت برفقة جوني الى كيركتون لزيارة الحلاق وتصفيف شعرها وسوف لن تعود قبل الثالثة بعد الظهر.
تغدت ساندي وديرميد وصعدت وأياه من أجل قيلولته , بعد أن أطمأنت الى نومه دخلت غرفتها لتكتب لوالديها رسالة تخبرهما أنها وصلت سالمة وتعلمهما أخبار مرتا وديرميد , بعد أن أنتهت من رسالتها وضعتها في مظروف وكتبت عليه العنوان ثم وضعته في جيب بنطلونها لتضعها في البريد في طريقها الى الشاطىء بعد الظهر.
وقفت ساندي تمتع نظرها بالقلعة العظيمة من نافذتها, حجارتها الرمادية تلمع في ضوء الشمس , خلفها تنساب المياه تتلألأ عند مصب النهر بهدوء , تذكرت حلم ليلة الأمس , تساءلت هل يوجد سجن في قبو الحصن؟ نظرت الى ساعتها تستطلع الوقت , سيبقى ديرميد نائما نصف ساعة أخرى على الأقل , هذا الوقت يكفيها لتذهب الى الحصن وتلقي نظرة فاحصة عن كثب , ربما تتعرّف الى أماكن التنقيب التي بدأ يستكشفها كافن في حفرياته التنقيبية.
خلال دقائق كانت تمشي الى الحصن عبر ممر ضيق بين صفي حجارة تغطيها الزهور الملونة تطير فوقها جماعة من النحل تمتص رحيق الأزهار , رائحة الزهور ذكي والهواء دافىء هادىء وصوت خرير المياه ينساب الى الشاطىء البعيد , كل ذلك أجتمع ليعطي جوا آخر من عالم قديم , كانت ساندي تمضي وحدها وكأنها تدخل الى عالم الماضي.
تعاظم هذا الشعور لديها لما وجدت الممر أنتهى فجأة وظهر أمامها منحدر مغطى بالعشب الأخضر أنتهى في فجوة دائرية حول الحصن ثم بدأ يرتفع الى هضبة صغيرة بني فوقها الحصن , الفجوة هي الخندق المائي الذي يلف الحصن قديما , ركضت ساندي الى أسفل الفجوة ثم صعدت الى الجهة الثانية , الى الحصن , فوقها مباشرة حجارة البرج الرمادية أرتفعت عامودية منبسطة , وفوقها سطح الحصن ذو الفتحات التي تطلق منها النار وقت القتال , حجارتها خشنة وصلبة تتحدى السماء الزرقاء فوقها.
مشت ساندي الى الأمام , دارت خلف الحصن فوجدت بابا مزدوجا في الحائط الشرقي , يوصل هذا الباب الى طريق جانبية تؤدي الى جسر خشبي يرتفع فوق الفجوة , خندق الماء , ثم تنعطف الى غابة صغيرة تؤدي الى الطريق العام.
كان أحد البابين المزدوجين مفتوحا قليلا , أقتربت ساندي ومدّت رأسها مستطلعة , أنتابها شعور بأنها دخلت القرون الوسطى للحظة , ثم أختفت , وجدت نفسها داخل ساحة مربعة مليئة بالسيارات القديمة , كان هناك سيارة رولز رويس زرقاء لماعة يعود موديلها لعام 1910
قربها سيارة سبور بتنلي خضراء موديلها 1930, مقاعدها جلدية سوداء ويلفها شريط خارجي أسود , وهناك أيضا سيارة أوستن سبعة صغيرة جدا , ولكنها عريضة قليلا , عرفت ساندي أن هذه السيارات تخص كروفورد , أجالت بعد ذلك نظرها في الغرفة فوجدت موقدا حجريا كبيرا في وسط الحائط, وبعد مراجعة معلوماتها التاريخية قررت ساندي أن هذه الغرفة كانت مطبخا في حصن من حصون العصور الوسطى.
يوجد في زاوية الغرفة المربعة سلما دائريا مبنيا في الحائط , تسلّقت السلالم اللولبية الحجرية بتأن , لاحظت كيف كانت مجورة في منتصفها من كثرة ما مشى عليها بقوة جنود أشداء.
وصلت بها السلالم الى غرفة كبيرة فارغة , سقف الغرفة عارضات خشبية مائلة , كانت الشمس تدخل الغرفة من فتحات صغيرة هي نوافذ بدون زجاج , مشت ساندي ببطء وكانت تتحقق من موقع أقدامها خوفا من أن تكون الأرض الخشبية مهترئة , أقتربت من النافذة ونظرت الى أسفل حيث مياه النهر تلمع عند المصب , أنقشع الضباب ظهرا وتراءت لها تلال أنكلترا من مسافات بعيدة.
أعادت تفحصها في داخل الغرفة , لا بد أنها القاعة الكبرى في الحصن , هنا تجتمع العائلة للطعام, تخيّلت طاولة كبيرة عليها أباريق خزفية أو معدنية وقربها مناسف للطعام المدورة مليئة بالطعام , النساء يرتدين الثياب الفضفاضة الطولية , الرجال يلفون رؤوسهم بما يشبه الخمار , يلبسون ستراتهم الجلدية الطويلة والضيقة , بدون أكمام مع سراويل ضيقة , أمكنها أن تتخيل كلاب الصيد منبطحة , ممددة تحت الطاولة تنتظر العظام .
رجعت السلالم , أكملت صعودها الى الطابق الثاني , وجدت نفسها في العراء على السطح , سقف الحصن قد أختفى منذ أمد بعيد وما بقي سوى غرفتين , عرفت ذلك من المدفأتين الموجودتين في الحائط الشمالي .
نظرت الى ساعتها من جديد , وجدت أن عليها العودة الى المنزل , نزلت الى الطابق السفلي بتأن , لم تلاحظ وجود قبو أو سجن في الحصن , لا بد أن تعود الى هنا مرة ثانية لتكمل جولتها في الحصن وتكتشف بقية أجزائه.
لفت حول السيارات الثلاث وأقتربت لتفتح الباب الخارجي , تذكرت أنها تركته مفتوحا خلفها , هل من المعقول أن تكون قد أغلقته بدون أن تشعر؟ لم تعد تذكر , جربت فتح الباب , لم يفتح لأنه قد أقفل بمفتاح , يا لدهشتها , أحدهم أقفله حين كانت تتفرج على الحصن في الطوابق العليا .
يجب عليها أن تتصرف بسرعة وألا ستبقى سجينة الحصن بقية يومها أو ربما حتى ليلها أيضا , صعدت السلالم مسرعة الى الطابق الأول , قطعت الحائط الشمالي ومدت رأسها من فتحة النافذة , هناك أحد يمشي مبتعدا عن الحصن وقد خرج لتوه من الفجوة ,عليها أن تصرخ لتسترعي أنتباهه , مدت جسمها فوق الحجارة وجعلت من يديها بوقا أمام فمها وصرخت بأعلى ما يمكنها :
" يا هذا ... أنت , عد الى هنا! لقد أغلقت عليّ الباب!".
تسمّر الرجل لمّا سمع النداء , لأول وهلة ظن أن ما سمع وهما , عاود مشيته مبتعدا , أعادت ساندي الصراخ وأردفت بصفير شديد , ألتفت الشخص خلفه بعد أن توقف عن متابعة سيره وعاد هذه المرة أدراجه الى الحصن ثم نزل الخندق وصعد الى الجهة الثانية .
ولما أقترب من الحصن عرفت ساندي أن مخلصها هو فارس دانكريغان ليماند كالدويل , أقترب تحت النافذة ووضع يديه على ردفيه ورفع رأسه الى أعلى لينظر اليها , كانت هي تطل من النافذة فوقه , صعقت لما رأته , مرت لحظة ظنت نفسها تعيش حلم ليلة الأمس.
" ماذا تفعلين هنا؟".
سألها بسخرية .
كانت الشمس ترخي أشعتها على وجهه الأسمر وتحدد صلابة أنفه وفمه وحاجبيه وفكه , يلبس زيا رماديا من الصوف الجيد مع قميص أبيض وربطة عنق , تذكرت أنه كان في أجتماع مع أعضاء المجلس البلدي.
" أمتّع نظري فقط!".
قالت بطريقة محببة تحاول أن تخفف من ذنبها.
فرحت لما لاحظته يبتسم من طريقة جوابها كأنها تسخر من سؤاله , أخفى ضحكته بسرعة ولكنها عرفت أنه يتمتع بروح نكتة ولكنه يخفي ذلك عن الجميع , ثم أكملت بصوت متوسل:
" أرجوك , أفتح لي الباب لأخرج ".
حملق فيها كأنه يفكر قبل أن يجيبها الى طلبها.
" عليّ أن أبقيك سجينتي ".
أحتجت وبان على وجهها الخوف ولكنه أكمل:
" سأطعمك , وأجلب لك الحلويات واللحوم , والسمك الطازج , سأحمل لك أحواض الفاكهة المنوعة وأباريق الشراب المعتّق عن الطاولة في داخل الحصن , سأجلبها في ظلمة الليل حتى لا يراني أحد ولا يراك أحد , حتى لا يعرف أحد أن عندي ساحرة جميلة في الحصن سجينة , سنجلس نقتسم الطعام والشراب في ضوء الشموع وبعد ذلك....".
توقف فجأة ونظر الى مجموعة مفاتيحه التي أخرجها من جيب سرواله
ثم نظر الى أعلى مرة أخرى وقال:
" سأخرجك ."
قال ذلك ببرود وبدون أي أكتراث.
مشت ساندي الى ناحية الباب بعد أن سحرها حلمه الذي شرحه لها , كيف لا وهي جميلة الحصن السجينة , عاشت لحظات مسحورة , نزلت السلم اللولبي وكانت تنتظر الفتيات بالأثواب الفضفاضة ينحنين تحت قدميها , صدمتها الحقيقة لما وصلت الى أسفل السلم ووقع نظرها الى السيارات القديمة , فتح ليماند الباب , كان ينتظرها متوتر الوجه بدون أي أبتسامة , ألتقت عيناها الفزعتان بعينيه الخاليتين من أي تعبير , تحيّرت كيف تغيّر وبهذه السرعة , قال:
"قدومك الى الحصن وحدك وصعودك السلالم المهترئة جنون ".
ثم أكمل :
" الأرضية الخشبية فوق غير سليمة , ولو لم أسمع نداءك لبقيت في داخل الحصن الليل كله".
" لم أعرف أنك ستعود لتغلق الباب ! كان الباب مفتوحا عندما دخلت , ظننت أنه يبقى مفتوحا دائما ".
ثم فكرت في نفسها , لا عجب أن تجده مرتا غامضا ولا تفهمه , منذ لحظة كان يحيك أجمل الأحلام والآن هو بارد كجمود الصخر.
" في الغالب ترك جوني الباب مفتوحا حين حضر ليجلب بعض المعدات لأصلاح الجرار, نحن نستعمل الطابق الأرضي كمخزن للآليات وقطع الغيار والموترات , أنا أقفل عليها لأن للسيارات بعض القيمة الأثرية على ما أعتقد".
" هذه السيارات تخص كروفورد ! هل ستعطيها لأبنه ديرميد؟".
نظر اليها نظرة ريب وتشكك وقال:
"هل حضرت الى الحصن لرؤيتها؟".
" كلا , لم أكن أعلم أنها موجودة في داخل الحصن , أردت زيارة الحصن والتحقق من وجود سجن في القبو هناك , لكنني لم أعرف طريقي الى الطابق السفلي".
" الطريق اليه من هناك في الزاوية من باب يفتح من الأرض , هل تحبين رؤيته الآن؟".
" ليس الآن , شكر , لا وقت لدي , ربما يكون ديرميد قد أستفاق من نومه الآن وهو يسأل عني".
خرجت من باب الحصن مارة من أمامه , خرجت الى شمس آب الدافئة ونورها الواضح , تبعها , أقفل الباب خلفه ثم نزلا الى الخندق وصعدا الى الجهة الأخرى بأتجاه المنزل.
" ما سر أهتمام بسجن الحصن؟".
" حلمت البارحة أنني سجينة في الحصن".
أجابته ثم أكملت:
" لكنني شديدة الأهتمام بالحصن كله كأثر تاريخي , لقد أخبرتني نان هذا الصباح أن والدك بدأ كتابة تاريخ حصن دانكريغان قبل موته".
" هل أهتمامك ينصب على الناحية التاريخية للحصن؟".
" نعم , أنني أحمل شهادة بكالوريوس في علم التاريخ , تخرجت لتوي من جامعة دولتستر, تخصصت فيما يعرف بعصور ما قبل التاريخ , أي علم الآثار , وقد ساهمت فعليا في حفريت تنقيبية عن الآثار في مناطق عديدة من جنوب أنكلترا".
كانا يمشيان في أتجاه المدخل الرئيسي للقصر , النحل يطير حولهما يمتص رحيق الزهور ويؤكد أن الدفء ملأ المكان , دفء لذيذ يشعر معه الأنسان بالأسترخاء.
" لا أحد يراك ويتبين رابطة الدم بينك وبين مرتا ؟ ".
رمى ليماند هذه الملاحظة , رمقته ساندي بنظرة جانبية مستغربة ملاحظته وقالت:
" كلا لا أظن أحدا يلاحظ صلة الدم بيننا , فأنا أشبه والدتي وهي تشبه والدتها".
والد مرتا هو شقيق والدتي , ولكن جمال مرتا هو فريد في عائلتنا".
" لم أقصد الشكل الخارجي , فأنا لا أهتم للشكل الخارجي , أعني التصرفات والأهتمامات والطباع".
" صحيح , كذلك أنت وشقيقك كروفورد تختلفان كثيرا في طباعكما وتصرفاتكما , هذا ما سمعته أثناء وجودي هنا , أنتما توأمان وشكلكما مطابق لبعضكما , أذن ليس من المستغرب أن يختلف أبناء العمومة في الطباع والتصرفات".
" وماذا سمع أثناء وجودك في القصر؟".
تساءل بشك , فهمت ساندي أنها بدون قصد قد داست على طرفه , شعرت كأنها لامست جرحا عميقا لديه , وكأنما قد وافقامسبقا على التوقف عن المسير... توقفا يواجه أحدهما الآخر , كانا قد وصلا الى الممر بين ضفتي الحجارة , أصبحا كأنهما في مرفأ في الزهور العطرة , معزولان عن العالم كله.
" سمعت أن كروفورد يختلف عنك كليا ".
أجابته بسرعة كأنها ترفض أن ترهبها نظراته القاسية من عينيه السوداوين.
" هل هذا رأي أبنة خالك؟".
قال بسخرية وتهكم وأضاف:
" أظن أنه كان يتنازل لها دائما ويلبي لها جميع طلباتها , كانت تفعل ما تشاء بدون أن يردعها , هذه طباعه فهو يداهن ويمالق الجنس اللطيف بدون أستثناء".
" وهل أنت غير ذلك؟".
" أفضل أن أكون البادىء في أي دعوة لأي علاقة مع الجنس اللطيف".
" أعلم أن مرتا طائشة قليلا ومستهترة نوعا ما , ولكنني واثقة من أنتها أحبت أخاك وأبنه بصدق".
كانت تشرح له بحماس زائد بعد أن تذكرت مهماتها التي من أجلها أستدعيت للعمل في دانكريغان.
رفع حاجبيه السوداوين وتشنجت عضلات وجهه وظهر بريق في عينيه , رأت ساندي لهيبه قبل أن يبدي رأيه في ما قالته ساندي.
" وهل تظنين أن الحب موجود؟ بالرغم من شهاداتك العلمية وقراءاتك التاريخية , هل تؤمنين بوجود هذه العاطفة؟".
أما هي فتجمدت قسماتها وبسرعة قالت:
"نعم أنا أؤمن بعاطفة الحب , أن دراستي للتاريخ ساعدتني على ايماني بالحب".
ثم سألته:
" أنت لا تؤمن به؟".
أجابها ببرود:
" في أعتقادي , أنها كلمة فارغة من المعاني تستعملها النساء للتغطية والتمويه عن أطماعهن الشخصية".
" أوه ! كم أنت مخيف, كثير الشك , غامض!".
رمت كلماتها بدون حذر وقد نسيت وظيفتها الجديدة في التأثير عليه وتليينه... أنت تعتقد أن مرتا تحب نفسها فقط عندما تزوجت أخاك وأنها كانت تعمل لمصلحتها الشخصية حين لجأت اليك مع أبنها".
ضمّ يديه الى صدره ونظر اليها كأنها طفلة تحتاج الأرشاد وقال:
" أليس هذا هو الواقع؟".
" كلا , لم تحضر الى هنا ألا بناء على رغبة أخيك حيث طلب اليها أن تحضر ديرميد ليعيش في كنف عائلة آل كالدويل".
" لهذا السبب تمدد أقامتها ونرحب نحن بها؟".
لاحظت ساندي أنه يستزها ليثير غضبها ويخرجها عن طورها لذلك لملمت نفسها وبدأت هجوما معاكسا , سألته:
" وكيف تريدها أن تتصرف؟ هي هنا تنتظر منك مساعدة لأبنها ديرميد , ألا يتوجب عليك أن تساعد أبن أخيك؟ هل تطلب الكثير؟".
" أذن هي تنتظر مبادرتي , هل تعرفين ماذا ترغب ؟ من المؤسف أن مرتا لا تواجهني بنفسها أو تفصح عما يجول في عقلها , وتستخدمك كمراسلة بيننا , ما هي بالتحديد طلباتها من أجل ديرميد؟".
" أنا ... أنا أعتقد أن عليك أن تبحث الأمر معها هي ".
لملمت ساندي نفسها بعد أن وجدت نفسها مرة ثانية في موقف لا تحمد عليه وأكملت:
" ألم تبحث مرتا هذا الأمر معك سابقا؟".
هز رأسه نفيا وقال:
"كلما حاولت التحدث معها في أمور تتعلق بالمستقبل , تستقبلني بفيض من الدموع , وأنا لا وقت لدي لهذه التمثيليات".
وهز كتفه كأن ذلك لا يعنيه.
تذكرت ساندي يوم طلبت اليها مرتا أن تكتشف لها نقطة ضعفه لأنها لم تنجح هي بأكتشافها مع أنها جربت معه جميع أسلحتها الأنثوية , كانت تستعمل طريقتها المعهودة بأن تمثل دور المرأة الرقيقة التي لا حول لها ولا طول , دور المرأة التي تنتمي الى الجنس الضعيف اللطيف الخ... كلما باءت بالفشل , تعجبت ساندي وتساءلت : كيف تتوصل هي الى حواسه الداخلية والى تحريك عواطفه الأنسانية وما الى ما تحت درع الفارس ! هل عنده شعور وأحاسيس مثل البشر أم هناك فراغ متحكم في داخله.
وصلت جلبة من الأصوات أسترعت أنتباههما , ظهر أمامهما ديرميد تتبعه مرتا في الساحة أمام مدخل المنزل , كان شعرها تاذهبي الأحمر كأنه شعلة ملتهبة أو هالة نور حول رأسها الجميل , وجهها الأبيض المشبع بالحمرة وأنفها المروس في وسط وجهها ثم أنفراج شفتيها الورديتين المثيرتين , كانت تركض خلف أبنها.

" ها أنت يا ساندي , ديرميد يبحث عنك في كل مكان , عدت من كيركتون ولم أجدك".
ثم نظرت ناحية ليماند وأكملت :
" مرحبا ليماند , أهلا , لطيف منك أن تري أبنة عمتي الحصن والمزرعة ".
كانت مرتا تتصنع اللطف والكياسة وهي تخاطب ليماند , تحاول أغواءه بشكل فاضح , شعرت ساندي وينتقد تصرفاتها , نظر بأشمئزاز من تصرفات مرتا ,تأكدت ساندي أن مرتا بعملها هذا تعطي ليماند الفرصة ليسخر منها ويرميها بملاحظاته الجارحة وينتقد تصرفاتها , نظر ليماند الى مرتا نظرة مخزية مشمئزة , لم تبال مرتا بل كانت تركض ترنح فستانها الرقيق حول جسدها الملفوف البض , كان فستانها شفافا من اللون الأخضر والأبيض , فاجأ ساندي حين نظر اليها وغمزها بأحدى عينيه وهو يقول لمرتا:
" لكنني لم أكن أري أبنة عمتك الحصن , كنت أخلص فتاة الحصن الجميلة من السجن داخل الحصن ... أستأذنك لدي بعض الأعمال".
ترك ليماند مرتا وساندي أمام المنزل ودخل , دهشت مرتا وهي تواكبه بنظراتها وفمها منفرج قليلا , ثم قالت:
" بالحقيقة لم أفهم ماذا قال , أليس هو غريب الأطوار؟ ماذا يعني بقوله يا ساندي؟".
وجدت ساندي نفسها تخفي ضحكة عريضة في داخلها ولم تدر بماذا تجيب مرتا , أسعفها ديرميد حين سأل كعادته:
" من هي فتاة الحصن الجميلة يا ساندي ؟ هل أجد أنا في الحصن فتاة جميلة مثل عمي ليماند؟".
" لا أظن ذلك ".
أجابته وصوتها متهدج .
" الفتيات الجميلات موجودات فقط في قصص الفرسان : مثل لوجريز أو قصص الفردوس المفقود".
" من هو الفارس؟".
" هو رجل يركب حصانا ويقوم بالأعمال الحسنة , يخلص الفتيات الجميلات من التنين أو من السجن".
" لكن عمي ليماند لا يركب الحصان".
حاول ديرميد تصحيح معلومات ساندي.
" كان الأنسان يركب الحصان في العصور القديمة أما اليوم فالأنسان يركب بالسيارة أو الطائرة...".
" حقا يا ساندي أنت تفسرين أسوأ من ليماند عن جميلته سجينة القلعة , من سمع بفارس يركب سيارة أو يطير بطائرة ؟".
قالت مرتا ذلك بعد أن عيل صبرها من كثرة أسئلة أبتها , فتركته مع ساندي.
" ألم يكن كروفورد فارسا يوم تعرفت اليه أول مرة؟".
سألت ساندي أبنة خالها مرتا.
لكن مرتا نظرت اليها نظرة أستغراب وحيرة , ثم سأل ديرميد من جديد:
" أليس جوني فارسا؟ أنه فارس يركب الموتوسيكل , لقد نزل مرة بدراجته بسرعة هكذا...".
وبدأ ديرميد يركض ويقلد صوت الدراجة بأتجاه الطريق العام , صرخت مرتا:
" قف يا ديرميد".
ثم نظرت الى ساندي وقالت لها بلهجة آمرة " أجعليه يخفف ركضه , ربما تصدمه سيارة مسرعة , ألحقي به بسرعة".
ركضت ساندي خلفه في محاولة أخيرة , توقف ديرميد قرب أشارة جانبية على مدخل المنزل الخارجي , توقف ينتظر ساندي ووالدته , ولما وصلا اليه مشى الجميع الى الشاطىء , هناك التقى ديرميد لورنا وايوان , قامت ساندي تشارك الأولاد لعبهم ألا أن مرتا قالت:
" أتركيهم , لا خوف عليهم , لنجلس أنا وأنت نتحدث سوية.".

جلسا قرب مقعد مربية آل لندسي ولكن المربية لم تعرهما أي أنتباه .
" هي عجوز شمطاء! أليس كذلكّ ؟".
كانت مرتا تتكلم عن المربية مع ساندي.
" لا تتكلم مع أحد, لورنا وأيوام مرحين وينسجمان مع ديرميد , هل شاركتهم اللعب صباحا يا ساندي؟".
" نعم".
أجابتها ساندي , ثم قالت:
" هل يعيشون هنا؟".
" يأتون الى هنا في فصل الصيف فقط , والدهم بيل لندسي جراح يجبر الأعضاء ويقومها , هو يملك هذا المنزل الكبير هناك في الناحية الأخرى للخليج".
تعرفت ساندي الى المنزل لأنه يقع وحده على بقعة كبيرة من الأرض في الطرف الآخر للخليج , مربع ومتين ومدهون باللون الأبيض , تلف المنزل شجيرات خضراء تتجمع مع بعض وتحيط به حديقة كبيرة في نهايتها بعض درجات تصله بالشاطىء , قالت مرتا:
" بيل هو نائب رئيس نادي اليخوت هذه السنة وقد تعرفت اليه يوم سهرت برفقة جوني هناك , نشترك كلانا بأشياء واحدة , فهو أرمل وأنا أرملة , لقد توفيت زوجته السنة الماضية , توفيت على أثر مرضها بأبيضاض الدم أو اللوكيميا".
" أخبرتني نان عنه عندما ذكرت لها لورنا وأيوان , عرفت من نان أن عائلة لندسي وعائلة كالدويل لم يكونا أصدقاء , تقول نان هناك خصومة بين العائلتين".
" ماذا تعرف نان عن هذه الخصومة؟ ".
تساءلت مرتا:
" ما رأيك بنان؟ أليست عجوزا رجعية؟ أنها تبالغ بالأهتمام بجوني وليماند , في يوم سابق قرأت لي طالعي , تنبأت بأنني سأتزوج مرة ثانية من رجل يختلف كثيرا عن كروفورد , أتمنى أن تصدق تنبؤاتها بشأن الزواج".
أنتهت مرتا من ثرثرتها .
أعترضت ساندي:
" ولكن , لم يمض على وفاة زوجك كروفورد سوى أشهر قليلة , يجب أن لا تتسرعي!".
" أعرف , لكنني لا أرغب في البقاء أرملة بقية حياتي ".
قالت مرتا ذلك ونظرها ناحية الأولاد الثلاثة الذين يلعبون في الرمال , ثم غيّرت مجرى الحديث وقالت:
" أتعجب لماذا يبقي ليماند نان في أدارة منزله؟".
" من الصعب عليه أن يطردها من منزله بعد كل خدماتها السابقة , هي مربيته , لقد خدمت آل كالدويل عشرين عاما".
" لكن نان كانت تقوم بأعمال أخرى غير تدبير المنزل , لقد سمعت قصصا عديدة تحاك حول علاقتها بكافن".
" ماذا تعنين بذلك؟".
" ها أنت لا تفهمين من جديد ".
ضحكت مرتا وأكملت:
" بالحقيقة يا ساندي لا أحد يظنك من الجيل الجديد المفروض أن يعرف كل شيء ولا يدهش أذا قامت علاقة غير شرعية أو محرمة بين شخصين , في كل حال كافن كان رجلا وسيما وكذلك كانت نان في صباها , وهي تحمل دم آل كالدويل وتفهم طريقة حياتهم , ثم هل تعتقدين أنه من الممكن أن تعيش معه في منزل واحد, كل هذه السنين بدون أن يحصل بينهما أي علاقة؟".
" نعم, من الممكن أن لا يحصل بينهما أي علاقة , أن الجاذبية الحسية ليست كل شيء في الحياة , أنا أؤمن أن الرجل والمرأة يستطيعان أن يعيشا سوية في منزل واحد أو يعملا في مكتب واحد أو ورشة عمل واحدة بدون أي أرتباط حسي أو عاطفي بينهما".
ورمقتها مرتا بنظرة ساخرة من طرف عينيها ثم قالت:
"ماذا تعرفين عن هذه العلاقة؟ ما هي خبرتك؟ أنت تختلطين فقط بطلاب علم التاريخ , أو أساتذة تهتم بالحفريات والتنقيب في الماضي الدفين , كذلك لم تعيشي في منزل واحد مع رجل مثير".
" لا أظن أن والدي أو أخي توم يعملان لهما حسابا".
علّقت ساندي وهي تكشّر تكشيؤة شيطانية.
" أنت تعرفين ذلك بالطبع".
أكدت مرتا ثم سألتها:
" ألم تقابلي بعد رجلا شعرت أنك تحبين العيش معه وترغبين في الزواج منه؟".
فكرت ساندي بديريك سلون , هو الآن بعيد ينقب في جزيرة في البحر الأبيض المتوسط , أنه زميلها في الدراسة:
" نعم , ألتقيت أحدهم".
" أخبريني عنه".
أمرتها مرتا وقد أكتسى وجهها بريقا عجيبا لأنها ستشارك أبنة عمتها سرها وتكتسب بذلك ثقتها.
" ليس عندي ما أقوله ".
ضحكت ساندي ثم تابعت:
" هو زميل جامعي درست وأياه في الجامعة نفسها , تكلمنا كثيرا في علم الآثار , نتحمس أذا أكتشفنا قطعا فخارية ونحن ننقب , كنت آمل أن أذهب وأياه هذا الصيف في بعثة تنقيبية في منطقة البحر الأبيض المتوسط , ولكن طلبي رفض بينما قبل طلبه".
" ما أسوأ ذلك يا حبيبتي, لماذا لم تقبلي؟".
" كنت في لائحة طويلة ضمن الذين رفض طلبهم , العرض لديهم يفوق الطلب".
" هل تشتاقين اليه؟".
نظرت ساندي الى المياه المتلألئة في الخليج وأحست حرارة الشمس تلفح وجهها وسمعت جلبة الأطفال يلعبون , تذكرت أسرار الماضي الدفينة تحت أرض دانكريغان قبل أن تتكلم:
" كلا , لا أظن أنني أشتقت اليه بعد , ربما مع نهاية الصيف أتأكد من ذلك".
" أوه , هو ليس بالحب الحقيقي أذن".
" متى يكون الحب حقيقيا؟ ".
سألتها ساندي وهي تضحك .
" هل تدق الأجراس وتفرقع المفرقعات؟ ماذا حصل لك لما قابلت كروفورد؟".
" لا أعرف , لم يترك لي كروفورد مجالا لأكتشف الحب , ألتقينا في حفلة وقبل نهايتها تقدم بطلب يدي للزواج . كان دائما متسرعا ويتبع أهواءه , كلما أعجبه شيء , كان يصر على أقتنائه".
" وهل كنت أنت ذلك الشيء الذي أحبه؟".
" هو كذلك! أليس هذا صحيحا؟ لكن الأمر قد أنتهى كليا الآن!".
" ماذا تقصدين , أن الأمر قد أنتهى؟".
سألتها ساندي في صوت خافت بعد أن صدمت من حقيقة تغيير عواطف أبنة خالها بهذه السرعة , ثم أستفسرتها:
" ألا تشتاقين ألى كروفورد وتحسين بالفراغ لفقدانه؟".
" كلا , لا أشتاقه بعد اليوم, أظن أن تنبؤات نان ستتحقق , لقد وجدت شخصا مختلفا عن كروفورد هنا , ولهذا سأبقى , أنه متعقل ولا يتهور مثل كروفورد , كثير التفكير والحيطة , متأن وحذر , علي أن أقنعه أن الزواج هو الصواب لكلينا , أقناعه يحتاج للوقت , ربما سيأخذ ذلك مني فترة الصيف".
كانت مرتا تتكلم ببطء وجدية على غير عادتها , شعرها الأحمر الذهبي تدلّت خصلاته الى الأمام وعلى وجهها حين مالت برأسها الى أسفل , ألتقطت بيدها خشبة صغيرة ورسمت على الرمال حرف(ل) حدقت ساندي في الرمال , ولما تبينت بوضوح الحرف سرت قشعريرة في جسمها وأجفلت, أن حرف(ل) يعود الى ليماند , وحسب رأي نان ليماند يختلف كثيرا عن كروفورد في كل شيء ما عدا الشكل الخارجي , أرادت ساندي أن تستوضح الأسم بالكامل للحرف ولكن أبنة خالها كانت مشغولة بالأولاد , لقد أسترعى أنتباهها صراخ الأبتهاج الصادر عن لورنا وأيوان , ركض الولدان عبر الرمال بأتجاه شخص قادم نحوهما , كان طويلا وشعره أحمر , قدم من المنزل الكبير وتصحبة سيدة طويلة ترتدي ثيابا أنيقة جدا.
" هذا هو بيل لندسي".
قالت مرتا تخاطب ساندي:
" ومعه أخته هيلين هي طبيبة وصلت لتوها ما أميركا الجنوبية حيث كانت تعمل مع مؤسسة الأمم المتحدة , أود أن تتعرفي الى بيل , أظنك ستحبينه , وأنا أود التعرف الى أخته هيلين".
راقبت ساندي الرجل الطويل يرفع لورنا بين يديه ثم يمد يده بعد ذلك الى ايوان , وعلى مسافة قصيرة وقف ديرميد ذليلا وقد أكتسى وجهه بالحزن , مسكين ديرميد الصغير, في مثل هذه الظروف يفتقد فيها الصغير والده ومحبته وحنانه , لاحظ بيل لندسي وجود ديرميد , ضحك له وناداه :
" أهلا يا ديرميد , أين الماما؟".
وعلى الفور تألق وجهه الصغير بالفرح وأشار بمجرفته الخشبية الى ناحية مرتا , وللفور توجه بيل والأولاد الى مجلس مرتا وساندي , بقيت هيلين تتبع الركب ببطء , كان وجه بيل صبوحا ومرحا طبيعيا كما أنه يمتلىء بالنمش.
" أهلا يا مرتا , أراك تستفيدين من وجود الشمس ما أستطعت".
" الشمس جميلة , أليس كذلك؟ ".
كانت مرتا تتكلم وهي تضحك.
" أظن أن الشمس جاءتنا من الجنوب مع أبنة عمتي ساندي التي حضرت لتبقى معي في دانكريغان ".
تبادلت ساندي التحيات الشكلية مع بيل , أما هيلين فنظرت الى مرتا بدهشة ثم سألتها بترفع:
" دانكريغان؟ قلت أنك تعيشين في دانكريغان!".
" نعم , أنا مرتا كالدويل , أعيش مع شقيق زوجي ليماند هناك".
" مرتا هي أرملة كروفورد ".
شرح بيل لأخته بهدوء.
وعلى الفور أكتسى وجه هيلين كآبة , لم تحيي مرتا بل نظرت الى شقيقها:
" علينا أن نعود الى المنزل , والدتي تنتظر لترى الأولاد!".
دارت هيلين على أعقابها ومشت عائدة الى المنزل وتركت خلفها صمتا غريبا ودهشة , مشت بليلقة فطرية ورأس مرفوع وكتفين مشدودين , أما بيل فقد أرتبك ولم يعرف كيف يعتذر , قال:
" هيلين تشعر كالسمكة خارج الماء , هي لا ترغب برؤية هذا المكان بعد أن تغير كثيرا بعد مغادرتها أياه منذ خمس سنين , أعذريني عليّ الرجوع بالأولاد الى المنزل , سأراك في نادي اليخوت ,أنتظرك هناك يا مرتا".
" سأكون هناك في أنتظارك".
مشى بيل الى المنزل مع ولديه , كانا يقفزان حوله بفرح , نظرت مرتا الى ساندي وعلى وجهها أبتسامة مزيفة , قلبت مرتا شفتيها أمتعاضا وهزت كتفيها النحيلين أشارة لعدم الأكتراث, ثم قالت:
" ما هذا الصد!!‍".
حاولت مرتا أن تجد لتصرفات هيلين مبررا , شعرت ساندي أن قطرات الدموع ترقرقت في عيني مرتا من شدة تأثرها , تابعت مرتا قولها :
" لم تحبني! لم أعجبها! ما هو السبب يا ترى؟".
" ربما لأن أسمك كالدويل وربما تعتبر أن الخصومة بين العائلتين ما زالت قائمة".
" ربما ذلك".
مشت مرتا صامتة في عودتها الى دانكريغان , لقد جرحت كرامتها تصرفات هيلين لندسي لها , كان صدّها واضحا للعيان ولم يخف على ساندي.

