A PHP Error was encountered

Severity: Warning

Message: file(): http:// wrapper is disabled in the server configuration by allow_url_fopen=0

Filename: views/template.php

Line Number: 35

A PHP Error was encountered

Severity: Warning

Message: file(http://static.vipeople.com/menu/index.php): failed to open stream: no suitable wrapper could be found

Filename: views/template.php

Line Number: 35

A PHP Error was encountered

Severity: Warning

Message: implode(): Invalid arguments passed

Filename: views/template.php

Line Number: 35

لو لم تسافر

الكاتب: قصتي مشاهدات: 441 التصنيف: روايات عبير

الملخص


تحت وطأة الهجران والغربه،وعندما يجد الانسان نفسه وحيدا بلا معين، تغلب العواطف الغريزية في الحفاظ على النفس على كل ما عداها .
بعد انهيار زواجها اختارت ليف دانيسون اسلوبا مناسبا للعيش مع طفليها التوامين ، وحيدة لا يعكر صفو حياتها شيء ، لكن النار اللاهبة عادت مع عودة رايان زوجها الغائب الذي بقي ، بشكل ما ، قريبا ، اكتوت ليف بهذه النار في الماضي وهي لا ترغب في لمسهآ مرة ثانيه، آخر ما تريده هو عودة الزوج الذي هجرها يكل قسوة ، لكن رايان كان قال لها : (ماهو لي يبقى لي) .
ثم هناك هذا الشيء في الداخل ، اشبه بجمره ضئيله ظلّت تتوهج دائما ...

1-الغائب القريب

جلست ليف مطمئنة النفس لدى فراغها من تلوين إحدى المزهريات الصينية المخصصة للبيع في سوق القطع الفنية ،ورغم أنها كانت تفضل رسم اللوحات الزيتية إلا أن توقيعها على طرف المزهريات الملونة كان يغمرها بإحساس ممتع من الرضى عن الذات .
إستطاع نجاحها في مجال الفن أن يغير مجرى حياتها الى حد لا يمكن تصديقه ، بدأ ذلك حين كانت تعمل في مخزن للهدايا التذكارية حيث اعجب صاحب المخزن بلوحة كانت قد أحضرتها لوضعها ضمن إطار مذهب ، فطلب منها تزويد مخزنه بلوحات مماثلة يبعث باسعار مرتفعة للغاية ، منذ ذلك الوقت ، إستطاعت ليف تأمين حياة رغيدة من بيع اللوحات والمزهريات وخاصة في مواسم السياحة.