***************************

القمر شاهد الأحاديث

بقي الطقس مشمسا لعدة أيام , أعتادت ساندي أن تذهب برفقة ديرميد يوميا الى الشاطىء , قبل الطهر وبعده , ساعدت كذلك ديرميد في بعض دروس أولية في السباحة له ولصديقيه الصغيرين , لورنا وأيوان .
أمضت مارتا كذلك , معظم وقتها مع الأولاد على الشاطىء , لم تشاركهم اللعب كما تفعل ساندي ولكنها كانت تمضي الوقت تثرثر مع الأصحاب الذين تعرفت اليهم , أكثر من مرة حضر بيل لندسي الى الشاطىء , بعد أن ينهي عمله اليومي , كان يشاركها مقعدها حيث تجلس على الشاطىء تستمتع بحرارة الشمس وتكتسب سمرة محببة , لم تحضر هيلين ولا مرة معه , ولم يأت بيل على ذكرها.
كانت ساندي تذهب من وقت لآخر الى كريغان وهي قرية صغيرة تقع على ساطىء النهر خلف المنزل من الناحية الثانية للتلة التي يقع الحصن فوقها , أحيانا تذهب برفقة جوني على دراجته.
قرية كريغان ميناء لصيد الأسماك , القرية صغيرة وهي مركز صغير للملاحة , ومنتجع صيفي , رممت معظم أبنيتها لتصبح صالحة للسكن ومعظم بيوتها تقع على جوانب مصب النهر حيث تعكس المياه زرقة السماء وخضرة التلال على ضفتي النهر , كانت الرحلة الى كريغان تسرها.
وقت المد ترى المراكب الشراعية متجمعة عند المصب تحتمي , أشرعتها مختلفة الألوان والأعلام مشرعة تحت أشعة الشمس يداعبها النسيم فترفرف بسلام, وحين الجزر تتضاءل مياه النهر فيصبح كساقية رفيعة تشبه في شكلها الحية الزرقاء , يظهر الطمي على ضفتي النهر فيتغير لونه من الأصفر الذهبي الى البرونزي ثم البني الغامق حسب ما تعكس السماء.
ألتقت ساندي رون كارسون في كريغان , هو أكبر منها بقليل , عيناه زرقاوان وطبيعته ضاحكة مرحة يعمل مهندسا معماريا وشريكا لوالده في عمله, غالبا ما يصحب رون ساندي وجوني للنزهات البحرية في مصب النهر في مركبه الشراعي , لقد أمضت ساندي أول أحد لها في دانكريغان في هذه القرية.
صحت ساندي يوما باكرا لتجد أن الأسبوعين قد شارفا على الأنتهاء , شعرت بوخز الضمير وهي تتذكر أنها للآن لم تتوصل الى أي نتيجة في مهمتها الموكلة اليها , لم تتوصل لمساعدة مرتا في أقناع ليماند كي يتكفل بتعليم ديرميد ... وكذلك لم تعرف أي شيء بعد عن تاريخ دانكريغان , كل ما فعلته أنها أمضت عطلة ممتعة كانت تسرح وتمرح على حساب شقيق زوج أبنة خالها , قفزت من فراشها يخالجها شعور بالذنب.
الساعة السادسة صباحا , ستجد ليماند يتناول طعامه في المطبخ قبل أن يبدأ يومه بالعمل في أملاكه , أنه مراوغ كبير ويعرف كيف يتملص من وعوده , أنها تلتقيه دائما وقت الطعام ولكنه لم يحدثها بشأن ديرميد أبدا, كان يتناول طعامه صامتا ثم يعتذر ليذهب الى مكتبه حيث ينكب على أكداس الورق أمامه , أو يخرج لمراقبة مشروع جديد ينفذ في أملاكه , صمته وتحفظه أيضا , لم يسهلا على مرتا مهمتها في أجتذابه والتأثير عليه , كي يقدم لأبنها المساعدات ,أو..... لبست بنطلونها الجينز وتذكرت حوف(ل) الذي رسمته مرتا فوق الرمال , عبست , هل صحيح أن مرتا ترغب في الأستقرار في دانكريغان وتحاول أجتذاب ليماند ؟ هل هو غايتها لتتزوج به؟ كانت تلاحظهما سوية , كان ليماند يشمئز من حركات مرتا الوقحة لأجتذابه , هو غريب الأطوار ولا يمكن لأحد أن يقرأ ما يجول تحت القناع الذي يلف به وجهه الجميل , لا أحد يستطيع معرفة ما يرى في عينيه السوداوين , نظراته مبهمة وباردة , دائما ينقل بصره بينهما هي ومرتا متفحصا ويستخلص لنفسه ما يشاء عنهما.
مشطت ساندي شعرها بالفرشاة, نظرت في المرآة لتطمئن الى شكلها , أنها جميلة وخداها ورديان وفمها واسع قليلا مع أمتلاء في شفتيها , أنفها مروس وعيناها رماديتان , قفزت من غرفتها الى الدرج , كانت الساعة القديمة تشير الى السادسة والنصف صباحا.
دخلت المطبخ , سرت لأن ليماند ما زال يجلس لوحده , أمامه الشاي ويطالع مجلة وهو عابس , نظرت ساندي حولها , لم تر نان , جوني ما زال يحلب البقرات , أن فارس دانكريغان لها وحدها الآن , دقّت ساعة العمل.
"صباح الخير".
سلمت عليه مبتسمة , لم تقرر بعد بماذا تناديه.
" أنه يوم آخر جميل".
" صباح الخير".
ثم عاج لمجلته يطالعها وهو يشرب الشاي.
لم تستغرب برودته في أستقبالها , لقد أعتادت ذلك منه , صبت لنفسها بعض الطعام , صدمتها الفوضى الكبيرة التي عمت المطبخ هذا الصباح , لم يكن غطاء الطاولة عليها , كان عليها أن تفتش لتجد لنفسها فنجانا أو ملعقة , من الواضح أن نان غير موجودة.
" أين نان؟".
" أنها مريضة, طلبت اليها أن ترتاح اليوم في فراشها , عليك أن تدبري طعامك بنفسك اليوم , حان الوقت لك ولأبنة خالك أن تكتشفا أن هذا المنزل ليس فندقا أو مدرسة داخلية".
أستغربت ساندي هجومه غير المنتظر , رفضت الوضع , أنه متحامل عليها , قررت أن تبقى هادئة من أجل أهدافها البعيدة معه.
" أعرف أنه ليس نزلا أو فندقا , أنا أساعد نان قدر المستطاع , هل أستطيع اليوم أن أقوم بأعمالها في غيابها؟".
نظر اليها بطرف عين , مال كرسيه الى الوراء وقال:
" أشك بقدرتك على ذلك!".
" هل تظن أن لا حول ولا قوة لي؟".
تبسم من أجابتها وأضفت عليه البسمة جاذبية لا تقاوم , أجابها:
" أوه , كلا! أنا لست متأكدا , يصعب عليّ أن أرى جامعية متخصصة في علم التاريخ تعرف أيضا أدارة منزل في حجم منزلنا , حتى نان تجد صعوبة في الأعمال المنزلية الكثيرة , وهي تقوم بهذا العمل منذ عشرين سنة , لا أرغب في مس شعورك ولكن جهدك لا يحتمل تحضير الغداء والعشاء لنا جميعا , تنظيف المنزل والغسيل والترتيب ثم القيال بأعمال المزرعة الموكلة الى نان...".
كان يكلمها بكبرياء وغطرسة ولا يترك فرصة للسخرية منها ومن مرتا وجهلهما التدبير المنزلي.
" أنت تجهل كليا ما أستطيع أن أفعل , سأقوم بكل أعمال نان اليومية وأكثر وسأبرهن لك م ذلك منذ الآن".
حملق ليماند فيها بعينيه السوداوين , لا تعابير فيهما , نظر الى فنجانه الفارغ , كتم ضحكة كادت تفلت من بين شفتيه , شعرت ساندي ساندي , هل هو يضحك منها؟ ماذا ستفعل أن ضحك عليها!
" أذن , لقد صممت على أدارة أعمال المنزل اليوم , أقبل تحديك , برهني لي أنك تستطيعين القيام بذلك".
دهشت من موقفه وتراجعت قليلا الى الوراء ثم قالت:
" لديّ شرط واحد , أريد أن تسمح لي برؤية مخطوطات والدك التي كتبها في تاريخ دانكريغان , أخبرتني نان أنها في المكتبة , أريد أن تأذن لي بدخول المكتبة للأطلاع عليها".
" كان عليّ أن أعرف أنك لن تقومي بالعمل بدون مقابل".
قال ساخرا ثم حدق بها لحظة , لقد فاجأه طلبها , ثم تابع:
" ما أغرب ما تطلبين؟ يمكنك رؤيتها ولكنني أحذرك أن الفوضى تعم المكتبة , والدي لم يسمح لأحد بدخولها وكذلك لم أهتم أنا أبدا بترتيبها بعده".
" هل لديك فكرة أين أجد المخطوطات؟".
" ربما في جوارير المكتب".
قال ذلك ووقف لفوره , كانت أبتسامته ساخرة تلف وجهه وهو ينظر اليها متعجبا .
" أتفقنا أذن : مقابل دخولك المكتبة وقراءة المخطوطات ستطبخين لنا الغداء والعشاء وتنظفين الصحون والمنزل وتغسلين وتقومين بأعمال نان في المزرعة".
هزت رأسها موافقة , خرج بدون أن يزيد كلمة أخرى , نظرت حولها في المطبخ , هالها قدم الأدوات النحاسية فيه , لا توجد أي تسهيلات كهربائية مما تجده في مطبخ والدتها , تحققت بذاتها المهمة الصعبة التي ألقت بنفسها فيها , لقد وقعت في الفخ الذي نصبه لها ليماند ولهذا السبب وافق سريعا على شرطها , الآن هو يضحك عليها وعلى سذاحتها.

غضبت مما وصلت اليه . صعدت لتتفقد نان , فوجدتها مريضة طريحة الفراش, وجهها شاحب ودوائر سوداء تلف عينيها.
" أنه الصداع , ينتابني دو ريا وعليّ أن أستريح في الفراش".
" لا عليك, لا تهتمي, سأقوم بأعمالك عنك, سأطبخ وأغسل وأفعل كل ما تفعلينه , هل يمكنك مساعدتي وأرشادي ؟ ماذا رتبت من طعام للغداء؟".
أخبرتها نان عن اللحم والخضار للغداء وكذلك للعشاء ثم الشاي في الساعة الخامسة".
طلبت اليها تجميع البيض من قن الدجاج وتعليبه للشحن لليوم التالي .
" جميل منك يا صغيرتي أن تساعدي , أنا أشكرك وكذلك سيشكرك ليماند".
فكرت ساندي بكلامها ثم ذهبت الى غرفة مرتا وأخبرتها بكل ما حصل.
" يا ساندي لقد وقعت في الفخ , لماذا حصل كل ذلك اليوم؟ أنني مدعوة بعد الظهر الى نادي الغولف لألعب ايزفنز في نادي كيركتون, لماذا تخذليني ؟ دعوتك الى دانكريغان لمثل هذه الظروف حيث أخرج ولا ينشغل بالي على ديرميد , لا يتوجب عليك القيام بأعمال نان هنا , يستطيع الشباب تدبير أمورهم لوحدهم في مثل هذه الظروف"
" أظنهم يستطيعون".
تمتمت ساندي وهي ما تزال تتألم من معاملة ليماند لها , لا بد وأنه يراها فتاة ساذجة بسيطة من السهل خداعها وأستغلالها , ثم أكملت حديثها مع مرتا:
" لا أستطيع أن أتراجع الآن , ربما يرسلني ليماند الى بلدي أن لم أفعل ما وعدت به ,وفي أي حال , العمل ليس كثيرا , هو ليوم واحد فقط , ثم أن مساعدتي في تأمين العمل يعطيني شعورا بأنني لست عالة عليه".
" هل ما زلت تشعرين بتأنيب الضمير؟".
" نعم, ماذا لو تطبخين أنت الطعام ؟ ربما بعملك هذا تلفتين نظره اليك".
" أنا! أطبخ في هذا المطبخ العتيق؟ أوه, كلا يا ساندي , أنت وعدت بذلك وأنت تنفذين , أفضل أن ألفت نظره اليّ بطريقة ثانية...".
ضحكت مرتا ضحكة .مبطنة ثم أكملت :
" عليك مباشرة الطبخ الآن والا فلن ينضج الطعام في الثانية عشرة والنصف , موعد الغداء".
أستغرق الطبخ الوقت كله , بالأضافة الى أعمالها المتراكمة كان على ساندي أن ترد على الهاتف بين الحين والآخر مما زاد من أعبائها , تمنت لو بقي لديها المزيد من الوقت لترتيب الطاولة بطريقة أجمل ولترتيب نفسها كذلك, قدمت الطعام في وقته ولكن اللحم ما زال قاسيا ويحتاج للمزيد من الأستواء كذلك حلو المرمالاد ما زال طريا في الوسط ويلزمه المزيد من الطهو , أكل الرجال بدون تذمر , شكرها جوني وقال أنه تمتع بطعام شهي وتمنى عليها أن تطبخ لهم مرة ثانية خلال أقامتها في دانكريغان.
شعر ديرميد بأنه مهمل من الجميع , لم ينتبه اليه أحد , ساندي مشغولة عنه بأعمالها , بدأ يضرب بملعقته صحنه يريد المزيد من الحلوى , نظرت اليه مرتا وطلبت منه أن يصمت , كانت هي مشغولة عنه بالحديث مع ليماند لعلها تجذبه اليها أو تؤثر فيه , لم يرد ديرميد على طلبها بل بدأ يصرخ بصوت عال , نظر اليه ليماند وأمره أن يصمت , وألا يطرده من المطبخ , ذهل ديرميد من الأوامر التي أصدرها اليه عمه , سكت قليلا وحدّق فيه , ولكن ليماند لم يعره أنتباهه , أمسك ديرميد بملعقته ورمى بها عمه وصرخ :
" عمي المرعب , عمي المخيف , أنا أكرهك , لا أعتقد أنك فارس , أنك عمي المرعب".
وقعت الملعقة أرضا ولم تصب ليماند , ساد الصمت , حدق الجميع عندئذ بديرميد , لقد نجح في لفت الأنظار اليه , حدق بهم ثم أنفجر باكيا ومولولا.
" خذيه الى غرفته يا مرتا , لا تجلبيه الى الطعام معنا ألا أذا كنت واثقة من حسن تصرفه".
كان صوت ليماند آمرا , مشت مرتا بدون معارضة لأن ساندي أشارت اليها أن تطيعه.
حملت مرتا أبنها وهو يلبط ويرفص ويصرخ صراخا حادا , صرخ ليماند:
" أهدأ والا ضربتك؟".
سكت ديرميد في الحال وكف عن العراك , حملته مرتا وأستأذنت وهي تقول:
"ليماند , أنه لا يقصد سوءا , هو طفل صغير بريء".
" أعرف ذلك , لكن عليه أن يتعلم كيف يتصرف منذ الآن , هو من آل كالدويل صعب المراس , عليك أن تكوني شديدة في تربيته والا سيصبح مجرما".
حاولت مرتا أن تعترض ولكن ليماند نظر اليها نظرة صارمة , تنهدت وخرجت مع ابنها من الغرفة وبعد دقائق خرج أيضا ليماند وجوني من المطبخ , نظفت ساندي الصحون الوسخوة ورتبت المطبخ , صعدت الى غرفة مرتا لتواسيها , كانت واثقة أنها تبكي لوحدها , مرّت بطريقها الى غرفة ديرميد وتأكدت أنه نائم وقت القيلولة , دخلت غرفة مرتا فوجدتها تجلس على حافة السرير وبيدها منديل تمسح به دموعها من على خديها , رأتها مرتا فسارعت الى القول:
" يا ساندي , مأذا أفعل؟ الأسبوع الماضي كان ديرميد حسن التصرف بعد حضورك , ظننت أنه أنتهى من نوبات الغضب التي تنتابه , أنظري كيف تصرف اليوم, لقد بدأ ليماند يبدي أهتمامه بي ويتحدث اليّ ولم يعد يهملني كالسابق , أشعر أنني عدت الى البداية معه".
" لا أوافقك الرأي , أظن أننا نعرف الآن سبب نوبات الغضب عند ديرميد".
" كيف نعرف! لماذا يفعل ذلك؟ ".
سألتها مرتا بعد أن مسحت دموعها ونظفت أنفها بمنديلها.
" أنه يكره أن يسترعي أنتباهك أحد وخصوصا ليماند , أنا كنت مشغولة عنه ولم أستطع أن أعيره أنتباهي لأنشغالي بأعمال المنزل".
" أظنك على صواب , ولكن متى أتكلم مع ليماند؟ أنا لا أراه الا وقت الطعام, لم أصل بعد الى أي نتيجة معه بشأن ديرميد , هل أستطعت أنت؟".
" لا , تكلمت معه فقط يوم وصلت وقد أخبرتك ما دار بيننا , مرتا , ربما أنت تضيعين وقتك ببقائك هنا".
" أرجوك لا تبدأي حديثك مرة ثانية في هذا الموضوع , يجب عليه أن يساعد ديرميد , الولد يحتاج لأب".
ولم تستطع أكمال جملتها لأنها غصّت بدموعها من جديد.
" بكاؤك لن يفيد , كفي عن البكاء قبل أن تشوهي جمالك وتظهر آثار البكاء على عينيك... عليك أن تخرجي بعد الظهر , متى ستذهبين؟".
طيّبت ساندي خاطرها , لاقت كلمات ساندي أذنا صاغية عند مرتا فتوقفت عن البكاء وتبسمت من وسط الدموع , كأن الشمس ظهرت بعد المطر.
" هل تقصدين أنك سترعين ديرميد أثناء غيابي ؟".
" بالتأكيد , لا أظن أعتنائي به يثقل كاهلي بالأضافة الى أعمالي الأخرى".
" شكرا يا عزيزتي , أقدر لك جميلك , نزلت مرتا عن فراشها وقالت :
" ماذا سألبس؟ سيمر آل ايرفنز بعد ربع ساعة , ليس لديّ الوقت الكافي لأجهز نفسي للخروج".

خرجت مارتا الى نادي الغولف , أكملت ساندي ترتيب المنزل وتنشيف الصحون ثم كنست الأرض ومسحتها قبل أن يستفيق ديرميد من نومه , ولما ناداها ديرميد حملته من غرفته ونزلت به الى المطبخ , كان جوني قد وصل لتوه, قال لها يطلب ودها بأبتسامة عريضة:
" علينا أن نجمع البيض الآن , سأساعدك في هذه المهمة ".
أخذت ساندي ديرميد معها وساعدها في تجميع البيض, كسر عددا منها من كثرة تشنجه وعصبيته , ما زال تحت تأثير مشكلته مع ليماند , فقد ثقته بنفسه , ظنّ أنه سيعاقب على أي خطأ يبدر منه , طمأنته ساندي وأعطته بعضا من لعبه يتسلى بها بينما أكملت هي توضيب البيض في علبة من أجل شحنه في اليوم التالي , رن جرس الهاتف , كانت مرتا تضحك وهي تخبرها أنها مدعوة لتمضية السهرة خارج المنزل وتطلب منها الأعتناء بديرميد والأهتمام به لينام , أكدت لها ساندي أنها ستفعل ما طلبته منها ثم أقفلت السماعة وعادت الى المطبخ , قررت أطعام ديرميد قبل موعد ليماند وصعدت به الى غرفته لينام , ولما حضر ليماند لم يكن العشاء جاهزا , حاول ساندي أن تشرح له الأسباب ألا أنه رمقها بنظرة ساخرة كعادته , لكنه لم يتكلم بل دخل الى مكتبه.
وأخيرا جهز العشاء , حضر الجميع الى المطبخ وأكلوا , كانت ساندي متعبة جدا.
ولما أنتهت من حمام ديرميد وقص القصص عليه , نزلت الى المطبخ لتكمل غسيل الصحون , وجدت جوني قد سبقها الى الجلي .
" شكرا يا جوني , أنت ملاك من السماء".
" ليس كذلك, لقد شرح ليماند تفاصيل غسيل الصحون بعد أن أوكل لي هذه المهمة , هل ترافقينني الى كريغان بعد أن ننتهي؟".
" لا أستطيع, مرتا خارج المنزل , عليّ البقاء مع ديرميد لأن نان مريضة ولا تستطيع رعايته , وأريد أن أدخل المكتبة وأفتش فيها عن مخطوطات تاريخ دانكريغان , لقد سمح لي ليماند بذلك, هل تدلني أين المكتبة؟".
رافقها جوني عبر الممر وفتح بابا قرب السلم الداخلي , دخلا غرفة سقفها مرتفع , تكتنفها الظلمة , أدار جوني النوافذ ليدخل النور , للحال عم الغبار الأسود المكان , ومزقت الستائر أعلاها وتدلت من طرفها وبقيت معلقة ببعض الدوائر الخشبية التي تشدها الى السقف.

" فوضى كبيرة , أليس كذلك؟".
نظرت ساندي فأذا بها ترى صورتها معكوسة في مرآة كبيرة أطارها مطلي بالذهب معلقة فوق المدفأة الأنيقة الى جانبي المدفأة رفوف مليئة بالكتب, لا بد أن تكون هذه الغرفة قاعة الأستقبال الرسمية قبل أن يحولها كافن الى مكتبة يعود تاريخها الى القرن الثامن عشر.
" كيف يمكنهم أن يهملوا مكتبة بهذا الشكل؟".
تعجب ساندي وهي تتفحص الغرفة والكتب المبعثرة حولها هنا وهناك وفي كل مكان.
" الرجل العجوز كنت أناديه عم كافن , كان معتزلا عن الجميع , يغلق على نفسه ويبقى هنا أياما كاملة , كان يكتب تاريخ دانكريغان".
مشت ساندي الى الكتب حيث أكداس الأوراق , الى يمين المكتب صينية فضية عليها زجاجة شراب يحتوي على سائل أصفر , الى شمال المكتب في أطار من الفضة زواج رجل في الأربعين , شعره أسود وعيناه سوداوان , يلبس بدلة ضابط حارس في الجيش الأسكوتلندي , قربه صبية في فستان زفاف أبيض تصغره بعشرين سنة تقريبا , شعرها أسود ولكن عينيها ملونتان وعلى فمها أبتسامة مرحة عابثة.

" ماذا حل به؟ لماذا أعتزل الناس ؟ الأن زوجته ماتت؟".
" نعم , غرقت في مصب النهر".
" غرقت وهي تسبح؟".
" كلا, لم أر هذه الصورة قبل الآن , كانت جميلة جدا , أليس كذلك؟ كانت تصغره بعشرين سنة , أظن أن هناك بعض الحقائق للأشاعات التي راجت حولها".
" ما هذه الأشاعات؟ قل لي يا جوني؟".
توسلت اليه ساندي وهي تشعر أن بعض الغموض بدأ يتكشف لها.
" يوم غرقت كانت في نزهة بحرية برفقة رجل على متن يخته , تقول الأشاعة أنها كانت في سبيل ا لهروب معه الى ايرلندا فقلبت الرياح العاتية اليخت في مصب النهر , عند حدوث المد , ولم ينجوا , ووجدت الجثتان على الشاطىء...".
" أليس لديك شيء أفضل من أن تضجر ساندي بثرثرة محلية؟".
كان صوت ليماند وراءهما , ألتفتا بسرعة نحوه , الشعور بالذنب يلفهما ,كان ليماند واقفا في وسط الغرفة , عابسا , لم يكن ****ا عن سماعه المحادثة التي تناولت والديه.
" رغبت ساندي أن ترى المكتبة ".
قال جوني وقد أحس بالخجل من أخمص قدميه حتى قمة رأسه.
" نان ترغب في رؤيتك , أنه الأجتماع الشهري للمنظمة الريفية اليوم, هي مريضة وترغب اليك أن تحمل أعتذارها عن الغياب بسبب المرض , مع وقائع الجلسة الأخيرة ".
قال ليماند يخاطب جوني بصوت هادىء ومتزن.
" حاضر , أعتذر منك يا ساندي , فالواجب يدعوني".
ضحك جوني ضحكة صفراوية بينما هو حزين لأنه تركها وحدها تحت رحمة ليماند القاسي.
" لم نكن نثرثر , كنت أرغب في معرفة أسباب أعتزال والدك عن العالم وترك كل شيء هنا يتلف ويفسد تدريجيا , كان جوني يخبرني بالقصة الحزينة".
" لكنها لا تهمك بشيء".
" لا أوافقك الرأي, كل ما حصل في الماضي يهمني لأنه يساعدني على فهم الحاضر".
" آه , نسيت, أنت متخصصة في علم التاريخ , تهتمين دائما بالأسباب والنتائج".
قال ساخرا, نظر حوله في الغرفة وقال:
" لم أكن أعرف أن المكتبة على هذه الحالة المتردية , ربما عليّ أن أحرقها جميعها , الأثاث , الكتب , الستائر...".
" أوه , لا أنه أنتهاك للحرمات , الكتب والأثاث يمكن تنظيفها , بعضها له قيمة أثرية كبيرة".
" وهل تظنين ذلك؟ كيف يمكنني أن أعرف قيمتها؟".
" أنا متأكدة مما أقول , لا بد أن أحدا في متحف غلاسكو يستطيع تقييمها لك , أما المفروشات فأي شخص يعرف في الأثاث يساعدك في تقدير القيمة الأثرية للكراسي والمكتبة".
" ولكن , علينا أولا تنظيفها قبل أن نسأل أي شخص".
" أنا أستطيع أن أنظف المكتب وأمسح الغبار عنها وأرتبها".
" أنت مجتهدة ومستعدة دائما لتقديم الخدمات , لم أشكرك لمساعدتك اليوم! كان عملك أفضل مما توقعت".
كان حديثه صادقا , قالت ساندي في نفسها : لا تدعي مديحه يخدعك , ربما قد ينصب لك فخا آخر للمزيد من العمل المرهق, أجابته:
" شكرا , ربما أقتنعت الآن أن المرأة تستطيع أن تقوم بتدبير المنزل الذي هو حقلها منذ بدء الخليقة بالأضافة الى تسلحها بالعلم والمعرفة, فالشهادات الجامعية لا تعيقها في آداء أعمالها المنزلية".
كانت تكلمه برصانة مجابهة الند للند , نظرت الى وجهه , هنك دلائل أنفعالات بادية عليه ولكن عينيه لا تفصحان عن شيء.
" أنت لا تحبينني أليس كذلك؟".
لم يكن لدى ساندي أي جواب حاضر , تذكرت مهمتها الدبلوماسية من أجل ديرميد , قالت مدافعة عن نفسها:
" أنا لا أعرفك حق المعرفة".
" كم أنت حذقة , أنت لا تحبينني , أنا في نظرك لا أحتمل, صلب , وكثير الشكوك".
" من قال لك ذلك؟ أنا ... أعتقد أنك غير راض عني وعن مرتا".
" ما الذي يجعلك تعتقدين ذلك؟".
" طريقتك في معاملتي , دائما تسخر من تصرفاتي وأفكاري , كل ذلك يشير الى أنك تحمل لي روح العداء وعدم الرضى".
" هذا غير صحيح... قولي لي ماذا كنت تنتظرين قبل مجيئك الى هنا؟ مغامرة عاطفية مع شاب أسكوتلندي؟".
" أوه".
تساءلت ساندي في نفسها : لماذا تجد نفسها تتحارب وأياه بالسيوف كلما أجتمعت به , بينما العكس هو طلبها للتفاهم معه على مهمتها بشأن ديرميد :
" لا تكن فظا, أنا لم أنتظر شيئا من هذا القبيل , أنا لست فتاة لا ترى في الرجل سوى...".
" سوى رجولته , أليست هذه هي الكلمة الشائعة؟".
أكمل عنها جملتها:
" أخبريني أذن, كيف ترين الرجال من عليائك؟ هل ترينهم. كما تراهم مرتا؟ مصدرا لتأمين المأكل والمشرب , موطنا للحماية والتأمين ضد المصائب , كبش الفداء للتكفير عن أخطائك؟".


" كلا , كلا , أنهم أناس , أتكلم مع أحدهم في أشياء نشترك في أهتمامنا بها, نتحدث ونتبادل الرأي حولها , نتفاهم , أتمنى أن يراني كما أراه أنسانا سويا".
كانت ساندي تشرح رأيها بالرجل وقد أفزعها ما قاله عن مرتا , أحست ساندي أنه يتفحصها بعينيه السوداوين من أخمص قدميها لجذور شعرها ثم قال:
"ربما يراك بعض الرجال هكذا!".
تمتم وقد ظهر في عينيه وميض من الأعجاب بها , هذه المرة لمحت بريقا في عينيه لم تره من قبل.
" لكنك لا تراني هكذا؟".
سألته وقد شعرت بأرتعاش من جراء نظراته تلك.
" ليس دائما , أنا شخصيا أتمتع بما تقدمه النساء من ميزات , ولكنني لا أهتم بنظرية تكافؤ الجنسين".
" هذا واضح".
أجابته ساندي وقد شعرت بأنها هزمت في جولتها معه , أبتسم وهو يمشي نحو المدفأة بطريقه الى خارج المكتبة.
" هل أستطيع أن أتكلم معك بشأن ديرميد؟".
سألته وهي تتبعه, أستدار بسرعة وأجبرها على التوقف لأنها كانت ستصطدم به :
" هل هذا الموضوع من المصالح المشتركة؟ ماذا عن ديرميد؟".
سألها بتهكم , بدأت ساندي ترتعش قليلا بعد أن وجدت نفسها قريبة جدا منه , خطت خطوة الى الوراء :
" أرجوك لا تسيء الظن به لسوء تصرفه على الغداء اليوم , لقد أختلط عليه الأمر , أنه لا يجد فرقا بينك وبين والده مما جعله مشوشا".
" لماذا؟".
" أنك تشبه والده كثيرا بالشكل ولكنك لا تتصرف معه على هذا الأساس – أي كوالده".
طوى ذراعيه على صدره , ضاقت عيناه السوداوان وهو يفكر:
" معقول".
وافقها ثم أبتسم بعبث , رأت الشبه بينه وبين صورة والدته على المكتب.
" أنه ليس الشخص الوحيد الذي يخلط بيني وبين كروفورد للشبه الكبير بيننا , كنا نلعب هذه اللعبة مرارا".
أختفت البسمة وحل محلها العبوس.
" هل طلبت منك مرتا أن تتكلمي معي بشأنه.. حتى لا أضربه؟".
" كلا .. أنها مهمومة بشأن نوبات غضبه , هي تعرف أنه يحتاج لأب...".
توقفت ساندي عن متابعة كلامها بعد أن رمقها بنظرة شك , ثم أردفت:
" هي ترغب أن يتربى هنا ويذهب الى المدرسة التي درست فيها أنت وكروفورد , زوجها لم يترك لها أي مال , لها راتب تقاعدي ورثته عن والديها ولكنه لا يكفي لسد مصاريف تعليمه".
حدّق فيها كأنه يفكر ويزن ما قالته في عقلها , ثم سألها ببرود:
" هل أنت متأكدة أن هذا كل ما ترغب به مرتا؟".
" نعم".
تذكرت حوارها مع أبنة خالها وحرف(ل) وفكرة زواجها مرة ثانية وأكملت:
" لا ... أنا لست واثقة".
" ظننت ذلك , هل لديك فكرة.. أين هي هذا المساء؟".
" قالت أنها مدعوة للسهرة , ذهبت لتلعب الغولف مع آل ايرفينز في كيركتون بعد الظهر".
" فهمت الآن لماذا طلبت اليك الحضور الى هنا لمساعدتها في رعاية ديرميد , لا أنا ولا جوني نرضى أن نرعى الصغير في غيبتها وكذلك نان مشغولة معظم الأوقات ,بدأت أتحقق من براءة أبنة خالك في التخطيط البعيد المدى , لديها خطط محكمة , أعتقد أن والدي كان يرحب بها , سأتركك لتكملي بحثك عن المخطوطات التاريخية وسأذهب أنا الى حساباتي لأوازنها , أتمنى لك التوفيق في حملة التفتيش, أعلميني رأيك فيها أذا وجدتها".

عادت ساندي الى المكتب لتفتش في جواريره , هناك ثلاثة جوارير محشوة بالملفات والأوراق المغلقة وقد كتب فوقها بخط مرتب , صحيح أن كافن أعتزل الناس وأكثر من الشراب في آخر أيامه, ألا أنه ظل أنسانا خلاقا مبدعا وبقي نظاميا لنهاية أيامه , كل ملف عليه عنوان وأرقام متسلسلة , أول ملف أخرجته كان يحتوي على المقدمة للتاريخ.
زاد حماس ساندي وأخذت أول ملف وصعدت به الى غرفتها , بدأت تقرأ عن جذور المستوطنين الأول في دانكريغان...
في اليوم التالي عادت نان الى عملها المعتاد في تدبير المنزل , بقيت مرتا نائمة صباحا بعد أن تأخرت في سهرتها , ذهبت ساندي مع ديرميد الى الشاطىء قبل الظهر وعادت وقت الغداء , صعدت ساندي مع ديرميد بعد الغداء الى غرفتها لتقرأ المزيد مما كتب كافن , وضعت ديرميد في سريره لينام بعد الطعام , دخلت غرفتها ولكنها لم تنعم بالهدوء لأن مرتا دخلت تشرح لها ما تمتعت به في سهرتها في نادي الغولف.
" أحذري من حضر الى النادي عند وصولي؟".
" لا أعرف".
" بيل لندسي".
تمددت مرتا على السرير ووجهها الى أسفل ورجليها تتأرجحان في الفضاء وهي تقضم تفاحة.
" لأختصر لك القصة , دعاني بيل لعشاء وبعد ذلك أخذني الى بروكفيلد حيث منزله قرب الشاطىء , كم هو فخم وأفضل بكثير من هذا المنزل".
" هل رافقته أخته هيلين للعشاء؟".
" لا , ألتقيتها في المنزل وتصرفت أحسن تصرف أمم والدتها".
ضحكت مرتا ثم أكملت :
" هي ودودة للغاية , لكنها تكلمت كلاما غريبا يا ساندي , قالت أنني سعيدة الحظ لأنني ألتقيت الأخوة كالدويل كل على حدة , ما رأيك بقولها؟".
" ربما كانت تعرفهم في أول عهدها بالشباب , وقد أختلط عليها الشبه بينهما مثل الكثيرين ,كنت أتحدث البارحة مع ليماند, أخبرته أن ديرميد يختلط عليه الأمر لأنه يشبه والده كروفورد وتصرفاته تختلف عنه , أخبرني أنهما كانا يلعبان هذه اللعبة ... كان كل منهما ا يدّعي أنه الآخر ويتمكنان من خداع الناس , أليس هذا ما يفعله التوائم
في أكثر الأحيان؟".
" أظن ذلك , لقد سألتني بعد ذلك أذا ما كنت متأكدة أنني تزوجت كروفورد وليس ليماند .... شعرت كأنها سددت اليّ ضربة خفيفة ما زلت أشعر أنها لا تحبني لأنني من آل كالدويل ... ماذا تقرأين؟".
" مخطوطات تاريخ دانكريغان التي كتبها كافن كالدويل , أنه ممتع , هل تعرفين أن الحصن يعود تاريخه الى العصور المظلمة (476-100 ب م) أي العصور الوسطى , هي آخر معاقل المقاومة ضد الأنكلو –ساكسون في القرن السادس , ربما بناها الملك أوربان الذي حكم مملكة تمتد من جنوب كاليزل الى دمفريز ثم غللوي حتى سنرانرار".
تمتمت مرتا وهي تتساءل:
"متى؟".
" في أيام الملك آرثر الأسطوري ,بعض هذه القصص عن الملك أوربان تشير الى أن مقاومته الأنكلو ساكسون وربما قد أضيفت الى الخرافات".
" صحيح, هل تقصدين الملك آرثر في التمثيلية الغنائية كاميلوت؟".
" نعم , هو الملك نفسه , كان كافن يحاول أن يبرهن صدق نظريته بالتنقيب عن أدلة وقد وجد بعض المصنوعات التي تثبت نظريته ومنها دبوس للزينة من النقش السلتي وكذلك كتلة معدنية , لكنني لا أعرف أين وضعها".
" أسألي نان , ربما تعرف".
وأضافت:
" أنه بربري متوحش , لا أحد يستطيع العيش معه , هل سمعت ما حل بزوجته؟".
" نعم, أخبرني جوني الليلة الماضية القصة الحزينة , هل تظنين أنه حقيقية وأنها كانت في سبيلها الى الهرب مع رجل آخر؟".
" بالطبع حقيقة, لقد أخبرني كروفورد بها".
" هل قال لك سبب هروبها؟".
" لا , لكنني حزرت , لا بد أنها أحبت رجلا آخر , هذا يحصل دائما يا غبية".
" أعتقد أنه يحصل , ولكنها مسؤولة عما حل بالعائلة من بعدها".
كانت تكلم نفسها أكثر ما تكلم مرتا.
" ماذا تقصدين؟".
أستدارا مرتا من الفراش وأستوت على ظهرها , تمطت كأنها قطة مدللة.
" الأسباب والنتائج, هذا هو علم التاريخ , لو لم تغرق ليليا وهي تبحر مع رجل آخر في نزهة , لما أعتزل زوجها الناس وأكثر من الشراب وبالتالي أصبح عصبي المزاج وأختلف مع ولديه وترك بالتالي هذا المنزل يفسد ويبلى تدريجيا".
" هذا فظيع! لو أفكر مثلك بالأسباب والنتائج لما أقدمت على أي عمل , هل تعتقدين أن زوجته مسؤولة عن خلاف العجوز مع كروفورد وطرده من المنزل؟".
" لا أعرف بالضبط ,من الممكن أن طباعه لم تكن لتسوء وكذلك من الممكن أن ليماند وكروفورد كانا قد عاشا بطريقة مختلفة لو بقيا في رعاية والدتهما".
" ربما".
تمتمت مرتا.
" هل تعرفين أسباب الخلاف؟".
" بشكل غامض , كان كروفورد دائما يدافع عن نفسه ويردد أنه مظلوم , يقول أن والده أكتشف أنه أساء التصرف في سنين سابقة قبل أن يترك ليماند المنزل ليعمل في مزارع الغير , غضب والده منه وطرده , أشعر أن ليماند له علاقة بالمسألة ... القصة قديمة وقد حصلت منذ أثنتي عشر سنة تقريا , الأب توفي وكذلك كروفورد ... بقي من آل كالدويل الآن ليماند وديرميد , هل أخبرك ليماند الليلة الماضية عن مستقبل ديرميد؟".
" ليس قبل أن أفتح له الموضوع بنفسي , أخبرته ما ترغبين لأبنك من فرص جيدة من أجل تعليمه , كذلك أخبرته أنك لا تملكين مالا لتعليمه بنفسك".
" جيد , أكملي يا ساندي , ماذا كان جوابه؟ هل قال أنه مستعد لتحمل مصاريف تعليم ديرميد؟".
" لا , سألني فقط أذا كنت واثقة بأنك لا ترغبين في شيء آخر , وأجبته أنني لست واثقة".
ثم نظرت اليها عاتبة :
" لو تبحثين معه مستقبل ديرميد صراحة , أنا لن أبقى هنا طويلا بعد , لقد دعاني ليماند للبقاء أسبوعين فقط وينتهي هذا الموعد الأربعاء المقبل".
" عليك أن تبقي أكثر , يمكنك ذلك ,لن يمانع على ما أعتقد".
" أنا أمانع".
قالت ساندي بحدة., تكدرت مرتا ونفرت الدموع من عينيها , شعرت ساندي بوخز في الضمير وبأنها غير مخلصة.
" ربما لو يعرف ما ترغبين لتوصل الى قرار بهذا الشأن يا مرتا , هل تعليم أبنك هو كل ما ترغبين به من مساعدة؟".
أصرت ساندي أن تعرف.

كانت مرتا شاردة بأفكارها بعيدا كأنها تداعب سرا جميلا في داخلها .
" أرجوك لا تسألي , لن أفصح عن رغبتي الآن , أعتقد أن تلمت عن رغبتي لأي أنسان فسوف لا أنال ما أرغب وأنا لا أريد أن أفشل , هذا شعوري الأكيد".
" نعم".
تنهدت ساندي وقالت :
" أعرف هذا الشعور ... ولكن؟".
" تحملي معي أرجوك , أشكرك لبحثك موضوع ديرميد مع ليماند أعتقد أنك مصيبة بأن سلوك فيليدا قد أثر على التوأم , ربما من أجل ذلك لا يثقن بالنساء , تدل شهرتهما أنهما يهربان من الفتيات بعد أن يقعن في حبهن".
" هل هذا صحيح؟".
" نعم , صحيح, أنا أعرف أن كروفورد كان كذلك قبل أن يلتقيني ".
قامت مرتا ومشت نحو الباب وهي تهز ردفيها.
" كيف تمكنت من منعه من تركك؟".
" أنت تحملين شهادة جامعية ولكنك تجهلين أمور الحياة الأساسية , سوف لا أخبرك كيف , ولكنني نجحت في مهمتي أليس كذلك؟".
" لكنك لم تنجحي مع أخيه".
علقت ساندي هازئة .
" لا لم أفلح بعد ولكن...".
ضحكت مرتا ضحكتها التي تشبه الشمس المشرقة.
" سمعت صوت ديرميد . لقد فاق, لنذهب الى الشاطىء , الحمد لله ما زال الطقس جيدا".
بعد غياب الشمس وقد بدا القمر يتوسط السماء , جلست ساندي في سيارة رون كارسون السبور في طريقها الى كريغان , كان جوني برفقتهما , أوقف رون سيارته بين الطريق العام والشاطىء , صعدوا الى الفندق للقاء بعض الرفاق, لقد رضيت نان أن ترعى ديرميد في غيبتها , قاعة الفندق مليئة وكذلك غرفة الشراب , جماعات يجلسون حول طاولات يحتسون الشراب ويتحدثون.
وسع مكان للقادمين وسط مجموعة من الشباب والشابات يجلسون حول طاولة , تعرفت ساندي اليهم وطلبوا لها بعض الشراب.
همس جوني في أذنها:
" أنظري من يجلس في الزاوية".
كانت مرتا تجلس ضمن مجموعة ومن بينهم بيل لندسي.
" قالت لي أنها قادمة لتحضر السباق".
" أعتقد أن رابح السباق هو بيل لندسي ".
نظر جوني الى رون مخاطبا :
" من هذه المرأة التي تجلس قرب نائب مدير النادي؟".
" أنها هيلين شقيقته, هي....".
ثم توقف رون عن الكلام بعد أن وكزه جوني في كتفه أشارة ليصمت , ثم قدم له المزيد من الشراب , وبعد قليل أكمل رون كلامه في موضوع آخر قائلا:
" هل عرفت الساقية لهذه الليلة؟ أنها صديقتك الشقراء , ربما ستبقى للرقص بعد دوام عملها".
" أتمنى ذلك".
قال جوني وهو مأخوذ بالنظر الى الساقية الشقراء , قرر الجميع الأنتقال الى قاعة القرية للرقص , خاطب روني جوني قائلا:
" لقد أنتهيت مع الساقية الشقراء هذه الليلة , قريبك ليماند قد سبقك اليها".
نظرت ساندي الى البار ,فرأت ليماند يميل الى الشقراء يكلمها, كان يرتدي سترته الرمادية التي أرتداها يوم أستقبل ساندي فوق بنطلون أسود وكنزة سوداء قبتها عالية, بدا هندامه الرسمي المميز في غير مكانه المناسب وسط المصطفين في ثيابهم المختلفة الألوان , فكرت ساندي بالفارس الأسود في السباق.
" أعرف سبب حضوره".
قال جوني وهو ينظر الى الزاوية التي جلست اليها مرتا مع بيل لندسي.
" تستغرب ما ما يمكن أن تفعله المنافسة".
كانت تجلس مرتا تتحدث بروح معنوية عالية بعض القصص , وضعها وسط المجموعة مخزي بنظر ليماند ويحط من قدره وقدر عائلته ,الى الجهة الأخرى جلست هيلين وعيناها الزرقاوان على ليماند وقد أبيض وجهها كأنها ترى شبحا أمامها , أشاحت ساندي بنظرها عن هيلين ولكنها أكتشفت أن ليماند يرقبها هي, حيته بأستحياء , خجلت من نفسها لأن حمرة الخجل قد تسربت الى وجهها بدون أرادتها , هز ليماند رأسه يحييها , وقف رون ومجموعة الشباب عندئذ لمغادرة الفندق في طريقهم الى قاعة الرقص الكبرى في القرية.
وصلت المجموعة الى القاعة , كانت أصوات الموسيقى الصاخبة تسمع من الخارج , دخلوا ونزلوا فورا الى حلبة الرقص على أنغام الروك , الرقص وسيلة تعبير وهروب , يساعد على الأسترخاء والتخلص من التشنجات العضيلية , ينسى الهموم ويساعد على حل المشاكل ...
توقفت الموسيقى , جلست ساندي على كرسي قرب الحائط للأستراحة ,جلس رون قربها بينما وقف جوني أمامهما , مال رون الى الأمام يخاطب جوني وهو يبتسم مكشرا:
" لا تنظر الى المدخل , حضرت الشقراء برفقة ليماند".
" لا يضيع وقته سدى ".
سخر رون وهو ينظر الى جوني:
" يمكنك أن تطلب منه أن يعرفك اليها".
" كيف؟".
سأله جوني بأهتمام بالغ.
" هناك رقصة الفالس التي ستعزف عاجلا أم آجلا , يحق لك أن تقطع على أي أثنين وتراقص مرافقته بدلا منه".
كان رون صادقا , توقفت موسيقى الروك وأستبدلت الفرقة بأخرى تعزف موسقى أسكوتلندية ريفية , كانت أول رقصة أعلنت الفرقة عنها رقصة الفالس , كل من ليس له رفيقة لتراقصه ,يمكنه أن يقطع على أي راقصين ويطلب التبادل مع الراقص.
" أبشر يا عزيزي , ها هي فرصتك الذهبية ".
أعلن رون وهو يضحك :
" تعالي يا ساندي راقصيني".
كان رون يرقص وهو يعلق على كل ما يراه حوله في حلبة الرقص :
" لقد قطع جوني على ليماند ررقصته , أنه يراقص الآن الساقية الشقراء , أظنك سمعت عن السلوك الغريب الذي مارسه ليماند وشقيقه التوأم كروفورد حين كانا يحضران الى قاعة الرقص في السنين السابقة".
" كلا , لم أسمع, قل لي يا رون, أخبرني".
قالت وهي تلهث من كثرة اللف والدوران.
" شقيقتي جين متزوجة الآن وعندها ولدان , قالت لي أنها ذهبت مرة للرقص بصحبة ليماند وعادت الى المنزل بصحبة كروفورد , لكنها لم تعرف أنهما تبادلاها الا بعد أسبوع حين أخبرتها الفتاة التي ذهبت عائدة بصحبة ليماند القصة , كانا يفعلان مثل هذه الحيل دائما , كان لا بد لهما أن يقعا في مشكلة يوما ما".
" أي مشكلة يمكن أن يقعا فيها؟".
" أتهم أحدهما بأنه عبث مع أحدى الفتيات بينما شقيقه التوأم قام بذلك .. أتفهمين ما أعني , عرف والدهما بالأمر ...".
" عن أذنك , هل لي أن أقطع عليك رقصتك يا رون؟".
كان صوت ليماند باردا بدون أبتسامة.
لقد قطع الحديث عنها كذلك , لقد حصل اليوم ما حصل في المكتبة حين كان جوني يخبرها عن فيليدا , دائما ليماند يقطع عليها حبل المعرفة , كانت ساندي تفكر في نفسها.
" من حفر حفرة لأخيه وقع فيها ".
أجابه رون وهو يضحك من الألم.
" سأراك فيما بعد يا ساندي ".
دار يفتش عن فتيات من معارفه كن يجلسن يسترحن ليكمل ثرثرته معهن.
كانت ساندي ترقص بسهولة من رون , أما الآن فالأمر يختلف , لقد وضع ليماند يده على خصرها وأمسك بيدها في حزم شديد , كانت يده باردة قاسية , أرتعشت بين يديه وتشنجت , شعرت أنها لا تعرف الرقص.
" تبدين غير مرتاحة".
" أشعر بدفء هنا من كثرة الأزدحام".
" لنترك الى الخارج نتمشى ونشم هواء لطيفا ".
قادها الى مقعدها حيث أخذت سترتها الصوفية , ترددت ساندي قبل أن تخرج , كانت تفتش عن جوني الذي كان مشغولا كليا بالشقراء التي ما زال يراقصها , وقع نظرها بعد ذلك على رون وقد أنشغل بفتاة في الثامنة عشرة من عمرها , شعرها أسود مجعد , نظرت ساندي الى ليماند الذي كان يراقبها كأنه يقرأ أفكارها على الطريقة الغجرية.
" كل منهما يتمتع برفيقته الجديدة أكثر بكثير من رفقتك أنت".
" هذا غير لائق بك أن تقوله لي".
أعترضت ثم قالت في نفسها : ماذا يعرف عني وعن جاذبيتي وسط معارفي ورفاقي , تذكرت أن رفقتها ممتعة في قاعة المحاضرات أو المناقشات أو الرحلات التعليمية , أما في الحفلات الراقصة فكان رفاقها يفضلون عليها الفتيات الأكثر جمالا والعابثات المستهترات.
" عنيت بقولي مديحا ,ليس ألا , هما يهتمان بالشكل الخارجي وليس في المضمون الداخلي للفتاة , أهتمامهما ينصب فيما تكشف عنه المرأة وليس بما في داخلها , أنت رصينة وبريئة ولن تروقي لهما الليلة ,كل ما يبغيانه الليلة هو المتعة".
" ما أدراك أن ذلك بغيتهما؟".
هز كتفيه وضحك ضحكة قصيرة جذابة وقال:
" أعرف ذلك من خبرتي السابقة منذ أثنتي عشرة سنة عندما كنت أحضر الى قاعة الرقص لهذه الأسباب ... تعالي نتمشى معا في ضوء القمر ونبحث في المصالح المشتركة".
شعرت أنه يسخر منها , نظرت اليه , أعاد اليها النظر بدون أي تعبير , قالت:
" ما هي المصالح المشتركة بيننا ؟".
خالجها شعور غريب هو الشعور نفسه الذي تحسه كلما ألتقته شعور ينبهها الى خطر المشي معه في ضوء القمر.
" مستقبل ديرميد , سعادة مرتا ... لدي بعض الأسئلة ربما تعرفين الأجابة عنها , أريد نصيحتك أيضا في مسألة أخرى , هل تتمشين؟".

**********************

4/ درعه يلين بالعناق

4- درعه يلين بالعناق
حملت ساندي شالها الصوفي ولفت به كتفيها وذهبت برفقة ليماند , أليست هي الرسول بينه وبين مرتا وهذه حجته ليحظى بها لنفسه فترة وجيزة.
خرجا من القاعة المزدحمة بالناس والضجيج الى الجو اللطيف في هدأة الليل تحت ضوء القمر , تمشيا سويا في ممر مرصوف بحجارة الغرانيت , تغطيها أشجار الحور العملاقة , كانت المنازل القريبة المطلية باللون الأبيض تظهر كالأشباح وسط العتمة , النسمات تداعب مياه المصب فتتراقص جذلة , وتظهر التلال المرتفعة خلف المصب تعكس ظلالها المستديرة على صفحة السماء المنارة بضوء القمر .
كانت ليلة مميزة للعشاق , كانت ساندي تفكر حالمة... أعادها الى صوابها الرجل الذي يمشي قربها حين سألها ضاحكا:
" منذ متى تعرف مرتا بيل لندسي؟".
أذن , جوني على صواب , أن المنافسة بينه وبين بيل هي التي حملته الى الخروج من عزلته.
لهذا السبب حضر ليماند الليلة الى كريغان يتتبع أخبار مرتا , ربما سمع أشاعة مفادها أن مرتا تخرج مع بيل وحضر بنفسه يتقصى الحقيقة.
" لا أعرف , تعرفت اليه قبل حضوري الى دانكريغان , كانت برفقة جوني في نادي اليخوت حينما تعرفت ب , ثم أن ديرميد يلعب يوميا مع أولاد بيل على الشاطىء , وأحيانا يحضر هو الى الشاطىء بعد أن يفرغ من عمله ".
أحست غضبه يتصاعد من تأثير حديثها , فأنبرت تدافع عن أبنة خالها تقول :
" لا تهتم للأمر , مرتا تحب أن تحيط نفسها بالعديد من الأصدقاء , أنها أجتماعية وتحب الأختلاط مع الناس...".
" هذا ما لاحظته اليوم , حين رأيتها تذهب برفقة بيل في سيارته ,فوجئت لأنها وجدت أصدقاء من تلك الضاحية".
" أمن أجل الخصومة؟".
" أي خصومة؟".
" أخبرتني نان بأن هناك خصومة عاشت بين عائلتي كالدويل ولندسي في غابر الأزمان , العائلتان تخاصمتا على الأرض أو القطعان ... اليوم أنتهت الخصومة بالتأكيد".
" كان عليّ أن أفطن الى أنك ستكشفين الستار عن القصص البربرية عند جدودي".
قال ذلك وهو يضحك , ثم أكمل:
" الآن نحن لا نتخاصم من أجل الأرض أو القطعان , لقد تمدنا".
" كيف ذلك؟".
" مثلا . هيلين لندسي أحبت شقيقي كروفورد منذ سنين قليلة , العلاقة لم ترق لوالدتها فقتلتها في المهد".
" أوه , وهل رغبت الزواج به؟".
سألت ساندي تستوضح الأمر لأنه يجلو بعض الغموض لديها , ثم قالت:
" لهذا السبب تصرفت هي بغرابة عندما قدم بيل أخته الى مرتا , لقد ظنت هيلين أن مرتا نجحت حيث فشلت هي , ثم يوم رأتك هيلين في النادي كانت تنظر اليك وكأنها ترى شبحا".
" صحيح! لم ألاحظ , كانت دائما تجد صعوبة في التفريق بيني وبين أخي".
" مثل فتيات كثيرات غيرها . أذا كان ما سمعته الليلة صحيحا ".
كانت تضحك منه لتضايقه .
" لقد سمعت قصة جين شقيقة رون كارسون بالتأكيد , حرام جين لم تغفر لنا أبدا".
" الحقيقة أنه عمل غير مهذب ... كيف تقومان بحيل وخدع مثل تلك؟".
" كنا نقصد المزاح وليس الضرر".
قال بهدوء:
" وعندما كبرنا كانت لهذه اللعبة نتائج وخيمة دوت كقرع الطبول".
" لقد نلت أنت اللوم على شيء بغيض فعله شقيقك التوأم كروفورد ".
توقف ليماند عن المشي وأستدار ليواجهها , أمسك بذراعيها وهزها , نظر الى وجهها مستطلعا كان ضوء القمر يغمر وجهها وقد بدا الخوف على محياها , سألها:
" من أخبرك؟".
" لا أحد , رون سمع أشاعة تقول أن أحدكما كان ملاما عن شيء أقترفه الآخر , أعتقد أنك أنت البريء".
قالت ساندي وهي ترتعش.
" وكيف توصلت الى هذا الأستنتاج؟".
قال وقد حاول أن يكبح جماح غضبه , أختفى صوته لكن يده ما زالت ممسكة بذراعها في عنف مما يدل على شدة غضبه وأنفعاله.
" جمعت أثنين مع أثنين".
حاولت أن تفلت من قبضته ولكنها لم تفلح .
" أنت... أنت تؤلمني , أترك ذراعي أرجوك".
تركها في الحال , كانت تسمع أنفاسه تخرج بصعوبة من بين أسنانه وهو ينتهد بغضب.
" هل يمكنك أن تخبريني ماذا تعنين؟".
" أن ما سمعته عن كروفورد من زوجته مرتا , ثم ما سمعته من نان وكذلك ما عرفته عنك خلال أقامتي في منزلك...".
أدار رأسه بسرعة نحوها , ذهل , تسمر في مكانه , ثم قال:
" عليّ أن أكون حذرا فيما أعمل أو أقول خلال أقامتك في دانكريغان , لم أفطن الى أن متخصصة في علم التاريخ يمكنها أن تكون مخبرة , اياك أن تظني أن بأستطاعتك فتح خزانة وأخراج الهياكل العظمية للعائلة من داخلها , اياك أن تجمعي أثنين مع أثنين ثانية , المنطقة مليئة بالثرثارين , عادة يكون جمع أثنين مع أثنين خمسة بدلا من أربعة هنا , بهذه العمليات الحسابية تمكن الناس من أزعاج والدي وسرقة راحة باله , أرجو أن لا تقومي بأقتناص المعلومات عني أو عن شقيقي كروفورد من خلال أقامتك هنا , هل فهمت جيدا ما أقصد؟".
وقفت ساندي مسمرة , شعرت بالغضب يتملكها , لقد عرضت نفسها لأنتقاداته اللاذعة بدون أن تدري ,نسيت كبرياء آل كالدويل التي لا تهزم , أجابته:
" نعم , فهمت ما تقصد , أنني لم أبحث عن معلومات أبدا , ليس بيدي أن افعل أي شيء حيال كلام الناس , الجميع يتكلمون عنك وعن عائلتك أمامي".
" هذا صحيح , يمكنك أن تكفي عن أستنتاجاتك مما تسمعين , ربما معرفة الماضي ضرورية لفهم الحاضر , لكنني أفضل أن أغلق الباب على الماضي , كان عليّ أن أغلق هذا الباب لأنقذ دانكريغان , عملت جهدي لتصبح مزرعة منتجة مزدهرة , همي أن يأتي الجيل الجديد من آل كالدويل يرث أكثر من منزل متهدم وحصن متداع وحقول تغطيها الأعشاب اليابسة وحفنة من الديون , الحزن والبكاء على الماضي لا يفيد والعزلة عن الناس كما فعل والدي , لم تسفر عن أي نتيجة".
" أنا لا أوافقك الرأي , لقد أعطى والدك تاريخا , ربما تفضل أن تحرق المخطوطات مع الكتب والستائر والأثاث ... أوه ليماند , أعرف ما تكابد اليوم, ولكن, ألا تعتقد أنك تأثرت بالماضي فهو الذي جعلك بهذا التفكير , رجل كادح , تعمل لبناء المستقبل بشكل أفضل , لقد تعلمت من أخطاء والدك".
كان يستمع اليها بأهتمام , كلماتها تلاقي أذنا صاغية , وبعد فترة صمت قصيرة قال:
"أنك تهتمين بما أحاول القيام به".
" بالطبع, بالطبع أهتم".
ران صمت آخر, ثم سمعته يضحك:
" أنها المرة الأولى في حياتي , أصطحب معي فتاة نتمشى تحت ضوء القمر وأمضي الوقت أناقشه!ا".
" كان لا لزوم للنقاش لو لم تغضب أنت من أستنتاجي الصحيح أنك أخذت كل اللوم عن أخطاء أرتكبها أخوك , أنا لا أستغرب أنك كنت دائما تستر عن أخطائه وتفخر من عملك هذا , لقد أزعجك كثيرا أن أحدا أكتشف الحقيقة التي كنت وما زلت تخفيها عن الجميع".
" كفى, كفى أرجوك".
" كان مرهقا ,يحاول أن يمسك بذراعها ليجعلها تقف :
" ألا ترين أنك تحطمين أعتقادا راسخا لدي بأنني كنت على صواب في تغطيتي لأخطاء أخي وسكوتي حين كان اللوم يقع عليّ".
" هذا فظيع , كيف يلومونك أنت على أفعال سيئة..؟".
" ماذا تقصدين؟".
كان يحاول أن يسخر:
" كلانا من طينة واحدة , لم يكن أحد يفرق بيننا".
" أعمالكما تساعد على التفريق بينكما ,خبرتك في الحياة تختلف عن خبرته , في السنوات الماضية , هناك أمثلة عديدة تساعد على التفريق بينكما , أنكما تختلفان كليا في طباعكما".
تمنت ساندي أن تسأله ما الذي فعله كروفورد وأتهم هو به , ولكنها خافت أن يتهمها من جديد بأقتناص المعلومات عنه , سكتت.
" ربما".
كان ما يزال ممسكا بذراعها , تعجبت , أنه واقف لا يتحرك , أنه يمعن النظر فيها كأنه يراها للمرة الأولى , وأكمل:
" ولا واحد منا كان يمكن أن يضيع فرصة سانحة مثل هذ...".
تحرك من جموده , أنقض كالنسر على فريسته , عانقها بشدة وكاد يخنقها , حرك ذراعيه ليحيط بها , تراجعت الى الوراء , ركضت بأتجاه النور والموسيقى.
كانت تركض ويدها على فمها , كاد قلبها أن ينفطر , لماذا تركض؟ أنه شعور فطري , الهرب , قبل فوات الأوان , من شخص يستطيع أن ينتصر على قلبها وجسمها معا, شخص أصبح مهما لديها أكثر من أي أنسان في الوجود , أهم اليها من نفسها , وقفت خارج قاعة الرقص تهدىء من روعها , رتبت شعرها بيديها , كانت لا تريد جوني أو رون أن يلحظا عليها أي تغيير في شكلها الخارجي , لهما عينان ثاقبتان وبالتالي يؤولان أشياء عنها , نظرت حولها لترى أذا كان ليماند قد لحق بها ,ثم دخلت قاعة الرقص وكلها أمل في أن تجد جوني أو رون لتحتمي بهما حين يعود ليماند الى القاعة , كان من الصعب العثور عليهما وسط أزدحام الراقصين , ألتقت ساندي فتاة كانت ضمن المجموعة التي تعرفت اليها , مشت اليها وسألتها بأعلى صوتها :
" أين جوني ورون؟".
" خرجا , ذهبا الى كيركتون منذ ربع ساعة , فتشا عنك ولم يجداك , أعتقد جوني أنك ذهبت بصحبة ليماند , قريبه , طلب اليأن أعلمك أنه غادر".
" شكرا جزيلا".
مشت ساندي الى الخارج مرة ثانية , حيث ضوء القمر , أذن لم يلحق بها ليماند , لا تراه , أحتارت ماذا تفعل؟ يمكنها العودة الى دانكريغان لوحدها , يمكنها المشي بمحاذاة الطريق العام ثم عبر التلال في الطرق , أنها لا تعرف طريق التلال , رحلة شاعرية في ليلة مقمرة.
مشت لوحدها لنهاية القرية , مرت بطريقها على الفندق , لقد أطفأ أنواره ويسوده الظلام والهدوء , مرت بعد ذلك بنادي اليخوت وبقية متاجر القرية , أنتهت رحلتها على الطريق العام وعليها أن تمشي عبر التلال.
بدأ القمر رحلته بأتجاه الغرب ومن مركز القمر في السماء قررت أن دانكريغان تقع الى الشرق , كان الممر الذي تسير فيه بأتجاه الجنوب , ظنتأنه ربما ينعطف بعد ذلك شرقا ,مشت , رائحة البحر تصل الى أنفها , والنسيم العليل يداعب شعرها ووجهها , والقمر يعكس أشعته الفضية على محياها , هدوء كبير في المياه, كأن المياه نائمة , ضاق الممر , أصبح المصب الى يمينها , أحست بالأعشاب تلفها , شجيرات شوكية , ربما هي أشجار ورد وشوكها كبير , كانت سترتها الصوفية تعلق بالأشواك , ربما هي القمر خلف الشجيرات , لم تعد تدري أين طريقها , خافت , شعرت بقشعريرة تسري في جسمها وجفاف في حلقها ,شيء خلفها يخشخش, غصن شجرة التوى ثم أنكسر , ما الذي كسره؟ التفتت خلفها , رأت شبحا يقترب منها , صرخت:
" من هناك؟".