نظفت أدوات الرسم ووضعتها في اماكنها المعهودة ، ثم نظرت الى ساعتها وعجلت في اخذ حمام سريع ، بعد وقت قصير ، كانت ليف ترتدي مريولا أزرق فوق ردائها الأبيض الأنيق ، كان طفلاها التوأمان على وشك الوصول كما ان جويل يمكن أن يطرق على الباب في اية لحظة ، وبسرعة ، قامت ليف بتحضير ثلاثة أطباق من الدجاج والسلطة وغطتها بعناية قبل وضعها في البراد ، وفيما كانت تغسل يديها ، إنطلق صوت مرح من الباب الأمامي :
" مرحبا يا ليف ، لقد وصل حاضن الأطفال".
" إدخل يا جويل ، أنا في المطبخ".
رحبت ليف بحاضن طفليها الذي هو سلفها في نفس الوقت وقالت :
" ارجو ان تكون سعيدا لتمضية فترة المساء مع التوأمين".
" إنني أنتظر ذلك بسرور ، فأنت تعلمين انهما ليسا مصدرا للإزعاج على الإطلاق".
جويل دانيسون في التاسعة والعشرين من عمره وهو من أكثر العازبين في منطقة إيرلي بيتش ، تألمت ليف كثيرا لعدم زواجه حتى الآن إذ كان رائعا في عنايته بالأطفال ، كما أنه من الطف الرجال واكثرهم حنانا.
لاحظت ليف علامات حزن على وجه زائرها فسألته وهي تناوله كوبا من الشاي الساخن:
" ما بك يا جويل؟".
" لا شيء ، لا تقلقي ، إن الأمر يتعلق بما فعلته السيدة كرافن ".
" السيدة كرافن العجوز ؟ هل تقصد أنها باعت املاكها؟".
" أجل ! هذا ما أقصده تماما".
وعادت ليف تسأله:
" هل تعلم من الذي إشتراها ؟".
" هنا يكمن السر إذ لا احد يعلم ، لقد بذل والدي جهده كي يعرف لكن دون جدوى ، أعتقد شخصيا أن الشاري غريب عن المنطقة وهو يهدف الى بناء ملهى على التلة المشرفة على المرفأ".
" لا يا جويل ! لن يفعل هذا ".
" ذلك ما يتمناه والدي أيضا ، فأنت تعرفين رأيه حول ضرورة بقاء المنطقة على طبيعتها قدر المستطاع ".
مضت دقائق قليلة قبل أن يستانف جويل حديثه سائلا :
" متى يصل التوامان؟".
نظرت ليف الى ساعة المطبخ وأجابت :
" أنهما على وشك الوصول فالساعة تقرب من الخامسة ".
هز جويل رأسه وقال :
" سأكون محظوظا إذا كانا تعبين من الجري طيلة النهار ، في المرة الماضية ، سبّبا لي إرهاقا شديدا وهما يلعبان كرة القدم حتى حلول الظلام ".
علّقت ليف ضاحكة :
" ينبغي أن تكون أكثر حزما يا جويل ، فانت في غاية اللطف معهما".
" حسنا ! من يود لعب دور الغول بدلا من دور العم ؟ في الحقيقة إنهما طفلان مدهشان".
" شكرا لك ، أعلم أن هذا التحيّز مصدره محبّتك لهما ، على أية حال ، لقد وصل الصغيران ".
إتجهت ليف الى الباب في الوقت المناسب لتستقبل التوأمين وهما يصعدان درجات السلم .
" مرحبا يا ماما ، ماذا هناك للعشاء ؟ إنني أتضور جوعا ".
على هذا النحو خاطب لوك والدته قبل ان يلقي حقيبته بصخب على الطاولة الصغيرة ، اما ميلي فقد كانت اكثر هدوءا حين سألت :
" هل وصل عمي جو؟".
" إنه في المطبخ ، إذهبي وتحدثي معه ريثما أبدّل ملابسي ".
وضعت ليف بعض المسحوق على وجنتيها وكحّلت عينيها واضافت أحمر الشفاه الخفيف على شفتيها ، وقامت بتسريح شعرها الطويل الذي كانت تنوي ربطه كالعادة لكنها تركته ينسدل على ظهرها بعفوية ، كانت دائما تفضله قصيرا إلا أنها في السنتين الأخيرتين تركته ينمو بحرية ، وهذا ما جعلها وهي التي شارفت على بلوغ عامها الخامس والعشرين تبدو جميلة بشكل غير إعتيادي.
كانت ليف تتأمل صدرها وخصرها الضيق عندما إنبعث ضحك صاخب من المطبخ المجاور أثاره مرح جويل مع التوامين ، فكرت ليف بأنه لو كان لديها أخ فهذا لن يعني بالنسبة اليها أكثر مما يعنيه لها جويل ، فهي لم تكن تدري كيف ستتدبر أمورها من دونه ، كان دائما الى جانبها وقت الحاجة حتى حينما كانت تؤذي مشاعره وتخيب آماله ، كما انه الوحيد الذي اثر في حياتها وحياة رايان.
رايان! أغمضت عينيها لتهرب من هذا الإسم ، ما الذي اعاده الى ذاكرتها في تلك الليلة ؟ فهي لم تفكر فيه منذ اعوام ولا تنوي التفكير فيه الآن ، هكذا حدّثت نفسها بحزم إذ أن مارتن سيأتي بعد قليل حيث سيذهبان لتناول طعام العشاء في الخارج ، ثم يذهبان الى إجتماع الأهالي والمعلمين الذي سيعقد في مدرسة المنطقة .
" سنكون على خير ما يرام يا أمي".
حدّثت ميلي والدتها وهي تلف ذراعيها حول خصرها وأضافت:
" آه! كم هي زكية رائحتك ".
رفعت ليف الشعر المتدلي على جبين إبنتها وتطلعت الى عينيها الزرقاوين وشعرت على الفور بانها تشبه والدها الى حد بعيد ، لكنها تتميز عنه باللطف والنعومة إذ كان رايان صلبا للغاية ، أما لوك فإنه كان جميلا مثل أخته ، غير أنه أكثر منها إندفاعا ومرحا ، إنهما مختلفان جدا لكنهما يحتلان نفس المكانة في قلب الأم الذي يقطر حبا لهما ، فكّرت ليف مئات المرات كيف أن شخصا رخيصا يمكن أن ينجب كائنين جميلين كطفليها.

قرع الجرس هنا وأشار جويل الى الباب قائلا:
" إنه مرافقك يا لي".
" حسنا ، لن أتأخر يا جويل ".
" إبقي حتى الفجر إن شئت فمن حقك الإستمتاع بوقتك ".
جلست ليف الى جانب مارتن في سيارته الجديدة ، وبعد فترة صمت قصيرة ، نظر الى وجه ليف الشاحب وقال :
" آمل أن يعجبك العشاء يا أوليفيا ، فانا لم أجرب هذا المطعم من قبل".
" أنا متأكدة انه سيعجبني لأنني سمعت عنه أخبارا مشجعة ".
أجبرت ليف نفسها على التجاوب معه وإستراحت حين وجدت الإهتمام يختفي من ملامحه ، إذ ان إستجوابه كان آخر ما تحتاجه الليلة.
كان مارتن أستاذا في المدرسة التي يتعلم فيها التوأمان، وهناك إلتقت به اثناء إجتماع مجلس الأهالي والمعلمين في السنة الماضية ، حيث بدأت علاقتهما تنمو ببطء لأن احدهما لم يشعر بالأندفاع لتقوية العلاقة خصوصا ليف التي لم تكن متأكدة من حاجتها الى إقامة علاقة جديدة مع أي كان ، والحقيقة أن دعوة مارتن سببت لها بعض الإرتباك إذ لم تتعود الخروج معه لأنه كان يفضل لقاءها في المناسبات التي كانت تجمعهما معا ، الأمر الذي ناسبها تماما ، كان مارتن من النوع الذي يخطط لحياته بدقة متناهية ، وعلى الرغم من قلة أناقته غير أن ثقته بنفسه ومزاجه جعلاه رفيقا ملائما إن لم يكن مثيرا.
مرت ساعة ونصف الساعة وهما يتناولان طعام العشاء كما مر بعض الوقت في المدرسة قبل عودتهما ، كانت ليف ترغم نفسها على الإنتباه الى حديث مارتن ، وفيما كانت تنظر الى يديه أثناء قيادته للسيارة حول الخليج باقصى سرعة ، إنتقلت بها الذاكرة الى ليلة كانت تمر بها على نفس الطريق ، كانت آنذاك تجلس في سيارة جاكوار الى جانب سائق يتمتع بيدين قويتين تمسكان المقود وتحطمان كل قوانين الجاذبية .
تذكرت ليف وجه السائق بكل تفاصيله الدقيقة ، تذكرت عينيه بزرقتهما العميقة وتذكرت شعره الذي كان يتدلى بإستمرار ليضفي عليه مزيدا من السحر.
عادت ليف الى الواقع عدما سمعت مرافقها يذكر إسم إبنها فقالت:
" آسفة يا مارتن ، ما الذي كنت تقوله؟".
" سمعت أن لوك وقع في مأزق ثانية".
" لوك ! لكنه لم يقل شيئا ، ما الذي فعله؟".
" لست متأكدا من القصة كلها ، إن المر يتعلق بمشاجرة مع كوستيللو الصغير".
" آه ! تلك المشاجرة".
تنهدت ليف بإرتياح وأضافت:
" لقد علمت بالأمر ،في الحقيقة حاول لوك التدخل لوقف المشاجرة لكن الولد الاخر كان اكبر بكثير من كوستيللو الصغير ".
" هل تعلمين يا أوليفيا أن الولد يحتاج الى اب حازم يرشده؟".
" وهل تظن أنني لا اعلم ذلك يا مارتن ؟".
وعاد اليها الإرتباك ثانية لكنها اضافت:
" إنني أحب ولديّ واحاول تربيتهما تربية صالحة".
" آسف يا اوليفيا ، لم أقصد إنتقادك ، بل إنني أقدّر المشاكل التي تواجهينها".
توقف مارتن عن الكلام قليلا ثم سأل :
" هل فكرت ذات مرة في الطلاق؟".
" الطلاق ! ".
نطقت ليف الكلمة وكأنها شاذة بالنسبة اليها ، وأجابت بهمس :
" كلا".
ثم بصوت أعلى :
" كلا ، لم أفكر فيه من قبل".
" وهل فكر فيه زوجك ؟".
" كلا ".
ولسبب غامض شعرت ليف وكأن يدا باردة تقبض على قلبها ثم قالت بتكاسل :
" نحن لا نتراسل ".
" ابدا ؟".
" ابدا".
خيم الصمت عليهما عندما وصلا الى الشاطىء القريب من منزل ليف ،وهناك مرّا بسيارة كانت تقف على جانب الطريق حيث رأت ليف ضوء سيكارة وظنت ان في السيارة عاشقين ، إذ سبق لها أن توقفت في المكان نفسه مع زوجها رايان .
" لم يسبق لي ان سألت ، ما الذي حدث بينك وبين زوجك ؟ لم تمكثا معا فترة طويلة على ما أظن ؟".
رحبت ليف بمقاطعة مارتن لأفكارها ، فالماضي يتراقص في مخيلتها الليلة وكانت تشعر ان الماضي ما زال مؤلما مثلما كان دائما ، كيف ستجيب عل سؤال مارتن وما الذي يمكنها قوله ؟ لا شيء ، لا شيء بينها وبين رايان ، لا شيء ، ببساطة لا شيء ، كانت تشعر بالضحك الجنوني يتحرك في أعماقها .
تنهد مارتن قبل أن يقول:
" لست بحاجة الى التحدث عن هذا الأمر عن كان يزعجك ، إذ كنت اعتقد اننا صديقان حميمان ".
اوقف مارتن سيارته امام منزل ليف ثم إلتفت اليها قائلا :
" أوليفيا ، اريد التحدث اليك بأمر هام قبل ان نفترق ، إنني بحاجة الى زوجي تشاركني حياتي وأعتقد أننا نستطيع العيش معا بسعادة".
أحست ليف بالذعر إذ لم تكن مهيأة لهذا النوع من الإرتباط مع مارتن او مع أي شخص آخر.
" مارتن ، ارجوك ، لم أفكر ابدا في مثل هذا الموضوع ، أعني...".
" اعلم أنني لم أختر الوقت المناسب للتحدث بهذا الشأن ، ولا أريد الضغط عليك ولكنني أود أن تفكري فيه جيدا ، هذا كل ما اطلب".
ورفع مارتن يد ليف الى صدره للحظة وأضاف:
" هل ستفكرين فيه؟".
" حسنا يا مارتن".
كانت ليف ترغب في القيام بأي شيء لأنهاء اللقاء فالأفكار تتزاحم في رأسها لتشد أعصابها ، حتى أنها شعرت برغبة جامحة في الهرب من كل مكان ، الهرب الى عالم لا تحتاج فيه الى إتخاذ القرارات .