" ساندي ؟ الى أين تذهبين؟".
كان صوت ليماند.
أقترب الشبح وتمثل بشرا , عرفته للحال , أنتابتها رعشة قوية , سألها:
" ما الأمر؟".
" أخفتني! لم أسمعك تقترب".
قالت وأسنانها تصطك , بقيت ترتجف ... مشى اليها وأمسك بذراعيها , صرخت:
" لا تلمسني ".
لم يأبه لأعتراضها , جذبها اليه بقوة وضمها الى صدره , وقال:
" لا رغبة لي بأن أخيفك , كنت في الطريق المؤدي الى المنزل , رأيتك تأخذين الطريق المؤدي الى مصب النهر , أهدأي, لا شيء يخيف هنا...".
الدفء في جسده وقبضته القوية تحتويها وضحكته المكتومة في صوته وهو يهدىء من روعها , كل هذه أجتمعت لتعطيها الطمأنينة , وتدريجيا هدأ روعها وسكنت ولم تعد ترتجف.
" سأرافقك الى المنزل في دانكريغان , لقد أخذت طريقا خطأ , هذه الطريق توصلك الى الرمال , الآن وقت المد والرمال لن ترحمك".
كانت ساندي تتمتع براحة وهو يضمها اليه , تحس دفء جسمه وقوته ولكنها تحركت تحاول الأفلات منه , وللفور تركها وقال:
" هل أنت أحسن؟".
" نعم, شكرا , لا أعرف ما الذي حصل لي , عادة لا أخف!".
" أنت لست معتادة على أن تكوني لوحدك في الريف وسط الليل , ثم ربما ضوء القمر جعل خيالك يجنح بعيدا وتخيلاتك صورت لك أشياء غريبة".
" صحيح, كيف عرفت؟".
" أنك لست الوحيدة التي حصل لها ما حصل لك في ضوء القمر , نان تقول أنها غريزة البقاء تنبهك عند أقتراب الخطر اليك , هذا صحيح , الرمال خطيرة هنا وربما أبتلعتك!".
"رمال متحركة".
كادت تصرخ من الخوف , لقد وقف شعر رأسها من الفزع.
" هل تستطيعين العودة معي في الطريق الصحيح؟".
" نعم , نعم , شكرا, هذه هي المرة الثانية التي تنقذني فيها من الخطر".
" صحيح؟".
" نعم , هل تذكر يوم أقفلت باب الحصن علي؟".
" تذكرت".
مشيا الى القرية سوية , قال ليماند يحدثها:
" أعتقد أن جوني ورون قد تركا قاعة الرقص حين عدت اليها".
" نعم , ذهبا الى كيركتون , ولهذا السبب حاولت العودة لوحدي".
" ليس من المستحسن أن تعودي لوحدك في طريق لا تعرفينها جيدا, كيف يمكن لفتاة مثلك , تعتمد على نفسها , مقتدرة , تتمتع بالحرية ,أن تخاف بهذه السهولة! هل خفت أيضا من عناقي؟ ألهذا ركضت؟ ".
صوته هادىء ومتين.
" لا ".
كانت تكذب .
" لم يعجبني تصرفك ولم أرحب بفكرتك التي مفادها أن بأستطاعتك عناقي متى رغبت, لماذا فعلت ذلك؟".
" لقد قلت لك أنها فرصة سانحة لا تعوض , لقد حان الوقت لتجدي رجلا يعاملك كأمرأة وليس كشخص لا جنس معين له , حسب أعتقادك بنفسك, أنت ترتدين اليوم ثوبا وهذا يليق بك أكثر من البنطلون".
لقد أغضبها أنتقاده , ولكنها فضلت الصمت لأن أمامها تلة عليها صعودها , كان القمر خلفهما ينير لهما الطريق , ظلهما يمش أمامهما.
" ما أجمل شكل القمر , كيف ينام على ضفة النهر...".
كان ليماند يتلو شعرا قد حفظه , تعجبت, قال
" لقد نسيت بقية أبياته , أنت أقرب مني الى أيام الدراسة ,هل قرأت تاجر البندقية ؟ هل تذكرين بقية الأبيات؟".

" نعم , قرأت التمثيلية في المدرسة وأذكر المنظر بين جاسيكا ولورنزو جيدا عندما تقول جيسيكا:
" في هذا الليل
أقسم الشاب لورنزو أنه يحبها كثيرا
لقد سرق قلبها وروحها بوعود الأخلاص والولاء
وليس بينها أبدا واحد صحيح
(شكسبير)
أنتهت ساندي من تلاوة الشعر وضحك هو تقديرا لها وقال:
" لقد فهمت مرادك , أنت تقولين أنك لن تنخدعي بالكلمات المعسولة ولا العناق في ضوء القمر , لا عليك أنت في أمان , لن أقسم لك بأنني أحبك ولكن يجب أن أعانقك مرة ثانية , لتعرفي بنفسك".
تراجعت الى الخلف محاولة الأبتعاد عنه , تحركت حصاة صغيرة تحت كعب حذائها , أختل توازنها , كانت ستقع الى الوراء في حفرة عليق لو لم يسارع ليماند ويمسك بها من خصرها .
" عملية أنقاذ رقم ثلاثة ".
ضحك ساخرا :
" أصبحت عادة مستحكمة , لكنك ترتعشين , لم أقل سأعانقك الآن , قلت مرة ثانية ... أنتبهي الى قدميك ونحن نمشي , لا أرغب لك أن تلوي كاحلك".
لقد تبلل تفكيرها , كل ما تفوه به غير معقول , عودتها مع ليماند في ضوء القمر شيء جديد تختبره للمرة الأولى في حياتها , شعور جديد ضعضع كيانها وتوازنها , لقد تغيرت حتما , هي اليوم غيرها بالأمس , سألها فجأة كأنه ما زال يفكر فيها:
" ماذا ستفعلين بعد أنتهاء عطلة الصيف؟".
" سأعود للجامعة لأكمل تحصيلي العلمي".
" أذن, أنت لا تلعبين دور المثقفة لفترة ما قبل الزواج , أنت حقا مهتمة بالعلم".
" نعم , أحب أن أعمل في دائرة التنقيب في المتحف بعد أن أنتهي من دراستي".
" أليس لديك مشروع لبناء منزل زوجي مع شخص ما ؟".
" ليس بعد, ليس قبل سنين وسنين ... فقط حين ألتقي بالشخص المناسب".
" بالطبع , سيكون لديكما مصالح مشتركة مثل بقايا الفخار القديم , توابيت الموتى....".
وقد برهن لها أن معلوماته في هذا الحقل لا بأس بها , أفضل مما يبديه للآخرين , ثم ...
" أظن أنك لم تلتقيه بعد؟".
فكرت ساندي في ديريك في وجهه الجميل وحاجبيه التي تشبه الأفلام وشعره الأشقر.
" ربما أكون قد ألتقيته , أود أن أتأكد من ذلك مع نهاية الصيف , أنه مسافر الآن".
" بالتأكيد , أنت الآن في فترة تجربة , تقيّمين الوضع بعدها , أذا كان غيابه قد أحزنك وشعرت بفراغ فأنك تحبينه , أما أذا كان العكس فأنك لا تحبينه".
" كيف عرفت ذلك؟".
" هي طريقة أتبعتها بنفسي مرة واحدة".
" هل نفعت؟ ماذا أكتشفت؟".
" أذا كانت الفتاة بعيدة عن العين فهي بالتالي بعيدة عن القلب , أكتشفت أن هناك الألوف من الزهرات الجميلات غيرها ينتظرن من يقطفها".
" وهل قطفت زهرة منها؟".
" نعم, ولكن ليس لتبقى مع دائما!".
" وهل تظن أنك ستجد زهرة لتبقى معك دائما!".
لم تكن ساندي لتجرؤ على مثل هذا السؤال الخاص لولم تكن تحت تأثير سحر ضوء القمر.
" أعتقد أنني وجدتها , ربما أقرر مع نهاية الصيف".
كان يجيبها الآن بمثل جوابها له وهو يضحك ساخرا.
هل يفكر بمرتا؟ كيف لها أن تعرف؟ لو سألته لظن أنها تبحث من جديد عن معلومات خاصة , وسألته:
"ماذا بشأن ديرميد؟ هل ستفعل شيئا لأجله؟".
" هذا ما كنت أرغب في التحدث به معك , ألا أننا خرجنا عن الموضوع الرئيسي... ثم هربت... ما زلت أفكر بالموضوع , علي أن أعرف ماذا ترغب مرتا بالتفصيل؟".
كان يتكلم ببطء شديد , كأنه يتسلى بها .
" لا أعتقد أن عليك الأنتظار لنهاية الصيف , لماذا لا تسألها الآن...؟".
" أسألها؟".
أستدار ليواجهها , توقفا عن السير , خلفه منزل دانكريغان تلفه الأشجار , وأمامه القمر الساطع ووجهها.
" لتتزوجها ".
دفعت اليه بكلماتها مرة واحدة , ثم أكملت:
" أذا تزوجتما تنحل جميع المشاكل , أليس كذلك؟ يمكنك أن تتبنى ديرميد وتربيه على أنه أبنك".
وقف أمامها كالتمثال بدون حراك , وجهه يلمع في ضوء القمر ولكنه خال من أي تعبير سألها:
"هل أنت واثقة من أن هذا ما ترغبه مرتا؟".
" لم تقل ذلك بكلمات واضحة ولكنها لمحت تلميحا يوم كنا سوية على الشاطىء , أخبرتني أنها ترغب في الزواج مرة ثانية وأنها وجدت من يأخذ مكان كروفورد في حياتها , ويكون أبا لديرميد , لقد رسمت لي حرف(ل) على الرمال بأنه المرشح لأن يصبح زوج المستقبل".
كانت تتكلم بسرعة كأنها خائفة منه.

.
سخر منها وقال:
" أنت جمعت أثنين مع أثنين مرة ثانية".
" نعم".
لم يعلق , لكنها لاحظت في عينيه السوداوين علامة عدم الرضى , أستدار من جديد ليصبح في محاذاتها ليمشي قربها في الممر المؤدي الى المنزل .
وصلا الى المدخل الرئيسي حيث الدرحات, الضوء الخافت لا يكاد يضيء أكثر من رقعة صغيرة أمام الباب الرئيسي للمنزل , بدأت ساندي تصعد الدرجات القليلة المؤدية الى الفسحة أمام الباب.
" ساندي , أنتظري لحظة".
قال ليماند , ظنت أنه سيضيف شيئا آخر عن مرتا وزواجه منها , وقفت أمامه منتظرة .
" ساندي هو أسم مختصر لألكسندر ويبدو غريبا لفتاة".
" لكنه بالنسبة الي أختصار لألكسندرا المؤنث".
" أنه يجعلني أتهيب كأني أمام ملكة , رابطة الجأش".
" كأنك أمام الملكة ألكسندرا ".
قالت وهي تضحك :
" أنا أعرف أنه من الممكن أن تظن أي شيء ما عدا أن أكون ملكة لها رباطة جأش وبأس".
" صدقت , رأيي فيك هو أنك طويلة , ذات رجلين نحيلتين , فتاة مغرورة , وللآن لم تعرف نفسها بعد".
" أشكرك , أعتقد أنك أعطيت رأيك بوضوح الليلة , قلت شخص لا جنس معين له , على ما أذكر ".
كانت ترد له الكيل كيلين وتحاوره محاورة الند للند , ولديها رغبة ملحة في أن تتلهى معه خارج المنزل , الليل هادىء والهواء عليل , وقد وجدت في الأخذ والرد معه في الكلام متعة تساعدها على التقارب والتفاهم معه , وجدت أن تخاصمهما الدائم فيه لذة غريبة , شعور لم تألفه من قبل مع أي رجل آخر.
" أذن أسمك ساندي ,دعيني أفكر ما معناه , ربما هو كذلك بالنسبة الى شعرك لأنه بلون الرمال- الرمال الحريرية الصفراء".
رفع يده ولمس شعرها الناعم اللامع فوق جبينها , حبست أنفاسها , شعرت بأحساس غريب يغمرها , بدأت رجلاها ترتجفان , تسمرت مكانها , كانت مصممة على البقاء على هذا الحال لتعرف ما الذي سيحصل بعد ذلك , تحركت يده ولامست جانب وجهها لمسة رقيقة ثم لف بيده ذقنها بلين وحنان , لم تحاول الأفلات , كانت لحظات أرتقاب كأنه ينتظر أن تتراجع الى الوراء , لحظات بمقدار ضربتين من ضربات القلب , ثم أنحنى فوقها وعانقها .

لم تقاوم , كانت طيعة تتبع خطواته الخبيرة في العناق , لف ذراعيه حولها وهي كذلك لفت ذراعيها حوله لتلتصق به أكثر , لدقائق معدودة كل شيء حولهما أختفى , توقف ليماند أولا ولكنه ظل ممسكا بها قريبة اليه.
" عمل جيد من شيء لا جنس معين له , سأصنع منك أمرأة".
أعادا العناق مرة ثانية , كانت تتجاوب مع خلجاته , شعرت كأن بابا مغلقا في داخلها قد فتح لأول مرة , غمرها شعور هائل بالعطاء بدون تردد , يمكنه أن يفعل بها ما يشاء لأنها هي تشاء أيضا.
توقفت سيارة في المدخل الرئيسي , ضوؤها وصوتها لفهما , ترك ليماند ساندي من بين يديه وهو يشتم بصوت منخفض , توقف المحرك وفتح الباب , تمنت ساندي أن لا تكون مرتا هي القادمة مع بيل لندسي .
" ليماند؟ أهذا أنت؟ ".
كان صوت أنثوي رفيع يتكلم بعصبية , كأن القادمة تهاب هذا اللقاء .
" من غيري هنا! هيلين لندسي؟".
كان يخاطبها بلهجة مهينة .
" كنت أتعجب متى تجدين حجة للحضور الى هنا".
كانت ساندي تفتح الباب , أجفلت من لهجته , وكانت متأكدة أن المرأة الأخرى قد أجفلت بدورها من قسوت ملاحظته.
" لقد حصل حادث".
كانت هيلين تخبره وهي خائفة.
" حادث".
رددت ساندي في نفسها , كان كل تفكيرها أن مرتا موجودة في السيارة.
سألها ليماند بصوت جاف:
" وقعت مرتا هذا المساء في منزلنا في بروكفيلد , كسرت رجلها اليمنى , علق كعب حذائها في السجادة , وتزحلقت فوق الأرضية الملمعة , طلب الي بيل الحضور لأخبارك".
قالت ذلك وبقيت تنظر اليه تنتظر أوامره .
" طبعا , لم يكن لمرتا أن تختار مكانا أفضل لكسر رجلها!".
كان يحاول المزاح .
" في منزل جراح للتجبير , أعتقد أن بيل تدارك الأمر وهي الآن في المستشفى تحظى بالعلاج الناجح والعناية الفائقة ".
" مسكينة مرتا".
تأسفت ساندي وهي تفكر بالأم, ثم خيبة الأمل التي تمر بها , ثم سألت هيلين:
" هل هو كسر أم ألتواء؟".
نظرت هيلين اليها أخيرا , كانت تتجاهلها قبل ذلك , هناك صمت , أكتشفت ساندي أن هيلين نسيتها تماما , شرحت لها عن نفسها قائلة:
" أنا أبنة عمة مرتا , ساندي فيليس , أنا أسأل لأن بالي مشغول عليها هل أستطيع زيارتها في المستشفى؟".
" آه , أنت مربية الصبي الصغير , مرتا أخبرتني عنك ".
كانت تتكلم بلهجة متكبرة ومتعالية .
" لا يمكنني أن أخبرك بشأن الكسر لأن صور الأشعة لم تظهر بعد, حين تركت المستشفى , عليك الأستفسار بنفسك عن مواعيد الزيارات".
قالت ذلك وأستدارت ناحية ليماند كأنها تصرفها , بالتأكيد لا وقت لديها لمربية تافهة تسمح لنفسها أن تكون في مشهد غرامي بين ذراعي كالدويل صاحب دانكريغان , وسألت:
" ليماند , أريد أن أحادثك بشيء هام يخصنا".
" الوقت متأخر وعلي القيام باكرا لأعمال هامة".
بدأ يتحرك , شعرت ساندي أنه يرفضها ويتملص منها .
" أرجوك يا ليماند ".
لهجتها المترفعة قد تغيرت بما يشبه التمني والترجي .
" لم نتقابل منذ فترة طويلة , كنت دائما أفكر فيك , وأريد أن أعترف لك بخطأي , كنت غبية ومغفلة , لقد صدقت كروفورد حين قال لي أنت..".
" هيلين , ليس هذا لا المكان ولا الزمان المناسب لهذه الأحاديث".
" بل... قل...".
لم تكمل حديثها , بل نظرت الى ساندي , أحست ساندي أن عليها الأنصراف.
" مساء الخير".
قالت ساندي قبل أن تدخل المنزل , أغلقت الباب خلفها , صعدت السلالم بهدوء , وهي تشعر بثقل غريب في قلبها , لحظات العناق مع ليماند في ضوء القمر قد أنتهت , أنقطعت بوصول هيلين؟
أرتجفت ساندي قليلا , ليس من البرد والخوف بل من خيبة الأمل , هرعت الى غرفتها دخلت فراشها , بدأت تفكر في مرتا , كم من الوقت يستغرق شفاء الكسر؟ ستة أسابيع على الأقل , عليها الأعتناء بديرميد لحين شفائها , ربما تأخذ الصبي معها الى هامشير الأربعاء المقبل , موعد سفرها بعد أن تنتهي ضيافتها التي حددها ليماند بأسبوعين , ستقترح هذا الحل على أبنة خالها غدا عندما تزورها في المستشفى.
ربما لا يسمح ليماند لها بأخذ ديرميد بعيدا عن دانكريغان , ذلك يتوقف على ليماند وكيف سيتصرف بعد أن أخبرته برغبة مرتا في الزواج منه , لقد تفاجأ حين أخبرته , لكنها مقتنعة في قرارة نفسها بأن ليماند متعلق بأبنة خالها في سره , ومن أجلها حضر الى كريغان ثم لحق بها الى قاعة الرقص ليسألها أسئلة تتعلق بصدامة مرتا وبيل لندسي لأن لندسي كما قال جوني هو منافسه الى قلب مرتا , وهي تعرف مرتا جيدا ولا تستغرب أن تكون هي التي دبرت هذه الخطة لتحرض ليماند ليتحرك ويتصرف.
كل شيء آخر حصل هو من تأثير ضوء لبقمر عليها ولا يعني لها شيئا , عناق الفتاة التي مشى معها الى منزلها , قبل وداعها الى النوم , شيء طبيعي بالنسبة الى ليماند , هو يفعله مع كل فتاة يخرج معها كجزء من المرح المنتظر بعد الرقص في القرية , لو لم تكن هي معه الكانت الساقية الشقراء ... لقد تأكد لها بالبرهان القاطع أن هناك عاطفة دافئة في داخل الرجل الذي يلبس درعا .
سحر القمر , كل ما حصل معها سببه هذا السحر , ولا شيء خلاف ذلك , أغمضت عينيها وأستسلمت للنوم قبل أن يتمكن منها فارس دانكريغان ويقضي على راحة بالها للأبد.

*************************

5- أنقاذ أم ورطة


أستفاق ديرميد يغني كعادته عندما يستفيق في الصباح , ذهبت اليه ساندي وأخبرته ما حصل لوالدته , تقبل الأنباء بهدوء ثم وضع يده الصغيرة في يدها , وقال:
" ستهتمين بي يا ساندي , أليس كذلك؟".
أخذته الى المطبخ من أجل الفطور, أخبرتها نان أن ليماند قد أتصل بالمستشفى يسأل عن مرتا , أنها علامة حسنة , أن يهتم ليماند في أمر مرتا , مع أنه كان دائما يظهر عكس ذلك.
" كيف حالها؟ ".
سألته ساندي .
" صحتها جيدة , مرتاحة , يمكنك زيارتها بعد الظهر , ليماند يقول أنه سيصحبك مع ديرميد لزيارتها بعد الظهر في سيارته".
" هل يعني ذلك أنك لن تذهبي في نزهة بحرية برفقتي أنا ورون؟".
سأل جوني وهو يجلس في مكانه المعتاد الى الطاولة , شعره بدون تمشيط وعيناه حمراوان أشارة أنه أطال السهرة الليلة الماضية ولم ينم كفايته, كان مكشرا كعادته في ضحكة عريضة.
" يجب أن أزور مرتا مع ديرميد لأطمئن عليها , أعتذر يا جوني ,يمكنك دعوة فتاة أخرى لمرافقتك".
" لا أظن".
ثم غمز لها بعينه أشارة تعني أنه يعرف سرا وقال:
" هل تمتعت بالمسير بصحبة ليماند في ضوء القمر؟ لقد غضب رون قليلا عندما أكتشف أنك تركت المرقص بدون أن تخبريه".
" لم أقصد أن أترك, خرجت لأستنشق بعض الهواء النقي, لقد كان الجو خانقا داخل القاعة من كثرة الأزدحام , لما عدت كنتما قد خرجتما , أظن أن رون وجد صديقة غيري ترافقه".
" لا , ليست صديقة خاصة, هي شيلا غرانت التي عادت ال كيركتون في عطلة قصيرة , دعتنا لزيارتها في منزلها , وأنت أيضا كنت مدعوة معنا , أعتقدنا أن لديك مشاريع أفضل".
وعاد يغمز بعينه مرة ثانية , أحست بحمرة الخجل تعلو وجنتيها ,
" ستبقين فترة أخرى هنا لأن مرتا طريحة الفراش, أليس كذلك؟".
" لا أعرف بعد, هذا يتوقف على دعوتي للبقاء".
" ولكن, من يرعى ديرميد أذا تركت؟".
" والدتك نان".
" لا أعتقد أنها تستطيع , ستذهب الأثنين المقبل لزيارة شقيقتها سكاربورو , منذ أشهر وهي تخطط لهذه الزيارة , لقد أتفق ليماند مع زوجة ويلي برودي لتحضر كل صباح لتساعد في التنظيف والطبخ ولكنها لا تستطيع المبيت هنا , ولا رعاية ديرميد".
" ةأذن , أصطحب ديرميد معي الى هامشير عند عودتي".
قالت نان:
" من المؤسف أن تأخذيه الآن , بعد أن بدأ يعتاد علينا , منزل الصغير هنا , حيث تربى والده , أنا متأكدة أن ديرميد سيطلب منك البقاء لتساعديه".

لم تكن ساندي متأكدة من ذلك , بعد الظهر ,ذهبت الى المستشفى برفقة ليماند , كان كعادته منطويا , قليل الكلام وتصرف كسابق عهده , كأن شيئا لم يحصل بينهما الليلة الماضية... ربما لم يحصل أي شيء , كلها أوهام , بل أحلام , منذ وصلت الى دانكريغان والفارس الأسود ينقذها من أخطار تحيق بها , عليها أن تماشي ليماند وتتصرف هي أيضا كأن لا شيء قد حصل البارحة , لقد حضرت الى دانكريغان من أجل هدفين , أولا تأمين مصاريف تعليم ديرميد , ثانيا زواج مرتا من ليماند .
وجد ليماند مكانا ليوقف سيارته قرب المستشفىه قليلا في السيارة , , طلب من ساندي أن تنتظر ه قليلا في السيارة , عاد بعد خمس دقائق يحمل وردا أحمر ,وعلبة شوكولاتة وعنبا , أنها علامة ثانية حسنة من ليماند , سرت لأعتقادها أن مرتا
أخيرا نجحت في أجتذاب ليماند.
تقع المستشفى في ضاحية كيركتون , نظيفة وهادئة جدا , في الغرفة كانت مرتا مستلقية ورجلها اليمنى معلقة قليلا الى أعلى , تحيط بها الضمادات والأربطة ,وتبدو جميلة للغاية بالرغم من كل ما قاست من تعب وألم , وجهها الشاحب يحيط به شعرها الأحمر اللامع.
فرحت مرتا كثيرا برؤيتهم , رفعت ساندي ديرميد لوالدته لتقبله , ثم أنحنت على مرتا تعانقها , فتحت مرتا ذراعيها لأستقبال ليماند... تردد قبل أن يقترب منها وقبلها على خدها ثم قدم لها باقة الورد الأحمر التي كان يخفيها خلف ظهره حين دخل.
" ما أجملها , كيف عرفت أنني مولعة بالورد الأحمر؟ ".
قربتها من أنفها , شمتها ثم قالت مخاطبة ساندي:
" خذيها وجدي لها مزهرية".
قدمت ساندي العنب كما قدم ديرميد علبة الشوكولاتة , جلس ليماند على كرسي قرب سريرها وحمل ديرميد وأجلسه على ركبتيه , كانت مرتا تثرثر معه , منظر عائلي أليف , أي شخص يدخل الغرفة سيعتقد أنهم أب وأم وأبنهما...
" أنها نعمة, بعد كسر رجلي , أن أحظى بهذا الأهتمام من الجميع؟ أليس سخيفا أن أكسرها؟".
سألتها ساندي:
" كيف كان الكسر؟".
" الكسر فوق الركبة , ولهذا السبب هي مشدودة الى أعلى , قال بيل أن علي البقاء في المستشفى من عشرة الى أسبوعين".
نظرت تخاطب ليماند وقالت:
" أنا آسفة جدا , يجب أن تبقى ساندي هنا فترة أخرى لتعتني بديرميد".
نظرت ساندي الى ليماند , رد عليها بنظرة ساخرة بعد أن ضيّق عينيه قليلا كأنه يفكر أن مرتا قد كسرت رجلها عن سابق تصميم , كي تبقى ساندي فترة أطول في دانكريغان , لكن ساندي أسرعت تقول:
" يمكنني أن آخذ ديرميد معي الى هامشير يوم الأربعاء".
خيّم صمت ثقيل , عبست مرتا , كان ليماند يفكر تفكيرا عميقا , مال بكرسيه الى الوراء ولم ينظر الى أحد.
" لا أريدك أن ترحلي! ".
قال ديرميد :
" لا أريد الذهاب الى هامشير , أريد البقاء هنا لأذهب الى الشاطىء كل يوم وألعب مع لورنا وأيوان!".
" من الواضح أن ديرميد قرر".
كان تعليق ليماند على الموقف برمته , عيناه السوداوان كانتا خاليتان من أي تعبير , ثم نظر الى ساندي وقال:
" ما هو رأيك؟ هل من الممكن أن تبقي في دانكريغان وتهتمي بديرميد لحين شفاء مرتا؟".
" أرجوك يا ساندي , قولي نعم , سأشفى بسرعة أذا تأكدت أن ديرميد قربي وأنت تهتمين به".
لا يمكنها الرفض حتى ولو كان ليماند يعلاض بقاءها , عليها أن تبقى من أجل الصغير فقط.
" نعم , أستطيع".
" هل من شروط جديدة؟".
سألها عن الأتفاقية الجديدة , نظرت في عينيه ورأت ومضة شيطانية سريعة جعلت نبضها يسرع, قالت:
" شرط واحد فقط".
" ما هو؟".
" سأبقى شرط أن تسمح لي بأن أحفر خلف الحصن, وجانب التلة قربه, أفتش عن بقايا أثرية تبرهن أن هناك حصنا قديما في دانكريغان يعود تاريخه الى القرن السادس".
تبادلا النظرات لدقائق كأن لا أحد معهما في الغرفة.
" يمكنك ذلك متى رغبت , ولكن لا تتعمقي كثيرا , ثم لا تحفري مكان المزروعات , عليك الأنتباه الى ديرميد والمساعدة في أعمال المنزل في غياب نان".
" وهل سترحل نان؟".
أستغربت مرتا وتابعت:
" لم أكن أعرف , متى ستعود؟".
" لست متأكدا ".
قال ليماند وأكمل :
" ستبقى مع شقيقتها بضعة أسابيع , لديها النية في مشاركتها في أدارة الأوتيل الذي تملكه أختها".
سألت مرتا مهمومة:
" من سيدير المنزل في دانكريغان في غيابها؟".
" يا زوجة أخي العزيزة لم نتفق بعد على ذلك".
قال هذا ثم وقف ليخرج وتابع:
" مبدئيا السيدة برودي ستعمل بعض الوقت في الصباح , لدي الآن موعد عمل , سأترككما لتثرثرا , سأعود بعد نصف ساعة , سأراك يا ساندي مع ديرميد ف مدخل المستشفى ".
ثم نظر الى مرتا ثم قال:
" أعتني بنفسك , أفعلي كل ما يأمر به الجراح ,هو يعرف ما هو أفضل لك , أراك فيما بعد".