خرج مارتن من سيارته ورافق ليف عبر ممر منزلها الذي كان النور يتوهج في داخله ، وعلى المدخل الرئيسي كان جويل يستقبلهما قائلا :
" مرحبا ! هل أمضيتما سهرة ممتعة؟ وصلتما في الوقت المناسب لتناول القهوة".
" نعم ، شكرا ، لقد أمضينا سهرة ممتعة".
أجاب مارتن بجفاف فيما كانت ليف تدخل الى القاعة حيث ألقت سترتها على الكرسي ، وسالت جويل :
" هل نام التوامان ؟ ارجو أن لا يكونا قد سبّبا لك الإزعاج؟".
" كانا رائعين ، وهما الآن نائمان ، لقد نامت ميلي بعد العشاء مباشرة ، كان يومي حافلا لذلك أشك في أنني ساستطيع العمل غدا".
وبعدما أحضر فنجانين من القهوة تابع حديثه قائلا :
" لا تنسي الغداء في منزلنا غدا ، طلب والدي مني أن اذكّرك بذلك ، سأمر لمرافقتك عند الساعة السابعة كالعادة ، هل أنت موافقة؟".
" حسنا يا جويل ، اراك غدا".
مشى جويل مسرعا نحو الباب وهو يقول:
" الى اللقاء يا مارتن".
نظر مارتن الى ليف وسألها بنبرة حادة:
" هل يبقى جويل برفقة الطفلين دائما؟".
" أجل فانا لا احتاج الى حاضنة في معظم الأوقات وهو ياتي عادة إذا لم اترك الطفلين مع ميك أوماريا كوستيللو ، لماذا؟".
" آه ! لا شيء ".
تناول مارتن فنجان القهوة وتطلع الى السائل الأسود الموجود فيه وتساءل:
" كنت أعتقد أنك قطعت علاقتك بآل دانيسون بعد غياب زوجك ؟".
وهنا أجابت ليف متضايقة:
" هذا لا يتعلق بجويل يا مارتن".
" أنا لا ارمي الى شيء معين وانت تعلمين بالطبع ان جويل يبدو في منتهى اللطف".
"وهو كذلك ، إنه لطيف جدا ولو أن هناك الكثير من أمثاله لكان العالم افضل".
" أظن أن دانيسون الأب يرغب في رؤية أحفاده من وقت لآخر ؟".
وعندما لم تجب ليف على تساؤله أنهى مارتن قهوته وقال :
" حان وقت العودة ، شكرا لهذه السهرة يا أوليفيا".
" شكرا لك يا مارتن".
بدت كلماتها سطحية وباردة لكن مارتن لم يلاحظ ذلك إذ إلتفت نحوها وضمها اليه قائلا :
" وداعا ، سأتصل بك فيما بعد ، ستفكرين بالأمر ، اليس كذلك؟".
" حسنا ، الى اللقاء".
وقفت ليف تتطلع الى ضوء سيارة مارتن يختفي تدريجيا ، كانت السيارة التي مرا بجانبها لا تزال متوقفة في مكانها ، إرتجفت قليلا واسرعت الى الداخل مقفلة الباب وراءها ، وبعدما غطت إبنها لوك مشت الى غرفة نومها وإطمانت عل إبنتها ميلي التي تشاركها غرفتها ، بدلت ملابسها وجلست تمشط شعرها محاولة تهدئة خواطرها القلقة ، لم تكن تشعر بالإرتياح لأن المزاج الصاخب الذي إنتابها قبل الخروج لا يزال يسيطر عليها ، كانت تعلم ان النوم بعيدا جدا عن متناولها لأن ذكريات الماضي تقلقها رغم إعتقادها بان كل شيء إنتهى بعد مضي ثماني سنوات ، ما الذي أعاد ذكرى رايان هذه الليلة ؟ أليس التفكير فيه خبر برهان عل أنه لا يزال حاضرا مثلما كان دائما؟
إبتسمت ليف ساخرة من نفسها ثم خرجت الى الشرفة وأخذت نفسا عميقا من هواء البحر المنعش ، كان منزلها لا يبعد كثيرا عن الشاطىء حيث تتلاعب الأمواج والرمال بلطف في ضوء القمر ، كانت السماء كتلة من النجوم البراقة وكانت المنازل الواقعة الى يمين الخليج تبث اضواء خافتة.
تنهدت ليف مستمتعة بهذا المنظر الجميل ، كانت تحب هذا المكان ، تحب هدوءه وأمانه وجمال مياهه ورماله ، وعادت بأفكارها الى حديث جويل بشأن بيع ممتلكات كرافن ، إن فكرة إقامة مركزسياحي فخم أوملهى جمدت عروقها لأنها كانت ترغب في بقاء المنطقة على جمالها الطبيعي ، ويشاركها في هذه الرغبة دانيسون الأب وكذلك والدها الذي كان يصر على ضرورة مناهضة أي خطط لإنشاء الأبنية المرتفعة أو الفنادق السياحية الضخمة في المنطقة.
كان والدها تشارلز جانسن صيادا يفتخر بأصله المتواضع بقدر ما كان دانيسون الأب يفتخر بغناه ، دانيسون الأب لا يمل من إخبار كل إنسان بأنه أسّس عمله من مركب صيد واحد الى ان اصبح لديه الان اسطول كامل من المراكب ، بالإضافة الى شبكة نقل واسعة ، وبالطبع ، كان يرغب في أن يصبح إبنه رايان جزءا من أمبراطوريته كي يتمكن من أدارتها حين يقرر التقاعد ، لكن رغبة الأب لم تلق إستجابة كافية عند الإبن الذي كان يريد أن يحقق ذاته بشكل مختلف ، وبالرغم من انه تخرّج بدرجة إمتياز في الهندسة من جامعة كوينزلاند ، ودرس مختلف المواضيع المتعلقة بإدارة الأعمال ، إلا انه كان يبدو دائما وكأنه يبحث عن شيء مفقود.
شعرت ليف بأنها تقاوم عبثا الأمر المحتم فالذكريات متسارعة في اعماقها ، تذكرت اول لقاء لها مع رايان دانيسون ، كان ذلك في امسية صيف منذ تسع عشرة سنة حيث كانت تبلغ السادسة من العمر آنذاك ، كانت تقود دراجتها الجديدة ذاهبة الى المدرسة وهي تشعر بانها شابة وذات شأن ، في تلك الأمسية كانت تمر عبر المنتزه نحو الشاطىىء من ثم نحو بيتها ، هناك هجم عليها أربعة صبيان من خلف السياج وأخذوا يضايقونها بالركض حولها والإستهزاء بها ، اصابها خوف شديد وبدأت الدموع تنهر من عينيها ، وفي اللحظة المناسبة تقدم فتى يقود دراجة وإشتبك مع الصبية وما هي إلا دقائق حتى فر الجميع وبقي الفتى ممزق القميص والدم ينهمر من وجهه ، وعندما نظرت ليف اليه إمتلكها إحساس جارف بانه الأمير الذي تحكي القصص الخرافية عنه ، كان شديد الجاذبية حتى حين كان في الثانية عشرة من عمره.