نظرت مرتا الى ساندي مستغربة كل هذا اللطف . . على غير عادة .
" ما الذي غيّره ؟ كم هو لطيف , كدت أظنه زوجي كروفورد , هل لديك تفسيرات لهذا التغيير؟".
قالت ساندي مستغربة:
" ربما لأنني أخبرته عن رغبتك؟".
سألت مرتا:
" ماذا تقصدين؟ أعتقد أنني بعد هذه الحادثة أصبحت لا أفهم بسرعة , وقعت البارحة على مؤخرة رأسي بالأضافة الى الكسر في رجلي ربما هناك شعر بسيط بسيط في رأسي , قال بيل أنه يندمل ببطء , ساندي أن بيل لطيف للغاية , بدأت أعتقد أن الحادثة التي حصلت لي كانت نعمة هبطت عليّ من السماء , ليماند جلب لي الورد وبيل يهتم بي كثيرا .... ماذا قلت له عن رغبتي؟".
" هل تذكرين عندما سألني ليماند ما أذا كنت أكيدة من أنك لا ترغبين شيئا آخر غير تعليم أبنك؟".
" نعم , أذكر...".
" لقد أخبرته أنك ترغبين في الزواج مرة ثانية!".
سألت مرتا:
" كيف كانت ردة الفعل عنده؟".
" لست متأكدة ,لم يقل شيئا , ربما هنا تكمن أسباب تغيره اليوم, أعتقد أنه شغوف بك يا مرتا ويخفي عواطفه عنك لأنك ترملت منذ فترة قصيرة , هو أيضا لا يعرف شعورك نحوه".
حدقت مرتا بها ثم ضحكت ضحكة هستيرية.
" ربما تكونين على صواب".
" أعذريني لأني أخبرته, كنت سأسافر بعد أيام قليلة , ظننت أن أعلامه برغبتك قد يساعده في الأسراع بأتخاذ القرار المناسب ليحل المشكلة المتعلقة بثلاثتكم , هو وأنت وديرميد".
" ربما هذا يساعده على المدى البعيد".
تمتمت مرتا وقد ظهر العبوس على جبينها.
" هل أنت تعبة؟ ".
تعجبت ساندي لماذا أثار حديثها غضب مرتا وكانت تنتظر أن تراها مهللة فرحة لأنها أنتصرت عليه أخيرا , لقد وجدت نقطة ضعفه , لقد تأكدت بما لا يقل الشك, أنه أنسان دافىء يتفاعل مع عواطفه وأحاسيسه كأي رجل عادي , وما تصرفاته القاسية وبروده وعدم أكتراثه سوى أقنعة يختفي خلفها الرجل الحقيقي.
" أنني تعبة قليلا ". تنهدت وتابعت" لقد قال بيل بأنني سأشعر بتعب من جراء الحادث , ناتج عن الألم الذي كابدته ... هل هيلين هي التي أنبأتكم بأنني وقعت؟".
" نعم , كنا قد وصلنا لتونا من مرقص القرية ".
" من؟".
أحست مرتا أن في الجو مغامرة عاطفية.
" أنا وليماند ".
أجتهدت ساندي أن تخفي حمرة الخجل عن وجنتيها حين تذكرت ماذا كانت هي وليماند يفعلان ساعة وصلت هيلين بالخبر .
" آخر مرة رأيته كان في الفندق يشرب برفقة الساقية الشقراء , أذكر أنني قلت وقتها أنه يشبه شقيقه في تصرفه في هذا الحقل أيضا بالأضافة الى الشبه في شكلهما .... ثم تبادل في حلبة الرقص , أليس كذلك؟".
سألت مرتا.
" نعم ,
أجابتها ساندي بصوت خفيض .
" فقط ليسألني عنك , كان قد رآك مع بيل لندسي وأراد أن يعرف مني كيف توصلت لتوطيد هذه الصداقة!".
" أوه , أرجو أن لا تقف الخصومة بيني وبين بيل وتجعل صداقتنا صعبة , أتمنى أن لايعتقد ليماند أن له الحق في أختيار أصدقائي أيضا".
" لا , لا أظن ذلك , أنه فقط يتعجب كيف وجدت أصدقاء من تلك الضاحية , الظاهر أن والدة هيلين في الماضي , لم ترضى عن صداقة قامت بين هيلين وكروفورد , ربما كان هذا هو سبب تصرف هيلين الغريب وصدها لك وتعليقاتها الغريبة".
" تظنين أنها تغار مني لأنني تزوجت كروفورد وفشلت هي".
" هذه هي الحقيقة".
" فكرتك صائبة يا أبنة عمتي الصغيرة , أن هيلين تغار مني لسبب آخر غير هذا السبب".
كان ديرميد يأكل الشوكولاتة لاهيا عنهما , طلبت مرتا الى ساندي أن تأخذها منه قبل أن يأكلها كلها ويمرض , ثم قالت له:
" عزيزي ديرميد الشوكولاتة لي وليست لك!".
بدأ ديرميد في نوبة صراخ وغضب لأن ساندي أخذت منه الشوكولاتة , ودّعت ساندي مرتا بسرعة بعد أن أخذت ديرميد الى الحمام حيث غسلت يديه ووجهه ونزلت به الى المدخل , لم يكن قد حان موعد رجوع ليماند بعد, أخذته وذهبت به الى الحديقة العامة القريبة من المستشفى , حيث لعب قليلا وعادت أدراجها الى مدخل المستشفى , وهي في طريق العودة لمحت ليماند وبقربه هيلين يقطع الشارع عائدا الى المستشفى , أذن , هذا هو موعد العمل , لقد تمت ترتيبات هذا اللقاء بينهما الليلة الماضية.
" هل تأخرت؟".
سألها ليماند , كان يبدو مرحا على غير عادته , مشى قربها , تلفتت حولها لترى أين أختفت هيلين.
" دخلت الى المستشفى ".
كأن ليماند عرف سؤالها بدون أن تسأل .
" ستعمل هنا لنهاية الأسبوع بديلة عن طبيب غائب في أجازة , ستقوم مؤقتا في هذا العمل لحين أن تركز عيادتها الخاصة ,ماذا ترغبين في أن نفعل؟".
" ماذا نفعل؟".
تساءلت ساندي وهي تفكر في نفسها , كيف يمكنه وهو المتكبر الآمر الذي أعتاد أن يفعل ما يريد وعلى الآخرين أن يرضخوا لما يقرر ويرضوا به , هذه هي المرة الأولى التي سألها رأيها .
" لدينا كل بعد الظهر وديرميد معنا , أنا لا عمل ضروري لدي , هل ترغبين في التسوق ؟".
كان يفتعل المرح , أنه ليس من طبعه , لا يستطيع أن يمشي خلفها من متجر الى آخر وهي تتبضع وتشتري , رمقته بطرف عينها , حاولت أن تقيّم مزاجه الجديد , لم تر في عينيه السوداوين أي تعبير يساعدها على الفهم.


" هل تعتقد أن بأستطاعتنا رؤية الركام( بقايا حصن رملي قديم)؟".
سألها بأستغراب كأنه يسمع الكلمة للمرة الأولى:
" ما هو؟".
" هي تربة عالية , ترتفع عن سطح الأرض بضعة أقدام. ذكرها والدك في مخطوطاته التاريخية , وتبعد بعض الأميال من هنا , أنه مكان تاريخي يوم كانت البلاد قسما من المملكة , في هذا المكان كان الملوك الأقدمون يعقدون أجتماعاتهم العامة ويضعون القوانين , أحب أن أراها , أنها من المواقع التاريخية المهمة هنا".
نظر اليها مليا , ضاقت عيناه السوداوان قليلا , ظنت لوهلة وجيزة , انه سيرفض طلبها , ثم تبسّم , وبالتالي ضجك قلبها , وأسرع في ضرباته....
" كان عليّ أن أعرف مسبقا أن التسوق لا يروقك ... نذهب الى الركام الذي قرأت عنه حتى لا تتهمنينني , مرة ثانية , بأنني لا أهتم للماضي".
جلست ساندي في المقعد الأمامي ومعها ديرميد , كانت تتابع المناظر حولها بأهتمام وتراقب وجود تلة من التراب وسط الحقول , بدأ الركام يظهر من بعيد , التلة مرتفعة أكثر مما أنتظرت ... جوانب الركام منحدرة وقمته مسطحة.
أشارت ساندي:
" ها هو الى اليمين".
" يمكننا أن نوقف السيارة بالقرب منه, الطريق خالية من السير".
المكان حولها خال تماما ,كانت أول خطوة خطتها ساندي بجانب الحائط الحجري القديم والذي يشكل طرف الركام , شعرت ساندي بالشعور نفسه الذي أنتابها يوم زارت حصن دانكريغان , كأنها تخطو الى التاريخ , الى العصور الماضية, رائحة أعشاب وأزهار برية , وصوت قبّرة تغني في الهواء النقي , مياه النهر تعلن نغما في أنسيابها , أختفاء ضجيج السير يعزز دقة الحس, حدقت في الركام أمامها , للحظة تخيلت حشدا من الناس قد حضر ليرى ويسمع أصدار الأحكام على كبار المجرمين.
" هنا كانت محكمة العدل في الزمن الماضي".
" أكملي درس التاريخ".
كان ليماند يضايقها , أجفلت, عادت للواقع .
" بالحقيقة أنني أجهل هذا المكان ولكنه مثير , ماذا يمثل لك؟".
" أنه مثل مدهش لبقايا حصن قديم , القسم الأوسط للركام مع القمة السطحية يشكلان القسم الأساسي للحصن , حوله المحكمة وملصق بها منصة الحكم , تحتها الخنادق التي تملأ بالمياه لتحمي الحصن من الهجمات والأعتداءات , لقد أستغرق بناؤها زمنا طويلا أو ربما أستنفد المئات من العمال".
" هل يوجد ما يشبه الركام في حصن دامكريغان؟".
" ليس منظورا ,والدك ومن قبله ماسح أ**** محلي كانا يؤمنان بوجوده , لقد وجد والدك بقايا بعض الآثار التي تؤيد نظريته , ألم يخبرك بما وجد؟".
" كلا , جميع حفرياته تمت بعد رحيلي منذ 12 سنة , أتصالي معه لم يكن على مستوى علمي , لما عدت قبل سنتين ونصف تقريبا كان قد أصيب بنوبة فالج شلته عن الكلام السوي , هل تعرفين ماذا وجد؟".
" دبوس للزينة وكتلة خزفية معدة للصب في أشكال مختلفة".
" أنت ترغبين في المزيد من الحفريات لعلك تعثرين على أدلة جديدة ".
" نعم , لقد وعدني رون كاسون أن يجلب لي صورا فوتوغرافية , أخذت من الجو, للمنطقة كلها , يوم كانت تحت سلطة والده , أذا نظرنا في هذه الصور يمكننا الجزم بوجود أشكال مشابهة للركام والتي تبرهن بدورها على وجود مستوطنين قدماء يعود تاريخهم الى القرن السادس".
" فهمت".
ونظر الى أعلى الركام الذي يرتفع كالبرج .
" لو أعثر على الدبوس والقطعة الخزفية التي وجدهما والدك في حفرياته ؟ هل لديك فكرة أين يمكن أن تكونا؟".
" أنظري مجددا داخل المكتبة , من المؤكد أنهما هناك".
بينما كانت تثرثر مع ليماند , أخذ ديرميد يتجول في المكان لوحده , رأته يقفز بين العشب بأتجاه النهر.
" أنتبه يا ديرميد".
صرخت وركضت لفورها خلفه , أقتربت من ضفة النهر , سمعت صوت المياه تصب من الأعلى ثم شاهدت شلالا صغيرا تتدفق مياهه من علو بضعة أقدام , في بركة صغيرة , اراد ديرميد أن يرى الشلال , تعثر بجذع شجرة ووقع في البركة.
لم تكن المياه عميقة ولكن المياه كانت تلف بعد أنحدارها من الأعلى وتشكل تيارا لا يستطيع الصغير مقاومته , حملت المياه جسمه الصغير وجرفته الى مصب النهر.
" ساندي".
صرخ طالبا مساعدتها , بدون تردد نزلت خلفه في النهر , كانت مياه النهر تصل الى خصرها , تحركت بسرعة نحوه , كان يحرك رجليه كما علمته في درس السباحة سابقا دقائق قليلة ثم وصلت اليه وأمسكت به , كان كتلة مبللة , أحاق بكلتا ذراعيه عنقها , بدأت تسير نحو الضفة ولكنها أنزلقت , وبالتالي فقدت توازنها ,جلست وسط الماء , وجد ديرميد أن الوضع الجديد ليس آمنا , بدأ يصرخ طالبا النجدة , لم تستطع الوقوف من جديد , كلما حاولت النهوض كانت تنزلق من جديد , كان الصغير يعوقها , قالت تطمئنه:
" أمسك بي جيدا يا ديرميد , هذه المرة سننهض".
وبالفعل أستطاعت أن تقف هذه المرة لأن ليماند وصل لنجدتها , أمسك الصغير وحمله , ولدهشتها ذهب ديرميد لتوه الى حضن عمه ولف ذراعيه حول عنقه كأنه شعر أن الأمان لديه , وصل ليماند بالصبي الى الضفة , ثم عاد ليساعد ساندي.
كان شكلها فوضى , خلعت حذاءها لتفرغه من الماء , ثوبها مبلل لنصفه , وشعرها أصابه الملل , أما ليماند فقد حافظ على كامل أناقته المعتاد , خلع حذاءه قبل أن ينزل الى الماء وكذلك خلع سترته ورفع رجلي بنطلونه الى أعلى.

وضع ليماند ديرميد على ركبتيه يخلع عنه ثيابه المبللة ثم خلع ليماند كنزته السوداء وألبسها للصغير , ونظر الى ساندي وقال:
"آسف ليس لدي أي شيء ألبسك اياه".
" أوه , لا يهم , أنا بخير , شكرا لأنقاذي مرة ثانية من الخطر".
" كنت اليوم أنت المنقذة , من حسن حظ ديرميد أنك سريعة الحركة ".
نظر الى ثوبها المبلل , قدميها العاريتين , الى شعرها المبلل وقال:
" أنك تذكريني بأنسنة كنت أعرفها".
" من هيظ".
" تذكرينني بوالدتي ... أنا لا أقصد أنك بالنسبة اليّ تمثلين الأم بحنانك أو أنك تشبهينها شكلا ... أنك سريعة الحركة في المواقف الحرجة , أنك مندفعة بل متهورة , لست أنانية , متحمسة للتاريخ , هي أيضا مثلك مندفعة ومتهورة , لست أنانية , متحمسة للتاريخ ,هي أيضا مثلك وكانت متحمسة جدا للأبحار وقد قادها حماسها للغرق".
" هذه أول مرة تذكرها".
" كنت أنا وأخي كروفورد في العاشرة أو الحادية عشرة من عمرنا لما غرقت , أنني أذكرها جيدا ...".
قام واقفا بعد أن وضع ديرميد على كتفه وأكمل:
" تركت سترتي وحذائي فوق , نلملمها ثم نعود للبيت , لقد تعب الصغير".
في طريق العودة جلس ديرميد على حضن ساندي , الصمت خيم على الجميع , كانت ساندي تفكر وتحلم بالركام ثم بفيلدا والدة ليماند والتي لم تعد شبحا يخيف بل تجسدت أمرأة عاشت بحماس وماتت وهي تتابع حماسها... ثم فكرت في هيلين لندسي ثم في مرتا , أرادت أن تثير ليماند , أخبرته أن الورد الأحمر قد أعجب مرتا كثيرا ., لم يجب بأي كلمة , أكتشفت أنه بدأ أعتزاله من جديد , تعجبت في نفسها كيف رضي أن يأخذها الى الركام , تذكرت ما حدث معهم وقررت أنه سوف لن يأخذها لأي مكان آخر , ضحكت ساخرة من نفسها وقالت:
" من الآن فصاعدا سيبتعد عني لأنني ميالة للوقوع وقد تعب من أنقاذي".
حين وصلت الى المنزل شعرت بسعادة كبيرة , وراحة بال , أنه أمان وراحة , أصرت نان على أن تحمم الصغير بنفسها , طلبت الى ساندي أن تسارع في تغيير ثيابها المبللة , خلال الطعام سردا على نان أخبار مرتا ثم زيارتهما الأثرية للركام , بعد الطعام أخذت ساندي ديرميد لغرفته لينان , نام لفوره , عادت الى المطبخ لتشرب فنجانا من الشاي مع نان , خرج ليماند بعد العشاء , وجوني ما زال في كريغان.
" أخبرني ليماند أنك مسافرة ومن الممكن أن تستقري في سكاربورو وستعملين في فندق شريكة لشقيقتك".
" كانت تصر عليّ في الماضي لم أشأ أن أترك كافن وحده , الآن لا أحد يحتاجني , جوني كبر ويستطيع أن يعتني بنفسه وليماند سيتزوج قريبا ".
سألتها ساندي بلهفة:
" حقا هل هناك فتاة معينة؟".
" لا أحد يعرف ما في داخله , هو كتوم , كوالده , ولا يحب أن يشاركه الآخرون في أسراره , ولكنه لا يستطيع أن يعيش بدون رفقة أمرأة هو هادىء وبارد بالطبع , ولكنه يحمل دما حارا في عروقه , دماء كالدويل ".
فكرت ساندي في وضع نان , هل كانت عشيقة كافن , أنها أيضا تحمل دماء كالدويل في عروقها ومن الطبيعي أن يكون دماء حارا , في صباها ".
" أخبرني ليماند أن والدته كانت تحب الأبحار ومتحمسة له ".
قالت ذلك تجر نان للحديث عن فيليدا.
" هذا صحيح , لقد كنت دائما حاضرة للنزهات , كانت الحياة تدب في عروقها , شجعها كافن على هوايتها في الأبحر وأشترى لها مركبا لهذه الغاية , كانت الأشاعات كثيرة حولها , لأنها تمضي الصيف كله في نادي اليخوت , يوميا مع شلة من أصحابها , تكلم الناس عنها وعن أصحابها من الرجال الذين عرفتهم , لم تكن تأبه أبدا لكلام الناس , كانت متهورة ومندفعة , ولما أشترى ستيوارت لندسي مركبا جديدا وأراد أن يجربه , لم يتقدم لمرافقته في ذلك اليوم غيرها , كانت الرياح شديدة عاتية...".
هل ستيوارت قريب لبيل لندسي؟".
" أنه والده , يمكنك أن تتصوري الفضيحة حين عثر على الجثتين في المصب , كانت الأشاعة التي دارت , أنهما كانا في صدد الهرب سويا , هذا ما كسر قلب كافن".
" هل في الأشاعة شيء من الحقيقة؟".
" من يعرف؟ أنا أعرف فيليدا ولا أظن أن هناك أية صحة لها , فقط هي وستيوارت يعرفان الحقيقة , بموتهم ماتت الحقيقة ...".
ثم قالت:
" ستبقين هنا لترعي ديرميد لحين شفاء مرتا؟".
" نعم".
كانت نان تحرك فنجان قهوة ساندي لتقرأ لها طالعها , سألتها ساندي:
" ماذا ترين في فنجاني؟".
" أرى رجلا أسمر , جميلا , في طريقك , هذا لا يستغرب طالما أنت في هذا المنزل , أرى أمرأة طويلة ليست ابنة خالك...".
" أنها هيلين لندسي....".
خرج الأسم من بين شفتي ساندي بدون سبب معين.
" ما الذي جعلك تفكرين بها ".
نظرت نان اليها بتعجب.
" رأيتها اليوم بعد الظهر في المستشفى , رأيتها تتكلم مع ليماند , هل تعرفينها؟".
" طبعا , لما كانت شابة يافعة كانت تحضر دائما الى هذا المنزل من أجل التوأمين لتلعب معهما , منعها أهلها من القدوم الينا بعد موت فيليدا , كانت تلتقيهما خارج البيت , ولما كبرت سافرت ولم تكن لتعود الا في العطل المدرسية مثلهما , كانت تحضر الى هنا وتسألني أين تجدهما ؟ كأنني أعرف؟ أنهما كالنسران , ولم يسلم أحد من شيطنتهما , سمعت أن هيلين عادت من الخارج وهي التي أخبرت ليماند عن حادث مرتا , ستعود , أنها هنا في مستقبلك , أحذريها , أنها صاحبة مقالب وربما تسبب لك المتاعب".
مر يوم الأحد , تلاه الأثنين , سافرت نان الأثنين الى دمفريز برفقة جوني , من هناك ستستقل القطار الى كارليزل ثم تغير الى قطار آخر يأخذها الى الشاطىء الشرقي , كذلك وصلت الأثنين السيدة برودي من أجل تدبير المنزل في غيابها , الغسيل والتنظيف والطبخ , كانت ساندي متفرغة لرعاية ديرميد صباحا , وفي أثناء قيلولته بعد الغداء , ذهبت ساندي الى خلف الحصن من أجل الحفريات , نظرت حولها متفحصة , لم تر أي شيء يدل على وجود ركام بالقرب من الحصن , عادت الى المنزل ,ولما أستفاق الصغير أخذته معها لجمع البيض وتعليبه , وبعد ذلك ذهبا الى الشاطىء ليلعب مع أيوان ولورنا ليندسي , عادت في الخامسة لتحضر الشاي والعشاء , بعد العشاء أخذها جوني بسيارة ليماند الى كيركتون لزيارة مرتا في المستشفى.
مرت أيام أخرى متشابهة , لم يحصل أي شيء غير طبيعي , في يوم ماطر , وجدت ساندي أن الفرصة سانحة لدخول المكتبة لتفتش عن الدبوس والعجينة الفخارية التي عثر عليهما كافن كالدويل , جلبت لفورها أدوات التظيف من المطبخ وحملت السلم الصغير من خلف الباب وبدأت عملية التنظيف التي وعدت ليماند أن تفعلها قبل أن يطلب خبيرا من المتحف لتقييم الكتب وآخر لتقييم الأثاث , كانت السلم مخربة نوعا ما ولكنها تفي بالحاجة , صعدت السلم وبدأت في الرف العالي الى يسار المدفأة , كانت تأخذ كل كتاب تمسحه من الغبار وتضعه على السلم قرب رجليها , كانت تنوي أن تنظف الرف قبل أعادة الكتب اليه.
معظم الكتب الموجودة تبحث في تاريخ الجيش والحروب , تصفحتها , كانت منهمكة في القراءة حين خاطبها ليماند وهو واقف باباب , أخافه صوته فوقع الكتاب من يدها وأحدث صوتا مكتوما.
سألته:
" ماذا قلت؟".
مشى نحوها ليلتقط الكتاب عن الأرض ويعطيها اياه , منذ خرجا الى الركام , لم تكن تراه , ألا وقت الطعام , عاد لأنعزاله السابق , كان يلبس لباس العمل في الحقول وينتعل جزمة مطاطية , لو كانت نان موجودة لطلبت اليه أن يخلع جزمته قبل أن يترك المطبخ الى داخل المنزل.
" كنت أسألك أذا كان السلم آمنا".
" أعتقد ذلك , لكنني ما زلت بطيئة في عملي ولم أحرز تقدما , ما زلت في الرف الأول , أن جميع الكتب الموجودة ملذة وأنا أحاول أن أتعرف اليها".
" هل تخليت عن الحفريات؟".
" كلا , وجدت من الأفضل أن أنتظر الصور الفوتوغرافية المصورة من الجو , آمل أن يجلبها رون الليلة , كما وعد , من خبرتي السابقة في هذا المجال , الصور تؤكد لي وجود مكان الركام وبالتالي يسهّل عليّ تحديد منطقة الحفريات , دخلت أفتش عن الآثار , وتذكرت أنني وعدتك بتنظيف الكتب".
تمتم قائلا:
" لست مجبرة على هذا العمل".
" أريد ذلك".
شعرت فجأة أنه يراقبها بعينيه السوداوين , تلهت عنه بكتاب من على الرف وبدأت تنظيفه.
سألها ليماند:
"ما هي آخر الأنباء عن مرتا؟".
" أنها تتحسن , لم يسمح لها بيل بمغادرة الفراش بعد , ربما يسمح لها بمغادرة المستشفى في نهاية الأسبوع المقبل , هذا يعتمد على حسن أستعمالها للعكازين , ثم هناك بعض الترتيبات الضرورية , علينا تحضير غرفة نوم لها في الطابق الأرضي , هل تعتقد أن بأستطاعتنا تدبير هذا الأمر؟".

" أعتقد أننا نستطيع تغيير غرفة الطعام الى غرفة نوم لها, أطلبي من جوني مساعدتك لنقل الأثاث اليها ".
أجابها بدون أكتراث ثم رفع يده وأمسك بكتاب من الكتب المكدسة على السلم , أحنى رأسه ليتفحصه, حدقت ساندي بشعره الأسود وهي تقول في نفسها:
" أي لغز هو ليماند ؟".
كان بأمكانه أن يسألها عن مرتا خلال الطعام في الأسبوع الماضي , تعتقد أنه لم يكن يصغي اليها حين حدثته عنها , وسألته وهي تلومه بلطف:
" مرتا تتعجب , لماذا لم تزرها في المستشفى مرة ثانية؟".
" ولماذا أزورها مرة ثانية؟".
أجابها ببرود وهو يتفحص الكتاب .
" أنت تذهبين يوميا ,كل ما ترغبه مرتا , أعرفه منك , ألست المرسال بيننا؟ أليس هذا دورك؟".
هو يذكرها بالأتفاق بينهما , تمنت لو تضربه بكتاب على رأسه, أنه يضايقها , أكمل:
" هل لديك رسالة جديدة لي؟".
نظر اليها بمكر , شعر أنها تضايقت منه .
ردت عليه بغضب:
" أنا ... أنا لا أستطيع الا أن الفت نظرك!".
" لماذا؟ ماذا فعلت؟".
" أنه شيء لم تفعله... يمكنني القول أنك تجهل كيف تغازل أمرأة ".
سألها بمكر وسخرية :
" من عليّ مغازلتها؟".
" مرتا طبعا , لا أستطيع مساعدتك أكثر , لقد أخبرتك عن رغبتها ... البقية عليك , هي مستلقية على ظهرها في الفراس ولا تستطيع حراكا , رجلها مكسورة , أما أنت فتستطيع ....".
توقفت فجأة بعد أن شعرت أنه يراقبها وفي عينيه ضحكة واضحة :
" أكملي , زيديني علما وثقافة , أخبريني ما الذي عليّ القيام به؟".
" تستطيع مثلا أن تزورها".
" لكنك قلت أنها ستعود الى المنزل في نهاية الأسبوع , سأراها حينئذ".
" صحيح , ولكن ألا ترغب في الزواج منها؟".
" أنا لا أذكر أنني قلت سأتزوج منها أو من غيرها".
" لقد قلت لي منذ أيام أنك ربما وجدت زهرة لتبقى معك , كذلك قالت نان أنك ستتزوج قريبا لأنها لا تتصور أنك تعيش هنا لوحدك بدون أمرأة ترافقك درب حياتك...".
" وأنت جمعت كالعادة حساباتك!".
لاحظت أنه تضايق كثيرا لأن خططه للمستقبل قد بحثتها مع نان , وأكمل بغضب شديد:
" أعتقد أن مرتا تدبر خطة تؤمن بها لأبنها ولها مركزا أجتماعيا من زواج ثان , وأنت تفترضين أن أكون أنا الزوج المرتقب".
ثم أعاد الكتاب الى المجموعة , طوى ذراعيه على صدره ونظر اليها , كانت تعابير وجهه تتحداها , نظرت اليه ساندي مستسلمة وعرفت أن رأيه بمرتا لم يتغير , هي بنظره عنيدة , ماكرة ,ووصولية.
" لماذا أذن أهديتها الورد الأحمر؟".
" لا ينقصني التهذيب , هل من اللياقة الأجتماعية أن أزور مريضة في المستشفى ولا أقدم لها بعض الزهور , لو كانت نان أو حتى السيدة برودي لفعلت الشيء نفسه".
ثم أكمل يسألها:
" أعتقد أن مرتا لم تأخذ الورد الأحمر على غير محمله؟".
" أعتقد ... أعتقد أنها فعلت ذلك".
أجابته بهدوء:
" بعد أن نزلت من المستشفى قالت لي أنك تغيرت في معاملتها , أصبحت لطيفا.... ظنتك كروفورد تجلس قربها تحادثها ".
أصبحت تعابير وجهه متسلطة:
" ذكرت لمرتا أنني أخبرتك عن رغبتها في الزواج".
أنخفض صوتها الى تمتمة :
" لا بد وأنك تعتقد الآن أنني غبية؟".
" ليس ذلك فقط بل أنك لا تجيدين جمع أثنين مع أثنين أيضا , لماا لا تكفين عن جمع المعلومات ؟ كفي عن دفعنا الى أدوار لا نرغب بتمثيلها ؟ أنا أعتقد أن الزواج أمر جدي للغاية , زوجة مثل مرتا ستكلفني أموالا باهظة وأنا أدقق في مصروفي لأوازن ميزانيتي , أنها تحب أن تغمر بالهدايا , ترغب في تجديد أثاث المنزل دفعة واحدة ليصبح عصريا , وأنا لست مستعدا لأتكبد مصاريف زوجة مثلها ".
" الزواج يتطلب أكثر من ..... مصاريف".
أنفجرت ساخطة :
" هناك الحب والعشرة مع شخص يعجبك".
" بالطبع ".
أجابها ليماند وهو يضحك :
" يمكنني الحصول على الحب والعشرة بدون رباط زوجي ... أو أنك لا تعرفين ذلك؟".
" لم أعرف في حياتي رجلا مشاكس مثلك".
تضايقت منه كثيرا , أمسكت كتابا لتضربه به , مالت السلم تحتها , تأرجحت في الهواء , أسرع ليماند وأمسك بها قبل أن تسقط الى الأرض , ثقل جسمها المنهار قلب كيانه , أختل توازنه ووقعا أرضا.
حاولت الأفلات من قبضته , لكن ذراعيه أطبقتا عليها بشدة , جذبها اليه ليوشوشها في أذنها قائلا:
" أنقاذ رقم خمسة يا جميلتي الساحرة , هذه المرة كان الخطر أقل , والأنقاذ مثير , ألا أستحق مكافأة لأنني جعلت من نفسي وسادة لك".
أفكاره الجديد جعلت رأيه واضحا فيها , الحب والعيش بدون رباط زوجي يعني أنه يستغلها.
" دعني أذهب".
" ليس الآن , لم تسنح لي فرصة مؤاتية لأجعل منك أمرأة".
" ولا فرصة لك الآن أيضا".
أجابته بغضب وهي تحاول أفلات يديه عن خصرها , ثم أكملت:
" لا أرغب في عناقك".
" أعتقد أنك تريدين ".
قال ذلك وبسرعة أفلت يده عن خصرها وأمسك بوجهها , نظرت اليه شبه مسحورة بينما كان يعانقها.
سمعت ساندي صوتا بالباب , وكذلك سمع ليماند , تركها ونظر الى الباب , وكذلك نظرت هي ...
دفع الباب ببطء , ظهرت خلفه سيدة طويلة أنيقة ترتدي قبعة زرقاء فوق معطف أزرق للمطر , كانت هيلين لندسي بالباب , تجمدت عيناها الزرقاوان وهي تحدق فيهما , يجلسان على الأرض ملتصقين.

************************

6- سأكون لك


أستغربت هيلين وضعهما :
" ماذا تفعلان؟".
" نمسح الغبار عن الكتب وننظفها ".
أجابها ببرود , نهض واقفا وساعد ساندي على الوقوف وأكمل:
" كانت ساندي لتقف على السلم , مالت بها وسقطت".
أصلح وضع السلم المقلوبة وأسندها قرب الحائط قرب رفوف الكتب.
" أهكذا؟".
رفعت هيلين حاجبيها مستغربة , شرعت ساندي تحمل الكتب وترفعهما عن الأرض في محاولة لأخفاء حمرة الخجل عن وجهها , أكملت هيلين:
" قرعت الباب , ولما لم أسمع جوابا , دخلت , ربما كنتما مشغولين فلم تسمعا...".
وقف ليماند يتسلى بالنظر اليها ولم يظهر عليه أثر لقلق أو أضطراب قال:
" ما سبب زيارتك الكريمة اليوم؟ ".
سألها بسخرية :
" لا تقولي أن حادثا آخر قد حصل!".
" لا , لا الحمد لله , مرتا في تحسن سريع , اليم صباحا بدأت تستعمل العكازين , فقط حضرت من أجل ديرميد , أود أن آخذه ليلعب مع لورنا وايوان , بما أن الطقس ماطر ولا مجال للعب على الشاطىء , هذا أذا وافقت يا ليماند".
" ذهاب ديرميد يتعلق بمربيته , رتبي الأمر معها , أعذريني , حان الوقت لأعود لعملي , نبنب مستودعا جديدا , نحاول أتمامه من الداخل , بما أن الطقس ماطر".
" ليماند!".
نادته وهي تتبعه .... سمعت ساندي وقع أقدامهما مبتعدين , أكملت عملية جمع الكتب من على الأرض , عليها أيجاد سلم أمتن قبل أن تكمل عملية التنظيف , خرجت لتفقد ديرميد لأن وقت قليولته شارفت على الأنتهاء , لم تر هيلين ولا ليماند , كان وجهها دافئا , تذكرت تصرفها مع ليماند حين حاول عناقها...
سر ديرميد حين أخبرته بأنه مدعو للعب مع لورنا وايوان , نزلا حيث كانت هيلين تنتظرهما , كانت خارجة من المطبخ لتوها.
" أردت أن أتكلم مع نان , أنها ليست بالمطبخ , هل تعرفين أين هي؟".
" لم يخبرك ليماند؟ لقد ذهبت الى سكاربورو لبضعة أسابيع".
" من يقوم بأعمال المنزل أثناء غيابها؟".
" السيدة برودي تأتي كل صباح".
" وبعد الظهر؟".
" فقط أنا".
" أنت لوحدك مع ليماند؟".
" معنا ديرميد وجوني ".
" هذا عمل طائش يا عزيزتي ".
" لا بديل لدي , مرتا ترغب أن أبقى مع ديرميد هنا فترة بقائها في المستشفى وقد وافق ليماند".
" فهمت , لكن اياك أن تصممي على البقاء هنا الى الأبد".
ثم التفتت الى ديرميد:
" أهلا يا صغيري , هل تأتي معي لتلعب مع لورنا وايوان؟ لديهما ألعاب عديدة , وسنشرب الشاي برفقتهما , ما رأيك؟".
" أذهب معك فقط أذا حضرت ساندي برفقتي ؟".
ثم أمسك بيد ساندي متعلقا بها.
" فكرة جيدة , هل ترغبين في الحضور؟ ".
سألت هيلين ساندي أخيرا, والدتي تستقبل اليوم بعض السيدات لتناول الشاي , يمكنك الأنضمام اليها , أنه تغيير وأفضل من مسح الغبار عن الكتب القديمة والوقوع فم على السلم".
كانت هيلين تشير الى أنها لا تصدق القصة التي شرحها ليماند.
" عليّ أن أسأل جوني أذا كان بأمكانه أن يجمع البيض عني".
" أسرعي , أسأليه ثم غيري بنطلونك وألبسي ثوبا أو تنورة لأن جدتي ستكون في بروكفيلد وهي متحفظة وتحب الشكليات , أنها تصر على أن تحضر النساء لتناول الشاي بأثواب أو تنانير , وتحب مرتا لأنها على حسب تعبيرها( سيدة) ولا أحب أن تخذليها".