تناول الفتى منديلا نظيفا من جيبه وقدمه اليها قائلا:
" من الأفضل أن تجففي دموعك ".
جففت ليف دموعها واعادت المنديل اليه قائلة:
" شكرا ، أليس من الأفضل أن تمسح الدم عن انفك؟".
مسح رايان أنفه بسرعة وأعاد المنديل الى جيبه وإلتقط دراجته اللامعة والمزخرفة بشتى انواع الأسلاك والصور.
" لا أعتقد أن هؤلاء البلهاء سيعودون ولكنني سأسير معك حتى الشاطىء ، ما إسمك؟".
" ليف ، أوليفيا جانسن".
إلتقطت ليف دراجتها وقادتها الى جانبه وهي ترتجف.
" أنا رايان دانيسون ، هل أنت حديثة العهد في قيادة الدراجات؟".
" نعم ، فوالدي لم يسمح لي بقيادتها إلا في الأسبوع الماضي بمناسبة عيد ميلادي ، هل حصلت على دراجتك منذ زمن طويل؟".
" منذ سنوات ".
توقف رايان أمام بوابة المنتزه وقال لها مبتسما :
" حسنا ، الى اللقاء".
" شكرا".
إبتسمت ليف وعيناها تتبعانه إذ رأت فيه الأب والأخ والصديق الذي تبحث عنه.
ضحك رايان وقال بمرح:
" يمكنك أن تشكريني عندما تبلغين السادسة عشرة".
إحمر وجه ليف بينما إستمر رايان يضحك وتابع يقول:
" الى اللقاء بعد عشر سنوات يا اوليفيا جانسن".
كانت ليف تستمع الى والدها يتحدث عن الفتى الناضج إبن دانيسون ، كان وجوده في الطريق أو على الشاطىء كافيا لإجتذابها وشعورها بحنين اليه لم تدرك له سببا ، ومع ذلك ، لم تتحدث اليه حتى حفلة عيد ميلاد صديقتها قبل ثلاثة أشهر من عيد ميلادها السابع عشر ... معظم اصدقائها كانوا هناك ولم تكن تدري أن الأخوين دانيسون من بين المدعوين ، كانت الحفلة في أوجها حين وصل جويل ورايان ، وقد راتهما اثناء فترة الإستراحة ،وبالأحرى ، لم تر إلا رايان ، لا أحد سوى رايان.
كانت تعلم أنها لن تنسى اللحظات حيث إنحبس نفسها وتسارعت دقات قلبها ، إنه أكثر اناقة من كل الرجال الذين صادفتهم وهو يملك كل شيء ... كان طويلا ، اسمر اللون ، ومن عائلة غنية ذائعة الصيت.
لم تكن وحدها التي تراه جذابا ، بل كل الفتيات الموجودات في الحفلة ، كان يتنقل من مجموعة فتيات الى مجموعة أخرى ، ومكثت ليف جانبا تراقبه وتقارنه مع كل الشبان الموجودين هناك ، وإعترفت أنه لا مجال للمقارنة ، كان كل شيء بالنسبة اليها ولم يكن الباقون شيئا .
وفيما كانت غارقة في أفكارها ، إنتفضت حين جلس جويل دانيسون الى جانبها طالبا منها الرقص معه حيث قبلت تلقائيا ، بعد فترة قصيرة ، إستطاع أسلوب جويل البسيط إزالة خجلها فوجدت نفسها تضحك وتمزح معه وكأنها تعرفه منذ سنوات ، وكم تمنت لو أنها وقعت في حبه بدلا من اخيه ، غير أن جويل كان بالنسبة اليها ، رغم لطفه وحنانه ، نسخة باهتة عن أخيه الأكبر .