أسرعت ساندي تفتش عن جوني , رضي أن يقوم عنها بنهنة جمع البيض, غيرت ملابسها , لبست بلوزة كتانية خضراء اللون , أكمامها طويلة , وقبتها مفتوحة , مع تنورة واسعة خضراء اللون , مشطت شعرها بسرعة , قالت في نفسها:
" كم هي مقرفة , هيلين , ماذا تعني أن بقائي لوحدي مع ليماند ليس عملا حكيما , ثم كيف تطلب مني عدم التفكير بالبقاء هنا لوقت طويل , لا بد أنها تشك في تصرفاتي , بل أنني متأكدة أنها تسيء الظن بي ... أن الوضع الذي رأتني فيه لا يترك مجالا للشك , ثم هناك شهرة آل كالدويل في هذا الميدان بالذات تعزز الظن بي .... يحق لهيلين أن تعتقد أن علاقة غير شريفة تربط بين ليماند والمربية ...".
هذا ظلم فقط أنها فتاة عازبة تعيش لوحدها في منزل ليماند كالدويل ستتعرض لأن يلوك الناس سمعتها وتلاحقها الأشاعات والأقاويل , رمت الفرشاة من يدها , حملت حقيبتها ومشت الى خارج الغرفة.
ركبت مع ديرميد في سيارة هيلين الجديدة في طريقهما الى بروكفيلد .
" أشتريتها البارحة , أنها تشعرني بالأسقلال والحرية , سأدخل شريكة مع الدكتور باركر في كيركتون وسأذهب في نهاية الشهر , عندما كنت أدرس الطب كنت أتمنى أن أعود لأمارس هذه المهنة هنا في منطقتي حيث جذور عائلتي, وأخيرا تحقق حلمي , هل زرت بروكفيلد من قبل؟".
" لا , لكن مرتا أخبرتني أنه منزل فخم".
" هو كذلك , جدي بناه ليتقاعد فيه , كنا نعود اليه في العطل من غلاسكو , وكان جدي شريكا في مصلحة نقليات ناجحة وقد ورث والدي حصته في الشركة , بعد وفاة والدي تولت والدتي مركزه في الشركة وبرهنت عن تصميم وعقل راجح في أمور العمل".
كان المنزل مزودا بأفضل الرياض والأثاث ويحتوي على جميع الأدوات العصرية التي من شأنها أن تجعل السكن مريحا وسهلا , كان المنزل نظيفا ومرتبا للغاية مما يدل على وجود خدمة يومية وصيانة فعلية ولكن ساندي لم تشعر بالدفء والحنان وروح الألفة والمحبة التي أحستها في منزل دانكريغان.
آدا لندسي , والدة هيلين وأرملة ستيوارت , تشبه هيلين ببرودتها ونضارتها , شعرها الرمادي مصفف بتموجات بسيطة وعيناها الزرقاوان فيهما جمود , تلبس تنورة مكسرة وفوقها بلوزة وكنزة من اللون نفسه , بسيطة في أناقتها.
" أنت لا تشبهين مرتا أبدا , أجلبي الصغير الى القاعة ليلتقي حماتي ثم يذهب ليلعب مع لورنا وايوان في غرفة اللعب".
غريس لندسي الجدة , على عكس كنتها آدا , تتميز بروح النكتة , النمش يكسو وجهها مثل حفيدها بيل , عيناها الرماديتان فيهما مكر وذكاء , ربتت غريس على شعر ديرميد الأسود وقالت وهي تتفحصه:
" لم أعتقد أبدا أنني سأعيش لأرى حفيد فيليدا كالدويل مرحبا به في منزلي , هو يشبهها أليس كذلك يا آدا؟".
" ـظن أنه يشبهها , لم أدقق في تقاطيعه بعد , تعال معي يا ديرميد الى غرفة الأولاد ".
قال آدا , أمسك ديرميد بيد ساندي كأنه شعر أن آدا ليست صديقة.
أصر ديرميد:
" تعالي معي يا ساندي".
" سآتي ".
قالت ساندي لآدا :
" أظنه يشعر أنه غريب هنا , سيتحسن عندما يصبح في غرفة اللعب مع لورنا وايوان".
" حسنا , ولكن أرجو أن لا يتعلق بك كثيرا , سيأتي اليوم الذي تعودين فيه الى بلدك , أليس كذلك؟ لا أؤمن أن يترك الولد على هواه ليستطيع تحمل ألم الفراق وخيبات الألم أكثر عندما يكبر".
كانت ساندي تود أن تبدي رأيها في هذه المسألة التربوية ولكنها فضلت أن تصمت , دخلت معه غرفة اللعب , رحب لورنا وايوان أشد الترحيب بديرميد , نسي لفوره تحفظه وأنخرط يلعب معهما , كانت الآنسة دوبي , المربية , معهم في الغرفة , تكلمت ساندي معها قليلا ثم عادت الى غرفة الأستقبال بعد أن أطمأنت الى أن ديرميد يلهو مع لورنا وايوان.
حضرت بعض النسوة للشاي , جلسن يثرثرن , عرفتها هيلين اليهن , جلست ساندي قرب أمرأة متوسطة العمر , قالت:
" ألتقتك ابنتي في فندق كريغان , كنت مع رون كارسون , أخبرتني أنك ضيفة في منزل دانكريغان لرعاية ابن كروفورد الصغير".
أحست ساندي أن كل العيون أجتمعت عليها.
" هذا صحيح".
" كيف تمضين وقتك هناك؟ أخبروني أن المنزل بال قليلا والجميع يقول أن نان كوري لا تحسن تدبير المنزل ".
قالت أحدى النساء الجالسات قربها .
قالت ساندي:
" أحب العيش هناك , المنزل له ميزات وسحر عجيب".
" ربما وصفك هذا ينطبق على مالكه الحالي , أليس كذلكظ".
قالت أمرأة أخرى , وضحك الجميع على تعليقها.
أحمر وجه هيلين ونظرت الى ساندي لترى ردة الفعل لديها .
" كيف هي نان هذه الأيام ؟ لقد تغيّبت عن أجتماع المجلس الريفي الأخير بسبب المرض".
سألت أمرأة في الطرف الآخر من القاعة.
" أنها مسافرة , في سكاربورو , أليس كذلك يا ساندي؟".
أجابت هيلين بالنيابة عنها , تنبه الجميع الى الموضوع الدسم المطروح ورغبن في المزيد من الثرثرة حوله , نظر الجميع الى ساندي , بعضهن بتعجب والبعض الآخر بمكر وخبث , كانت نظرات آدا وما فيها من جمود أكثر ما أرعبها.

للفور أتت غريس لمساعدتها , غيرت موضوع الحديث بلباقة وأنقذتها من ألسنة النساء النساء الثرثارات وقف موضوع منزل دانكريغان ومالكه.
لم تشعر ساندي براحة وهي وسط هؤلاء النسوة , أغتنمت فرصة وقوف بعض النسوة للرحيل ودخلت غرفة اللعب , كان بيل قد وصل لتوه وبدأ يمرح مع الأولاد بصخب, طلبت اليه السماح لها ولديرميد بالرحيل , قال:
" أتركي هيلين مع الزوار , سآخذك بنفسي , وسيذهب الأولاد برفقتي في نزهة صغيرة".
ودعت آدا ساندي على المدخل قائلة:
" عودي مرة ثانية , لم نتحدث بما فيه الكفاية , عودي لزيارتنا متى تشائين , بقاؤك موحش لوحدك في غياب أبنة خالك في المستشفى ".
ثم التفتت الى بيل وقالت:
" ما رأيك لو نهتم بديرميد في غياب مرتا , ثم حين تخرج مرتا من المستشفى تمضي فترة النقاهة هنا , تستطيع أنت رعاية مريضتك وتعود ساندي الى أنكلترا".
" هل ترغبين في العودة الى بيتك؟".
سألها بيل وهو ينظر اليها نظرة ماكرة .
" ليس هناك ضرورة قصوى لذلك , مرتا تعرف أنني سأبقى هنا قدر ما ترغب".
تعجبت ساندي لماذا تصر آدا على رحيلها وقالت:
" أعرف ذلك , لكنني لا أريدك أن تبقي لوحدك في منزل دانكريغان في غياب نان , أظن أنه لم يخطر ببالك أن الناس هنا رجعيون ومحافظون , كل شيء مخالف للعرف يثير الأشاعات , سأتركك .... فكري بما قلته لك , مع السلامة".
وبعد أن ركبت ساندي سيارة بيل سألته بعصبية ظاهرة:
" هل يمكنك أن تخبرني لماذا أمك وبقية النساء بالهن مشغول لأنني أسكن لوحدي في منزل دانكريغان؟".
" ما سمعته مؤخرا من والدتي , هي لا تحبذ بقاءك مع ليماند , محافظة على سمعتك وأخلاقك".
" كنت أعرف أن هذا هو السبب , هذا ليس من العدل بشيء ".
نظر اليها بطرف عينيه , قال بيل بصوت جاف:
"نساء ورجال آل كالدويل معروفون بعلاقاتهم غير الشرعية مع الجنس الآخر".
" تقصد فيليدا كالدويل التي ذهبت في رحلة بحرية مع والدك , لم يتقدم أحد غيرها لمصاحبته في تلك الرحلة المشؤومة , لسوء حظها غرقت معه ... ثم نان كوري عاشت سنين مع كافن تدير منزله".
" تماما , أنت ذكرت الحقائق كما وردت ولم تنظري الى أبعادها وخلفياتها , العديد من الناس ينظرون ما وراء الحقائق ويفضلون ما يثير لعابهم أكثر لينهشوا بألسنتهم , وأذا لم يجدوا ما يثير , يقترحونه , وبسرعة تنتشر الأشاعات وتدور , والكل يقبل بها كحقيقة زاهية مسلم بها , الأشاعات حطمت سمعة أبي وكذلك سمعة فيليدا كالدويل ... لقد أهملت قصة ليماند والتي لم تكن ترتكز على ذرة من الحقيقة".
" كل ما أعرفه أن اللوم وقع عليه لشيء فعله كروفورد ".
قالت ساندي.
" أذن , سمعت هذه الأشاعة أيضا , يستطيع ليماند الآن أن يصحح نظرة الناس اليه ويبيض صفحته".
" هل يمكنك أن تخبرني القصة؟".
سألته وهي واثقة أنها تقتنص معلومات قد منعت عنها .
" أحد التوأمين كان على علاقة غرامية مع سيدة متزوجة , المجتمع مغلق والكل يلاحظ أي شيء من هذا القبيل كما أن المرأة كانت من النوع الذي يتباهى بغرامياته , وزلق لسانها يوما وذكرت اسم ليماند , ودارت الأشاعة وأصبحت حديث المنطقة كلها".
قالت ساندي:
" لقد استعما كروفورد اسم أخيه , يوم كان يلقاها".
" هي ليست الوحيدة التي خدعاها بهذه اللعبة , حتى أختي هيلين لم تسلم من حيلتهما تلك".
" كان على ليماند أن يذكر الحقيقة".
" أعرف, لكنه لم يفعل لأن أحدا لم يطلب منه ذلك , لقد وصمه الناس بهذا العمل الأسود بعد أن غادر المنطقة الى كندا , أعتقد الجميع أنه غادر بسبب تلك الأشاعة , الحقيقة أنه غادر المنطقة بعد مشادات عاصفة مع والده , وأتهمه الناس بالجرم غيابيا".
" أخبرتني نان أن سبب المشاداة مع والده كانت بسبب أدارة مزرعة دانكريغان!".
" أنها على حق , كان ليماند يحب الزراعة وأعمال المزرعة , قال لي مرة أنه يزعجه أن يرى المزرعة تسوء وتبلى من سوء أدارتها , وهو على حق في ذلك , ويعرف بأنه سيرثها يوما ما , كان توقيت المشاداة خطأ , الجميع أعتقد أن والده سمع بعلاقة ابنه الغرامية مع مي برجيز , فطرده من المنزل".
" وكف عرفت أنت أن كروفورد وليس ليماند هو الذي كان على علاقة مع مي برجيز ؟".
" عرفت بها عن طريق الصدفة , قبل سنين قليلة , كنت في نزهة بحرية , نزلت قري صغيرة لأشرب قليلا , كان كروفورد هناك , تكلمت معه , كنت على وشك الخروج حين دخلت مي برجيز مع بعض أصحابها , لم نرها منذ أنتقلت , بعد أفتضاح أمرها , مع زوجها من المنطقة , منذ سنين عديدة , رأت كروفورد وأقتربت منه تحدثه , سألته ماذا فعل منذ مغامرتهما الصغيرة.... رأيت أنه لم يفجأ أو يتلبك أو يداري , ولما تركته , سألته: أنت صاحب العلاقة غير المشروعة وليس ليماند ؟ نظر الي وقال وهو يضحك , لقد سلمت نفسي , ماذا ستفعل بهذه الخبرية؟ هل ستخبر هيلين بها؟".
" لماذا سألك ذلك؟".
قال بيل:
" في تلك الأثناء كان زواجه من هيلين محتمل , كانت هيلين صديقة للتوأمين , أصدقاء طفولة , ولما لم أجب عن سؤاله قال لي:
" أخبرها , أنا لا أهتم بهذا الأمر , لقد مر الزمان على هذه الحادثة وقد نسيها الناس , حتى لو أعلنت ما عرفته الآن لن يصدقك أحد... قال ذلك وغادر المقهى".
" هل أخبرت هيلين؟".
" لا , أخبرت والدتي , ويا ليتني لم أفعل , أتت كالسهم الى دانكريغان وقابلت كافن وأطلعته على الحقيقة وأخبرته رأيها بكروفورد كمرشح لزوج ابنتها .... كافن رجل كبير وغريب الأطوار وقد نالت هذه القصة من كبريائه وخصوصا من حبه لكروفورد , ساءه أن أبنه المفضل ترك شقيقه يلام على ما فعله هو , وحدثت بعد ذلك مشاداة أخرى طرد على أثرها الأبن الثاني وأقسم والده أنه لن يسمح له بالعودة ولقد نفذ قسمه.... أنزعجت هيلين كثيرا لغياب ليماند ورحلت بدورها الى أميركا الجنوبية".
أنهى بيل القصة وكان قد وصل بسيارته الى المنزل حيث وقف ينتظر نزول ساندي وديرميد.
" شكرا على هذه المعلومات التي ذكرتها , علي أن أدخل".
قال بيل:
" مع السلامة , كنت دائما أقول أن كروفورد وليس ليماند هو الذي كان على علاقة غير مشروعة مع مي... الآن بعد عودة ليماند وأجتهاده المثمر في دانكريغان , أظن أننا يجب أن نمنحه الفرصة ليعيش مرفوع الرأس , الأشاعات السابقة حول ماضي آل كالدويل كانت هدامة , ولم يستمعوا الى ما كان يقال عنهم".
" نعم , أعرف ذلك , ما زال ليماند يحمي أخاه ولا يرغب أن يعرف الحقيقة أحد".
" كان ليماند حسن السيرة دائما , يساعد كروفورد في حل مشاكله , كان الأقوى بينهما , وطلبت فيليدا منه أن يرعى أخاه وقد أصبح ذلك عادة لديه , أما بشأن ما قالته والدتي , أنها لا تقصد الا الخير , أنها لا تحب أن الناس سيرتك ولا سيرة مرتا , ثم لا ترغب أن يسيء أحد من آل كالدويل الى هيلين مرة أخرى".
" وهل يستطيع ليماند أن يسيء الى هيلين؟".
" لقد أساء اليها مرة يوم تركها وسافر الى كندا , حولت حينئذ عواطفها كلها الى كروفورد ولكنه تركها ورحل أيضا , اليوم عاد ليماند وهي تتمنى أن تعود المياه الى مجاريها بينهما وذلك يكون أسها بدون أشاعات جديدة وثرثرة وأقاويل عنه".
" أذا بقيت هنا ستثار الأشاعات ؟".
" نعم , أفضل حل هو أن تخبري ليماند بعزمك على الرحيل وهو يتصرف".
دخلت ساندي الى المنزل , لم يكن جوني ولا ليماند هناك , حممت ديرميد ووضعته في فراشه ثم نزلت الى المطبخ , كان قد وصل لتوه جوني ومعه رون كارسون الذي قال لساندي:
" جلبت لك الصور الفوتوغرافية , ستعجبك وستجدينها مثيرة".

كانت ثلاث صور أخذت للمنطقة من الطائرة , الصور مكبرة وواضحة جدا , تفحصتها ساندي بعين خبيرة وتأكد لديها بما لا يقبل الشك أثر مدينة سلتيه في التلة خلف المنزل , ظهر لها واضحا أثار مدورة تلف قاعدة الحصن بما يشبه الخندق , شرحت ساندي رأيها بحماس الى رون وجوني , قال رون:
" تستغرق الحفريات هناك أسابيع من العمل الشاق ولا يمكنك القيام بها لوحدك بل تحتاجين لمساعدة تقنية".
" أنا لا أستطيع الحفر بمفردي , أحتاج لفريق من الخبراء في التنقيب , فقط أستطيع الآن أن أتعرف الى الموقع وأحدده , ربما أبدأ الحفر في سطح الأرض فقط حيث لا توجد مزروعات , وربما أجد شيئا , شكرا يا رون على الصور".
سأل رون:
" هل من الممكن أن يبقى ديرميد في رعاية ليماند وتذهبين معنا الى الرقص هذا المساء؟".
" لا أمل البتة , لن يفعل!".
" هل ذهب لزيارة زوجة أخيه في المستشفى , لو تستطيعين سماع الأشاعات بين الناس , الجميع يتساءل عمن ستكون السيدة الجديدة في منزل دانكريغان , مرتا أم هيلين؟ هل تعرفين من؟".
" لا , لو يكف الناس عن ثرثرتهم ".
" كأنك تطلبين من الأرض أن تكف عن الدوران ".
ثم أكمل:
" سمعت أيضا أن هناك مجهولة مرشحة لأن تكون السيدة الجديدة للمنزل , فتاة صغيرة لا خبرة لها ...".
قال رون وهو يضحك ويغمز بعينيه.
" جوني , أرجوك أخرجه من هنا قبل أن أضربه".
ضحكت ساندي .
" سأرحل , آسف لأنك لا تستطيعين مرافقتنا الليلة , ربما نأخذ الصغير معنا في نزهة بحرية غدا نبدأ مع المد ونذهب الى وستيور نسبح هناك ونعود مع الزر؟".
" لا بأس أذا كان الطقس مناسبا لهذه النزهة البحرية".
أعادت ساندي النظر في الصور مرة ثانية , الحفريات التقنية , أن تمت ستبرهن أن كافن كان على حق في نظريته بأن دانكريغان كانت مركزا حضاريا قبل أن يحضر السير غاي ويضم اليه هذه الأ**** , زاد حماسها , تمنت لو كان كافن حيا ليرى صحة نظرياته , قررت أن تكتب الى ديريك سلون وتخبره عن أكتشافاتها بهذا الصدد , كانت رسالة طويلة شرحت له بالتفصيل أكتشافاتها وأستنتاجاتها وشاركته بقصة دانكريغان التاريخية.
تركز أملها كله في الحفريات علها تجد بعض البقايا الفخارية أو دبوسا آخر للزينة , ثم عليها زيارة قبو الحصن والسجن فيه , وأن تمشي النفق الذي يوصل الحصن بالشاطىء , والذي أستعمله المهربون , وعليها ترتيب المكتبة...
أنتهت من كتابة الرسالة ثم عادت الى غرفتها تطالع المخطوطات عن تاريخ دانكريغان , وصلت الى الحروب بين أنكلترا وأسكوتلندا زمن روبرت بروس.
فارسا في دانكريغان حليفا لملك أسكتلندا الذي كافأه بالأ**** والمزيد من السلطة , قصة غرامية جانبية تقول أن فارس دانكريغان أحب أبنة أحد السجناء الأنكليز لديه ... وقد أنتهت القصة الغرامية نهاية سعيدة بالزواج.
مرة ثانية رأت حلمها يتكرر- الفارس الأسود نفسه ينقذها من الأخطار , هذه المرة كانت تركض على الرمال قرب المصب ترغب في العودة الى أنكلترا , بدأت تغرق في المصب , وصلت المياه الى أكتافها وكادت تغمرها , حضر فجأة الفارس الأسود وأمسكها من شعرها وخلصها , قامت من نومها مذعورة , كانت مبللة بالعرق , فتحت نافذتها فأذا الشمس الوردية تملأ السماء بنورها.
نزلت مع ديرميد الى المطبخ من أجل الفطور , كان ليماند ما يزال يجلس على كرسيه , منطويا على نفسه في تفكير عميق , حين رأته تذكرت حلم الليلة الماضية , تعجبت : لماذا تحلم به دائما؟ زادت ضربات قلبها , رغبت أن تترك المطبخ وتهرب منه , ولكن لماذا تتصرف على هذا النحو , أن تصرفاتها تشبه تصرفات مراهقة في أول معرفتها بأحاسيس الحب ... حاولت أن تتصرف بأتزان , ثرثرت معه عن أكتشافاتها بعد أن رأت الصور الفوتوغرافية التي جلبها رون , قالت له أنها جازمة الآن بوجود ركام خلف التلة في دانكريغان , استمع اليها يراقب حماسها وتعابير وجهها , كان نظره جامدا خاليا من أي تعبير.
"ماذا ستفعلين؟ هل ستحفرين؟".
" لا أعتقد أنني أستطيع ذلك لوحدي , أحتاج لخبراء في التنقيب والمصاريف كبيرة , أحتاج لفريق عمل يساعدني , يمكنني الآن أن أحدد موقع الحفريات , أظن أن جمعية التنقيب عن الآثار المحلية تحضر وتطلب السماح لها بمسح المنطقة من أجل التنقيب فيها...".
" لا , لا أريد غرباء هنا يحفرون , سيتلفون المزروعات , ثم أنت تعرفين رأيي في أن أدفن الماضي ولا أنبش فيه".
قال ذلك بعصبية واضحة , كأنه لم ينم الليل بطوله من كثرة تفكيره.
" حسنا".
قالت ساندي , ما الذي يمكنها أن تفعل فالأرض أرضه وهو حر التصرف , كانت خيبة أملها كبيرة.
" لن تحضر السيدة برودي لا اليوم ولا غدا , علينا أن نذهب الى كيركتون لنشتري مؤونتنا للأسبوع المقبل ثم نتغدى سويا في الفندق وتزوري مرتا بعد ذلك ".
قال ذلك بسرعة.
" لن تزورها أنت؟".
ضحك لأنه تذكر توصياتها له في اليوم السابق وقال:
" ربما , أخبريني كيف كانت زيارتك الى بروكفيلد البارحة ؟ هل أستمتعت بوقتك وتعلمت الكثير عن تاريخ عائلة كالدويل , الحديث وخصومتهم مع آل لندسي , لا بد أن هيلين وآدا لديهم الكثير لأعلامك".
نظرت اليه , رأت الفرصة مؤاتية لتخبره عن أقتراح آدا بشأن بقاء ديرميد عندهم وأسباب الأقتراح , كانت واثقة من أن القصة ستثير غضبه , كان صوتها منخفضا حين بدأت :
" بالحقيقة , أن بيل هو الذي أخبرني القصة عندما كان يوصلني مع ديرميد بسيارته الى المنزل".
أتهمها مجددا :
" هل تصيّدت المزيد من الأخبار؟".
" كلا , ليس عن قصد , أخبرني عن غراميات مي برجي وكيف عرف هو أن كروفورد هو الذي تورط معها وليس أنت , وكيف أدى ذلك الى الشجار بين كروفورد ووالدك حيث طرده من المنزل".
" أنها أخبار قديمة ولا أجد نفعا من تحريكها من جديد , على بيل أن يغلق فمه , لماذا أخبرك هذه القصة؟".
" رغب في توضيح شيء قالته لي والدته قبل مغادرتي منزلها ... كم هو بشع , لقد أكتشفت أنني أصبحت موضوعا لأقاويلهم ".
" أخبريني ماذا قيل عنك؟".
" البارحة كان عند السيدة لندسي سيدات لتناول الشاي , شعرت من أحاديثهن أن وجودي في دانكريغان في غياب نان ومرتا يجعلني هدفا لأشاعاتهن , كما وأن هيلين ووالدتها أكدتا لي أن علي مغادرة البلد أذا كنت أرغب أن لا يتكلم الناس عني".
" فهمت الآن سبب قصة بيل , أنه يؤكد لك أن اسم كالدويل موصوم بالسواد وكل من يرتبط بنا سيصاب من سوادنا".
" قال بيل أيضا أنه لحسن حظك أنك كنت خارج المنطقة يوم وقعت التهمة عليك".
قالت ساندي ذلك ثم نظرت اليه فأذا هو كبركان من الغضب على وشك الأنفجار.
قال:
" ما علاقة آل لندسي بالموضوع , ما همهم أن كانت نان هنا أم لا ؟ ليس من شأنهم أن يراقبوا ما يحصل في منزلي ومن أدعو للبقاء عندي , الآن بدأت أفهم ما كان يدور في ذهن هيلين البارحة , رأتنا نعانق بعضنا ليلا يوم الحادث ثم رأتنا البارحة على الأرض في وضع غير عادي ولأننا وحدنا في المنزل , أستنتجت فورا أننا نعيش قصة غرام ملتهب".
قال بحزم كأنه يتلو نشرة الأخبار.
" شيء من هذا القبيل".
كبرياء كالدويل وغضبه عادة تختفي ور اء برودته وعدم أكتراثه , أما اليوم فكان ليماند لا يخفي شيئا من طباعه .
" يا للنساء الثرثارات , لا عمل عندهن سوى تمزيق وتقطيع سمعة فلان أو فلانة , آسف لما يحصل لك يا ساندي بسببي , أخبريني ما هو أقتراح آدا؟ أعتقد أن لديها خطة لتخلص منك بسرعة".
كان يتكلم بشكل يكشف كرهه الشديد لآدا لندسي .
" أقترحت أن يبقى ديرميد عندهم لحين خروج مرتا من المستشفى , ترعاه السيدة دوبي مع ولديهما , أعود أنا الى أنكلترا وعندما تخرج مرتا من المستشفى تمضي فترة النقاهة عندهم حيث يرعاها بيل كونها كونها مريضة, وحتى لا تبقى أيضا لوحدها معك في المنزل ".
أكملت ساندي وتحول ليماند الى برج من الغضب , جميع عضلات وجهه برزت , ربما كان والده في حالة غضب مشابهة يوم طرد ولديه من المنزل ... وحين عاود الكلام معها كان قد أستجمع هدوءه من جديد.
" أنها شهامة من آدا , أليس كذلك؟ كيف كان وقع الأقتراح على بيل؟".
" طلب الي أن أنقله لك , يعتقد أنك ستفعل شيئا لوقف الأشاعات والأقاويل".
" هو قال ذلك؟ وأنت, هل ترغبين في العودة الى أنكلترا وتحافظين على أخلاقك وفضائلك من الشيطان , يعتقد الجميع هنا أن ليماند كالدويل شيطان أسود معتدي".
ضحكت ساندي من وصفه لنفسه وتأكدت أنه فهم الوضع كله , وقالت:
" أنني أفهم الماضي وأهتم به ولكنني أعيش في النصف الثاني من القرن العشرين , أنا لا أعتقد أنك ستعتدي على فضائلي ... ولكن أذا كان رحيلي يساعد في عدم تلطيخ اسمك بالمزيد من السواد فسأرحل , ثم هناك رأي مرتا في هذا الموضوع , لقد وعدتها العناية بأبنها فترة بقائها في المستشفى ولن أتركها قبل أن تجد بديلا عني".
" سأزور مرتا بعد الظهر , حان الوقت لأتكلم وأياها بصدق , كنا نحور وندور حول الموضوع , كوني جاهزة في العاشرة لنذهب الى كيركتون ".
لم ينتظر منها جوابا على أوامره , بدأت تنظف الطاولة , تساءلت ساندي في نفسها: أخيرا تحرك ليماند من أجل مستقبل الصغير , هل أقتراح آدا ليعيش مع آل لندسي هو السبب ؟ هل سيطلب من مرتا أن تتزوجه؟ تذكرت ما قاله عن مرتا في المكتبة وأستبعدت هذا الأمر , وأذا أصر على طلب الزواج منها بالرغم مما قاله عنها عندئذ سيغضب هيلين ....

المدينة مليئة بالسواح والمزارعين للتسويق , ذهبت واياه الى السوبر ماركت حيث ملأ العربة بأنواع عديدة من الأطعمة والمعلبات , كان يعرف تماما ما يريد ,ويستفيد من التنزيلات المعلنة هنا وهناك على بعض الأصناف , أنهى مشترياته بسرعة كبيرة ووضعها في صندوق سيارته وأكمل طريقه معها ومع ديرميد الى الفندق , كان يسلم على أصحابه ومعارفه ولم يعرفها اليهم , كانت تراقب معارفه ينظرون اليها بطرف أعينهم , ربما هو على حق بذلك ... أنه يخفف الأقاويل حولها , غرفة الطعام في الفندق كانت مليئة , تقريبا , مروا بسيدة عجوز بادرتهم قائلة:
" أنت أرملة كروفورد وهذا هو أبنك الصغير".
صحح ليماند لها معلوماتها وقال:
" هي أبنة عمة زوجة أخي ".
ثم عرّفها الى السيدة واسمها السيدة غرانت.
" نعم ,سمعت جوني كوري ورون كارسون يذكرانها , كانا في منزلنا مع أبنتي منذ أيام , كنت ستحضرين معهما ولكنك تركت المرقص وعدت الى المنزل مع ليماند".
قالت السيدة غرانت ذلك وغادرت غرفة الطعام وتركتهم.
" من تعليقات بريئة كتلك , يقولها جوني ورون بدون قصد , تنطلق الأشاعات وتحاك الأقاويل , وبالتالي يسيء الناس الى سمعة فلان وفلانة , لقد قاست أمي كثيرا من الأشاعات وبالطريقة نفسها ".
كان ليماند يخاطبها بألم ومرارة وهو يقرأ لائحة الطعام.
" من المؤسف أن لا حول ولا قوة في أسكاتها ".
قالت ساندي .
" يمكننا أن نقف في ساحة المدينة ونصرخ بصوت عال ونقول : الكل يرتكب أغلاطا , ثم نقول لهم : نحن فقط أصدقاء ولسنا عاشقين!".
" وهل نحن أصدقاء ؟".
سألته وقد أحمرت وجنتاها خجلا بالرغم عنها .
" لقد فرضت علينا الصداقة في ظروف مثل ظروفنا , فقط أنا وأنت نعرف الحقيقة , نحن حلفاء".
تذكرت ساندي ما قالته نان عن فيليدا وستيوارت , أنهما لوحدهما يعرفان حقيقة علاقتهما ... وقد غرقا سوية وبموتهما ضاعت الحقيقة ".
أرتجفت ساندي قليلا وهي تتذكر , كان ليماند يراقبها عن كثب , فسألها:
" ما الذي حصل؟".
" كنت أفكر بفيليا وستيوارت ...".
ثم تلهت بالنظر الى لائحة الطعام , مال ليماند على الطاولة وكلمها بصوت منخفض حتى لا يسمعهما أحد وقال:
" يمكننا أن نفعل شيئا مذهلا ومتطرفا ولكنه يضع نهاية للأشاعات والأقاويل ولو لفترة قصيرة".
كان يخاطبها وعيناه تشعان بالمكر.
" ولكن لا أظنك ستوافقين , أنت غير مستعدة لهذه الخطوة بعد".
" كيف تقرر أذا كنت أوافق أو لا أوافق أذا لم تخبرني؟".
" أقول لك الحقيقة , أنا لا أجرؤ , ستتهمينني باللؤم وستغضبين وربما تنسحبين من هنا في ثورة غضب وأنت تعتقدين أنك قد أهنت".
" تقول نحن أصدقاء ,يمكنك أن تخبر صديقتك بكل شيء ".
سألته بعد أن لمست نظرة حنان تلفها.
" بالطبع أنت صديقة , سأضع صداقتنا الجديدة , الملفقة في الأختبار , هناك طريقة وحيدة وأكيدة لوضع حد للأشاعات المدمرة حول علاقتنا وهو أن نعلن خطوبتنا للجميع".
حضرت خادمة المطعم وطلب ليماند الطعام له ولها وللصغير بدون أن يسألها , لم تجادل , كانت ما تزال تستجمع رباطة جأشها , سألها ليماند بعد أن أبتعدت الخادمة:
" ما رأيك؟".
" كما تقول , أنها خطة متطرفة نوعا ما".
" لكنها فعالة".
" ربما ".
" أذن توافقن! ".
كان خبيرا في الأقناع .
" لا , لا أوافق , لا أستطيع , أنها لا تنفع الا لفترة قصيرة, كما تعلم سأبقى هنا أسابيع قليلة لحين خروج مرتا من المستشفى ... ثم ماذا ستقول مرتا؟".
" لا يهمني ماذا تقول, لو لم تحضر الى هنا بدون دعوة ... لو لم تدعك الى هنا بدون أستئذان ... لم يكن ليحصل ما حصل".
أنه يؤلمها بكلامه الجارح , الحقيقة تؤلم , هو على حق , مرتا لم تهتم بأمره حين حضرت اليه مع ابنها وهو لن يهتم بأمرها , ثم لو لم تأت الى هنا لما تعرفت الى ليماند ولما أحست بلحظات سعيدة نادرة في ضور القمر ولم تكن لتكتشف أبدا السعادة في أن تجد من يعاملها كأمرأة بدلا من كونها شيئا لا جنس معين له, والأهم من كل ذلك كونها كسبت صديقا جديدا ... قالت مهمومة:
" أعتقد أن مرتا كانت تمني نفسها بأن تطلبها للزواج , لو تطلب منها الزواج لتحصل أيضا على النتائج المرجوة ذاتها".
عيناه السوداوان رمقتها بنظرة شفقة على صغر عقلها وذكائها المحدود, وقال:
"قلت لك البارحة أن حساباتك كلها خاطئة , ليماند ليس الأسم الوحيد الذي يبدأ بحرف(ل) أنت على صواب في أن مرتا ترغب الزواج لمرة ثانية من أجل التأمينات التي يكفلها لها الزواج , لن تتزوج هذه المرة من كالدويل , أنها تطمح برفاهية وراحة وأستقرار أكثر من حبيب رديء السمعة مثلي , لقد أختارت شخصا مختلفا هذه المرة , شعره أحمر وليس أسود , سمعته العائلية نظيفة , غني يستطيع أن يتحمل مصاريف بذخها , سقفه لا يرشح واسم عائلته يبدأ ب(ل) أنه بيل لندسي".
هذه هي الصدمة الثانية لساندي هذا اليوم , أستردت أنفاسها بصعوبة وقالت:
" كيف عرفت , أنها ترغب الزواج من بيل؟".
عيناه السوداوان تسخر منها , ترك صحن الحساء ليقول :
" أنا أيضا أستطيع أن أجمع أثنين مع أثنين وجوابي أربعة , أعرف أن بيل لن يتقدم ليطلبها للزواج قبل أن يطمئن الى أنني سأتكفل مصاريف تعليم ديرميد , كنت أتمهل في قراري لنهاية الصيف , اليوم , وبعد أن بدأت ألسنة الأشاعات تطالك , أجبرت على العجلة ".
توقف وكأنه يتسلى وأكمل:
" ولكن كيف أتخلى عنك يا جميلتي الساحرة , علي أن أسرع لأنقاذك من جديد .... علي أن أسألك الموافقة على أعلان خطوبتنا".
نظرت اليه ساندي وهي مذهولة مما سمعت , نسيت صحن الحساء أمامها , لم تعد تسمع الأصوات حولها في غرفة الطعام , كانت ترى فقط العينين السوداوين الباردتين لفارس دانكريغان ينظر اليها نظرة مكر وسخرية.
أحس ليماند أرتباكها وهي تسمع صدى صوته وهو يكرر عليها أقتراحه بأنهما مخطوبان للزواج .
" لكنني لا أوافق على الخطوبة".
" حتى ولا من أجل مرتا كي تحصل على رغباتها؟".
" لا أرى كيف ستساعدها هذه الخطوبة في الحصول على رغباتها!".
" أنها تمكنها من الوقت اللازم , بذلك تستطيعين البقاء لنهاية الصيف بدون أشاعات أو أقاويل , أنا وأنت فقط نعرف حقيقة خطوبتنا".
كانت تكسو وجهه نظرات المكر والدهاء , ربما هكذا كان يبدو وجهه أيضا يوم كان يدبر خططه مع كروفورد للمزاح.
" ماذا نفعل في نهاية الصيف؟ ".
سألته:
" نعلن فسخ الخطوبة!".
" لم أصل في تفكيري الى هذا البعد , سأتفق معك الآن , أذا سمحت لي بأعلان خطوبتنا اليوم , أتركك تعلنين فسخها قبل رحيلك من هنا , أليس هذا الأتفاق متكافىء , أنه يمنح لمرتا الوقت الذي تريده".
أذن , هي خطوبة صورية لأنهاء الأشاعات , فقط هو وهي يعرفان الحقيقة , الخطوبة وأسبابها الموجبة تسمح لها البقاء في دانكريغان , ترعى ديرميد الى أن تحقق مرتا رغباتها ...
قالت ساندي:
" أوافقك , ستكون الخطوبة مفاجأة لمرتا , لا أستطيع الأنتظار لأرى تأثير النبأ على وجهها حين نخبرها".
" وأيضا ستكون مفاجأة لآخرين غيرها , أنني مسرور بموافقتك , نحن الآن حلفاء ".
قال ليماند ذلك ووجهه مشرق بالبشر.