امضت ساعة تقريبا وهي ترقص وتتحدث مع جويل الى أن لاحظ رايان وجودهما معا ، كانت القاعة تعبق بالدخان فخرجت مع جويل يتمشيان في الرواق حيث إلتقى رايان بهما عندما جاء يسأل أخاه الأصغر متى ينوي الذهاب.
كادت ليف تقع عن حافة الرواق حينما حضر رايان لكن الأخير أسرع وأمسك بها قائلا:
" إنتبهي !".
جف حلق ليف وإلتهبت عندما لامست يداه جسمها ، وإرتبكت بشدة عندما أخذت عيناه تتطلعان اليها بإعجاب ورأته يبتسم بهدوء قبل ان يقول:
" علمت الآن سبب إختفائك كل المساء يا جويل... الن تعرّفنا ببعضنا؟".
" آه ! عفوا".
قال جويل معتذرا ثم أضاف بخيبة أمل:
" ليف جانسن ، أخي رايان".
أطرق رايان قليلا محاولا تذكّر إسم ليف ثم لمعت اسنانه البيضاء في إبتسامة منتصرة:
" تذكرت الآن ، الدراجة !".
وتطلع بإعجاب نحوها وأضاف :
" تغيرت قليلا عن الماضي وبالتحديد نحو الأفضل".
غمرتها نظراته فشعرت بالحرج ، فتابع:
" كما أذكر شيئا آخر ، إنه وعد بيننا ، انت مدينة لي بعناق وأظن أن الوقت حان لأخذه".
قال جويل مستنكرا:
" هيا! ما هذا؟".
" لقد خلّصت ليف ذات مرة من صبية مزعجين فوعدتني بأن أعانقها حين تبلغ السادسة عشرة ، فهل بلغت السادسة عشرة؟".
" نعم ، وعلى وشك السابعة عشرة ، لكنني لم أعدك بشيء".
قالت ليف ذلك ووجنتاها تلتهبان من الخجل.
"وهل تنكثين بوعدك ؟ حسنا ، علي إذن أن اسرقه".
وقبل أن تدرك ما هو فاعل ، شدّها اليه بذراعيه القويتين وعانقها بحرارة ، منذ تلك اللحظة ، أصبحت ملكا له وكأن ذلك العناق ختم.
أشفقت ليف على جويل الذي أصيب بالخيبة وكان بوسعها أن تلمح ذلك في عينيه ، لكنها كانت خائرة القوى لتفعل أي شيء بهذا الشأن فقد أعادها رايان الى حالة من الإنجذاب لم تتخيل وجودها في أعماقها من قبل.
كان الأخوان دانيسون قدما الى الحفلة معا في سيارة جويل وعادت ليف معهما الى المنزل.
كانت رحلة العودة القصيرة الى المنزل في منتهى الروعة إذ شعرت بقرب رايان منها رغم أنه لم يمض وقت طويل على معرفتها المباشرة به.
أغمضت ليف عينيها محاولة محو صور الماضي من ذاكرتها ، يا الله ، كم كانت ساذجة ، لقد ظنت انها وقعت في الحب لأول مرة ، لكنها لم تعلم إلا الآن بأنها وقعت في الحب لأول ولآخر مرة.
شعرت بالتعب وهي تقلب صفحات تاريخها القديم وعندما عزمت على الذهاب الى سريرها كي تنام سمعت وقع أقدام في الخارج ، أنصتت الى الصوت وخفقات قلبها تتزايد ثم إنهارت لدى رؤية خيال يقترب منها.
" من هناك؟ من هناك؟ ".
علا صوتها خوفا مع إقتراب الخطوات ثم تبينت بوضوح ملامح الشخص المقترب وصرخت:
" أنت ! ؟".

مشاركة