***********************

7- أعرف من أحب

وصلت ساندي وليماند الى المستشفى.
" أود أن أكلم مرتا على أنفراد بشأن مستقبل ديرميد , أحتاج لربع ساعة فقط , خذي ديرميد الى الحديقة العامة , سنخبرها بخطوبتنا عند عودتك مع ديرميد".
وقبل أن تجادل , أسرع ليماند يقفز السلالم لوحده , بدأ ديرميد يبكي ويصرخ:
" أريد عمي ليماند , أريد أن أرى الماما".
لكنه سرعان ما نسي بكاءه وعاد يضحك حين وضعته على الأرجوحة وبدأت تدفعه قليلا وهي تلاعبه .
المطر قد غسل الأشجار والأزهار فبدت أكثر لمعانا , الطقس جيد اليوم مما يساعد في مناسبة كهذه : أعلان الخطوبة , كانت ساندي تفكر كعادتها , لكنها أبعدت فرحتها جانبا لأنها تذكرت أن الخطوبة مزيفة , بل مزحة رتبها أحد التوأمين من آل كالدويل , الهدف من تدبيرها أن تربك وتعطل الأشاعات المحلية حول علاقتها بليماند.
مدت يدها الى جيبها , وجدت رسالتها الى ديريك سلون ما تزال مكانها , لقد نسيت أن تضعها بالبريد , ماذا سيعتقد ديريك بمغامرتها الجديدة هذه , لن يفهم ولو شرحت له القصة مليون سنة : خطوبتها الى ليماند الصورية , ولكن لماذا تشرح له التفاصيل , أفضل أن لا تخبره بها أبدا , عندما ستراه سيكون الصيف قد أنتهى وأنتهت معه خطوبتها الى فارس دانكريغان .
وبعد الأرجوحة , أنتقل ديرميد الى الزلاقة , كان ينزلق عليها مع صغار آخرين من أعلى الى أسفل وهو يصرخ فرحا , وقد وجدت عناء كبيرا لأقناعه بأن الوقت قد حان ليذهب ويرى والدته في المستشفى .
كانت مرتا وحدها في الغرفة , وجهها الشاحب الجميل تبدو عليه آثار الدموع.
" أهلا".
بدت مرتا خائرة القوى بعد أن ضمت ديرميد اليها .
" أين ليماند؟ ".
سألتها ساندي وهي تأمل أن لا تكون دموعها التي ذرفتها , عائقا يمنع ليماند من الحديث معها.
" ذهب يفتش عن هيلين حيث أنها ما زالت تعمل هنا , ساندي , ليماند يريد أن يبقى ديرميد معك في دانكريغان لحين شفائي وكذلك ديرميد يريدك معه , أنا لا أرى ذلك ممكنا بعدما ذكرته هيلين عنك وعنه ... لقد تفوهت بأشاء مخجلة ".
سألت ساندي:
" ماذا قالت؟".
" تقول أنكما تعيشان سوية ... كانت هنا في الصباح تلومني , تقول أنها غلطتي ,كان علي أن لا أدعوك للحضور , وتعلق تعليقات قذرة عنك , أنزعجت كثيرا ... أخبرت ليماند ما قالته عنك ولو لم أخبره لأنفجرت من الغيظ , أبيض وجهه وشعرت كأنه في طريقه للقيام بجريمة , خرج مسرعا ,قال أنه سيفتش عن هيلين ويضع لهذه القصة نهاية".
" هل تحدثتما في مستقبل ديرميد ؟".
سألتها ساندي بدون أن تكترث لما قالته.
" أوه , كلا , لكنني سأفهم الآن أذا رفضت البقاء مع ديرميد في دانكريغان , ولكن من سيعتني به أن رحلت؟".
" لن أذهب , لا ضرورة لذلك , أتفقنا أنا وليماند على أعلان خطوبتنا وهذا سيقطع دابر الأشاعات".
بدا وجه مرتا مضحكا , عيناها تجمدتا من المفاجأة , فمها أنفرج قليلا وبرزت عيناها الى الأمام , أسفت ساندي لأن ليماند لم يكن في الغرفة ليشاهد مرتا على هذا الحال من التعجب والدهشة .
" أليس باردا ؟ لم يذكر لي ولا كلمة عن الخطوبة ولا لمح لي بها".
" أردنا أن نخبرك النبأ سوية , رغب في أن يكلمك على أنفراد بشأن مستقبل ديرميد أولا".
" أنه أحسن خبر سمعته منذ زمن بعيد".
أختفت دموع مرتا وحل محلها بسمة عريضة .
" هل أخبرت والديك؟ أعتقد أن عمتي ستسر للخبر , دائما كانت تفاخر بتحصيلك العلمي , ولكنها , يوم كنت بضيافتكم أسرت الي بأمنيتها أن تراك متزوجة يوما ما , هل حددتما موعد الزفاف؟".
" لا , لا , قررنا فقط الخطوبة الآن ".
شعرت ساندي كأنها وسط تيار يجذبها ولا تستطيع الرجوع , مرتا لا تفكر الا بحفلة الزفاف ؟ مرتا تعتقد أن الزواج أهم خطوة في حياة الأنسان".
" وهكذا , الخطوبة تحل المشكلة , يمكنك البقاء بالرغم مما تقوله هيلين عنك , أنها تغار مني , والآن تغار منك لأننا نقاسم ليماند منزله ....لا أعتقد أنكما أنتقيتما الخواتم بعد؟".
" لا ليس بعد ".
وقالت بنفسها: لن نفعل , هل حسب ليماند حساب الخطوات التي تتبع عادة أعلان الخطوبة .
" أتمنى لكما السعادة".
قالت مرتا ذلك وأمتلأت مآقيها بدموع الفرح هذه المرة , أنها لحظات عاطفية للغاية".
" أنت لست غاضبة لأنه خطبني أنا وليس أنت؟".
" كنت لفترة سابقة أعتقد أن ليماند هو الرجل المناسب ليصبح والد ديرميد , ولكنني تحققت أن ذلك لا ينفع , أنا وهو لا يجمعنا شيء , لا أحاديثنا متشابهة ولا يمكننا حتى أن نكون صديقين , من الضروري أن يكون الزوج صديقا وحبيبا في الوقت نفسه , تعلمت هذا الدرس من زواجي الأول , يوم كنت زوجة كروفورد".
" ظننت أنك كنت سعيدة معه!".
" كنت أحبه يوم كنت أعيش معه , الحياة بصحبته مثيرة وملذة , هي مغامرة طويلة , كان يرغبني طالما أنا جميلة ونشيطة ومستعدة أن أجاريه , وكما لا يخفاك لا يمكنني أن أكون دائما على هذا الحال , لما كنت أحس المرض أو التعب كان لا يهتم لأمري , كان يذهب يفتش عن من يسليه , خارج المنزل , بدلا من البقاء بجواري ليخفف عني ويسليني , لم يحبني بالطريقة التي كنت أرغب أن يحبني ... كنت أتأمل أن أجد يوما ما شخصا يحبني كما أريد".
" بيل لندسي؟".
" نعم , كيف عرفت؟".
" ليماند أخبرني".
" كيف عرف؟".
" أنه يجيد الحساب ".
قالت وهي تضحك.
كان ليماند قد وصل الى الغرفة .
" تهلني القلبية يا شقيق زوجي , لا يمكن أن تختار فتاة أفضل من ساندي".
" لقد أخبرتها؟".
نظر الى ساندي والشرر يتطاير من عينيه.
" كان لا بد لي , كانت تمر بحالة عصبية لأنك أخبرتها أن ديرميد يبقى في دانكريغان فقط أذا رضيت أنا البقاء أيضا معه, وكانت تعتقد أنني لن أبقى بعدما أشيع عني وعنك".
" أنا مسرورة لأنك وجدت أن الحل للمشكلة كان ممتازا , أريدك أن تعرفي أيضا , يا مرتا , أنني قررت أن أتكفل مصاريف تعليم ديرميد عنك , هذا أقل ما أستطيع تقديمه لأبن أخي ديرميد , أنا واثق أن والدي , لو كان حيا , كان سيفعل الشيء نفسه , أهلا بع يعيش معي في دانكريغان الى أن تجدي لك منزلا مستقرا".
وجه مرتا كان الآن جامدا من الفرحة وليس من الدهشة.
" أوه , ليماند , كيف أشكرك؟".
" يمكنك أن تخبري بيل بهذا الترتيب في أقرب فرصة".
قال ببرودته المعتادة.
" كيف حزرت بعلاقتي مع بيل , حاولنا جهدنا أن نبقيها طي الكتمان وسرا لنا".
" ليلة سهرت في الفندق معه ومع آخرين , لاحظت نظراتك اليه , بعد ذلك تحدثت مع هيلين وعرفت منها ما يريده بيل مني بشأن الصغير , بل أخبرها أنه سيتزوج منك ليطمئن بالها ,كانت هيلين تشك بأننا أنا وأنت نعيش قصة غرام , هي لا تثق بي كثيرا ودائما لديها أسباب وجيهة لذلك".
" كم هي سخيفة , هل أخبرتها بخطوبتك لساندي؟".
" نعم الآن , وقبل أن يحل الظلام سيكون الخبر قد أنتشر , حان وقت الأنصراف".
في طريق العودة للمنزل وضعت ساندي رسالتها في البريد , كانت تجهل عنوان ديريك في جزر اليونان لذلك أرسلتها الى عنوانه في أنكلترا , حين وصلا المنزل كان جوني في المطبخ يتناول الشاي .
" كم أنتما بارعان في الكتمان ؟".
" أعتقد أن الأنباء وصلت الى كريغان".
قال ليماند ببرودة .
" هيلين جلبت الأخبار".
كان جوني يسخر. :
" كانت تنتظرة على الشاطىء لتخبره النبأ فور وصوله , كنت أساعده في المركب وقت السباق , سمعت كل شيء , شعرت كأنني أحمق صغير وأنا أعترف له أن لا علم لي بالأمر".
" أنا وساندي لم نكن نعرف .... حتى هذا الصباح ".
قال ليماند ذلك وهو يضحك .
" أهذا كل ما عندك يا جوني؟".
" لا , تهانينا القلبية , كم كان رون صائبا وهو يمزح البارحة , لقد تنبأ لساندي بذلك , كانت والدتي سوف تقول أنها رأت في فنجانها رجلا أسمر".
" هذا صحيح, قالت لي أنها ترى شابا وسيما أسود الشعر في حياتي ".
ضحكت ساندي ثم تذكرت ما قالته نان عن هيلين وقد حذرتها من أنها ستسبب لها المشاكل ... شعرت بقشعريرة تسري في بدنها.
سألها جوني:
" هل ما زلت راغبة في مشاركتنا رحلتنا البحرية غدا؟".
" أوه , لكن....". وأشارت ساندي الى ليماند تعني بها أن ذلك أصبح غير وارد.
" رون سيفهم ولن يقف عائقا بين حبيبين , وأظن أنه سيسعدنا أن يرافقنا ليماند". ثم نظر الى ليماند وأكمل:
" تحتاج لأجازة من العمل , يوما واحدا , لماذا لا يكون ذلك أحتفالا بالمناسبة السعيدة؟"ز
قال جوني.
" ربما".
قال ليماند ونظر الى ساندي بحنان , أحست أن قلبها قد قفز من مكانه من شدة الفرح.
أبحروا في المركب الأزرق , قبل ظهر يوم الأحد , كان ليماند يساعد في فك الشراع وتحكيم وضعه , النسيم عليل , تركوا المصب وخرجوا الى عرض البحر , عملية الأبحار جعلت ساندي تنسى جميع مشاكلها , كان يجلس ديرميد في حضنها بأستكانة , وهي تتمتع بالتهاني التي أنصبت عليها من مرافقيها وتعليقاتهم الخفيفة الظل , كان معهم في النزهة البحرية ستيلا غرانت والساقية الشقراء واسمها جين هاردويك وهي أبنة صاحب الفندق والتي عادت لتمضية عطلة الصيف وهي جامعية أيضا.
وصلوا الى خليج صغير , ربطوا المركب ونزلوا ليسبحوا , طريق العودة كان أقل حيوية ونشاطا , كانوا يبحرون بعكس الريح مما أضطرهم للأستعانة بالمحرك. حين وصلوا المرفأ ركبت هي وليماند ومعهما ديرميد في زورق صغير وتولى ليماند مهمة التجذيف , وقد أحست ساندي أن هذا اليوم من أجمل أيام حياتها أطلاقا, لقد شاركها ليماند فيه وكان هادئا وعاملها بلطف ولباقة لم تعهدهما منه من قبل , كل من حولها لاحظ أهتمامه بها ولباقته في معاملتها.
في المنزل , عاد ليماند الى سابق عهده , قبل أعلان الخطوبة , لم تعد تراه أكثر من السابق , وتراه وقت الطعام ليس الا , الأثنين حضرت السيدة برودي لتدير أعمال المنزل , بدأت بالتهاني والتعليقات وأتبعتها بوابل من الأسئلة .
ومرت أيام الأسبوع متشابهة , بعد الظهر وقت قيلولة الصغير كانت تدرس الصور من جديد علها تحدد موقع الحفريات , ذهبت مرتين لزيارة مرتا في المستشفى , كانت تذهب مع جوني على دراجته , كان ليماند مشغولا جدا ولم تسنح له فرصة للذهاب معها ,منذ الأحد الماضي لم تعد تراه الا لماما , وتخاف أن يلاحظ جوني ذلك ويستغرب الوضع غير الطبيعي بين خطيبين , هذا الأسبوع كان راكدا وكئيبا أذا ما قورن بالأسبوع الذي سبقه , الجمعة أخذت بعض الثياب الى مرتا في المستشفى لأنها تستعد للخروج يوم السبت , حين وصلت ساندي الى غرفتها وجدتها في حالة عصبية كأنها تكبت أحاسيسها , أمطرتها مرتا بوابل من الأسئلة عن الحالة في دانكريغان.
" كل شيء على ما يرام".
أكدت لها ساندي:
" المكتبة أصبحت مرتبة ونظيفة , أنا مسرورة لما قمت به من عملية التنظيف , لو يستطيع ليماند أن يوفر لي بعض الدهان لكنت طليت الجدران وأعدتها قاعة أستقبال من القرن الثامن عشر".
" المنزل يحتاج لأكثر من ضربة دهان ., يحتاج الى ترميم وتغيير للأدوات الصحية وأعمال نجارة ... هل تشعرين الآن أنك سعيدة وهل زايلك الأحساس بالذنب لأنك فرضت نفسك على ليماند يوم حضرت".
" أكيد ".
كانت تكذب.
" ولكن لماذا تسألين؟"
" كنت أسأل اذا كنت ستبقين فترة أطول في دانكريغان , حضرت اليوم هيلين لزيارتي سترحل عن كيركتون بعد أن سنحت لها الفرصة لتعمل هنا شريكة للدكتور باركر , تقول هناك فرصة أخرى لها في غلاسكو , ستعمل في أبحاث عن السرطان ستسافر مع والدتها , كانتا مضطربتين , وأنت تعرفين السبب؟".
" كلا , لا أعرف السبب , هل تعرفينه أنت؟".
" السبب هو خطوبتك الى ليماند , كانت هيلين تمني النفس بأن تتزوج أحد التوأمين وكانت على وشك الزواج من كروفورد ولكنه تشاجر مع والده وطرده من المنزل وتزوج بي , هيلين تظن أنها اذا عملت في كيركتون قرب عمل ليماند ربما تتحقق أمنيتها في يوم من الأيام".
مسكينة هيلين , ولكن لماذا مرتا تعطف على حالها؟ صحيح أنها سببت لها المشاكل وتناولتها بالأشاعات , ولمحت الى العلاقة بينها وبين ليماند بشكل قذر , ولكن ها قد ردت الحراب الى نحرها وعادت عليها بأسوأ النتائج , سترحل من جديد بدون أن تحظى بأحد التوأمين , ستخبر ليماند بالأمر , ماذا ستكون ردة الفعل لديه؟ هل نسي أن يعمل حسابها؟ هل يهتم لأمرها؟ وكيف لها أن تعرف؟ أنه نسيج وحده ولا يمكن لأحد أن يتنبأ بتصرفاته.
عادت الى دانكريغان مع جوني على دراجته , أنزلها أمام المنزل وأكمل من جديد الى كريغان , الشمس وقت الغروب ترخي ظلالا خفيفة فوق التلة خلف المنزل , حدقت ساندي ورأت بكل وضوح ظلا مستديرا , لا بد أنه يعكس خندقا كان يلف الحصن القديم .
ركضت الى مكتب ليماند تخبره أنها ستصعد التلة خلف المنزل , طلبت اليه أن ينتبه الى صوت ديرميد حين يستفيق , لن تتأخر , كان في غرفة جانبية , أثاثها فخم من طراز وندسور , لم ينظر اليها حين سألته بل أكتفى بأن همهم .
أخذت همهمته على أنها موافقة , كان ليماند مشغولا جدا في تحضير الميزانية وبقية أعمال المزرعة كعادته في نهاية كل شهر .
بدأت الشمس تشحب وتستعد للمغيب , صعدت التلة وتعرفت الى الحفرة , كانت مليئة بالعليق , خلف الحفرة ترتفع الأرض بأنحدار بسيط , التلة كلها تشكل الحصن , مشت حول التلة مع الحفرة , وجدت نفسها كما أنتظرت , في الضفة الثانية من التلة , تشرف على مصب النهر , وصلت الى حاجز من الأسلاك الشائكة والتي تشير ال حدود أملاك دانكريغان , الجهة الثانية قد مهدت وأعدت للبناء , أختفت الحفرة كليا هناك , نزلت التلة فوجدت حفريات شبكة تصريف المياه والجوارير .
قاعدة أساسية في عمليات التنقيب تقوم على دراسة حفريات المجارير قبل البدء في البناء , هنا يمكن للخبير أن ينقب وأن يتحقق أذا ما ظهر أي شيء له قيمة أثرية الى الوجود , هذه الأ**** قد أشتراها البنّاء كارسون , الحفريات موجودة , عليها فقط التحقق لعلها تجد بقايا خزف أو آثار أخرى من هذا القبيل , لتجزم أن حصنا قديما كان هناك , ستعود غدا للمزيد من التفحص.
بدأت تمشي بمحاذاة الحاجز , فجأة أنتهى الحاجز ووجدت نفسها في الطريق التي مشتها مع ليماند يوم عادت برفقته من كريغات , تحتها حصن دانكريغان كأنه شبح وسط الظلام الذي بدأ يحل بالمنطقة , تنبهت أن أحدا يتحرك بأتجاهها في الممر , أنه ليماند...
" جئت أبحث عنك , لقد أتصلت والدتك وأخبرتها أنك ستتصلين بها حين عودتك".
كان يقف أمامها وجها لوجه.
" هل حدث شيء عندنا في البيت؟ هل أخبرتك والدتي أي شيؤ؟".
" لا , تبدين قلقة , هل تنتظرين حصول أي شيء في منزلكم؟".
" ربما وصلتها رسالة من مرتا تخبرها عن الخطوبة , كان علي أن أخبرها بنفسي قبلها .... ولكن , أظن أن تعقيدات لم نلحظها من قبل تنتظرنا".
" لماذا تقولين تعقيدات بالجملة؟ أذكريها!".
" هيلين سترحل , سوف لن تبقى لتعمل في كيركتون ".
" وماذا يهم ؟ أنها حرة التصرف وتختار ما يروقها ".
ظهر لساندي أنه لا يهتم بها.
" أنها سترحل لأنها جرحت مرة ثانية من أحد أبناء كالدويل , خطوبتك لخبطت كيانها".
لم يجبها فورا , حين أجابها كان يبدو مسرورا وتمنت لو ترى وجهه , كانا يمشيان جنبا الى جنب والعتمة تغطي المكان .
" هل أنت حزينة لأجلها , لا تهتمي بها , هل يزعجك أن تخبري والديك بالخطوبة؟".
" لا , ألا أذا كان ذلك يضايقك ".
" لن أتضايق , أخبريهم بالأمر".
ثم أكمل:
" خطوبتنا لها حسنات وفوائد عديدة".
أصبح هادئا زيادة عن اللزوم , خافت , ربما سينقض عليها ليستفيد من فوائد الخطوبة , ركضت بسرعة أمامه ولكن يده امسكت بها , وأدارها بسهولة لتواجهه وهو ما زال ممسكا بها ويداه على خصرها , مستعدا أن يضيق عليها أن حاولت أن تتحرك.
" لا تركضي بسرعة , على مهلك قليلا , القمر ليس بدرا الليلة ولكن هناك نجمات تكفي ".
وضعت يدها على صدره لتبعده وهي تدافع عن نفسها , أحست سرعة نبضات قلبه تحت يدها , كان ما يزال بثياب العمل التي يلبسها في الحقول , قالت ببرودة تصنعتها:
" أعلان خطوبتنا لا يعطيك الحق في مغازلتي".
" أعتقد أنها كذلك , لقد قيل لي أن العناق والغزل من متمتات الخطوبة بل أهم ما فيها , في نيتي أن أتمسك بحقوقي وأمتيازاتي وأنتفع بها كاملة".
" لا تنتظر مني أن أحب ذلك".
حين عانقها خافت أن يشعر بحماسها له , أو أنها رضخت لرغباته بسهولة , أستجمعت قواها وأفلتت منه وركضت كأن وحشا بشريا يلاحقها , كان شعورها الحقيقي سعادة كبيرة تلت العناق والركض , تمنت لو يلحق بها ويجعلها تدفع الثمن مزيدا من العناق حتى يكتفي وتكتفي .
وصلت الى المطبخ ومنه الى القاعة الأساسية , كان قد لحق بها , أمسك بها قرب باب القاعة وجعل الحائط خلفها , نظراته صاروخية , عانقها بقوة ورمى بكل ثقله على صدرها , لم تستطع الحراك أو الدفاع لأن المد المثير الذي أرتفع في داخلها غمرها .
" أنت تحبين العناق".
قال بحنان وقد أنقطع نفسه :
" وقبل أن ينتهي الليل سأجعلك تعترفين بأنك تحبينه".
أبعدها قليلا عن الحائط وأحاطها بذراعيه ليضمها اليه أكثر , هذه المرة كان عنقه لطيفا , كان يحرك عواطفها حسب رغبته , يأخذ منها مقابل ما يعطيها , رفعت يدها لتلمس وجهه وتلعب بشعره الأسود , لا فرق عندها بعد الآن ماذا سيحصل , مرة ثانية شعرت أنها ترغب بكل ما يرغب فيه.
لأول مرة منذ حضرت ساندي الى دانكريغان أطالت النوم صباحا .
أستفاقت على يد صغيرة تهزها , فتحت عينيها لتجد ديرميد قربها مصبوغ الوجه بحمرة الشفاه كأنه مهرج.
" ساندي , قومي , أنني جائع وأريد الفطور".
" ماذا فعلت بوجهك؟".
" أستعملت أدوات الزينة خاصة الماما , هي تضع الحمرة على فمها , هل شكلي جميل مثلها؟".
أعطاها أصبع الحمرة وقد تهشم وأصبح لا ينفع لشيء.
" أيها العفريت الصغير!".
أحتارت ساندي هل تضحك أم تصرخ في وجهه وتؤنبه.
" علي أن أنظفك قبل أن يراك عمك ليماند والا سيكون لك معه شأن آخر".
مشى ديرميد معها الى الحمام بدون معارضة خوفا من توبيخ عمه له , أطلت الى غرفة مرتا فوجدت جميع أدوات الزينة والملابس مبعثرة هنا وهناك , نظرت اليه فأذا هو يستعطفها وهو يرتجف:
" لا تقولي لعمي ليماند".
" طيب , لكنك شيطان يا ديرميد مثل أبيك وعمك حين كانا في عمرك...".
كان المطبخ خاليا , لا جوني ولا ليماند بالداخل والسيدة برودي لا تحضر يوم السبت , الصحون الوسخة في المغسلة, وضعت الشاي وحضر جوني , جلب فنجان شاي وصب لنفسه وبدأ يشرب وقال:
" تأخرت في النوم , متأسف لأنني قطعت علكما عناقكما , أنت وليماند الليلة الماضية".
كانت واثقة بأنه لن يترك هذه الفرصة تمر بدون أن يعلق عليها.
" لا تهتم , كنا فقط نقول مساء الخير".
" أوه , لا تقلقي يا ساندي , هل تظنين أنني لا أفرق بين عناق مساء الخير والعناق الحار .... لقد نلت اللوم والتقريع العنيف من ليماند لأنني عدت باكرا من القرية , وهذا الصباح لم يكن ودودا معي ".
بالتأكيد لأن رجوع جوني باكرا الليلة الماضية ضيع على ليماند فرصة , كان يرغب في مغازلة ساندي لحين تعترف له بأنها تحب العناق مثله , حضور جوني جعل ليماند يفلت ساندي التي ركضت بدورها الى غرفتها في الطابق العلوي.
كانت ساندي تراقب جوني وهو يرمقها بنظرة العارف في بواطن الأمور , بدأت تتلهى وتخبره بما قام به ديرميد من شيطنة , فيما هما يتكلمان رن جرس التلفون , طلبت من جوني أن ينتبه الى الصغير كي تتكلم على التلفون :
" ساندي , أنا أمك , لماذا لم تتصلي مساء ؟".
" متأسفة يا ماما , تأخرت في أستلام رسالتك الهاتفية لي وأعتقدت أنك ذهبت للنوم , هل هناك أي مشكلة؟ أنت تتكلمين في التلفون من مسافة بعيدة وفي النهار!".
" لا , لكن أخباري لك ضرورية , زارنا صديقك ديريك سلون ....".
" لكنه موجود الآن في جزر اليونان".
" لا , لقد عاد , أنتهت المهمة قبل موعدها , وصل هذا الأسبوع الى أنكلترا , وجد رسالتك بأنتظاره , كان متحمسا جدا لما أكتشفت , سيمر عليك قبل أن يزور صديقه الذي يعمل في متحف غلاسكو- قسم التنقيب, كان عليّ أن أعلمك , سيصل بعد ظهر اليوم , سيحضر بالسيارة , هل يستطيع أن يتصل بك؟".
" بالطبع , أمي , هل أستلمت رسالة من مرتا مؤخرا؟".
" لا , لا منك ولا منها , لماذا , ماذا يحصل عندكم؟".
" كنت أفكر أن أكتب لك أو أتصل تلفونيا لأخبرك أنني أعلنت خطوبتي".
" صحيح , يا حبيبتي , ما أحلى أخبارك , هل خطيبك شخص نعرفه؟".
" لا , ولكنك سمعت به , أنه ليماند كالدويل , سلف مرتا.... في البداية كنت لا أحبه!".
" هذا يحصل دائما , أظنك حكيمة لأنك ترغبين في فترة خطوبة , لا تتعجلي الزواج مثل مرتا , الخطوبة تعطيك فرصا أفضل للتعارف وكذلك للتراجع قبل الأرتباط الجدي في حال وجدتما أن الزواج لن ينفعكما , علي أن أتركك الآن ,والدك خلفي يذكرني بتكاليف هذه المخابرة , يرسل لك حبه , سأكتب لأقول الى ليماند أننا نحب أن نراكما في زيارتنا متى تسنح لكما الظروف".
أغلق ساندي سماعة التلفون , شعرت براحة بعد أن أخبرت والدتها بالخطوبة , كان جوني ما يزال يلعب مع ديرميد ويضاحكه.
" أين ليماند؟".
" يطعم العجول".
" أنتظر مع ديرميد دقائق قليلة أرجوك , علي أن أكلم ليماند بشيء هام".
ركضت الى الزريبة , الهواء خفيف وكذلك الأمطار , كان ليماند يحمل سطلين فارغين , رآها راكضة نحوه , توقف مكانه ينتظرها.
" ما الخبر؟".
سألها, كان جافا , لا وجود لأبتسامة على وجهه , التعب ظاهر على محياه كأنه لم ينم أبدا الليلة الماضية .
" مزيد من التعقيدات".
قالت له:
" اتصلت والدتي , لدينا زائر بعد الظهر ".
" هل ستحضر والدتك الى هنا؟".
" لا , أنه صديق لي".
أجابها ساخرا:
" هل هو صديقك الذي تشاركينه ميوله , بقايا الخزف , الآثار والتوابيت".
" أنه هو".
أجابته وهي تتعجب كيف حزر , كان ليماند يضحك بصوت مرتفع.
" لماذا تضحك , أنا مرتبكة ...".
قالت وهي تكاد تنفجر من الغيظ ".
" ما الذي يضايقك ؟ هل تجدين خطوبتنا مربكة الآن؟".
" نعم , لا أظن ديريك سيفهم أسباب الخطبة المزيفة , لا أعرف كيف سأشرحها له".
" أرجو أن لا تكوني راغبة في قول الحقيقة له؟".
" لا أستطيع أن أخبره الحقيقة ألا أذا وافقت أنت , ربما سيشعر بجرح مثل جرح هيلين".
" هل أخبرت والدتك بالخطوبة؟".
" نعم".
" هل كانت متفهمة للوضع؟".
" نعم , قالت أعلان الخطوبة أولا عمل حكيم يساعدنا في أن نتعرف أكثر على بعض , ثم نستطيع فسخها حين نقرر أننا لا نصلح للزواج".
" أذن , قولي لديريك الشيء نفسه , وأذا لم يفهم يكون ذلك من سوء طالعه , أذهبي الآن الى المنزل من أجل رعاية ديرميد".
" ولكنني...".
" قلت لك ما يتوجب عليك عمله, ألم تحضري الى هنا لتأخذي نصيحتي ؟ هل كنت تعتقدين أنني سأفسخ الخطوبة بسهولة فترة زيارة ديريك هنا, أنا لا أستطيع ذلك , آسف , أذا فسخت الخطوبة بهذه السرعة تزيد الأشاعات أكثر وبالتالي لن تستطيعي البقاء , آسف لأن الخطوبة بنظرك ورطة مربكة , لكننا وافقنا عليها سوية , من أجل سمعتك وفضائلك , كي لا تزيد من تلطيخ سمعتي وتزيدها سوادا وكي نعطي مرتا الوقت اللازم لتحصل على رغباتها .... عن أذنك , أنني مشغول , لدي حيوانات أريد أطعامها".
تكلم بخشونة وكبرياء مما جعل ساندي تظهر أمامه كأنها عبدة له , عليها الأخلاص والولاء , نظرته اليها كشيء يثير قرفه أشمئزازه.
" نعم , نعم يا سيدي".
أجابته وهي تضحك , قدمت له تحية ملكية , ركعت له ساخرة لم تعد تشعر ساندي أن عواطفها قد جرحت , لكنها أحست بالدموع تجول في عينيها , فتشت عن السبب , ولكنها أستبعدته على الفور , لا يمكنها أن تعترف أن خشونته قد جرحت أحساسها , لأنها في قرارة نفسها قد وقعت في حبه.
صباحا رن جرس التلفون وكانت مرتا على الخط , كان صوتها ضاحكا .
" أحزري يا ساندي".
" ماذا ؟".
" تزوجنا الآن , برخصة خاصة , أنا وبيل".
" لماذا لم تخبريني البارحة بعزمك؟ كنت ولا شك تعرفين".
" أردناه زواجا سريا , أرجوك أخبري ليماند بالنيابة عني".
" طبعا , سأقول له , ألن تحضري الى هنا بعد الظهر كما أتفقنا؟".
" لا , سنذهب شهر عسل صغير الى بلد يعرفها بيل , عندما نعود سنأخذ ديرميد ليعيش معنا في بروكفيلد".
" لم أسمع أن أحدا تزوج وهو بالجص وعلى عكازين!".
" ولا أنا كذلك ".
قالت مرتا وهي تضحك .
" قررنا أن نبقى سوية , بما أنه سيعالجني في أي حال".
وقا الغداء ., أعلنت ساندي الأنباء الى ليماند وجوني , لم يعلق ليماند , سر جوني وقال:
" خطوبة هنا وزواج هناك , علي أن أرجع فورا الى الجامعة قبل أن تصيبني العدوى , كما تعرف يا ليماند , لقد تغير هذا المنزل منذ وضعت مرتا قدمها فيه".
" هذا صحيح , ولكن لا تهتم للأمر , كل شيء سيعود لسابق عهده بعد أسبوع أو أكثر ".
أجاب ليماند.
كان ليماند يرمي من كلامه أنه لا لزوم لها في دانكريغان بعد أن تأخذ مرتا أبنها .
فترة قيلولة ديرميد أمضتها ساندي في المكتبة تفتش من جديد عن البقايا الخزفية التي عثر عليها كافن , عليها أن لا تتعجب من موقف ليماند الجديد , لا شيء غريب عن طبيعته , دائما بارد ولا يكترث , غريب الأطوار أحيانا , ها هو يتصرف الآن كأنه ليس صديقا لها أو حتى حليفا.
" ولكن الليلة الماضية , لو لم يحض جوني... ثم أبعدت عنها هذه الفكرة بسرعة , ما الذي كان سيحصل ؟ حضور جوني كان لصالحها , ثم يوم حضرت هيلين وقطعت عليهما عناقهما ... لو لم تحضر... ولو لم يحضر جوني.... ربما كان ليماند أضافها الى لائحة الأزهار التي قطفها ثم رماها , أنها تعرف , أنها لن تقاوم سحره.
أمتلأت عيناها بالدموع من جديد , أمسكت بكتاب لتنظيف الغبار عنه , كان كبيرا وسميكا , فتحت الغطاء وأصابتها رعشة على الفور , أنها كانت علبة متخفية بشكل كتاب , بداخل العلبة بقايا ملفوفة بعناية فائقة في ورق ناعم.
نسيت دموعها , فتحت العلبة بعناية , ظهر لها دبوس الزينة المعدني ( ربما كان مصنوعا من الذهب) , الدبوس يشبك القماش حول الرقبة أو على الكتف , ملصق بالدبوس بطاقة كتب عليها كافن بخطه : وجد في حفرة في التلة مما يؤكد نظرية تشايلد في بداية هذا القرن , أن دانكريغان هي موقع حصن قديم في العصور المظلمة , ثم وجدت العجينة الفخارية وعليها بطاقة تقول: وجدت في حفرة التلة , ربما بقايا عجينة للصب في قوالب معدنية.
أعادت ساندي البقايا في عناية , أن ديريك يستطيع مساعدتها لتحديد قيمتها , ستأخذ رأيه عند وصوله .
وقع نظ ساندي على صورة لكافن وفيليدا فوق المكتب , أمسكت بها لتعيد النظر , ما أعجب هذا الرجل , أنه مزيج من الكبرياء والعجرفة ولكن في داخله أحساس عميق , هو عالم وباحث وقد ربح الميداليات لبطولات وشجاعة في المعارك , ليس ليقتل بل لينقذ أرواح الرجال الذين يعملون تحت أمرته.
نظرت الى فيليدا ,وجهها البشوش فيه مكر محبب , قيل أن المرأة مستهترة ومتيقظة , قيل أيضا أنها متحمسة , ولا تفكر في نفسه , هي الوحيدة التي تبرعت في مرافقة ستيوارت لندسي في رحلة تجريبية في مركبه الجديد وقد غرقت معه , مما لا شك فيه أن كافن قد أحبها , ولكن هل كانت هي أيضا تحبه , هل أحبت ستيوارت لندسي ؟ لا أحد يعرف , فقط فيليدا وحدها تعرف الحقيقة وقد ماتت فيليدا وماتت الحقيقة معها.
أنتقل تفكيرها الى بيل وهيلين ,ولدي ستيوارت , ثم ليماند الولد الحي الباقي لكافن , قارنت بينهما , الشعر الأسود وعينا كافت التي تشبه الصاروخ وتمتمت لنفسها : لو كنت أنا مكان فيليدا لكنت بالطبع أعرف من أحب.

************************

8- رفيقتي الى الأبد .... زهرة

لم يصل ديريك بعد الظهر كما أنتظرت ساندي , حضر في اليوم التالي صباحا بينما كانت ساندي تغادر المنزل مع ديرميد الى الشاطىء لتستفيد من تحسن الطقس.
نزل ديريك من السيارة السوداء الصغيرة التي كان يقودها بنفسه , رأى ساندي مع ديرميد , ضحك لها وقال:
" مرحبا , أخبريني ما قصة الحصن القديم الذي يعود تاريخه الى العصور المظلمة؟".
أستلمت رسالتي أذن!".
" وصلتني في اليوم نفسه الذي وصلت فيه الى البيت عائدا من الجزر اليوناني ".
كان ديريك قد أكتسب سمرة محببة , من البحر الأبيض المتوسط , ظهرت بوضوح على وجهه الطويل النحيل وأعطت لشعره الأشقر لونا برونزيا , لباسه , كالعادة , قليل الترتيب , عصبي المزاج , عيناه زرقاوان , سريع الملاحظة , يلبس على عينيه نظارات طبية.
رؤية ديريك لم تجعل نبضها يسرع ولا سمعت طنينا في أذنيها , أهتمامه بالحصن كان يفوق أهتمامه لرؤيتها : بدأ عقلها يهضم هذه الحقيقة وهي تجيب عن أسئلته حول الحصن , أخذته الى المكتبة في المنزل حيث عرضت عليه البقايا الأثرية التي كان قد وجدها كافن في التلة.
" الصور الفوتوغرافية تجزم بوجود الخندق".
قالت ساندي :
" ولكنه مليء بالعليق".
" أريد رؤية الصور , أنني بطريقي لرؤية نويل ماك –كوبش , أنت تعرفين أن الشاب عمل في حفريات التنقيب في روكستر وهو يعمل الآن في متحف غلاسكو , سيسر جدا بما أكتشفت".
" علي أن أستأذن ليماند في السماح لك بأخذ لأثار معك".
" من هو؟".
" أنه المالك الحالي لهذه الأ**** وابن الرجل الذي عثر على الآثار , أنه خطيبي".
أنتهت من مشكلة أخبار ديريك أنباء خطوبتها , أنتظرت ردة الفعل عنه , لم يبد أي أنزعاج بل أكمل فحص الدبوس الذي بين يديه , ثم قال ببرود:
" لماذا الخطوبة الآن, أعتقدت دائما أن لا صبر لديك لمؤسسة الزواج وترغبين في أكمال علومك للنهاية".
" الخطوبة خطوة مرحلية تتيح لنا أن نتعرف على بعض ونكتشف أذا كنا حقيقة نرغب في الزواج , يمكننا أن نتراجع متى نرغب ونعلن فسخها".
" أعتقد ذلك , كنت تعرفين أن هناك دراسات تقول بوجود حصن قديم يعود الى القرن السادس في هذه المنطقة".
كان ديريك يقلب القطعة الفخارية ويتفحصها , أهتمامه بها يفوق أهتمامه بأنباء خطوبتها.

" أنها عجينة خزفية لصنع أدوات الزينة , يوجد عليها نقوش في داخلها أنها تذكرني ببعض البقايا التي وجدناها في مستوطنات الأنكلو_ ساكسون , هذه القطعة عليها نقوش".
أن خطوبتها لا تعني له شيئا , هي بالنسبة اليه صديقة تشاركه ميوله العلمية وبحوثه , لديهما مصالح مشتركة لبحثها مثل: بقايا الخزف والدبابيس الأثرية , أنه لا يراها كأمرأة وسوف لن يراها كذلك أبدا .
" سأتصل ب نويل , سأطلب منه الحضور الى هنا , هل هناك نزل نبقى فيه , نوم مع فطور؟".
" طبعا, في القرية, جوني يعرف أين, علي أن أحذرك أن ليماند لن يسمح لأحد بالحفر في القسم من التلة التي تقع ضمن أملاكه لأنه زرعها أشجارا صغيرة".
" هذا سخيف ".
" الليلة الماضية تمشيت حول التلة في الموقع الذي أعتقد أنه الخندق , أنتهيت في موقع للبناء , وجدت حفريات المجارير التي قام بها عمال البناء".
" مجارير , هذا عظيم , هل تعرفين البناء؟".
" أعرف ابنه , هو الذي جلب لي الصور".
" حسنا , متى نستطيع زيارة الموقع؟".
" الآن أذا كان بأستطاعتي أن أصطحب معي الصغير".
كريغان هادئة مع مطلع الصباح والشمس مشرقة , بعض المراكب كانت تتأرجح في المصب ولحسن الحظظظ جوني ورون ما زالا على الشاطىء ولم يبحرا بعيدا , رحبا بديريك ووجدا له مأوى في نزل صغير ثم ذهب الجميع لرؤية الحفريات المعدة للمجارير في موقع البناء.
بقوا هناك للظهر , كم يمر الوقت سريعا , عادت ساندي مورون في سيارته ومعها ديرميد الى دانكريغان , ألتقت سيارة تغادر المنزل قبل وصولها , كانت هيلين في طريقها بأتجاه كيركتون.
لم يكن ليماند في المنزل , أكلت هي وديرميد ثم أخذته لغرفته ليرتاح , نزلت الى المكتبة لتكمل عملية تنظيف الكتب , بعد الظهر أخذت ديرميد معها حيث ساعدت في عملية التفتيش وسط الحفريات المعدة للمجارير .
لم يعثروا على شيء , أتصل ديريك تلفونيا بنويل , أخبره أنه سيصل الى دانكريغان في اليوم التالي , مشت ساندي مع ديريك وديرميد الى المنزل , أراد ديريك أن يسأل ليماند السماح له ليطلع نويل على الآثار التي في المكتبة .
كان ليماند ما يزال في الحقل يحاول أصلاح محرك الجرار , تعرف الى ديريك وصحبه الى المكتبة , سألت ساندي:
" هل تسمح لنويل أن يأخذ الآثار معه الى متحف غلاسكو لتقييمها وتوثيقها؟".
أجاب ليماند بعدم أكتراث:
" لا مانع عندي , المهم أن تبتعدوا في الحفر حيث المزروعات!".
" أذا أستطعنا أن نبرهن وجود الحصن سيعود الفضل في ذلك لوالدك أخبرتني ساندي عن المخطوطات التاريخية التي ألفها , أرجو أن تنشر يوما ما".
" ربما أفعل , أرجو أن تذكر فضل ساندي لأنها كانت تنقب هنا".
" بالطبع , ستساعدنا في الحفريات الأسبوع المقبل , قبل كارسون البناء أن يؤخر عماله في البناء لحين تنتهي من عملية التنقيب".
قال ديريك جدا.
" حسنا".
قال ليماند وترك الغرفة بدون أستئذان وكأن شيئا لا يعنيه , حتى أنه لم ينظر الى ساندي , قال ديريك:
" أنا لا أفهم!".
" ماذا تعني؟".
" هو وأنت".
كادت ساندي أن تخبره أن خطوبتهما صورية فقط لتنهي الأشاعات حول علاقتهما , لكنها متأكدة أيضا من أنه لن يفهم الأسباب مهما شرحتها له .
" ربما جميع آرائي بصدد مؤسسة الزواج خاطئة, كنت أتخيل الخطيبين في حب ظاهر وحنان ملحوظ ".
ثم أكمل حديثه كمن لا يعنيه الأمر أو كمن أرتبك في بحث موضوع خاص , كالحب بين شخصين.
" وكيف تعرف أننا لسنا كذلك عندما ننفرد ببعض؟ عواطفنا هي ملكنا وحدنا وليست عرضا للتسلية , يتفرج علينا الآخرون".
" أعتقد أنك على صواب , سأعود الى القرية , لقد دعاني رون الى منزل والديه للطعام".
أنزعجت ساندي من حديثها مع ديريك , بقيت كذلك فترة بعض الظهر , بقي ليماند معزولا عن الجميع وبذلك أعطى ديريك مجالا لمثل هذا التفكير , تراجع ليماند في علاقته معها , تذكرت أول أسبوعين لها في دانكريغان , كانت لا تراه الا وقت الطعام , كأن لا أسرار بينهما مثل سر الخطوبة.
كانت ساندي تأخذ ديرميد معها كل يوم وتمضي معظم أوقاتها فوق التلة , وصل نويل وقرر أن يبقى في دانكريغان لنهاية الأسبوع , وجدو في حفريات المجارير بعض الآثار : عظمة مصقولة تشبه مشط وعليها زخرفة ونقوش , بقايا خزفية أخرى .... عثر ديريك على رف من الحجارة المرصوصة , يحتاجون للحفر والتنقيب في نطاق واسع ليتحققوا مما عثر عليه ديريك , قال نويل:
" نحتاج من خمسة الى ستة أسابيع في العمل هنا , سأعود الآن الى المتحف , كارسون يستطيع الأنتظار ليكمل البناء متى يفرغ من التنقيب , من المؤسف أنك لن تبقى حتى النهاية يا ديريك".
" علي أن أعود للجامعة في دولشستر من أجل أبحاثي , أنا لا أعرف ماذا ستفعل ساندي".
حتى ولا هي تعرف ماذا ستفعل.... عادت مرتا من شهر العسل ومرت الى المنزل بطريقها الى بروكفيلد لتأخذ ديرميد معها , كان ليماند خارج المنزل في قرية كيرك كادبرايت في أجتماع مع أعضاء المجلس.
وصلت مرتا وكانت ما تزال تستعمل العكازتين , كانت جميلة مشعة, ووجهها مشرق بالسعادة , ومعها بيل بطبعه المرح المعتاد.
" يمكنك أن تأتي لتعيشي معنا في بروكفيلد ".
قالت لها مرتا :
" لحين تحديد موعد الزفاف, هل ستذهبين الى هامشير قبل الزواج؟".
" نعم , أرغب في العودة الى هامشير , يمكنني أن أذهب برفقة ديريك , سيترك اليوم بعد الظهر".
دهشت مرتا من قرارها ولكنها شرحت لها الأسباب بسرعة .
" سأذهب من أجل الحصن".
" أنه مثير ".
قالت مرتا , كانت تظهر على قسمات وجهها أمارات الضجر , أكملت:
" أعلميني قرارك , أخبري ليماند أننا عدنا ونود رؤيته , ما يزال علينا بحث مستقبل ديرميد العلمي معه بالتفصيل ".
غادرت مرتا وبيل دانكريغان وبصحبتهما ديرميد , شعرت ساندي أن لا شيء يشغلها , هي حرة التصرف وتستطيع الرحيل أذا رغبت , ولكنها ليست حرة تماما , عليها أنتظار عودة ليماند لتخبره برجوع مرتا , الآن أسباب بقائها في دانكريغان زالت وبزوالها تستطيع هي وليماند فسخ الخطوبة.
أنها لا ترغب في الرحيل , دراستها في دولتشر لم تعد تهمها , صعدت الى غرفتها وبدأت توضب حوائجها لتكون جاهزة حين يحضر ديريك , كما وعد , قال سيمر عليها قبل عودته , بطريقه الى كيركتون في الجنوب , كانت تجمع حوائجها بشكل مضطرب وتجد صعوبة في أن تبقي عقلها يعمل ., تحاول أن ترمي خلفها كل الأفكار المزعجة ومنها أسباب أبتعاد ليماند عنها مؤخرا ,كان هذا يجرحها بل يؤلمها كثيرا.
الأفكار تتلاحق في ذهنها , تذكرت آراءها العفوية عن الحب والزواج وعن أمكانها أن تعرف مع نهاية الصيف أذا كان هناك شخص ترغب الزواج منه والعيش معه , وها قد أنتهى الصيف وعرفت أنها تحب صديقا وترغب العيش معه لآخر العمر , لا فرق عندها في الطريقة التي يختارها لتبقى معه , قريبة منه , تتجادل وأياه , يوبخها بسخرية , تمشي معه في ضوء القمر , تضحك معه , تحبه .
أنتهت من حزم أمتعتها , ذهبت الى النافذة ونظرت الى الحصن , الطقس غائم والهواء شديد يصفر ويرسل الغيمات راكضة في السماء , المياه في المصب تدور بفعل الرياح وتجعل رغوة بيضاء تطفو فوقها.
تذكرت ساندي بيتا في الشعر لتنسون حيث قال: المياه تمطر على جدران الحصن , وفجأة دخلت عالم الماضي بخيالها , رأت الحن كما يجب أن يكون في العصور الوسطى : سلطة وقوة , في المدخل الفرسان تلبس دروعها التي تلمع تحت أشعة الشمس , الأعلام المثلثة الملونة ترفرف بفعل النسيم , الكل في هرج ومرج سوى فارس واحد , كان مبتعدا عن الآخرين مع حصانه الأسود , أنيق في ثوبه الرمادي وبنطلونه الأسود , يضع في خوذته الرياش المميزة , كان ينظر الى سيدة جميلة تطل من نافذة في الحصن.
رف جفنها ورجعت الى الموقع , تذكرت حلم أول ليلة لها في دانكريغان , الحلم الذي تكرر أكثر من مرة ... وكان البطل هو نفسه فارس دانكريغان , ليماند , تذكرت أنها لم تزر قبو الحصن ولا السجن , عليها أن تزورهما الآن والا لن تراهما أبدا.
نزلت سريعا الى المطبخ , وجدت جوني هناك , سألته:
" أين أجد مفتاح الحصن؟".
" معلق في مسمار على المدخل المسقوف في الرواق لماذا؟".
شرحت ساندي له بسرعة , قالت له أن مرتا قد حضرت وأخذت ديرميد معها الى بروكفيلد , وأسرعت راكضة , بينما كان جوني يوصيها أن تنتبه لنفسها وهي في داخل الحصن.
كانت تسير بعكس أتجاه الريح وهي بطريقها الى الحصن , بدأت أوراق الشجر تصفر مؤذنة بموسم الخريف , أوراق الكرز قد حمعتها الرياح قرب الحصن , فتحت باب الحصن ودخلت , كانت السيارات الثلاث ما تزال مكانها في الساحة , في زاوية الغرفة وجدت الباب الأرضي الى القبو قد فتح كأن أحدا قد نزل الى أسفل منذ قليل.
نزلت السلالم الخشبية بتأن , سرت لأن الكهرباء قد أضيئت قبل وصولها , الشخص الذي دخل قبلها ترك النور الكهربائي لينير عتمة القبو, الغرفة تحت الأرض باردة ورطبة ولكنها نظيفة وتشبه المستودع , مساطب خشبية متينة رصت فوقها علب زيت المكنات والمحركات , أنها مستودع ولا شك.
يقبع السجن في زاوية القبو , غرفة صغيرة مبنية من حجارة ولها باب من القضبان الحديدية , مدت رأسها بين قضيبين من الحديد في باب السجن وأرتعشت من فكرة سجنها داخل هذه الغرفة الصغيرة خلف القضبان وسط العتمة.
يوجد باب خشبي قرب غرفة السجن , فتحت مزلاجه فأذا بها أمام نفق طويل , أنه نفق المهربين , فرحت لأنها وجدته بسهولة , دخلت مستعينة بالضوء المتسرب من القبو , رأت أمامها بابا آخر صنع حديثا , في آخر النفق, يفتح من الداخل وله قفل أيضا , صنع ليمنع دخول عابري السبيل من الشاطيء الى الحصن عن طريق النفق.

فتحت الباب الى الداخل وخرجت لتجد نفسها أمام تلال من الرمال , جرفتها بغضب , الرياح العاتية وأمواج البحر الهائج, الى اليابسة , كانت الرياح شديدة تعبث بشعرها وتلفه حول وجهها , مشت الى الشاطىء أمامها , هل من الممكن أن تمشي من هنا الى الخارج : الى مصب النهر أو الى الخليج الصغير حيث تلعب مع الأولاد يوميا , كلا الطريقين غير سالك, تذكرت ليماند حين قال لها أن الرمال هنا مهلكة , متحركة.
من الأفضل لها أن تعود الى الحصن عبر النفق , فجأة سمعت صوت الباب يغلق دونها , أغلقته الرياح المعاكسة أو التيار الهوائي , تفقدت المفتاح في جيبها , لم تجده , تذكرت أنها ولا بد قد تركته في الباب الخارجي للحصن حين دخلت.
هذه المرة, لقد سجنت خارج الحصن , سجنها الآن خطر على حياتها , المد سيعلو بعد قليل ويغمرها , ربما تستطيع أن تتسلق الصخور الحادة التي كان الحصن مبنيا فوقها , خطر أنزلاقها ووقوعها كبير.
بدأت تتفحص الصخور علها تجد بعض المواضيع لتثبيت يديها ورجليها أن فكرت بالتسلق , سمعت صوت الباب يفتح, وظهر أمامها شخص بلباس رمادي وقميص أسود , أنه ليماند.
وقف ينظر اليها بعينين خاليتين من أي تعبير , وجهه جامد كالتمثال المنحوت , مد يده الى جيبه وأخرج المفتاح.
" أعتقد أنها المرة السابعة التي أنقذك فيها , خطوبتنا هي السادسة , في المرة التالية حين تدخلين من باب الحصن لا تنسي المفتاح في الباب".
أخفت رغبة ملحة في أن تركض اليه والى ذراعيه لتشكره على أنقاذها ... ولكنها مشت من قربه ودخلت الى النفق.
" لن يكون هناك مرة ثانية , سأغادر دانكريغان اليوم , من أجل ذلك حضرت لأرى السجن والقبو , مرتا وبيل عادا من شهر العسل وأخذا ديرميد معهما الى بروكفيلد , لا داع لبقائي هنا , سأغادر مع ديريك".
أغلق الباب الخارجي للنفق , بدأ سيرهما في داخله , النفق رطب وبصيص نوره يصله من القبو , كانا متقاربين لدرجة أنها كانت تسمع أنفاسه وتحس دفء جسمه , أسرعت مشيتها , كيف يمكنها أن تكون قريبة جدا منه ولا تستطيع أن تلمسه , هذا أكثر ما تستطيع أحتماله , وها قد أقتربت ساعة الفراق بينهما .
" هل ترغبين في الرحيل؟".
" علي تدبير أمري من أجل الجامعة , لا أعرف بعد أذا كان قد قبل طلبي لأتابع دراستي".
" أذن , ما زال علمك أهم من أي شيء آخر تفعلينه ؟".
قال:
" ظننت أنه ربما تبقين مع فريق العمل الذي سيقوم بالتنقيب في الجهة الثانية من التلة".
نظرت اليه, كان واقفا قرب الباب يتابعها بعينيه.
" أحب ذلك لكن ...".
قالت تغالب دموعها حتى لا يظن أنها مثل مرتا لا تحصل على أي شيء بدون سلاح الدموع.
" ولكن ماذا؟".
" أسهل لنا أن نفسخ خطوبتنا أذا رحلت".
قالت وعينيها تنظر الى الأرض لتخفي دموعها المتساقطة غصبا عنها.
" أعتقد ذلك , هل تريدين فسخ الخطوبة؟".
" أليس هذا ما أتفقنا عليه؟".
" أعرف".
مشى ناحيتها فجأة , قفزت الى الزراء حيث أصبح الباب الخشبي خلفها.
" لنفترض أنني لا أريدك أن ترحلي وأنني أفكر جديا بأن أسجنك هنا في الحصن لئلا تستطيعي الرحيل".
قال بحنان وقد أقترب منها أكثر وشاهدت بريق عينيه كالصاروخ .
" سأطعمك . سأجلب لك اللحم والشراب , وبعد الطعام والشراب أعانقك, وقبل أن ينتهي الليل تعترفين بأنك تحبين ذلك".
" ليماند".
كان قد وضع يديه على الباب وحاصرها بينهما .
" أنت تحيك خرافة جميلة كلها أحلام ساحرة , ولكنني لا أستطيع البقاء".

" لم أسألك أذا كنت تستطيعين البقاء , قلت لك أذا كنت ترغبين البقاء , يوجد فرق بين الحالتين , أنني أرحب بك أذا رغبت ليس فقط لنهاية الصيف بل قدر ما تشائين".
" وهل هناك من شروط؟".
سألته وهي تكاد لا تصدق ما تسمع.
" شرط واحد فقط , أن تتزوجيني , هل يمكنك أتخاذ مثل هذا القرار؟ هل يمكنك الهبوط من برجك العالي_ العلمي وتتنازلي وتتزوجينني , أنا ملاّك مفلس , نظرته الى الحياة نظرة مادية صرف, اسم عائلته ملطخ بالسواد , أذا وافقت سأعمل قصارى جهدي أن لا أعطيط فرصة للندم على قرارك".
قربه بدأ يعذبها , كانت تتمنى أن تعانقه بكل ذرة من كيانها , تتمنى أن يلفها بعواطفه , رغبتها تجعل أستعمال عقلها أمرا مستحيلا.
" وهل يجب عليّ أتخاذ قراري الآن؟".
" نعم , أو أسجنك".
قالها بجدية وبدون أن يضحك أو حتى يبتسم .
" وكيف لي أن أقرر وأنا لا أعرف شعورك نحوي؟ كنت في الأسبوع الماضي بعيدا عني , ظننت أن رحيلي يسرك , وأنني أن فسخت الخطوبة ستعود الى هيلين وتصل ما أنقطع بينك وبينها من ود , لقد كانت تزورك يوم الأحد , ظننت أنك أخبرتها بحقيقة خطوبتنا المزيفة".
" ما تزال حساباتك ضعيفة , لا أحد يعرف حقيقة خطوبتنا الزائفة ولن يعرف أحد أذا أستطعت ., لقد حضرت هيلين لتعتذر عن تصرفاتها الحمقاء , حضرت تودعني قبل ذهابها الى غلاسكو , لو كنت موجودة لأعتذرت لك أيضا , كل ما يربطني بها هو حب من طرف واحد , جانبها ,كانت تعتقد أننا كنا نرتبط بعلاقة محبة , كل فترة بقائي هنا في دانكريغان لم تكن لتفرق بيني وبين كروفورد ".
كان صوته يضحك وهو يتذكر حيله مع أخيه في الماضي.
" أذن, لماذا أهملتني الأسبوع الماضي؟".
" لأنني ظننت أنك لا ترغبين بي بعدما وصل صديقك , باحث التاريخ , أنا لا أحب أن أضايقك أو أضايق غيرك , لدي كبريائ آل كالدويل ولا يسرني أن أكون عائقا مربكا لك , كان علي أن أترك لك الخيار بيننا , والآن بعد أن رحل صديقك وبقيت أنت هنا...".
" ذهب ديريك؟ متى ؟".
" كان في طريقه خارج السور حين عدت من الخارج يصحب معه جوني الى كيركتون , أخبرني جوني أنك في الحصن , أقترحت أن أفتش عنك لتوديعه , قال أنه لا يستطيع الأنتظار , لديه موعد هام وخاص في كليزل , أخبرني أنه لا يعتقد أنك ستحضرين الى دولشستر في تشرين الأول بدء السنة الجامعية , قال أنه يتفهم أسبابك , شعرت عندئذ أن أملي أصبح كبيرا في الفوز بك وعلي أن أتمسك بك بقوة , والآن ماذا نفعل يا ساحرتي الجميلة؟ السجن؟ أو التسليم لقوة نشعر كلانا أنها أقوى منا ".
" نسلم".
وركضت لحضنه ولذراعيه.
" هل من شروط؟".
" هناك شرط واحد".
" ما هو؟".
حين أقول لك أنني سأتزوجك لأنني أحبك عليك أن لا تفكر أن الكلمة تؤمن مصالح خاصة لي وأمتيازات".
" أعدك بذلك, وأفضل الآن أن نترك جو النفق الرطب ونذهب الى المنزل قبل أن أتكلم معك في الحب".
" هل هذا صحيح؟".
" أنت صعبة الأقناع ولكنني سأجرب , أنت أول زهرة ألتقطها وأرغب أن تبقى معي , أنت أول أمرأة طلبت اليها أن تتزوجني , لا أعرف طريقة أعبر لك فيها عن عمق شعوري نحوك , لقد بقيت في منزلي فترة زمنية وتعرفين عني الكثير, هل أطلب منك أن تتزوجيني لو لم تكن عواطفي نحوك أقوى من عواطفي لأي أمرأة أخرى عرفتها".
" أنني أصدقك ولكن لا أصدق أن ذلك قد حصل لي , لماذا أنا؟".
" لأنك أول أمرأة تهتم بعملي وبمنزلي , لا تهمك الألقاب ولا المراكز ولا المال , أنك بحاجة دائمة لمن يقنعك بأنك لست شخصا لا جنس معين له , أنك بحاجة دائمة لمن ينقذك , أسباب وأسباب لكن من يهمه الأسباب!".
عانقها بحنان ثم أكمل:
" فقط عالمة التاريخ تهمها الأسباب والنتائج , كل ما أريده بقاءك في دانكريغان معي, وأذا لم تقبلي عليّ أن أسجنك حتى لا تهربي , هذا ما يمكنني تقديمه لك و هو ليس بالشيء الكثير أذا قورن مع الأبحاث والدرجات العلمية ومهنة التنقيب عن الآثار .... أقدم لك كل ما عندي.....".
وضعت يدها على فمه كي يكف عن الكلام , قالت بصوت مرتفع :
" أوه , ليماند , أنه أكثر مما أحتاج , أنا أرغب فيما ترغب أنت , وكان هذا هو الحال منذ فترة".
" لنخرج من النفق , في المنزل ستجدين أنني لا أمانع في أن تقولي لي أنك تحبينني تبرهني لي عن حبك".
كان العناق سريعا ولكن الوعود كثيرة , صعدت ساندي السلالم من القبو الى سطح الأرض , كان قلبها يغني طربا بل فرحا لأن حلمها قد تحقق , ستبقى مع الفارس الأسود في دانكريغان الى الأبد.


تمت

مشاركة